← Адаб

Адаб · id 1207

تحصيل عين الذهب من معدن جوهر الأدب في علم مجازات العرب

الأعلم الشنتمري

Полный текст (617 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.

стр. 246

وَصَفَ ما جُبِلَ عليه من عِزَّةِ النَفْسِ وبُعْدِ الهِمَّةِ فيقول: لَمْ أَزَلْ مُحَسِّدًا يَضْطَغَنُ عليَّ، ومُضطَلِعًا للأضْغانِ على العَدُوّ ومُطالِبًا له. والمُضْطَلِعُ ها هُنا الحامِلُ بينَ أَضْلاعِهِ الضَغينةَ والعَداوَةَ. واليافِعُ: الذي ناهَزَ الحُلُمَ، وأَضْلُهُ مِن اليَفاعِ وهو المرتفعُ من الأرضِ، وفِعْلُهُ أَيفَعَ وهو نادِرٌ. وأنشد في البابِ للأعشى (٨٣٠): [٣٤١] فَإمّا تَرَيْ لِمَّتي بُدِّلَتْ … فإنَّ الحوادِثَ أَودَى بِها الشاهدُ فيه حَذْفُ التاءِ مِن (أَوْدَتْ) ضَرورةً، ودَعاهُ إلى حَذْفِها أنّ القافيةَ مُردَفَةٌ بالألف، وسَوّغَ له حَذْفَها أنَّ تأنيثَ الحوادِثِ غَيرُ حَقيقيّ وهي في معنى الحَدَثَان. ومعنى أودَى بها ذَهَبَ ببَهْجَتها وحُسْنِها. واللِّمِّةُ الشعرةُ تُلِمُّ بالمَنْكِبِ، وتَبَدُّلُها تَغَيُّرُها من السَوادِ إلى البَياضِ. وأنشد في البابِ في نَحْوِهِ لعامِر بنِ جُوَيْن الطائي (٨٣١): [٣٤٢] فَلا مُزْنَةٌ وَدَقَتْ وَدْقَها … ولا أَرضٍ أَبْقَلَ إبْقَالَها الشاهدُ فيه حَذْفُ التاءِ منِ (أَبْقَلَتْ)، لأنَّ الأرضَ بمعنى المكانِ فكأنَّه قال: ولا مكانَ أَبْقَلَ إبقالَها. وَصَفَ أرضًا مُخْصِبَةً لكثرةِ ما نَزَلَ بها من الغَيثِ. والوَدْقُ: المَطَرُ. والمُزْنَةُ: السحابَةُ. ويُروى (أبقَلَتِ أبْقالَها) بتَخفيفِ الهمزةِ، ولا ضَرورةَ فيه على هذا. وأنشد في البابِ لطُفَيل الغَنَوي (٨٣٢):

стр. 247

[٣٤٣] إذْ هِيَ أَحْوَى مِن الرِبْعيِّ حاجِبُهُ … والعَينُ بالإِثْمِدِ الحارِيِّ مَكْحولُ الشاهدُ فيه تذكيرُ (مَكْحولٍ) وهو خَبرٌ عن العينِ، وهي مؤنَّثَةٌ لأنّها في معنى الطَرْفِ، ويَجوزِ أنْ يكونَ خَبرًا عن الحاجِبِ فيكون التقدير حاجبُهُ مكحولٌ بالإِثمدِ والعَينُ كذلك، ولا تكونُ فيه ضرورةٌ، إلّا أنّ سيبويه حَمَلَه على العينِ لقُرْبِ جِوارِها منه. وَصَفَ امرأةٌ فجَعَلَها بمنزلةِ ظَبْيٍ أَحْوى، وهو الذي في ظَهْرِه وجَنَبَتَيْ أَنفِهِ خُطوطٌ سُودٌ، والحُوَّةُ: السَوادُ. وقولُه: (مِن الرِبْعِيِّ)، أَيْ: من الصِنْفِ المولودِ زَمَنَ الرَبيعِ وهو أَبكَرُهُ وأَفضَلُهُ. والحارِيُّ منسوبٌ إلى الحِيرةِ (٨٣٣). وأنشد في البابِ للنابغةِ الجَعْديّ (٨٣٤): [٣٤٤] شَرِبْتُ بها والديكُ يَدْعو صَباحَهُ … إذا ما بَنو نَعْشٍ دَنَوْا فتَصَوَّبوا الشاهدُ فيه تَذكيرُهُ (بَناتٍ نَعْشٍ) لإِخبارِهِ عنها بالدُنُوِّ والتَصَوُّبِ كما يُخْبَرُ عن الآدميين على ما بَيَّنَه سيبويه. وَصَفَ خَمرًا باكَرَها بالشُربِ عند صِياحِ الدِيكِ وتَصَوُّبِ بَناتِ نَعْشٍ ودُنُوِّها من الأُفُقِ للغُروبِ. والباءُ في قولِهِ: (بها) زائدةٌ مؤكِّدَةٌ، وكثيرًا ما تَزيدُها العَرَبُ في مثْلِ هذا كما قال عَنترةُ (٨٣٥): شَربَتْ بماءِ الدُحْرُضَيْن [فأصْبَحَتْ].

стр. 248

وقالَ [اللَّهُ] : ﴿[عَيْنًا] يَشْرَبُ بِهَا الْمُقَرَّبُونَ﴾ (٨٣٦). وأنشد في البابِ لِخطامِ المُجاشِعِيّ (٨٣٧): [٣٤٥] ظَهْراهُما مِثْلُ ظُهورِ التُرْسَيْنُ الشاهدُ فيه تَثنيةُ (الظَهْرَين) على الأصلِ، والأكثَرُ في كلامهم إخْراجُ مِثْلِ هذا إلى الجمعِ كَراهَةً لاجتماعِ تَثْنيتين في اسمٍ واحِدٍ، لأنّ المُضافَ إليه مِن تَمامِ المُضافِ مع ما في التَثنيةِ من معنى الجمعِ وإنَّ المعنى لا يُشْكِلُ، ولذلك قال: مِثْلُ ظُهورِ التُرْسَيْن، فَجَمع الظَهْرَ. وَصَفَ فَلاتَين لا نَبْتَ فيهما ولا شَخْصَ يُسْتَدَلُّ به فَشَبَّههما بالتُرْسَيْن، وقَبْلَه: وَمَهْمَهَيْنِ قَذَفَيْنِ مَرْتَيْن. والمَهْمَةُ: القَفْرُ. والقَذَفُ: البَعيدُ. والمَرْتُ: التي لا تُنْبِتُ، وبَعدَه (٨٣٨): جُبْتُهما بالنَعْتِ لا بالنَعْتَيْن أَيْ: خَرَقْتُهما بالسَيرِ واكتَفَيتُ في الدِلالةِ فيهما بأَنْ نُعِتا لي مَرّةً واحدةً. وأنشد في بابٍ ترجَمَتُه: هذا بابٌ إجراءُ الصفةِ على الاسمِ فيه في بعضِ المواضعِ أحسَنُ، لحَسّانَ بنِ ثابتٍ (٨٣٩): [٣٤٦] ظَنَنْتُم بأَنْ يَخْفَى الذي قَدْ صَنَعْتُمُ … وَفِينا نَبيٌّ عندَهُ الوَحْيُ واضِعُهْ الشاهدُ فيه جَرْيُ قولِهِ: (واضِعُهُ) على النبيّ ﷺ مع إعادَةِ الضَميرِ على الوَحْي وهو لا يَحتَمِلُ القَلْبَ كما تَقَدَّمَ في البابِ.

стр. 249

وقَدْ رُدٌّ (٨٤٠) عليه هذا التقديرُ، وجُعِلَ الضَميرُ عائدًا على (الذي قد صَنَعْتُم) على تَقديرِ: وَفِينا نَبِيٌّ واضِعُ ما قد صَنَعْتُم لا على الوَحْي كما قَدَّرَهُ. والحُجَّةُ لسيبويه أنَّ رَدَّهُ على الوَحْي أَوْلَى لأنَّه يُريدُ يَضَعُ فِينا ما يُوحَى إليه فَيُنْبئنا بِصَنِيعكم على الحقيقةِ، وإذا رُدَّ الضَميرُ على (الذي) كانَ التقديرُ واضِعُ الذي صَنَعْتُم مُطْلقًا هَونٌ رَبْطِهِ بالوَحْي الذي هو أكشَفُ لحقيقَتِهِ. والوَضْعُ هنا النَشْرُ والبَثُّ. وأنشد في البابِ (٨٤١): [٣٤٧] وأَيُّ فَتَى هَيْجاءَ أَنتَ وجارِها … إذا ما رِجالٌ بالرِجالِ استَقَلَّتِ الشاهدُ فيه عَطْفُ (جارِها) على (فَتَى هَيْجاءَ)، والتقديرُ أيُّ فَتَى هَيْجاءَ وأيُّ جارِها أَنتَ، فَجارُها نكرةٌ لأن (أَيًّا) إذا أُضِيفَ إلى واحِدٍ لم يكُنْ إلّا نكرةً لأنّه [في معنى الجِنسِ] (٨٤٢)، فَجارُها وإن كان مضافًا إلى ضَمير (هَيْجاءَ) فهو نكرةٌ في المعنى، لأن ضميرَ الهَيْجاءِ في الفائدةِ مِثْلُها، فكأنَّه قال: أيُّ فَتَى هَيْجاءَ وأيُّ جارِ هيجاء أنت. ولا يَجوزُ رَفْعُهُ لأنّه إذا رُفِعَ فهو على أَحَدِ وَجْهَيْن: إمّا أنْ يكونَ عَطْفًا على (أَيٍّ) أَو عَطْفًا على (أنتَ)، فإنْ كانَ عَطْفًا على (أيّ) وَجَبَ أنْ يكونَ بإعادةِ حَرْفِ الاستفهام وخَرَجَ عَنْ معنى المَدْحِ فيصيرُ أيُّ فَتَى هَيْجاءَ وأَجارُها أنتَ، وإنْ كانَ عَطْفًا على (أَنتَ) صارَ التقديرُ أيُّ فَتَى هَيْجاءَ أنتَ والذي هو جارُ الهَيْجاءِ، فكأنّه قال: أَنتَ وَرَجُلٌ آخَرُ جارُ هَيجاءَ، ولم يَقْصِد الشاعِرُ إلى هذا. والهَيْجاءُ: الحَرْبُ، وأرادَ بقَتاها القائمَ بها المُبْلِي فيها، وَبِجارِها المُجِيرَ منها الكافِيَ لها. ومعنى استَقَلَّتْ نَهَضَتْ. وأنشد في البابِ للأعشى (٨٤٣) في مِثْلِهِ:

стр. 250

[٣٤٨] وكَمْ دُونَ بَيْتِكَ مِنْ صَفْصَفٍ … ودَكْداكِ رَمْلٍ وأَعْقَادِها وَوَضْعِ سِقاءٍ وإِحْقابِهِ … وحَلٍّ حُلُوسٍ وإغْمادِها الشاهدُ في قَولِهِ: (وأَعقادِها) وفي قوله: (وإحْقابِهِ، وإغمادِها)، وحَمْلِها كُلِّها وهي مضافَةٌ إلى الضمائرِ على الأسماءِ المجرورةِ بـ (مِنْ)، وهي أسماءٌ منكورةٌ لوقوعها موقعَ المنصوبِ على التمييزِ، والقَولُ في جَوازِ هذا كالقَولِ في جَوازِ الذي تَقَدَّمَ قَبْلَه. وَصَفَ بُعْدَ المسافَةِ "التي" بَينَه وبينَ الممدوحِ الذي قَصَدَه ليَسْتوجِبَ بذلك جائزَتَهُ. والصَفْصَفُ: المُستوِي من الأرضِ الذي لا يُنْبِتُ، يُريدُ الفَلاة. والدَكْداكُ من الرَمْلِ: المستوِي (في ارتِفاعٍ). والأعْقادُ جَمعُ عَقِدٍ وهو المُنْعقدُ من الرَمْلِ المُتراكِبُ. وَوَضْعُ السِقاءِ: حَطُّهُ عَن الراحِلَةِ. وإحْقابُهُ: وَضْعُهُ على الحَقيبةِ وهي مُؤخَّرُ الرَحْلِ، ويُروى (وأَحْقابِهِ) بفَتح الهمزةِ، وهو جَمعُ حَقيبةٍ على حَذْفِ الزيادةِ وهو جَمعٌ غريبٌ، ونَظيرُهُ شَرِيفٌ وأَشرافٌ ويَتيمٌ وأَيْتام. والحُلُوسُ: مَسُوحٌ من شَعرٍ تُوضَعُ تحتَ الرَحْلِ في مُؤخَّرِ البَعيرِ. وإغْمادُها: شَدُّها تَحتَ الرَحْلِ. وأنشد في بابٍ بَعدَ هذا للخِرْنِقِ (٨٤٤): لا يَبْعَدَنْ قَومي الذينَ هُمُ … سَمُّ العُداةِ وآفَةُ الجُزْرِ [١٧٦] النازِلينَ بكُلِّ مُعْتَرَكٍ … والطَيِّبونَ مَعاقِدَ الأَزْرِ استشهَدَ بهما لِقَطْعِ (النازِلينَ والطَيِّبينَ) من الموصوفِ وحَمْلِهما على إضمارِ الفِعلِ والمبتدأ لِما قُصِدَ بهما من معنى المَدحِ دونَ الوَصْفِ على ما بَيِّنَه في البابِ. وقد تَقَدَّمَ البَيتانِ (٨٤٥) بتفسيرهما فأَغْنَى ذلك عن إعادَتِهِ.

