← Адаб

Адаб · id 1207

تحصيل عين الذهب من معدن جوهر الأدب في علم مجازات العرب

الأعلم الشنتمري

Полный текст (617 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.

стр. 281

الشاهدُ فيه رَفْعُ (المَكْرُماتِ) حَمْلًا على موضعِ (إنَّ) وما عَمِلَتْ فيه لأنَّها بمنزلةِ الابتداءِ، ويجوزُ أنْ تكونَ معطوفةً على المُضْمَرِ الفاعِلِ في النِيَّةِ والتقديرُ استَقَرَّتا فيهم هما المَكْرُماتُ، ويَجوزُ أنْ تكونَ مبتدأةً على معنى والمَكْرُماتُ فيهم. ولو نَصَبَ حَمْلًا على المنصوبِ بـ (إنَّ) لجازَ. وقولُه: (وَسادَةٌ) مَحمولٌ على إضمارِ مبتدإٍ والمعنى وَهُم سادَةٌ أطهارٌ، ويَجوزُ أنْ يكونَ على تقديرِ وفيهم سادَةٌ أَطهارٌ. وأطهارٌ جَمعُ طاهِرٍ كصاحِبٍ وأصحابٍ وشاهِدٍ وأشهادٍ وهو جَمعٌ غَريبٌ. وأنشد في بابٍ ترجَمَتُه: هذا بابُ ما ينتصبُ فيه الخبرُ بَعدَ الأحرفِ الخمسةِ، لرجُلٍ من بني أَسَدٍ (٩٦٤): [٤٠٦] إنَّ بها أكْتَلَ أَوْ رِزاما خُوَيْرِبَيْنِ يَنْقُفانِ الهَامَا الشاهدُ في نَصْبِ (خُوَيْرِبَيْنِ) على الذَمِّ، ولا يَجوزُ أنْ يكونَ حالًا مِن (أَكْتَلَ ورِزامٍ)، لأنّ الخَبَرَ عَن أَحَدِهما لاعتِراضِ (أو) بينهما، ولو كانَ حالًا لأفْرَدَهُ كما تَقولُ: إن في الدار زَيْدًا أو عَمرًا جالِسًا، لأنَّك تُوجبُ الجُلوسَ لأحدِهما، فَلَمّا لم تُمْكِن فيه الحالُ لِما بَيَنّا نُصِبَ على الذَمِّ. والخارِبُ: اللَّصُّ ويقالُ: هو سارِقُ الإبِلِ خاصَّةً، والصَحيحُ أنَّ كُلَّ لِصٍّ خارِبٌ لِقولِهِ بَعدَ هذا (٩٦٥): لَمْ يَتْرُكا لِمُسْلمٍ طَعامًا ولقولِ الآخرِ (٩٦٦): والخارِبُ اللّصُّ يُحِبُّ الخارِبا فجَعَلَه شائعًا لكلِّ لِصٍّ. ومعنى يَنْقُفانِ الهامَ يَسْتَخرجانِ دِماغَها، وهذا مَثَلٌ

стр. 282

ضَرَبَهُ لِعِلْمِهما بالسَرَقِ واستِخْراجِهما لأخْفى الأشياءِ وأَبْعَدِها مَرامًا. وأنشد في البابِ (٩٦٧): [٤٠٧] أَمِنْ عَمَلِ الجَرّافِ أَمْسِ وظُلْمِهِ … وعُدْوانِهِ أَعْتَبْتُمونا بِراسِمِ أَمِيرَيْ عَداءٍ إنْ حَبَسْنا عَلَيهما … بَهائمَ مالٍ أَوْدَيا بالبَهائمِ الشاهدُ في نَصْبِ (أَمِيرَيْ عَداءٍ) على الشَتْمِ، ولا يَجوزُ نَصْبُهُ على الحالِ، ولا جَرُّهُ على البَدَلِ من الاسمَيْنِ لاختِلافِ العامِلِ فيهما، لأنَّ الجَرّافَ مخفوضٌ بالإضافةِ وراسِمًا مجرورٌ بالباءِ وهو في صِلَة اعتبتمونا، فَقَد اختَلَفَ مَعْنَياهُما فَقُطِعَت الصفةُ فيهما ونُصِبَتْ على الذَمِّ. والجَرّافُ وراسمٌ عاملانِ ذَكَرَ جَوْرَهما واعتِداءَهما فيما يأخُذانِ من صَدَقاتِ أَموالهم. ومعنى اعتَبْتُمونا أرضَيْتُمونا. والعَدَاءُ: الظُلْمُ. وأرادَ بِبَهائمِ المالِ الإبِلَ، أيْ: إنْ حَبَسْنا عليهما الإبِلَ ليُحَصِّلاها ويأخُذا صَدَقاتِها جارا فَذَهَبا بها، ويقال: أَودَى بكَذا إذا ذَهَبَ به. وأنشد في البابِ للفرزدقِ (٩٦٨): [٤٠٨] ولكنَّني استَبْقَيْتُ أعْراضَ مازِنٍ … وأَيَّامَها مِن مُسْتَنيرٍ ومُظْلِمِ أُناسًا بِثَغْرٍ لا تَزالُ رماحُهُمْ … شَوارعَ مِن غَيرِ العَشِيرَةِ في الدَمِ الشاهدُ في قَولِهِ: (أُناسًا) ونَصْبِهِ على التَعظيمِ والمدحِ، ولا يَحْسُنُ نَصْبُهُ على الحالِ لأنّه لا يَتعلَّقُ بمعنًى قَبْلَه يَقَعُ فيه.

стр. 283

وَصَفَ أنَّه حاشَى بَني مازِنٍ، وَهُم مِن فَزارَةَ، مِمّا هَجا به قَيْسًا، وإنْ كانوا منهم، لِفَضْلِهم فيهم، وشُهْرَةِ أَيَّامِهم في حُروبهم، وإقامَتِهم في الثُغورِ، ذا بَيِّنٌ عَمَّنْ وَلِيَهُم. والشَوارِعُ: الوارِدَةُ، والشَريعَةُ: المَوْرِدُ، أيْ: يُوقِعونَ بأَعْدائهم دونَ عَشيرتهم فَيُورِدونَ رِماحَهُم في دِمائهم. وأنشد في البابِ لعمرو بنِ شَأسٍ الأسَديّ (٩٦٩): [٤٠٩] ولَمْ أَرَ لَيلَى بَعْدَ يَومِ تَعَرَّضَتْ … لنا بَينَ أثوابِ الطِرافِ من الأدَمْ كِلابِيَّةً وَبْرِيَّةً حَبْتَرِيّةً … نَأتْكَ وخانَتْ بالمواعِيدِ والذِمَمْ أُناسًا عِدًى عُلِّقْتُ فيهم ولَيْتني … طَلَبْتُ الهَوَى في رَأسِ ذي زَلَقٍ أشَم الشاهدُ فيه (٩٧٠) نَصْبُ (كِلابِيَّةٍ) وما بَعدَها على التَعْظيمِ، ونَصْبُ (أُناسٍ) على الاختِصاصِ والتَشْنيعِ، ولَيسَتْ بأحوالٍ لِفسادِ المعنى على ما بَيَّنَه سيبويه (٩٧١). والطِرافُ: قُبَّةٌ مِن أَدَمٍ وهي لأهلِ الثَروةِ والغِنى. وأرادَ بأثوابِها السُتورَ. وقولُه: (كِلابِيَّةً وَبْرِيَّةً حَبْتَرِيّةً) نَسَبَها إلى قَبيلها، ثُمَّ إلى حَيِّها، ثُمَّ إلى فَصِيلَتِها ورَهْطِها الأدْنى إليها تَفْخيمًا لها. ومعنى نَأتْكَ بَعُدَتْ عنكَ، يقال: نَأيْتُهُ ونَأَيْتُ عنه بمعنًى. وقوله: (أُناسًا عِدًى) يعني القبائلَ التي نَسَبَها إليها وَهُم مِن بني عامِرٍ، وكانَ بينهم وبَينَ بني أسدٍ قَومِهِ حُروبٌ وتَغاوُرٌ، فَجَعلهم عِدًى لذلك، ويُريدُ أنَّها بينَ أعدائه فَلا سبيلَ له إليها، ولذلك تَمَنّى أنْ يَكونَ طَلَبَ الهَوَى في رأسِ جَبَلٍ أَشَمَّ، أيْ: هي أَبعَدُ من الأرْوى التي تَألَفُ شَواهِقَ الجِبالِ وأَصعَبُ مَرامًا.

стр. 284

وأنشد في الباب (٩٧٢) في مِثْلِهِ (٩٧٣): [٤١٠] ضَنِنْتُ بنَفْسي حِقْبَةً ثُمَّ أصبحتْ … لبنتِ عَطاءٍ بَينُها وجَميعُها ضبابِيةً مُرِّيَّةً حابِسيَّةً … مُنيفًا بنَعْفِ الصَيدَلَينِ وَضِيعُها الشاهدُ في نصبِ (ضِبَابيَّةٍ) وما بعدَها على التَفخيمِ، والقولُ فيه كالقولِ في الذي قَبلَه. يقولُ: مَلكتُ نَفسي عن تَتَبُّعِ هذهِ المرأةِ حِقبةً من الدهرِ، أي: حِينًا، ثمَّ غَلَبني هَواها فأبَحْتُ نَفسي لها، وأصلُ الحِقبةِ السَنةُ، فجَعَلها للحِينِ من الدهرِ، والجميعُ هنا بمعنى الاجتماعِ، أي: صارَ لَها بينُ نَفسي واجتماعُها، أيْ: كُلُّها، وضَرَب هذا مَثَلًا، ونَسَبها إلى الضِبابِ (٩٧٤)، وهم حيٌّ مِن بني عامِرٍ، وحابِسٌ ومُرَّةُ حَيّانِ منهم، والمُنيفُ: المُشرِفُ. والنَعْفُ: أصلُ الجبلِ، والصَيدَلانُ: جبلٌ بعينهِ، يقول: هي شَريفةُ القومِ فَوَضِيعُهم مُشرِفُ المحلِّ، فكيفَ رَفِيعُهم. وأنشد في البابِ لرؤبَةَ (٩٧٥): [٤١١] أنا ابنُ سَعْدٍ أَكْرَمَ السَعْدِينا الشاهدُ فيه نَصْبُ (أكرَمَ) على التَفْخيمِ والمَدْحِ. وإنّما قال: (أَكْرَمَ السَعْدِينا)، لأنّ السُعُودَ في العربِ كثيرةٌ، مِثل سَعدِ بنِ مالكٍ (٩٧٦) في ربيعةَ، وسَعْدٍ بنِ ذُبْيانَ (٩٧٧) في غَطَفَانَ، وسَعْدِ بنِ بَكْرٍ (٩٧٨) في

стр. 285

هَوازِنَ، وسَعْدِ بنِ هُذَيْمٍ (٩٧٩) في قُضاعَةَ، ورؤبةُ (٩٨٠) من بني سَعْدِ بن زَيدٍ مَناةَ بن تَميمٍ وفيهم الشَرَفُ والعَدَدُ. وأنشد في البابِ للفَرزدقِ (٩٨١): [٤١٢] فكَيْفَ إذا رأيْتَ دِيارَ قَومٍ … وجِيرانٍ لنا كانوا كِرامِ الشاهدُ فيه إلْغاءُ (كانَ) وزِيادَتُها توكيدًا وتَبْيينًا لمعنى المُضِي، والتقديرُ وجِيرانٍ لنا كِرامٍ كانوا كذلك. وقد رَدَّ المبرّدُ (٩٨٢) هذا التأويلَ وجَعَلَ قولَه: (لَنا) خَبرًا لَها. والصَحيحُ ما ذَهَبَ إليه الخَليلُ وسيبويه مِن زيادَتِها، لأنّ قولَه: (لنا) مِن صِلَةِ الجيرانِ، ولا يَجوزُ أنْ يكونَ خبرًا لـ (كانَ) إلّا أنْ يُريدَ معنى المِلْكِ، ولا يَصِحُّ المِلْكُ ها هنا لأنَّهم لم يكونوا لهم مِلْكًا، إنّما كانوا لهم جِيرةٌ، فالجِوارُ هو الخَبرُ و (لنا) تَبيينٌ له، وقد بَيَّنْتُهُ (٩٨٣) مُسْتَقْصًى في كتابِ (النكت) (٩٨٤). وأنشد في البابِ لزيدِ بنِ عَمرو بن نُفَيْل القُرَشِيّ (٩٨٥):

