← Адаб

Адаб · id 1207

تحصيل عين الذهب من معدن جوهر الأدب في علم مجازات العرب

الأعلم الشنتمري

Полный текст (617 стр.). Показаны 351–390 · переход к 356.

стр. 351

[٥٢٨] والحَرْبُ لا يَبْقَى لِجا … حِمِها التَخَيُّلُ والمِراحُ إلا الفَتَى الصَبّارُ في النْـ … ــنَجَداتَ والفَرَسُ الوَقَاحُ الشاهدُ فيه بَدَلُ (الفَتَى) وما بَعدَهُ مِن (التَخَيُّلِ والمِراحِ) على الاتّساعِ والمَجازِ، والقَولُ فيه كالقَولِ فيما تَقَدَّمَ. وجاحِمُ الحَرْبِ: مُعْظَمُها وأشَدُّها، وأصلُهُ من تَلَظِّي النارِ. والتَخَيُّلُ مِن الخُيَلاءِ والتَكَبُّر. والمِراحُ مِن المَرَحِ واللَّعِبِ. والنَجَدَاتُ: الشَدائدُ، والنَجْدَةُ: الشِدَّةُ في الشَجاعَةِ وغَيرِها. والوَقاحُ: الصُلْبُ الحافِرِ، وإذا صَلُبَ حافِرُهُ، صَلُبَ سائرُهُ. وأنشد في البابِ (١٢٩٤): [٥٢٩] لَمْ يَغْذُها الرِسْلُ ولا أَيْسارُها إلّا طَرِيُّ اللَّحْمِ واستِجْزارُها الشاهدُ فيه بَدَلُ (الطَرِيِّ) مِن (الرِسْلِ) وإنْ لم يَكُنْ من جِنْسِهِ، والقَولُ فيه كالقَولِ في الذي قَبْلَه. وَصَفَ امرأةً مُنَعَّمَةً تَغْتَذي طَرِيَّ اللّحمِ مِمّا تَسْتَجزِرُهُ لنَفسِها مِن مالِها، ونَفَى عنها التَغَذِّي بالرِسْلِ وهو اللَّبَنُ لأنّهُ غِذاءُ المُحْتاجين الذين لا يَقدرونَ على اللَّحْمِ، ونَفَى عنها أيضًا التَغَذِّي بِلَحْمِ الجَزُورِ المُتَّخَذَةِ للمَيْسِرِ، لأنَّهم كانوا يُطْعمونَهُ ضُعَفاءَ الحَيِّ ومَساكينَ الجِيرانِ. والأيْسارُ: الضاربونَ بالقِداحِ في المَيْسِرِ، وأحِدُهُم يَسَرٌ وياسِرٌ. وأنشد في البابِ "في مِثْلِهِ" (١٢٩٥):

стр. 352

[٥٣٠] غَشِيةَ لا تُغْنِي الرِماحُ مكانَها … ولا النَبْل إلّا المَشْرَفِيُّ المُصَمِّمُ الشاهدُ في بَدَلِ (المَشُرَفِيِّ) وهو السَيْفُ من (الرِماحِ والنَبْل) وإنْ لَمْ يَكُنْ مِن جِنْسِهما مَجازًا على ما تَقَدَّمَ. والمُصَمِّمُ: الماضِي في العِظام. وَصَفَ حَربًا شديدة اضطَرَّتْهُم إلى اطِّراحِ الرِماحِ والنَبْلِ واستِعمالِ السَيفِ. وأنشد في بابٍ تَرجَمَتُه: هذا بابُ ما لا يكونُ إلّا على معنى ولكنْ، للنابغةِ (١٢٩٦): [٥٣١] ولا عَيْبَ فِيهم غَيْرَ أنَّ سُيُوفَهُم … بِهِنَّ فُلُولٌ من قِراعِ الكَتائبِ الشاهدُ فيه نَصْبُ (غَيرٍ) على الاستِثْناءِ المُنْقَطِع، لأنّ ما بَعدَها ليسَ مِن جِنْسِ ما قَبْلَها، وهو على معنى ولكنَّ سُيُوفَهُم بهنَّ فُلُولٌ، وتَفَلُّلُ سُيُوفِهم ليس بِعيْبٍ لأنّه دالٌّ على لإقدامِ ومُقارَعَة الأقْرانِ. مَدَحَ آلَ جَفْنَةَ مُلوكَ الشامِ من غَسّان، فنَفَى عنهم كُلَّ عَيْبٍ، وأوجَبَ لهم الإقدامَ في الحَربِ، واستَثْنَي ذلك مِن جُملةِ العُيوبِ مُبالَغَةً في المَدْحِ، وهو ضَرْبٌ مِن البَدِيعِ يُعْرَفُ بالاستِثناءِ. وأنشد في البابِ للنابغةِ الجَعْدِيّ (١٢٩٧): [٥٣٢] فَتًى كَمُلَتْ خَيراتُهُ غَيْرَ أنَّهُ … جَوادٌ فَما يُبقِي مِن المالِ باقِيا الشاهدُ فيه نَصْب (غَير) على الاستِثناءِ المنقطعِ، والقَولُ فيه كالقَولِ في الذي قبله، ومعناه قَريبٌ من معناه لأنّه استَثْنَى جُودَهُ وإتْلافَهُ للمالِ من الخَيراتِ التي كَمُلَتْ له لَغَةً في المَدْحِ فَجَعَلهما في اللفظ كأنّهما مِن غَيرِ الخَيراتِ كما جَعَلَ تَفَلُّلَ السُيُوفِ كأنه من العُيُوبِ.

