وأنشد في الباب (٧٠٢):
[٢٧٥] أَهَدَمُوا بَيْتَكَ لا أَبَاَلَكَا
[وحَسِبوا أنّكَ لا أَخَالَكَا]
وأنا أَمشِي الدَأَلّي حَوَالَكا
الشاهدُ فيه قوله: (حَوَالَكَا) وإفرادُهُ، والمُستعمَلُ فيه التثنيةُ يقال: حَوْلَكَ وحَوَالَيْكَ، وحَوَالَكَ قَليلٌ كما أنّ حَوْلَيْكَ قليلٌ، وانَّما ذكر سيبويه هذا مُحْتَجًّا لحَوَالَيْكَ ولَبَّيْكَ ونحوه ممَّا يُثَنّى للتكثيرِ، ورُبَّما أفْرِدَ فقيلَ: حَنانٌ (٧٠٣) ولَبٌّ كما يُفْرَدُ حَوَالَيْكَ فَيُقال: حَوَالَكَ.
وزَعَم أبو عُبَيْدة (٧٠٤) أنّ هذا من قَولِ الضَبِّ للحِسْلِ أيّامَ كانت الأشياءُ تتكلّمُ فيما تَزْعُمُ الأعْرابُ. [والدَألُ: مَشْيٌ]، والدَأَلَى: مِشْيَةٌ فيها تَتَاقُلّ يقال: مَرَّ يَدْأَلُ بِجِمْلِهِ.
وأنشد في البابِ (٧٠٥):
[٢٧٦] دَعَوْتُ لما نابَنِي مِسْوَرًا … فَلَبّي فَلَبَّيْ يَدَيْ مِسْوَرِ
الشاهدُ فيه قَولُهُ: (فَلَبَّيْ يَدَيْ) بإثباتِ الياءِ، لأنَّها ياءُ التثنيةِ، وإنّما احتَجَّ به
стр. 212
على يونس (٧٠٦) لزَعْمِهِ أنَّ (لَبَّيْكَ) اسمٌ مفرّدٌ بمنزلةِ (عليكَ) وأنَّ ياءَهُ كيائها، فأخَذَهُ سيبويه بقولِ الشاعرِ: (فَلَبَّيْ يَدَيْ مِسْوَرٍ) وإظهارُهُ الياءَ معَ الإضافةِ (٧٠٧) إلى الظاهِرِ، ولو كانَ بمنزلةِ (عليكَ) لقال: فَلَبَّى يَدَيْ كما تقول: على يَدَيْهِ ونحوه.
يقول: دَعَوْتُ مِسْوَرًا لِدَفْع نائبةٍ نابَتْني فأَجابَني بالعَطاءِ فيها وكَفَاني مُؤْنَتَها، وكأنّه سَأَلَهُ في دِيَةٍ، وإنّما لَبّي يَدَيْه لأنّهما الدافِعَتانِ إليه ما سَأَلَهُ منه فَخَصَّهما بالتَلْبيلةِ لذلك.
وأنشد في بابٍ ترجَمَتُه: هذا بابٌ (٧٠٨) ينتصبُ فيه المصدرُ المُشَبِّهُ بهِ، للنابغة الذبياني (٧٠٩):
[٢٧٧] مَقْذوفَةٍ بدَخِيسِ النَحْضِ بازِلُهما … لسه صَرِيفٌ صَريفَ القَعْوِ بالمَسّدِ
الشاهدُ فيه نَصْبُ (صَرِيفِ القَعْوِ) على المصدر المُشَبَّهِ به، والعاملُ فيه فِعلٌ مُضْمَرٌ دَلَّ عليه قولُهُ: (لَهُ صَريفَّ)، فكأنَّه قال: بازِلُها يصرفُ صَرِيفًا مِثلَ صَرِيف القَعْوِ، ورَفْعُهُ على البَدَلِ جائزٌ.
وَصَفَ ناقةٌ بالقُوَّةِ والنَشاطِ فيقول: كأَنَّما قُذِفَتْ باللحمِ قَذْفًا لتراكُمِهِ عليها. والنَحْضُ: اللحمُ، ودَخِيسّهُ: ما تَداخَلَ منه وتراكَبَ. والبازِلُ: سِنٌّ تخرجُ عندَ بُزولِها وذلك "في" العام التاسع من سِنِّها، وعند ذلك تكمُلُ قُوَّتُها ويقالُ لها: بازِلُ. والصَريفُ: صَوتُ أَنيابِها إذا حَكَّتْ بعضَها ببعض نَشاطًا أو إعياءً، وأرادَ "ها" هنا النَشَاطَ خاصَّة. والقَعْوُ: ما تَدورُ فيه البكرةُ إذا كانَ مِن خَشَبٍ، فإذا كانَ من حَديدٍ فهو خُطّافٌ. والمَسَدُ: حبلٌ من ليفٍ أو جِلْدٍ، ولا يُسَمّى مَسّدًا إلّا
стр. 213
كذلك، ويقال: مَسَدْتُهُ إذا أَحْكَمْتَ فَتْلَهُ، وحَبْلُ مَمْسودٌ، والمَسَدُ الاسمُ.
وأنشد في البابِ للنابغة الجَعْديَ، واسمُهُ قَيسُ بنُ عبدِ اللَّه ويقال: عبدُ اللَّهِ بن قيس (٧١٠):
[٢٧٨] لَها بَعْدَ إسْنادِ الكَليمِ وهَدْئِهِ … وَرَنَّةِ مَنْ يبكي إذا كانَ باكِيا
هَدِيرٌ هَدِيرَ الثَورِ يَنْفُضُ رأسَهُ … يَذُبُّ برَوْقَيْهِ الكِلابَ الضَوارِيا
الشاهدُ فيه نَصْبُ (هَديرِ الثَورِ) على إِضمارٍ فِعْلٍ دَلَّ عليه قَولُهُ: (لها هَديرٌ)، لأنَّ معناه تَهدِرُ، والقَولُ فيه كالقَولِ في الذي قَبْلَهُ.
وَصَفَ طَعنةٌ جائفةٌ تهدِرُ عندَ خُروجٍ دَمِها وَفَوْرِهِ. والكَليمُ: المّجْروحُ وإسْنادُهُ: إقُعادُهُ معتمدًا بظَهْرِهِ على شَيءٍ يُمْسِكُهُ لِضَعْفِهِ. وهَدْؤُهُ: سُكونُهُ ونَوْمُهُ. والرَنَّةُ: رَفْعُ الصَوتِ بالبُكاءِ. والضَواري: التي ضَرِيَتْ على الصَيْدِ واعتادَتْهُ. والرَوْقُ: القَرْنُ.
وأنشد في الباب (٧١١):
[٢٧٩] إذا رَأتْنِي سَقَطَتْ أَبْصارُها
دَأْبَ بِكارٍ شايَحَتْ بِكارُها
الشاهدٌ فيه قولُه: (دَأْبَ بِكارٍ)، ونَصْبُهُ على المصدر المشبه به كالذي تَقَدّمَ، والعامِلُ فيه معنى قوله: إذا رَأَتْني سَقَطَتْ أَبصارُها، لأنّه دال على دؤوبها في ذلك.
والمعنى، "يقول": كُلَّما رَأَتْني سَقَطَتْ أَبصارُها وخشعتُ هَيْبةً لي كما (٧١٢) تَفْعَلُ البِكارُ، وهي جَمعُ بكرةٍ من الإبِلِ إذا جَدَّتْ فُحولُها في اعتِراضِها. ومعنى
стр. 214
شايَحَتْ: جَدَّتْ، والمُشِيحُ من الرِجالِ "والشيح": الجادُّ الماضي.
ويقال: شايَحَتْ [بمعنى حاذَرَتْ] (٧١٣)، فيكون المعنى على هذا دَأب بِكارٍ شايَحَتْ هي، أيْ: حاذَرَتْ، ثُمَّ وَضَعَ البِكارَ موضعَ الضَميرِ وأضافَهُ إلى الضَميرِ نَفْسِهِ توكيدًا لاختِلافِ اللفظين كما قال (٧١٤):
أَزَلْنا هامَهُنَّ عن المَقِيلِ [١٥٩]
بعدَ ذِكْرِ الرُؤوسِ، أي: أَزَلْناها عن المَقيلِ، وقد بَيَّنْتُ عِلَّةَ جَوازِهِ (٧١٥).
والدَأبُ: العادَةُ.
وأنشد في الباب لرُؤية (٧١٦):
[٢٨٠] لَوَّحَها مِن بَعْدِي بُدْنٍ وسَنَقْ
تَضْمِيرَكَ السابق يُطوى للسَبَقْ
الشاهدُ فيه قولُه: (تَضْمِيرَكَ السابقَ)، ونَصْبُهُ على إضمارِ فِعْلٍ دَلَّ عليه قولُهُ: (لَوْحَها)، لأنّه في معنى ضَمَّرَها، واللائحُ: الضامِرُ، وأصلُهُ من اللوحِ وهو العَطَشُ.
وَصَفَ ناقَةَّ ضَمَرَتْ لدُؤوبِ السَيرِ. والبُدْنُ: السِمَنُ. والسَنَقُ: أنْ يُكْثَرَ لَها مِن العَلَفِ حتَى تَسْنَقَ وتتخم، وشَبَّهَ ضُمْرَها بضُمْرِ السابقِ من الخَيلِ المُعَدِّ للرِهانِ، ومعنى يُطْوَى يُضَمَّر. والسَبَقُ: الخَطَرُ، ويجوزُ أنْ يُريدَ السَبْقَ فَحَرَّكَ ضرورةً.
وأنشد في البابِ للعجّاج (٧١٧):
стр. 215
[٢٨١] تاجٍ طَواهُ الأيْنُ مِمّا وَجَفا
طَيَّ اللَّيالي زُلَفًا فَزُلَفا
سَماوَةَ الهِلالِ حتّى احقَوْقَنا
الشاهدُ في قوله: (طَيَّ اللّيالي)، ونَصْبُه على المصدر المُشَبَّهِ به دونَ الحالِ لأنّه معرفةٌ، ولهذا (٧١٨) ذَكَرَهُ سيبويه ولم يَقْصد فيه ما قَصَدَ في الذي قَبْلَه مِن أنْ يَجْعَلَه على إضمارِ فِعْلٍ من غير لَفْظِهِ كما تَأَوَّلَ عليه مَنْ غَلَّطَه (٧١٩) ونَسَبَ إليه أنّه استَشْهَدَ بنَصْبِ سَماوَةٍ على المصدر المُشَبَّهِ به.
وَصَفَ بَعيرًا أَضْمَرَهُ دُؤوبُ السَير حَتّى اعوَجَّ من الهُزالِ، كما تَمْحَقُ الليالي القَمَرَ شَيئًا بعدّ شَيءٍ حتّى يعودَ هِلالا مُحْقَوْقِفًا مُعْوَجًّا. والناجي: السَريعُ. والوَجِيفُ: سَيرٌ سَرِيعٌ. والأيْنُ: الإِعْياءُ والفُتورُ، ولم يُرد أنّ الإِعْياءَ طَواهُ وإنّما أرادَ سَيْرَهُ الشَديدَ المُفْضِي به إلى الإِعْياءِ فَجَعَلَ الفِعلَ له مجازًا. والزُلَفُ: الساعاتُ المتقاربَةُ، واحدتُها زُلْفَةٌ، وأرادَ بها الأوقاتَ التي يطلع بها بَعْدَ منتصفِ الشَهْرِ وبَعضُها يتأخَرُ عن بعض تَأَخُرًا قريبًا. وسَماوَةً كُلِّ شَيءٍ أعلاهُ، ونَصَبَها بالطَيِّ نَصْبَ المفعولِ به. والمُحْقَوقِفُ: المُعْوَجُّ، والحِقْتُ: ما اعوَجِّ من الرَملِ، وكانَ ينبغي أَنْ يقولَ: سَماوَةَ القَمَر ولكنّه سَمّى القَمَرَ هِلالًا لِما يَؤُولُ إليه.
وأنشد في البابِ لأبي كبير الهُذَلي (٧٢٠):
[٢٨٢] ما إنْ يَمَسُّ الأرضَ إلّا مَنْكِبٌ … منه وحَرْفٌ الساقِ طَيِّ المِحْمَلِ
الشاهدٌ فيه نَصْبُ (طَيِّ المِحْمَلِ) بإضمارِ فِعلٍ دَلَّ عليه قولُهُ: ما إنْ يَمَسُّ الأرضَ إلّا مَنْكِبٌ [منه] وحَرفُ الساقِ، لأنّ ذلك لانْطِواءِ كَشْحِهِ وضَّمْرِ بَطْنِهِ، فكأنّه قال: طُوِيَ طَيًّا مِثلَ طَيِّ المِحْمَلِ.
стр. 216
وَصَفَ رَجُلًا بالضُمْرِ فشَبَّهَهُ في طَيِّ كَشْحِهِ "وضُمْرِ بَطْنِهِ" وإرهافِ خَلْقِهِ كحمالةِ السيفِ وهي المِحْمَلُ، وزَعَم أنّه إذا اضطَجَعَ نائمًا نَبَا بَطْنُهُ عن الأرضِ ولم يَنَلْها منه إلّا مَنْكِبُهُ وحَرفُ ساقِهِ.