стр. 286

[٤١٣] سَألَتَاني الطَلاقَ أنْ رَأَتا ما … لي قليلًا قَدْ جِئْتُماني بِنُكْرٍ وَيْكَأَنْ مَنْ يكُنْ له نَشَبٌ يُحْـ … ــبَبْ ومَنْ يَفْتَقِرْ يَعِشْ عَيْشَ ضُرٍّ الشاهدُ في قولِهِ: (وَيْكَأَنْ) وهي عند الخليلِ وسيبويه (٩٨٦) مُرَكَّبَةً مِن (وَيْ) ومعناها التَنْبِيهُ مع (كأنَّ) التي للتَشْبيه، ومعناها "معنى" أَلَمْ تَرَ، وعلى ذلك تَأَوَّلَها المُفَسِّرون (٩٨٧). وزَعَمَ بعضُ (٩٨٨) النحويِّينَ أنّ قولهم: (وَيْكَأَنْ) بمعنى وَيْلَكَ اعلَمْ أنَّ، فَحُذِفَت اللامُ من وَيْلَكَ كما قال عَنترةُ (٩٨٩): وَيْكَ عَنْتَرَ أَقْدِمِ وحذف (اعْلَمْ) لِعِلْمِ المخاطَبِ مع كَثرةِ الاستعمالِ. وهذا القَولُ مردودٌ لِما يَقَعُ فيه من كَثرةِ التَغييرِ، وقد بَيَّنْتُ حقيقَتَهُ في كتابِ (النكت) (٩٩٠). وقولُه: (سَالَتَاني) أَبدَلَ فيه الهمزةَ ألِفًا ضَرورةً (٩٩١)، أو يكونُ استعملَ لُغَةَ مَنْ يَقولُ: سِلْتُهُ أسألُهُ مثل خِفْتُهُ أَخَافُهُ وَهُما يَتَساولان، وهي لُغةٌ معروفةٌ وعليها قراءَةُ مَنْ قَرَأَ (٩٩٢): "سالَ سايلٌ بعذابٍ واقعٍ"، والنَشَبُ: المالُ، وقد تَقَدَّمَ تَفسيرُهُ (٩٩٣).

стр. 287

وأنشد في البابِ (٩٩٤): [٤١٤] وإلّا فاعْلَموا أَنّا وأَنتُم … بُغاةٌ ما بَقِينا في شِقاقِ الشاهدُ فيه رَفْعُ قَولِهِ: (وأَنتُم) على التَقديمِ والتَأخيرِ، والتقديرُ فاعْلَموا أنّا بُغاةٌ وأَنتُمْ، فأَنْتُم مبتدأً، والخَبرُ محذوفٌ لِعِلْمِ السامعِ، والمعنى وأنتُمْ بُغاةٌ. ويَجوزُ أنْ يكونَ المحذوفُ خَبَرَ (أَنَّ) كما تقول: إنَّ هِندًا وزَيدٌ منطلقٌ، والمعنى إنَّ هِندًا منطلقةٌ وزَيدٌ منطلقٌ فحَذَفْتَ خَبَرَ الأوّلِ (٩٩٥) لدلالةِ الآخِرِ عليه. والبُغاةُ جَمعُ باغٍ وهو الساعي بالفَسادِ. والشِقاقُ: الخِلافُ، وأصلُهُ أنْ يأتيَ كُلُّ واحِدٍ من الفريقَينِ ما يَشُقُّ على صاحِبِه، أو يكون كُلُّ واحِدٍ منهما في شِقٍّ غَيرِ شِقِّ صاحبه، والشِقُّ: الجانبُ. وأنشد في باب كَمْ (٩٩٦): [٤١٥] على أَنَّني بَعدَ ما قَدْ مَضَى … ثلاثونَ لِلهَجْرِ حَوْلًا كَمِيلا يُذَكِّرُنِيكِ حَنِينُ العَجُولِ … وَنَوْحُ الحَمامَةِ تَدْعو هَدِيلا الشاهدُ فيه فَصْلُهُ بينَ الثَلاثينَ والحَوْلِ بالمجرورِ ضرورةٌ، فجَعَل هذا سيبويه تَقْوِيَةً لِما يَجوزُ في (كَمْ) مِن الفَصْلِ عِوَضًا لِما مُنِعَتْهُ من التَصَرّف في الكلامِ بالتَقديمِ والتأخيرِ، لتَضَمُّنِها معنى الاستِفهامِ والتصديرِ بها لذلك، والثلاثونَ ونَحْوُها مِن العددِ لا تمتنعُ مِن التَقديمِ والتأخيرِ لأنّها لم تَتَضَمَّن مَعنًى يجبُ لها به التَصديرُ، فَعَمِلَتْ في المُمَيَّزِ مُتَّصلًا بها على ما يَجبُ في التَمييزِ، وقد بَيَّنْتُ هذا بِعِلَّته في كتابِ (النكت). يقول: لَمْ أَنْسَ عَهْدَكِ على بُعْدِه، فَكُلَّما حَنَّتْ عَجولٌ، وهي الفاقِدَةُ وَلَدَها

стр. 288

الوالِهُ من الإبِلِ وغَيرِها، أَوْ نَاحَتْ حَمامَةٌ رَقَّتْ نَفْسي فَذَكَرْتُكِ. والهَدِيلُ هنا صَوتُ الحمامةِ، ونَصْبُهُ على المصدرِ والعامِلُ فيه (تدعو) لأنّه بمعنى تَهْدِلُ، ويجوزُ أنْ يكونَ الهَدِيلُ الفَرْخَ الذي تَزْعُمُ الأعرابُ أنَّ جارِحًا صادَهُ في سَفينةِ نُوحٍ "صَلّى اللَّهُ على نبيّنا محمد وعليه وسَلّم"، فالحَمامُ تبكي عليه كما قال طَرَفَةُ (٩٩٧): كداعِي هَدِيلٍ لا يُجابُ ولا يَمَلّ فالهَديلُ هنا الفَرْخُ لأنّ الحمامَ تَدْعوهُ نائحةً عليه فلا يُجِيبُها ولا تَمَلُّ دُعاءَهُ. وأنشد في البابِ بَعدَ هذا للربيعِ بنِ ضَبُعٍ (٩٩٨): إذا عاشَ الفَتَى مِئتَيْنِ عامًا [١٧٧] وقولَ الراجِزِ (٩٩٩): أَنْعَتُ عِيْرًا من حَميرِ خَنْزَرَه [١٧٨] في كُلِّ عَيْرٍ مِئتانِ كَمَرَهْ وللفرزدق (١٠٠٠): كَمْ عَمَّةٍ لكَ يا جَريرُ وخالَةٍ … "فَدْعاء. . . . . . . . [٣٦٠] وقد مَرَّتْ بتفسيرِها (١٠٠١)، وعِلَلِها". ويَجوزُ في قولِهِ: (كَمْ عَمَّةٍ) الرَفْعُ والنَصْبُ والجَرُّ، فالرَفْعُ على الابتداءِ وتكونُ (كَمْ) لتكثيرِ المِرارِ، والتقديرُ كَمْ مَرّةً حَلَبَتْ عليَّ عِشاري عَمَّةٌ لكَ وخالَةٌ. والنَصْبُ على أنْ تجعَلَ (كمْ) استفهامًا أو خبرًا في لغة مَنْ ينصبُ بها في الخبرِ. والجَرُّ على أنْ تكونَ (كمْ) خبرًا بمنزلة (رُبَّ).

стр. 289

وأنشد في البابِ للعَنْبَريّ (١٠٠٢): [٤١٦] وجَدّاءَ ما يُرْجَى بها ذو قَرابَةٍ … لِعَطْفٍ وما يَخْشَى السُماةَ رَبِيبُها الشاهدُ فيه خَفْضُ جَدّاءَ على إضمارِ (رُبَّ)، وقد تَقَدَّمَتْ عِلَّةُ إضمارِها واختِلافُ النحويّين (١٠٠٣) في تقديرِها. والجَدّاءُ: فَلاةٌ لا ماءَ بها، وأصلُه من الجَدَّ وهو القَطْعُ لانقِطاعِ مائها. والسُماةُ جَمعُ سامٍ وهو الذي يَسْمو لِصَيْدِ الوَحْشِ في سَمومِ الحَرِّ عندَ كُنُوسِها، ويُقال له: المُسْمِي أيضًا. والرَبيبُ: ما تَرَبَّبَ من الوَحْشِ فيها، والمعنى انَّها فَلاةٌ لا ماءَ بها (١٠٠٤) ولا عُمْرانَ "فيها" فيكون فيها رَبِيبٌ من الوَحْشِ يُصادُ فَيَخْشَى الصائدَ، أيْ: لا وَحْشَ بها لِبُعْدِها عَن العُمْرانِ. وقلّةِ خَيرِها. وأنشد في البابِ لامرِئ القيس (١٠٠٥): [٤١٧] ومِثْلِكِ بِكْرًا طَرَقْتُ وثَيِّبًا … فأَلْهَيْتُها عَن ذي تَمائمَ مُغْيَلِ الشاهدُ "فيه" خَفْضُ (مِثْلِكِ) على إضمارِ (رُبَّ)، ونَصْبُهُ على الفِعلِ الذي بَعْدَهُ، ويُروي (١٠٠٦): ومِثْلِكِ حُبْلَى قَدْ طَرَقْتُ ومُرْضِعًا يقول: أنا مُحَبَّبٌ إلى الحَبالَى مِن النساءِ والمَراضِعِ على زُهدِهِنَّ في الرِجالِ فكيفَ الأبكارُ الراغِباتُ فيهم. والتَمائمُ: مَعاذٌ تُعَلَّقُ على الصِبيانِ، واحدتُها تَميمةٌ. والمُغْيَلُ: المُرْضعُ وأُمُّهُ حُبْلَى، ويقالُ: هو الذي يَرضَعُ وأُمُّهُ تُوطَأُ.