стр. 353

وأنشد في البابِ للفَرَزدقِ (١٢٩٨): [٥٣٣] وما سَجَنُوني غَيْرَ أَنِّي ابنُ غالِبٍ … وأَنَّي من الأثْرَيْنَ غَيْرِ الزَعانِفِ الشاهدُ فيه نَصْبُ (غيرٍ) على الاستِثْناءِ المنقطعِ كما تَقَدَّمَ، والمعنى وما سَجَنُوني ولكنِّي ابنُ غالبٍ. هذا [هو] مذهَبُ سيبويه (١٢٩٩)، وهذا التقديرُ يُوجِبُ أَنَّه لم يُسْجَنْ، والمعروفُ أنّ خالِدَ بنَ عبدِ اللَّه القَسْرِي (١٣٠٠) سَجَنَهُ فقالَ هذا الشِعرَ يَسْتَعدِي "به" عليه هِشامَ بنَ عبدِ المَلِكِ، وقَبلَه: (١٣٠١): فإنْ كُنْتُ مَحْبُوسًا بغَيرِ جَرِيرَةٍ … فقدْ أخَذوني آمِنًا غَيرَ خائفِ وقَدْ رَدَّ عليه المبرّدُ (١٣٠٢) حَمْلَهُ على الاستثنُاءِ، وزَعَمَ أنَّ (غَيْرًا) منصوبَةٌ على المفعولِ له، والمعنى عندَهُ وما سَجَنُون لغير شَرَفي حَسَدًا لي. وهذا الرَدُّ غَيُر صَحيح لأنَّكَ لو قُلْتَ: ما ضَرَبْتُكَ غَيرَ أَنَّك شَتَمْتَنِي لم يَجُزْ إذا أرَدتَ معنى ما ضَرَبْتُكَ إلّا لأنَّكَ (١٣٠٣) شَتَمْتَني حَتَّى (١٣٠٤) تقولَ: ما ضَرَبْتُكَ لغيرِ شَتْمِكَ إيّايَ. والصَحيحُ ما ذَهَبَ إليه سيبويه من معنى (لكنّ) على ما تَقَدَّمَ في الباب، ويُجْعَلُ سَجْنُهُ غَيرَ مَعْدودٍ عِندَه سَجْنًا لأنّه لم [يَغُضَّ منه] (١٣٠٥) ولا حَطّ من شَرَفِهِ ولا أَذَلَّ عِزَّهُ، لأنّ مَنْ كانَ عندَهُ مُنْتَسِبًا إلى مِثْل أَبيهِ غالِبٍ ومُنْتَمِيًا إلى مِثْل قومِهِ الأشرافِ لا يُبالي ما

стр. 354

جَرَى عليه مِن حَبْسٍ وشِدَّةٍ (١٣٠٦): وقولُهُ: (الأثْرَيْنَ) هو جَمعُ الأثْرَي وهو الكثير العَددِ. والزَعانِفُ: الأدْعِياءُ المُلْصَقونَ بالصَميمِ، وأَصلُ الزَعانفِ أجنِحَةُ السَمَكِ، واحِدَتُها زِعْنِفَةٌ بالكَسْرِ، وحكاها المبرّدُ (١٣٠٧)، بالفَتْحِ، والكَسْرُ أَعْرَفُ. وأنشد في الباب لعَنْز بنِ دجِاجَةَ المازِنيّ (١٣٠٨): [٥٣٤] مَنْ كانَ أشْرَكَ في تَفَرُّقِ فالِجٍ … فَلَبُونُهُ جَرِبَتْ مَعًا وأغَدَّتِ إلّا كَنَاشِرةَ الذي ضَيَّعْتُمُ … كالغُصْنِ في غُلَوَائهِ المُتَنَبَّتِ الشاهدُ في قَولِهِ: (إلّا كَنَاشِرَةَ) ونَصْبِهِ على الاستثناءِ المنقطعِ، والمعنى لكن مِثل ناشرَةَ لا جَرِبَتْ لَبُونُهُ ولا أَغَدَّتْ، لأنَّه لم يُشْركْ في تَفَرُّق فالجٍ. وفالجٌ (١٣٠٩) هذا هو فالِجُ بنُ مازِنِ بن مالِكِ بن عَمرو بن تَميمٍ، سَعَى عليه بعضُ بني مازنٍ وأساءَ إليه حَتّى رَحَلَ عنهم ولَحِقَ بِبَنِي ذَكْوانَ بنِ بُهْثَةَ بن سُلَيْمٍ مِن قَيسِ عَيْلانَ فَنُسِبَ إليهم، وكانَتْ بَنو مازِنٍ قَدْ ضَيَّقوا على رَجلٍ منهم يُسمَّى ناشِرَةَ حتّى انتَقَلَ عنهم إلى بَني أسَدٍ، فَدَعا هذا الشاعِرُ المازِنِيُّ على بني مازِنٍ حيثُ اضطَرُّوا فالِجًا إلى الخُروجِ عنهم واستَثْنَى ناشِرَةَ منهم لأنّه لم يَرْضَ فِعْلَهُم ولأنّه قَد امتُحِنَ مِحْنَةَ فالِجٍ بهم. وكانَ المبرّدُ (١٣١٠) يَجعلُ الكافَ في قوله: (كناشِرَةَ) زائدةً، ولا يُحتاجُ إلى زِيادَتها