وأنشد في بابٍ ترجَمَتُهُ: هذا بابُ ما يُختارُ فيه الرَفعُ، لرؤية (٧٢١):
[٢٨٣] فيها ازْدِهافٌ أَيَّما ازْدِهافِ
الشاهدُ فيه نَصْبُ (أَيَّما) وإنْ كانَ من نَعْتِ المصدرِ قَبْلَهُ وكانَ (٧٢٢) حَقُّهُ أنْ يجريَ عليه، ولكنّه حُمِلَ على المعنى لأنّه إذا قال: فيها ازدِهافٌ، عُلِمَ أَنّها تَزْدهِفُ، فكأنّه قال: تَزْدَهِفُ أَيَّما ازدهافٍ.
وَصَفَ رَجُلًا بالخُلْفِ وقَولِ الباطِلِ، ويقال: إنّ ذلك الرَجُل أبوه العَجّاج، فجَعَل أقوالَهُ تَزدهفَّ العُقولَ، أي: تَسْتَخِفَّها، وقَبْلَه:
قَولُكَ أَقوالًا مع التَخْلافِ
فيها ازْدِهافٌ أَيَّما ازْدِهافِ
وأنشد في بابٍ بعدَ هذا (٧٢٣):
لِيُبْكَ يَزيدُ ضارعٌ لخُصُومَةٍ … (ومُخْتَبطٌ ممّا تُطِيحُ الطَوائحُ) (٧٢٤) [٢٢٥]
وقد مَرَّ (٧٢٥) بتفسيرِهِ (٧٢٦).
وأنشد في بابٍ ترجَمَتُهُ: هذا بابٌ لا يكونُ فيه إلّا الرَفْعُ، لمُزاحِم العُقَيْليّ (٧٢٧):
[٢٨٤] وَجْدِي بها وَجْدٌ المُغِسلِّ بَعيرَهُ … بنَخْلَةَ لم تَعْطِفْ عليه العَواطِفُ
стр. 217
الشاهدٌ فيه رَفْعُ (وَجْدِ المُضِلِّ بَعيرَهُ)، لأنّه خَبَرٌ عن الأوّلِ، فلم يَجُزْ نَصْبُهُ كما انتَصَبَ ما قَبلَه في الأبوابِ المتقدِّمة.
يقول: وَجْدِي بهذهِ المرأةِ وحُزْني لِفَقْدِها كَوَجْدِ مَنْ أَضْلَّ بَعيرَه أَحْوَجَ ما يكونُ إليه. ونَخْلَةٌ: موضعٌ بقُربِ مكَّةَ، وعليها يأخُذُ الحاجُّ مُنصرفينَ بعدَ انقِضاءِ حَجَّهم، ولذلك قال: (لَمْ تَعْطِفْ عليه العَواطِفُ)، لأنَّهم آخِذونَ في الانْصِرافِ ومُزْعِجونَ لمَطِيَّهم.
وأنشد في بابٍ ترجَمَتُه: هذا بابُ ما ينتصبُ من المصادرِ لأنّه عُذْرٌ، لحاتِم الطائي (٧٢٨):
[٢٨٥] وأَغْفِرُ عَوْراءَ الكريمِ أدِّخارَهُ … وأُعْرضُ عن شَتْمِ اللَّئيمِ تَكَرُّما
الشاهدُ فيه نَصْبُ (الادِّخارِ والتَكَرُّم) على المفعولِ له، والتقديرُ لادِّخارِهِ وللتَكَرُّمِ، فحذَفُ حَرْفَ الجَرِّ ووَصَلَ الفِعلَ فنَصَبَ.
ولا يَجوزُ مِثلُ هذا حَتَّى يكونَ المصدرُ من معنى الفِعلِ المذكورِ قَبْلَه فَيُضارِعَ المصدرَ المؤكِّدَ لِفِعْلِهِ كقولك: قَصَدْتُكَ ابتِغاءَ الخَيرِ وغَفَرتُ ذَنْبَكَ ادِّخارًا لكَ، لأنّه بمنزلةِ ابتَغَيْتُ ما عندكَ بقَصْدِي لكَ ابتِغاءً، وادَّخَرْتُكَ بغَفْرِي ذَنْبَكَ ادِّخارًا.
فإنْ كانَ المصدرُ لغير الأوّلِ لم يَجُز حَذْفُ حَرْفِ الجَرِّ "منه"، لأنّه لا يُشْبِهُ المصدرَ المؤكَّدَ لِفِعْلِهِ كقولك: قَصَدْتُكَ لرغبةِ زيدٍ في ذلك، لأنّ الراغِبَ غَيرُ القاصِدِ، فلا يَجوزُ قَصَدْتُك رَغبةَ زَيدٍ في ذلك.
يقول: إذا جَهِلَ علىَّ الكريمُ احتَمَلْتُ جَهْلَهُ إبقاءً عليه وادِّخارًا له، وإنْ سَبَّني اللَّئيمُ. اعْرَضتُ عَنْ شَتْمِهِ إكْرامًا لِنَفْسي عنه. والعَوْراءُ: الكلمةُ القَبيحةُ أو الفَعْلَةُ، وأصلُها (٧٢٩) من العَوَرِ أو العَوْرَةِ.
стр. 218
وأنشد في [هذا] الباب للنابغةِ الذُبياني (٧٣٠):
[٢٨٦] وحَلَّتْ بُيُوتي في يَفَاع مُمَنَّعٍ … يُخالُ به راعي الحَمولَةِ طائِرا
حِذارًا على أنْ ألّا تُصابَ مَقَادَتي … ولا نِسْوَتي حَتّى يَمُتْنَ حَرائرا
الشاهدُ فيه نَصْبُ (حِذارٍ) على المفعولِ له "كما تَقَدّم".
يقولُ هذا للنُعمان بن المنذرِ وكانَ واجِدًا عليه، أي: لا أوذيكَ بهَجْوٍ ولا ذَمٍّ وإنْ كنتُ بحيثُ لا أخافُكَ وَفاءً بحَقِّ نعمتك وقَضاءً لِما يَلْزَمُني من مُراعاةِ أَمْرِكَ. واليَفاعُ: ما ارتَفَع من الأرضِ، وجَعَل راعي الحمولةِ فيه كالطائرِ لإشْرافِهِ وبُعْدِهِ في السماءِ، وكُلُّ ما أَشرَفَ فالكبيرُ يَبْدو فيه صَغيرًا، وما اطمَأَنَّ واتَّسَعَ ظَهَرَ الصَغيرُ فيه كبيرًا، فلذلك جَعَلَه كالطائرِ، ويَحتملُ أنْ يُريدَ أَنَّه كالطائرِ المُحَلِّقِ في الهواءِ. والمَقَادَةُ: الطاعَةُ والانْقِيادُ. والحَرائرُ جَمعُ حُرَّةٍ على غَيرِ قياسٍ، وقد قيلَ: واحِدَتُها حَرِيرةٌ بمعنى حُرَّةٍ، وهو غَريبٌ.
وأنشد في الباب للحارثِ بن هشام المخزومي (٧٣١):
[٢٨٧] فَصَفَحْتُ عَنْهُم والأَحِبَّةُ فيهمُ … طمَعًا لهم بِعِقابِ يَومٍ مُفْسِدِ
الشاهدُ فَيه نَصْبُ (طمَعٍ) على المفعولِ له كما تَقَدّمَ في الذي قَبلَه.
يقولُ هذا معتَذِرًا من فِرارِهِ يومَ قُتِلَ أبو جَهْلٍ أخوه ببَدْرٍ، وهو من أحسَن الاعتِذارِ فيما يأتيه الرَجُلُ من قَبيحِ الفعلِ، أيْ: لَمْ أَفِرَّ جُبْنًا ولم أَصْفَحْ عنهم خَوَرًا وضَعْفًا، ولكنْ طَمَعًا في أنْ أَعِدَّ لهم وأُعاقِبَهُم بيومٍ أوقِعُ بهم فيه فتَفْسُدَ أحوالُهم.
стр. 219
وأنشد في [هذا] الباب للعَجّاج (٧٣٢):
[٢٨٨] يَرْكَبُ كُلٍّ عاقِرٍ جُمْهُورِ
مَخَافَةً وزَعَلَ المَحْبُورِ
والهَوْلَ مِن تَهَوُّل القُبورِ
الشاهدُ فيه نَصْبُ (مَخافَةٍ) وما بَعدَه على المَفعولِ له، وعِلَّتُهُ كعِلَّةِ ما قَبْلَه.
وَصَفَ ثَورًا وَحْشِيًّا فيقول: يَركَبُ لِنَشاطِهِ وقُوَّتِهِ كُلَّ عاقِرٍ مِن الرَملِ وهو الذي لا يُنْبِتُ، والجُمْهُورُ: المُتراكِبُ، لخَوفِهِ من صائدٍ (٧٣٣) أو سَبُعٍ، أو لزَعَلِهِ وسُرورِهِ، والزَعَلُ: النَشاطُ، والمَحْبورُ: المَسْرورُ، ولِهَوْلٍ يَهولُهُ كَهَوْلِ القُبورِ، ويُروى الهُبور وهي الغياباتُ مِن الأرضِ المُطْمئنَاتُ واحِدُها هَبْرٌ لأنَّها مَكْمَنٌ للصائدِ فهو يَخافُها لذلك.
وأنشد في بابٍ ترجَمَتُهُ: هذا بابٌ ما ينتصبُ من المصادرِ لأنّه حالٌ وَقَع فيه الأمرُ، لزُهير بن أبي سُلْمَي (٧٣٤):
[٢٨٩] فَلأيًا بلأيٍ ما حَمَلْنا وَلِيدَنا … على ظَهْرِ مَحْبوكِ ظِماءٍ مَفَاصِلُهْ
الشاهدُ فيه قَولُه: (لأيًا بلأيٍ) ونَصْبُهُ على المصدرِ الموضوعِ موضعَ الحالِ، والتقديرُ حَمَلْنا وَلِيدَنا مُبْطِئين مُلْتَئين.
وَصَفَ فَرَسًا بالنَشاطِ وشِدَّةِ الخَلْقِ فيقول: إذا حَمَلْنا الغُلامَ عليه ليَصِيدَ امتَنَعَ لنَشاطه فلم يَحْمِلْه إلّا بَعدَ إبْطاءٍ وجَهْدٍ. والأَيُ: الإِبْطاءُ، ولا فِعلَ له يجري عليه، ولكنْ يقال: التَأَتْ عليه الحاجَةُ إذا أَبْطَأَتْ. والمَحْبوكُ: الشَدِيدُ الخَلْقِ. والظِماءُ هُنا القَليلةُ اللَّحمِ وهو المَحْمودُ منها، وأَصلُ الظَمَإ العَطَشُ.
стр. 220
وأنشد في الباب في مِثْلِهِ (٧٣٥):
[٢٩٠] ومَنْهَلٍ وَرَدْتُهُ التِقاطا
الشاهدُ فيه قولُه: (التِقاطًا) والمعنى وَرَدْتُه مُلْتَقِطًا، أيْ: مُفاجِئًا له لم أقْصِدْ قَصْدَهُ لأنّه في فَلاةٍ مَجْهولَةٍ. والمَنْهَلُ: المَوْرِدُ.
وأنشد في بابٍ ترجَمَتُه: هذا بابُ ما جاءَ منه في الألفِ واللامِ، للبيد بن ربيعةَ (٧٣٦):
[٢٩١] فأَرْسَلَها العِراكَ ولَمْ يَذُدْها … ولمْ يُشْفقْ على نَغَصِ الدِخالِ
الشاهدُ فيه نَصْبُ (العِراكِ) وهو مصدرٌ في موضعِ الحالِ، والحالُ لا يكونُ معرفةٌ وجازَ هذا لأنّه مصدرٌ، والفِعلُ يَعملُ في المصدرِ معرفةٌ ونكرةً، فكأنّه أَظْهَرَ فِعْلَهُ ونَصَبَهُ به ويَضَعَ ذلك الفِعلَ موضعَ الحالِ فقال: أرْسَلَها تَعْترِكُ الاعْتِراكَ، ولو كانَ مِن أسماءِ الفاعِل لم يَجُزْ ذلك فيه نحو أَرْسَلَها المُعْتَرِكَةَ.
وَصَفَ إِبِلًا أورَدَها الماءَ مُزْدحمةٌ. والعِراكُ: الازدِحامُ، ولم يُشْفِق على ما تَنَغَصَ شُرْبُهُ منها. والدِخالُ: أنْ يَدْخُلَ القَوِيُّ بينَ ضَعيفين أو الضَعيفُ بينَ قَوِيَّينِ فيَتَنَغَّصَ عليه شُرْبُهُ.
وأنشد في بابٍ ترجَمَتُه: هذا بابُ ما جُعِلَ مِن الأسماءِ مصدرًا كالمضافِ في الباب الذي يليهِ، للشَمّاخ (٧٣٧)، ويُروى لِمُزَرِّد (٧٣٨) أخيه:
[٢٩٢] أتَتْني تَميمٌ قَضَّها بقَضِيضها … تُمَسِّحُ حَوْلي بالبَقِيعِ سِبالَها
стр. 221
الشاهدُ فيه نَصْبُ (قَضِّها) على الحال، وهو معرفةٌ بالإضافَةِ لأنّه مصدرٌ، والقَولُ فيه كالقولِ في العِراكِ، وعِلَّتُهُ كعِلَّتِهِ.