стр. 290

وأنشد في الباب (١٠٠٧): [٤١٨] ومِثْلَكِ رَهْبَى قَدْ تَرَكْتُ رَذِيَّةً … تُقَلِّبُ عَيْنَيْها إذا مَرَّ طائرُ الشاهدُ فيه نَصْبَ (مِثْلَكِ) بالفِعلِ الذي بَعدَه، ويَجوزُ جَرُّهُ على إضمارِ (رُبَّ)، والقولُ فيه كالقولِ في الذي قَبلَه. يُخاطبُ ناقَتَهُ، والرَهْبَي: الخائفةُ. والرَذِيَّةُ: المُعْييَةُ الساقطةُ، أي: أعمَلْتُها في السَفَرِ حتى أودَعْتُها الطريقَ، فكُلَّما مَرَّ عليها طائرِّ قَلَّبَتْ عَيْنَيها رَهْبَةً منه وخَوْفًا أنْ يَقَع عليها لِيأكُلَ منها. وأنشد في البابِ لزُهَير (١٠٠٨): [٤١٩] تَؤمُّ سِنانًا وكَمْ دُونَهُ … مِن الأرضِ مُحْدَوْدِبًا غارُها الشاهدُ في فصْلِ (كمْ) مِن المجرورِ بها، ونصْبِهِ على التمييزِ لِقُبْحِ الفَصْلِ. بينَ الجارِّ والمجرورِ. وَصَفَ ناقَتَه فيقول: تَؤمُّ سِنانًا هذا المَمدوحَ على بُعْدِ المسافَةِ بينَها وبَيْنَهُ. والغارُ هُنا الغائرُ من الأرضِ المُطْمئنُّ، وجَعَلَه مُحْدَودِبًا لِما يَتَّصِلُ به مِن الآكامِ ومُتُونِ الأرضِ. وقيلَ في الغائرِ: غارٌ كما قيلَ في الشائكِ: شاكٌ وفي السائرِ: سارٌ، كما قال (١٠٠٩): وهي أَدْماءُ سارُها

стр. 291

أَيْ: سائرُها، وقال (١٠١٠): وغَيَّرَ سارَهُ المَعْزاءُ [١٣٦] أيْ: سائرَهُ. وأنشد في البابِ للقُطامِيّ (١٠١١): [٤٢٠] كَمْ نالَني منهُمُ فَضْلًا على عَدَمٍ … إذْ لا أكادُ مِن الإقْتار أحْتَمِلُ الشاهِدُ فيه نَصْبُ ما بَعدَ (كَمْ) على التَمييزِ من أجلِ الفَصْل، والقَولُ فيه كالقَولِ في الذي قَبْلَه. يقولُ: أَنْعَموا عَلَيَّ وأَفْضَلوا عندَ عَدَمِي لشِدَّةِ الزَمانِ وشُمولِ الجَدْبِ، وقولُه: إذْ لا أكادُ من الإقْتارِ أحتَمِلُ. أي: حينَ يبْلُغُ مِنِّي الجَهدُ وسُوءُ الحالِ إلى أنْ لا أقدِرُ على الارتحالِ لطَلَبِ الرزقِ ضَعْفًا وفَقْرًا. ويُروى (احتَمِلُ) بالجيم؛ أَيْ: أجمَعُ العِظامَ لأخرِجَ وَدَكَها وأتَعَلَّلَ به، والجَميلُ: الوَدكُ. وأنشد في البابِ (١٠١٢): [٤٢١] كَمْ قَدْ فاتَني بَطَلٌ كَمِيٌّ … وياسِرُ فِتْيَةٍ سَمْحٌ هَضُومُ الشاهِدُ فيه وُقوعُ (كمْ) ظَرفًا لتكثير المِرارِ، والمعنى كَمْ مَرَّةً فاتَني بَطَلٌ كَمِيٌّ. والكَمِيُّ: الشُجاعُ. ومعنى فاتَني أفقَدنِيهِ الموتُ ورزُئتُ به. والياسرُ: الداخِلُ في المَيْسرِ لِكَرَمِهِ وسَماحَتِهِ. والهَضُومُ: الذي يَهْضِمُ مالَهُ للصديقِ والجارِ والسائلِ، والهَضْمَ: الظُلْمُ والنُقصانُ. وأنشد في البابِ بَعْدَ (١٠١٣) هذا لذي الرُّمّة (١٠١٤):

стр. 292

كأنَّ أصواتَ من إيغالِهِنَّ بِنا [١٤٣] وللأعشى (١٠١٥): إلَّا عُلالَةَ أو بُدا … هَةَ قارِحٍ نَهْدِ الجُزارَه [١٤٢] وقد مَرّا بتفسيرِهما (١٠١٦). وأنشد في البابِ (١٠١٧): [٤٢٢] كَمْ بِجُودٍ مُقْرِفٌ نالَ العُلَى … وكَريمٌ بُخْلُهُ قَد وضَعَهْ الشاهِدُ فيه جوازُ الرَفعِ والنَصْب والجَرِّ في (مُقْرِفٍ)، فالرَفعُ على أنْ تَجعلَ (كَمْ) ظَرفًا وتكونُ لتكثيرِ المِرار، وتَرفَعُ المُقْرِفَ بالابتداءِ، وما بَعدَهُ خَبرُهُ، والتقديرُ كَم مَرَّةً مُقرفٌ نالَ العُلى، والنَصْبُ على التَمييز لقُبْحِ الفَصْلِ بَينَه وبَينَ (كَمْ) في الجَرِّ، وأمَّا الجَرُّ فعلى أنَّه أجازَ الفَصْلَ بينَ (كَمْ) وما عَمِلَت فيه بالمجرورِ ضرورةً، وموضعُ (كَمْ) في الموضِعَيْنِ موضعُ رَفْعٍ بالابتداءِ، والتقديرُ كَثيرٌ من المُقْرِفينَ نالَ العُلَى بجُودٍ. والمُقْرفُ: النَذْلُ اللّئيمُ الأبِ، يقول: قد يرتفعُ الوضيعُ (١٠١٨) بجُودِهِ ويَتَّضِعُ الرفيعُ الكريمُ الأبِ ببُخْلِهِ. وأنشد في البابِ (١٠١٩): [٤٢٣] كَمْ فيهمُ مَلِكٍ أغَرَّ وسُوقَةٍ … حَكَمٍ بأرْديَةِ المكارِمِ مُحْتَبِي

стр. 293

الشاهِدُ فيه خَفْضُ (مَلِكٍ) بـ (كَمْ) مع الفَصْل بالمَجْرورِ ضَرورةً، ولو رُفِعَ أو نُصِبَ لجازَ كالذي تَقَدَّمَ. والأغَرُّ: المَشهورُ، وأَصلُ الغُرَّةِ البَياضُ في الوَجْهِ. والسُوقَةُ: دونَ المَلِكِ ويَقعُ للواحِدِ والجمعِ، واشتِقاقُهُ من سُقْتُ الشَيءَ أسوقُهُ إذا سايَرْتُهُ من خَلْفِهِ. والاحتباءُ: أَنْ يَنْتطقَ الرَجُلُ بِردائهِ أو حمائلِ سَيْفِهِ، ويُدْخِلَ في انتِطاقِهِ ساقَيْهِ ملتويتَيْنِ في قُعُودِه ليتسانَدَ بذلك ويعتمدَ عليه بظَهْرِه، ورُبَّما احتَبى "عليه" بيَدَيْهِ، وكانَت السادةُ تَعْتادُ ذلك في مجالِسِها ولا تَحُلُّ حُباها إلَّا لضرورةٍ. وأنشد في البابِ (١٠٢٠): [٤٢٤] كَمْ في بني بَكْرِ بنِ عَمرٍو سَيِّدٍ … ضَخْمِ الدَسِيعَةِ ماجِدٍ نَفّاعِ الشاهِدُ فيه خَفْضُ (سَيِّدٍ) بـ (كُمْ) ضَرورةً، والقَولُ فيه كالقَولِ في الذي قَبْلَه. والدَسِيعَةِ: العَطِيَّةُ، وهي (١٠٢١) من دَسَعَ البَعيرُ بِجِرَّتِهِ إذا دَفَع بها، ويقالُ: هي الجَفْنَةُ، والمعنى أنَّه واسِعُ المعروفِ. والماجِدُ: الشَريفُ. وأنشد في بابٍ ترجَمَتُه: هذا بابُ ما جَرَى مجرى كَمْ في الاستفهامِ، لعَمرو بن شَأسٍ (١٠٢٢): [٤٢٥] وكائِنْ رَدَدْنا عَنْكُمُ من مُدَجَّجٍ … يَجِيءُ أمامَ القَومِ يَرْدِي مُقَنَّعا

стр. 294

الشاهِدُ في قولِهِ (١٠٢٣): (كائن) ومعناها معنى (كَمْ)، وفيها لُغاتٌ (١٠٢٤): كاءٍ على لفظِ فاعٍ من المنقوص "من" نحو ناءٍ وجاءٍ، وكَيْءٍ على وَزنِ كَيْعٍ، وكَأيٍ على وَزن كَعْيٍ، وكَئنْ على وزنِ كَعٍ، ومعناها كُلُّها معنى كَأَيّن وهي بتأويلِ (كَمْ) و (رُبَّ)، وقد بَيَّنْتُ أصلَها وحُكمها وعِلَّتَها في كتابِ (النُكتْ) (١٠٢٥). يقول: كَمْ رَدَدْنا عَن عَشِيرتنا في الحَرب من مُدَجَّجٍ بارِزٍ لَهُم، والمُدَجَّجُ: اللَّابِسُ السِلاح. ومعنى يَرْدِي يَمْشِي الرَدَيَانَ، وهو ضَربٌ مِن المَشْي فيه تَبَخْتُرُ. والمُقَنَّعُ: الذي يَتَقَنَّعُ بالسِلاحِ كالبَيضةِ والمغفر ونحوهما. وأنشد في باب "ترجَمَتُه: هذا بابُ" ما ينتَصبُ نَصْبَ كَمْ إذا كانَتْ مُنَوَّنَةٌ، لكَعْبِ بنِ جُعَيْلٍ (١٠٢٦): [٤٢٦] لنا مِرْفَدٌ سَبْعونَ أَلْفَ مُدّجَّجٍ … فَهَلْ في مَعَدٍّ فوقَ ذلك مِرْفَدا الشاهِدُ فيه نَصْبُ (مِرْفَدٍ) على التَمييز لنوعِ اسم المُبْهَمِ المُشار إليه وهو (ذلك). والمِرْفَدُ: الجَيْشُ، وهو من رَفَدْتُهُ إذا قَوَّيْتَهُ وأعَنْتَهُ. وَصَفَ جُموعَ ربيعةَ وحُلفاءها [من الأزْدِ] (١٠٢٧) في الحروبِ التي كانَتْ بينهم وبَينَ تَميمٍ بالبصرةِ، وأرادَ فَهَلْ في مَعَدٍّ. مِرْفَدٌ فَوقَ ذلك، فَحَذَفَ المِرْفَدَ لدلالةِ (فَوقَ) عليه لأنَّها في موضعِ وَصْفِهِ. وأنشد في باب ما ينتصبُ انتِصابَ الاسمِ بَعدَ المقاديرِ، لِعَباس بنِ مرداس

стр. 295

السُلَمِيّ (١٠٢٨): [٤٢٧] ومُرَّةُ يَحْميهم إذا ما تَبَدَّوا … ويَطْعُنُهمُ شَزْرًا فأَبْرَحْتَ فارِسا الشاهِدُ فيه نَصْبُ (فارسٍ) على التَمييز للنَوعِ الذي أوجَبَ لَهُ فيه المَدحَ. والمعنى فأَبْرَحْتَ مِن فارسٍ؛ أَيْ: بالَغْتَ وتَناهَيْتَ في الفُروسِيَّة، وأصلُ أبرَحْتَ من البَراحِ وهو المُتَّسَعُ من الأرضِ المُتكَشِفُ؛ أَي: تَبَيَّنَ فَضْلُكَ تَبَيُّنَ البَراحِ من الأرضِ وما نَبَتَ فيه، يقول: إذا تَبَدَّدَتِ الخَيلُ؛ أَيْ: تَفَرَّقَتْ للغارةِ، رَدَّها وحَماها أي: حَمَى منها. والشَزْرُ: الطَعْنَ في جانبٍ، فإنْ كانَ مستَقيمًا فهو اليَسْرُ، والشَزْرُ أَشَدُّ منه لأنَّ مقاتِلَ الإنسانِ في جانبيهِ. وأنشد في البابِ للأعشى (١٠٢٩): [٤٢٨] فأَبَرَحْتَ رَبًّا وأَبْرَحْتَ جارا الشاهِدُ فيه نَصْبُ (رَبٍّ وَجارٍ) على التّمييزِ. والمعنى أَبْرَحْتَ من رَبٍّ ومن جارٍ؛ أي: بَلَغْتَ غايَةَ الفَضْلِ في هذا النَوعِ، وصَدرُ (١٠٣٠) البيت: تَقولُ ابنَتي حِينَ جَدَّ الرَحيلُ … فأبْرَحْتَ رَبًّا وأَبْرَحْتَ جارا والمعنى على هذا أبَرَح رَبُّكَ وأبْرَحَ جَارُكَ، ثُمَّ جُعِلَ الفِعلُ لغير الرَبِّ والجارِ فقال: أَبْرَحْتَ رَبًّا وأَبْرَحْتَ جارًا كما نقولُ: طِبْتَ نَفْسًا وقَررتَ عِيْنًا أيْ: طابَتْ نَفْسُك وقرَّتْ عَينُك، وهذا أبيَنُ من التفسير الأوَّل وعليه يدلُّ صَدرُ البيتِ. وأرادَ بالرَبِّ المَلِكَ الممدوحَ، وكُلُّ مَنْ مَلَكَ شيئًا فهو رَبُّهُ. وأنشد في بابٍ ترجَمَتُه: هذا بابُ ما لا يَعملُ في المعروفِ إلَّا مُضْمَرًا، لبعضِ

