← Адаб

Адаб · id 1207

تحصيل عين الذهب من معدن جوهر الأدب في علم مجازات العرب

الأعلم الشنتمري

Полный текст (617 стр.). Показаны 316–355 · переход к 321.

стр. 316

معنى الاختِصاصِ والتَعَجُّبِ، والمنادى محذوفٌ، والمعنى يا هؤلاءِ أو يا قوم عليكم شاعرًا أو حَسْبُكُم به شاعرًا كما ذَكَر سيبويه (١١٢٧). وإنَّما امتَنَعَ عنده أنْ يكونَ مناديّ لأنّه نكرةٌ عنده يَدخُلُ فيه كُلُّ شاعِرٍ بالحضرةِ، وهو إنّما قَصَد شاعرًا بعَيْنِهِ وهو جَريرٌ، وكانَ ينبغي أنْ يَبنِيَهُ على الضَمِّ على ما يجري عليه المخصوصُ بالنداءِ. وقَولُه: (جَريرٌ) محمولٌ على إضمارِ مبتدأٍ؛ أيْ: هذا المُتَعَجِّبُ منه جَريرٌ. ويَجوزُ عندي أنْ يكونَ قَولُهُ: (شاعرًا) منادًى جَرى على لفظِ المنكورِ وإنْ كانَ معروفا مخصوصًا لِوَصفِهِ بالجملةِ التي بَعدَه، والجُمْلَةُ لا يُوصفُ بها إلَّا النكرةُ فيكون مثل قوله (١١٢٨): لَعَلَّك يا تَيْسا نَزَا في مَريرةٍ [٤٤٠] وقد تَقَدَّمتْ عِلَّتُهُ. يقولُ هذا إذ دُعِيَ به لتحكيمِ [الفرزدق وجَريرٍ له] (١١٢٩) فيما كانَ بينهما مِن الافتخارِ ففضَّلَ جريرًا في الشعرِ وفضَّلَ الفرزدقَ في الشَرَفِ والفَضْلِ، ولذلك قال: ولكنْ في كُلَيبٍ تَواضُعُ وكُلَيْبٌ رَهْطُ جرير من [بني] تَميم. وأنشد في البابِ للأحوص بن شُرَيح الكلابي (١١٣٠): [٤٦٧] تَمَنَّاني ليَقْتُلَنِي لَقِيطٌ … أعامِ لكَ ابنَ صَعْصَعَةَ بنِ سَعْدِ

стр. 317

الشاهِدُ فيه (١١٣١) قولُهُ: (لك)، والمعنى يا عامرُ دُعائي لكَ، والمعنى معنى التعجبِ كما تقول: يا لكَ فارسًا؛ أيْ: يا هذا دعائي لك من فارسٍ؛ أيْ: أعجَبُ لكَ في هذه الحال، فَبَيَّن سيبويه بهذا أنَّ المُنادَي قد يُخَصُّ بالنداءِ على معنى التعجُّبِ لا على معنى الدُعاءِ إلى أمرِ. وكانَ لَقيطُ بن زُرارةَ التَميمي قَدْ تَوَّعَدَ الأحوص أبا (١١٣٢) شَرَيح الكِلابيّ وتَمَنّى أنْ يَلْقاه فَيَقْتُلَه فقال هذا متعجِّبًا لقومِهِ بني عامِر من تَمَنِّيهِ لِقَتْلِهِ وتَوَعُّدِه له، والأحوصُ (١١٣٣) مِن بني كلاب بن ربيعةَ بن عامر بن صَعْصَعَةَ بن معاويةَ بنِ بَكْرِ بنِ هوازِنَ فقال: (ابنَ صَعْصَعَةَ بنِ سَعْدِ) لأنَّهم فيما يُقالُ من بني سَعْدِ بن زَيدِ مناة بن تميم نَزَلوا في معاوية فَنُسبوا إليهم، وأرادَ عَامِرَ بنَ صَعْصَعَةَ فَرَخَّمَ. وأنشد في البابِ للأخطلِ (١١٣٤): [٤٦٨] أيَّام جُمْلٍ خَليلًا لو يخافُ لها … صُرْمًا لَخُولِطَ منه العَقْلُ والجَسَدُ الشاهِدُ فيه نَصْبِ (خَليلٍ) على الاختِصاصِ والتعجُّب، والمعنى أيامَ جُمْلٍ لو يَخافُ لها صُرمًا؛ أي: أيامَ كَونِها هكذا، ثُمَّ قال: خليلًا؛ أي اعجبْ بها خليلًا وما أعجَبَها خليلًا، فهو مناسبٌ لِما قَبلُهُ لِما فيه من معنى الاختصاص والتَعَجُّبِ. ويُروى أيَّام جُمَلُ خَليلٌ، على الابتداءِ والخبرِ وإضافةِ الأيَّامِ إلى الجُملةِ لأنَّها ظَرفُ زَمانٍ، وهذا أبيَنُ وأحسَنُ ولا شاهدَ فيه. وقد قالَ بعضُ النحويين (١١٣٥): إنَّما احتَجَّ به لنَصْبِ الأيَّامِ على الاختِصاصِ كما نَصَبَ بني مِنْقَرٍ ونحوه على ذلك. وهذا القولُ ليسَ بشيءٍ لأنَّ الأيَّامَ منصوبةٌ على الظرف للمعنى المتقدِّم قَبلَها في

стр. 318

وله (١١٣٦): وقَدْ أراها وشَعْبُ الحَيِّ مجتَمِعٌ … وأنتَ صَبُّ بِمَنْ عُلّقتَ مُعْتمَدُ أيْ: قد أرى هذه الدارَ في هذا الوقتِ كذا، وأضافَ الأيَّامَ إلى جُمْلٍ فجرّها على تقديرِ (أيَّامَ حالِ جُمْلٍ وكَوْنِ جُمْلٍ) ونحو ذلك من التقدير. وأنشد في البابِ (١١٣٧): [٤٦٩] يا هِنْدُ هِنْدٌ بَيْنَ خِلْبٍ وكَبِدْ الشاهد فيه حَمْلُ (هِنْدٍ) الثانية على اضمار مبتدإٍ، وتقديرها نكرة موصوفة بما بعدها والتقدير أنتِ هِندٌ مستقِرَّةٌ بينَ خِلْبٍ وكَبدٍ، كما يقال: أنتَ زَيدٌ من الزيدينَ فَيُجْعلُ نكرةً. ويجوزُ أنْ تجعلَهَا معرفةً على أصلها مقطوعةً أيضًا مِما قَبلها كأنّه قالَ: هندٌ هذه المذكورةُ بين خِلْبِي وكَبدِي مستقرَّةٌ. والخِلْبُ: لَحمةٌ تصلُ ما بينَ الكبدِ وزيادَتِها، فجعلَها في الاتِصالِ بنفُسِهِ قَدْ حَلَّت ذلك المحل. وأنشد في بابٍ من الترخيمِ ترجَمَتُه: هذا بابُ ما أواخِرُ الأسماءِ فيه الهاءُ، لابنِ الخَرِع (١١٣٨): [٤٧٠] كادَتْ فَزارَةُ تَشفَى بِنا … فأولَى فَزارَةُ أولَى فَزَارا الشاهد فيه ترخيمُ (فزارَةَ) والوَقْفُ عليها بالألفِ عوضًا من الهاءِ؛ لأنَّهم إذا رَخَّموا ما فيه الهاءُ ثُمَّ وَقَفوا عليه رَدّوا الهاءَ للوَقْف، فَلَمَّا لَمْ يُمكِنه رَدُّ الهاءِ [ها] هنا

стр. 319

جَعَل الألفَ عوضًا منها على ما بَيَّنَه سيبويه (١١٣٩). يقول: كِدْنا نُوقِعُ بفزارَةَ فتَشقَى بِنا لولا فِرارُهم وتَحَصُّنُهم مِنَّا، ويقالُ للرجل إذا أفلَتَ وقد كادَ يَعطَبُ: أولَى له، وهي كلمةُ وَعيدِ وتَهديدٍ، فلذلك قال: فأولَى فَزارَةُ أيْ: أولَى لكِ يا فَزارَةُ. ويُروى أنَّ رجُلًا كانَ يَرْمي الصيدَ فَيُخْطِئُهُ فيقول: أولَى لك فقال (١١٤٠): فَلْو كانَ أولَى يُطْعِمُ القَومّ صِدْتُهُم … ولكنَّ أولَى يَتركُ القَومَ جُوَّعا وأنشد في البابِ للقُطامي (١١٤١): [٤٧١] قَفِي قَبلَ التَّفَرُّقِ يا ضُبَاعا الشاهد فيه تَرخيمُ ضُباعَةَ والوَقْفُ على الألفِ بَدَلًا من الهاءِ كما تَقَدَّمَ في الذي قَبلَه، وتمامُ البيت: ولا يَكُ مَوْقِفٌ منكِ الوَداعا وأنشد في البابِ لهُدْبَةَ (١١٤٢) في مِثْلِهِ: [٤٧٢] عُوجِي عَلَينْا وأربَعي يا فاطِما الشاهد فيه قولهُ: (يا فاطِما)، والقَولُ فيه كالقَولِ في الذي قَبَله. والرَجَزُ لزائدة (١١٤٣) بنِ زيدٍ العُذْرِيّ وهو ابنُ عَمِّ هُدْبَةَ بن خَشْرَمٍ، وفاطمةُ أُختُ هُدْبَةَ، وكانَ زائدةُ قد حَدا بالقَومِ فشَبَّبَ بها، وبهذا السببِ عَدَا عليه هُدْبَةُ فقَتَلَهُ غِيلَةً ثُمَّ قُتِلَ به. ومعنى عُوجِي اعْطِفِي وعَرَّجي. وقوله: اربَعي؛ أيْ: أقِيمي، يقال: رَبَعْتُ

стр. 320

بالمكان فأنا رابعٌ إذا أقمتُ به. وأنشد في البابِ قبلَ هذا قولَ العَجاج (١١٤٤): جارِي لا تَسْتَنْكرِي عَذِيري [٤٦٢] وقد تَقَدَّمَ بتفسيرهِ (١١٤٥). وأنشد في بابٍ ترجَمَتُه: هذا بابُ ما يكونُ فيه الاسمُ بَعدَ ما تُحذَفُ الهاءُ منه بمنزلةِ اسمٍ يَتَصَرَفُ في الكلامِ، لعنترةَ (١١٤٦): [٤٧٣] يَدْعُون عَنْتَر والرِماحُ كأنَّها … أشطانُ بِئْرٍ في لَبَانِ الأدْهَمِ الشاهدُ فيه ترخيمُ (عنترةَ) وبناؤُهُ بعد التَرخيمِ على الضَمِّ تَشبيهًا له باسمٍ مُفْرَدٍ منادًى لم يُحْذَفْ منه شَيءٌ، وأرادَ يَدعون يا عَنْتَرُ، فَحَذَفَ حَرفَ النداءِ لأنَّه اسمٌ عَلَمٌ يَحسُنُ معه الحَذْفُ؛ لأنّه معرفَةٌ بَنَفسِهِ غَيرُ مُحتاجٍ إلى تَعْريفِ حَرفِ النداءِ له. يقولُ: يَدْعونني (١١٤٧) في الحرب مسْتَنْصرين بي والرماحُ قد أحاطَتْ بفَرَسِي (١١٤٨)، وشَرَعْتْ فيه شُروعَ الدِلاءِ في الماءِ، وشَبَّه الرِماحَ بالأشْطانِ وهي حِبالُ البِئرِ. واللَّبانُ: الصَدرُ. والأدْهَمُ: فَرَسُهُ. وَصَفَ أنَّه مُقْدِمٌ على أقْرَانِهِ، فَرِماحُهُم تشرعُ فِي صدرِ فَرَسِهِ دون سائرِ جَسَدِه لذلك. وأنشد في البابِ للأسْوَدِ بنِ يَعْفُر النَّهْشَلي (١١٤٩):