وَصَفَ جَماعَةً من تَميم أَتَتْهُ لتَشْهَدَ (٧٣٩) عليه في دَيْنٍ لَزِمَهُ قَضاؤُهُ فجَعَلوا يُمَسِّحونَ لِحاهُم تَأَهُّبًا للكلامِ. ومعنى قَضَّها بقَضِيضِها مُنْقَضًا آخِرُهُم على أوَّلهم، وأصلُ القَضِّ الكَسْرُ وقد استُعمِلَ الكَسْرُ "في" موضعِ الانقِضاضِ كقولهم: عُقابٌ كاسِرُ أيْ: مُنْقَضَّةٌ. والبَقيعُ: موضعٌ بالمدينةِ. ويُروى (أَتَتْني سُلَيْمٌ).
وأنشد في بابٍ ترجَمَتُه: هذا بابُ ما يكونُ فيه المصدرُ توكيدًا لنَفْسِهِ نَصْبًا، للأحوص بن محمد الأنصاري (٧٤٠):
[٢٩٣] إنِّي لأَمنَحُكَ الصُدودَ وإنِّني … قَسَمًا إليكَ مَعَ الصُدودِ لأَمْيَلُ
الشاهدُ فيه قَولُه (٧٤١): (قَسَمًا) ونَصْبُهُ على المصدرِ المؤكِّدِ لِما قَبْلَه من الكلامِ الدالِّ على القَسَمِ، لأنّه لَمّا قال: إنِّي لأَمْنَحُكُ الصُدودَ، وإنَّني إليكَ لأَمْيَلُ، عُلِمَ أنَّه مُحَقَّقٌ مُقْسِمٌ فقال: قَسَمًا، مؤكِّدًا لذلك.
يُخاطبُ منزِلًا لِمَنْ يُحِبُّهُ يَعْتزِلُهُ خَوفًا من عَدُوِّ يَرقُبُه، وقَلْبُهُ مع ذلك، مُوَكَّلٌ به مائلٌ إليه، وقَبْلَه (٧٤٢):
يا بَيتَ عاتِكَةَ الذي أتَعزَّلُ … خَوفَ السعِدَى وبهِ الفُؤادُ مُوَكَّلُ
стр. 222
وأنشد في البابِ لرؤبة (٧٤٣):
[٢٩٤] إنَّ نِزارًا أَصبَحَتْ نِزارا
دَعْوَةَ أَبْرارٍ دَعَوْا أَبْرارا
الشاهدُ فيه نَصْبُ (الدَعْوةِ) على المصدرِ المؤكَّدِ به ما قَبْلَه، لأنّه لَمّا قال: إنّ نِزارًا أصبَحَتْ نِزارا، عُلِمَ أنَّهم على دَعوةٍ بَرَّةٍ لاصطِلاحهم وتَآلُفِهم.
والمعنى انَّ ربيعةَ ومُضَرَ ابْنَي نِزارٍ كانت بينهما حَربٌ بالبَصرةِ وتَقاطُعٌ فكانَ المُضَرِيُّ ينتمي في الحرب إلى مُضَرَ ويَجعَلُها شِعارَهُ، والرَبَعيُّ ينتمي إلى ربيعةَ، فلمّا اصطلحوا انتموا كُلُّهم إلى أبيهم نِزارٍ وجَعَلوه شِعارَهم فجَعَل دَعْوتَهم بَرَّةُ لذلك.
وأنشد في الباب للواعي (٧٤٤):
[٢٩٥] دَأَبْتُ إلى أنْ يَنْبُتَ الظِلُّ بَعدَما … تَقاصَرَ حتّى كادَ في الآلِ يَمْصَحُ
وَجِيفَ المَطايا ثُمَّ قَلتُ لصُحْبَتي … ولم يَنْزِلوا أبْرَدْتُمُ فَتَرَوَّحُوا
الشاهدُ فيه نَصْبُ (وَجِيفِ المَطايا) على المصدر المؤكِّدِ لمعنى قولِهِ: (دَأَبْتُ)، لأنّه بمعنى وَصَلْتُ السَيرَ فأَوْجَفْتُ المَطِيَّ، أي: سَيَّرتُها الوَجِيفَ وهو سَيرٌ سَرِيعٌ.
وَصَفَ أنّه وَصَلَ السَيرَ إلى الهاجرةِ ثُمَّ نَزَلَ مُبْرِدًا بأصحابِهِ ثُمَّ راحَ سائرًا. ومعنى قوله: (إلى أنْ يَنْبُتَ الظِلُّ)، أي: إلى أنْ يأخُذَ في الزِيادةِ بعدَ زَوالِ الشَمسِ ويَنْموَ، يقال: نَبَتَ لفُلانٍ مالٌ إذا نَما وزادَ. والآلُ: الشَخصُ. ومعنى يَمصَحُ يذهَبُ يُريد عندَ قائم الظَهيرةِ إذا انتَعَلَ (٧٤٥) الشَخصُ ظِلَّهُ. والمَطايا: الرواحِلُ
стр. 223
لأنّها تُمْتَطَى (٧٤٦)، أي: تُسْتَعمَلُ ظُهورُها، والمَطَى: الظَهرُ. ومعنى أَبْرَدْتُمْ دَخَلْتُم في بَرْدِ العَشِيّ. فَتَروّحوا، أيْ: سِيرُوا رَواحًا.
وأنشد في بابٍ ترجَمَتُه: هذا بابُ ما ينتصبُ من المصادِرِ لأنّه حالٌ (٧٤٧):
[٢٩٦] أَلا لَيتَ شِعْرِي هَلْ إلى أُمِّ مالِكِ … سَبيلٌ فأمّا الصَبْرَ عَنْها فَلا صَبْرَا
الشاهدُ فيه نَصْبُ (الصَبْرِ) على المفعولِ له، والتقديرُ مَهْما ذَكَرْتَ للصَبْرِ ومِن أَجْلِهِ فَلَا صَبْرَ لي، ولو رُفِعَ بالابتداءِ لكانَ حَسَنًا، وكان يكونُ التقديرُ فأمّا الصَبرُ عنها فَلا صَبْرَ لي به، أي: لا أحتَمِلُهُ، فيكون لي صَبْرًا مَوْجودًا. ومعنى البيت ظاهرٌ مِن لَفْظِهِ.
وأنشد في البابِ لعبدِ الرحمن بن حَسّان (٧٤٨) "﵄":
[٢٩٧] أَلَا يا لَيْلَ وَيْحَكِ نَبِّئِينا … فأمّا الجُودُ مِنْكِ فليسَ جُودُ
الشاهدُ فيه رَفْعُ (الجُودِ) بالابتداءِ، وخَبَرُهُ فيما بَعدَه على إرادَةِ الضميرِ الراجعِ عليه وحَذْفِهِ، والتقديرُ أَمّا الجُودُ منكِ فليسَ لنا منكِ بهِ جُودٌ.
والمعنى أنّها لا تَجودُ البَتَّةَ، يقول: نَبِّئينا بما أَنتِ عليه مِن مَوَدّةٍ أَو غَيرِها، فأمّا جُودُكِ فَلا طَمَعَ لنا فيه لما عَهِدْتُ مِن بُخْلِكِ.
وأنشد في بابٍ ترجَمَتُهُ: هذا بابُ ما تَنتصِبُ فيه الصفةُ، لأُمَيَّةَ بنِ أبي عائذٍ
стр. 224
الهُذَلي (٧٤٩):
[٢٩٨] وَيَأوِي إلى نِسْوةٍ عُطَّلٍ … وشُعْثٍ مَراضِيعَ مِثْلِ السَعَالي
الشاهدُ فيه حَمْلُ (شُعْثٍ) على (عُطَّلٍ) بالواوِ، لأنّهما صفتان ثابِتَتان مَعًا في الموصوفِ، فَعُطِفَتْ إحداهما على الأُخرى بالواوِ لأنّ معناها الاجتماعُ، ولو عُطِفَتْ بالفاءِ لم يَجُزْ لأنّ معنى الفاءِ التفرِقَةُ.
وَصَفَ صائدًا يَسعى لِعِيالِهِ فيقول: يَعْزُبُ عن نِسائِهِ في طَلَبِ الوَحشِ، ثُمَّ يَأوِي إليهنَّ محتاجاتٍ لا شَيءَ لَهُنَّ. والعُطَّلُ: اللّائي لا حَلْيَ عليهنّ. والشُعْثُ: المُتَغيّراتُ مِن الهُزالِ وسُوءِ الحالِ، وشَبَّههنَّ بالسَعالي لشَعَثِهنّ وتَغَيُّرهنَّ، وإنّما وَصَفهنَّ بهذا لِيُريَ حاجَتَه إلى الصَيدِ وحِرْصَهُ عليه.
وأنشد في بابٍ ترجَمَتُه: هذا بابُ ما ينتصبُ من الأسماءِ والصِفاتِ لأنّها أحوالٌ، لعمرو بنِ مَعْدِ يكربَ (٧٥٠):
[٢٩٩] الحَربُ أَوَّلُ ما تكونُ فُتَيَّةً … تَسْعَى ببزَّتِها لكُلِّ جَهُولِ
الشاهدُ فيه رَفْعُ (أوّلَ) ونَصْبُ (فَتَيَّةٍ)، ونَصْبُ (أوّلَ) ورَفْعُ (فُتَيَّةٍ)، ونَصْبُهما جميعًا، ورَفْعُهما جَميعًا على تَقديراتٍ مختلفةٍ.
فَمَنْ رَفَعَ (أَوَّلَ) ونَصَبَ (فُتَيَّةٌ) فتقديرُه الحَربُ أوّلُ أحوالِها إذا كانَتْ فُتَيَّةً، فالحَرَبُ مبتدأةٌ، وأَوّلُ مبتدأٌ ثانٍ، وفُتَيَّةٌ حالٌ تَنوبُ مَنَابَ الخَبرِ، والجُملةُ خَبَرُ الحَربِ.
стр. 225
ومَنْ نَصَبَ (أوّلَ) ورَفَعَ (فُتَيَّةً) فتقديرهُ الحربُ في أوَّلِ أحوالِها فُتَيَّةً، فالحربُ مبتدأةٌ، وفَتَيَّةٌ خَبَرُها، وأَوَّلُ نَصْبٌ على الظَرفِ (٧٥١).
ومَنْ رَفَع (أوّلَ) و (فُتَيَّةٌ) فتقديرُه الحربُ أوّلُ أحوالها فُتَيّةٌ، فأَوّلُ مبتدأٌ ثانٍ أو بَدَلٌ من الحربِ، وفُتَيَّةٌ خَبَرُهُ وإنْ كانَ مُذَكّرًا، لأنّه مضافٌ إلى مؤنَّثٍ هو بَعضُه ومن سَبَبِه فأْنَتَ لذلك خَبَرُهُ.
ومَنْ نَصَبَهما جَميعًا جَعَلَ أوّلَ ظَرفًا وفُتَيَّةٌ حالًا، والتقديرُ الحَربُ في أوّلِ أَحوالِها إذا كانت فُتَيَّةً، وتَسْعى خَبَرٌ عنها، أَيْ: الحَربُ في حالِ ما هي فُتَيَّةً، أيْ: في وَقْتِ وُقوعِها تَسْعى بِبِزَّتها.
وَصَفَ أنَّ الحربَ في أوّلِ وُقوعِها تَغُرُّ مَنْ لَمْ يُجَرِّبْها حتّى يدخُلَ فيها فَتُهلِكَهُ. والبِزَّةُ: اللِّباسُ، وأصلُها (٧٥٢) مِن بَزَزْتُ الرَجُلَ أبُزُّهُ، إذا سَلَبْتَه، فَسُمّي اللِّباسُ بما يَؤولُ إليه من السَلبِ.
وأنشد في بابٍ ترجَمَتُه: هذا بابُ ما ينتصبُ من الأماكِنِ والوَقْتِ (٧٥٣):
[٣٠٠] سَرَى بَعدَما غارَ الثُرَيَّا وبَعْدَما … كأنّ الثُرَيّا حَلَّةَ الغَوْرِ مَنْخُلُ
الشاهدُ فيه نَصْبُ (حَلَّةِ الغَوْرِ) على الظَرفِ، ومعناها قَصْدَ الغَوْرِ ومَحَلُّهُ.
وَصَفَ طارِقًا سَرَى في الليلِ بعدَ أنْ غارَتِ الثُرَيّا أوّلَ الليلِ وذلك في استقبالِ زَمَنِ القّيظِ، وشَبَّهَ الثُرَيّا في اجتماعِها واستدارةِ نُجومِها بالمُنْخُلِ.
وأنشد في البابِ للأعشى (٧٥٤):
[٣٠١] نَحنُ الفَوارِسُ يَومَ الحِنْوِ ضاحِيَةً … جَنْبَيْ فُطَيْمَةَ لا مِيلٌ ولا عُزُلُ
стр. 226
الشاهدُ فيه نَصْبُ (جَنْبَي فُطَيْمَةَ) على الظرفِ (٧٥٥).
وفُطَيْمةُ موضعُ كانت لهم فيه وَقِيعةٌ (٧٥٦) فيقول: أَبلَيْنا في هذا اليوم. والحِنْوُ: موضعٌ بعينه. والضاحِيَةُ: البارزةُ. والمِيلُ: الذين لا يَثْبتونَ على السُروجِ، واحِدُهم أَمْيَلُ. والعُزْلُ جَمعُ أعزَلَ وهو الذي لا سِلاحَ معه، وحَرّكَ الزايَ ضَرورةُ.