стр. 296

السَعْدِيّين (١٠٣١): [٤٢٩] هَلْ تَعْرِفُ الدارَ يُعَفِّيها المُورْ والدَجْنُ يَوْمًا والسَحابُ المَهْمورْ لكُلِّ رِيحٍ فيه ذَيلٌ مَسْفُورْ الشاهِدُ فيه تَذكيرُ الضميرِ من قوله: (فيه) لأنَّ الدارَ والمنزل بمعنًى، فكأنّه قالَ: هَلْ تعرفُ المنزِلَ. ومعنى تُعَفِّيها تَطْمِسُ آثارها. والمُورُ: ما طَيَّرتُهُ الريحُ (١٠٣٢) من التُرابِ. والدَجْنُ: إلْباسُ الغَيْمِ السَماءَ. والمَهْمُورُ: المُنْسَكِبُ، يقالُ: هَمَرَتْهُ الريحُ فانْهَمَرَ إذا استَدَرَّتْهُ، وجَعَل للريحِ ذَيلًا "مُسْفورًا" على الاستعارةِ، يُريدُ انْجِرارَ آخِرِها عليه وسَقْيَ التُرابِ فيه. والمسْفورُ: المَكْنوسُ، والمِسْفَرَةُ: المِكْنَسَةُ، وكانَ الوَجهُ أنْ يقولَ: ذَيلٌ سافِرٌ لأنّه يَسْفِرُ التُرابَ، ولكنَّه بَناه على مَفعولٍ لأنّه بمعنى مَجرورٍ ومَكْنوسٍ به. وأنشد في البابِ للراعي (١٠٣٣): [٤٣٠] فأَومَأتُ إيْماءً خَفِيًّا لِحَبْتَرٍ … وللَّه عَيْنا حَبْتَرٍ أيُّما فَتَى الشاهِدُ فيه قَولُه: (أيُّما فَتَى) لِما تَضَمَّنَ من معنى المَدْحِ والتَعَجُّبِ الذي ضُمِّنَتْهُ (نِعْمَ وحَبَّذا) ورَفْعُهُ بالابتداءِ، والخَبرُ محذوفُ والتقديرُ أيُّ فَتًى هو، و (ما) زائدةٌ مؤكَّدَةٌ. وَصَفَ أنَّه أَمَرَ ابنَ أُخْتٍ له يقالُ له: حَبْتَرٌ، بنَحْرِ ناقَةٍ من إبلِ أصحابهِ لأنّه كانَ في غَير محلِّهِ لِيُخْلِفَها عليه إذا لَحِقَ بأهلِهِ، وأومَأَ إليه بذلك حتى لا يَشْعروا (١٠٣٤) به فَفَهِم

стр. 297

عنه وعَرَفَ إشارتَه لذكائه وحِدَّةِ بَصَرِه. والإيماءُ: الاشارَةُ بِعَيْنٍ أو يَدٍ. وأنشد في بابِ النداءِ (١٠٣٥): [٤٣١] أَزَيْدُ أَخا وَرْقاءَ إنْ كُنتَ ثائرًا … فقَدْ عَرَضَتْ أَحْناءُ حَقٍّ فَخَاصِمِ الشاهِدُ فيه (١٠٣٦) قوله: (أَخا وَرقاءَ)، ونَصبُهُ جَرْيًا على موضعِ المنادَى المفردِ؛ لأنّه مَدْعُوٌ فهو في موضعِ تَصْبٍ. وَوَرقاءُ: حَيٌّ من قيس. والثائرُ: طالبُ الدَمِ، يقول: إنْ كَنتَ طالبًا لِثأرِكَ فَقَدْ أَمكَنَكَ ذلك فاطْلُبْهُ وخاصِمْ فيه. والأحْناءُ: الجوانبُ، واحِدُها حِنْوٌ. وأنشد في البابِ لرؤبةَ (١٠٣٧): [٤٣٢] إنِّي وأَسْطارٍ سُطِرْن سَطْرا لقائلٌ يا نَصْرُ نَصْرًا نَصْرا الشاهِدُ فيه نَصْبُ [(نَصْرٍ)] (١٠٣٨) [حَمْلًا] على موضعِ الأوَّلِ؛ لأنّه في موضعِ نَصْبٍ كما تَقَدَّمَ، ولو رُفِعَ حَمْلًا على لفظِ الأوَّل لجازّ؛ لأنّه اسمٌ مفرَدٌ عُطِفَ على الأوَّلِ عَطْفَ البَيانِ الذي يقومُ مقامَ الوَصْفِ، فجرى مَجرى النَعْتِ للمفردِ في جوازِ الرَفعِ والنَصبِ. وقد خُولِفَ سيبويه (١٠٣٩) في حَمْلِهِ على هذا التقدير، وجُعِلَ نَصْبُ نَصْرٍ على المصدر، والمعنى انصُرْني نَصرًا، وكَرَّرَ للتوكيدِ. والنَصْرُ [ها] هنا بمعنى المعونةِ. وقال أبو عبيدةَ (١٠٤٠): نَصْر الأوَّلُ هو نَصْرُ بنُ سَيَّارٍ (١٠٤١)، ونَصْرُ الثاني حاجِبُهُ،

стр. 298

فأَغْراهُ (١٠٤٢) به؛ أيْ: عليكَ نَصْرا. وأنشد في البابِ لرؤبَةَ (١٠٤٣): [٤٣٣] يا دارَ عَفْراءَ ودارَ البَخْدَنِ الشاهِدُ فيه نَصْبُ المعطوفِ المضافِ، وحَمْلُه على مِثْلِ ما حُمِلَ عليه الأوَّلُ، لأنَّ إعادَةَ حَرْفِ النداءِ مُقَدَّرةٌ (١٠٤٤) فيه، فكأنَّه قال: ويا دارَ البَخْدَنِ. وأنشد في بابٍ ترجَمَتُه: هذا بابٌ لا يكونُ فيه الوصَفُ المفردُ إلَّا رَفْعًا، لابنِ لَوْذَان السَدَّوسيّ (١٠٤٥): [٤٣٤] يا صاحِ ياذا الضامِرُ العَنْسِ الشاهِدُ فيه رَفْعُ (الضامِرِ) وإنْ كانَ مضافًا إلى (العَنْسِ) لأنَّ اضافَتَهُ ليستُ بمَحَضَةٍ، وتقديره ياذا الذي ضَمَرَتْ عَنْهُ. والعَنْسُ: الناقَةُ الشَديدةُ، وأصلُ العَنْسِ صَخرةٌ في الماءِ فَشُبِّهَت الناقَةُ بها لِصَلابَتِها. وقد خُولِفَ سيبويه (١٠٤٦) في إنشادِهِ بالرَفْعِ، وزَعَم المُخالِفُ أنَّ الشاعِرَ قالَ: ياذا الضامِرِ العَنْسِ، على إضافَةِ (ذا) إلى الضامِرِ وبَدَل العَنْسِ منه، والمعنى يا صاحِبَ العَنْسِ الضامِرِ، واحتَجَّ بقوله بَعدَ هذا: والرَحْلِ ذي الأقْتابِ والحِلْسِ. أيْ: يا صاحِبَ هذه الأشياء، فلو كانَ على ما ذَهَبَ إليه سيبويه لم يَعطف الرَحْلِ.

стр. 299

وما بَعدَه على العَنْسِ؛ لأنّه لا يُقال: الضامِرُ الرَحْلِ. والحُجَّةُ لسيبويه أنَّ الضامِرَ دالٌّ على التَغَيُّرِ، فكأنَّه قال: ياذا المُتَغَيِّرُ العَنْسِ، كما قال (١٠٤٧): يا ليتَ زَوْجَكِ قَدْ غَدا … مُتَقَلِّدًا سَيْفًا ورُمْحا فأَدْخَلَ الرُمْحَ في التَقَلّدِ وهو يريدُ الاعتِقالَ؛ لأنَّ معنى التَقَلّدِ والاعتِقالِ الحَملُ، فكأنَّه قال: قَدْ غدا مُتَقَلِّدًا سَيْفًا وحامِلًا رُمْحًا. وأنشد في البابِ لِعَبيدِ بن الأبرص الأسديّ (١٠٤٨): [٤٣٥] ياذا المُخَوِّفُنا بمَقْتَلِ شَيْخِهِ … حُجْر تَمَنِّيَ صاحِبِ الأحْلامِ الشاهِدُ فيه حَمْلُ (المُخَوّفنا) على (ذا) نَعْتًا له؛ لأنّه في المعنى مفردٌ مِثْلُهُ، وإنْ كان في اللفظِ مَوْصولًا بمفعولِهِ، والقَولُ فيه القَول في الذي قَبْلَهُ. يَقولُ هذا لامرِئ القيس بن حُجرٍ مُعْتَرِضًا عليه في قوله (١٠٤٩): واللِه لا يَذْهَبْ شَيْخِي باطِلا حَتَّى أَبِيرَ مالكًا وكاهلا وَهُما حَيّانِ من بني أسدٍ (١٠٥٠)، وكانوا قَد قَتَلوا أَباه، فَتَوعَّدَهُم بالإِهْلاكِ، فجَعَلَ عَبِيدٌ وَعِيدَه كاذبًا، وما تَمَنَّاه فيهم غَيرُ واقعٍ كأَضْغاثِ أَحلامٍ. وأنشد في البابِ (١٠٥١): [٤٣٦] يا أيُّها الجاهِلُ ذو التَنَزِّي

стр. 300

الشاهِدُ [فيه] نَعْتُ الجاهِل بذِي التَنَزِّي، ورَفْعُهُ وإنْ كانَ مضافًا؛ لأنَّ الجاهلَ ليسَ بمُنادًى فيجري نَعْتُه على الموضعِ، ولو نُصِبِ ذو التَنَزِّي على البَدَلِ من (أيٍّ) أو إرادة النداءِ على معنى وياذا التَنَزِّي لجازَ. والتَنَزِّي هنا خِفَّةُ الجَهْل، وأَصلُه الوَثْبُ. وأنشد في البابِ لذي الرُّمَّةِ (١٠٥٢): [٤٣٧] ألَّا أَيُّها ذا المنزِلُ الدارِسُ الذي … كأنَّكَ لم يَعْهَدْ بكَ الحَيِّ عاهِدُ الشاهِدُ فيه نَعْتُ (أَيٍّ) بالاسم المُبْهَمِ؛ لأنّه مِثْلُه في الإبْهامِ، وإجراءُ المنزلِ على (هذا) لأنّه مفردٌ مِثْلُهُ. يقولُ: كأنَّ المنزلَ لِدُروسِهِ وتَغَيُّرِ آثارِهِ لَمْ يَقُمْ فيه أحَدٌ ولا عُهِدَ بهِ. وأنشد في بابٍ ترجَمَتُه: هذا بابُ ما ينتصبُ على المدحِ والتَعظيمِ أو الشَتْمِ (١٠٥٣): [٤٣٨] مِنَ آجْلِكِ يا التي تَيَّمْتِ قَلْبي … وأنتِ بَحَيلَةٌ بالوُدِّ عَنِّي الشاهِدُ فيه دُخولُ حَرْفِ النداء على الألِفِ واللامِ في قوله (١٠٥٤): (يا التي) تشْبيهًا بقولهم: يا اللَّه للزومِ الألِفِ واللامِ لها ضرورةٌ، ولا يَجوزُ ذلك في الكلام. ومعنى تَيَّمْتِ ذَلَّلْتِ واستَعْبَدْتِ، ومنه تَيْمُ اللاتِ أَيْ: عَبدُ اللاتِ "وتَيْمُ اللَّهِ، أَيْ: عَبدُ اللَّه". وقولُه: وأنتِ بخيلَةٌ بالوُدِّ عَنِّي؛ أي: عليَّ، وحروفُ الجَرِّ يُبْدَلُ بَعْضُها من بعضٍ.