стр. 321

[٤٧٤] ألا ما لهذا الدَهْرِ مِن مُتَعَلَّلِ … على الناسِ مَهمْا شاءَ بالناسِ يَفعلِ وهذا رِدائي عندَهُ يَستعيرُهُ … لِيَسْلُبنِي حَقَّي أمالِ بنَ حَنظلِ الشاهدُ فيه تَرخيمُ (حنظلةَ) وإجراؤه بَعدَ الترخيمِ مُجرى اسمٍ لم يُرخَّم فلذلك جَرَّهُ بالإضافةِ، وهو مِمّا في غَيرِ النداءِ ضَرورةً. يقول: إنّ هذا الدهرَ يَذهبُ ببهجةِ الإنسانِ وشَبابِهِ، ويَتَعَلَّلُ في فِعْلِهِ ذلك تَعَلُّلَ المُتَجَنَّي على غيرِهِ، ثُمَّ قالَ: وهذا رِدائي، أيْ: شبابي، فَكَني عَن الشبابِ بالرداءِ لأنَّه أجملُ اللَّباسِ، وذَهَب ما ذَهَب به مِن شَبابه حَقًّا غَضَبَهُ إيّاه وغَلَبَه عليه، ثُمّ نادي مالِكَ ابنَ حنظلةَ مُستغيثًا بهم مستَنصِرًا لهم لأنه منهم، وهو من بني نَهشَل بن دارِم بن مالك بن حنظلة (١١٥٠). وأنشد في البابِ لرؤبَةَ (١١٥١): [٤٧٥] إمّا تَرَيْني اليومَ أَمَّ حَمْزِ قارَبْتُ بينَ عَنَقِي وجَمْزِي الشاهد فيه تَرخيمُ (حَمزةَ) في غَيرِ النِداءِ ضَرورةً، والقولُ فيه كالقولِ في الذي قَبْله. وَصَفَ كِبَرَهُ وأنّه قد قارَبَ بينَ خُطاه في عَنَقِهِ وجَمْزِه ضُعْفًا. والعَنَقُ والجَمْزُ: ضَربان من السيرِ، والجَمْرُ أشَدُّهما وهو كالوَثْب. وأنشد بَعدَ هذا قولَ ذي الرُمَّة (١١٥٢): دِيارَ مَيَّةَ إذْ مَيٌّ تُساعِفُنا [٢١٥]

стр. 322

مستَشهِدًا على تَرخيمِ مَيَّةَ في غيرِ النداءِ ضَرورةً، وذَكرَ (١١٥٣) أنّه يَجوزُ أنْ يُسمِّيها (١١٥٤) "مَيًّا بغيرِ هاءٍ، فلا يكون فيه ضرورةٌ وكانَ مرَّهً يُسمَيها" كذا ومَرَّةً كذا، وقد مَرَّ البيتُ بتفسيرِهِ (١١٥٥). وأنشد في البابِ لأبي النجم (١١٥٦): [٤٧٦] في لجَّةِ أمسِكْ فُلانًا عَنْ فُلِ الشاهدُ فيه استعمالُ (فُلٍ) مكانَ (فُلانٍ) في غير النِداءِ ضرورةً. وفي وضعِهِ له هذا الموضع تقديران: أحدُهما أنْ يكونَ أرادَ عَنْ فُلانٍ فحذفَ النُون للترخيمِ في غير النداءِ، ثُمَّ حَذَفَ الألفَ لزِيادَتِها، والآخَرُ أنْ يكونَ نَقَلَهُ محذوفًا من قولهم: يا فُلُ ضرورةُ (١١٥٧). واللَّجَّةُّ: اختِلاطُ الأصواتِ في الحربِ. ومعنى أمسِكْ فُلانًا عَنْ فُلِ، أيْ: خُذْ هذا بدَمِ هذا، وأسِرْ هذا بهذا. وأنشد في بابٍ ترجَمَتُه: هذا بابٌ إذا حَذَفتَ منه الهاءَ وجَعَلْتَ الاسم بمنزلة ما لم تكُنْ فيه الهاءُ أبْدَلْتَ حَرفًا مكانَ الحرفِ الذيِ يلي الهاءَ، للعَجّاج (١١٥٨): [٤٧٧] لَقَدْ رأى الراؤُونَ غَيرَ البُطَّلِ أنّك يا مُعاوِ يا ابنَ الأفْضَلِ

стр. 323

الشاهدُ فيه إدخالُ التّرخيمِ على الترخيمِ في قولِه: (يا مُعاوِ)، وذلك أنّ الهاءَ قَد اطَّرَدَ حَذْفُها للترخيمِ وكَثُرَ، فكأنّ الاسمَ لم تكنْ فيه هاءُ "قَط" ثُمَّ أَدْخَلَ عليه حرفَ النِداءِ، والياءُ آخِرُهُ فحَذَفَها للتَرخيمِ، وهذا مِن أقبِحِ الضَرورةِ. ويحتمل أنْ تكونَ الياءُ مِن قوله: (يا ابنَ الأفضَلِ) ياءَ معاوِيةَ على تقديرِ يا معاوِيَ ابنَ الأفْضَلِ، فتُوهِّمَتْ ياءُ (يا ابنَ) التي للنداءِ (١١٥٩)، وإنّما هي ياءُ معاويةَ. والشعرُ للعجّاج يَمدحُ يزيدَ بنَ مُعاويةَ ووقَعَ في الكتابِ هكذا غَلَطًا (١١٦٠). وجَمَعَ الباطِلَ على بُطَّلٍ قِياسًا على أصلِهِ في الصفةِ لأنّه من بَطلَ يَبْطُلُ، ونَصَبَ (غَيرًا) لأنّه في موضع وَصْفِ المصدرِ، والتقديرُ لَقَدْ رأوْا رَأيًا صحيحًا حَقًا لا باطِلًا. وأنشد في البابِ لمُهَلْهِل بن ربيعة (١١٦١): [٤٧٨] يا حارِ لا تَجهَلْ على أشْياخِنا … إنّا ذوو السَوْراتِ والأحْلامِ الشاهدُ فيه ترخيمُ (حارِثٍ)، وعِلَّتُهُ في الترخيمِ غَلَبتُه لكثرة استعمالِهِ في التَسمِيةِ (١١٦٢). يقول هذا للحارثِ بن عُبادٍ (١١٦٣) القائمِ بحربِ بَكْرٍ بعدَ قَتْلِ ابِنِهِ بُجَيْرِ بن الحارث وقولِ مُهِلهلٍ له عند قَتْلِهِ: بُؤْ بِشِسْعِ نَعْلِ كُلَيْبٍ، أيْ: كُنْ قوَدًا لِشِسْعِ نَعْلِهِ، احتِقارًا لَهُ، فيصف ما بينهما من المُهاجاةِ والمسابَةِ. والسَوْراتُ جَمعُ سوْرَةٍ وهي الحِدَّةُ والخِفَّةُ عندَ الغَضَبِ، أيْ: فِينا أنَفَةٌ وَجِدَّةٌ وإنْ كُنّا حُلماءَ. وأنشد في البابِ لامرِئ القيس (١١٦٤) "في مِثْلِهِ":

стр. 324

[٤٧٩] أحارِ تَرَى بَرقًا أُرِيكَ وَميضَهُ … كلَمْعِ اليَدَيْنِ في حَبِيٍّ مُكَلَّلِ الشاهدَ فيه ترخيمُ حارِثٍ، والقولُ فيه كالقَولِ في الذي قَبَله. وأراد أتَرَى بَرقًا، فَحَذَفَ حرفَ الاستفهامِ لِعِلْمِ المُخاطَبِ بما أرادَ، واكتَفى بحرفِ النِداءِ لأنّه تَنْبِيهُ وتحريكٌ لِمَنْ يخاطِبُهُ، كما أنّ حرفَ الاستفهامِ تَحريكٌ للمستَفْهَمِ وإشعارُ بالمعنى المقصود من الاستِخبارِ، ولفظُ الحرفينِ واحدٌ. والوَميضُ: اللَّمْعُ، وفِعْلُهُ أوْمَضَ [يُومِضُ] إيماضًا، والوَمِيضُ الاسمُ، وشَبَّهَ انتِشارَ البَرْقِ في لَمَعانِهِ بانتِشارِ الأصابعِ عندَ مُبادَرَةِ القِداحِ في ضَربِ المُفِيضِ بها في المَيْسر. وقولُهُ: (في حَبِيٍّ) مُتَّصِلٌ بقوله: (أرِيكَ وَمِيضَهُ) أيْ: أُرِيكَ وَمِيضَهُ في الحَبِيّ وهو السَحابُ المُعْتَرِضُ في الأُفُقِ، يقال: حَبًا لكَ الشيُّ إذا عَرَضَ وارتَفَعَ. والمُكَلَّلُ: المُتراكبُ. وأنشد في البابِ للنابعَةِ: (١١٦٥) [٤٨٠] فَصالِحُونا جَميعًا إنْ بَدَا لكُمُ … ولا تقولوا لَنا أمثالَها عامِ الشاهدُ فيه تَرخيمُ (عامِرٍ)، والقَولُ فيه كالذي تَقَدَّمَ. يقولُ هذا لبَني عامِرِ بنِ صَعْصَعَةَ، وكانوا قَدْ عَرَضوا على النابغةٍ وقومِهِ مُقاطَعَةَ بني أسدٍ ومُخالَفَتَهم دُونَهم، فقالَ لهم: صالِحُونا وإياهّم إنْ شِئتُم ولا تَعْرِضوا علينا مصالحتَكُم دُونَهم فإنّا لا نَرضَى بَدَلًا بهم. وأنشد في البابِ ليزيدَ بنِ مُحزِّمٍ (١١٦٦):

стр. 325

[٤٨١] فَقُلْتُم: تَعالَ يا يَزِي بنَ مُحَزِّمٍ … فقلتُ لكم: إنِّي حَلِيفُ صُداءِ الشاهدُ فيه ترخيمُ (يزيدَ)، والقولُ فيه كالقولِ في الذي (١١٦٧) قَبلَه. وصَفَ أنّه دُعِيَ إلى الحِلْفِ فأبَى أنْ يَنْقُضَ حلفَهُ لِصُداءٍ ويُحالِفَ غَيرَهم. وصُداءٌ (١١٦٨): حَيٌّ مِن بني أسدٍ. وقد قيل: إنّه (١١٦٩) اسمُ فَرَسِهِ، أيْ: لا أحتاجُ مع فَرَسِي والاعتِزازِ به إلى حَليفٍ. وأنشد في البابِ لمجنونِ بني عامرٍ وهو قَيسُ بنْ المُلَوَّحِ: (١١٧٠) [٤٨٢] أَلا يالَيلَ إنْ خُيِّرْتِ فينا … بنَفْسِي فانْظُرِي أينَ الخِيارُ الشاهدُ فيه ترخيمُ (لَيلَى) وحَذْفُ ألِفِها كما تُحذَفُ الهاءُ. يقول: إن خُيِّرْتِ فيَّ وفي غَيري للنِكاحِ فاختاريني فَفِيَّ الخِيارُ. وقولُه: (بَنفسِي) أيْ: بنَفسي أنتِ، أيْ (١١٧١): أفْدِيكِ بنفسي. وأنشد في البابِ الأوسِ بنِ حَجَرٍ (١١٧٢): [٤٨٣] تَنَكَّرْتِ مِنّا بَعْدَ معرِفَةٍ لِمَي أرادَ لمِيسُ فَرَخَّمَ. ولَمِيسُ: اسمُ امرأةٍ، وتَمامُ البيتِ: وبَعْدَ التَصابي والشَبابِ المُكَرّمِ أيْ: أنْكَرتنا لمكانِ الكِبَرِ بَعدَ معرفَتِكِ [بنا] زَمَنَ الشَبابِ.