стр. 355

لأنّه أرادَ ناشِرَةَ ومَنْ كانَ مِثْلَهُ مِمَّنْ لم يَظْلِمْ غَيرَهُ كما تقولُ: مِثْلُكَ لا يَرضَى بهذا أي: أنتَ وأمثالُكَ لا تَرضُون به. ومعنى أغَدَّتْ صارَتْ فيها الغُدَّهُ وهي كالذُبْحَةِ تَعْتَري البعيرَ فلا تُلَبِّثُهُ. واللَّبُونُ: ذَواتُ اللَّبَن، وهي تَقَعُ للواحدةِ والجماعةِ. والغُلَوَاءُ: النَماءُ والارتِفاعُ، ومنه غَلاءُ السِعرِ. والمُتَنَبِّتِ: المُنَمَّى المُغَذَّى، ويُروى بِكَسْرِ الباءِ ومعناه النابِتُ النامِي. وأنشد في البابِ في مِثْلِهِ للنابغةِ الجَعْدِيّ (١٣١١): [٥٣٥] لَولا ابنُ حارِثَةَ الأميرُ لَقَدْ … أَغْضَيْتَ مِن شَتْمِي على رَغْمِ إلّا كَمُعْرِضٍ المُحَسُرِ بَكْرَهُ … عَمْدًا يُسَبِّبُني على الظُلْمِ الشاهدُ في قَولِهِ: (إلّا كَمُعْرضٍ)، والقولُ فيه كالقَولِ في الذي قَبلَه. يَقولُ هذا لرَجُل سَبَّهُ (١٣١٢) وَلَهُ مِن الأميرِ مكانَةٌ، فَلَمْ يُقْدِمْ على سَبِّهِ والانتصارِ منه لمكانَتِهِ، ثُمَّ استَثْنَى رَجُلًا آخَرَ يُقالُ له: مُعْرِضٌ فَجعَلَه مِمَّنْ يُباحُ له شَتْمُهُ والانتصارُ منه لِسَبِّهِ [إيّاه ظالمًا له] (١٣١٣) فيقول للأوّل: لولا ابنُ حارثَةَ الأميرُ ومكانُكَ منه فأَغْضَيْتَ من شَتْمي على رَغْمٍ وَهَوانٍ، ولكنَّ مُعْرِضًا المُحَسِّرَ بَكْرَهُ والجادَّ في سَبِّي مُبَاحُ لي سَبُّهُ لِسَبِّهِ لي. والمُحَسِّرُ: المُتْعِبُ، والحَسِيرُ: المُعْيِي. والبَكْرُ: الفَتِيُّ من الإبِلِ، وهو لا يُحْتملُ الإتْعابَ والتَحْسِيرَ لضَعْفَهِ، فَضَرَبَهُ مَثَلًا في تَقْصيرِهِ عن مُقاوَمَتِهِ في المسَابَّةِ والمُهاجاةِ. ومعنى يُسَبِّبُني يُكْثِرُ سَبِّي. وأنشد في بابٍ ترجَمَتُه: هذا بابُ ما تكونُ فيه أنَّ وأنْ مع صِلَتهما بمنزلةِ غَيرِهما من الأسماء، لرَجُلٍ من كنانَةَ (١٣١٤):

стр. 356

[٥٣٦] لَمْ يَمْنَعِ الشَّرْبَ مِنْها غَيْرَ أنْ نَطَقَت … حَمامَةٌ في غُصُونٍ ذاتِ أوُقالِ الشاهدُ فيه بناءُ (غَيرٍ) على الفَتْحِ (١٣١٥) لإِضافَتِها إلى غَيرَ مُتَمَكِّنٍ (١٣١٦) وإنْ كانَتْ في موضعِ رَفْعٍ، وذلك أنّ (أنْ) حَرْفٌ يُوصَلُ بالفِعلِ، وإنَّما تُؤؤِّلَت اسمًا مع ما بَعْدَها مِن صِلَتِها، لأنَّها دَلَّتْ على المصدرِ ونابَتْ مَنابَهُ في المعنى، فلَمّا أضِيفَتْ (غَيْرٌ) إليها مع لزُومها للإضافةِ بُنِيَتْ معها، وإعرابُها على الأصلِ جائزٌ حَسَنٌ. ونظيرُ بنائها بناءُ أسماءِ الزَمانِ إذا أُضِيفَتْ إلى الجُمَلِ والأفعالِ كقولك: عَجِبْتُ من يَومَ قامَ زَيدٌ ومِنْ يومَ زَيدٌ قائمٌ، لأنَّ حَقَّ الإضافَةِ أنْ تَقَعَ على الأسماءِ المفردَةِ دونَ الأفعالِ والجُمَلِ، فلمّا خَرَجَتْ هُنا عن أصلِها بُنِيَ الاسمُ، وقَدْ بَيَّنْتُ هذا مستَقْصًى في كتابِ (النكت). يَقولُ: لَمْ يَمْنَعْنا من التَعْرِيج على الماء إلّا صَوتُ حَمامَةٍ ذَكَّرَتْنا مَنْ نُحِبُّ فهَيَّجَتْنا وحَثَّتْنا على السَيرِ. والأوْقالُ: الأعالي، ومنه التَوَقُّلُ في الجَبَلِ وهو الصُعُودُ فيه. وأنشد في الباب للنابغة (١٣١٧): [٥٣٧] على حِينَ عاتَبْتُ المَشِيبَ على الصِّبَا … وقُلتُ: أَلَمّا أَصْحُ والشَيْبُ وازِعُ الشاهدُ في إضافةِ (حِينٍ) إلى الفِعلِ وبنائها مَعَهُ على الفَتْحِ للعِلَّةِ التي ذَكَرْناها، وإعرابُها جائزٌ على الأصلِ كما تَقَدَّمَ. وَصَفَ أنَّه بَكَى على الدِيارِ في حين مَشِيبهِ ومُعاتَبَتِه لنفسِهِ على صِباه وطَرَبهِ. والوازعُ: الناهي، وأوقَعَ الفِعلَ على المَشِيبِ اتَساعًا "ومَجازًا"، والمعنى عاتَبْتُ