стр. 301

وأنشد في الباب لذي الرُمَّةِ (١٠٥٥): [٤٣٩] أدارًا بِحُزْوَي هِجْتِ للعَيْن عَبْرَةً … فماءُ الهَوَى يَرْفَضُّ أو يَتَرَقْرَقُ الشاهدُ فيه نَصْبُ (دارٍ) لأنّه مُنادًى منكورٌ في اللفظِ، لاتِّصالِهِ بالمجرورِ بَعدَه ووقوعِهِ موقعَ صِفَتِهِ، فكأنّه (١٠٥٦) قال: أدارًا مستَقِرَّةً بحُزْوَى، فجرى لَفظُهُ على التنكيرِ وإنْ كانَ مقصودًا بالنداءِ ومعرفةً (١٠٥٧) في التَحصيلِ. ونَظيرُه مِمّا ينتصبُ وهو معرفةٌ لأنّ ما بَعدَهُ مِن صِلَتِهِ فضارَعَ المُضاف قَولُهم: يا خَيْرًا من زَيدٍ، وكذلك ما نُقِلَ إلى النداءِ موصوفًا مِمّا تُوصفُ به النكرةُ جَرى عليه لَفظُ المنادى المَنكوِر وإنْ كان في المعنى معرفةً. وَصَفَ أنَّه نَظَر إلى دارٍ بعَيْنِها عَهِدَ فيها مَنْ يُجِبُّ فهاجَتْ شَوْقَهُ وحُزْنهُ. وحُزوَى: موضعٌ بِعَيْنِهِ. وأرادَ بماءِ الهَوَى الدّمْعَ لأنّه يَبْعَثُهُ. ومعنى يَرْفَضُّ يَنْصَبُّ مُتفرِّقًا، ومنه سُمِّيت الرافِضَةُ لتَفَرُّقهم عن زيد بن عليّ (١٠٥٨). وتَرَقْرُقْهُ: جَوَلانُهُ في العَينِ. وأنشد في البابِ لتَوْبَةَ بن الحُمَيِّرِ (١٠٥٩): [٤٤٠] لَعَلّكَ يا تَيْسًا نَزَا في مَرِيرَةٍ … مُعَذِّبُ لَيلَى أَنْ تَراني أزُورُها الشاهدُ فيه نَصْبُ (تَيْسٍ) لأنّه مُنادًى منكورٌ في اللفظِ لِوَصْفِهِ بالفِعلِ، ولا تُوصَفُ به إلّا النكرةُ (١٠٦٠)، والقول فيه كالقَولِ في الذي قَبْلَهُ. توعَّدَ زَوجَ ليلَى الأخْيَلِيِّةِ لِمَنْعِهِ من زيارتها، فجَعَلَه كالتَيْسِ النازي في حَبْلِهِ.

стр. 302

والمَرِيرةُ: الحبْلُ المُحْكَمُ الفَتْلِ، وهي أيضًا طاقةٌ من طاقاتِ الحَبْلِ. وأنشد في البابِ لعَبْدِ يَغُوثَ بن وقّاصٍ الحارِثيّ (١٠٦١)، ويروى لمالِكِ بنِ الرَيْبِ (١٠٦٢): [٤٤١] فَيا راكبًا إمّا عَرَضْتَ فَبَلِّغَنْ … نَدامايَ مِن نَجْرانَ أَنْ لا تَلاقِيا الشاهدُ فيه نَصْبُ (راكِبٍ) لأنّه مُنادًى منكورٌ، إذْ لم يَقْصِدْ [به] قَصْدَ راكِبٍ بعينِهِ، إنّما التَمَسَ راكبًا مِنَ الرُكْبانِ يُبْلِغُ قومَهُ خَبرَهُ وتِحِيَّتَهُ، ولو أرادَ راكبًا بعَيْنِهِ لَبَناهُ على الضمِّ، ولم يجُزْ له تَنوينُهُ ونَصْبهُ لأنّه ليسَ بعده شَيءٌ نكرةٌ يكونُ مِن وَصْفِهِ كما تقَدَّمَ في الذي قَبْلَه. وإنّما قال هذا لأنّه كانَ أَسِيرًا، وإنْ كان البيتُ لمالك بن الرَيْبِ فإنّه قالَهُ في غُرْبَتِهِ وعند مَوْته بخُراسانَ غازِيًا، وقصَّتُهُ مشهورةٌ. وأنشد في الباب للطِرِمَاحِ (١٠٦٣): [٤٤٢] يا دارُ أقُوَتْ بَعْدَ أَصْرامِها … عامًا وما يَعْنِيكَ مِنْ عامِها والشاهدُ فيه رَفْعُ (الدارِ) وإنْ كانَ بَعدَها الفِعلُ، وكان الظاهِرُ أنْ تُنْصَبَ على ما تَقَدّمَ، إلّا أنّه لَمْ يَجْعَل (أقْوتْ) في موضع الوَصْفِ "لها"، إنّما ناداها ثُمَّ جعَل يُخاطِبُ غيرها ويُخْبِرُه عنها فقال: اقْوَتْ هذه الدارُ بعد أَصرامِها، أيْ: أقْفَرَتْ بَعدَ أهِلها.

стр. 303

والأصْرامُ: الجماعاتُ، واحِدُها صِرْمٌ، وجَعَلَ مُدَّةَ إقوائِها عامًا، ثُمّ قالَ: وما يَعْنِيكَ من عامِها، مُنْكِرًا على نفْسِهَ التَشاغُلَ بها والاهتمامَ بتَغَيُّرِها في عامِها، إذْ لا يُجْدِي ذلك عليه شَيئًا. وأنشد في البابِ للأحْوصِ (١٠٦٤): [٤٤٣] يا دارُ حَسَّرَها البِلَى تَحْسِيرا … وسَفَتْ عليها الريحُ بَعْدَكَ مُورا الشاهدُ فيه رَفْعُ (الدارِ) وبَعدَها الفِعلُ للعِلَّةِ التي تَقدَّمَتْ في البيتِ الذي قَبْلَهُ. ومعنى حَسَّرَها غَيَّرها وأخْفَى آثارَها. والبِلَى: القِدَمُ. ومعنى سَفَتْ طَيَّرَتْ. والمُورُ: ما تُطَيِّرُهُ الرِيحُ من التُرابِ. وأنشد في البابِ لعمرو بِن قِنْعاس (١٠٦٥): [٤٤٤] ألا يا بَيتُ بالعَلْياءِ بَيْتُ … ولولا حُبُّ أَهلِكَ ما أَتَيْتُ الشاهدُ فيه رَفْعُ (البَيتِ) لأنّه قَصَدهُ بعْينِهِ ولم يَصِفْهُ بالمجرورِ بَعْدَهُ فيَنْصِبَهُ، لأنّه أرادَ لي بالعلْياء بَيتٌ غَيْرُكَ، ولكنّي آثرْتُكَ (١٠٦٦) عليه لمحبّتي في أَهلِكِ، وبَعْدَهُ (١٠٦٧): ألا يا بيْتُ قَوْمُكَ أبْعَدوني … كأَنِّي كُلَّ ذَنْبِهمُ جَنَيْتُ أيْ: كأنّي جَنَيْتُ كُلَّ ذَنْبٍ أتاهُ اليهم آتٍ.

стр. 304

وأنشد في البابِ للأحوص (١٠٦٨): [٤٤٥] سَلامُ اللَّهِ يا مَطَرٌ عليها … وليسَ عليكَ يا مَطَرُ السَلامُ الشاهدُ فيه تنوينُ (مَطَرٍ) وتَرْكُهُ على ضَمِّهِ لجَرْيِهِ في النِداءِ على الضَمِّ واطِّرادِ ذلك في كُلِّ عَلَمٍ مِثْلِه، فأَشبَهَ المرفوعَ غَيرَ المنصرفِ في غَيرِ النِداءِ، فلمّا نُوِّنَ ضَرورةً ترك على لفْظِهِ كما يُنَوَّنُ الاسمُ المرفوعُ الذي لا ينصرفُ فَلا يُغَيِّرُهُ التنوينُ عن (١٠٦٩) رفعه. وهذا مذهبُ الخَليل وأَصحابِهِ واختيارِهم، وأبو عَمْرو (١٠٧٠) ومنْ تابَعَهُ يختارونَ نصبه مع التنوينِ لمضارعَتِهِ النكرةَ بالتنوينِ، ولأنّ التنوينَ يُعاقِبُ الإضافة فَيُجْرونهُ على أصله لذلك (١٠٧١). وكِلا المذهبين مَسْموعٌ من العربِ، والرَفْعُ أقْيَسُ لِما تَقَدّمَ من العلة. وأنشد في بابٍ ترجَمَتُه: هذا بابُ ما يكونُ الاسمُ والصفةُ فيه بمنزلةِ اسمٍ واحد، لرجُلٍ من بني الحِرْمازِ (١٠٧٢): [٤٤٦] يا حَكَمَ بن المُنذِرِ بن الجارُودْ الشاهدُ فيه بناءُ (حَكَم) على الفَتْح إتْباعًا لحركةِ الابنِ، لأنّ النَعْتَ لمَنْعوتَ كاسمٍ ضُمَّ إلى اسمٍ "معه" مع كثرةِ الاستِعمالِ، وهو مُشَبَّهٌ في الاتباع

стр. 305

بقولهم (١٠٧٣): يا تَيْمَ تَيْمَ عَدِيٍّ [٣٩] وبقولهم: ابنُمٌ وامرؤٌ على ما بَيَّنَهُ سيبويه (١٠٧٤)، والرفعُ في (حَكَم) أَقْيَسُ، لأنّه اسمٌ مفردٌ نُعِتَ بمُضافٍ، فَقِياسُهُ أنْ يكون بمنزلةِ قولهم: يا زَيدُ ذا الجُمَّةِ ونَحْوه. مَدَحَ أحَدَ بني المنذرِ بن الجارُودِ العَبْديّ، مِن (١٠٧٥) عبد القيس بن أَفْصَى بنِ دُعْمِيّ، وهو حَيٌّ بن ربيعة (١٠٧٦)، وحَكَمٌ هذا أحَدٌ وُلاةِ البَصرةِ (١٠٧٧) لهِشام بن عبد الملك، وبَعدَه: سُرادِقُ المَجْدِ عليكَ مَمْدُودْ وسُمِّيَ جَدُّه الجارودَ، لأنّه أغارَ على قومٍ فاكْتَسَحَ أموالهم فَشُبِّهَ بالسَيْلِ الذي يَجْرُدُ ما مَرَّ به. وأنشد في البابِ للعَجّاج (١٠٧٨): [٤٤٧] يا عُمَرَ بَنَ مُعْمَرٍ لا مُنْتَظَرْ … القولُ فيه كالقَولِ في الذي قَبْلَهُ وعُمَرُ هذا هو عُمَرُ بن عُبَيْدِ اللَّهِ بنِ مَعْمرٍ القرشيّ (١٠٧٩)، وكانَ سَيِّدَ أهل البصرة وواليَها، وقولُه: لا مُنْتَظَر، أيْ: لا انتِظارَ لي (١٠٨٠)، يَحُثُّهُ على إعطائِه وتَسْرِيحهِ، ويُروى: يا عُمَرَ بنَ مَعْمَرٍ فَتَى مُضَرْ