стр. 326

وخاطَبَ ناقَتَهُ وهو يُريدُ نَفسَهُ اتّساعًا ومجازًا. وأنشد في البابِ لبعضِ العِباديين، وهو مصنوعٌ على طَرَفَة (١١٧٨): [٤٨٦] أسَعْدَ بنَ مالٍ ألَمْ تَعلّموا … وذو الرأي مَهْما يَقُلْ يَصْدُقِ الشاهدُ فيه ترخيمُ (مالكٍ) كالذي تَقَدَّمَ. وسَعْدُ بنُ مالِكٍ حَيٌّ من بَكْرِ بنِ وائلٍ وهم رَهْطُ طَرَفَةَ بنِ العَبْدِ (١١٧٩). والبيتُ مُضَمَّنٌ بما فيه تَفسيرَ المعلومِ الذي قَرَرَهُ عليهم. وأنشد في بابٍ ترجَمَتُه: هذا بابُ ما يُحذَفُ من آخرهِ حَرفان، للفرزدقِ (١١٨٠): [٤٨٧] يا مَرْوَ إنَّ مَطيَّتي مَحبوسَةٌ … تَرجُو الحِباءَ وَرَبُّها لَمْ يَيْأسِ الشاهدُ فيه ترخيمٌ (مَرْوانَ) وحَذْفُ الألفِ والنونِ لزيادَتِهما وكَونِ الاسمِ ثُلاثيًّا بَعدَ حَذْفِهما. وأرادَ مروانَ بنَ الحَكَمِ، وكانَ واليًا على المدينةِ فَوَفَدَ عليه مادِحًا له فأبْطَأتْ عليه جائِزَتُهُ فقالَ له هذا مُحرِّدًا مُسْتَنجِدًا، والحِباءُ: العطاءُ، وجعَلَ الرجاءَ للناقةِ وهو يُريُد نَفْسَهُ مَجازًا. وأنشد في البابِ في مِثْلِهِ (١١٨١): [٤٨٨] يا نُعْمَ هَلْ تَحْلِفُ لا تَدِينُها الشاهدُ فيه ترخيمُ (نُعمانَ)، والقولُ فيه كالقولِ في الذي قَبلَه. ومعنى تَدينُها تُجازيها، يقال: دِنْتُهُ بما صَنَعَ، أَيْ: جازَيتُهُ، ومنه المَثَلُ: (كما

стр. 327

وأنشد في البابِ لأمرِئ القيس (١١٧٣): [٤٨٤] لَنِعْمَ الفَتَى تَعْثُو إلى ضَوءِ نارِهِ … طَرِيفٌ بنُ مالٍ لَيلَةَ الجوعِ والخَصَرْ الشاهدُ فيه ترخيمُ (مالِكٍ) في غيرِ النداءِ ضَرورةً، وجَعْلُهُ بمنزلة اسمٍ لم يُحذَفُ منه شيءٌ، فلذلك جَرَّهُ بالإضافةِ، وهذا حُكْمُ ما رُخَّمَ في غَيرِ النداءِ ضرورةً عند أكثرِ النحويين (١١٧٤). ومذهبُ سيبويه (١١٧٥) إجراؤُهُ على الوجهين، لأنّ الشاعِرَ إذا اضطُرَ إلى تَرخيمه وحذْفِهِ فإنّما يَنْقُلُه مِن بابِ النِداءِ على حَسَبِ ما كانَ عليه، وهو في بابِ النداءِ مُتَصَرِّفُ على الوجهينِ فَيُجرِيهِ (١١٧٦) في غير النداءِ على ذلك. مَدَحَ رجُلًا من طَيَّئ استَجارَ به فأجارَهُ، وكانَت القَبائلُ تَتَحاماهُ خَوفًا مِن المَلِكِ المُطالبِ له. ومعنى تَعشُو تَسيرُ في الظَلامِ، والعِشاءُ: الظَلامُ، والخَضَرُ: شِدَّةُ البَردِ. وأنشد في البابِ لرجُلٍ مِن بني مازنٍ (١١٧٧): [٤٨٥] عَلَيَّ دِماءُ البُدْن إنْ لَمْ تُفارِقي … أبا حَردَبٍ لَيلًا وأصحابُ حَرْدَبِ الشاهدُ فيه تَرخيمُ (حَرْدَبَةَ) في غيرِ النداءِ ضَرورةً، وإجراؤُهُ بَعدَ الترخيمِ مُجرى غيرِ المُرَخَّمِ في الإعرابِ كما تَقَدّمَ. يُخاطبٌ ناقَتَهُ ويأمُرها بمُفارقةِ أبي حَرْدَبَةَ وكان لِصًّا قاطعًا، وكانَ من أصحابِهِ فتابَ. وأرادَ (وأصحابَ أبي حَرْدَبَةَ) فَحَذفَ ضَرورةً لِعِلْمِ السامعِ. والبُدْنُ جَمعُ بَدَنَةِ وهىِ الناقَةُ تُتَّخَدُ للنَحْرِ، وأرادَ هنا نَحرَها بمكَّة نَذْرًا.

стр. 328

تَدِينُ تُدانُ) (١١٨٢) أيْ: كما تَفْعَلُ تُجازَي، فسَمَّى فَعْلَهُ دِينًا وإن لم يكُنْ جَزاءً، لأنّه سَبَبُ الجَزاءِ فَسَماه باسمِهِ. وأنشد في البابِ للبيدٍ (١١٨٣): [٤٨٩] يا أسْمَ صَبرًا على ما كانَ مِن حَدَثٍ … إنَّ الحَوادِثَ مَلْقِيٌ ومُنْتَظَرُ الشاهدُ فيه ترخيمُ (أسْماء) وحذفُ الألِفِ والهَمزةِ منها كما حُذِفَت الألِفُ والنونُ مِن مَرْوان. وأسماءُ عند سيبويه (١١٨٤) فعْلاءُ، لأنّه جَعَلَ في آخرها زائدتين زِيدَتا مَعًا فَحُذِفَتا في الترخيم مَعًا كما حُذِفَتا في مروانَ معًا، ولا يُعرَفُ في الكلامِ اسمٌ بهذا التأليفِ فتكونَ اسماءُ فَعلاءَ منه. والظاهِرُ أنَّ أسماءَ (أفعالٌ) (١١٨٥) على أنه جَمعُ اسمٍ فَسُمَّي به، وحُذِفَت الألفُ مع الهمزةِ التي هي لامُ الكلمةِ (١١٨٦)؛ لأنَّها زائدةٌ رابعة كألِفِ عَمّارٍ، فَحُذِفَتْ مع الأصلِيُ كما تُحْذَفُ ألفُهُ. وإن كانَتْ أسماءُ (فَعْلاءَ) [على ما ذَكَرَه] (١١٨٧) سيبويه فاشتقاقُها مِن الوَسامَةِ أُبْدَلَتْ واوُها همزةً استثقالًا للواوِ أوّلًا كما قالوا: امرأةٌ أناهٌ مِن الوَنَى، وقالوا: أَحَدٌ والأَصلُ وَحَدٌ لأنّه مِن الواحِدِ، فَعَلى هذا يَخْرُجُ قَولُهُ. وذَكَّرَ مَلقّيًا ومُنتَظَرًا، وَهُما خَبَرٌ عَن الحوادثِ، لأنّه أرادَ أنّ الحوادِثَ منها حادِثٌ مَلْقَيٌّ قَدْ وَقَعَ، وحادِثٌ مُنْتَظَرٌ لم يَقَعْ بَعْدُ. وأنشد في بابٍ ترجَمَتُه: هذا بابُ ما يُحرَّكُ فيه الحَرفُ الذي يَليه المحذوفُ،

стр. 329

الرجل من أزْدِ السَراةِ (١١٨٨): [٤٩٠] ألا رُبَّ مَولودٍ وليسَ لَهُ أبٌ … وَذِي وَلَدٍ لَمْ يَلْدَهُ أبَوانِ الشاهدُ في قوله: (لَمْ يَلْدَهُ)، وأرادَ [لم] يَلِدْهُ، فَسَكَّنَ المكسورَ تخفيفًا كما يقالُ في عَلِمّ: عَلْمَ، فسُكَّنَتِ اللامُ وبَعْدَها الدالُ ساكنةٌ للجَزْمِ فَحَرَّكها لالتِقاءِ الساكنين بحركةِ أقربِ المتحرَّكاتِ إليها وهي الفتحةُ، لأنّ الياءَ مفتوحةٌ فَحَمَلَ الدالَ عليها ولم يَعْتَدَّ باللامِ الساكنةِ لأنّ الساكنَ غَيرُ حاجِزٍ حَصِين. وأرادَ بالمولودِ الذي لا أبَ له عيسى صلواتُ [اللَّه عليه] (١١٨٩)، وبذي وَلَدٍ [لم يَلِدْه] (١١٩٠) أبَوانِ آدَمَ ﵇. وأنشد في بابٍ ترجَمَتُه: هذا بابُ ما رَخَّمَتِ الشُعراءُ في غيرِ النداءِ اضطِرارًا (١١٩١): [٤٩١] وقَدْ وسَطْتُ مالِكًا وحَنظَلا الشاهدُ فيه ترخيمُ (حَنْظَلَةَ) في غيرِ النداءِ ضَرورةً. ومعنى وَسَطْتُ تَوَسَّطْتُهم في الشرَفِ. ومالِكٌ هو مالِكُ بنُ حَنْظَلَةَ من تَميِم، وهو أبو دارِم بن مالِكٍ. وأنشد في البابِ لابنِ أحمَرَ (١١٩٢): [٤٩٢] أبو حَنَشٍ يُؤرّقُنا وطَلْقٌ … وعَمَّارٌ وآوِنَةً أثالا

стр. 330

الشاهدُ في ترخيمِ (أُثالَةَ) في غيرِ النِداءِ ضرورةُ، وتَركِهِ على لَفظِهِ وإنْ كانَ في المعنى مرفوعًا: وقَدْ قَدَّمْتُ أنّ سيبويه (١١٩٣) يَرَى [أنَّ] إجراءَهُ [بَعْدَ الترخيمِ] في غيرِ النِداءِ على الوجهينِ الجائزينِ فيما رُخِّمَ في النِداءِ. والمُبَرَدّ (١١٩٤) لا يراهُ جائزًا إلّا على لُغةِ مَنْ جَعَلَه اسمًا على حِيالِه مُتَصَرِّفًا بوجوه الأعرابِ، ويَزْعُمُ أنّ قوله: (أُثالا) منصوبٌ محمولٌ على الضميرِ المنصوبِ في قوله: (يُؤرَّقُنا)، والمعروف في هذا أنّ عَمرو منَ أحمَرَ رَثى قَومًا منهم أُثالةُ، فهو مِن جُملَة مَنْ أرَّقَهُ حُزنًا عليه. وفيه تَقديرٌ آخرُ (١١٩٥) يخرجُ به عن مذهبِ سيبويه والمبرّدِ، وهو أنْ يَنصبَ أُثالا وهو غيرُ مُرَخَّمٍ باضمارِ فِعلٍ دَلَّ عليه (يُؤرَّقُنا لأنَّه إذا ارَّقَه فقَدْ ذَكَرَهُ، فكأنَّه قال: وآونَةً أذْكُرُ أُثالًا فَيؤرَّقُنا. وآوِنَةٌ جَمعُ أوانٍ، ونَصْبُهُ (١١٩٦) على الظَرْفِ. وأنشد في البابِ لجريرٍ (١١٩٧): [٤٩٣] ألا أضْحَتْ حِبالُكُمُ رِمامًا … وأضْحَتْ مِنْكَ شاسِعَةً أُمامَا يَشُقُّ بها العَساقِلَ مُؤْجَدَاتٌ … وكُلُّ عَرَنْدَسٍ يَنفِي اللُّغامَا

стр. 331

الشاهدُ فيه تَرخيمُ (أُمامَةَ) في غَير النِداءِ ضرورةً، وتَركُها مفتوحَةً وهي في موضعِ رَفْعٍ بأضْحَتْ كما تَقَدَّمَ في أُثالَةُ، والقَولُ فيهما واحِدٌ. وكان المبرّدُّ (١١٩٨) يَرُدُّ هذا ويَزْعُمُ أنَّ الروايةَ فيه: وما عَهْدٌ كَعَهْدِكِ يا أماما وأنَّ عُمارَةَ بنَ عَقيلِ (١١٩٩) بن بِلالٍ بنِ جَريرٍ أنشَدَه هكذا، وسيبويه أوثَقُ مِنْ أنْ يُتَّهَمَ فيما روَاه. والرِمامُ جَمعُ رَميمٍ وهو الخَلَقُ البالي، يُريدُ أنَّ حبالَ الوَصْلِ بَينَهُ وبينَ أُمامَةَ قد تَقَطَّعَتْ للفِرَاقِ الحادِثِ بينهما، والشاسِعَةُ البَعيدةُ. والعَساقِلُ جَمعُ عَسْقَلَةٍ وعُسْقُولٍ وَهُما تَلَمُّعُ السَرابِ واضطِرابُهُ، يريدُ سَيرَها في الفَلَواتِ راجعةً إلى مَحضَرِها بَعدَ انقِضاءِ زَمَن الانتجاعِ. والمُؤجَدَةُ: الناقَةُ القَوِيةُ، وهي الأُجُدُ أيضًا. والعَرَنْدَسُ: الجَمَلُ الشَديدُ، واللُّغامُ: ما يَطْرَحُهُ مِن الزَبَدِ لِنَشَاطِهِ. وأنشد في البابِ لزهير (١٢٠٠): [٤٩٤] خُذُوا حَظَّكُمْ يا آلَ عِكْرِمَ وأذْكُروا … أواصِرَنا والرِحْمُ بالغَيْبِ نُذْكَرُ الشاهد في ترخيم (عِكْرمَةَ) وتَرْكِهِ على لَفْظِهِ، ويحتمل أنْ يَجْعَلَ فَتْحَتَهُ إعرابًا على أنْ تَجعَلَه اسمًا لمؤنَّثٍ فَلا تَصْرِفُهُ لأنّ عِكْرِمَةَ وإنْ كانَ اسمَ رَجُلٍ فإنَّهُ يَقَعُ على القبيلةِ، وهو عِكْرِمَةُ (١٢٠١) بنُ خَصَفَةَ بنُ قَيْسِ عَيْلانَ بن مُضَرَ. والأواصِرُ: العَواطِفُ والأرحامُ، يقال: أَصَرَتْهُ عليَّ رَحِمٌ، أيْ: عَطَفَتْهُ، والرحمُ التي ادّعاها بَيْنَه وبينَ آلِ عكرمةَ أنّه مِن مُزَيْنَةَ (١٢٠٢) بنِ أُدِّ بنِ طابِخَةَ بنِ الياسَ بن مُضَرَ،