стр. 357

نَفْسِي على الصِبا لِمكانِ شَيْبِي. وأنشد في باب ترجَمَتهُ: هذا بابُ ما تكونُ [فيه إلّا وما بعدها] (١٣١٨) وَصْفًا بمنزلةِ غَيرَ ومِثْلٍ، لذي الرُمَّةِ (١٣١٩): [٥٣٨] أُنِيخَتْ فألْقَتْ بَلْدَةً فَوقَ بَلْدَةٍ … قَليلٍ بها الأصواتُ إلّا بُغامُها الشاهدُ في وَصْفٍ الأصواتِ بقوله: (إلّا بُغامُها) على تأويلِ (غَيرٍ)، والمعنى قَليلٍ بها الأصواتُ غَيرُ بُغامها، أيْ: الأصواتُ التي هي غَيرُ صَوتِ الناقَةِ، وأصلُ البُغامِ للظَبْي فاستعارَهُ للناقَة. ويَجوزُ أنْ يكونَ البُغامُ بَدَلًا من الأصواتِ على أنْ يكونَ (قَليلٌ) بمعنى النَفْي، فكأنّه قالَ: ليسَ بها صَوتٌ إلّا بُغامُها. وَصَفَ ناقةً أناخَها في فَلاةٍ لا يُسْمَعُ فيها صَوتٌ إلّا صَوتُها لِقِلَّة خَيرِها. وأرادَ بالبَلدةِ الأولَى ما يَقَعُ على الأرضِ من صَدْرِها إذا بركَتْ، وبالبَلْدَةِ الآخِرَةِ الفَلاةَ والبَلَدَ الذي أناخَها به. وأنشد في البابِ لِلَبيد (١٣٢٠): [٥٣٩] وإذا أَقْرِضْتَ قَرْضًا فآجْزِهِ … إنّما يَجْزِي الفَتَى غَيرُ الجَمَلْ الشاهدُ فيه نَعْتُ (الفَتَى) وهو معرفةٌ بـ (غَيرٍ) وإنْ كانَتْ (١٣٢١) نكرةً، والذي سَوَّغَ هذا أنَّ التعريفَ بالألِفِ واللامِ يكونُ للجنسِ فَلا يَخُصُّ واحدًا بِعَيْنِهِ فهو مُقاربٌ للنكرةِ، وأنَّ (غَيْرًا) مضافَةٌ إلى معرفةٍ فقارَبَتِ المعارفَ لذلك وإنْ كانَتْ نكرةً، فجَرَتْ على الأوّلِ لذلك. يقول: يَنْبغي لِمَنْ أُقْرِضَ قَرْضًا وأُحسِنَ إليه أنْ يَجْزِي عليه ولا يَكْفُر النعمةَ فيكون

стр. 358

كالبَهِيمةِ لا تَعْرِفُ الإحسانَ ولا تُجازِي به. وأنشد في الباب (١٣٢٢): [٥٤٠] لَوْ كانَ غَيْري سُلَيْمَى اليَومَ غَيَّرَهُ … وَقْعُ الحَوادِثِ إلّا الصارِمُ الذَكَرُ الشاهدُ فيه جَرْيُ (إلّا) وما بَعدَها على (غَيرٍ) نَعْتًا لها، والتقديرُ لو كانَ غَيْرِي غَيرُ الصارِمِ الذَكَرِ لَغَيَّرَهُ وَقْعُ الحوادِثِ. والمعنى أنَّ وَقْعَ الحَوادِثِ (١٣٢٣) لا يُغَيِّرِّهُ كما لا يُغَيِّرِّ الصارِمَ [الذَكَرَ] وهو الماضي من السُيُوفِ. والذَكَرُ: المُذَكَّرُ [مِن الحَديدِ] (١٣٢٤) الذي ليسَ بأنِيثٍ. وأنشد في الباب لعمرو بن مَعّدِ يكرب (١٣٢٥)، ويُروى لِسوّارِ بنِ المُضَرَّبِ (١٣٢٦): [٥٤١] وكُلُّ أخٍ مُفارِقُةُ أخُوهُ … لَعَمْرُ أبِيكَ إلّا الفَرْقَدَانِ الشاهدُ فيه نَعْتُ (كُلّ) بقولِهِ: (إلّا الفَرْقَدَانِ) على تأويل (غَيْر)، والتقديرُ وكُلَّ أخٍ غَيرُ الفَرْقَدَين مُفارِقُهُ أخُوهُ. وهذا على مذهب الجاهلِيَّةِ كأنّه قالَ هذا قبلَ الإسلامِ ويحتمل أنْ يُريدَ في مُدَّةِ الدُنْيا. وأنشد بَعدَه قَولَ الشَمّاخِ (١٣٢٧): وكُلُّ خَليلٍ غَيرُ هاضِمِ نَفْسِهِ [٣٨٦] مسْتَشْهِدًا به لنَعْتِ (كُلٍّ) بـ (غَيْرِ)، وقد مَرَّ البَيتُ بتَفْسِيرِهِ (١٣٢٨).