стр. 306

وأنشد في بابٍ ترجَمَتُه: هذا بابٌ يُكرَّرُ فيه الاسمُ في حال الإضافةِ، لبعضِ ولد جريرٍ (١٠٨١): [٤٤٨] يا زَيْدَ زَيْدَ اليَعْمَلاتِ الذُبَّلِ الشاهدُ فيه إقْحامُ (زيدٍ) الثاني بينَ الأوّل وما أُضِيفَ إليه، والتقديرُ يا زَيدَ اليَعْمَلات زَيْدَها، فَحُذِفَ الضميرُ اختصارًا وقُدِّم زيدٌ فاتصَلَ باليَعْملات فوَجَبَ له النصبُ، وقد كانَ زيدٌ الاوَلُ مُضافًا إليها فبقيَ على نَصْبِهِ، وجازَ هذا لأنّ النِداءَ كثيرُ الاستعمال فاحتمَل التغييرَ. ورَفْعُ زَيدٍ الأوّل أكثَرُ وأَقْيَسُ لأنّه منادًى مفردٌ بُيِّنَ باسمٍ مضافٍ على طريقِ البَدَل أو عَطْفِ البيانِ الذي يقومُ مقامَ الصفةِ. واليَعْملاتُ: الإبِلُ القَوِيَّة على العَمَلِ. والذُبَّلُ: الضامِرةُ لطولِ السفرِ، وأضافَ زيدًا إليها لِحُسْنِ قِيامِهِ عليها ومعرفَتِهِ بحُدائها، وبَعْدَه: تَطاوَلَ اللّيلُ عليكَ فانْزِلِ أيْ: انزِلْ عن راحِلَتِكَ وأحْدُ الإِبِلَ. ونَظيرُ هذا البيتِ [البيتُ] الذي أنشَدَهُ لجريرٍ في البابِ وهو قولُه (١٠٨٢): يا تَيْمَ تَيْمَ عَدِيٍّ لا أبا لكُمُ [٣٩] وقد تَقَدَّم (١٠٨٣) بتفسيرهِ وعِلَّتِهِ. وأنشد في البابِ للنابغةِ (١٠٨٤): [٤٤٩] كِليني لهَمٍّ يا أُمَيْمَة ناصِبِ الشاهدُ فيه إقْحامُ الهاءِ بَعدَ حَذْفها للترخيمِ ضَرورةً، والقِياسُ البناءُ على الضَمِّ، وجازَ الحَذْفُ والإقْحامُ لِما تَقَدَّمَ من أنْ النِداءَ كثيرُ الاستعمالِ

стр. 307

مُحتمِلٌ للتغيير. وناصِبٌ مِن نَعْتِ الهَمِّ، وفِعْلُهُ أنْصَبَ وكانَ القياسُ أنْ يقال: مُنْصِبٌ فجاءَ على معنى ذي نَصَبٍ ولم يَجْرِ على الفِعلِ. ومعنى كِلِيني اتركيني، وهو مِن وكَلَّتُكَ إلى كذا إذا تَركْتُك وإيّاه، وتَمامُ البيتِ: وَلَيْلٍ أُقاسِيهِ بَطِيءَ الكَواكِبِ أيْ: اترُكيني وما أنا فيه من الهَمِّ ومُقاساةِ طُول اللّيل بالسَهَرِ، ولا تَزيديني باللَّوم والعَذْلِ، وجَعَل بُطْءَ الكواكِب دَليلًا على طُولِ اللّيل كأنّها لا تَغْرُبُ فَيَنْقَضي اللَّيلُ. وأنشد في باب إضافَةِ المنادى إلى المتكلِّم، لعبدِ اللَّهِ بنِ عبد الأعلى القُرَشِيّ (١٠٨٥): [٤٥٠] وكُنتَ إذْ كُنتَ إلهي وَحْدَكا لم يَكُ شيءٌ يا إلهي قَبْلَكا الشاهدُ فيه إثباتُ الياءِ في قوله: (يا إلهي) على الأصل، وحَذْفُها أَكثَرُ في الكلامِ، لأنَّ النداءَ بابُ حَذْفٍ وتَغْييرٍ، والياءُ تُشْبِهُ التَنوينَ في الضَعْفِ والاتصال فَحُذِفَ كما يُحْذَفُ التنوينُ من المُنادى المفردِ، ولو حَذَفَها هنا لقامَ الوَزنُ ولكنّه رُوِيَ بإثباتِ الياءِ، وتقديرُ البيتِ وكنتَ يا إلهي إذْ كنتَ وَحْدَكَ لَمْ يَكُ شَيءٌ قَبْلَكَ. وأنشد في بابٍ ترجَمَتُه: هذا بابُ [ما] تُضِيفُ إليه ويكونُ مضافًا إليكَ، لأبي زُبَيْدٍ الطائيّ (١٠٨٦): [٤٥١] يا ابنَ أُمِّي ويا شُقَيِّقَ نَفْسِي … أنتَ خَلَّيْتَني لِدَهْرٍ شَديدِ

стр. 308

الشاهدُ فيه إثباتُ الياءِ في الأمِّ والنَفْس لأنَّهما غيرُ مناديَيْنِ، فَجَرَيا في إثباتِ الياءِ مجرى الاسمِ المضافِ إليه في قولك: يا ابنَ زيدٍ في إثباتِ التَنوينِ. وصَغَّرَ قَولَه: (شُقَيِّقَ نَفْسِي) دلالة على قُرْبِهِ من نَفْسِهِ ولُطْفِ محلِّهِ في (١٠٨٧) قَلبِهِ. وأنشد في الباب لأبي النَجْمِ العِجْليّ (١٠٨٨): [٤٥٢] يا ابنة عَمّا لا تَلُومي واهْجَعي الشاهدُ فيه إبدالُ الألِفِ من الياءِ في قوله: (يا ابْنَةَ عَمّا) كراهِيَةً لاجتِماعِ الكسرةِ والياءِ مع كَثرةِ الاستِعمالِ. خاطَبَ امرأتَهُ أُمّ الخِيارِ وهي ابنةُ عَمِّهِ، ولها يقولُ (١٠٨٩): قَدْ أَصبَحَتْ أُمُّ الخِيارِ تَدَّعي [٦٩] عليَّ ذَنْبًا كُلُّهُ لم أَصْنَعِ والهُجوعُ: النَومُ باللّيلِ خاصَّةً. وأنشد في بابٍ ترجَمَتُه: هذا بابُ ما يكونُ النداءُ فيه مضافًا إلى المنادَى بحرفِ الإضافَةِ، لمُهَلهل بنِ ربيعةَ التغلبيّ (١٠٩٠): [٤٥٣] يا لَبَكْرٍ أَنْشِروا لي كُلَيْبًا … يا لَبَكْرٍ أينَ أينَ الفِرارُ الشاهدُ فيه إدخالُ لامِ الاستِغاثَةِ على (بَكْرٍ) مفتوحَةً للفَرْقِ بَينَها وبَينَ لام المُسْتَغاثِ من أجْلِهِ، وكانت أَولَى بالفَتْحِ لوقوع المنادَى موقعٍ المُضْمَرِ (١٠٩١)، ولامُ الجَرِّ تُفْتَحُ مع الضمائرِ، وأيضًا فإنّ الفِعلَ لا يَظْهَرُ معها، لأنّ

стр. 309

حرفَ النداءِ بَدَلٌ من اللفظِ به ويَظهرُ مع لامِ المَدْعُوِّ له، فتقولُ: يا لَزَيْدٍ أدْعوك لِكذا، فَغُيَّرت الأُولَى كما غُيِّرَ الفِعلُ بالحَذْفِ وتُرِكَت الثانيةُ على المُستعملِ فيها لِظُهورِ الفِعلِ معها على ما يجبُ في الأصلِ (١٠٩٢). والمُسْتغاثُ مِن أَجْلِهِ في البيتِ هو "المَدْعُوُّ" المُسْتَغاثُ به، والمعنى يا لَبكْرٍ أدْعوكم لأنْفُسِكم مطالبًا لكم بإنْشارِ (١٠٩٣)، كُلَيْبٍ وإحْيائِهِ، وهذا منه استطالَةٌ وَوَعِيدٌ، وكانوا قَدْ قَتَلوا كُلَيْبًا أَخاه في أمرِ البَسُوسِ (١٠٩٤)، وخبرُها مشهورٌ. وأنشد في الباب لأُمَيَّةَ بنِ أبي عائذٍ الهُذَليّ (١٠٩٥): [٤٥٤] ألا يا لَقَوْمِ لِطَيْفِ الخَيالِ … وأَرَّق مِن نازحٍ في دَلالِ الشاهدُ في فَتْحُ اللام الأُولَى وكَسْرُ الثانيةِ (١٠٩٦) فَرقًا بين المُسْتَغاثِ به والمُستغاثِ من أَجْلِهِ، وقد تَقَدّمتْ عِلَّتُهُ. والطَيْفُ: ما يُطيفُ بالانسانِ في النوم من خَيالِ مَنْ يُحبُّ. ومعنى أرَّق مَنَعَ النومَ. والنازِحُ: البَعيدُ، وذَكَرَهُ لأنّه أرادَ الشَخْصَ. والدّلالُ: الدلالَةُ بِحُسْنٍ ومَحَبَّةٍ ونَحْوِهما. وأنشد في الباب لقيسِ بنِ ذَريح العامريّ (١٠٩٧): [٤٥٥] تَكَنَّفَني الوُشاةُ فأَرْعَجُوني … فيا للنّاسِ لِلواشِي المُطاعِ

стр. 310

الشاهدُ في قَولهِ: (فَيا للنّاسِ لِلواشِي)، والقَولُ فيه كالقَولِ في الذي قَبْلَهُ. ومعنى تَكَنَّفَني أَحاطوا بي، والكَنَفُ: الجانبُ. والوُشاةُ: النَمّامُون لأنّهم يزيِّنون الباطلَ، واحِدُهم واشٍ وأَصلُه من الوَشْي. ومعنى أرْعَجُوني رَوْعوني، وأصلُ الإرْعاجِ تَحريكُ الشَيءِ وحَثُّهُ، والمُرْتاعُ تتحرَّكُ نَفْسُهُ. وأنشد في الباب (١٠٩٨): [٤٥٦] يا لَقَومي مَنْ للعُلَى والمَسَاعي … يا لَقَوْمي مَنْ لِلنَدّي والسّماحِ يالَعَطْافِنا ويالَرِياحٍ … وأبي الحَشْرَجِ الفَتَى النَفّاحِ الشاهدُ "في" إدْخال لامِ الاستِغاثةِ على الأسماءِ وفَتْحِها للعِلَّةِ المتقدّمةِ. رَثَى رِجالًا مِن قَومِهِ فيقول: لَمْ يَبْقَ للعُلّى والمَساعي مَنْ يَقومُ بها بَعدَهم. والنَفّاحُ: الكثيرُ العَطاءِ. ويُروى (الفَتَى الوضّاح) وهو المشهورُ الكَرَمِ، والوَضَحُ: البياضُ، أيْ: هو في الشُهْرَةِ كالأغَرِّ مِن الخَيلِ. وأنشد في الباب (١٠٩٩): [٤٥٧] لَخُطّابُ لَيلَى يا لَبُرْثُنَ منكُمُ … أدلُّ وأَمضَى مِن سُلَيْكِ المَقانِبِ الشاهدُ فيه إدخالُ لامِ الاستِغاثَةِ على بُرْثُن مُتَعَجِّبًا. منهم لا مستغيثًا بهم، وكانوا قَدْ داخَلوا امرأتَهُ وأفسَدُوها عليه فقالَ لهم هذا مُتعجِّبًا من فِعْلِهم، وجَعَلَهم في الاهتِداءِ إلى إفسادِها والتَلَطُّفِ في تَغيرِها عليه واستِمالَتِها أَهدَى من السُلَيْكِ بنِ