стр. 251

وأنشد في بابٍ ترجَمَتُه: هذا بابُ ما ينتصبُ على المَدْحِ والتَعظيمِ، للأخطلِ (٨٤٦): [٣٤٩] نَفْسِي فِداءُ أَميرِ المؤمنينَ إذا … أبْدَى النَواجِذَ يَومٌ باسِلٌ ذَكَرُ الخائضُ الغَمْرَ والمَيْمونُ طائرُهُ … خليفةُ اللَّهِ يُسْتَسْقَى به المَطَرُ الشاهدُ في قَطْعِ (الخائضِ) وما بَعدَه مِن قوله: (أميرِ المؤمنينَ) لِما قَصَد من معنى المَدْحِ والثَناءِ، ولَوْ نَصَبَه على هذا المعنى لكانَ حَسَنًا، ولَوْ جَرَّه على النَعْتِ أو البَدَلِ لجازَ. مَدَحَ عبدَ المَلكِ بنَ مروانَ، ووَصَفَ اليومَ بإبْداءِ النَواجِذِ لِشدَّته وبَسَالَتِهِ فكأنّه يَكْلَحُ فَتبدو نَواجِذُهُ، وجَعَلَه ذَكَرًا مُبالَغَةً في وَصْفِهِ (٨٤٧) بالشِدَّةِ. والباسِلُ: الكَريهُ المَنْظَرِ، وإنّما يُريدُ يَومًا مِن أيّامِ الحَرْبِ. والغَمْرُ: الماءُ الكثيرُ، ويَجوزُ أنْ يكونَ جَمْعَ غَمْرَةٍ وهي الشِدّةُ، وأصلُها من الأوّلِ. وجَعَلَه مَيْمونَ الطائرِ لكثرةِ خَيْرِهِ والتَيَمُّنِ به. وأنشد في البابِ قَولَ مُهَلْهِلٍ (٨٤٨): ولَقَدْ خَبَطْنَ بُيُوتَ يَشْكُرَ خَبْطَةً [٣٢٥] وقَولَ الخِرْنِق (٨٤٩): لا يَبْعَدَنْ قَوْمي. . . البيتين [١٧٦] وقد مَرَّتْ بتفسيرها (٨٥٠):

стр. 252

وأنشد في البابِ لابنِ خَيّاطٍ العُكْلِيّ (٨٥١): [٣٥٠] وكُلُّ قَومٍ أَطاعوا أَمْرَ مُرْشِدِهمْ … إلّا نُمَيْرًا أَطاعتْ أَمْرَ غاوِيِها الظاعِنينَ ولَمّا يُظْعِنوا أَحَدًا … والقائلونَ لِمَنْ دارُ نُخَلِّيها الشاهدُ في نَصْبِ (الظاعِنينَ) بإضمارِ فِعْلٍ، ورَفْعِ (القائلينَ) على إضمارِ مبتدإٍ لِما قَصَد من معنى الذّمٍّ، ولو أرادَ التَحْلِيَةَ والوَصْفَ لأجْراه على ما قَبلَه نَعْتًا، والقَولُ فيه كالقولِ فيما (٨٥٢) قَبْلَه. ونُمَير: قَبيلةٌ من بني عامِرٍ. وغاوِيها بمعنى مُغْرِيها، فبناهُ على فاعِلٍ لِما أرادَ مِن معنى النَسَبِ ولم يُجْرِهِ على الفِعلِ كما قالوا: هَمٌّ ناصِبٌ، أَيْ: مُنْصِبٌ، ويَجوزُ أنْ يُريدَ الغاوِيَ في نَفْسِهِ لأنّه إذا أُطِيعَ فقد أَغْوى مُطِيعَهُ. وقولُه: (الظاعنينَ ولَمّا يُظْعِنوا أَحَدًا) أيْ: يَخافونَ من عَدُوِّهم لِقلَّتِهم وذُلِّهم فَيَظْعنون ولا يَخافُ منهم عَدُوُّهم فيَظْعَن عن دارِهِ خَوْفًا منهم. وقولُه: (لِمَنْ دارُ نُخَلِّيها)، أَيْ: إذا ظَعَنوا عن دارٍ لم يَعْرِفوا مَنْ يَحُلُّها "مِنْ" بَعْدِهم لخَوْفِهم مِن جَميعِ القَبائلِ. وأنشد في الباب (٨٥٣): [٣٥١] لَقَدْ حَمَلَتْ قَيْسُ بنُ عَيْلانَ حَرْبَها … على مُسْتَقِلٍّ للنوائبِ والحَرْبِ

стр. 253

أَخَاها إذا كانَتْ غِضابًا سَما لها … على كُلِّ حالٍ من ذَلُولٍ وَمِنْ صَعْبِ الشاهدُ فيه نَصْبُهُ (٨٥٤) (أَخاها) على المَدْحِ، ولو رُفِعَ على القَطْعِ، أَوْ خُفِضَ على البَدَلِ من المُستَقِلِّ لجازَ. والمُسْتَقِلُّ: الناهِضُ بِما حُمِّلَ. وقَولُه: (سَمَا لها)، أيْ: ارتَفَعَ راكبًا لِما حُمِّلِ عليه من الشَدائِدِ. وأنشد بَعدَه بَيتَ أُمَيَّةَ بنِ أبي عائذٍ الهُذَليّ (٨٥٥): وَيأوِي إلى نِسْوَةٍ عُطِّلٍ … وشُعْثًا مراضِيعَ مِثْلِ السَعالِي [٢٩٨] استشهَدَ به علي نَصْبِ قَولِهِ: (وشُعْثًا) بإضمارِ فِعْلٍ، لأنّه لَمّا قال: (إلى نِسْوَةٍ عُطَّلٍ)، عُلِمَ أَنَّهنّ شُعْثٌ، فكأنّه قال: وأَذكُرُهُنَّ شُعْثًا، إلّا أَنَّه فِعْلٌ لا يُظْهَرُ، لأنّ ما قَبْلَهُ قد دَلَّ عليه فأَغْنَى عن ذِكْرِهِ على ما يجري البابُ عليه في المَدْحِ والذَمِّ. وقد تَقَدَّمَ البَيتُ بتَفسيره (٨٥٦). وأنشد في الباب (٨٥٧): [٣٥٢] بأَعْيُنٍ منها مَليحاتِ النُقَبْ شَكْلِ التِجارِ وحَلالِ المُكْتَسَبْ الشاهدُ في جَرْيِ (شَكْلِ التِجارِ وحَلالِ المُكْتَسَب) على ما قَبْلَه نَعْتًا، ولو قُطِعَ فَرُفِعَ أو نُصِبَ لِما فيه من معنى المَدْحِ لجازَ. وَصَفَ جَوارِيَ. والنُقَبُ جَمعُ نُقْبَةٍ وهي خَرْقُ العَينِ أو خَرْقُ البُرْقُعِ على العَينِ. وقَولُه: (شَكْلِ التِجارِ) أَيْ: هُنَّ ممّا يَصلُحُ للتِجارةِ ويَحِلُّ للكَسْبِ، وقد قيلَ: إنّه

стр. 254

وَصَفَ إبِلًا، والأوّلُ أَشْبَهُ. ويُروى (شَكْلِ النِجارِ)، أَيْ: "مِمّا" يُشاكِلُ نِجارَها ويُشْبِهُهُ، والنِجارُ: الأصلُ واللَّونُ. وأنشد في البابِ لمالكِ بن خُوَيْلد الخُناعِي (٨٥٨)، وقيلَ: لأبي ذؤيب: [٣٥٣] يا مَيَّ لا يُعْجِزُ الأيّامَ ذو حِيَدٍ … في حَوْمَةِ المَوتِ رَزّامٌ وفَرّاسُ يَحْمِي الصَرِيمَة أَحْدانُ الرِجالِ له … صَيْدٌ ومُجْترِئٌ باللَّيلِ هَمّاسُ الشاهدُ فيهما (٨٥٩) جَرْيُ الصِفاتِ على ما قَبلَها مع ما فيها من معنى التعظيمِ، ولو نُصِبَتْ (٨٦٠) لجازَ. وَصَفَ أَسَدًا، ووَقَعَ في إنْشادِ البيتِ الأوّلِ غَلَطٌ وهو قوله: (ذو حِيَدٍ)، والصَوابُ مُبْتّرِكٌ وهو الأسَدُ البارِكُ، وأَمّا (ذو حِيَدٍ) فهو مِن وَصْفِ الوَعِلِ، وحِيَدُهُ نُتُوءٌ في قَرْنِهِ، واحدَتُها حَيْدَهٌ وهو جَمعٌ غريبٌ كضَيْعَةٍ وضِيَعٍ وحَيْضَةٍ وحِيَضٍ، ويُروى بفَتْحِ الحاءِ (٨٦١)، وهو مصدرُ الأحْيَدِ. وحَوْمَةُ المَوتِ: مُجتَمَعُهُ. والرَزّامُ: الصارعُ (٨٦٢)، يقال: رَزَمَ به إذا صَرَعَهُ. والفَرّاسُ: الذي يَدُقُّ الأعناقَ، ومنه فَرِيسَةُ الأسَدِ لأنّه يَدُقُّ عُنُقَها. وأرادَ بالصَريمةِ مَوضِعَهُ الذي يكونُ فيه، والصَريمةُ رَمْلَةٌ مُنْقطعةٌ عن مُعظمِ الرَمْلِ. وأُحْدانٌ جَمعٌ أَحَدٍ، وأحَدٌ في معنى واحِدٍ، أَيْ: يَصْطادُ الرِجالَ واحِدًا بَعدَ واحِدٍ. والهَمّاسُ مِن الهَمْسِ وهو صوتُ المَشْي الخَفِيّ، وبذلك يُوصَفُ الأسَدُ، والمعنى أنّ الدَهْرَ لا يَنْجو منه شَيءٌ، وتَمامُ البَيتِ الذي وَقَعَ فيه الغَلَطُ (٨٦٣): يا مَيَّ لا يُعْجِزُ الأيّامَ ذو حَيَدٍ … بِمُشْمَخِرٍّ به الظَيّانُ والآسُ

стр. 255

وبَعدَه بأبياتٍ البيتانِ المُتقدّمانِ. وأنشد في الباب (٨٦٤): [٣٥٤] فَتَى الناسِ لا يَخْفَى عليهم مَكانُهُ … وضِرْغامَةٌ إنْ هَمَّ بالحَرْبِ أوْقَعا الشاهدُ فيه قَولُه: (وضِرغامَةٌ)، وحَمْلُه على الابتداءِ، والتقديرُ وهو ضِرْغامَةٌ، ولو نَصَبَ لِما فيه من معنى المدحِ لكانَ حَسَنًا. والضِرْغامَةُ: مِن أسماءِ الأسَدِ، شَبَّه به الرَجُلَ في جُرْأتِهِ وإقْدامِهِ. وأنشد في البابِ (٨٦٥): [٣٥٥] إذا لَقِيَ الأعداءَ كانَ خَلاتَهُمْ … وكَلبٌ على الأذْنَينِ والجارِ نابِحُ الشاهدُ فيه قولُه: (وكَلْبٌ)، ورَفْعُهُ على القَطْعِ والابتداءِ، ولو نَصَبَ على الذَمِّ لجازَ. وَصَفَ رَجُلًا بضَعْفِهِ عن مُقاومةِ أعدائه فيكونُ لهم كالخَلاةِ إذا لَقِيَهم، والخَلاةُ: الرَطْبَةُ من الحَشِيشِ، وهي واحدةُ الخَلَا، وبِمَنْعِ الجارِ والأقارِبِ وأذاهم، فجَعَلَه كالكَلْبِ النابحِ في بُخْلِهِ ومَنْعِهِ وأَذاه (٨٦٦). وأنشد في بابٍ ترجَمَتُه: هذا بابُ ما يَجري من الشَتْمِ مجرى التَعظيمِ، لعُرْوَةَ ابن الوَرْدِ العَبْسِيّ (٨٦٧): [٣٥٦] سَقَوْني الخَمْرَ ثُمَّ تَكَنَّفرني … عُداةَ اللَّهِ مِن كَذِبٍ وَزُورِ الشاهدُ فيه نَصْبُ (العُداةِ) على الشَتْمِ، ولو رَفَعَ لجازَ، والقَولُ فيه كالقَولِ