стр. 359

وأنشد في بابٍ ترجَمَتُه: هذا بابٌ ما يُقَدَّمُ فيه المستَثْنى، لكَعْبِ بن مالكٍ الأنصاريّ (١٣٢٩): [٥٤٢] الناسُ أَلْبٌ علينا فِيكَ ليسَ لَنا … إلّا السُيُوفَ وأَطْرافَ القَنَا وَزَرُ الشاهدُ فيه تَقديمُ المستَثْنى على المستَثْنى منه في قَولِهِ: (إلّا السُيُوفَ وأطْرافَ القَنَا)، والتقديرُ ما لَنا وَزَرٌ إلّا السُيُوف بالرَفْع على البَدَلِ، والنَصْبُ جائزٌ على الاستِثْناءِ، فلَمَا قُدِّمَ لَمْ يَجُز البَدَلُ لأنَّه لا يكونُ إلّا تابعًا فَصارَ النَصْبُ بالاستِثْناءِ لازِمًا. يقولُ هذا للنبيّ ﷺ . والأَلْبُ: المُجْتَمِعون. والوَزَرُ: المَلْجَأ والحِصْنُ، وأصلُهُ الجَبَلُ. وأنشد في البابِ للكَلْحَبَةِ اليَرْبوعيّ (١٣٣٠)، واسمُهُ هُبَيْرةُ [بنُ النُعمان] (١٣٣١)، وهو مِن بَني عَرِين بنِ يَرْبوع: [٥٤٣] وَلا أَمْرَ للمَعْصِيِّ إلّا مُضَيَّعَا الشاهدُ فيه نَصْبُ (مُضَيَّع) على الحالِ من (الأَمْرِ) وهو حالٌ من نكرةٍ، وفيه ضَعْفٌ لأنَّ أصلَ الحالِ أنْ تكونَ للمعرفةِ، ويَجوزُ [أنْ يكونَ] نَصْبُهُ على الاستِثْناءِ، والتقديرُ إلّا أمْرًا مُضَيَّعًا وفيه قُبْحٌ لوَضْعِ الصفةِ موضعَ الموصوفِ. وصَدْرُ البيتِ: أَمَرْتْكُمْ أَمْرِي بمُنْقَطَعِ اللِّوَى واللِّوى: مسترقُّ الرَسْل حيثُ يَلتَوي ويَنْقَطع. وأنشد في بابِ تَثْنيةِ المستَثْنى، للكميت (١٣٣٢):

стр. 360

[٥٤٤] فَما لِي إلّا اللَّه لا رَبَّ غَيرَهُ … وما لِيَ إلّا اللَّه غَيْرَكَ ناصِرُ الشاهدُ في تَكْرير المستَثْنى بـ (إلّا وغَيرٍ)، والتقديرُ وما لِيَ ناصِرٌ إلّا اللَّه غَيْرَكَ، فاللَّه بَدَلٌ من الناصِرِ (١٣٣٣)، و (غَيْرَكَ) نَصْبٌ على الاستثناءِ، فلمّا قُدِّما أُلْزِما (١٣٣٤) النَصْبَ لأنّ البَدَلَ لا يُقَدَّمَ. وأنشد في البابِ الحارِثَةَ بن بَدْرِ الغُدانّي (١٣٣٥): [٥٤٥] يا كَعَّبُ صَبْرًا على ما كانَ مِن حَدَثٍ … يا كعْبُ لم يَبْقَ مِنّا غَيرُ أَجْلادِ إلّا بَقِيْاتُ أَنْفاسٍ نُحَشْرِجُها … كراحِلٍ رائحٍ أَوْ باكِرٍ غادِي الشاهدُ فيه بَدَلُ (إلّا) وما بَعدَها من قَولِهِ: (غَيرُ أَجْلادِ)، لأنَّه أنزَلَ (غَيرًا) منزلةَ (مِثْلٍ) في وَضْعِها للاخبار عنها، ولم يَقْصِد بها معنى الاستثناء فيَنْصِبَها لتَقَدُّمِها على (إلّا)، والتقديرُ لَمْ يَبْقَ مِنّا شَيءٌ هو غَيرُ جُلُودنا (١٣٣٦) إلّا بَقيّاتُ أَنْفاسِنا. ويُروي (غيرُ أَجْسادِ)، وإنّما قالَ هذا في مُحارَبَتِهِ الأزارِقَةَ (١٣٣٧)، وكانَ أَحَدَ مَنْ عُقِدَ له في مُحارَبَتهم. ومعنى نُحَشْرجُها نُرَدِّدُها في حُلُوقِنا، يُريدُ إشرافَهُم على الموتِ لما هَمْ فيه من الشِدَّةِ في الحربِ. وأنشد في البابِ للفَرزدقِ (١٣٣٨):