وأنشد في البابِ للبيدِ بنِ ربيعة (٧٥٧):
[٣٠٢] فَغَدَتْ كِلا الفَرْجَينِ تَحْسِبُ أَنَّهُ … مَولى المخافَةِ خَلْفُها وأَمامُها
الشاهدُ فيه رَفْعُ (خَلْفِها وأَمامِها) اتّساعًا ومجازًا. والمُستعمَلُ فيهما الظَرفُ، ورَفْعُهما على البَدَلِ من (كِلا)، والتقديرُ فَغَدَتُ خَلْفُها وأَمامُها تَحْسِبُهما مَولَى المَخافَةِ، وكِلا: في موضعِ رَفْعٍ بالابتداءِ، وتَحْسِبُ مع ما بعدَها في موضعِ الخَبَرِ، والهاءُ من (أَنّه) عائدةٌ على (كِلا)، لأنّه اسمٌ واحِدٌ في معنى التثنيةِ فحَمَلَ ضميرَهُ على لَفْظِهِ. ومَولَى المَخافةِ: خَبَرٌ لأنّ معناه موضعٌ المخافَةِ ومُستَقَرُّها من قَولِ اللَّه : ﴿مَأْوَاكُمُ النَّارُ هِيَ مَوْلَاكُمْ﴾ (٧٥٨) أيْ: هي مُستَقَرُّكم الأَولَى بكم.
وَصَفَ بقرةً فَقَدَتْ وَلَدها أو أَحَسَّتْ بصائدٍ فهي خائفةٌ حَذِرةٌ تَحسِبُ كِلا طَريقيها من خَلْفِها وأمامِها مَكْمَنًا له يغترها منه. والفَرْجُ هنا موضِعُ المخافَةِ وهو مِثلُ الثَغْرِ، وثَنّاهُ لأنّه أرادَ ما تَخافُ منه خَلْفَها وأَمامَها.
وأنشد في الباب (٧٥٩):
[٣٠٣] فَصُيِّروا مِثلَ كَعَصْفٍ مَأكولْ
стр. 227
الشاهدُ فيه إدْخالُ (مِثْلٍ) على (الكافِ) وإنْ كانت حَرفًا، لأنّها في معنى (مِثْلٍ) فأخْرَجَها إليها وأَلْحَقَها بنَوعِها مِن الأسماءِ ضَرورةً، والتقديرُ فَصُيِّروا مِثْلَ مِثْلِ عَصْفٍ مأكولٍ، وجازَ الجَمعُ بينَ مِثْلٍ والكافِ جَوازًا حَسَنًا لاختِلافِ لفظيهما مع ما قَصَدَه من المُبالَغَةِ في التَشْبيه، ولو كَرَّرَ المِثلَ لم يَحْسُن.
وَصَفَ قَومًا استُؤصِلوا فشَبَّههم بالعَصْفِ الذي أُكِلَ حَبُّهُ، والعَصْفُ: التِبْنُ. وأنشَدَ في البابِ أَبياتًا قد مَرَّتْ بتفسيرها (٧٦٠) فأغْنَى ذلك عن إعادتها.
وأنشد في فَصلٍ [منه] ترجَمَتُه: وهذه حُروفُ تجري مَجرى خَلْفَكَ وأَمامَكَ، لأبي حَيَّةَ النُمَيرِيّ (٧٦١):
[٣٠٤] إذا ما نَعَشْنَاهُ على الرَحْلِ يَنْثَني … مُسَالَيْهِ عَنهُ مِن وَراءٍ ومُقْدَمِ
الشاهدُ فيه نَصْبُ (مُسَالَيْهِ) على الظَرفِ، والتقديرُ يَنْثَني في مُسالَيْهِ، أَيْ: في عِطْفَيْهِ وناحِيَتَيْه، وسُمِّيا مُسَالَيْنِ لأنّهما أسِيلا، أَيّ: سُهِّلا في طُولٍ وانحِدارٍ، فَهُما كمَسِيلِ الماءِ.
وَصَفَ راكبًا أَدامَ السُرى حتى غَشِيَةُ النَومُ وغَلَبَهُ، فجَعَلَ يَنْثَنِي في عِطْفَيهِ من مُقَدَّمِ الرَحْلِ ومُؤخَّرِه، ومعنى نَعَشْناه رَفَعْناهُ ومِنه سُمِّي النَعْشُ نَعْشًا لحَمْلِهِ على الأعناقِ. والهاءُ في (عنه) راجعةٌ إلى (٧٦٢) الرَحْلِ، أَيْ: يَثْنَي عَن (٧٦٣) الرَحْلِ من ورَاءٍ ومُقْدَمٍ.
وأنشد في بابٍ ترجَمَتُه: هذا بابُ ما شُبِّهَ من الأماكنِ المختَصَةِ بالمكانِ غَيرِ المُختَصِّ، لأبي ذُؤيب الهذلي (٧٦٤):
стр. 228
[٣٠٥] فَوَرَدْنَ والعَيُّوقُ مَقْعَدَ رابِئِ الـ … ــضُّرَباءٍ خَلْفَ النَجْمِ لا يَتَتَلَّعُ
الشاهدُ فيه نَصْبُ (المَقْعَدِ) (٧٦٥) على الظَرفِ مع اخِتصاصِهِ، تَشبيهًا له بالمكانِ، لأنَّ مَقْعَدَ الرابِئِ مكانٌ من الأماكنِ (٧٦٦) المخصوصةِ، والفِعلُ يَعملُ في المكانِ "هذا اللفظ" مُختَصًا ومُبْهَما، وجازَ ذلك في مِثلِ مَقْعَدِ رابِئِ الضُرَباءِ ولم يَجُز في الدارِ ونَحوِها، لأنّهم أرادوا به التَشبيهَ والمَثَلَ فكأنّهم قالوا: والعَيّوقُ من الثُرَيّا مكانًا قريبًا مثلَ مكانِ قُعودِ الرابئِ من الضُرَباءِ، فحَذَفوا اختصارًا وجَعَلوا المَقْعَدَ ظَرفًا لذلك، ولا تَقَعُ الدارُ ونَحوُها هذا الموقعَ فلذلك اختَلَفَ حُكْمُهما.
وَصَفَ حُمُرًا وَرَدتِ الماءَ في وَقتٍ من الليلِ بَدَتْ فيه الثُرَيّا مُكَبِّدَةً للسماءِ، والعَيُّوقُ خَلْفَها قد دَنا في رأي العينِ منها لاستعِلائهما، فشَبَّهَ مكانَهُ منها بمَقْعَدِ الرابئِ من الضُرَباءِ، والرابئُ: الأمينُ على القِداحِ الحَفيظُ عليها، وأرادَ بالنجمِ الثُرَيّا وهو عَلَمٌ لها. والضُرَباءُ: الضاربونَ بالقداحِ في الميسِرِ. ومعنى يَتَتَلَّعُ يَبْعُدُ ويرتفعُ. والتَلْعَةُ: ما ارتَفَعَ مِن الأرضِ.
وأنشد في البابِ للأحوصِ بن محمد الأنصاري (٧٦٧):
[٣٠٦] فإنَّ بَني حَرْبٍ كما قَدْ عَلِمْتُمُ … مَناطَ الثُرَيّا قَدْ تَعَلَّتْ نُجُومُها
الشاهدُ فيه نَصْبُ (مَناطِ الثُرَيّا) على الظَرفِ، والقَولُ فيه كالقَولِ في الذي قَبْلَه.
يقول: هُم في ارتفاعِ المنزلةِ وعلو المرتبةِ كالثُّرَيّا إذا استَعْلَتْ، وصارَتْ على قِمَّةِ الرأسِ. ومَناطُها: مَعْلَقُها في السَماءِ، وهو مِن نُعْلتُ الشَيءَ أَنُوطُهُ إذا عَلَّقْتَهُ.
стр. 229
وأرادَ ببني حَرْبٍ آلَ أبي سُفْيان بنِ حَرْبٍ.
وأنشد في البابِ لإبراهيمَ بنِ هَرْمَةَ (٧٦٨):
[٣٠٧] أَنَصْبٌ للمَنَايا تَعْتَرِيهم … رِجالي أَمْ هُمُ دَرَجَ السُيُولِ
الشاهدُ فيه نَصْبُ (دَرَجِ السُيولِ) على الظَرفِ، وهو كالذي قَبلَه، وعِلَّتُهُ كعِلَّتِهِ.
والدَرَجُ، طُرُقٌ يُجاءُ فيها ويُذْهَبُ، يقول باكيًا على قَومِهِ لكثرةِ مَنْ فَقَدَ منهم: أَهُمْ نَصْبٌ للمنيَّةِ تَدورُ عليهم لا تَتَخطَّاهم أَمْ هُم مَمَرُّ (٧٦٩) السُيولِ تُحْجِفُ بهم وتُذْهِبُهم. والنَصْبُ والنَصْبُ: ما نُصِبَ للعِبادةِ ونَحْوِها ممّا يُلتَزَمُ ويُدارُ حَولَه. ومعنى تَعْتَرِيهم تَتردَّدُ عليهم وتَغْشاهُم.
وأنشد في البابِ للأخطل (٧٧٠):
[٣٠٨] وأَنتَ مَكانُكَ مِنْ وائلٍ … مكانُ القُرادِ مِن آسْتِ الجَمَلْ
الشاهدُ فيه رَفْعُ (المكانِ) الآخِرِ، لأنّه خَبرٌ عن الأوّلِ، ولا يكونُ ظَرفًا لأنّه أرادَ تَشبيهَ مكانِهِ من وائلٍ بمكانِ القُرادِ مِن آسْتِ الجَمَلِ في الدَناءَةِ والخِسَّةِ.
يقولُ هذا لكعبِ بن جُعَيلِ التَغْلَبيّ وقَبلَه:
وسُمِّيتَ كَعبًا بشَرِّ العِظامِ … وكانَ أبوكَ يُسَمّى الجُعَلْ
стр. 230
ووائلٌ أبو بكرِ وتغلب ابني وائل (٧٧١).
وأنشد في بابٍ ترجَمَتُه: هذا بابُ مَجْرى النَعتِ على المنعوتِ، لامرِئ القيس (٧٧٢):
[٣٠٩] بمُنْجَرِدٍ قَيْدِ الأوابِدِ لاحَهُ … طِرادُ الهَوادي كُلَّ شَأوٍ مُغَرِّبِ
الشاهدُ فيه جَرْيُ (قَيْدِ الأوابدِ) على (مُنْجَرِدٍ) نَعْتًا له وإنْ كانَ مضافًا إلى ما فيه الألفُ واللامُ، لأنّه في معنى الفعلِ، فكأنّه قالَ: بمُنْجَرِدٍ يُقَيِّدُ الأوابِدَ.
وَصَفَ فَرَسًا جَوادًا. والمُنْجرِدُ: القَصيرُ الشَعْرةِ، وبذلك تُوصَفُ [العِتاقُ]، ويقال: هو السابقُ المُنْجَرِدُ عن الخَيلِ، وصَيَّرَه قَيْدًا للوَحْشِ لحَصْرِهِ لها ومَنْعِها مِن الفَوْتِ. والأوابِدُ: الوَحْشُ. ومعنى لاحَهُ: ضَمَّرَهُ. والطِرادُ: مُطارَدَةُ الصَيْدِ واتّباعُهُ. والهَوادي: المتقدِّمةُ السابقَةُ. والشَأوُ: الطَلْقُ. والمُغَرِّبُ البعيدُ، ويقال: مُغَرِّبٌ ومُغَرَّبٌ.
وأنشد في البابِ لجرير (٧٧٣):
[٣١٠] ظَلِلْنا بمُسْتَنِّ الحَرورِ كأَنّنا … لَدَى فَرَسٍ مُسْتَقْبِلِ الرِيحِ صائِمِ
الشاهدُ فيه جَرْيُ (مُستَقْبِلِ الريحِ) على (فَرَسٍ) نَعْتًا له، لأنّه منفَصِلٌ في التقديرِ، فكأنّه قال: لَدَى فَرَسٍ مستَقْبِلٍ الريحَ صائمٍ.
وَصَفَ خَيمةً أَقامَها له ولأصحابِهِ يستظِلّونَ بها مِن حَرِّ الشَمسِ، ولَها فُرَجٌ يَخْلُصُ إليهم الحَرورُ منها، فشَبَّهها بفَرَسٍ قائمٍ يستقبلُ الريحَ فتَنْفُدُهُ بينَ فُروجِهِ وتأخُذُهُ من كُلِّ وَجْهٍ. ومُسْتَنُّ الحَرورِ: طريقُهُ ومَسْلَكُهُ. والحَرورُ: شِدَّةُ الحَرِّ. والصائمُ: المُمْسِكُ عن المَشْي أو الرَعَّي.
стр. 231
وأنشد في البابِ للمَرَّارِ (٧٧٤):
سَلِّ الهُمومَ بكُلِّ مُعْطِي رأسِهِ … ناجٍ مُخالِطِ صُهْبَةٍ مُتَعَيِّسِ [١٢٩]
[٣١١] مُغْتالِ أَحْبُلِهِه مُبِينٍ عُنْقُهُ … في مَنْكِبٍ زَبَنَ المَطِيِّ عَرَنْدَسِ
الشاهدُ فيه حَملُ (مُغْتالِ أحْبُلِهِ) على ما قَبلَه نَعْتًا له، لأنَّ معناه (مُغْتالٍ أحْبُلَهُ).