стр. 256

فيما تَقَدّمَ قَبْلَه. وَصَفَ ما كانَ مِن فِعْلِ قَومِ امرأَتِهِ "به" حينَ احتالوا عليه وسَقَوهُ الخَمرَ حتّى أجابَهُم إلى مُفاداتِها وكانَتْ سَبِيَّةً عنده، وله خَبَرٌ اختَصَرْتُهُ. ويُروى (سَقَونِي النَسءَ) وهي الخَمرُ، لأنّها تُنْسِئُ الواجبَ أيْ: تُؤخِّره، وواحِدُ العُداةِ عادٍ وهو بمعنى العَدُوِّ، وبَعدَ هذا (٨٦٨): وقالوا لَسْتَ بَعدَ فِداءِ لَيْلَى … بِمُغْنٍ ما لَدَيْكَ ولا فَقِيرِ وأنشد في البابِ للنابغةِ الذبياني (٨٦٩): [٣٥٧] لَعَمْري وما عَمْرِي عَلَيَّ بِهَيِّنٍ … لَقَدْ نَطَقَتْ بُطْلًا عليَّ الأقارِعُ أَقارعُ عَوْفٍ لا أُحاوِلُ غَيْرَها … وُجوهَ قُرودٍ تَبْتَغِي مَنْ تُجادِعُ الشاهدُ في قَولِه: (وُجُوهَ قُرودِ)، ونَصْبِهِ على الذَمِّ، ولو قُطِعَ فَرُفِعَ لجازَ. هَجا قومًا مِن بني قُرَيع (٨٧٠) وهم من تَميم مِن بَني سَعْدِ بنِ زَيدِ مَناةَ، وكانوا قد وَشَوْا به إلى النُعمان حَتّى تَغَيَّرَ له، وسَمّاهُم بالأقارع لأنّ قُرَيْعًا أَباهُم سُمِّي بهذا الاسم، وهو تَصغيرُ أَقْرَعَ على جهةِ التَرخيمِ، والعَرَبُ إذا نَسَبَت الأبناءَ إلى الآباءِ فَرُبّما سَمَّتْهم باسمِ الأبِ كما قالوا: المَهَالِبَةُ والمَسامِعَةُ في بَني المُهَلَّبِ وبَني مِسْمَعٍ، وعَوْف هذا هو عَوْفُ بنُ كعبِ بنِ سَعْدِ بنِ زيدِ مَناةَ بنِ تَميم. ومعنى أُحاوِلُ أُعالجُ وأُزاوِلُ. والمُجادَعَةُ: المُشاتَمَةُ، وأَصلُها من الجَدْعِ وهو قَطْعُ الأنْف والأُذُنِ.

стр. 257

وأنشد في الباب (٨٧١): [٣٥٨] مَتَي تَرَ عَيْنَيْ مالِكٍ وجِرانَهُ … وجَنْبَيْهِ تَعْلَمْ أَنَّه غَيرُ ثائرِ جِضَجْرُ كأُمِّ التَوْأَمَيْنِ تَوَكّأتْ … على مِرْفَقَيْها مُسْتَهِلَّةَ عاشِرِ الشاهدُ فيه رَفْعُ (حِضَجْرٍ) على القَطْعِ والابتداءِ، ولو نَصَبَ على الذَمِّ بإضمارِ فِعْلٍ لجازَ. وَصَفَ رَجُلًا بالتَنَعُّمِ والسُكونِ إلى رَفاهيَةِ العَيْشِ وتَرْكِ طَلَبِ الثَأرِ. والجِرانُ: باطِنُ العُنُقِ. والحِضَجْرُ: العَظيمُ البَطْنِ، ومنه قيلَ للضَبُعِ: حَضَاجِرُ، لعِظَمِ بَطْنِها، وجَعَلَه في عِظَمِ البَطْنِ كالحامِلِ بتَوْأَمَيْنِ إذا قارَبَتْ وِلادَها فتَوَكَّأَتْ على مِرْفَقَيْها لِثِقْلها، ورَفَعَتْ صَوْتَها للطَلْقِ وهي المُسْتَهِلَّةُ، وأرادَ بالعاشِرِ الشَهرَ العاشِرَ من حَمْلِها، يُريد أنّها زادَتْ على عِدَّتها فكانَ ذلك أعظَمَ لِحَمْلِها، وهم يَصِفون طالِبَ الثَأرِ بِضدِّ هذا كما قال (٨٧٢): رَأَيتُكُما يا ابْنَيْ أَخي قَدْ سَمِنْتُما … ولا يُدْرِكُ الأوتارَ إلّا المُلَوَّحُ وهو الهَزيلُ الضامِرُ. وأنشد في الباب (٨٧٣): [٣٥٩] قُبِّحَ مَنْ يَزْنِي بعَوْ … فٍ من ذواتِ الخُمُرِ الآكِلَ الأشْلاءَ لا … يَحْفِلُ ضَوْءَ القَمَرِ

стр. 258

الشاهدُ في قَولِهِ: (الآكِلَ الأشْلاءَ)، ونَصْبِهِ على الذَمِّ كما تَقَدّمَ، ولو رَفَعَ على القَطْعِ لَجازَ. هَجَا رَجُلًا فوَصَفَه بالنَهَمِ والقُعودِ عن السَفَرِ، ودَعا على مَنْ يَرْضاه من النِساءِ بالقُبُوحِ. وذَواتُ الخُمُرِ: النِساءُ المُستَتِراتُ المَصوناتُ. والأشْلاءُ: الأعضاءُ بما عَلَيها من اللحمِ. وقَولُه: لا يَحْفِلُ ضَوءَ القَمَر، أيْ: لا يُباليه لأنّه ليسَ مِمّن يَسْري في سَفَرٍ. ويُروى (الأسْلاءَ) وهو جَمعُ سَلًى، أيْ: يأكُلُ الأقذارَ وما لا يَحِلُّ له منَهَمِهِ. وأنشد في الباب "في مِثْلِه" للفرزدق (٨٧٤): [٣٦٠] كَمْ عَمَّةٍ لَكَ يا جَريرُ وخالَةٍ … فَدْعاءَ قَدْ حَلَبَتْ عليَّ عِشَارِي لغارَةً تَقِذُّ الفَصيلَ برِجْلِها … فَطَارَةً لِقَوادِمِ الأبْكارِ الشاهدُ في نَصْبِ (شَغَارَةٍ وفَطّارَةٍ) على الشَتْمِ، ولو رُفِعَ على الابتداءِ لَجازَ كما تَقَدّمَ. وَصَفَ أنّ نِساءَ جَريرٍ راعِياتٌ له يَحْلُبْنَ عليه عِشارَةُ، وهي النوق التي أَتَى عليها من حَمْلِها عشرةُ أَشْهُرٍ ثُمّ يَبقى عليها الاسمُ بَعدَ النِتاجِ، واحِدَتُها عُشَراءُ. والشَغّارَةُ: التي تَرفَعُ رِجْلَها ضارِبَةً للفَصيلِ لتمنَعَهُ من الرضاعِ عند الحَلَبِ، يقال: مَغَرَ الكلبُ إذا رَفَع رِجْلَه لِيبولَ. والوَقْذُ: أَشَدُّ الضَرْبِ، والمَوْقوذَةُ: التي نُهِكَتْ ضَرْبًا حتّى أشرَفَتْ على الهَلاكِ. والفَطّارَةُ: التي تَحْلُبُ الفَطْرَ وهو القَبْضُ على الخِلْفِ بأطرافِ الأصابعِ لِصِغَرِه، والضَفُّ: أنْ تَقبضَ عليه بالكَفِّ لِعِظَمِهِ. الأبكارُ: التي نتجتْ أوّلَ بَطْنٍ، واحِدَتُها بِكْرّ، وقَوادِمُها: أَخْلافُها وهي أربعةٌ: قادِمان وآخِران، فَسَمّاها كُلَّها قوادِمَ اتساعًا ومَجازًا، وإنّما وَصَفها بهذا الضَربِ من الحَلَبِ لأنّه أَصعَبُهُ.

стр. 259

وأنشد في البابِ (٨٧٥): [٣٦١] طَلِيقُ اللَّهِ لَم يَمْنُنْ عليهِ … أبو داوُدَ وابنُ أَبي كَثيرِ ولا الحَجّاجُ عَيْنَيْ بِنْتِ ماءٍ … تُقَلِّبُ طَرْفَها حَذَرَ الصُقورِ الشاهدُ فيه نَصْبُ (عَيْنَي بِنْتِ ماءٍ) على الذَمِّ، ولو قَطَعَ فَرَفَع لجازَ. وَصَفَ أنّه كانَ مَحْبوسًا فتحيِّلَ حتّى استَنْقَذَ نَفْسَهُ دونَ أنْ يَمُنَّ عليه مَنْ حَبَسَه فَيُطلِقَهُ، ووصفَ الحَجّاجَ (٨٧٦) بالجُبْنِ مع تَسَلُّقِ الجَفْنَينِ، فجَعَلَ عَيْنَيه عندَ تَقْلِيبهِ لهما حَذَرًا وجُبْنًا كعَيْنَي بِنتِ ماءٍ، وهي ما يُصادُ مِن طَيْرِ الماءِ كالغُرْنَيْقِ ونَحْوِه إذا نَظَرتْ إلى صَقْرٍ فَقَلْبتْ طَرْفَها حَذَرًا منه. وأنشد في الباب لحسّانَ بن ثابتٍ (٨٧٧): [٣٦٢] حارِ بنَ كَعْبٍ ألا أَحلامَ تَزْجُرُكُمْ … عَنّا وأنتمِ مِن الجُوفِ الجَماخِيرِ لا بَأسَ بالقَومِ من طُولٍ ومِن عِظَمٍ … جِسمُ البِغالِ وأَحْلامُ العَصافيرِ الشاهدُ فيه رَفْعُ (الجِسمِ والأحلامِ) على إضمارِ مبتدإٍ، لِما أرادَ مِن تَفسيرِ أَحْوالهم دونَ القَصْدِ إلى الذَمِّ، والتقديرُ أجسامُهُم أجسامُ البِغالِ وأَحلامُهم أَحلامُ العَصافيرِ، ولو قَصَدَ به الذَمَّ فنَصَبَه بإضمارِ فِعْلٍ كما تَقَدّمَ لجازَ. هجا بني الحارِثِ بنَ كَعْبٍ وهم رَهْطُ النَجاشيّ وكانَتْ بينهم مُهاجاةٌ. والجُوفُ: جَمعُ أجْوَفَ وهو العَظيمُ الجَوْفِ. والجَماخِيرُ: جَمعُ جُمْخُورٍ وهو الضَعيفُ، وأفْرَدَ

стр. 260

الجِسمَ وهو يُريدُ الجَمْعَ ضَرورةً كما قالَ: في حَلْقِكُم عَظْمٌ وَقَدْ شَجِينا [١٨٠] وقد تَقَدَّمَتْ عِلَّتُهُ (٨٧٨). وأنشد في الباب (٨٧٩): [٣٦٣] وما غَرَّني حَوْزُ الرِزامِيِّ مِحْصَنًا … عَواشِيَها بالجَوِّ وهو خَصِيبُ الشاهدُ فيه نَصْبُ (مِحْصَنٍ) بإضمارِ فِعْلٍ يَجوزُ إظهارُهُ وهو (أَعْنِي)، لأنّه ليسَ في ذِكْر اسم الرَجُلِ مَدْحٌ ولا ذَمٍّ فَيُنْصَبُ عليه. ومِحْصَنٌ اسمُ الرَجُلِ الرِزامِيّ، ورِزامٌ (٨٨٠): حَيٌّ مِن بَني عَمرو بنِ تَميمٍ. والعَواشِي: المُتَعَشِّيَةُ المُعْتَلِفَةُ مِن الإِبلِ، واحدتُها عاشِيَةُ، ومنه المَثَلُ: (العاشِيَةُ تُهَيِّجُ الأبِيَةَ) (٨٨١) أيْ: إذا رَأَتِ التي تأبَى الأكْلَ التي تَتَعَشّى هاجَتْها فأكَلَتْ، وحَوْزُها جَمعُها للعَلْفِ، يقول: جَمَعَها للعَلْفِ ليَمْنَعَ الضَيْفَ وهو خَصِيبٌ لأنّها لا تُحْلَبُ وهي تَعْتَلِفُ (٨٨٢). وأنشد في فَصْلٍ من البابِ معناه التَرَحُّم (٨٨٣): [٣٦٤] فأَصْبَحَتْ بِقَرْقَرَى كَوانِسا فَلا تَلُمْهُ أنْ يَنامَ البائسا الشاهدُ فيه نَصْبُ (البائسِ) بإضمار فِعْلٍ على معنى التَرَحُّمِ، وهو فِعْلٌ لا يظهرُ كما تَقَدّمَ في المَدْحِ والذَمِّ. وَصَفَ إبِلًا بَركَتْ بعدَ الشِبَعِ فنامَ راعِيها لأنّه غَيرُ مُحتاجٍ إلى رَعْيِها. وقَرْقَرى: موضعٌ مُخْصِبٌ باليَمامَةِ. وأصلُ الكُنُوس للظِباءِ وبَقَرِ الوَحْش، فاستعارَهُ للإبِلِ.