стр. 332

وعِكرِمَةُ مِن مُضَرَ كما تَقَدَّمَ، والمعنى خُذُوا حَظَّكُم مِن مَوَدَّتِنا ومُسالَمَتِنا، وكانوا قَدْ عَزَموا على غَزْوِ قَومِهِ. وأنشد في البابِ لابنِ حبْناءَ التَمِيميّ (١٢٠٣): [٤٩٥] إنَّ ابنَ حارثَ إن أَشْتَقْ لرُؤيَتِهِ … أو أَمْتَدِحْهُ فإنَّ الناسَ قَدْ عَلِمُوا الشاهدُ فيه تَرخيمُ (حارثَةَ) وتَرْكُهُ على لَفظِهِ مفتوحًا كما كانَ قبلَ الترخيمِ، وهذا يُقوِّي مذهبَ سيبويه في حَمْلِهِ على وَجْهَي الترخيمِ في غيرِ النِداءِ كما كانَ في النداءِ جارِيًا عليهما، لأنّ حارِثَةَ هنا اسمُ رَجُل فإذا رُخِّمَ وأُعْرِبَ لم يَكُنْ له مانعٌ من الصَرْفِ، لأنّه ليسَ بقبيلةٍ ولا اسمٍ "ولا اسمٍ" لمؤنَّثٍ، وهو حارِثَةُ بنُ بَدرٍ الغُدانِي (١٢٠٤) سَيِّدُ بني غُدانَةَ بن يربوعِ بنِ حَنْظَلَةَ مِن تَميمٍ: وأنشد في البابِ للأسودِ بنِ يَعْفُرَ (١٢٠٥): [٤٩٦] أَوْدَى ابنُ جُلْهُمَ عَبّادٌ بِصِرْمَتِهِ … إنَّ ابنَ جُلْهُمَ أمسَى حَيَّةَ الوادِي الشاهدُ في قولِهِ: (جُلْهُمَ) وأنّه أرادَ أُمَّهُ جُلْهُمَ، فلا تَرخيمَ فيه على هذا لأنّ العَرَبَ سَمَّتِ المرأة جُلْهُمَ بغير هاءٍ والرَجُلَ جُلْهُمَةَ بالهاءِ، كذا جَرَى استعمالُهم للاسمينِ، وإنْ كانَ أرادَ أباه فقَدْ رَخَّمَ على ما تَقَدَّمَ، والقَولُ فيه كالقولِ في الذي قَبْلَهُ. والصرْمَةُ: القِطْعةُ من الإبِلِ ما بَينَ الثلاثين إلى الاربعين. ومعنى أودَى بها ذَهَب بها. وقولُه: أمسَى حَيَّةَ الوادِي، أيْ: يَحْمِي ناحِيتَهُ ويُتَّقَى منه كما يُتَّقَي مِن الحَيَّةِ الحامِيةِ لِوادِيها المانِعَةِ منه، والوادي: المُطْمئنُّ من الأرض.

стр. 333

وأنشد في البابِ لرجُلٍ مِن بني يَشْكُرَ (١٢٠٦): [٤٩٧] لَهَا أشارِيرُ مِنْ لَحْمٍ تُتَمَّرُهُ … مِن الثَعالي وَوَخْزٌ مِن ارانِيها الشاهدُ فيه بَدَلُ (١٢٠٧) الياءِ مِن الباءِ في الثَعالِبِ والأرانِبِ ضَرورةً، وَوَجْهُ ذلك أنّه لمّا اضطُرَّ إلى إسكانِ الحَرفَينِ لاقامَةِ الوَزْنِ وَهُما مِمَّا لا يُسَكَّنُ في الوَصْلِ أبْدَلَ مكانَهُما الياءَ لأنّها تُسَكَّنُ في حالِ الرَفْعِ والخَفْضِ. وإنّما ذَكَرَ سيبويه هذا لِئلَا يُتَوَهَّمَ من بابِ الترخيمِ وأنَّ الياءَ زيدَتْ كالعِوَضِ، لأنَّ المُطَّرِدَ في التَرخيمِ ألّا يُعَوَّض من الحرفِ المحذوفِ شيءٌ لأنّ التَمامَ مَنْوِيٌ فيه، ولأنّ الترخيمَ تخفيفٌ، ولو عُوِّضَ منه لَرُجِعَ فيه إلى التَثْقيلِ. وَصَفَ عُقابًا. والأشارِيرِّ جَمعِّ إشرارَةٍ وهي القِطعَةُ من اللحم تُجّفَّفُ للادّخارِ، والمِيشَرُ: ما يُجَفَّفُ عليه اللحمُ وغَيرُهُ. ومعنى تُتَمِّرُهُ تُجَفِّفُهُ، واشتِقاقُهُ مِن التَمر، يُريدُ بَقاءَهُ في وَكْرِها حَتى يَجِفَّ لكثرتِهِ. والوَخزُ: القِطَعُ من اللحمِ، وأصلُ الوَخْزِ الطَعْنُ الخفيفِّ، كأنّه يُريدُ ما تَقْطّعُهُ من اللحمِ بسُرعَةٍ. وأنشد في البابِ في مِثْلِهِ، ويقال: هو مصنوعٌ لخَلَفِ الأحْمَرِ (١٢٠٨): [٤٩٨] ومَنْهلٍ لَيسَ لَهُ حَوازِقُ (١٢٠٩) ولِضَفادِي جَمَّهِ نَقَانِقُ

стр. 334

الشاهدُ فيه إبدالُّ الياءِ مِن العينِ في الضفادِعِ ضَرورةٌ، وعِلَّتُه كعِلَّةِ الذي قَبْلَهُ. والمَنْهّلُ: المَوْرِدُ. والخَوازِقُ: الجَماعاتُ، واحِدَتُها حَزِيقَةٌ فَجَمَعها جَمْعَ فاعلةٍ كأنّ واحِدَتَها حازِقَةٌ، لأنّ الجَمعَ قَدْ يُبنَى على غيرِ واحِدِه، أيْ: هو مُنْهّلٌ مُقْفِرٌ لا وارِدَ لَهُ. والجَمُّ جَمعُ جَمَّةٍ وهي مُعظَمُ الماءِ ومُجْتَمَعُه. والنّقانِقُ: أصواتُ الضّفادِعِ، واحِدَتُّها نَقْنَقَةٌ. وأنشد في بابٍ ترجَمَتُه: هذا بابٌ المُنْفِيِّ بـ (لامِ) الإضافةِ، للنابغة (١٢١٠): [٤٩٩] با بُؤْسَ للجَهْلِ ضَرّارًا لأقْوامِ الشاهدُ فيه إقْحامُ اللامِ بينَ المُضافِ والمُضافِ إليه في قوله: (يا بُؤْسَ للجَهْلِ) توكيدًا للإِضافةِ على ما بَيَّنَهُ في البابِ. وصَدْرَ البيتِ. قالَتْ بَنُو عامرٍ خالُوا بَنِي أسَدٍ يريدُ ما كانّ مِن عَزْمِ بني عامِرٍ على قَومِهِ في مُقاطَعَةِ بني أسَدٍ والدَّخول في حلفِهم فَجَهَّلُهُّم في ذلك. ومعنى خالُوا تارِكوا وقاطِعوا، يقال للمُطَلَّقَةِ: خَلِيَّةُ من هذا، وخَليتُ النَبْتَ إذا قَطَعْتَهُ. ونَصَبَ ضَرَارًا على الحال من الجَهْلِ، والمعنى ما أَبْأَسَ الجَهلَ على صاحبِهِ وأضَرَّهُ لَهُ. وأنشد في البابِ "قَبْلَه" للنابغةِ (١٢١١) "أيضًا": كِلِيني لِهَمَ يا أُمَيْمَةَ ناصِبِ [٤٤٩] مستَشْهِدًا به على إقحامِ الهاءِ تأكيدًا للترخيم والدلالةِ عليه، وقد تَقَدَّمَ بتفسيِرهِ (١٢١٢). وأنشد بَعْدَهَ قولَ ذي الرُمَّةِ (١٢١٣): كأنَّ أَصواتَ مِن إيغالِهنَّ بِنا … أواخِرِ المَيْسِ أَصواتُ الفَراريجِ [١٤٣]

стр. 335

وقد تَقَدَّم (١٢١٤) بَعِلَّيِهِ (١٢١٥). وأنشد في البابِ لِنَهارِ بنِ تَوْسِعَةَ اليَشْكُرِيّ (١٢١٦). [٥٠٠] أَبِي الاسلامُ لا أَبُ لي سِواهُ … إذا افتَخَروا بِقَيْسٍ أو تَمِيمٍ الشاهدُ فيه جَعْلُهُ المجرورَ خَبَرَ (لا) في قوله: (لا أَبُ لي)، ولو أرادَ الإضافَةَ وتأكيدَها باللامِ المُقْحَمَةِ لَقالَ: لا أُبالي، وأحتاجَ إلى إضمارِ الخَبرِ كما يُحتاجُ إليه إذا أُضِيفَ فقيلَ: لا أباكَ كما قالَ: (١٢١٧) وأيُّ كريمٍ لا أَباكَ يُخَلَّدُ يقولُ: إذا اعتزَى غَيرِي إلى قَومِهِ وانتَمَى إليهم في الشَرَفِ فأنا مُعْتَزٍ للإسلامِ مُنْتَمٍ في الشَرَفِ إليه، وإنّما قالَ هذا لأنَّ يَشْكُرَ مِن بَكْرِ بنِ وائلٍ في غَيرِ البيتِ وموضعِ الشَرَفِ. وأنشد في الباب (١٢١٨): [٥٠١] لا أَبَ وابْنًا مِثْلُ مَروانَ وابْنِهِ … إذا هو بالمَجْدِ ارتَدَى وتَأَزَّرا الشاهدُ فيه عَطْفْ (ابنٍ) على المنصوبِ بـ (لا) وتَنْوِينُهُ، لأنَّ المعطوفَ لا يُجْعَلُ وما قَبْلَه (١٢١٩) بمنزلةِ اسمٍ واحدٍ لأنّهما مع حرفِ العَطفِ ثلاثَهُ أشياءَ والثَلاثَهُ لا تُجعَلُ

стр. 336

اسمًا واحدًا. مَدَحَ مروانَ بن الحَكَمِ وابنَهُ عبدَ المَلِكِ وجَعَلَهما لشُهْرَةٍ مجدِهما كاللابِسَيْنِ له المُتَرَدِّيين به، وجَعَل الخبرَ عن أحدِهما وهو يَعْنِيهما اختصارًا لِعِلْمِ السامعِ. وأنشد في البابِ لأنَس بن العبّاسِ السُلَمِيّ (١٢٢٠): [٥٠٢] لا نَسَبَ اليومَ ولا خُلَّةً … إتَّسَعَ الخَرْقَ على الراقِعِ الشاهدُ فيه نَصْبُ المعطوفِ وتَنْوِينُهُ على إلغاءِ (لا) الثانيةِ وزيادَتِها لتأكيدِ النَفْي، والتقديرُ لا نَسَبَ وخُلَّةً اليومَ، والقولُ فيه كالقولِ في الذي قَبلَه، ولو رُفِعَت (الخَلَّةُ) على الموضعِ لجازَ. وَصَفَ شِدَّةً أصابَتْهُ تَبَرَّأ منه فيها الوَليُّ والصَديقُ، وضَربَ اتِّساعَ الخَرقِ مَثَلًا التفاقُم الأمر. وقَطَع الألِفُ مِن (اتَّسَعَ) ضَرورةً وساغَ له ذلك لأنّ القَسِيمَ الأوّلَ يُوقَفُ عليه ثُمَّ يُسْتأنَفُ ما بَعدَه فَيُبْتَدأ به. وأنشد بَعدَه قولَ أبي مِحجَنِ الثَقَفيّ (١٢٢١): يا رُبَّ مِثْلِكِ في النِساءِ غَرِيرةٍ [٣١٤] مستَشهِدًا به على أنّ (رُبَّ) تَلزَم العَمَلَ في النَكرةِ كما تَلزَمُهُ (لا) في التَبْرِئةِ، وقد مَرَّ البيتُ بتفسيرِهِ (١٢٢٢). وأنشد في بابٍ ترجَمَتُه: هذا بابُ ما جَرَى على موضعِ المنفيّ لا على الحرفِ الذي عَمِلَ في المنفيّ، لذِي الرُمَّةِ (١٢٢٣): [٥٠٣] بِها العِينُ والآرامُ لا عَدَّ عِندَها … ولا كَرَعَ إلّا المَغَاراتُ والرَبْلُ