وَصَفَ بَعيرًا بِعِظَمِ الجَوْفِ فإذا شُدَّ رَحْلُهُ عليه اغتالَ أَحْبُلَهُ واستَوْفاها لِعِظَمِ جَوْفِه، والاغتِيالُ: الذَهابُ بالشَيء. والمُبِينُ: البَيَّنُ الطُولِ. ومعنى زَبَنَ "المَطِيَّ" زاحَمَ ودَفَعَ. والعَرَنْدَسُ: الشَديدُ. ويُروى (مَتِينٍ عُنْقُهُ). وقد مَرَّ البيتُ الأوّلُ بتَفْسيرِهِ (٧٧٥).
وأنشد في البابِ لذي الرُمَّة (٧٧٦):
[٣١٢] سَرَتْ تَخْبِطُ الظَلْماءَ مِن جانِبَيْ قَسًا … وحُبَّ بها مِن خابِطِ اللَّيلِ زائِرِ
الشاهدُ فيه جَرْيُ (زائرٍ) على (خابِطٍ) نَعْتًا له وإنْ كانَ مُضافًا إلى معرفةٍ، لأنّ إضافَتَهُ غَيرُ مَحْضَةٍ لِما يُقَدَّرُ فيها مِن التَنوينِ والانفِصالِ.
وَصَفَ خَيالًا طَرَقَه فجَعَلَه في الإِخبارِ عنه بمنزلِة المرأةِ التي تخلَتْ له فقال: سَرَتْ، أَيْ: طَرَقَتْ لَيلًا تَخْبِطُ الظَلْماءَ إليه. وقَسا: اسمُ موضعٍ، ولَكَ أنْ تَصْرِفَهُ وأنْ لا تَصْرِفَهُ على ما تُريدُ من المكانِ أو البُقْعةِ. ومعنى (حُبَّ بها) التَعَجُّبُ، أيْ: أَحبِبْ بها، وهي نادرةٌ في هذا المعنى.
وأنشد في البابِ لجرير (٧٧٧):
стр. 232
[٣١٣] يا رُبَّ غابِطِنا لو كانَ يَطْلُبُكمْ … لاقَى مُباعَدَةً مِنكُم وحِرْمانا
الشاهدُ فيه إضافَةُ (رُبَّ) إلى (غابِطِنا)، ورُبَّ لا تَعملُ إلّا في نكرةٍ، فغابِطنا في نِيَّةِ التنوينِ والانفِصالِ.
يقول: رُبَّ مَنَّ يَغْبِطُنا ويَسُرُّنا بِطَلَبِ مَعْروفِنا لو طَلَبَ ما عِندكم لَبُوعِدِ وحُرِمَ.
وأنشد في الباب لأبي مِحْجَنٍ الثَقَفي (٧٧٨):
[٣١٤] يا رُبَّ مِثْلِكِ في النِساءِ غَرِيرةٍ … بَيضاءَ قَدْ مَتَّعْتُها بِطَلاقِ
الشاهدُ فيه إضافةُ (رُبَّ) إلى (مِثْلِكِ) لأنّها نكرةٌ وإنْ كانت بلفظِ المعرفِة، لأنَّها وما كانَ في معناها تَنوبُ مَنابَ الفِعلِ كما هي مضافةٌ إلى ما بعدَها، والفِعلُ نكرةٌ كُلُّه. فجَرَتْ مجراه في الجَرْي على النكرةِ، فتقول: مررتُ برجُلٍ مِثْلِكَ، فتوبُ مَنابَ مررتُ برجُلٍ يُشْبِهُكَ، وكذلك مررتُ برجُلٍ غَيرِكَ، لأنّه بمنزلةِ مررتُ برجُلٍ ليسَ بِكَ.
ومِثْلُهُ مررتُ برجُلٍ حَسْبِكَ من رَجُلٍ، لأنَّه في معنى كَفاكَ من رَجُلٍ، وكذلك مررتُ برجُلٍ كَفْيِكَ مِن رَجُلٍ، وهَمَّكَ من رَجْلٍ، لأنَّ معناه كُلّه كَفاكَ مِن رَجُلٍ، ويَدلُّ على صِحَّة هذا الاعتِلالِ تَصريحُ العَرَبِ بالفِعلِ في بعضِ هذا كقولهم: مررتُ برجُلٍ كَفاكَ مِن رَجُلٍ، وهَمَّكَ من رَجُلٍ، وبامراةٍ كَفَتْكَ من امرأةٍ، وهَمَّتْكَ من امرأةٍ، فهذا بَيَّنٌ إنْ شاءَ اللَّهُ.
والغَرِيرةُ: المُغْتَرَّةُ بِلِينِ العَيشِ الغافِلَةُ عن صُروفِ الدهرِ. ومعنى مَتَّعْتُها بطَلاقٍ، "أَيْ: " أَعطيتُها شَيئًا تَستمتعُ به عندَ طَلاقِها.
стр. 233
وأنشد في البابِ (٧٧٩):
[٣١٥] بَكَيْتُ وما بُكا رَجُل حَزينٍ … على رَبْعَينَ مَسْلوبٍ وَبالِ
الشاهدُ فيه جَرْيُ (مَسْلوبٍ وبالٍ) على (الرَبْعَينِ) نَعْتًا، والرَفْعُ فيهما حَسَنٌ لإمكانِ التَبْعيضِ فيهما والقَطْعِ، والتقديرٌ أحدُهما مَسْلوبٌ والآخَرُ بالٍ، ولذلك قالَ سيبويه بعدَ "هذا" البيتِ: (والقوافي مجرورةٌ) (٧٨٠).
وقد غُلَّط (٧٨١) في هذا لنُقْصانِ بالٍ واستِواءِ رَفْعِهِ وجَرِّهِ. والحُجَّةُ لسيبويه أنّ القَوافيَ لو كانَتْ مرفوعةً لم يَضِقْ عليه الإتيانُ باسمٍ مرفوعٍ غَيرٍ منقوصٍ، وأيضًا فإنَّ الشاعرَ المُجِيدَ قَدْ يَبني قَوافيه على إعرابس واحدٍ وإنْ كانتْ موقوفَةً كقَولِ الحُطَيْأة (٧٨٢):
شاقَتْكَ أظْعانُ لِلَيْـ … ـلَى دونَ ناظِرَةٍ بَواكِرْ
فَلَو أَطلَقَ قَوافي القصيدةِ لكانَتْ كلُّها مرفوعةً، وكذلك قولُ الكُمَيت (٧٨٣):
قِفْ بالدِيارِ وُقوفَ زائرْ … وتأنَّ إنّك غَيرُ صاغِرْ
فَقَوافيها مُقَيَّدةُ، ولو أُطْلِقَتْ لكانَتْ كُلُّها مجرورةً.
ومعنى البيتِ ظاهِرٌ من لَفْظِهِ. والرَبْعُ: المنزلُ. والمَسْلوبُ: الذي سُلِبَ بَهْجَتَهُ لِخَلائِهِ من أَهْلِهِ.
وأنشد في البابِ للعَجّاج (٧٨٤):
стр. 234
[٣١٦] خَوَّى على مُسْتوِياتٍ خَمْسِ
كِرْكَرَةٍ وثَقِنَاتٍ مُلْسِ
الشاهدُ فيه جَرْيُ (٧٨٥) (الكِرْكِرَةٍ) وما بَعدَها تَبْيينًا لِما قَبْلَها على البَدَلِ أو عَطْفِ البَيانِ القائمِ مقامَ النَعْتِ، وهو الذي أرادّ سيبويه بقولِهِ: (فهذا يكونُ على الصفةِ) (٧٨٦).
وَصَفَ جَمَلًا بركَ مُتَجافيًا عن الأرضِ في بُروكِهِ لِضُمْرِه وعِظَمِ ثَفِناتِهِ، وهي ما وَلِيَ الأرضَ من قَوائمه إذا بركَ. والكِرْكِرَةُ: ما وَلِيَ الأرضَ من صَدْرِهِ.
وأنشد في البابِ لكُثَيِّر عَزّة (٧٨٧):
[٣١٧] وكُنتُ كَذِي رِجْلَينِ رِجْلٍ صَحِيحَةٍ … ورِجْلٍ رَمَى فيها الزَمانُ فَشَلَّتِ
الشاهدُ فيه حَمْلُ (رِجْلٍ صَحيحةٍ) وما بَعدَها على قوله: (رِجْلَين) بَدَلًا منهما وتَبينًا لَهُما، ولو رَفَعْتَ على القَطْعِ لجازَ.
وَصَفَ كَلَفَهُ بمَنْ يُحَبُّ وحِرْصَهُ على الإقامَةِ عندها، فتَمَنْى أنْ يكونَ أشَلَّ الرِجْلِ حَتَّى لا يَبْرَحَ عنها.
وأنشد في البابِ للعَجَّاج (٧٨٨):
[٣١٨] كأَنَّ نَسْجَ العَنْكبوتِ المُرْمَلِ
الشاهدُ فيه جَرْيُ (المُرْمَلِ) على (العَنْكبوتِ) نَعْتًا لَها في اللفظِ لقُرْبِ جِوارِها منه، وكان الخَليلُ (٧٨٩) [﵀] لا يُجيزُ مِثلَ هذا حَتَّى يكونَ المتجاوِرانِ
стр. 235
مُتَساويينِ (٧٩٠) في التَعريفِ والتَنكيرِ، والتَأنيثِ والتَذكيرِ، والإفرادِ والجَمْعِ، كقولهم: هذا جُحْرُ ضَبٍّ خَرِبٍ، وجُحْرا ضَبُيْنِ خَرِبَيْنِ، وجِحَرَةُ ضِبابٍ خَرِبَةٍ.
وسيبويه يُجيرُ الحَملَ على الجِوارِ وإن اختَلفَ المتجاورانِ، إذا لم يُشْكِل المعنى كقولك: هذانِ جُحْرا ضَبٍّ خَرِبَيْنِ، وهذا جُحْر ضَبَّيْنٍ خَرِبٍ، واحتَجّ ببيتِ العَجّاجِ هذا لأنّه حَمَلَ المُرْمَلَ وهو مُذَكَّرٌ على العنكبوتِ وهي مؤنَّثَةٌ. والمُرْمَلُ من وَصْفِ النَسْجِ (٧٩١) في الحقيقةِ، والمُرْمَلُ والمَرْمُولُ: المَنْسوجُ.
وأنشد في بابٍ ترجَمَتُه: هذا بابُ مَجرى نَعْتِ المعرفةِ عليها (٧٩٢):
[٣١٩] فَإلى ابنِ أُمَّ أَناسٍ أرحَلُ ناقَتي … عَمرو فتُبلِغُ حاجتي أوْ تُزْحَفُ
مَلِكٍ إذا نَزَلَ الوُفودُ ببابِهِ … عَرَفوا مَوارِدَ مُزْبِدٍ لا يُنْزَفُ
الشاهدُ فيه جَرْيُ (مَلِكٍ) على ما قَبْلَه بَدَلًا منه، وهو مِن بَدَلِ النكرةِ من المعرفِة لِما فيه مِن زِيادةِ الفائدةِ، ولو رُفِعَ على القَطْعِ لِكانَ حَسَنًا.
يَمدَحُ عَمرو بنَ هندٍ المَلِكَ، وأمَّ أناس بَعضُ جَدَّاتِهِ وهي من بني يَشْكُرَ. ومعنى تُزْحَفُ تُعْيا وتَكِلّ. والموارِدُ: مَناهِلُ الماءِ المَوْرودَةُ، شَبَّهَ بها عَطاياه وجَعَلَه كالبَحْرِ المُزْبِدِ لكَثْرةِ جُودِهِ. ومعنى يُنْزَفُ يُسْتَنْفَدُ ماؤهُ.
وأنشد في البابِ للفرزدق (٧٩٣):
[٣٢٠] فأَصْبَحَ في حَيثُ التَقَيْنا شَرِيدُهُم … طَليقٌ ومَكتوفُ اليَدَيْنِ ومُزْعِفُ
الشاهدُ فيه رَفْعُ (طَليقٍ) وما بَعدَهُ على القَطْعِ، لأنَّه تَبْعيضٌ للشَرِّ وتَبيينٌ لأنواعِهِ، والشَرِيدُ واحدٌ يُؤدّي عَن الجمعِ، لأنَّه واقِعٌ على كُلِّ مَنْ شَرَّدَتْهُ الحَربُ
стр. 236
وأَجْلَتْهُ، فكأنَّه قال: مِنهم طَليقٌ، أَيْ: مُنْعَمٌ عليه "مُطْلَقٌ"، ومنهم مَكتوفُ اليَدَينِ، أيْ: أَسِيرٌ مَغْلولٌ، ومنهم مُزْعَفٌ، أَيْ: مَقْتولٌ، والزُعافُ: المَوْتُ الوَحِيُّ، وهو مِثْلُ الذُعافِ. ويُروى مُزْعِفُ بالكَسْرِ ومعناه ذو إزْعافٍ، أَيْ: ذو صَرْعٍ وقَتْلٍ، وليسَ بِجارٍ على الفِعلِ، وهكذا رَوَاهٌ حَمَلَةُ الكِتابِ.