стр. 261

والبائسُ: الفَقيرُ المُحتاجُ، ويُستعمَلُ لمعنى التَرَحُّمِ كما يُستعمَلُ المِسْكينُ. وأنشد في البابِ [لرؤبة] (٨٨٤): [٣٦٥] بِنا تَمِيمًا يُكْشَفُ الضَبابُ الشاهدُ فيه نَصْبُ (تَميمٍ) بإضمارِ فِعْلٍ على معنى الاختِصاصِ والفَخْرِ، وضَرَبَ الضَبابَ مَثَلًّا لِغُمَّةِ الأمْرِ وشِدَّتِهِ، أيْ: بِنا تُكشَفُ الشَدائدُ في الحَربِ وغيرِها. وأنشد في بابٍ ترجَمَتُه: هذا بابُ ما يَنتصبُ لأنَّه خَبَرٌ للمعروفِ المَبْنيّ على ما قَبلَه، لِسالم بنِ دارَةَ (٨٨٥): [٣٦٦] أنا ابنُ دارَةَ مَعْروفًا بها نَسَبِي … وهَلْ بدارَةَ يا لَلّناسِ مِن عارِ الشاهدُ فيه (٨٨٦) قولُه: (معروفًا) ونَصْبُهُ على الحالِ المؤكِّدَةِ [له] لأنّه إذا قالَ: (أَنا ابنُ دارَةَ) فقد عُرِفَ بهذا النَسَبِ، ثُمَّ قال: (معروفًا بها نَسَبي) توكيدًا. ودارَةُ: أُمُّهُ (٨٨٧)، واسمُ أبيه مُسافِعٌ وهو مِن بني عبد اللَّه (٨٨٨) بن غَطَفانَ مِن قَيْس. وأنشد في بابٍ ترجَمَتُه: هذا بابُ ما يَجوزُ فيه الرَفْعُ ممّا يَنتصبُ في المعرفةِ (٨٨٩): [٣٦٧] مَنْ يَكُ ذا بَتٍّ فهذا بَتِّي مَقَيِّظٌ مُصَيِّفٌ مُشَتّي

стр. 262

الشاهدُ في (٨٩٠) رَفْعِ (مُقَيِّظٍ) وما بَعدَه على الخبر "بَعدَ الخبر" كما تقولُ: هذا زيدٌ منطلقٌ، والنَصْبُ فيه على الحالِ أكثرُ وأحسَنُ، ويَجوزُ رَفْعُهُ على البَدَلِ أو على خَبَرِ ابتداءٍ مُضْمَرٍ. والبَتُّ: الكِساءُ، وجَعَلَه مُقَيِّظًا على السَعَةِ، والمعنى مُقَيِّظٌ فيه كما قالوا: نَهارُكَ صائمٌ والمعنى يُصامُ فيه، يريدُ أنّه لا شَيءَ له إلّا كِساؤهُ فهو يَستعمِلُهُ في كُلِّ زَمانٍ. وأنشد في البابِ للأخطلِ (٨٩١): [٣٦٨] ولَقَدْ أَبِيتُ مِن الفَتاةِ بمنزلٍ … فأَبِيتُ لا حَرِجٌ ولا مَحْرومُ الشاهدُ في رَفْعِ (حَرِجٍ ومَحْرومٍ)، وكانَ وَجْهُ الكلامِ نَصْبهما على الحالِ أَو الخبرِ. وَوَجْهُ رَفْعِهما عندَ الخَليلِ (٨٩٢) الحَملُ على الحِكايةِ، والمعنى فأبِيتُ كالذي يُقالُ له: لا حَرِجٌ ولا محرومٌ، ولا يَجوزُ رَفْعُهُ حَمْلًا على مبتدإٍ مُضْمَرٍ، كما لا يَجوزُ كانَ زَيدٌ لا قائمٌ ولا قاعِدٌ، على تقديرِ لا هو قائمٌ ولا هو قاعِدٌ، لأنّه ليسَ موضعَ تَبْعيضٍ وقَطْعٍ، فلذلك حَمَلَه على الحكايةِ كما قال (٨٩٣): بني شابَ قَرْناها ويَجوزُ رَفْعُهُ على الابتداءِ وإضمارِ الخبرِ على معنى فأَبِيتُ لا حَرِجٌ ولا مَحرومٌ في المكانِ الذي أَبِيتُ فيه، وحُذِفَ (٨٩٤) هذا لِعِلْمِ السامعِ، وإذا نَفَى أنْ يكونَ في مكانِ مَبِيته حَرِجٌ أو محرومٌ، فهو غَيرُ حَرِجٍ وغَيرُ محرومٍ، لأنّه في ذلك المكان، يقول: أبيتُ منها قَريبًا مَكِينًا لا أَتَحَرّجُ مِن لذَّةٍ ولا أُحْرَمَ إرادَةً.

стр. 263

وأنشد في البابِ للأخطل (٨٩٥): [٣٦٩] على حِينَ أنْ كانَتْ قُشَيْرٌ وَشائِظًا … وكانَتْ كِلابٌ خامِرِي أُمَّ عامِرِ الشاهدُ في قوله: (خامِرِي)، ووَضْعِهِ موضعَ الخبرِ لكانَ على معنى الحكايةِ، أيْ: وكانَتْ كِلابٌ يُقالُ لها: خامِرِي أُمَّ عامَرٍ، وذَكَر هذا تَقْوِيَةً لِما ذَهَبَ إليه الخليلُ في البيت (٨٩٦) الأوّلِ من الحكايةِ. هجا قُشَيْرَ بنَ كَعْب بنِ ربيعةَ بنِ عامِرٍ، وكلابَ بنَ ربيعةَ بنِ عامِرٍ، فجَعَل قُشَيْرًا أدْعِياءَ مُلْصَقينَ بالصَميمِ كالوَشائِظِ، وهي شَظايا من عِظامٍ تَلْصَقُ بعظامِ الذراعِ، فَضَرَبَها مَثّلًا، وجَعَل كِلابًا كالضَبُعِ في الحُمْقِ، وكانَ كِلابُ بنُ ربيعةَ [بنِ عامِرٍ] يُنْسَبُ إلى النُوكِ، والضَبُعُ عندَ العربِ من أحمقِ الدوابِّ، يَزعُمون أنّ الرَجُلَ إذا أَرادَ صَيْدَها يقول لها: خامِرِي أُمَّ عامِرٍ، أَيْ: ادْخُلي الخَمَرَ، وهو ما تَسْتَتِرُ فيه وَتَسْتكِنُّ به، فتدخُلُ حُجْرَها فَتُصاد. وفَتَحَ (حينَ) لإضافتها إلى غيرِ مُتَمكِّنٍ، ويَجوزُ جَرُّها على الأصل. وأنشد في البابِ في مِثْلِهِ (٨٩٧): [٣٧٠] كَذَبْتُمْ وبَيْتِ اللَّهِ لا تَنْكِحُونَها … بَني شابَ قَرْناها تَصُرُّ وتَحْلُبُ الشاهدُ في قَوْلِهِ: (بَني شابَ قَرْناها) وحَمْلِهِ على الحكايةِ كالذي قَبْلَه. والمعنى بَني التي يُقالُ لها: شابَ قَرناها، أيْ: بَني العجوزِ الراعِيَةِ. ومعنى تَصُرُّ تَشُدُّ الضَرْعَ لتجتمعَ الدِرَّةُ فتَحْلُبَ. والقَرْنُ: الفَرْدُ من الشَعرِ في جانبِ الرأسِ.

стр. 264

وأنشد في باب ترجَمَتُه: هذا بابُ ما يرتفعُ فيه الخَبَرُ، للنابغة الذبياني (٨٩٨): [٣٧١] تَوَهَّمْتُ آياتٍ لها فَعَرَفْتُها … لِسِتَّةِ أعوامٍ وذا العامُ سابِعُ الشاهدُ فيه رَفْعُ (سابعٍ) خَبرًا عن (ذا) لأنّ العامَ مِن صِفَته، فكأنَّه قالَ: وهذا سابعُ. وَصَفَ خَلاءَ دِيارِ أَحِبَّتِهِ وتَنَكُّرَها عليه لتَغَيُّرِها بعدَه، وأنَّه لم يَعْرِفْها إلّا تَوَهُّمًا وتَذَكُّرًا بما عايَنَ مِن آياتها، وهي علاماتُها كالأثافيّ والرَمادِ ونَحْوِهما. وقولُه: لِسِتَّةِ أعوامٍ، أَيْ: بَعدَ سِتَّةِ [أعوامٍ] كما تقولُ: كتبتُ لِعَشْرٍ خَلَوْنَ، أيْ: بَعدَ عَشْرٍ. وأنشد في بابٍ ترجَمَتُه: هذا بابُ ما ينتصبُ لأنَّه خَبَرٌ لمعروفٍ، للنابغةِ (٨٩٩) [أيضًا]: [٣٧٢] فَبِتُّ كأَنِّي ساوَرَتْني ضَئيلَةٌ … مِن الرُقْشِ في أَنيابِها السُمُّ ناقِعُ الشاهدُ في رَفْعِ (ناقِعٍ) خبرًا عَن (السُمِّ) على إلغاء المجرورِ، ولو نَصَبَ على الحالِ والاعتِمادِ في الخبرِ على المجرورِ لجازَ. وَصَفَ خَوْفَه للنُعمانِ بنِ المنذرِ، وأنّه يَبيتُ هَيبةٌ له مَبِيتَ السَليمِ. والمُساوَرَةُ: المُواثَبَةُ، والأفْعَى لا تَلْدَغُ إلّا وَثْبًا. والضَئيلَةُ: الدَقيقةُ مِن الكِبَرِ وهو أشَدُّ لِسُمِّها. والرُقْشُ: المُنَقَّطَةُ بِسَوادٍ. والناقِعُ: الخالصُ، ويُقال: هو الثابِتُ، والمُستَنْقِعُ مِن الماءِ ما ثَبَتَ في القَرارةِ من الأرضِ. وأنشد في البابِ للهُذَليّ وهو المُتَنَخِّلُ (٩٠٠): [٣٧٣] لا دَرَّ دَرِّيَ إنْ أَطعمتُ نازِلَكُم … قِرْفَ الحَصِيِّ وعندي البُرُّ مَكْنوزُ

стр. 265

الشاهدُ فيه رَفْعُ (مكنوزٍ) خَبرًا عَن (البُرِّ) على إلغاءِ الظرفِ، ولو نُصِبَ على الحالِ لكانَ حَسَنًا، والقَولُ فيه كالقولِ في الذي قَبْلَه. يقول: إنِ اسْتَأثَرْتُ على ضَيْفي بالبُرِّ وكَنَزْتُهُ دوُنه وأَطعمتُهُ قِرْفَ الحَتِيِّ فلا اتَّسَعَ عَيْشِي، وضَرَبَ [الدَرَّ مَثَلًا] (٩٠١)، وأَصلُهُ في الضَرْعِ. والحَتِيُّ: سَوِيقُ ثَمَرِ المُقْلِ وهو الدَوْمُ، وقِرْفُهُ قِشْرُهُ يريدُ اللحمةَ التي على عَجْمِهِ، وكُلُّ ما قَشَرْتَهُ فَقَدْ قَرَفْتَهُ، ومنه قيلَ لهذا التابَلِ: قِرْفَةٌ لأنّه قِشْرُ شَجَرِهِ. وأنشد في البابِ لابنِ مُقْبِلٍ (٩٠٢): [٣٧٤] لا سافِرُ النَيِّ مَدْخولٌ ولا هَبِجٌ … عارِي العِظامِ عليه الوَدْعُ مَنْظومُ الشاهدُ في رَفْعِ (مَنْظومٍ) خبرًا عن (الوَدْعِ) على إلغاءِ المجرورِ، والقَولُ فيه كالقَولِ في الذي قَبْلَهُ. وَصَفَ امرأةً شَبَّهَها بغَزالٍ هذه صِفَتُهُ. والسافِرُ: المُنكشِفُ الظاهِرُ. والنَيُّ: الشَحمُ. والهَبجُ: المُتَوَرِّمُ، والتَهَبُّجُ أنْ يُضربَ الكَلبُ أو غَيرُه بالعَصَا حَتَّى يَتَوَرَّمَ جِلْدُهُ. والوَدْعُ: الخَرَزُ يُريدُ أنّه مُرَبَّبُ مُحَلّى. وأدخَلَ قَولَه: مَدْخولٌ، وعارِي العِظامِ في النَفْي كما قال اللَّهُ : ﴿لَا ذَلُولٌ تُثِيرُ الْأَرْضَ﴾ (٩٠٣)، أَيْ: ليستْ بذَلولٍ ولا مُثِيرةٍ. وأنشد في البابِ (٩٠٤): [٣٧٥] إنَّ لكُم أَصْلَ البِلادِ وفَرْعَها … فالخَيرُ فيكُم ثابِتًا مَبْذولا