стр. 337

الشاهدُ فيه رَفْعَ (كَرَعٍ) عَطفًا على موضعِ الاسمِ المنصوبِ بـ (لا)، والتقديرُ لا فيها عِدٌّ ولا كَرَعٌ، ولو نُصِبَ حَمْلًا على اللفظِ لجازَ. وَصَفَ فَلاةً لا ماءَ بها إلّا ما غارَ من ماءِ السَماءِ، ولا شَجَرَ إلّا ما تَرَبَّلَ في أصولِ اليَبِيسِ وهو الرَبْلِّ. والعينُ: بَقَرُ الوَحْشِ واحدُّها أعْيَنُ وعَيْناءُ، سُمِّيّت بذلك لسعة عُيونِها. والآرامُ جَمعُ رِئم وهو الظبْيُ الخالصُ البَياضِ. والعِدُّ: الماءُ الثابتُ المُعْتَدُّ به كماء الآبارِ والعُيِّوني. والكَرَعُ: ما تكرَعُ فيه الواردةُ مِن ماءٍ السماء مِمّا يَظهرُ على وَجْهِ الأرضِ. والمغاراتُ: حَيثُ يَغورُ ماءُ السَماءِ. . وأنشد في البابِ لرَجُلٍ من مَذْحِجَ (١٢٢٤): [٥٠٤] هذا لَعَمْرِّكُمُ الصَغَارُّ بِعَيْنِهِ … لا أُمِّ لي إنْ كانَ ذاكَ ولا أَبُ الشاهدُ فيه عَطْفُ (الأب) على موضعِ الأُمِّ، والقَولُ فيه كالقَولِ في الذي قَبلَه. وقد تَقَدَّمَ معنى البيت وخَبَرهُ (١٢٢٥)، والبيتُ الذي قَبلهُ يُبَيِّنَهُ وهو قولُه: وإذا تكونُ كَرِيهةٌ أُدْعَى لَها … وإذا يُحاسٌ الحَيْسُ يُدْعَى جُنْدُبُ وأنشد في البابِ بَعدَه قولَ عُقّيْبَةَ الأسدِي (١٢٢٦): فَلَسْنا بالجِبال ولا الحَدِيدا [٤٩] مستَشْهِدًا به لِما حُمِلَ على الموضعِ، وقَدْ تَقَدَّمَ (١٢٢٧) تَفْسِيرُهُ (١٢٢٨). وأنشد في البابِ لِذي الرُمَّةِ (١٢٢٩): [٥٠٥] هِيَ الدارُ إذْ ميُّ لأهلِكِ جِيرَةٌ … لَياليَ لا أَمثالَهُنَّ لَيَاليا

стр. 338

الشاهدُ فيه قَولهُ: (لا أمثالَهُنَّ لَيَالِيا) فَنَصَب أمثالَهُنَّ بـ (لا) لأنَّ (المِثْلَ) نكرةٌ وإنْ كانَ مضافًا إلى معرفةٍ كما تَقَدَّمَ. ونَصَبَ (لَياليا) على التبيين لـ (أمثالِهُنَّ) على مِثالِ قولك: لا مِثْلَكَ رَجُلًا، فَرَجُلٌ تَبيينٌ للمِثْلِ على اللفظِ، ولو حُمِلَ على الموضعِ (١٢٣٠) لجازَ. ويجوزُ نَصْبُ (لَيالٍ) على التمييزِ كما تقولُ: لا مِثلَكَ رَجُلًا على تقدير لا مِثلَكَ مِن رَجُلٍ، وفي نَصْبِها (١٢٣١) على التمييزِ قُبْحٌ لأنّ حُكْمَ التمييز أنْ يكونَ واحدًا يُؤدِّي عن الجمعِ. يقول: هذه الدارُ كانَتْ لِمَيَّةَ دارًا زَمَنَ المُرْتَبَعِ وتَجاوُرِ الأحياءِ، وفَضَّلَ تلك الليالي لِما نالَ فيها من التَنَعُّمِ بالوِصالِ واجتماع الشَمْلِ. وأنشد في البابِ لجريرٍ (١٢٣٢): [٥٠٦] لا كالعَشِيَّةِ زائرًا ومَزُورا الشاهدُ فيه نَصْبُ (زائرٍ ومَزورٍ) بإضمار فِعْلٍ، والتقديرُ لا أرَى كالعَشِية زائرًا ومَزورًا، أيْ: لا أرَى زائرًا ومَزورًا كزائرِ العَشِيَّةِ ومَزورِها، فحذفَ اختصارًا لِعِلْمِ السامعِ كما قالوا: ما رأيتُ كاليومِ رَجُلًا، أيْ: كرَجُلٍ أراهُ اليومَ، ولا يُحسُنُ في هذا رَفْعُ الزائر لأنّه غَيرُ العَشِيَّةِ، وليسَ بمنزلةِ لا كَزيدٍ رَجُلٌ لأنّ زيدًا من الرِجالِ. وأنشد في البابِ لامِرئ القيس (١٢٣٣): [٥٠٧] وَيْلِمِّها في هَواءِ الجَوِّ طَالِبّةً … ولا كهذا الذي في الأرضِ مَطْلوبُ الشاهدُ فيه رَفْعُ (مَطْلوبٍ) حَمْلًا على موضعِ الكافِ لأنّها في تأويلِ (مِثْلٍ) وموضِعُها موضعُ رَفعٍ، وهو بمنزلةِ "قَولك": لا كزيدٍ رَجُلٌ، ولو نُصِبَ حَمْلًا على اللفظِ أو على التمييز لجازَ.

стр. 339

وَصَفَ عُقابًا تَتْبَعُ ذِئبًا فتصيدَهُ، فَتَعَجَّبَ منها في شِدَّةِ طَلَبِها، ومنه في سُرعَتِهِ وشِدَّةِ هُروبِهِ. وأرادَ وَيْلَ أُمُّها فحَذَفَ الهمزةَ لثِقلِها، ثُمَّ أتبَعَ حركةَ اللامِ حركةَ الميمِ (١٢٣٤)، وقد بَيَّنْتُ هذا بِعِلَّتِهِ في كتابِ (النكت) (١٢٣٥). وأنشد في البابِ بَعده (١٢٣٦): فَهَل في مَعَدٍ فوقَ ذلك مِرْفَدَا [٤٦٦] استَشْهَدَ به على نَصْبِ رَجُلٍ على التمييزِ في قولك: لا مِثْلَكَ رَجُلًا، والتقديرُ فَهَلْ في مَعَدٍّ مِرْفَدٌ فوق ذلك [مِرْفَدًا]، وقد تَقَدَّمَ البيتُ بتفسيرهِ (١٢٣٧). وأنشد في بابٍ ترجَمَتهُ: هذا بابٌ لا تُغَيرُ فيه [لا] الأسماءَ عِن حالِها، للراعي: (١٢٣٨) [٥٠٨] وما صَرَمْتُكِ حَتّى قلْتِ مُعْلِنَةٌ … لا ناقَةٌ لِيَ في هذا ولا جَمَلُ الشاهدُ فيه رَفْعُ ما بعدَ (لا) بالابتداءِ والخبرِ لتكريرِها على ما يجبُ فيها مع التكريرِ، ولو نُصِبَ، على إعمالِها لجازَ. والرَفْعُ أكثرُ لأنَّها جَوابٌ لِمَنْ قالَ لكَ: ألَكَ في هذا ناقَةٌ أو جَمَلٌ؟ فقيلَ له: لا ناقَةٌ لي في هذا ولا جَمَلٌ، فجرَى ما بَعدَها في الجوابِ مجراه في السُؤالِ. يقولُ: ما صَرَمَها حَتّى تَبَرَّأَتْ منه وصَرّمَتْهُ وأعلَنَتْ، بذلك، وضَرَبَ قوله: (لا ناقَةُ لي في هذا ولا جَمِلٌ) مَثَلًا لِبَراءتِها منه وقَطْعِها له، وهو (١٢٣٩) مَثَلُ سائرٌ (١٢٤٠) في هذا

стр. 340

المعنى. وأنشد في البابِ بَعدَه قولَ سَعْدِ بنِ مالِكٍ (١٢٤١): مَنْ صَدَّ عَنْ نِيرانِها … فَأنا ابنُ قَيْسٍ لا بَراحُ [٤١] استَشْهَدَ به على أعمالِ (لا) عَمَلَ (ليسَ) في بعض اللُّغاتِ، ولُزومِها للنكرةِ في الرَفْعِ كَلُزومِها لها في النَصْبِ، وقد تَقَدَّمَ البيتُ بِعِلَّتِهِ وتَفسيرِه (١٢٤٢). وأنشد في الباب (١٢٤٣): [٥٠٩] لا هَيْثَمَ اللّيلَةَ للمَطِيُّ الشاهدُ فيه نَصْبُ (هَيْثَمٍ) وهو اسمٌ عَلَمٌ معرفةٌ بـ (لا)، وهي لا تعملُ إلّا في نكرة، وجازَ ذلك لأنَّه أرادَ لا أمثالَ هَيْثَمٍ مِمِّن يقومُ مَقامَهُ في حُداءِ المَطِيّ، فصارَ هذا شائعًا وأُدْخِلَ هَيثمٌ في جُملةِ المَنْفيّين، وهو كقولهم: (قَضِيَّةٌ ولا أبا حَسَنٍ) (١٢٤٤)، بريدون (١٢٤٥) عليَّ بنَ ابي طالبٍ ﵁، والمعنى ولا قاضِي ولا فاصِلَ مِثْلَ أبي حَسَنٍ لها. وأنشد في البابِ في مِثْلِهِ لابنِ الزَبِير الأسدي (١٢٤٦): [٥١٠] أرَى الحاجاتِ عِند أبي خُبيْبٍ … نَكِدْنَ ولا أُمَيَّةَ في البلادِ الشاهدُ فيه نَصْبُ (أُمَيَّةَ) بالتَبْرِئةِ على معنى ولا أمثالَ أُمَيَّةَ، والقَولُ فيه كالقَولِ في الذي قَبلَه. يَقولُ هذا لعبدِ اللَّه بن الزُّبَيْرِ ﵀ وكُنْيَتُهُ أبو خُبَيْبٍ. ومعنى نَكِدْنَ ضِقْنَ

стр. 341

وتَعَذَّرُونَ، والنَكَدُ ضيقُ العَيش، وكانَ ابنُ الزُبَيْر "﵄" مُبخَّلًا، فَذَمَّهُ وَمَدَح بني أُمَيَّةَ، وأرادَ بالبِلادِ ما كانَ في طاعةِ ابنِ الزُبَيْر زَمَنَ خِلافَتِهِ (١٢٤٧). وهذا الشاعرُ مِن أسَدٍ بنِ خُزَيْمَةَ، واسمُ أبيه الزَبِيرُ بفتْحِ الزاي وَكَسْرِ الباء، والزَبِيرُ: طَيُّ البِئرِ، وذَكْرتُ هذا لأنَّ الناسَ يُغيِّرونه فيقولونَ: عبدُ اللَّه بن الزُبَيْر بِضَمِّ الزاي ورَفْع الباءِ غَلَطًا. وأنشد في البابِ لِمُزِاحِم العُقَيْلِي (١٢٤٨): [٥١١] فَرَطْنَ فَلا رَدٌّ لِما بُتَّ وانقَضَى … ولكنْ بَغُوضٌ أنْ يُقالَ عَدِيمُ الشاهد فيه رَفْعُ ما بَعدَ (لا) تَشبيها [لها] بِلَيْسَ كما تَقَدَّمَ. وَصَفَ كِبَرَهُ وذَهابَ شَبابِه وقُوتِهِ [وفُتُوتِهِ] فيقول: فَرَطْنَ، أيْ: ذَهَبْنَ وَتَقَدَّمْنَ فَلا رَدٌّ لِما فاتَ منهنَّ. ومعنى بُتَّ قُطِعَ، ثُمَّ قال: ولكنْ بَغوضُ أنْ يقالَ عَدِيمُ أيْ: مُبَغَّضُ إلى الناسِ لأنْ قيل: عُدِمَ شَبابَهُ. وبغُوضٌ تكثيرُ بَغِيضٍ. ويُروى (تَعَوَّض)، ومعناه تَعَوَّضْ مِن شَبابِكَ حِلْمًا مَخافَةَ أنْ يُقالَ: عَديمُ شَبابٍ وحِلْمٍ. وأنشد في البابِ (١٢٤٩): [٥١٢] بَكَتْ جَزَعًا واسَتَرْجَعَتْ ثُم آذنَتْ … رَكائبُها أنْ لا إلينْا رُجُوعُها الشاهد فيه ابتداءُ المعرفةِ بَعدَ (لا) مفرَدَةً، وإنَّما يُبْتَدأُ بَعدَها بالمعارف (١٢٥٠)