وأنشد في البابِ (٧٩٤):
[٣٢١] فَلا تَجْعَلي ضَيْفَيَّ ضَيْفٌ مُقَرَّبٌ … وآخَرُ مَعْزولٌ عَن البَيتِ جانِبُ
الشاهدُ فيه رَفعُ (ضَيفٍ) على القَطْعِ، ولو نَصِبَ لجازَ، والقَولُ فيه كالقَولِ في الذي (٧٩٥) قَبْلَه.
والجانبٌ هنا بمعنى المُجانِبِ المُتباعِدِ، أيْ: سَوِّي بينَ ضَيْفَيَّ في التَقريبِ والإِكْرامِ.
وأنشد في البابِ للنابغةِ الجَعْديّ (٧٩٦):
[٣٢٢] وكانَتْ قُشَيْرٌ شامِتًا بِصَديقها … وآخَرَ مَرْزِيًّا وآخَرَ رازِيا
الشاهدَّ فيه حَمْلُ (شامِتٍ) وما بَعدَهُ على (كانَ) خَبَرًا عنها، ولو قُطِعَ لكانَ حَسَنًا كما تَقَدَّمَ.
هجا قُشَيرًا وهي قبيلةٌ من بني عامِرٍ، وكانت بيَنَه وبينهم مُهاجاةً، فجَعَلَ منهم مَنْ يَشْمَتُ بصديقِهِ إذا نُكِبَ، وجَعَل بَعضَهم يَرْزَأْ بعضًا لِلُؤمِهم واستِطالَةِ قَوِيِّهم على ضَعيفهم، وبَنَى مَرْزِيًّا على تَخفيفِ الهمزةِ، ولو بناه على الأصلِ لقال: مَرْزوءًا.
وأنشد في البابِ لذي الرُمَّة (٧٩٧):
стр. 237
[٣٢٣] تَرَى خَلْقَها نِصْفٌ قَناةٌ قَوِيمَةٌ … ونِصْفٌ نَقًا يَرْتَجُّ أو يَتَمرْمَرُ
الشاهدُ فيه رَفْعُ (نِصْفٍ) وما بَعدَه على القَطْعِ والابتِداءِ، ولو نُصِبَ على البَدَلِ أو على الحالِ لجازَ.
وقَدْ غُلَّطَ (٧٩٨) سيبويه في حَمْلِهِ على الحالِ، وزَعَم الرادُّ أنّه معرفَةٌ لأنَّه في نِيَّةِ الإضافةِ، فكأنَّه قال: تَرَى خَلْقَها نِصْفُهُ كذا ونِصْفُهُ كذا.
والحُجَّةُ لسيبويه أنَّه نكرةٌ وإنْ كانَ مُتَضَمَّنًا لمعنى الإضافةِ وليسَ مِن بابِ كُلٍّ وبعضٍ، لأنّ العربَ قد أَدخَلَتْ فيه الألفَ واللامَ وثَنَّتْهُ وجَمَعَتْهُ، وليس شَيءٌ من ذلك في كُلٍّ وبَعضٍ، فلذلك أجازَ نَصْبَهُ على الحالِ كما قالَ الشاعِرُ (٧٩٩):
ونَحنُ اقتَسَمْنا المالَ نِصْفَينِ بَيْنَنا … فقلْتُ لها: هذا لَهاها وذا لِيا [٥٥٤]
وَصَفَ امرأةً فجعلَ أعلاها في الإرهافِ واللَّطافةِ كالقَناةِ، وأسفَلَها في امتِلائِهِ وكثافَتِهِ كالنَقا المُرْتَجِّ. والنَقا: الكَثِيبُ من الرَمْلِ. وارتِجاجُهُ اضطِرابُهُ وانهِيالُ بَعْضِهِ على بعضٍ لِلِيِنِه. والتَمَرمُرُ: أنْ يجريَ بَعضُه في بعضٍ.
وأنشد في بابٍ ترجَمَتُه: هذا بابُ بَدَلِ المعرفةِ من النكرةِ، لمالك بن خُوَيْلد الخُناعي (٨٠٠) من هُذَيلٍ:
[٣٢٤] يا مَيّ إنْ تَفْقِدِي قَومًا وَلَدْتِهِمْ … أَوْ تَخْلَسِيهم فإنَّ الدَهْرَ خَلَّاسُ
عَمرٌو وعَبدُ مَنافٍ والذي عَهِدَتْ … بِبَطْنِ مَكَّةَ آبِي الضَيْمِ عَبّاسُ
стр. 238
الشاهدُ في قطعِ (عَمرٍو) وما بَعدَه ممّا قَبْلَه وحَمْلِهِ على الابتداءِ، ولو نُصِبَ على البَدَلِ من القَومِ لجازَ.
ومعنى تُخْلَسِيهم، أَيْ: تُسْلَبِيهم، والخَلْسُ: أَخْذُ الشَيءِ بسُرْعَةٍ، أيْ: إنْ أَفْقَدَك الدَهْرُ إيّاهم فذلك شَأنُهُ، وأرادَ بعمرٍو عَمروَ (٨٠١) بنَ عبدِ مَناف بنِ قُصَيّ، وهو هاشمُ بنُ عَبدِ مّنافٍ، وسُمِّيّ هاشِمًا لِهَشْمِهِ الثَرِيدَ لِقَومِهِ في مَجاعَةٍ أصابَتْهم، وأرادَ بالعَبَّاسِ العَباسَ بنَ عبدِ المُطَّلِب (٨٠٢) ﵁، وأنّما ذَكَرهم وقال: وَلَدْتِهِم لِما بينَ هُذَيلٍ وقُرَيش مِن القَرابةِ في النَسَبِ والدارِ، لأنّهم كُلَّهم وَلَدُ مُدْرِكة بنِ إلياس بنِ مُضّر (٨٠٣)، ومَحَلُّ هُذَيلٍ بعَرَفَةَ وما يَتَّصلُ بها.
وأنشد في الباب لمُهَلْهِل (٨٠٤):
[٣٢٥] ولَقَدْ خَبَطْنَ بُيوتَ يَشْكُرَ خَبْطَةً … أخْوالُنا وَهُمُ بَنُو الأعْمامِ
الشاهدُ فيه قَطْعُ (الأخْوالِ) مِمّا قَبْلَها وحَمْلُها على الابتداءِ، لأنّه لمّا قال: بُيوتَ يَشْكُرَ تَوَهَّمَ أنْ يُقالَ له: مَنْ هُم؟ فقال: أَخوالُنا، أَيْ: هُم أَخوالُنا و [هُم] بَنُو أعْمامِنا، لأنّ يَشْكُرَ مِن بَكْر بنِ وائلٍ (٨٠٥)، ومُهَلْهِلٌ من تَغْلِب بنِ وائل، وأرادَ بالبُيوتِ القَبائلَ والأحْياءَ.
وأنشد في الباب "ويُروى" للفرزدق (٨٠٦):
[٣٢٦] وَرِثْتُ أَبي أَخلاقَهُ عاجِلَ القِرَى … وعَبْطَ المَهارِي كُومُها وشَبُوبُها
стр. 239
الشاهدُ فيه قَطْعُ (الكُومِ) وما بَعدَها ممَا قَبْلَها وحَمْلُها على الابتداءِ، ولو خُفِضَتْ على البَدَلِ لجازَ.
والكُومُ جَمعُ كَوْماءَ وهي العظَيمةُ السَنام. والعَبْطُ: أنْ تُنْحَرَ لغيرِ عِلَّةٍ، ومنه اعتُبطَ الرَجُلُ إذا ماتَ شابًا. والمَهارِي جَمعُ مَهْريَة وهي الناقَةُ نُسِبَتْ إلى مَهْرَةَ بنِ حَيْدَانَ حَيٌّ من قُضاعَةَ (٨٠٧)، وإِبُلُهم معروفَةٌ بالنَجابَةِ. والشَبوبُ: المُسِنَّةُ وأكثَرُ ما تُسْتَعْمَلُ في الثَورِ الوَحْشِيّ واستعارَهُ للناقَة. ويُروى (وشَنُونُها) بنُونَينِ (٨٠٨)، وهو أَصَحُّ، والشنُونُ: التي أَخَذَتُ في السِمَنِ ولم تَنْتَهِ فيه.
ونَصَبَ أخلاقَهُ على البَدَلِ من الأبِ، ويَجوزُ أنْ يكونَ مفعولًا بِوَرِثْتُ على تقديرِ وَرِثْتُ مِنْ أَبي أَخلاقَهُ.
وأنشد في الباب (٨٠٩):
[٣٢٧] وساقَيَيْن مثْل زَيْدٍ وَجُعَلْ … صَقْبانِ مَمْشوقانِ مَكْنوزا العَضَلْ
الشاهدُ في قَطْع (الصَقْبينِ) وما بَعدَهما وحَمْلِهما على الابتداء، ولو مخُفِضا على البَدَل من الاسمينِ قَبلَهما لَجازَ، إلّا أَنّه اضطُرَّ إلى التِزامِ الرَفْعِ لقوله: مَكْنوزا العَضَل، ولو جَرَّ فقال: مَكنوزَي العَضَل لانْكَسَرَ الشِعرُ.
والصَقْبان: الطَويلان، والصَقْبُ: عَمودٌ من أعمدةِ الجِباءِ، فشَبَّه الطويلَ به. والمَمْشوقُ: الضَريبُ اللحم الطويلُ. والمكنوزُ: الشَديدُ اللّحمِ. والعَضَلُ جَمعُ عَضَلَةٍ وهي لَحمةُ الساقِ والعَضُدِ ونَحوهما ممّا فيه العَصَبُ.
وأنشد في باب ترجَمَهُ: هذا بابُ ما تَجري عليه صفةُ ما كانَ مِن سَبَبِه، لابنِ
стр. 240
مَيّادة (٨١٠) المُرّي من غَطَفانَ:
[٣٢٨] وارتَشْنَ حينَ أَرَدْنَ أَنْ يَرْمِينَنا … نَبْلًا بِلا رِيشٍ ولا بِقِداحِ
ونَظَرْنَ من خَلَلِ الخُدورِ بأَعْيُنٍ … مَرضي مُخالِطِها السقامُ صِحاحِ
الشاهدُ في حَمْلِ (مُخالِطِها) على (الأعْيُنِ) وهي نكرةٌ، لِما فيه مِن نِيَّةِ التَنْوينِ والخُروجِ عن الإضافةِ، ولذلك جَرَى مجرى الفِعلِ فَرفَعَ ما بَعدَه.
وَصَفَ نِساءً يُصِبْنَ القُلوبَ بفُتورِ أَعيُنهنَّ وحُسْنِهنّ، فجَعَلَ نَظَرَهنَّ كالسِهامِ وجَعَل أَشفارَهُنَّ كالرِيشِ، ثُمَّ حَقَّقَ أَنَّهنَّ غَيرُ سِهامٍ، فقال: نَبْلًا بِلا ريشٍ ولا بقِداحِ، ووَصَف عُيونَهُنَّ بالمَرَضِ لفُتورِ جُفُونهنَّ، ثُمَّ بَيَّنَ أَنّ فُتَّورَها لِغيرِ عِلَّةٍ فقال: صِحاحِ. وخَللُ الخُدور: فُرَجُها، أيْ: هُنَّ مصوناتُّ لا يَنظُرنَ إلّا مِن وَراءِ حِجابٍ.
وأنشد في البابِ في مِثْلِهِ (٨١١):
[٣٢٩] حَمَيْنَ العَراقِيبَ العَصَا وتَرَكْنَهُ … بهِ نَفَسٌ عالٍ مُخالِطُهُ بُهْرُ
الشاهدُ فيه (٨١٢) قَولُه: (مُخالِطُهُ بُهْرُ)، وجَرْيُهُ على قولهِ: (نَفَسٌ)، لِما فيه من نِيَّةِ التَنوينِ كما تَقَدَّمَ، والبُهْرُ مرتفعٌ به على هذا التقديرِ، ويَجوزُ أنْ يكونَ رَفْعُهما على الابتداءِ والخَبَر.
وَصَفَ رَواحِلَ تُحْدَى فيقول: تَحْمِي عَراقيبَها مِن عَصا الحادِي لِسُرْعتِها وهو يُسرعُ في آثارِها فَقَد عَلا نَفَسُه وبُهِرَ لذلك.
وأنشد في بابٍ ترجَمَتُه: هذا بابُ ما يكونُ من الاسماءِ صِفةً مُفْردًا،
стр. 241
للأعشى (٨١٣):
[٣٣٠] لَئِنْ كُنتَ في جُبٍّ ثَمانينَ قامَةً … وَرُقِّيتَ أسبابَ السَماءِ بِسُلَّمِ
الشاهدُ فيه جَرْيُ (الثَمانينَ) على (الجُبِّ) نَعتًا له، لأنّها تَنوبُ مَنابَ طَويلٍ وعَميقٍ ونَحْوِه، فكأنّه قالَ: في جُبٍّ بَعيدِ القَعْرِ طَويلٍ.