стр. 361

[٥٤٦] ما بِالمَدينةِ دارٌ غَيرُ واحِدَةٍ … دار الخِلافَةِ إلَّا دارُ مَرْوانا الشاهد فيه إجْراءُ (غَيرٍ) على الدارِ نَعْتًا لها فلذلك رَفَعَ ما بَعدَ (إلَّا)، والمعنى ما بالمدينةِ دارٌ هي غَيرٌ واحدةٍ وهي دارُ الخِلافةِ (١٣٣٩)، إلَّا دارُ مَرْوانَ، وما بَعدَ (إِلَّا) بَدَلٌ من (دارٍ) الأولَى، ولو جَعَلَ (غَيرَ واحدةٍ) استثناءً بمنزلةِ (إلَّا واحدةً) لجازَ نَصْبُها على الاستثناءِ ورَفْعُها على البَدَلِ، ولو رُفِعَتْ على البَدَلِ نُصِبَ ما بَعْدَ (إلَّا) لأنّه استثناءٌ بَعدَ استثناءٍ، فلابُدَّ من رَفْعِ أحَدِهما ونَصْبِ الآخَرِ على ما بَيَّنَهُ في البابِ (١٣٤٠). ومعنى (غَيرِ واحدةٍ) إذا كانَتْ (غَيرُ) نَعْتًا؛ أيْ: هي مُفَضَّلَةٌ على دورٍ، ودارُ الخِلافةِ (١٣٣٩) تَبْيِينُ للدارِ الأُولَى وتَكْرِيرٌ، وأرادَ مروانَ بنَ الحَكَمِ ﵀. وأنشد في البابِ (١٣٤١): [٥٤٧] مالَكَ مِن شَيْخِكَ إلَّا عَمَلُهْ إلَّا رَسِيمُهُ وإِلّا رَمَلُهْ الشاهد فيه تَبْيِينُ الأوّلِ بالآخِرِ على حَدِّ قولك: ما جاءَني إلَّا زَيدٌ إلَّا أَبو عبدِ اللَّه؛ إذا كانَ أبو عبدِ اللَّه كُنْيَةً لزيدٍ، فأبو عبدِ اللَّهِ بَدَلٌ مِن زيدٍ وتَبْيِينٌ، و (إلَّا) مؤكدَةٌ، وكذلك الرَسِيمُ والرَمَلُ (١٣٤٢) وهما ضَرْبان مِن السَيرِ بَدَلٌ مِن العَمَلِ وتَبْيِينٌ له، و (إلَّا) مؤكدَةٌ مُكَرَّرَةٌ. وأرادَ بالرَسِيمِ السَعْيَ بينَ الصَفَا والمَرْوَةِ، وبالرَمَلِ السَعْيَ في الطَوافِ؛ أيْ: لا مُنْتَفَعٌ فيَّ ولا عَمَلٌ عندي أفُوتُ به غَيرِي إلَّا هذا. وأنشد في بابٍ ترجَمَتُه: هذا بابُ ما يُحذَفُ المستَثْنى منه (١٣٤٣) استِخْفافًا، للنابغةِ

стр. 362

الذُبيانيّ (١٣٤٤): [٥٤٨] كأنّك مِن جِمالِ بَني أُقَيْشٍ … يُقَعْقَعُ خَلْفَ رِجْلَيْهِ بِشَنٍّ الشاهد فيه حَذْفُ الاسمِ لدلالةِ حَرْفِ التَبْعيضِ عليه، والتقديرُ كأنَّكَ جَمَلٌ مِن هذه الجِمالِ. وبَنُو أُقَيْشٍ: حَيٍّ مِن اليَمَنِ (١٣٤٥) في إبِلِهم نِفارٌ، ويُقالُ: هُم حَيٌّ من الجِنِّ. ومعنى يُقَعْقَعُ يُصَوَّتُ، والقَعْقَعَةُ: صَوْتُ الجِلْدِ البالي وهو الشَنُّ، وإنَّما وَصَفَ جُبْنَ عُيَيْنَةَ بِن حِصْنٍ وهو مِن فَزارَةَ. وأنشد في البابِ في مِثْلِهِ (١٣٤٦): [٥٤٩] لو قُلْتَ ما في قَومِها لَمْ تِيثَمِ يَفْضُلُها في حَسَبٍ ومِيسَمِ الشاهد فيه حَذْفُ الاسمِ كما تَقَدَّمَ، والتقديرُ لَوْ قُلْتَ: ما في قَومِها أَحَدٌ يَفْضُلُها لَمْ تَكْذِبْ فتأْثَمَ. والمِيسَمُ: الجَمالُ. وكَسَرَ تاءَ تَأْثَم على لُغَةِ مَنْ يَكْسرُ أَوَّلَ (١٣٤٧) (تَفْعَلُ) فانقَلَبَتِ الألِفُ ياءً. وأنشد في البابِ لابن مُقْبِلٍ (١٣٤٨): [٥٥٠] وما الدَهْرُ إلَّا تارَتانِ فَمِنْهُما … أَمُوتُ وأُخْرى أَبتَغِي العَيْشَ أكْدَحُ الشاهد فيه حَذْفُ الاسمِ لدلالةِ الصفةِ عليه، والتقديرُ فَمنهما تارةٌ أَموتُ فيها،