стр. 266

الشاهدُ فيه نَصْبُ (ثابتٍ) على الحالِ، والاعتمادُ فيه على المجرورِ في الخبرِ، والرَفْعُ فيه حَسَنٌ كما تَقَدَّمَ. وأرادَ بالخَيرِ هنا المعروفَ، وكَنَى بالأصلِ والفَرْعِ عَن جَميعِ البلادِ. وأنشد في بابٍ ترجَمَتُه: هذا بابٌ من المعرفةِ يكونُ فيه الاسمُ الخاصُّ شائعًا، لجَريرٍ (٩٠٥): [٣٧٦] وابنُ اللَّبُونِ إذا ما لُزَّ في قَرَنٍ … لم يَستَطِعْ صَوْلَةَ البُزْلِ القَناعِيسِ الشاهدُ فيه إدخالٌ الألِفِ واللامِ في (اللَّبونِ) لِيُعَرَّفَ به الأوّلُ، لأنّه اسمُ جِنْسٍ نكرةٌ بمنزلةِ ابنِ رَجُلٍ، ولم يجْعَل عَلَمًا بمنزلةِ ابنِ آوَى وغَيرِهِ، فلذلك خالَفَهُ في دُخولِ الألِفِ واللامِ على ما أُضِيفَ إليه. ضَرَبَ هذا مَثَلًا لنَفْسِهِ ولِمَنْ أرادَ مُقاوَمَتَه في الشِعرِ والفَخْرِ، لأنّ ابنَ اللَّبونِ وهو الفَصيلُ الذي نُتِجَتْ أُمُّهُ غَيرَه فصارَتْ لَبونًا، إذا لُزَّ، أَيْ: شُدَّ في قَرَنٍ، وهو الحَبْلُ، ببازِلٍ من الجِمال قَوِيٍّ لم يَستطعْ صَوْلَتَهُ ولا قاوَمَهِّ في سَيْرِه. والقَناعِيسُ: الشِدادُ، واحِدُها قِنْعاسٌ. وأنشد في البابِ لأبي عَطاءِ الهِنْدِيّ (٩٠٦): [٣٧٧] مُقَدَّمَةً قَزًّا كأنَّ رِقابَها … رِقابُ بَناتِ الماءِ أَفْزَعَها الرَعْدُ

стр. 267

الشاهدُ فيه تَعريفُ (بَناتِ الماءِ) بإضافَتِها إلى "ما فيه" الألفُ واللامُ، لأنّهم أنزَلُوا (ابنَ ماءٍ) منزلةَ (ابنِ لَبُونٍ)، وعِلّتُه كعِلّتِهِ. وَصَفَ أبارِيقَ خَمْرٍ مَسْدودةَ الرُؤوسِ بالقَزِّ، وهي المُقَدَّمَةُ، والفِدامُ: ما تُشَدُّ به، وشَبَّهَ رِقابَها في الإِشْرافِ والطُولِ برِقابِ الغَرانِيقِ، وهي بناتُ الماءِ، إذا فَزِعَتْ للرَعْدِ فنَصَبَتْ أعناقَها. ويُروى لأبي الهِنديّ (٩٠٧)، وقَبْلَه (٩٠٨): سَيُغْنِي أَبا الهِنديِّ عَنْ وَطْبِ سالمٍ … أبارِيقُ لم يَعْلَقْ بِها وَضَرُ الزُبْدِ ويُروى [البيتُ الأوّلُ] (تَفْزَعُ للرَعْدِ). وأنشد في البابِ للفرزدق (٩٠٩): [٣٧٨] وَجَدْنا نَهْشَلًا فَضَلَتْ فُقَيْمًا … كفَضْلِ ابنِ المَخاضِ على الفَصِيلِ الشاهدُ فيه إِدخالُ الألِفِ واللامِ على (المَخاضِ) ليَتَعَرّفَ به المضافُ (٩١٠)، والقَولُ فيه كالقَولِ في الذي قَبْلَه. هَجا نَهْشَلًا وفُقَيْمًا (٩١١) وهُما حَيّانِ من مُضَرِ فُقَيمِ بنِ جَريرٍ بن دارِمَ من تَميمٍ، وفُقَيْمٌ من كِنانَةَ [أيضًا]، ونَهْشَلُ بنُ دارِم من بني تَميمٍ، فجَعَلَ فَضْلَ أحدِهما على الآخَرِ كفَضْلِ ابنِ المَخاضِ على الفصيلِ، وكلاهُما لا فَضْلَ له ولا خَيرَ عندَهُ، وابنُ المخاضِ هو الذي حَمَلَتْ أُمُّهُ، والفَصيلُ: ما كانَ في الحَوْلِ وما اتَّصَلَ به، وكِلاهُما صَغيرٌ لا يُنَتَفَعُ به.

стр. 268

والبيتُ منسوبٌ إلى الفرزدقِ (٩١٢)، وهو لغيرِهِ لأنّ نَهْشَلًا أَعمامُه وهم نَهْشَلُ بنُ دارم، والفَرزدقُ من مُجاشِعِ بنِ دارم، وهو يَفْخَرُ بنَهْشَل كما يَفخرُ بمُجاشِعٍ (٩١٣)، وقال (٩١٤): كأنّ أباها نَهْشَلٌ أو مُجاشِعُ [٥٨٥] وأنشد في البابِ لذي الرُّمَّةِ (٩١٥): [٣٧٩] وَرَدْتُ اعتِسافًا والثُرَيّا كأَنَّها … على قِمَّةِ الرأسِ ابنُ ماءٍ مُحَلِّقُ الشاهدُ فيه جَرْيُ (مُحَلِّقٍ) على (ابنِ ماءٍ) نَعْتًا له، لأنَّه نكرةٌ مِثْلُهُ، إذْ لَمْ يَقْصِد به قَصْدَ ابنِ آوى ونَحْوِه مِمَّا جُعِلَ عَلَمًا في جِنْسِهِ. وَصَفَ أنّه وَرَدَ ماءً في فَلاةٍ عن (٩١٦) غَير قَصْدٍ، والاعتِسافُ: أنْ يَركَبَ رأسَهُ على غيرِ هِدايَةٍ، في وَقْتٍ من الليلِ، قَدْ كَبَّدَتْ فيه الثُرَيّا السَماءَ و"قد" صارَتْ على قِمَّةِ الرأسِ، فشَبَّهها في ارتفاعِها وتَقارُبِ نُجومها في رَأي العينِ لتكبيدها السماءَ بابنِ ماءٍ قد حَلَّقَ في الهواءِ، أيْ: استوى طائرًا فيه، والحالِقُ: الهَواءُ. وأنشد في البابِ لذي الرُّمَّةِ (٩١٧) أيضًا: [٣٨٠] كأَنّا على أَولادِ أَحْقَبَ لاحَها … وَرَمْيُ السَفَا أَنفاسَها بسِهامِ جَنوبٌ ذَوَتْ عَنْها التَناهِي وأَنزَلَتْ … بها يومَ ذَبَابِ السَبِيبِ صِيامِ

стр. 269

الشاهدُ في جَرْيِ (صيامٍ) على (أولادِ أَحقَبَ) لأنّه نكرةٌ مِثْلُهُ، والقَولُ فيه كالقَولِ فيما تَقَدَّمَ قَبْلَه. وقد بَيَّنَ سيبويه (٩١٨) عِلَّةَ أحقَبَ في امتِناعِهِ من الصَرْفِ وإنْ كانَ اسمًا نكرةٌ، فأغْنَى "ذلك" عن ذِكْرِهِ. وَصَفَ رَواحِلَ ضامرةً سَريعةً، فشَبَّهها بأولادِ أحقَبَ، وهي الحُمُرُ الوحشيّةُ، وأحقَبُ مِن صفةِ الحِمارِ لبياضٍ في موضعِ الحقيبةِ منه، وهو مُؤخَّرُهُ. ومعنى لاحَها ضَمَّرَها. والسَفَا: شَوكُ البُهْمي وهو كالسُنْبُلِ، والحُمُرُ تكلَفُ بالبُهْمَي وهو ضَرْبُ من الحَرْشَفِ، وإذا أسفَى امتنعتْ منه وطَلَبَتْ لِينَ المَرْعَى فأضمَرَها ذلك لِهَيْجِ النباتِ وعَدَمِ الرَطْبِ، وأرادَ بأنفاسِها أُنوفَها لأنّها مخارجُ الأنفاسِ، وجَعَل شَوكَ البُهْمَي كالسِهامِ. وقَولُه: (ورَمْيُ السَفا) معطوفٌ مُقَدَّمٌ على الجَنُوبِ والتقديرُ لاحَها جَنوبٌ أَذْوَتِ الغُدْرانَ ورَمْيُ السَفا أنفاسَها. ومعنى ذَوَتْ جَفَّتْ. والتَناهي: الغُدْرانُ واحدتُها تَنْهِيَةٌ لأنّ السّيلَ ينتهي إليها. ومعنى (أنزَلَتْ بها يومَ ذَبّابٍ) أيْ: أنزلَتِ الجَنوبُ بالحُمُر يومَ حَرٍّ شَديدٍ لِهُبوبِها في استقبالِ القَيْظِ. والسَبِيبُ: شَعرُ أَذنابها، أَيْ: يَهِيجُ بها الذُبابُ لشِدّةِ الحَرِّ فَتذُبُّ بأَذنابِها. والصِيامُ: المُمْسِكَةُ عن الرَعْي، وإنّما وَصَفَ ضُمْرَها وانطِواءَ بُطونِها لتشبيهِهِ الرواحِلَ بها. وأنشد في بابٍ ترجَمَتُه: هذا بابٌ [ما] يكونُ الاسمُ فيه بمنزلةِ الذي في المعرفةِ، للأنصاريّ حَسّانَ (٩١٩) "﵁، ويقال: إنّه لِبِشرِ بن عبد الرحمن بن مالك الأنصاري (٩٢٠) وهو الصحيح، ذكر ذلك أبو زيدٍ (٩٢١) ": [٣٨١] فَكَفَى بِنا فَضْلًا على مَنْ غَيرِنا … حُبُّ النبِيِّ مُحَمَّدٍ إِيّانا

стр. 270

الشاهدُ فيه حَمْلُ (غَيْرٍ) على (مَنْ) نَعْتًا لها، لأنّها نكرةٌ مُبْهَمَةٌ، فَوُصِفَتْ بما بَعدَها وَصْفًا لازمًا يكونُ لها كالصِلَةِ، والتقديرُ على قومٍ غَيرِنا، ورَفْعُ (غَيْر) جائزٌ على أنْ تكونَ (مَنْ) موصولَةً ويُحْذَفُ الراجِعُ عليها مِن الصلةِ، والتقديرُ على مَنْ هو غَيرُنا، والحُبُّ مرتفعٌ بـ (كَفَى)، والباءُ في قوله: (بنا) زائدةٌ مؤكِّدَةٌ. والمعنى كَفانا فَضْلًا على مَنْ غَيرِنا حُبُّ النبيِّ إيّانا وهِجْرَتُهُ إلينا. وأنشد في البابِ للفرزدقِ (٩٢٢) في مِثْلِهِ: [٣٨٢] إِنِّي وإيّاكَ إِذْ حَلَّتْ بأَرْحُلِنا … كمَنْ بِوادِيهِ بَعدَ المَحْلِ مَمْطُورِ الشاهدُ فيه جَرْيُ (مَمْطورٍ) على (مَنْ) نَعْتًا لَها، والقَولُ فيه كالقَولِ في الذي قَبْلَه. وقَولُه: (بِوادِيهِ) مُتَّصلٌ (بمَمّطورٍ) في التقديرٍ، والمعنى كرَجُلٍ مُطِرَ وهو بِوادِيهِ ومَحَلّهِ. وَصَفَ خَيالًا طَرَقَه وحَلَّ برَحْلِهِ ورِحالِ أصحابِهِ فَسُرَّ به سُرورَ المُحتاجِ إلى الغَيْبِ إذا نَزَلَ به. وأنشد في البابِ في مِثْلِهِ لعَمرو بنِ قَمِيئةَ اليَشكُرِيّ (٩٢٣): [٣٨٣] يا رُبَّ مَنْ يُبْغِضُ أَذْوادَنا … رُحْنَ على بَغْضائِهِ واغْتَدَيْن الشاهدُ في (٩٢٤) إدخالِ (رُبَّ) على (مَنْ)، والاستِدلالِ بذلك على تنكيرِها، لأنّ (رُبَّ) لا تَعملُ إلّا في نكرةٍ، ويُبْغِضُ في موضعِ الوَصفِ لِمَنْ. يقول: نَحنُ مُحَسَّدونَ لشَرَفِنا وكَثرةِ مالِنا، والحاسِدُ لا يَنالُ مِنّا أكثَرَ مِن إظهارِ البَغْضاءِ لَنا لِعِزِّنا وامتِناعِنا. وأنشد في البابِ لأُمَيَّةَ بن أبي الصَلْتِ (٩٢٥):