стр. 342

مُكَرَّرَةً كقولهم: لا زَيدٌ في الدار ولا عَمرٌو، وَوَجْهُ جَوازِهِ تَشبيهُ (لا) بـ (ليسَ) ضَرورةً في إفرادِ الاسمِ بَعدَها وإنْ لم تَعملْ فيه عَمَلَها، فكأنّه قال: ليسَ إلينا رُجُوعُها. وَصَفَ أنَّها فارَقْتُهُ فَبَكَتْ واستَرْجَعَتَ لِفراقِهِ، ومعنى آذَنَتْ أَشْعَرَتْ وأعْلَمَتْ. والرَكائِبُ جَمعُ رَكُوبَةٍ وهي الراحِلَةُ تُركَبُ. وأنشد في البابِ لرجُلٍ من البيت بنِ قاصِدٍ (١٢٥١): [٥١٣] وَرَدَّ جازِرُهُم حَرفًا مُصَرَّمَةً … ولا كَريمَ مِن الوِلْدانِ مَصْبُوحُ الشاهد فيه رَفْعُ (مَصْبوح) على خبر (لا)، لأنَّها وما عَمِلَت فيه في موضعِ اسمٍ مبتدإ، ويجوزُ أنْ يكونَ مَصْبوحٌ نَعْتًا لاسمِها محمولًا على الموضعِ، ويكونُ الخبرُ محذوفًا لِعِلْمِ السامعِ، وتقديرُهُ موجودٌ وَنَحْوه. يقول: هُمْ في جَدْبٍ، فاللَّبَنُ عندهم مُتَعَذِّرٌ لا يُسقاهُ الوَليدُ الكريمُ النَسَبِ فَضَلًا عن غيرِهِ لِعَدَمِهِ، فجازِرُهُم يَردُّ عليهم من المَرْعَى ما يَنْحَرونَ للضَيف إذْ لا لَبَنَ عندهم. والحَرْفُ: الناقَةُ الضامِرُ، ويقالُ: هي القَويةُ الصُلْبَةُ، شُبِّهَتْ بحَرفِ الجَبَلِ وهو ناحِيَةُ منه وطَرَفٌ، وسُمِّيَتِ الضامِرُ حَرفًا لانْحِرافِها عن اليمَنِ إلى الهُزالِ. والمُصَرَّمَةُ: المقْطوعَةَ اللَّبَنِ لِعَدَمِ الرَعْي (١٢٥٢). والمصْبوحُ: المُسْقَى صَبوحًا وهو شُربُ الغَداةِ. وأنشد في بابٍ تَرجَمَتُهُ: هذا بابُ ما إذا لَحِقَتْهُ (لا) لم تُغَيِّرُه عَنْ حالِهِ، لجريرٍ (١٢٥٣):

стр. 343

[٥١٤] ونُبُئْتُ جَوّابًا وسَكْنًا يَسُبُّني … وعَمرَو بنَ عَفْرا لا سَلامٌ على عَمْرٍو الشاهد فيه رَفُعُ (سَلَامِ) بالابتداءِ (١٢٥٤) وإنْ كانت (لا) غَير مُكَرَّرَةٍ؛ لأنّه في المعنى بَدَل من اللفظ بالفعلِ، والفِعلُ لا يَلْزَمُ معه تكريرُ (لا)، فكأنَّه قال: لا سَلَّم اللَّه عَمرًا؛ لأنَّ معنى قولهم: سَلامٌ عليك "في معنى" سَلَّمَكَ اللَّه. وأفْرَدَ (يَسُبُّني) اكِتفاءً بخبرِ الواحدِ عن خبرِ الاثنينِ كما تَقَدَّمَ. وقَصرَ عَفْراءَ ضَرورةً. وأنشد في البابِ (١٢٥٥): [٥١٥] تَرَكْتَني حينَ لا مالٍ أعيشُ به … وحينَ جُنَّ زمانُ الناسِ أَو كَلِبا الشَّاهِدُ في إضافةِ (جِينٍ) إلى المالِ وإلغاء (لا) وزيادتها في اللفظ على حَدِّ قولهم: جئتُ بلا زادٍ، وغَضِبتُ من لا شَيءٍ، ولو رَفَعَ المالَ على تَشبِيه (١٢٥٦) (لا) بـ (لَيسَ) لجازَ. رَثَي ابنًا له فقَدَه أحوَجَ ما كانَ إليه لِفقْرِهِ وكَلَبِ الزَمانِ وشِدَّتِهِ، وضَرَبَ الجُنونَ والكَلَبَ مثلًا لِشِدَّةِ الزَمانِ، وأصلُ الكَلَبِ السُعارَ. وأنشد في البابِ (١٢٥٧): [٥١٦] حَنَّت قَلُوصِي حينَ لا حينَ مَحَنٌ الشاهد فيه نَصْبُ (حِينٍ) بالتَبْرِئةِ وإضافَةُ (حينٍ) الأُولى إلى الجملةِ، وخبرُ (لا) محذوف والتقديرُ حِين لا حِين مَحَنٍّ لها؛ أيْ حَنَّتْ في غَيرِ وَقْتِ الحنينِ، ولو جَرَّ الحِينَ على إلغاء (لا) لجازَ كالذي قَبلَه. والقَلُوصُ: الناقَةُ الفَتِيَّةُ، وهي من الإبل كالجاريَةِ من الأناسِيّ، وحَنِينُها: صَوتُها

стр. 344

شَوقًا إلى أصحابِها، والمعنى أنَّها حَنَّتْ إليها على بُعْدٍ مِنها ولا سَبِيلَ لها إليها. وأنشد في البابِ لجريرٍ (١٢٥٨): [٥١٧] ما بالُ جَهْلِكَ بَعدَ الحِلْمِ والدينِ … وقَدْ عَلاكَ مَشيبٌ حِينَ لا حِينِ الشاهد فيه إضافَةُ (حِينٍ) الأولى إلى الآخِرَةِ على تقدير زيادة (لا) لفَظًا ومعنًى، والمعنى وقَدْ عَلاكَ مَشيبٌ حِينَ حِينِ وجوبه، هذا تقديرُ (١٢٥٩) سيبويه (١٢٦٠). ويَجوزُ أنْ يكونَ المعنى ما بالُ جَهْلكَ بعدَ الحِلْمِ والدين حِينِ لا حِينَ جَهْلٍ ولا صِبًا، فيكون (لا) لَغْوًا في اللفظ دونَ المعنى. وإنَّما أضافَ الحِينَ إلى الحِينِ لأنّه قَدَّرَ [أحدهما] (١٢٦١) بمعنى التَوقيتِ كأنّه (١٢٦٢) قال: حينَ وَقْتِ حُدُوثِهِ ووُجُوبِهِ. وأنشد في البابِ لرجُلٍ من بني سَلُولٍ (١٢٦٣): [٥١٨] وأنتَ أمرُؤٌ مِنَا خُلِفْتَ لِغَيرِنا … حَياتُكَ لا نَفْعُ ومَوْتُكَ فاجِعُ الشاهد فيه رَفعُ ما بَعَد (لا) من غَير تكريرٍ، وقد تَقَدَّمَ قَبْحُه. ونَظيرُ البَيتِ قولُه: زَيدٌ لا قائمٌ، لا (١٢٦٤) يَحْسُنُ حَتَّى يقول: لا قائمٌ ولا قاعِدٌ، وسَوَّغَ الإفرادَ هنا أنَّ ما بَعدَه يَقومُ مقامَ التكريرِ في المعنى؛ لأنّه إذا قال: (ومَوْتُكَ فاجِعُ) دَلَّ على أنَّ حَياتَهُ لا تَضُرُّ، فكأنَّه قال: حَياتُك لا نَفْعٌ ولا ضَرٌّ.

стр. 345

يقول: هُو مِنّا في النَسَبِ إلَّا أنَّ نَفْعَهُ لِغَيرِنا، فَحَياتُهُ لا تَنفَعُنَا لِعَدَمِ مُشاركَتِهِ لنا، ومَوْتُهُ يَفجعنا لأنّه أحَدُنا. وأنشد في البابِ لِحَسّانَ "بن ثابتٍ (١٢٦٧) ﵁": [٥١٩] أَلَا طِعانَ ولا فُرْسانَ عادِيةً … إلَّا تَجَشُّؤُكُمْ عِندَ التَنانِيرِ الشاهد فيه عَمَلُ (أَلَا) عَمَلَ [لا] لأنَّ معناها كمعناها وإن كانت ألِفُ الاستفهامِ داخِلَةٌ عليها للتَقريرِ، وكذلك حُكْمُها إذا دخَلَت عليها لمعنى التَمَنِّي؛ لأنَّ الأصلَ فيه كُلُّه لحرفِ التَبْرئةِ، فَلَمْ تُغَيِّر المعاني الداخلةُ عليه عَمَلَهُ وحُكْمَهُ. يقولُ هذا لبني الحارثِ بنِ كَعْبٍ ومنهم النَجاشِيُّ وكانَ يُهاجِيهِ، فَجَعَلهم أَهلَ نَهَمٍ وحِرصٍ على الطّعامِ لا أهلَ غارَةٍ وقِتالٍ. والعادِيَةُ: المُستطيلةُ. ويُروى (غادِيةٌ) بالغَين المُعْجَمَةِ وهي التي تَغْدو للغَارَةِ، وعادِيَةُ أعم لأنَّها تكونُ بالغَداةِ وغَيرِها. ويَجوزُ رفعُ التَجَشُّؤ على البَدَلِ من موضعِ الاسمِ المَنْفِيّ، ونَصْبُهُ على الاسْتِثْناءِ المُنْقَطِع. وأنشد في البابِ (١٢٦٨): [٥٢٠] ألَّا رَجُلًا جَزاهُ اللَّهُ خَيرًا … يَدّلُّ على مُحَصِّلَةٍ تَبِيتُ الشاهدُ فيه نَصْبُ (رَجُلٍ) وتَنْوِيِنُهُ؛ لأنّه حَمَلَهُ على إضمار فِعْلٍ، وجَعَلَ (ألا) حَرْفَ تَحْضيضٍ، والتقديرُ ألا تُرُونَنِي رَجُلًا. ولو جَعَلَ [(ألا) للتَمَنِّي] (١٢٦٩) لَنَصَبَ ما بَعْدَها بغير تَنْوينٍ، هذا تقديرُ الخَليلِ وسيبويه (١٢٧٠)، ويُونس (١٢٧١) يرى أنَّه منصوبٌ

стр. 346

منِّي ونُوِّنَ ضَرورةً، والأوَّلُ أولَى لأنَّه لا ضرورةَ فيه، وحَرفُ (١٢٧٢)، التَحضيضِ مِمّا سُنُ إضمار الفِعل بَعدَه (١٢٧٣). وأرادَ بالمُحَصِّلة امرأةً تُحَصِّلُ الذَهَبَ من تُرابِ المَعْدِنِ وتُخَلِّصُهُ منه، وطَلَبُها للمبيتِ إمَّا للتَحْصيل وإمَّا [لفاحشةٍ] (١٢٧٤): وأنشد في البابِ (١٢٧٥) لعَدِي بن زيد (١٢٧٦): [٥٢١] في لَيلَةٍ لا نَرَى بها أحَدًا … يَحكي علينا إلا كَواكِبُها الشاهد فيه رَفْعُ (الكَواكبِ) على البَدَلِ من الضَمير الفاعِلِ في (يَحْكي)؛ لأنّه في المعنى مَنْفِيٌّ، ولو نُصِبِ على البَدَلِ مِن (أحَدٍ) لكانَ أحسَنَ؛ لأنَّ (أحَدًا) مَنْفِيٌّ في اللفظ والمعنى والبَدَلُ منه أقوَى. وَصَفَ أنَّه لا خَلا بِمَنْ يُحِبُّ في ليلةٍ لا يَطَّلِعُ فيها عليهما و"لا" يُخْبِرُ بِحالهما إلَّا الكواكبُ لو كانَتْ مِمَّنِ يُخْبِرُ. وأنشد في البابِ بَعدَه قَولَ أُمَيَّةَ بن أبي الصَّلْتِ (١٢٧٧): رُبّمَا تَكْرَهُ النُفوسُ مِن الأمْـ … ـرِ لَهُ فَرْجَةٌ كَحَلِّ العِقَالِ [٣٨٤] استشهَدَ به على أنَّ (ما) نكرةٌ بتأويلِ شيءٍ، ولذلك دَخَلَت عليها (رُبَّ) لأنَّها لا تَعملُ إلَّا في نكرةٍ، ولا تكونُ (ما) ها هُنا كافَّةً لأنَّ في (تَكْرَهُ) ضميرًا عائدًا عليها في النِيَّةِ ولا يُضْمَرُ إلَّا الاسمُ، وكذلك الضميرُ في (لَهُ) عائدُ عليها أيضًا. وقد تَقَدَّمَ البيتُ بتفسيرهِ (١٢٧٨).