стр. 363

والقَولُ فيه كالقولِ في الذي قَبلَه. ومعنى أكدَحُ أَسعَى وأَجْهَدُ في طلَبِ الرِزقِ. وأنشد في البابِ للعَجّاج (١٣٤٩): [٥٥١] بَعْدَ اللَّتَيّا واللَّتَيّا والَّتِي الشاهد فيه حَذْفُ صِلَةِ (الّتي) اختِصارًا لِعِلْمِ السامعِ بما أرادَ، هذا تقديرُ سيبويه، وبَعدَه: إذا عَلَتْها أَنْفُسٌ تَرَدَّتِ وهذا يكون صِلَةً لِلَّتي، فإمّا أنْ يكونَ سيبويه لَمْ يَرْوِ هذا بَعْدَه، وإمّا أنْ يكونَ قَدْ رَوَاهُ فجَعَلَه صِلَةً لِلَّتي وَحْدَها، وحَذَفَ صِلَةَ (اللَّتَيّا) فيكونُ الشاهد في ذلك. وحَسُنَ حَذْفُ صِلَةِ (اللَّتَيّا) لتصغيرِها الدالِّ على شَناعَتِها؛ لأنَّهم قَدْ يُصَغِّرونَ. الشَيءَ على معنى التَعظِيمِ والتَشْنيعِ كما قالَ (١٣٥٠): دُوَيْهِيَهً تَصْفَرُّ منها الأنامِلُ يعني الموتَ، وإنَّما وَصَفَ العَجَّاجُ دَواهِيَ شَنيعةً. ومعنى تَرَدَّتْ سَقَطَتْ هاويَةً وهَلَكَتْ. وأنشد في بابٍ ترجَمَتُه: هذا بابُ استِعمالِهم علامَةَ الاضمارِ التي لا تَقَعُ موقَع ما يُضْمَرُ في الفِعلِ الذي لم يَقَعْ موقِعَهُ، للبيدٍ (١٣٥١): [٥٥٢] فكأنَّها هيَ بَعْدَ غِبّ كَلالِها … أَوْ أَسْفَعُ الخَدَّيْنِ شاةُ إرانِ الشاهد في إظْهارِ (هي) إذْ كانَتْ (كأنَّ) حَرْفًا لا يَسْتكنُّ فيه ضَميرُ الرَفْعِ كما يَسْتَكِنُّ في الفِصلِ لقُوَّةِ الفِعلِ وضَعْفِ الحَرْفِ. وَصَفَ ناقَةً فشَبَّهها بَعدَ الكَلالِ بها نَفسِها في حالِ نَشَاطِها وأوَّلِ سَيْرِها. وقيلَ:

стр. 364

الضَميرُ راجِعُ على سَفينةٍ ذَكَرَها (١٣٥٢)، شَبَّهَ الناقَةَ بها في كَمالِ خَلْقِها وشِدَّتِها. وَغِبُّ الشَيءِ: بُعْدُهُ. والأسفَعُ: الأسوَدُ يضربُ إلى الحُمْرَةِ، وأرادَ به ثَورًا وَحْشِيًا، والشاةُ تَقَعُ عليه وعلى البقرةِ. والإرانُ: النشاطُ، وفِعْلُهُ أرِنَ "يَأْرَنُ" أرَنًا، والإرانُ الاسمُ، والإرانُ أيضًا نَعْش النَصارَى. وأنشد في البابِ لعمرو بنِ مَعْدِ يكَرِبَ] (١٣٥٣): [٥٥٣] قَدْ عَلِمَتْ سَلْمَى وجاراتُها … ما قَطَّرَ الفارِسَ إلَّا أنا الشاهد في إظْهارِ (أنا) وانفِصالِهِ بَعدَ (إلَّا) حَيثُ لم يقدر على الضَمير المُتَّصلِ بالفِعلِ. ومعنى قَطَّرَ صَرَعَهُ على [أَحَدِ] قُطْرَيهِ أَيْ: على أَحَدِ جانِبَيْه، والقُطْرُ والفُتْرُ الجانبُ. وأنشد في البابِ للبيدٍ (١٣٥٤): [٥٥٤] ونَحْنُ اقْتَسَمْنا المالَ نِصْفَيْنِ بَيْتَنا … فَقُلْتُ لها: هذا لَهاها وذا لِيَا الشاهد في فَضْلِهِ بين (ها) و (ذا) بالواوِ، والتقديرُ وهذا لي كما قالوا: ها أَنا ذا، والتقديرُ هذا أنا. ونَصَبَ (نَصْفَين) على الحالِ، وفي هذا حُجَّةٌ لِما أجازَهُ سيبويه من الحالِ في قولِ ذي الرُمَّةِ (١٣٥٥):

стр. 365

تَرَى خَلْقَها نِصْفًا قَناةً قَويمةً … "ونِصْفًا". . . . . . . . . . . [٣٢٣] واحتِجاجٌ على المبرّدِ (١٣٥٦) في إبطالِ جَوازِهِ كما تَقَدَّمَ "في البيتِ" (١٣٥٧). وأنشد في باب استِعمالِهم إيّا (١٣٥٨): [٥٥٥] مُبَرَّأٌ مِنْ عُيُوبِ الناسِ كُلِّهم … فاللَّهُ يَرْعَى أَبا حَرْبٍ وإيَّانا الشاهد في استعمالِهم (إيّانا) وهو ضَميرٌ منفصلٌ حيثُ لم يَقدر على الضميرِ المُتَّصِلِ بالفِعلِ. و (إيّا) عند سيبويه والخليلِ (١٣٥٩) اسمٌ مُبْهَمٌ مُضافٌ إلى ما بَعدَهُ من ضمائرِ المتكلّم والمُخاطَبِ والغائبِ للتَخْصيص، ويَدُلُّ على ذلك ما حكاهُ الخَليلُ مِن قولِهم: (فَإياهُ وإيّا الشَوابِّ) (١٣٦٠). وغَيرُهِما يَجْعلُها مَعَ ما يَتَّصِلُ (١٣٦١) بها مِن هذه العلاماتِ اسمًا واحدًا على حِيالِهِ (١٣٦٢)، وقَوْلُهما أَولَى للشاهِدِ من كلامِ العَرَبِ. وأنشد في البابِ في مِثْلِهِ (١٣٦٣):