стр. 311

السُّلَكَةِ في الفَلَواتِ وهو أَحَدُ رُجّيلي العربِ وصّعاليكهم، وهو مِن مُقاعِس (١١٠٠) من بني سَعْدِ بنِ زيدِ مَناةَ بنِ تَميم. والمَقَانِبُ: جَماعاتُ الخَيلِ، واحِدُها مِقْنَبٌ، وبَعدَ هذا (١١٠١): تَزُورونها ولا أَزُورُ نِساءَكُم … أَلَهْفي لأولادِ الإماءِ الحَواطِبِ وأنشد في باب ما تكونُ فيه اللامُ مكسورةً لأنّه مَدْعُوٌّ له (١١٠٢): [٤٥٨] يا لَقَوْمي لِفُرْقَةِ الأحْبابِ الشاهِدُ فيه كَسْرُ اللامِ الثانيةِ لأنَّها لامُ المَدْعُوِّ له، فَجَرَتْ على الكَسْرِ المستعملِ في لامِ الجَرِّ لوُقوعِها في موضِعِها على ما تَقَدَّمَ. وأنشد في البابِ (١١٠٣): [٤٥٩] يا لَعْنَةُ اللَّهِ والأقوامِ كُلِّهِمُ … والصالحينَ على سِمْعانَ مِن جارِ الشاهِدُ فيه حَذْفُ المَدْعُوِّ لدلالةِ حَرْفِ النداءِ عليه، والمعنى يا قومِ لَعْنَةُ اللَّهِ على سِمْعانَ، ولذلكَ رَفَعَ اللّعنةَ بالابتداءِ، ولو أَوقَعَ النداءَ عليها لنَصَبَها. وذكَرَ في البابِ قَولَ قَيسِ بنِ ذَريح (١١٠٤): فَيا للنّاس لِلواشي المُطاعِ [٤٥٥] وقد تَقَدَّمَ (١١٠٥) بتفسيرِهِ.

стр. 312

وأنشد في بابِ النُدْبَةِ لعبدِ اللَّهِ بنِ قيس الرُقَيّات (١١٠٦): [٤٦٠] تَبكِيهمُ دَهْماءُ مُعْوِلَةً … وتَقَولُ سَلْمَى وارَزِيَّتِيَهْ الشاهِدُ فيه إدْخالُ هاءِ السَكْتِ على المندوب، لِبَيانِ الحركةِ في الوَقْفِ بَعدَ أنْ قَدَّرَ المندوبَ على غَير حالِهِ في غَيرِ النُدْبَةِ مِن حَذْفِ الزيادة التي تَلْحَقُ آخِرَهُ في (١١٠٧) قولك: وازَيْداهْ ونَحَوهِ. رَثَى قَومًا من قُريشٍ قُتِلوا بالمدينةِ يومَ الحَرَّةِ (١١٠٨). والمُعْولَةُ: الباكيةُ، يقال: أَعوَلَ الرجُلُ وعَوَّلَ؛ إذا بَكَى، والاسمُ العَوِيلُ. ونَصَبَ مُعْوِلَةً على الحال المؤكِّدَةِ لأنَّ قوله (١١٠٩): (تَبكيهم) دالٌّ على أنَّها مُعْوِلَةٌ فذَكَرَ عَوِيلَها توكيدًا. وأنشد في البابِ لرؤبَةَ (١١١٠): [٤٦١] فَهْيَ تُنادِي بأَبي وابْنِيما قال: ويُروى بأبا وابناما (١١١١). يُريدُ أنَّ المندوبَ المضافَ إلى المتكلِّمِ يَجوزُ فيه ما جازَ في المنادَى غَيرِ المندوبِ من قَلْبِ الياءِ ألِفًا وتَرْكِها على أَصْلِها. وفي بعضِ النُسَخِ (وابناما)، وهو غلطٌ لأنَّ القافيةَ مُرْدَفَةٌ بالياءِ والألفُ لا تَجوزُ معها في الرِدْفِ كما تَجوزُ الواوُ، وقَبلَهُ (١١١٢): بُكاءَ ثَكْلَى فَقَدَتْ حَمِيما

стр. 313

وإنَّما الشاهِدُ في قوله: (بِأَبا) وأدْخَلَ الباءَ على المندوبِ فَتَركَهُ مَحْكِيًّا على لَفِظِهِ. والمعنى فهي تُنادِي بيا أَباهُ. (ما) في قوله: (وابْنِيما) زائدةُ مؤكِّدَةٌ. وأنشد في باب الحروف التي يُنَبَّهُ بها المَدْعُوُّ للعَجَّاجِ (١١١٣): [٤٦٢] جارِيَ لا تَسْتَنْكري عَذِيري الشاهِدُ فيه حَذْفُ حَرْفِ النِداءِ ضرورةً من قولِهِ: (جاري)، وهو اسمٌ مَنْكورٌ قبلَ النِداءِ لا يَتَعَّرفُ إلَّا بحرفِ النداءِ، وإنَّما يَطَّرِدُ الحَذْفُ في المعارفِ. ورَدَّ المُبَرَّدُ (١١١٤) على سيبويه جَعْلَهُ الجارية نكرةً وهو يشيرُ إلى جاريةٍ بعينِها فقد صارَتْ معرفةٌ بالإشارةِ. ولم يذهَبْ سيبويه إلى ما تَأَوَّلَهُ المبردُ عليه مِن أنّه نكرةٌ بعدَ النِداءِ، وإنَّما أرادَ أنَّه اسمٌ شائعٌ في الجنس نُقِلَ إلى النِداءِ وهو نكرةٌ، وكيفَ يُتَأوَّلُ عليه الغَلَطُ في مِثلِ هذا وهو قَدْ فرَّق بين ما كانَ مقصودًا بالنِداءِ من أسماء الأجناسِ وبينَ ما لَمْ يُقصَد قَصْدَه ولا اخْتُصَّ بالنداءِ من غَيرهِ، بأنْ جَعَلَ الأوَّلَ مَبْنِيًا على الضَمِّ بناءَ زَيدٍ وغَيرِه من المعارفِ وجَعَلَ الآخرَ مُعْرَبًا بالنصبِ، وهذا مِن التَعَسُّفِ الشَّديدِ والاعتراضِ القَبيحِ. والعَذِيرُ هنا الحالُ، وكانَ يُحاوِلُ عَمَلَ حِلْسِ بَعيرِهِ فَهَزِئَتْ منه فقالَ لها هذا، وبعدَهِ: (١١١٥) سِيرِي وإشْفاقي على بَعِيرِي أي: لا تَستنكِري عَذيري وإشفاقي على بَعِيرِي وسِيري عَنِّي واذْهَبي. ويُقالُ: أرادَ بالعَذِير ها هنا الصَوتَ، كأنّه كانَ يَرْجُزُ في عَمَلِهِ لِحِلْسِهِ فأنْكَرَتْ ذلك عليه. وأنشد في باب ترجَمَتُه: هذا بابٌ من الاختصاصِ يَجري على ما جَرَى عليه

стр. 314

النداءُ، لعَمرو بنِ الأهْتَم المِنْقَريّ: (١١١٦) [٤٦٣] إنَّا بَنِي مِنْقَرٍ قَومٌ ذَوُو حَسَبٍ … فِينا سَراةُ بَني سَعْدٍ ونَادِيها الشاهِدُ فيه نَصْبُ (بَني مِنْقَرٍ) على الاختِصاصِ والفَخْرِ، وذَكَر هذا في بابِ النداءِ لأنَّ العامِلَ فيه وفي المُنادَى فِعْلٌ لا يجوزُ إظهارُهُ مع اشتِراكهما في معنى الاختصاصِ والفَخْرِ على ما بَيَّنَهُ. ورَفَعَ القَومَ لأنّه خَبرٌ لـ (إنَّ)، والمعنى إنَّا قَومٌ ذَوُو حَسَبٍ، ثُمَّ اختَصَّ مَنْ يَعنِي بذلك من الأقوامِ فقالَ: (بَني مِنْقَرٍ) أيْ: أعْنِي هؤلاءِ وأُرِيدُهُم. وبَنوُ مِنْقَرٍ (١١١٧) من [بني] سَعْدِ بنِ زَيدِ مَناةَ بنِ تَميم. والسَراةُ: السادَةُ، واحِدُهم سَرِيٍّ وهو جَمْعٌ غَريبٌ لا يجري على واحدِهِ، وإنَّما هو اسمٌ يُؤدِّي عن الجمعِ ولذلك جُمِعَ فَقِيل: سَرَوات. والنادي والنَدِيُّ: المَجْلِسُ، واشتقاقُهُ من نِداءِ [بعضِ القوم بعضًا (١١١٨) بالحديث أي: فِينا مُجْتَمَعُ القَومِ وخَوْضُهم في الرأي والتَدبيرِ وإصلاحِ أمر العَشيرةِ. وأنشد في البابِ للفرزدق: (١١١٩) [٤٦٤] ألَمْ تَرَ أنَّا بني دارمٍ … زُرارَةُ مِنَّا أبو مَعْبَدِ الشاهِدُ فيه نَصْبُ (بَني دارِمٍ) على الاختصاص والفَخْرِ، والقَولُ فيه كالقَول في الذي قَبْلَهُ.