стр. 271

[٣٨٤] رُبَّ ما تَكْرَهُ النُّفُوسُ من الأَمْـ … ـــــرِ لَهُ فَرْجَةٌ كَحَلِّ العِقالِ الشاهِدُ فيه دُخولُ (رُبَّ) على (ما) لأنَّها نكرةٌ في تَأويلِ شَيءٍ، والعائدُ عليها من جُملةِ الصفةِ هاءً محذوفةٌ مُقَدَّرةٌ. المعنى رُبَّ شيءٍ تكرهُهُ النُفوسُ من الأمورِ الحادثةِ الشديدةِ، ولَهُ فَرْجَةٌ تُعْقِبُ الضِيقَ والشِدَّةَ كَحَلَّ عِقالِ المُقَيَّدِ. والفَرْجَةُ بالفَتحِ في الأمْرِ، وبالضَمّ في الحائطِ ونَحْوِه مِمَّا يُرى. وأنشد في البابِ (٩٢٦): [٣٨٥] أَلَا رُبَّ مَنْ تَغْتَشُّهُ لكَ ناصِحٍ … ومُؤتَمَنٍ بالغَيبِ غَيرِ أمينِ الشاهِدُ في تنكير (مَنْ) ووَصْفِها بقوله: (ناصِحٍ)، وتَغْتَشُّهُ في موضعِ الوصفِ أيضًا. يقول: قَدْ يَنْصَحُ الإنسانَ ويَتَوَلَّاهُ مَنْ يَظُنَّ به الغِشَّ، وقد يَغشُّهُ ويَغْتابُهُ مَنْ يَأْمَنُهُ ويَثِقُ به. وأنشد في بابٍ ترجَمَتُه: هذا بابٌ ما لا يكونُ الاسمُ فيه إلَّا نكرةً، للشَمّاخِ (٩٢٧): [٣٨٦] وكُلُّ خليلٍ غَيرُ هاضِمٍ نَفْسِهِ … لِوَصْلِ خَليلٍ صارِمٌ أو مُعارِزُ الشاهِدُ فيه جَرْيُ (غَير) على (كُلٍّ) نَعْتًا لها؛ لأنَّها مضافَةً إلى نكرةٍ، ولو أُجْرِي على المخفوضِ بـ (كُلٍّ) لكانَ حَسَنًا. ورَفْعُ (كُلٍّ) بالابتداء، وخَبرُها صارِمٌ أو مُعارِزٌ.

стр. 272

والتقديرُ كُلٌّ خَليلٍ لا يَهضِمُ نَفْسَهُ ويَظْلِمها لِخَليلهٍ صارِمٌ لوَصْلِهِ؛ أَيْ: قاطِعٌ، أو مُنْقَبِضٌ عنه، والمُعارِزُ: المنقبِضُ، يقال لِما تَقَبَّضَ مِن اللحمِ على الجَمْرِ: استَغْرَزَ وتَعَرَّزَ. والهَضْمُ: الظُلْمُ. وأنشد في البابِ في مِثْلِهِ (٩٢٨): [٣٨٧] كأنَّا يَومَ قُرّى … إنَّما نَقْتُلُ إيَّانا قَتَلْنا مِنهُمُ كُلَّ … فَتًى أبيّضَ حُسّانا الشاهِدُ فيه جري (حُسّانٍ) على (كُلٍّ) نَعْتًا له لأنَّه نكرةٌ مِثْلُهُ، والقَولُ فيه كالقَولِ في الذي قَبلَه. وَصَفَ أنَّ قَومَهُ أَوقَعوا بني عَمِّهم فكأنما (٩٢٩) قَتَلوا أنفُسهم، ويقال: إنَّه لِصٌّ قاطعٌ وَصَفَ أنَّه قَتَلَ مَنْ هَذه صِفَتُهُ. وقُرّى: اسمُ موضعٍ. وفَصَلَ والضميرَ من الفِعل ضَرورةً، وكان الوُجهُ نَقْتُلُنا، والأصلُ في هذا أنْ يُستَغْنَى فيه بالنَفْسِ فيقال: نَقْتُلُ أنفُسَنا، فوضَعَ (إيَّانا) موضعَ ذلك. والحُسّانُ: الحَسَنُ، والصِفاتُ قد تُبْنى على هذا المثالِ للمُبالغَةِ، ونَظيرُهُ كُبَّارٌ بمعنى كَبيرٍ وكُرَّامٌ بمعنى كَريمٍ، وهو كَثيرٌ. وأنشد في البابِ لابن أحمرَ (٩٣٠) في مثْلِهِ: [٣٨٨] وَلِهَتْ عليهِ كُلُّ مُعْصِفَةٍ … هَوْجاءُ ليسَ لِلُبِّها زُبْرُ الشاهِدُ فيه جَريُ (هَوْجاءَ) على (كُلَّ) نَعْتًا لها كالذي تَقَدَّمَ. وَصَفَ مَنْزلًا تَرَدَّدتْ عليه الرِياحُ فَعَفَتْ آثاره وطَمَسَتْ رُسومَهُ. ومعنى وَلِهتَ حَنّتْ، فجَعَلَ هُبوبَها عليهِ كحَنين الناقَةِ على وَلَدِها إذا فَقَدَتهُ. والمُعْصِفَةُ: الشَديدةُ

стр. 273

الهُبوبِ، يقال: عَصَفَتِ الريحُ وأعصَفَتْ. والهَوْجاءُ: الحَمْقاءُ، وَصَفها بذلك لاضطرابها وهُبوبها مِن كُلٍّ وُجْهٍ. واللُّبُّ: العَقْلُ. وزَبْرُهُ: إحْكامُهُ وقُوَّتُه، وأَصلُ الزَبْرِ إحكامُ طَيِّ البِئرِ، والزَبِيرُ: البِئرُ المَطويَّةُ، وإذا لم تُطْوَ البِئرُ انهارَتْ، فَضُربَتْ مَثَلًا لِمَنْ لا عَقْلَ له ولا رأيَ يَرجِعُ إليه. وأنشد في بابٍ ترجَمَتُه: هذا بابُ ما ينتصبُ لأنَّه يَقْبُحُ أنْ يُوصَفَ بما بَعدَه، لذي الرُّمَّةِ (٩٣١): [٣٨٩] وتَحْتَ العَوالي في القَنا مُسْتَظِلَّةً … ظِباءً أعارَتْها العُيونَ الجآذِرُ الشاهِدُ فيه نَصْبُ (مستظلَّةٍ) على الحالِ؛ لأنَّها صِفةٌ للظِباء مُقَدَّمَةٌ عليها، فلم يُمكِنْ أن تجريَ نَعْتًا لها لأنَّ النَعَتَ لا يتقدَّمُ المنعوتَ، والنَصْبُ فيها لو تأخَّرَتْ بعدَ الموصوفِ جائزٌ على قُبحٍ، فلمَّا تقدَّمَتْ (٩٣٢) صارَ لازِمًا؛ لأنَّ الحالَ تتقدَّمُ تَقَدَّمَ المفعولِ، والنَعْتُ لا يجوزُ ذلك فيه؛ لأنَّه كالصِلَةِ من الموصولِ. وَصَفَ نِساءً سُبِينَ فَصِرْنَ تحتَ عَوالي الرماحِ وفي قَبْضَتِها، وعَواليها صُدورُها، وشَبَّههنَّ بالظِباء في طُولِ الأعناقِ وانطِواءِ الكُشوحِ، وشَبَّه عُيونهنَّ بعُيون الجآذِرِ، وهي أولادُ البَقَرِ الوحشيَّة، واحدُها جُؤذُرٌ وجُؤذَرق. والقَنا: الرِماحُ. وقُوله: (في القنا) توكيدٌ وحَشُوٌ لأنَّ العَواليَ قد عُلِمَ أنَّها في القَنا ومنها. وأنشد في البابِ في مِثْلِهِ (٩٣٣): [٣٩٠] وبالجِسْمِ مِنِّي بَيِّنًا لو عَلِمْتِهِ … شُحوبٌ وإنْ تَسْتَشْهِدِي العَينَ تَشْهَدِ الشاهِدُ فيه تقديمُ (بَيِّنٍ) على (شُحوبٍ)، ونَصْبُهُ على الحالِ كما تَقَدَّمَ.

стр. 274

يقول: شُحُوبي وتَغَيُّرُ جِسمي لِما أُقاسِيةِ من الوَجْدِ بكِ بَيِّنٌ ظاهِرٌ، فإنْ نَظَرتِ إليَّ واستَشْهَدْتِ عَيْنَكِ على ما أُدَّعيهِ عندَكِ تَبَيَّنْتِ ذلك تَبَيَّنَ الحَقّ بالشاهِدِ. وأنشد في البابِ لكُثَيِّر (٩٣٤) في مِثْلِهِ: [٣٩١] لِمَيَّةَ مُوحِشًا طَلَلُ الشاهِدُ في (٩٣٥) تقديمِ مُوحِشٍ على الطَلَلِ، ونَصْبِهِ على الحالِ كما تَقَدَّمَ (٩٣٦). ويُروى لِعَزَّةَ، وتَمامُ البيتِ: يَلوحُ كأنّهُ خِللُ أي: تَلوحُ آثارُهُ وتَتَبَّينُ تَبَيُّنَ الوَشيِ في خِلَلِ السُيوف، وهي أغشِيَةُ الأغْمادِ، واحدَتُها خِلَّةٌ. وأنشد في باب الحُروفِ الخَمسةِ (٩٣٧): [٣٩٢] فَلا تَلْحَني فيها فإنَّ بحُبِّها … أخاكَ مُصابُ القَلْبِ جَمُّ بَلابِلُهْ الشاهِدُ فيه رَفْعُ (مُصابٍ) على الخبرِ، وإلغاءُ المجرورِ؛ لأنّه من صلةِ الخبرِ ومن تَمامِهِ، فلا يكونُ مُسْتَقَرًا للأخِ ولا يكونُ خَبرًا عنه. يقول: لا تَلُمني في حُبِّ هذه المرأةِ فَقَد أُصِيبَ قَلبي بها واستولَى عليه حُبُّها فالعَدْلُ لا يَصرفُني عنها. ويقال: لَحَيتُ الرَجُلَ إذا لُمْتَهُ، ولَحَيتُ العُوَد ولَحَوْتُهُ إذا قَشَرتَ لِحَاءهُ وأصلُ الأوَّلِ منه. والجَمُّ: الكَثيرُ. والبَلابِلُ: الأحزانُ وشُغْلُ البالِ، واحِدُها بَلْبالٌ.