يقولُ هذا ليزيدَ بنِ مُنْبهِرٍ الشَيْباني متوَعِّدًا له بالهِجاءِ والحَرب، أيْ لا يُنْجِيكَ مِنّي بُعْدُكَ، وضَرَبَ رُقِيَّةُ في السَماءِ وهُوِيَّةُ تَحتَ الأرضِ مَثَلًا. والأسبابُ: الأبوابُ لأنّها تُؤدّي إلى ما بَعدَها، وكُلُّ ما أدّى إلى غَيرِهِ فهو "له" سَبَبٌ، وأَصلُ السَبَبِ الحَبْلُ، لأنّه يُوصَلُ "به" إلى الماء ونَحْوِهِ مما يَبعدُ مَرامُهُ.
وأنشد لسُحَيْم بن وَثِيل الرِياحي (٨١٤):
[٣٣١] مَرَرْتُ على وادِي السِباعِ ولا أَرَى … كوادِي السباع حينَ يُظْلِمَ وادِيا
أَقَلَّ به رَكْبٌ أَتَوْهُ تَئِيَّةً … وأَخْوَفَ إلّا ما وَقَي اللَّهُ سارِيَا
الشاهدُ في قوله: (أَقَلَّ به رَكْبٌ)، وحَذْفِهِ تمامَ الكَلامِ اختصارًا لِعِلْمِ السامع، والتَقديرُ أَقَلَّ به رَكبٌ أَتَوْهُ منهم بوادي السِباعِ، تجري في الحَذْفِ مَجري قولهم: اللَّهُ أكبَرُ، ومعناه أكبَرُ مِن كُلِّ شَيءٍ.
يقول: وافَيْتُ هذا الوادي لَيْلًا وهو وادٍ بِعَيْنه فأَوْحَشَنِي لكَثرةِ سِباعِهِ، فَرَحَلْتُ عنه ولم أَمكُثْ فيه لِوَحْشَتِهِ. والتَئِيَّةُ: التَلَبُّثُ والمُكْثُ. ورَفَعَ الرَكْبَ بأَقَلَّ. وقَولُه: (أَتَوْهُ) في موضعِ الوَصْفِ لهم.
стр. 242
وتَلخيصُ لَفظِ البَيْتين وإعرابُهما، ولا أرَى كوادِي السِباعِ واديًا أَقَلَّ به الرَكْبُ الآتُوهُ تَئِيَّةً منهم بوادي السِباعِ، فأقَلَّ نَعتٌ لقوله: وادِيا، والهاءُ في (به) عائدةٌ عليه. والرَكْبُ مرتفعٌ بأقَلَّ كما تَقَدَّمَ
وأنشد في بابٍ ترجَمَتُهُ: هذا بابُ ما جَرَى من الأسماءِ التي من الأفعالِ وما أَشبَهَها من الصفات مَجرى الفِعلِ (٨١٥):
[٣٣٢] ألَيْسَ أَكْرَمَ خَلْقِ اللَّهِ قد عَلِمُوا … عِندَ الحِفاظِ بَنُو عَمرِو بنِ حُنْجودِ
الشاهدُ فيه إفرادُ (ليسَ)، وإنْ كانَتْ فِعْلًا لجماعةٍ على (٨١٦) قِياسِ الأفعالِ المتقدّمةِ على فاعِلِها، والتّقديرُ أَلَيْسَ بَنُو عَمرِو بنِ حُنْجودٍ أَكْرَمَ خَلْقِ اللَّهِ، وقولُه: قد عَلِموا أي: قد عَلِمَ الناسُ ذلك.
والحفاظُ: المُحافَظَةُ على الأعراضِ في حَربٍ أو هِجاءٍ (٨١٧).
وأنشد في البابِ للفرزدق (٨١٨):
[٣٣٣] ولكنْ دِيافِيٌّ أَبوهُ وأُمُّهُ … بِحَوْرانَ يَعْصِرْنَ السَلِيطَ أَقارِبُهْ
الشاهدُ فيه (٨١٩) قوله: (يَعْصِرْنَ)، فأَتَى بضميرِ الأقارِبِ في الفِعلِ وهو مُقَدَّمٌ على لُغَة مَنْ ثَنّى الفِعلَ وجَمَعَه مُقَدَّمًا، ليدلَّ على أَنَّه لاثنين أو لجماعَةٍ كما تَلحَقُهُ عَلامَةٌ التأنيثِ دلالَةً على أنَّه لمؤنَّثٍ، والشائعُ في كلامهم إفرادُهُ لأنّ ما بَعدَه من ذِكْرِ الاثنين والجماعَةِ يُغْنِي عن تَثْنيته وجَمْعِهِ، وأمّا تأنيثُهْ فَلازِمٌ لأنّ الاسمَ المؤنَّثَ قد يَقَعُ لمُذكَّرٍ، فَلَو حَذِفَتْ عَلامَةُ التأنيثِ من فِعلِ المؤنَّثِ لالْتَبَسَ بفِعلِ المذكَّرِ.
هَجَا رجُلًا، فجَعَلَه من أهلِ القُرى المعتَمِلِينَ لإِقامَةِ عَيْشِهم، ونَفَاه عَمّا عليه
стр. 243
العَرَبُ من الانتِجاعِ والحَرْبِ. ودِيافُ قريةٌ بالشامِ. والسَلِيطُ: الزَيتُ، ويقال: هو دُهْنُ السِمْسِمِ، وهو هُنا الزَيْتُ خاصَّةٌ، لأنّ الشامَ كثيرةُ الزَيتونِ، وحَوْرانُ من مُدُنِ الشامِ. وأَنْتَ ضَميرَ الأقارِبِ لأنّه أرادَ الجماعاتِ.
وأنشد في البابِ للنابغةِ الجَعْدِيّ (٨٢٠):
[٣٣٤] ولا يَشْعُرُ الرُمْحُ الأصَمُّ كُعوبُهُ … بثَروةِ رَهْطِ الأعْيَطِ المُتَظَلِّمِ
الشاهدُ فيه رَفْعُ (الكُعوبِ) بالأصَمِّ، وإفْرادُهُ تَشْبيهًا له بما يُسَلَّمُ جَمْعُهُ مِن الصفاتِ، على ما بَيَّنَه سيبويه في البابِ، وكانَ وَجْهُ الكلامِ أنْ يقولَ: الصُمُّ كُعُوبُهُ، لأنّ أَصَمَّ مِمّا لا يُسَلَّمُ جَمْعُهُ إنّما يَجري على التكسيرِ.
يقولُ هذا مُتَوَعِّدًا، أيْ: مَنْ كانَ كثيرَ العَدَدِ وعَزيزًا فالرُمْحُ لا يَشْعُرُ به ولا يُبالِيه. والأصَمُّ هنا الصُلْبُ. والكُعُوبُ: العُقَدُ الفاصِلَةُ بينَ أَنابِيبِ القَناةِ، وإذا صَلُبَتْ كُعُوبُها صَلُبَ سائرُها. والثَروةُ: كَثرةُ العَدَدِ، وهي أيضًا كَثرةُ المالِ. والأعْيَطُ: الطَويلُ، وأكَمَةٌ عَيْطاءُ، أيْ: طويلةٌ مُشْرِفَةٌ، وأرادَ به ها هُنا المُتطاوِلَ كِبْرًا. والمُتَظَلِّمُ: الظالِمُ، ويقال: تَظَلَّمْتُهُ حَقَّهُ وظَلَمْتُهُ بمعنًى. ويُروى (رَهْط الأبْلَخ) وهو المتكَبِّرُ الشامخُ بأنْفِهِ، ويُروى أنّه لَمّا قال هذا قال له المُتَوَعَّدُ: لكنَّ حامِلَهُ يَشْعُرُ فَيَقْدَعُهُ يا أَبا ليلى، فأفْحَمَهُ وغَلَبهُ بالكلامِ.
وأنشد في البابِ لأبي ذُؤيب الهُذَليّ (٨٢١):
[٣٣٥] بَعِيدُ الغَزاةِ فما إنْ يَزا … لُ مُضْطَمِرًا طُرَّتاهُ طَلِيحا
الشاهدُ فيه حَذْفُ الهاءِ من (مُضْطمرةٍ) لأنّ الطُرَّةَ في معنى الجانبِ فتأنِيثُها غَيرُ حَقيقيّ، فلذلك حَسُنَ حَذْفُ الهاءِ.
стр. 244
مَدَح الزُّبَيْرَ ﵁ فيقول: هو بَعيدُ الغَزْوِ لبُعْدِ هِمَّتِهِ، ملازِمٌ للأسفارِ ولا يَزالُ مُضْطَمِرَ الجانبينِ مُعْيِيًا. والطَلِيحُ: المُعْيِي.
وأنشد في البابِ للفرزدق (٨٢٢) في مِثْلِهِ:
[٣٣٦] وكُنّا وَرِثْناهُ على عَهْدِ تُبَّعٍ … طَويلًا سَوارِيهِ شَديدًا دَعائِمُهْ
الشاهدُ فيه حَذْفُ الهاءِ مِن (طويلةٍ وشَديدةٍ)، والقَولُ فيه كالقَولِ في الذي قَبْلَهُ.
وَصَفَ مَجْدَهُ بالقِدَمِ والثَباتِ على مُرورِ الدَهْرِ، واستَعارَ له سَوارِيَ ودَعائمُ لأنّه جَعَلَه كالبِناءِ المُحْكَمِ. وتُبَّعٌ: مَلِكُ العرب في أوّلِ الزمانِ وهو أبو كَرِبٍ (٨٢٣).
وأنشد في البابِ للفرزدقِ (٨٢٤) في مِثْلِهِ:
[٣٣٧] قَرَنْبَى يَحُكُّ قَفا مُقْرِفٍ … لَئيمٍ مآثِرُهُ قُعْدُدِ
الشاهدُ فيه حَذْفُ الهاءِ مِن (لَئيمةٍ)، والقَولُ فيه كالقَولِ في الذي قَبْلَه.
يَهْجو جَريرًا فجَعَلَ أَباه عطيّةً كالجُعَلِ وهو القَرَنْبَى، ويقال: هي دُوَيْبَّةٌ تُشْبِهُهُ. وقَبلَ البيت (٨٢٥):
أَيُدْرِكُ مَجْدَ بَني دارِمٍ … عَطِيَّةُ كالجُعَلِ الأسْوَدِ
ولمُقْرِفُ: اللّئيمُ الأبِ، وأراد بقَفا مُقْرِفٍ قَفاهُ لأنَّه إذا كانَ عندَه مُقْرِفًا وحَكَّ قَفاه فقد حَكَّ قفا مُقْرِفٍ. والمَآثرُ: الأفعالُ التي تُؤثَرُ عنه والأخبارُ واحِدتُها مَأثُرَةٌ. والقُعْدُدُ: القَريبُ الأبِ الأكبرِ الذي يَنْتهي إليه في النَسَبِ والفَخْرِ.
стр. 245
وأنشد في البابِ لأبي زُبَيدٍ الطائي (٨٢٦) في مِثْلِهِ:
[٣٣٨] مُسْتَحِنٌّ بها الرِياحُ فَما يَجْـ … ــتابُها في الظَلامِ كُلُّ هَجُودِ
الشاهدُ فيه حَذْفُ الهاءِ من (مُسْتَحِنَّةٍ) كما تَقَدَّمَ في الذي قَبْلَه.
وَصَفَ فَلاةٌ واسِعَةٌ تَتَخَرَّقُ فيها الرِياحُ فَيُسْمعُ لها حَنينٌ، وهي مع ذلك مُوجِشَةٌ لا يُقْدَمُ على السَيرِ فيها لَيلًا، ومعنى يَجْتابُها يَقْطَعُها بالسَيرِ فيها. والهَجودُ هنا الساهِرُ، وقد يكونُ النائمَ وهو من الأضْدادِ.
وأنشد في البابِ لرَجُلٍ من بني أَسَدٍ وهو أَشْعَثُ بنُ معروفٍ الأسديّ (٨٢٧):
[٣٣٩] فَلاقَى ابنَ أُنْثَى يَبْتَغي مِثلَ ما ابتَغَى … مِن القَومِ مَسْقِيٌّ السِمامِ حَدائدُهْ
الشاهدُ فيه حَذْفُ الهاءِ من (مَسْقِيَّةٍ)، وعِلَّتُهُ كعِلَّةِ ما قَبْلَه.
وَصَفَ لِصًّا لَقِيَ لِصًّا مِثْلَهُ يَبتغي مِثْلَ ما يَبْتَغيه، وقولُه: (ابنُ أُنْثَى)، فيه معنى التَعظيمِ [له] والتَفْخيمِ (٨٢٨) لأمْرِهِ كما يقال: ابنُ رَجُلٍ. والسِمامِ جَمعُ سَمٌّ، وأرادَ بالحَدائدِ نِصالَ سِهامِهِ.
وأنشد في البابِ في مِثْلِهِ للكُمَيْت (٨٢٩):
[٣٤٠] وما زِلْتُ مَحْمولًا عليَّ ضَغِينَةٌ … ومُضْطَلِعَ الأضْغانِ مُذْ أَنا يافِعُ
الشاهدُ فيه حَذْفُ الهاء من (محمولةٍ) لأنَّ معنى الضَغينةِ والضِغْنِ واحِدٌ، كما تَقَدَّمَ في الذي قَبْلَه.