стр. 347

وأنشد في بابٍ ترجَمَتُه: هذا بابُ ما حُمِلَ على موضعِ العاِمل في الاسمِ [والاسمِ] لا عَلَى ما عَمِلَ في الاسمِ (١٢٧٩): [٥٢٢] يا ابْنَي لُبَيْنَى لَسْتُما بِيَدٍ … إلَّا يَدًا ليست لَها عَضُدُ الشاهد فيه نَصْبِ ما بَعدَ (إلَّا) على البَدَلِ من موضعِ الباءِ وما عَمِلَتْ فيه، والتقديرُ لَسْتُما يَدًّا إلَّا يَدًا لا عَضَدَ لها، ولا يَجوزُ الجَرُّ على البَدَلِ من المجرورِ، لأنَّ ما بَعدَ (إلَّا) مُوجَبُ، والباءُ مُؤكِّدَةٌ للنَفْي. وتُروى (مَخْبولَةَ العَضُدِ)، والخَبْلُ: الفَسادُ؛ أي: أنتُما في الضَعفِ وقِلَّةِ النَفْعِ كَيَدٍ بطلَتْ (١٢٨٠) عَضُدُها. وأنشد في بابٍ ترجَمَتُه: هذا بابُ ما يُخْتارُ فيه النَصْبُ لأنَّ الآخِرَ ليسَ مِن نوعِ الأوَّلِ، لأبي ذُؤَيبٍ (١٢٨١): [٥٢٣] فإنْ تُمْسِ في قَبْرٍ برَهوَةَ ثاوِيًا … أنيسُكَ أصْداءُ القُبورِ تَصِيحُ الشاهد في جَعْلِهِ (الأصداءَ) أنِيسَ الموضع اتِّساعًا ومجازًا؛ لأنَّها تقوم في استقرارِها في المكانِ (١٢٨٢) وعمارَتِها له مَقامَ الأناسِيِّ. وقَوَّى بهذا مذهَبَ بَني تَميمٍ في بَدَلِ ما لا يَعْقِلُ مِمَّنْ يَعقِلُ إذا قالوا: ما في الدار أحدٌ إلَّا حِمارٌ، فَجَعَلوه بمنزلةِ ما في الدارِ أحَدُ إلَّا فُلانٌ، والنَصْبُ في مِثْلِ هذا أجُوَدُ لانقطاعِهِ من جِنْسِ الأوَّلِ وهو مذهَبُ أهلِ الحجازِ (١٢٨٣). رَثَى رَجُلًا، وجَعَلَ أنِيسهُ في الموضعِ (١٢٨٤) الذي حَلَّ فيه قَبْرُهُ الأَصْداءَ، وهي

стр. 348

جَمعُ صَدَى، وهو طائرٌ يُقالُ له: الهامَةُ، تَزْعُمُ الأعرابُ أَنَّه يَخْرُجُ من رأسِ القَتيلِ إذا لَمْ يُدْرَكْ بثأرِهِ فيصيح "على قَبْرِهِ" اسقُوني اسقونِي حَتَّى يُثْأرَ به، وهذا مَثَلٌ وإنَّما يُرادُ به تَحريضُ وَليِّ المقتولِ على طَلَبِ دَمِهِ، فَجَعْله جَهَلَهُ الأعرابِ حقيقةً. ورَهُوَةُ: موضعٌ بِعَيْنِهِ. والثاوِي: المُقِيمَ. وأنشد في البابِ للنابغة (١٢٨٥): [٥٢٤] يا دارُ مَيَّةَ بالعَلْياءِ فالسَنَدِ … [أقْوَتْ وطالَ عليها سالِفُ الأبَدِ وَقَفْتُ فيها أُصَيْلانًا أسائلُها] (١٢٨٦) … وأَعْيَتْ جَوابًا وما بالرَبْعِ من أحَدِ إلَّا الأوارِيَّ لأُيا ما أُبَيِّنُها … والنُؤْيُ كالحَوْضِ بالمَظْلومَةِ الجَلَدِ الشاهد في قوله: (إلَّا الأوارِيَّ) بالنَصْب على الاستِثْنَاءِ المُنْقَطعِ لأنَّها من غَيرِ جِنْس الأحَدِينَ، والرَفْعُ جائزٌ على البَدَلِ من الموضعِ، والتقديرُ وما بالرَبْعِ أحَدٌ إلَّا الأواريُّ على أن يُجعَلَ من جِنْسِ الأحَدِينَ اتِّساعًا ومجازًا، كما تَقَدَّمَ. وَصَفَ أَنَّ الدارَ خَلَتْ من أهلِها فسألَها تَوَجُّعًا منه وتَذَكُّرًا لِمَنْ حَلَّ بها، فَلَمْ تُجِبْهُ إذْ لا مُجِيبَ بها ولا أحَدَ إلَّا الأوارِيَّ وهي مَحابِسُ الخَيل، واحِدُها آرِيٌّ وهو مِن تَأرَّيْتُ بالمكانِ إذا تَحَبَّسْتَ به. واللأْيُ: البُطءُ، والمعنى أُبَيِّنُها بَعدَ لأيٍ لتَغَيُّرِها. والنُؤْيُ: حاجزٌ حَولَ الخِباءِ يَدْفَعُ عنه الماءَ ويُبْعِدُهُ، وهو مِن نأيْتُ إذا بَعدتَ، وشَبَّهَهُ في استِدارتهِ بالحَوضِ. والمَظْلومَةُ: أرضٌ حُفِرَ فيها الحَوضُ لغير إقامَةٍ؛ لأنَّها في فَلاةٍ فظُلِمَتْ بذلك؛ لأنَّ معنى الظُلمِ وَضْعُ الشَيءِ في غَيرِ مَوضِعِهِ، وإنَّما أرادَ أنَّ حَفْرَ الحوضِ لم يُعَمَّتْى فذلك أشْبَهُ للنُؤْي به، ولذلك جَعَلَها جَلَدًا وهي الصُلْبَةُ. ويُروى (عَيَّتْ جَوابًا) ومعناه عَيِيَتْ فأدْغَمَ للتَضْعيفِ.

стр. 349

ونَصَبَ (جوابًا) على التَمييز، وهو منقولٌ من قوله: عَيِيَ جَوابُها كما تقول: طابَتْ نَفْسًا، والمعنى طابَتْ نَفْسُها، ورَفْعُ الجَوابِ بـ (عَيَّتْ) مع ما فيه من الاتّساعِ معروفٌ في كلامهم كما قال الفرزدق (١٢٨٧): تَمِيمَ بنَ زَيْدٍ لا تكُونَنَّ حاجَتي … بِظَهْرٍ فلا يَعْيا عليَّ جَوابُها فجَعَلَ الفِعلَ لَهُ. وأنشد في البابِ (١٢٨٨): وبَلْدَةٍ لَيسَ بِها أنِيسُ [٢٠٦] إلَّا اليَعافِيرُ وإلَّا العِيسُ الشاهد فيه رَفْعُ (اليَعافِيرِ والعِيسِ) بَدَلًا من الأنيسِ على ما تَقَدَّمَ من الاتّساعِ والمَجازِ. واليَعافِيرُ: أولادُ الظِباءِ، واحدُها يَعْفُورُ. والعِيسُ: بَقَرُ الوَحْشِ لِبَياضِها، والعَيَسُ: البَياضُ، وأصلُهُ في الإبِل فاستَعارَهُ للبَقَرِ. وأنشد في البابِ للنابغةِ (١٢٨٩): [٥٢٥] حَلَفْتُ يَمِينًا غَيرَ ذِي مَثْنَوِيَّةٍ … ولا عِلْمَ إلَّا حُسْنَ ظَنٍّ بصاحِبِ الشاهد فيه نَصْبُ ما بَعْدَ (إلَّا) على الاستِثْنَاءِ المُنْقَطِعِ؛ لأنَّ حُسْنَ الظَنِّ ليسَ من العِلْمِ، ورَفْعُهُ جائزٌ على البَدَلِ من موضعِ العِلْمِ، وإقامَةِ الظَنِّ مقامَ العِلْمِ اتِّساعًا ومجازًا كما تَقَدَّمَ. والمَثْنَوِيَّةُ: الاستِثْنَاءُ فِي اليَمينِ؛ أي: حَلْفْتُ غَيرَ مُسْتَثْنٍ في يَميني حُسْنَ ظَنٍّ [مِنِّي] بصاحبي قامَ عندي مَقامَ العِلْمِ الذي يُوجِبُ اليَمِينَ.

стр. 350

وأنشد في البابِ لابن الأَيْهَمِ التَغْلَبِيّ (١٢٩٠): [٥٢٦] لَيْسَ بَيْني وبَيْنَ قَيْسٍ عِتابٌ … غَيرُ طَعْنٍ الكُلَى وضَرْبِ الرِقابِ الشاهد فيه رَفْعُ (غيرٍ) على البَدَلِ من العِتابِ اتِّساعًا ومجازًا، كما قالوا: عِتابُكَ الضَرْبُ، وتَحِيَّتُكَ الشَتْمُ؛ أي: هذا يقوم لكَ مقامَ هذا كما قال : ﴿فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ (١٢٩١) أيْ: الذي يَقومُ لكَ مقامَ البِشارَةِ العَذابُ الألِيمُ، ونَصْبُ (غَيرٍ) هو الوَجْهُ لأنَّ ما بَعدَها ليسَ من جِنْسِ ما قَبْلَها. وإنَّما قال هذا لِما كان بينَ تَغْلِبَ وقَيْس من العَداوَةِ والحَرْبِ. وأنشد في البابِ [لعَمْرو بن مَعْدِ يكَربَ] (١٢٩٢): [٥٢٧] وخَيْلٍ قَدْ دَلَفْتُ لَها بِخَيْلٍ … تَحِيَّةُ بَيْنِهم ضَرْبٌ وَجِيعُ الشاهد فيه جَعْلُ (الضَرْبِ) تَحِيَّةٌ على الاتِّساع المُتَقَدِّم ذِكْرُهُ، وإنَّما ذَكَرَ هذا تَقْويةٌ لجوازِ البَدَلِ فيما لَمْ يَكُنْ من جِنْسِ الأوَّلِ كالأبيات المُتَقَدِّمَةِ. يقولُ: إذا تَلاقَوا في الحَربِ جَعَلوا بَدَلًا من تَحِيَّةِ بَعْضِهم لبعضٍ الضَرْبَ الوَجِيعَ. ومعنى دَلَفْتُ زَحَفْتُ، والدَلِيفُ مُقارَبَةُ الخَطْوِ في المَشْي. وأنشد في البابِ للحارِثِ بنِ عُبَادٍ (١٢٩٣):