стр. 275

أنشَدَ في البابِ لأبي زُبَيْدٍ (٩٣٨): [٣٩٣] إنَّ آمرَءًا خَصَّني عَمْدًا مَوَدَّتَهُ … على التَنائي لَعِندي غَيرُ مَكْفورِ الشاهِدُ فيه إلغاءُ الظَرفِ مَعَ دُخولِ لامِ التأكيدِ عليه، والتقديرُ لَغيرُ مَكفورٍ عِندي. مَدَح الوليدَ بنَ عُقْبَةَ (٩٣٩)، ووصفَ نِعمةً أَنْعَمَها عليه مع بُعدِه وتَنائيهِ عنه. والمَكْفور هنا من كُفرِ النِعمةِ وجُحودِها. وأرادَ خَصَّنِي بموَدَّتِه فحَذَفَ وأوصَلَ الفِعلَ فَنَصَبَ. وأنشد في البابِ لابن صَريم اليَشكريّ (٩٤٠): [٣٩٤] ويَومًا تُوافينا بوَجْهٍ مُقَسَّمٍ … كأنَّ ظَبيةُ تَعْطُو إلى وارِقِ السَلَمْ الشاهِدُ فيه رَفْع (الظَبْيةِ) على الخَبَرِ، وحَذفُ الاسمِ مع تَخْفيفِ (كأنَّ)، والتقدير كأنَّها ظَبْيةٌ. ويَجوزُ نَصْبِ الظَبْيةِ بـ (كأنْ) تشبيهًا بالفِعلِ إذا حُذِفَ وعَمِلَ نحو لم يَكُ زيدٌ منطلقًا، والخبرُ محذوفٌ لِعِلْمِ السامعِ والتقديرُ كأَنْ ظَبيةً تَعْطو هذه المرأةُ. ويَجوزُ جَرُّ الظَبيةِ على تقدير كظَبْيةٍ و (أن) زائدةٌ مؤكِّدَةٌ. وَصَفَ امرأةً حَسَنَةَ الوَجْهِ فشَبَّهها بظَبْيةٍ مُخَصِبَةٍ، والعاطِيَةُ: التي تتناوَلُ أطرافَ الشَجَرِ مُرتَعِيَةً، والوارقُ والمُورِقُ وفعلُهُ أَورَقَ وهو نادِرٌ. والسَلَمُ: شَجَرٌ بِعَيْنه. والمُقَسَّمُ: المُحَسَّنُ، وأصلُه من القَسِماتِ وهي مجاري الدموعِ في أعالي

стр. 276

الوَجْهِ، ويُقال لها أيضًا: التَناصُفُ لأنَّها في منتَصَفِ الوَجْه إذا قُسِمَ، وهي أحسَنُ ما في الوَجْهِ وأَنوَرُ فَيُنْسَبُ إليها الحُسْنُ فيقال له: القَسامُ لِظُهورِهِ هنا وتَبَيُّنه. وأنشد في البابِ (٩٤١): [٣٩٥] ووَجْهٌ مُشْرِقُ النَحْرِ … كأَنْ ثَدْياهُ حُقّانِ الشاهِدُ فيه تَخفيفُ (كأنَّ) وحَذْفُ اسمِها، والتقديرُ كأنْهُ ثَدياهُ حُقّان. ويَجوزُ كأنْ ثَدْيَيْهَ "حُقان" على إعمال (كأنْ) مُخَفَّفةً (٩٤٢). والهاءُ في (ثَدْيَيْهِ) عائدةٌ على الوَجْهِ أو النَحْرِ، والمعنى كأن ثَدْيَي صاحِبه حُقّانِ. وأنشد في البابِ للفَرزدقِ (٩٤٣): [٣٩٦] فَلَو كُنتَ ظَبِّيًا عَرَفْتَ قَرابَتي … ولكنَّ زَنْجِيّ عَظيمُ المَشافِرِ الشاهِدُ في (٩٤٤) رَفْعِ (زَنْجِيٍّ) على الخَبَرِ، وحَذْفِ اسم (لكنّ) ضرورةً، والتقديرُ ولكنَّكَ زَنْجِيٌّ. ويجوزُ نَصْبُ زَنْجِيٍّ بـ (لكنَّ) على إضمارِ الخبرِ وهو أَقْيَسُ، والتقديرُ ولكنَّ زَنْجِيًّا عَظيمَ المَشافِرِ لا يَعرِفُ قَرابتي. هَجا رُجُلًا من ضَبَّةَ فَنفَاه عنها ونَسَبَهُ إلى الزنجِ. وأصلُ المِشْفَرِ للبَعيرِ فاستعارَهُ للإنسان لِما قَصَده مِن تَشْنيعِ الخَلقِ. والقَرابَةُ التي بينَ ضَبَّةَ وبَيْنَهُ أنَّه من تَميمِ بن مُرُ بن أُدِّ بن طابخَةَ، وضَبَّةُ هو ابنْ أُدٍّ بنِ طابِخَةَ (٩٤٥).

стр. 277

وأنشد في البابِ (٩٤٦): [٣٩٧] وما كُنتُ ضَفّاطًا ولكنَّ طالِبًا … وأناخَ قليلًا فَوقَ ظَهْرِ سَبيلِ الشاهِدُ فيه حَذفُ خَبرِ (لكنّ) لِعِلمِ السامعِ به، والتقديرُ ولكنَّ طالبًا مُنيِخًا أنا. والضَفّاطُ: المُحْدِثُ، يقال: ضَفَطَ (٩٤٧) إذا قَضَى حاجَتَهُ من جَوفِهِ، والضَفّاطُ أيضًا المُخْتِلفُ على الحُمر من قَريَةٍ إلى قَريةٍ، ويُقالُ للحَمير: الضَفّاطَةُ. والطالبُ هنا طالِبُ الإبِلِ الضالّةِ، كأنّه نَزَل عن راحِلَتِهِ لأمرٍ فَظُنّ به النزولُ لحدثٍ، فَنَفَى ذلك. وأنشد في البابِ للأعشى (٩٤٨): [٣٩٨] في فِتْيَةٍ كَسُيوفِ الهِنْدِ قَدْ عَلِموا … أنْ هالكُ كلُّ منْ يَحْفَى ويَنْتَعِلُ الشاهِدُ فيه تَخفيفُ (أنَّ) مع حَذْفِ الاسمِ، والتقديرُ أنَّه هالِكٌ. وَصَفَ شَرْبًا نادَمَهُم فشَبَّهَهم بالسيوف في مَضائهم وشُهْرَتِهم، وذَكَرَ أنَّهم مُوقِنونَ بالموتِ، فلا يَدَّخِرون لَذَّةٌ مُبادَرَةُ للموتِ قَبلَ حُلولِهِ. وأنشد في البابِ للنابغة الذُبياني (٩٤٩): [٣٩٩] قالَتْ: أَلا لَيْتَما هذا الحَمامُ لَنا … إلى حَمامَتِنا ونِصْفُه فَقَدِ

стр. 278

الشاهِدُ فيه إلغاءُ (لَيتَما) ورَفْعُ ما بَعدَها. ويَجوز أنْ تكونَ مُعْمَلَةً في (ما) على تقديرِ ليتَ الذي هو هذا الحَمامُ لنا. ويجوزُ نَصْبُ الحَمام على زيادةِ (ما) وإلغائها. وَصَفَ مَا كَانَ مِنْ أَمْرِ الزَّرْقَاء حِينَ نَظَرْت إلَى الْقَطَا طَائِرَةً فَحَصَلَت عِدَّتَها (٩٥٠)، وَخَبَرُهَا مَشْهُورٌ يَسْتَغْنِي عَنْ الذِّكْرِ، وَقَدْ تَقَدَّمَتْ جُمْلَةٌ مِنْهُ. ومعنى قَدِي حَسْبِي يقَال: قَدِي كَذَا وَقَدْني، وقَطِي "كَذَا" وقَطْنِي [بمعنى]. وأنشد فِي البابِ لسُوَيْد بْنِ كُرَاعِ الْعُكْلِيّ (٩٥١): [٤٠٠] تَحَلَّلْ وَعَالِج ذَاتَ نَفْسِكَ وَانْظُرَنْ … أَبَا جُعَلٍ لَعَلَّما أَنْتَ حَالِمُ الشاهِدُ فِيه إلْغَاءُ (لَعَلّما) لأنَّها جُعِلَتْ مع (ما) مِن حروفِ الابْتِدَاءِ عَلَى مَا بَيَّنَهُ سيبويه (٩٥٢). يقولُ هَذَا هارئًا بِرَجُلٍ تَوَعَّدَه؛ أَيْ: إِنَّك كالحالِم فِي وَعِيدِكَ لِي ويَميِنكَ عَلى مُضَرَّتِي فَتَحَلَّل مِنْ يَمِينِك؛ أَي: اسْتَثْنِ، وَعَالِجْ ذَاتَ نَفْسِكَ مِنْ ذَهَابِ عَقْلِكَ وتَعاطِيكَ مَا لَيْسَ فِي وُسعِكَ. وأنشد فِي البابِ بَيْت المَرَّار الفَقْعَسيّ (٩٥٣): أَعَلَاقَةً أُمَّ الْوُلَيِّد بَعْدَمَا … أَفْنَانُ رَأسِكَ كالثَغامِ المُخْلِسِ [٩٣] استشهَدَ بِهِ ها هنا على دُخولِ (ما) لِتُجْعَلَ (بَعْدَ) مِنْ حروفِ الابتداءِ كما جُعِلَت (لَعَلَّ) وَأَخَواتُها.

стр. 279

وَقَد تَقَدَّمَ البيتُ بِتَفْسِيرِهِ (٩٥٤): وأنشد فِي بابٍ ترجَمَتُه: هذا بابُ مَا يَحسُنُ عليه السُكوتُ، للأعشى (٩٥٥): [٤٠١] إنَّ مَحَلًّا وَإِنَّ مُرْتَحَلًا … وَإِنَّ فِي السَفْرِ مَا مَضَى مَهَلا الشاهِدُ فِيهِ حَذْفُ خَبرِ (إنَّ) لِعِلْمِ السامعِ. والمعنى أنَّ لنا مَحَلًّا في الدنْيا ومُرْتَحَلًا عنها إلى الآخرةِ، وأرادَ بِالسَفْرِ مَنْ رَحَلَ مِن الدُنيا، فيقول: في رَحيلٍ مَنْ رَحَلَ وَمَضَى مَهَلٌ؛ أَي: لا يَرجِعُ. ويُروى (مَثَلا) أَيْ: في مَنْ مَضَى مَثَلٌ لِمَنْ بَقِيَ؛ أَيْ: سَيَفْنَي كما فَنِيَ. وأنشد فِي البابِ (٩٥٦): [٤٠٢] يَا لَيْتَ أَيَّامِ الصِبَا رَواجِعا الشاهِدُ فِيه نَصْبُ (رَواجِعَ) (٩٥٧) على الحالِ وَحَذْف الخبرِ، والتقديرُ يا ليتَ لنا أَيّامَ الصِبا رواجِعَ (٩٥٧)، أَوْ يَا لَيتَها أَقْبَلَتْ رَواجِعَ. وَمِن النحويين (٩٥٨) مَنْ يُجِيزُ نَصْبَ الاسمِ والخبرِ بَعدَ (لَيتَ) تَشبيهًا لها بوَدِدْتُ وَتَمَنَّيْتُ لأنّها في معناها، فيكونُ هَذَا البيتُ على تلك اللغةِ إنْ كانت صَحيحةً مَسْموعَةً. وأنشد فِي البابِ لامرئ القيس (٩٥٩): [٤٠٣] وَإِنَّ شِفاء عَبْرَةٌ مُهْرَاقَةٌ … فَهَلْ عندَ رَسْمٍ دَارِسٍ مِن مُعَوَّلِ

стр. 280

الشاهِدُ فِيه نَصْبُ (شِفاءٍ) بِـ (إنَّ)، وَهُوَ نكرةٌ غَيرُ مُقَرِّبٍ من المعرفةِ، وكانَ وَجْهُ الكلامِ أَنْ يجعَلَهُ خَبَرًا وينصبَ الْعِبْرَةَ بـ (إنَّ) لأنَّها موصوفَةٌ مَقْرَّبَةٌ من المعرفةِ، ويروَى شِفائي وهو أحسَنُ لأنّه معرفةٌ. يَقُول: البُكاءُ يُشْفِي مِنْ لَوْعَةِ الحُزْنِ، ثُمَّ قَالَ مُنْكِرًا عَلَى نَفْسِهِ البكاءَ على الديارِ مع قِلَّةِ إجْدائهِ ونَفْعِهِ: وَهَلْ عِنْد رَسْمٍ دَارِسٍ مِن مُعَوَّلِ أَي: لا ينبغي أَنْ يُعَوَّلَ عليه لأنّه لا يُجدِي شيئًا، ويكونُ المُعَوَّلُ أيضًا مِن العَوِيلِ وهو البكاء؛ أي: لا يَنْبغي أنْ يُبْكي عليه فإنَّ ذلك لا يَرُدُّ مَا تَغَيَّر منه وَذَهَبَ. وأنشد في بابٍ ترجَمَتُه: هذا بابُ ما يكونُ محمولًا على إنَّ، لرؤبةَ (٩٦٠): [٤٠٤] إِنّ الرَبيعَ الجَوْدَ والخَرِيفا يَدَا أَبِي العَبّاسِ والصُيُوفا الشاهِدُ فِيهِ حَمْلُ (الصُيُوفِ) على المنصوبِ بـ (إنّ)، وَلَو رُفِعَ حَمْلًا على مَوْضِعِهَا أو على الابْتِدَاءِ وإضْمَار (٩٦١) الخبر لجازَ. مَدَح أبا العَبّاسِ السَفّاحَ (٩٦٢) "﵀" فَجَعَل يَدَيْهِ لكثرةِ معروفِهِ كمطرِ الربيعِ والصَيْفِ. والجَوْدُ: أغزَرُ المطرِ: والربيعُ هنا المطرُ نَفسُهُ، وَأرادَ بالخريفِ مَطَر الْخَرِيفِ، وبالصُيُوفِ أَمطارَ الصَيفِ، وذكرَ الربيعَ والخريفَ وهما في المعنى وَاحِدٌ توكيدًا ومُبالَغَة، وساغ له ذلك لاختِلافِ اللفظينِ كما قالوا: النَأيُ وَالبُعْدُ. وأنشد في البابِ لجريرٍ (٩٦٣): [٤٠٥] إِنَّ الخِلافَةَ وَالنُبُوَّةَ فيهمُ … والمَكْرُماتُ وَسادَةٌ أطْهارُ