стр. 246
وَصَفَ ما جُبِلَ عليه من عِزَّةِ النَفْسِ وبُعْدِ الهِمَّةِ فيقول: لَمْ أَزَلْ مُحَسِّدًا يَضْطَغَنُ عليَّ، ومُضطَلِعًا للأضْغانِ على العَدُوّ ومُطالِبًا له. والمُضْطَلِعُ ها هُنا الحامِلُ بينَ أَضْلاعِهِ الضَغينةَ والعَداوَةَ. واليافِعُ: الذي ناهَزَ الحُلُمَ، وأَضْلُهُ مِن اليَفاعِ وهو المرتفعُ من الأرضِ، وفِعْلُهُ أَيفَعَ وهو نادِرٌ.
وأنشد في البابِ للأعشى (٨٣٠):
[٣٤١] فَإمّا تَرَيْ لِمَّتي بُدِّلَتْ … فإنَّ الحوادِثَ أَودَى بِها
الشاهدُ فيه حَذْفُ التاءِ مِن (أَوْدَتْ) ضَرورةً، ودَعاهُ إلى حَذْفِها أنّ القافيةَ مُردَفَةٌ بالألف، وسَوّغَ له حَذْفَها أنَّ تأنيثَ الحوادِثِ غَيرُ حَقيقيّ وهي في معنى الحَدَثَان.
ومعنى أودَى بها ذَهَبَ ببَهْجَتها وحُسْنِها. واللِّمِّةُ الشعرةُ تُلِمُّ بالمَنْكِبِ، وتَبَدُّلُها تَغَيُّرُها من السَوادِ إلى البَياضِ.
وأنشد في البابِ في نَحْوِهِ لعامِر بنِ جُوَيْن الطائي (٨٣١):
[٣٤٢] فَلا مُزْنَةٌ وَدَقَتْ وَدْقَها … ولا أَرضٍ أَبْقَلَ إبْقَالَها
الشاهدُ فيه حَذْفُ التاءِ منِ (أَبْقَلَتْ)، لأنَّ الأرضَ بمعنى المكانِ فكأنَّه قال: ولا مكانَ أَبْقَلَ إبقالَها.
وَصَفَ أرضًا مُخْصِبَةً لكثرةِ ما نَزَلَ بها من الغَيثِ. والوَدْقُ: المَطَرُ. والمُزْنَةُ: السحابَةُ. ويُروى (أبقَلَتِ أبْقالَها) بتَخفيفِ الهمزةِ، ولا ضَرورةَ فيه على هذا.
وأنشد في البابِ لطُفَيل الغَنَوي (٨٣٢):
стр. 247
[٣٤٣] إذْ هِيَ أَحْوَى مِن الرِبْعيِّ حاجِبُهُ … والعَينُ بالإِثْمِدِ الحارِيِّ مَكْحولُ
الشاهدُ فيه تذكيرُ (مَكْحولٍ) وهو خَبرٌ عن العينِ، وهي مؤنَّثَةٌ لأنّها في معنى الطَرْفِ، ويَجوزِ أنْ يكونَ خَبرًا عن الحاجِبِ فيكون التقدير حاجبُهُ مكحولٌ بالإِثمدِ والعَينُ كذلك، ولا تكونُ فيه ضرورةٌ، إلّا أنّ سيبويه حَمَلَه على العينِ لقُرْبِ جِوارِها منه.
وَصَفَ امرأةٌ فجَعَلَها بمنزلةِ ظَبْيٍ أَحْوى، وهو الذي في ظَهْرِه وجَنَبَتَيْ أَنفِهِ خُطوطٌ سُودٌ، والحُوَّةُ: السَوادُ. وقولُه: (مِن الرِبْعِيِّ)، أَيْ: من الصِنْفِ المولودِ زَمَنَ الرَبيعِ وهو أَبكَرُهُ وأَفضَلُهُ. والحارِيُّ منسوبٌ إلى الحِيرةِ (٨٣٣).
وأنشد في البابِ للنابغةِ الجَعْديّ (٨٣٤):
[٣٤٤] شَرِبْتُ بها والديكُ يَدْعو صَباحَهُ … إذا ما بَنو نَعْشٍ دَنَوْا فتَصَوَّبوا
الشاهدُ فيه تَذكيرُهُ (بَناتٍ نَعْشٍ) لإِخبارِهِ عنها بالدُنُوِّ والتَصَوُّبِ كما يُخْبَرُ عن الآدميين على ما بَيَّنَه سيبويه.
وَصَفَ خَمرًا باكَرَها بالشُربِ عند صِياحِ الدِيكِ وتَصَوُّبِ بَناتِ نَعْشٍ ودُنُوِّها من الأُفُقِ للغُروبِ.
والباءُ في قولِهِ: (بها) زائدةٌ مؤكِّدَةٌ، وكثيرًا ما تَزيدُها العَرَبُ في مثْلِ هذا كما قال عَنترةُ (٨٣٥):
شَربَتْ بماءِ الدُحْرُضَيْن [فأصْبَحَتْ].
стр. 248
وقالَ [اللَّهُ] : ﴿[عَيْنًا] يَشْرَبُ بِهَا الْمُقَرَّبُونَ﴾ (٨٣٦).
وأنشد في البابِ لِخطامِ المُجاشِعِيّ (٨٣٧):
[٣٤٥] ظَهْراهُما مِثْلُ ظُهورِ التُرْسَيْنُ
الشاهدُ فيه تَثنيةُ (الظَهْرَين) على الأصلِ، والأكثَرُ في كلامهم إخْراجُ مِثْلِ هذا إلى الجمعِ كَراهَةً لاجتماعِ تَثْنيتين في اسمٍ واحِدٍ، لأنّ المُضافَ إليه مِن تَمامِ المُضافِ مع ما في التَثنيةِ من معنى الجمعِ وإنَّ المعنى لا يُشْكِلُ، ولذلك قال: مِثْلُ ظُهورِ التُرْسَيْن، فَجَمع الظَهْرَ.
وَصَفَ فَلاتَين لا نَبْتَ فيهما ولا شَخْصَ يُسْتَدَلُّ به فَشَبَّههما بالتُرْسَيْن، وقَبْلَه: وَمَهْمَهَيْنِ قَذَفَيْنِ مَرْتَيْن.
والمَهْمَةُ: القَفْرُ. والقَذَفُ: البَعيدُ. والمَرْتُ: التي لا تُنْبِتُ، وبَعدَه (٨٣٨):
جُبْتُهما بالنَعْتِ لا بالنَعْتَيْن
أَيْ: خَرَقْتُهما بالسَيرِ واكتَفَيتُ في الدِلالةِ فيهما بأَنْ نُعِتا لي مَرّةً واحدةً.
وأنشد في بابٍ ترجَمَتُه: هذا بابٌ إجراءُ الصفةِ على الاسمِ فيه في بعضِ المواضعِ أحسَنُ، لحَسّانَ بنِ ثابتٍ (٨٣٩):
[٣٤٦] ظَنَنْتُم بأَنْ يَخْفَى الذي قَدْ صَنَعْتُمُ … وَفِينا نَبيٌّ عندَهُ الوَحْيُ واضِعُهْ
الشاهدُ فيه جَرْيُ قولِهِ: (واضِعُهُ) على النبيّ ﷺ مع إعادَةِ الضَميرِ على الوَحْي وهو لا يَحتَمِلُ القَلْبَ كما تَقَدَّمَ في البابِ.
стр. 249
وقَدْ رُدٌّ (٨٤٠) عليه هذا التقديرُ، وجُعِلَ الضَميرُ عائدًا على (الذي قد صَنَعْتُم) على تَقديرِ: وَفِينا نَبِيٌّ واضِعُ ما قد صَنَعْتُم لا على الوَحْي كما قَدَّرَهُ.
والحُجَّةُ لسيبويه أنَّ رَدَّهُ على الوَحْي أَوْلَى لأنَّه يُريدُ يَضَعُ فِينا ما يُوحَى إليه فَيُنْبئنا بِصَنِيعكم على الحقيقةِ، وإذا رُدَّ الضَميرُ على (الذي) كانَ التقديرُ واضِعُ الذي صَنَعْتُم مُطْلقًا هَونٌ رَبْطِهِ بالوَحْي الذي هو أكشَفُ لحقيقَتِهِ. والوَضْعُ هنا النَشْرُ والبَثُّ.
وأنشد في البابِ (٨٤١):
[٣٤٧] وأَيُّ فَتَى هَيْجاءَ أَنتَ وجارِها … إذا ما رِجالٌ بالرِجالِ استَقَلَّتِ
الشاهدُ فيه عَطْفُ (جارِها) على (فَتَى هَيْجاءَ)، والتقديرُ أيُّ فَتَى هَيْجاءَ وأيُّ جارِها أَنتَ، فَجارُها نكرةٌ لأن (أَيًّا) إذا أُضِيفَ إلى واحِدٍ لم يكُنْ إلّا نكرةً لأنّه [في معنى الجِنسِ] (٨٤٢)، فَجارُها وإن كان مضافًا إلى ضَمير (هَيْجاءَ) فهو نكرةٌ في المعنى، لأن ضميرَ الهَيْجاءِ في الفائدةِ مِثْلُها، فكأنَّه قال: أيُّ فَتَى هَيْجاءَ وأيُّ جارِ هيجاء أنت.
ولا يَجوزُ رَفْعُهُ لأنّه إذا رُفِعَ فهو على أَحَدِ وَجْهَيْن: إمّا أنْ يكونَ عَطْفًا على (أَيٍّ) أَو عَطْفًا على (أنتَ)، فإنْ كانَ عَطْفًا على (أيّ) وَجَبَ أنْ يكونَ بإعادةِ حَرْفِ الاستفهام وخَرَجَ عَنْ معنى المَدْحِ فيصيرُ أيُّ فَتَى هَيْجاءَ وأَجارُها أنتَ، وإنْ كانَ عَطْفًا على (أَنتَ) صارَ التقديرُ أيُّ فَتَى هَيْجاءَ أنتَ والذي هو جارُ الهَيْجاءِ، فكأنّه قال: أَنتَ وَرَجُلٌ آخَرُ جارُ هَيجاءَ، ولم يَقْصِد الشاعِرُ إلى هذا.
والهَيْجاءُ: الحَرْبُ، وأرادَ بقَتاها القائمَ بها المُبْلِي فيها، وَبِجارِها المُجِيرَ منها الكافِيَ لها. ومعنى استَقَلَّتْ نَهَضَتْ.
وأنشد في البابِ للأعشى (٨٤٣) في مِثْلِهِ:
стр. 250
[٣٤٨] وكَمْ دُونَ بَيْتِكَ مِنْ صَفْصَفٍ … ودَكْداكِ رَمْلٍ وأَعْقَادِها
وَوَضْعِ سِقاءٍ وإِحْقابِهِ … وحَلٍّ حُلُوسٍ وإغْمادِها
الشاهدُ في قَولِهِ: (وأَعقادِها) وفي قوله: (وإحْقابِهِ، وإغمادِها)، وحَمْلِها كُلِّها وهي مضافَةٌ إلى الضمائرِ على الأسماءِ المجرورةِ بـ (مِنْ)، وهي أسماءٌ منكورةٌ لوقوعها موقعَ المنصوبِ على التمييزِ، والقَولُ في جَوازِ هذا كالقَولِ في جَوازِ الذي تَقَدَّمَ قَبْلَه.
وَصَفَ بُعْدَ المسافَةِ "التي" بَينَه وبينَ الممدوحِ الذي قَصَدَه ليَسْتوجِبَ بذلك جائزَتَهُ. والصَفْصَفُ: المُستوِي من الأرضِ الذي لا يُنْبِتُ، يُريدُ الفَلاة. والدَكْداكُ من الرَمْلِ: المستوِي (في ارتِفاعٍ). والأعْقادُ جَمعُ عَقِدٍ وهو المُنْعقدُ من الرَمْلِ المُتراكِبُ. وَوَضْعُ السِقاءِ: حَطُّهُ عَن الراحِلَةِ. وإحْقابُهُ: وَضْعُهُ على الحَقيبةِ وهي مُؤخَّرُ الرَحْلِ، ويُروى (وأَحْقابِهِ) بفَتح الهمزةِ، وهو جَمعُ حَقيبةٍ على حَذْفِ الزيادةِ وهو جَمعٌ غريبٌ، ونَظيرُهُ شَرِيفٌ وأَشرافٌ ويَتيمٌ وأَيْتام. والحُلُوسُ: مَسُوحٌ من شَعرٍ تُوضَعُ تحتَ الرَحْلِ في مُؤخَّرِ البَعيرِ. وإغْمادُها: شَدُّها تَحتَ الرَحْلِ.
وأنشد في بابٍ بَعدَ هذا للخِرْنِقِ (٨٤٤):
لا يَبْعَدَنْ قَومي الذينَ هُمُ … سَمُّ العُداةِ وآفَةُ الجُزْرِ [١٧٦]
النازِلينَ بكُلِّ مُعْتَرَكٍ … والطَيِّبونَ مَعاقِدَ الأَزْرِ
استشهَدَ بهما لِقَطْعِ (النازِلينَ والطَيِّبينَ) من الموصوفِ وحَمْلِهما على إضمارِ الفِعلِ والمبتدأ لِما قُصِدَ بهما من معنى المَدحِ دونَ الوَصْفِ على ما بَيِّنَه في البابِ. وقد تَقَدَّمَ البَيتانِ (٨٤٥) بتفسيرهما فأَغْنَى ذلك عن إعادَتِهِ.