стр. 315

وَزُرارَةُ هذا مِن بني عبد اللَّهِ بن دارم (١١٢٠) وفيه وفي ولدِهِ شَرَّفُهُم وبَيْتُهُم وكُنْيتُهُ أَبو مَعْبَد. وأنشد في البابِ لرؤبةً (١١٢١): بِنا تَميمًا يُكشَفُ الضَبابُ [٣٦٥] والقول فيه كالقَولِ في الذي قَبْلَه، وقد تَقَدَّمَ بتفسيره (١١٢٢). وأنشد في البابِ للبيد (١١٢٣): [٤٦٥] نَحنُ بَنو أُمِّ البنينَ الأربَعَه الشاهِدُ فيه رَفعُ قوله: (بَنُو) لأنَّ الأربعةَ ليسَ فيها معنى فَخرٍ ولا تَعْظيمٍ فيكون ما قَبلَها منصوبًا على الاختِصاصِ والفَخْرِ كما تَقَدَّمَ في بَني مِنْقَرٍ، وإنَّما هو مُخْبِرٌ بنَسَبِهم وعِدَّتهم لا مُفْتَخِرُ. وأرادَ الخمسةَ لأنَّهم خَمسةٌ معروفون فاضطَرَّتْهُ القافيةُ إلى الأربَعَةِ. وأنشد في البابِ للصَلَتانِ العَبْدِي (١١٢٤): [٤٦٦] أيا شاعِرًا لا شاعِرَ اليومَ مِثْلَهُ … جَريرٌ ولكنْ في كُلَيْبٍ تَواضُعُ الشاهِدُ فيه على مذهبِ الخَليلِ وسيبويه (١١٢٥) نَصْبِ (شاعِرٍ) على إضمار (١١٢٦) فِعلٍ

стр. 316

معنى الاختِصاصِ والتَعَجُّبِ، والمنادى محذوفٌ، والمعنى يا هؤلاءِ أو يا قوم عليكم شاعرًا أو حَسْبُكُم به شاعرًا كما ذَكَر سيبويه (١١٢٧). وإنَّما امتَنَعَ عنده أنْ يكونَ مناديّ لأنّه نكرةٌ عنده يَدخُلُ فيه كُلُّ شاعِرٍ بالحضرةِ، وهو إنّما قَصَد شاعرًا بعَيْنِهِ وهو جَريرٌ، وكانَ ينبغي أنْ يَبنِيَهُ على الضَمِّ على ما يجري عليه المخصوصُ بالنداءِ. وقَولُه: (جَريرٌ) محمولٌ على إضمارِ مبتدأٍ؛ أيْ: هذا المُتَعَجِّبُ منه جَريرٌ. ويَجوزُ عندي أنْ يكونَ قَولُهُ: (شاعرًا) منادًى جَرى على لفظِ المنكورِ وإنْ كانَ معروفا مخصوصًا لِوَصفِهِ بالجملةِ التي بَعدَه، والجُمْلَةُ لا يُوصفُ بها إلَّا النكرةُ فيكون مثل قوله (١١٢٨): لَعَلَّك يا تَيْسا نَزَا في مَريرةٍ [٤٤٠] وقد تَقَدَّمتْ عِلَّتُهُ. يقولُ هذا إذ دُعِيَ به لتحكيمِ [الفرزدق وجَريرٍ له] (١١٢٩) فيما كانَ بينهما مِن الافتخارِ ففضَّلَ جريرًا في الشعرِ وفضَّلَ الفرزدقَ في الشَرَفِ والفَضْلِ، ولذلك قال: ولكنْ في كُلَيبٍ تَواضُعُ وكُلَيْبٌ رَهْطُ جرير من [بني] تَميم. وأنشد في البابِ للأحوص بن شُرَيح الكلابي (١١٣٠): [٤٦٧] تَمَنَّاني ليَقْتُلَنِي لَقِيطٌ … أعامِ لكَ ابنَ صَعْصَعَةَ بنِ سَعْدِ

стр. 317

الشاهِدُ فيه (١١٣١) قولُهُ: (لك)، والمعنى يا عامرُ دُعائي لكَ، والمعنى معنى التعجبِ كما تقول: يا لكَ فارسًا؛ أيْ: يا هذا دعائي لك من فارسٍ؛ أيْ: أعجَبُ لكَ في هذه الحال، فَبَيَّن سيبويه بهذا أنَّ المُنادَي قد يُخَصُّ بالنداءِ على معنى التعجُّبِ لا على معنى الدُعاءِ إلى أمرِ. وكانَ لَقيطُ بن زُرارةَ التَميمي قَدْ تَوَّعَدَ الأحوص أبا (١١٣٢) شَرَيح الكِلابيّ وتَمَنّى أنْ يَلْقاه فَيَقْتُلَه فقال هذا متعجِّبًا لقومِهِ بني عامِر من تَمَنِّيهِ لِقَتْلِهِ وتَوَعُّدِه له، والأحوصُ (١١٣٣) مِن بني كلاب بن ربيعةَ بن عامر بن صَعْصَعَةَ بن معاويةَ بنِ بَكْرِ بنِ هوازِنَ فقال: (ابنَ صَعْصَعَةَ بنِ سَعْدِ) لأنَّهم فيما يُقالُ من بني سَعْدِ بن زَيدِ مناة بن تميم نَزَلوا في معاوية فَنُسبوا إليهم، وأرادَ عَامِرَ بنَ صَعْصَعَةَ فَرَخَّمَ. وأنشد في البابِ للأخطلِ (١١٣٤): [٤٦٨] أيَّام جُمْلٍ خَليلًا لو يخافُ لها … صُرْمًا لَخُولِطَ منه العَقْلُ والجَسَدُ الشاهِدُ فيه نَصْبِ (خَليلٍ) على الاختِصاصِ والتعجُّب، والمعنى أيامَ جُمْلٍ لو يَخافُ لها صُرمًا؛ أي: أيامَ كَونِها هكذا، ثُمَّ قال: خليلًا؛ أي اعجبْ بها خليلًا وما أعجَبَها خليلًا، فهو مناسبٌ لِما قَبلُهُ لِما فيه من معنى الاختصاص والتَعَجُّبِ. ويُروى أيَّام جُمَلُ خَليلٌ، على الابتداءِ والخبرِ وإضافةِ الأيَّامِ إلى الجُملةِ لأنَّها ظَرفُ زَمانٍ، وهذا أبيَنُ وأحسَنُ ولا شاهدَ فيه. وقد قالَ بعضُ النحويين (١١٣٥): إنَّما احتَجَّ به لنَصْبِ الأيَّامِ على الاختِصاصِ كما نَصَبَ بني مِنْقَرٍ ونحوه على ذلك. وهذا القولُ ليسَ بشيءٍ لأنَّ الأيَّامَ منصوبةٌ على الظرف للمعنى المتقدِّم قَبلَها في

стр. 318

وله (١١٣٦): وقَدْ أراها وشَعْبُ الحَيِّ مجتَمِعٌ … وأنتَ صَبُّ بِمَنْ عُلّقتَ مُعْتمَدُ أيْ: قد أرى هذه الدارَ في هذا الوقتِ كذا، وأضافَ الأيَّامَ إلى جُمْلٍ فجرّها على تقديرِ (أيَّامَ حالِ جُمْلٍ وكَوْنِ جُمْلٍ) ونحو ذلك من التقدير. وأنشد في البابِ (١١٣٧): [٤٦٩] يا هِنْدُ هِنْدٌ بَيْنَ خِلْبٍ وكَبِدْ الشاهد فيه حَمْلُ (هِنْدٍ) الثانية على اضمار مبتدإٍ، وتقديرها نكرة موصوفة بما بعدها والتقدير أنتِ هِندٌ مستقِرَّةٌ بينَ خِلْبٍ وكَبدٍ، كما يقال: أنتَ زَيدٌ من الزيدينَ فَيُجْعلُ نكرةً. ويجوزُ أنْ تجعلَهَا معرفةً على أصلها مقطوعةً أيضًا مِما قَبلها كأنّه قالَ: هندٌ هذه المذكورةُ بين خِلْبِي وكَبدِي مستقرَّةٌ. والخِلْبُ: لَحمةٌ تصلُ ما بينَ الكبدِ وزيادَتِها، فجعلَها في الاتِصالِ بنفُسِهِ قَدْ حَلَّت ذلك المحل. وأنشد في بابٍ من الترخيمِ ترجَمَتُه: هذا بابُ ما أواخِرُ الأسماءِ فيه الهاءُ، لابنِ الخَرِع (١١٣٨): [٤٧٠] كادَتْ فَزارَةُ تَشفَى بِنا … فأولَى فَزارَةُ أولَى فَزَارا الشاهد فيه ترخيمُ (فزارَةَ) والوَقْفُ عليها بالألفِ عوضًا من الهاءِ؛ لأنَّهم إذا رَخَّموا ما فيه الهاءُ ثُمَّ وَقَفوا عليه رَدّوا الهاءَ للوَقْف، فَلَمَّا لَمْ يُمكِنه رَدُّ الهاءِ [ها] هنا

стр. 319

جَعَل الألفَ عوضًا منها على ما بَيَّنَه سيبويه (١١٣٩). يقول: كِدْنا نُوقِعُ بفزارَةَ فتَشقَى بِنا لولا فِرارُهم وتَحَصُّنُهم مِنَّا، ويقالُ للرجل إذا أفلَتَ وقد كادَ يَعطَبُ: أولَى له، وهي كلمةُ وَعيدِ وتَهديدٍ، فلذلك قال: فأولَى فَزارَةُ أيْ: أولَى لكِ يا فَزارَةُ. ويُروى أنَّ رجُلًا كانَ يَرْمي الصيدَ فَيُخْطِئُهُ فيقول: أولَى لك فقال (١١٤٠): فَلْو كانَ أولَى يُطْعِمُ القَومّ صِدْتُهُم … ولكنَّ أولَى يَتركُ القَومَ جُوَّعا وأنشد في البابِ للقُطامي (١١٤١): [٤٧١] قَفِي قَبلَ التَّفَرُّقِ يا ضُبَاعا الشاهد فيه تَرخيمُ ضُباعَةَ والوَقْفُ على الألفِ بَدَلًا من الهاءِ كما تَقَدَّمَ في الذي قَبلَه، وتمامُ البيت: ولا يَكُ مَوْقِفٌ منكِ الوَداعا وأنشد في البابِ لهُدْبَةَ (١١٤٢) في مِثْلِهِ: [٤٧٢] عُوجِي عَلَينْا وأربَعي يا فاطِما الشاهد فيه قولهُ: (يا فاطِما)، والقَولُ فيه كالقَولِ في الذي قَبَله. والرَجَزُ لزائدة (١١٤٣) بنِ زيدٍ العُذْرِيّ وهو ابنُ عَمِّ هُدْبَةَ بن خَشْرَمٍ، وفاطمةُ أُختُ هُدْبَةَ، وكانَ زائدةُ قد حَدا بالقَومِ فشَبَّبَ بها، وبهذا السببِ عَدَا عليه هُدْبَةُ فقَتَلَهُ غِيلَةً ثُمَّ قُتِلَ به. ومعنى عُوجِي اعْطِفِي وعَرَّجي. وقوله: اربَعي؛ أيْ: أقِيمي، يقال: رَبَعْتُ

стр. 320

بالمكان فأنا رابعٌ إذا أقمتُ به. وأنشد في البابِ قبلَ هذا قولَ العَجاج (١١٤٤): جارِي لا تَسْتَنْكرِي عَذِيري [٤٦٢] وقد تَقَدَّمَ بتفسيرهِ (١١٤٥). وأنشد في بابٍ ترجَمَتُه: هذا بابُ ما يكونُ فيه الاسمُ بَعدَ ما تُحذَفُ الهاءُ منه بمنزلةِ اسمٍ يَتَصَرَفُ في الكلامِ، لعنترةَ (١١٤٦): [٤٧٣] يَدْعُون عَنْتَر والرِماحُ كأنَّها … أشطانُ بِئْرٍ في لَبَانِ الأدْهَمِ الشاهدُ فيه ترخيمُ (عنترةَ) وبناؤُهُ بعد التَرخيمِ على الضَمِّ تَشبيهًا له باسمٍ مُفْرَدٍ منادًى لم يُحْذَفْ منه شَيءٌ، وأرادَ يَدعون يا عَنْتَرُ، فَحَذَفَ حَرفَ النداءِ لأنَّه اسمٌ عَلَمٌ يَحسُنُ معه الحَذْفُ؛ لأنّه معرفَةٌ بَنَفسِهِ غَيرُ مُحتاجٍ إلى تَعْريفِ حَرفِ النداءِ له. يقولُ: يَدْعونني (١١٤٧) في الحرب مسْتَنْصرين بي والرماحُ قد أحاطَتْ بفَرَسِي (١١٤٨)، وشَرَعْتْ فيه شُروعَ الدِلاءِ في الماءِ، وشَبَّه الرِماحَ بالأشْطانِ وهي حِبالُ البِئرِ. واللَّبانُ: الصَدرُ. والأدْهَمُ: فَرَسُهُ. وَصَفَ أنَّه مُقْدِمٌ على أقْرَانِهِ، فَرِماحُهُم تشرعُ فِي صدرِ فَرَسِهِ دون سائرِ جَسَدِه لذلك. وأنشد في البابِ للأسْوَدِ بنِ يَعْفُر النَّهْشَلي (١١٤٩):
следующие страницы →