стр. 281

الشاهدُ فيه رَفْعُ (المَكْرُماتِ) حَمْلًا على موضعِ (إنَّ) وما عَمِلَتْ فيه لأنَّها بمنزلةِ الابتداءِ، ويجوزُ أنْ تكونَ معطوفةً على المُضْمَرِ الفاعِلِ في النِيَّةِ والتقديرُ استَقَرَّتا فيهم هما المَكْرُماتُ، ويَجوزُ أنْ تكونَ مبتدأةً على معنى والمَكْرُماتُ فيهم. ولو نَصَبَ حَمْلًا على المنصوبِ بـ (إنَّ) لجازَ. وقولُه: (وَسادَةٌ) مَحمولٌ على إضمارِ مبتدإٍ والمعنى وَهُم سادَةٌ أطهارٌ، ويَجوزُ أنْ يكونَ على تقديرِ وفيهم سادَةٌ أَطهارٌ. وأطهارٌ جَمعُ طاهِرٍ كصاحِبٍ وأصحابٍ وشاهِدٍ وأشهادٍ وهو جَمعٌ غَريبٌ. وأنشد في بابٍ ترجَمَتُه: هذا بابُ ما ينتصبُ فيه الخبرُ بَعدَ الأحرفِ الخمسةِ، لرجُلٍ من بني أَسَدٍ (٩٦٤): [٤٠٦] إنَّ بها أكْتَلَ أَوْ رِزاما خُوَيْرِبَيْنِ يَنْقُفانِ الهَامَا الشاهدُ في نَصْبِ (خُوَيْرِبَيْنِ) على الذَمِّ، ولا يَجوزُ أنْ يكونَ حالًا مِن (أَكْتَلَ ورِزامٍ)، لأنّ الخَبَرَ عَن أَحَدِهما لاعتِراضِ (أو) بينهما، ولو كانَ حالًا لأفْرَدَهُ كما تَقولُ: إن في الدار زَيْدًا أو عَمرًا جالِسًا، لأنَّك تُوجبُ الجُلوسَ لأحدِهما، فَلَمّا لم تُمْكِن فيه الحالُ لِما بَيَنّا نُصِبَ على الذَمِّ. والخارِبُ: اللَّصُّ ويقالُ: هو سارِقُ الإبِلِ خاصَّةً، والصَحيحُ أنَّ كُلَّ لِصٍّ خارِبٌ لِقولِهِ بَعدَ هذا (٩٦٥): لَمْ يَتْرُكا لِمُسْلمٍ طَعامًا ولقولِ الآخرِ (٩٦٦): والخارِبُ اللّصُّ يُحِبُّ الخارِبا فجَعَلَه شائعًا لكلِّ لِصٍّ. ومعنى يَنْقُفانِ الهامَ يَسْتَخرجانِ دِماغَها، وهذا مَثَلٌ

стр. 282

ضَرَبَهُ لِعِلْمِهما بالسَرَقِ واستِخْراجِهما لأخْفى الأشياءِ وأَبْعَدِها مَرامًا. وأنشد في البابِ (٩٦٧): [٤٠٧] أَمِنْ عَمَلِ الجَرّافِ أَمْسِ وظُلْمِهِ … وعُدْوانِهِ أَعْتَبْتُمونا بِراسِمِ أَمِيرَيْ عَداءٍ إنْ حَبَسْنا عَلَيهما … بَهائمَ مالٍ أَوْدَيا بالبَهائمِ الشاهدُ في نَصْبِ (أَمِيرَيْ عَداءٍ) على الشَتْمِ، ولا يَجوزُ نَصْبُهُ على الحالِ، ولا جَرُّهُ على البَدَلِ من الاسمَيْنِ لاختِلافِ العامِلِ فيهما، لأنَّ الجَرّافَ مخفوضٌ بالإضافةِ وراسِمًا مجرورٌ بالباءِ وهو في صِلَة اعتبتمونا، فَقَد اختَلَفَ مَعْنَياهُما فَقُطِعَت الصفةُ فيهما ونُصِبَتْ على الذَمِّ. والجَرّافُ وراسمٌ عاملانِ ذَكَرَ جَوْرَهما واعتِداءَهما فيما يأخُذانِ من صَدَقاتِ أَموالهم. ومعنى اعتَبْتُمونا أرضَيْتُمونا. والعَدَاءُ: الظُلْمُ. وأرادَ بِبَهائمِ المالِ الإبِلَ، أيْ: إنْ حَبَسْنا عليهما الإبِلَ ليُحَصِّلاها ويأخُذا صَدَقاتِها جارا فَذَهَبا بها، ويقال: أَودَى بكَذا إذا ذَهَبَ به. وأنشد في البابِ للفرزدقِ (٩٦٨): [٤٠٨] ولكنَّني استَبْقَيْتُ أعْراضَ مازِنٍ … وأَيَّامَها مِن مُسْتَنيرٍ ومُظْلِمِ أُناسًا بِثَغْرٍ لا تَزالُ رماحُهُمْ … شَوارعَ مِن غَيرِ العَشِيرَةِ في الدَمِ الشاهدُ في قَولِهِ: (أُناسًا) ونَصْبِهِ على التَعظيمِ والمدحِ، ولا يَحْسُنُ نَصْبُهُ على الحالِ لأنّه لا يَتعلَّقُ بمعنًى قَبْلَه يَقَعُ فيه.

стр. 283

وَصَفَ أنَّه حاشَى بَني مازِنٍ، وَهُم مِن فَزارَةَ، مِمّا هَجا به قَيْسًا، وإنْ كانوا منهم، لِفَضْلِهم فيهم، وشُهْرَةِ أَيَّامِهم في حُروبهم، وإقامَتِهم في الثُغورِ، ذا بَيِّنٌ عَمَّنْ وَلِيَهُم. والشَوارِعُ: الوارِدَةُ، والشَريعَةُ: المَوْرِدُ، أيْ: يُوقِعونَ بأَعْدائهم دونَ عَشيرتهم فَيُورِدونَ رِماحَهُم في دِمائهم. وأنشد في البابِ لعمرو بنِ شَأسٍ الأسَديّ (٩٦٩): [٤٠٩] ولَمْ أَرَ لَيلَى بَعْدَ يَومِ تَعَرَّضَتْ … لنا بَينَ أثوابِ الطِرافِ من الأدَمْ كِلابِيَّةً وَبْرِيَّةً حَبْتَرِيّةً … نَأتْكَ وخانَتْ بالمواعِيدِ والذِمَمْ أُناسًا عِدًى عُلِّقْتُ فيهم ولَيْتني … طَلَبْتُ الهَوَى في رَأسِ ذي زَلَقٍ أشَم الشاهدُ فيه (٩٧٠) نَصْبُ (كِلابِيَّةٍ) وما بَعدَها على التَعْظيمِ، ونَصْبُ (أُناسٍ) على الاختِصاصِ والتَشْنيعِ، ولَيسَتْ بأحوالٍ لِفسادِ المعنى على ما بَيَّنَه سيبويه (٩٧١). والطِرافُ: قُبَّةٌ مِن أَدَمٍ وهي لأهلِ الثَروةِ والغِنى. وأرادَ بأثوابِها السُتورَ. وقولُه: (كِلابِيَّةً وَبْرِيَّةً حَبْتَرِيّةً) نَسَبَها إلى قَبيلها، ثُمَّ إلى حَيِّها، ثُمَّ إلى فَصِيلَتِها ورَهْطِها الأدْنى إليها تَفْخيمًا لها. ومعنى نَأتْكَ بَعُدَتْ عنكَ، يقال: نَأيْتُهُ ونَأَيْتُ عنه بمعنًى. وقوله: (أُناسًا عِدًى) يعني القبائلَ التي نَسَبَها إليها وَهُم مِن بني عامِرٍ، وكانَ بينهم وبَينَ بني أسدٍ قَومِهِ حُروبٌ وتَغاوُرٌ، فَجَعلهم عِدًى لذلك، ويُريدُ أنَّها بينَ أعدائه فَلا سبيلَ له إليها، ولذلك تَمَنّى أنْ يَكونَ طَلَبَ الهَوَى في رأسِ جَبَلٍ أَشَمَّ، أيْ: هي أَبعَدُ من الأرْوى التي تَألَفُ شَواهِقَ الجِبالِ وأَصعَبُ مَرامًا.

стр. 284

وأنشد في الباب (٩٧٢) في مِثْلِهِ (٩٧٣): [٤١٠] ضَنِنْتُ بنَفْسي حِقْبَةً ثُمَّ أصبحتْ … لبنتِ عَطاءٍ بَينُها وجَميعُها ضبابِيةً مُرِّيَّةً حابِسيَّةً … مُنيفًا بنَعْفِ الصَيدَلَينِ وَضِيعُها الشاهدُ في نصبِ (ضِبَابيَّةٍ) وما بعدَها على التَفخيمِ، والقولُ فيه كالقولِ في الذي قَبلَه. يقولُ: مَلكتُ نَفسي عن تَتَبُّعِ هذهِ المرأةِ حِقبةً من الدهرِ، أي: حِينًا، ثمَّ غَلَبني هَواها فأبَحْتُ نَفسي لها، وأصلُ الحِقبةِ السَنةُ، فجَعَلها للحِينِ من الدهرِ، والجميعُ هنا بمعنى الاجتماعِ، أي: صارَ لَها بينُ نَفسي واجتماعُها، أيْ: كُلُّها، وضَرَب هذا مَثَلًا، ونَسَبها إلى الضِبابِ (٩٧٤)، وهم حيٌّ مِن بني عامِرٍ، وحابِسٌ ومُرَّةُ حَيّانِ منهم، والمُنيفُ: المُشرِفُ. والنَعْفُ: أصلُ الجبلِ، والصَيدَلانُ: جبلٌ بعينهِ، يقول: هي شَريفةُ القومِ فَوَضِيعُهم مُشرِفُ المحلِّ، فكيفَ رَفِيعُهم. وأنشد في البابِ لرؤبَةَ (٩٧٥): [٤١١] أنا ابنُ سَعْدٍ أَكْرَمَ السَعْدِينا الشاهدُ فيه نَصْبُ (أكرَمَ) على التَفْخيمِ والمَدْحِ. وإنّما قال: (أَكْرَمَ السَعْدِينا)، لأنّ السُعُودَ في العربِ كثيرةٌ، مِثل سَعدِ بنِ مالكٍ (٩٧٦) في ربيعةَ، وسَعْدٍ بنِ ذُبْيانَ (٩٧٧) في غَطَفَانَ، وسَعْدِ بنِ بَكْرٍ (٩٧٨) في

стр. 285

هَوازِنَ، وسَعْدِ بنِ هُذَيْمٍ (٩٧٩) في قُضاعَةَ، ورؤبةُ (٩٨٠) من بني سَعْدِ بن زَيدٍ مَناةَ بن تَميمٍ وفيهم الشَرَفُ والعَدَدُ. وأنشد في البابِ للفَرزدقِ (٩٨١): [٤١٢] فكَيْفَ إذا رأيْتَ دِيارَ قَومٍ … وجِيرانٍ لنا كانوا كِرامِ الشاهدُ فيه إلْغاءُ (كانَ) وزِيادَتُها توكيدًا وتَبْيينًا لمعنى المُضِي، والتقديرُ وجِيرانٍ لنا كِرامٍ كانوا كذلك. وقد رَدَّ المبرّدُ (٩٨٢) هذا التأويلَ وجَعَلَ قولَه: (لَنا) خَبرًا لَها. والصَحيحُ ما ذَهَبَ إليه الخَليلُ وسيبويه مِن زيادَتِها، لأنّ قولَه: (لنا) مِن صِلَةِ الجيرانِ، ولا يَجوزُ أنْ يكونَ خبرًا لـ (كانَ) إلّا أنْ يُريدَ معنى المِلْكِ، ولا يَصِحُّ المِلْكُ ها هنا لأنَّهم لم يكونوا لهم مِلْكًا، إنّما كانوا لهم جِيرةٌ، فالجِوارُ هو الخَبرُ و (لنا) تَبيينٌ له، وقد بَيَّنْتُهُ (٩٨٣) مُسْتَقْصًى في كتابِ (النكت) (٩٨٤). وأنشد في البابِ لزيدِ بنِ عَمرو بن نُفَيْل القُرَشِيّ (٩٨٥):
следующие страницы →