стр. 351

[٥٢٨] والحَرْبُ لا يَبْقَى لِجا … حِمِها التَخَيُّلُ والمِراحُ إلا الفَتَى الصَبّارُ في النْـ … ــنَجَداتَ والفَرَسُ الوَقَاحُ الشاهدُ فيه بَدَلُ (الفَتَى) وما بَعدَهُ مِن (التَخَيُّلِ والمِراحِ) على الاتّساعِ والمَجازِ، والقَولُ فيه كالقَولِ فيما تَقَدَّمَ. وجاحِمُ الحَرْبِ: مُعْظَمُها وأشَدُّها، وأصلُهُ من تَلَظِّي النارِ. والتَخَيُّلُ مِن الخُيَلاءِ والتَكَبُّر. والمِراحُ مِن المَرَحِ واللَّعِبِ. والنَجَدَاتُ: الشَدائدُ، والنَجْدَةُ: الشِدَّةُ في الشَجاعَةِ وغَيرِها. والوَقاحُ: الصُلْبُ الحافِرِ، وإذا صَلُبَ حافِرُهُ، صَلُبَ سائرُهُ. وأنشد في البابِ (١٢٩٤): [٥٢٩] لَمْ يَغْذُها الرِسْلُ ولا أَيْسارُها إلّا طَرِيُّ اللَّحْمِ واستِجْزارُها الشاهدُ فيه بَدَلُ (الطَرِيِّ) مِن (الرِسْلِ) وإنْ لم يَكُنْ من جِنْسِهِ، والقَولُ فيه كالقَولِ في الذي قَبْلَه. وَصَفَ امرأةً مُنَعَّمَةً تَغْتَذي طَرِيَّ اللّحمِ مِمّا تَسْتَجزِرُهُ لنَفسِها مِن مالِها، ونَفَى عنها التَغَذِّي بالرِسْلِ وهو اللَّبَنُ لأنّهُ غِذاءُ المُحْتاجين الذين لا يَقدرونَ على اللَّحْمِ، ونَفَى عنها أيضًا التَغَذِّي بِلَحْمِ الجَزُورِ المُتَّخَذَةِ للمَيْسِرِ، لأنَّهم كانوا يُطْعمونَهُ ضُعَفاءَ الحَيِّ ومَساكينَ الجِيرانِ. والأيْسارُ: الضاربونَ بالقِداحِ في المَيْسِرِ، وأحِدُهُم يَسَرٌ وياسِرٌ. وأنشد في البابِ "في مِثْلِهِ" (١٢٩٥):

стр. 352

[٥٣٠] غَشِيةَ لا تُغْنِي الرِماحُ مكانَها … ولا النَبْل إلّا المَشْرَفِيُّ المُصَمِّمُ الشاهدُ في بَدَلِ (المَشُرَفِيِّ) وهو السَيْفُ من (الرِماحِ والنَبْل) وإنْ لَمْ يَكُنْ مِن جِنْسِهما مَجازًا على ما تَقَدَّمَ. والمُصَمِّمُ: الماضِي في العِظام. وَصَفَ حَربًا شديدة اضطَرَّتْهُم إلى اطِّراحِ الرِماحِ والنَبْلِ واستِعمالِ السَيفِ. وأنشد في بابٍ تَرجَمَتُه: هذا بابُ ما لا يكونُ إلّا على معنى ولكنْ، للنابغةِ (١٢٩٦): [٥٣١] ولا عَيْبَ فِيهم غَيْرَ أنَّ سُيُوفَهُم … بِهِنَّ فُلُولٌ من قِراعِ الكَتائبِ الشاهدُ فيه نَصْبُ (غَيرٍ) على الاستِثْناءِ المُنْقَطِع، لأنّ ما بَعدَها ليسَ مِن جِنْسِ ما قَبْلَها، وهو على معنى ولكنَّ سُيُوفَهُم بهنَّ فُلُولٌ، وتَفَلُّلُ سُيُوفِهم ليس بِعيْبٍ لأنّه دالٌّ على لإقدامِ ومُقارَعَة الأقْرانِ. مَدَحَ آلَ جَفْنَةَ مُلوكَ الشامِ من غَسّان، فنَفَى عنهم كُلَّ عَيْبٍ، وأوجَبَ لهم الإقدامَ في الحَربِ، واستَثْنَي ذلك مِن جُملةِ العُيوبِ مُبالَغَةً في المَدْحِ، وهو ضَرْبٌ مِن البَدِيعِ يُعْرَفُ بالاستِثناءِ. وأنشد في البابِ للنابغةِ الجَعْدِيّ (١٢٩٧): [٥٣٢] فَتًى كَمُلَتْ خَيراتُهُ غَيْرَ أنَّهُ … جَوادٌ فَما يُبقِي مِن المالِ باقِيا الشاهدُ فيه نَصْب (غَير) على الاستِثناءِ المنقطعِ، والقَولُ فيه كالقَولِ في الذي قبله، ومعناه قَريبٌ من معناه لأنّه استَثْنَى جُودَهُ وإتْلافَهُ للمالِ من الخَيراتِ التي كَمُلَتْ له لَغَةً في المَدْحِ فَجَعَلهما في اللفظ كأنّهما مِن غَيرِ الخَيراتِ كما جَعَلَ تَفَلُّلَ السُيُوفِ كأنه من العُيُوبِ.

стр. 353

وأنشد في البابِ للفَرَزدقِ (١٢٩٨): [٥٣٣] وما سَجَنُوني غَيْرَ أَنِّي ابنُ غالِبٍ … وأَنَّي من الأثْرَيْنَ غَيْرِ الزَعانِفِ الشاهدُ فيه نَصْبُ (غيرٍ) على الاستِثْناءِ المنقطعِ كما تَقَدَّمَ، والمعنى وما سَجَنُوني ولكنِّي ابنُ غالبٍ. هذا [هو] مذهَبُ سيبويه (١٢٩٩)، وهذا التقديرُ يُوجِبُ أَنَّه لم يُسْجَنْ، والمعروفُ أنّ خالِدَ بنَ عبدِ اللَّه القَسْرِي (١٣٠٠) سَجَنَهُ فقالَ هذا الشِعرَ يَسْتَعدِي "به" عليه هِشامَ بنَ عبدِ المَلِكِ، وقَبلَه: (١٣٠١): فإنْ كُنْتُ مَحْبُوسًا بغَيرِ جَرِيرَةٍ … فقدْ أخَذوني آمِنًا غَيرَ خائفِ وقَدْ رَدَّ عليه المبرّدُ (١٣٠٢) حَمْلَهُ على الاستثنُاءِ، وزَعَمَ أنَّ (غَيْرًا) منصوبَةٌ على المفعولِ له، والمعنى عندَهُ وما سَجَنُون لغير شَرَفي حَسَدًا لي. وهذا الرَدُّ غَيُر صَحيح لأنَّكَ لو قُلْتَ: ما ضَرَبْتُكَ غَيرَ أَنَّك شَتَمْتَنِي لم يَجُزْ إذا أرَدتَ معنى ما ضَرَبْتُكَ إلّا لأنَّكَ (١٣٠٣) شَتَمْتَني حَتَّى (١٣٠٤) تقولَ: ما ضَرَبْتُكَ لغيرِ شَتْمِكَ إيّايَ. والصَحيحُ ما ذَهَبَ إليه سيبويه من معنى (لكنّ) على ما تَقَدَّمَ في الباب، ويُجْعَلُ سَجْنُهُ غَيرَ مَعْدودٍ عِندَه سَجْنًا لأنّه لم [يَغُضَّ منه] (١٣٠٥) ولا حَطّ من شَرَفِهِ ولا أَذَلَّ عِزَّهُ، لأنّ مَنْ كانَ عندَهُ مُنْتَسِبًا إلى مِثْل أَبيهِ غالِبٍ ومُنْتَمِيًا إلى مِثْل قومِهِ الأشرافِ لا يُبالي ما

стр. 354

جَرَى عليه مِن حَبْسٍ وشِدَّةٍ (١٣٠٦): وقولُهُ: (الأثْرَيْنَ) هو جَمعُ الأثْرَي وهو الكثير العَددِ. والزَعانِفُ: الأدْعِياءُ المُلْصَقونَ بالصَميمِ، وأَصلُ الزَعانفِ أجنِحَةُ السَمَكِ، واحِدَتُها زِعْنِفَةٌ بالكَسْرِ، وحكاها المبرّدُ (١٣٠٧)، بالفَتْحِ، والكَسْرُ أَعْرَفُ. وأنشد في الباب لعَنْز بنِ دجِاجَةَ المازِنيّ (١٣٠٨): [٥٣٤] مَنْ كانَ أشْرَكَ في تَفَرُّقِ فالِجٍ … فَلَبُونُهُ جَرِبَتْ مَعًا وأغَدَّتِ إلّا كَنَاشِرةَ الذي ضَيَّعْتُمُ … كالغُصْنِ في غُلَوَائهِ المُتَنَبَّتِ الشاهدُ في قَولِهِ: (إلّا كَنَاشِرَةَ) ونَصْبِهِ على الاستثناءِ المنقطعِ، والمعنى لكن مِثل ناشرَةَ لا جَرِبَتْ لَبُونُهُ ولا أَغَدَّتْ، لأنَّه لم يُشْركْ في تَفَرُّق فالجٍ. وفالجٌ (١٣٠٩) هذا هو فالِجُ بنُ مازِنِ بن مالِكِ بن عَمرو بن تَميمٍ، سَعَى عليه بعضُ بني مازنٍ وأساءَ إليه حَتّى رَحَلَ عنهم ولَحِقَ بِبَنِي ذَكْوانَ بنِ بُهْثَةَ بن سُلَيْمٍ مِن قَيسِ عَيْلانَ فَنُسِبَ إليهم، وكانَتْ بَنو مازِنٍ قَدْ ضَيَّقوا على رَجلٍ منهم يُسمَّى ناشِرَةَ حتّى انتَقَلَ عنهم إلى بَني أسَدٍ، فَدَعا هذا الشاعِرُ المازِنِيُّ على بني مازِنٍ حيثُ اضطَرُّوا فالِجًا إلى الخُروجِ عنهم واستَثْنَى ناشِرَةَ منهم لأنّه لم يَرْضَ فِعْلَهُم ولأنّه قَد امتُحِنَ مِحْنَةَ فالِجٍ بهم. وكانَ المبرّدُ (١٣١٠) يَجعلُ الكافَ في قوله: (كناشِرَةَ) زائدةً، ولا يُحتاجُ إلى زِيادَتها

стр. 355

لأنّه أرادَ ناشِرَةَ ومَنْ كانَ مِثْلَهُ مِمَّنْ لم يَظْلِمْ غَيرَهُ كما تقولُ: مِثْلُكَ لا يَرضَى بهذا أي: أنتَ وأمثالُكَ لا تَرضُون به. ومعنى أغَدَّتْ صارَتْ فيها الغُدَّهُ وهي كالذُبْحَةِ تَعْتَري البعيرَ فلا تُلَبِّثُهُ. واللَّبُونُ: ذَواتُ اللَّبَن، وهي تَقَعُ للواحدةِ والجماعةِ. والغُلَوَاءُ: النَماءُ والارتِفاعُ، ومنه غَلاءُ السِعرِ. والمُتَنَبِّتِ: المُنَمَّى المُغَذَّى، ويُروى بِكَسْرِ الباءِ ومعناه النابِتُ النامِي. وأنشد في البابِ في مِثْلِهِ للنابغةِ الجَعْدِيّ (١٣١١): [٥٣٥] لَولا ابنُ حارِثَةَ الأميرُ لَقَدْ … أَغْضَيْتَ مِن شَتْمِي على رَغْمِ إلّا كَمُعْرِضٍ المُحَسُرِ بَكْرَهُ … عَمْدًا يُسَبِّبُني على الظُلْمِ الشاهدُ في قَولِهِ: (إلّا كَمُعْرضٍ)، والقولُ فيه كالقَولِ في الذي قَبلَه. يَقولُ هذا لرَجُل سَبَّهُ (١٣١٢) وَلَهُ مِن الأميرِ مكانَةٌ، فَلَمْ يُقْدِمْ على سَبِّهِ والانتصارِ منه لمكانَتِهِ، ثُمَّ استَثْنَى رَجُلًا آخَرَ يُقالُ له: مُعْرِضٌ فَجعَلَه مِمَّنْ يُباحُ له شَتْمُهُ والانتصارُ منه لِسَبِّهِ [إيّاه ظالمًا له] (١٣١٣) فيقول للأوّل: لولا ابنُ حارثَةَ الأميرُ ومكانُكَ منه فأَغْضَيْتَ من شَتْمي على رَغْمٍ وَهَوانٍ، ولكنَّ مُعْرِضًا المُحَسِّرَ بَكْرَهُ والجادَّ في سَبِّي مُبَاحُ لي سَبُّهُ لِسَبِّهِ لي. والمُحَسِّرُ: المُتْعِبُ، والحَسِيرُ: المُعْيِي. والبَكْرُ: الفَتِيُّ من الإبِلِ، وهو لا يُحْتملُ الإتْعابَ والتَحْسِيرَ لضَعْفَهِ، فَضَرَبَهُ مَثَلًا في تَقْصيرِهِ عن مُقاوَمَتِهِ في المسَابَّةِ والمُهاجاةِ. ومعنى يُسَبِّبُني يُكْثِرُ سَبِّي. وأنشد في بابٍ ترجَمَتُه: هذا بابُ ما تكونُ فيه أنَّ وأنْ مع صِلَتهما بمنزلةِ غَيرِهما من الأسماء، لرَجُلٍ من كنانَةَ (١٣١٤):
следующие страницы →