стр. 366

[٥٥٦] لَعَمْرُكَ ما خَشِيتُ على عَدِيٍّ … سُيُوفَ بَني مُقَيِّدَةِ الحِمارِ ولكنِّي خَشِيتُ على عَدِيٍّ … سُيُوفَ القَومِ أَو إيَّاكَ حارِ الشاهد في إتْيانِهِ بِـ (إيَّاكَ) إذْ لَمْ يَقْدر على الضَميرِ المُتَّصلِ بالفِعلِ. هَجا قَومًا فجَعَلَ أُمَّهم راعِيةَ حُمُرٍ. وقولُهُ: (سُيُوفَ القَومِ) أرادَ قَوْمَا بأعْيانِهم مَدَحَهُم وفَخَّمَهم. وعَطَفَ (إيَّاك) على السُيُوف، والتقديرُ وخَشِيتُكَ عليه، ولو عَطَفَهَا على القومِ لقالَ: أَو سُيُوفَكَ، فأعادَ السُيوفَ مع الضَمير المَجْرور لأنَّ ضميرَ الجَرِّ لا يَنْفصلُ. وأنشد في البابِ في مِثْلِهِ لابن أَبِي ربيعةَ (١٣٦٤): [٥٥٧] لَيتَ هذا اللَّيلَ شَهْرٌ … لا نَرَى فيه عَرِيبًا ليسَ إيَّايَ وإيّا … ك ولا نَخْشَى رَقِيبًا الشاهد في إتْيانِهِ بالضَميرِ منفصِلًا بَعدَ (ليسَ) لوقوعِهِ موقعَ [خبرها] (١٣٦٥)، والخبرُ منفصلٌ عَن المُخْبَرِ عنه، فكانَ الاختيارُ فَصلَ الضميرِ إذا وَقَعَ موقِعَهُ، واتِّصالُهُ بـ (ليسَ) جائزٌ لأنَّها فِعْلٌ وإنْ لَمْ تَقْوَ قُوَّةَ الفِعلِ الصَّحيحِ. و (ليس) في البيت تحتملُ تقديرين: أحدهما أنْ تكونَ في موضعِ الوَصْفِ للاسمِ قَبلَها، كأنّه قال: لا نَرَى فيه عَرِيبًا غَيرِي وغَيْرَكَ، والتقديرُ الآخَرُ أنْ تكونَ استِثناءً بمنزلةِ (إلَّا). وعَرِيبٌ بمعنى أحَدٍ وهو بمعنى مُعْرِبٍ؛ أَيْ: لا نَرَى فيه متكلِّمًا يُخبِرُ عَنَّا ويُعْرِبُ عَنْ حالِنا.

стр. 367

وأنشد في باب ما يَجوزُ في الشعرِ مِنْ (إيّا) لِحُمَيُدِ الأَرْقَطِ (١٣٦٦): [٥٥٨] إِلَيْكَ حَتَّى بَلَغَتْ إيَّاكا الشاهد في وَضْعِهِ (إيَّاكَ) موضعَ الكافِ ضرورةٌ، وقال الزَجّاجُ (١٣٦٧): أراد بَلَغَتْكَ إيَّاك فحذف الكافَ ضرورةً. وهذا التقديرُ ليسَ بشيءٍ لأنّه حَذَفَ المؤكَّدَ وتَرَكَ التوكيدَ مُؤكِّدًا لغيرِ موجودٍ، فَلَمْ يَخْرُجْ من الضَرورةِ إلَّا إلى أقبَحَ منها. والمعنى سارَتْ إليكَ هذه الناقَةُ حَتَّى بَلَغَتْكَ. وأنشد بَعدَ هذا [في البابِ] قَولَ أحَدِ اللُّصوصِ (١٣٦٨): كأنَّا يَومَ قُرَّى إِ … نَّما نَقْتُلُ إيَّانا [٣٨٧] مستَشْهِدًا به على وَضْعِ (إيَّانا) موضع الضمير المُتَّصلِ في (نُقْتُلُنا)، وقَدْ تَقَدَّمَ البيتُ بِعِلَّتِهِ وتَفْسِيرهِ (١٣٦٩). وأنشد في بابٍ ترجَمَتُه: هذا بابُ إضمارِ المَفْعولَيْنِ (١٣٧٠): [٥٥٩] وقَدْ جَعَلَتْ نَفْسِي تَطِيبُ لِضَغْمَةٍ … لِضَغْمِهما ها يَقْرَعُ العَظْمَ نابُها الشاهد في "وَصْلِهِ الضميرَ مِنْ" قولِهِ: (لِضَغْمِهما ها) وكانَ وَجْهُ الكلامِ لِضَغْمِهما إيَّاها؛ لأنَّ المصدرَ لَمْ يَسْتَحكِمْ في العَمَلِ والاضمارِ استِحكامَ الفِعلِ. والضَغْمَةُ: العَضَّةُ، ومنه قيلَ للأسدِ: ضَيْغَمٌ، وهذا الشاعِرُ وَصَفَ شِدَّةً أصابَهُ

стр. 368

بها رَجُلان فيقولُ: قَدْ جَعَلَتْ نَفْسي تَطيبُ لإِصابَتِهما بِمِثْل الشدّةِ التي أصاباني بها، وضَرَبَ الضَغْمَةَ مَثَلًا، ثُمَّ وَصَفَ الضَغْمَةَ فقالَ: يَقْرَغُ العَظْمَ نابُها فجَعَلَ لها نابًا على السَعَة، والمعنى يَصِلُ النابُ فيها إلى العَظْمِ فَيْقرَعُهُ، واسمُ هذا الشاعرِ مُغَلَّسُ بن لَقِيط الأسدِيّ (١٣٧١)، والرَجُلانِ من قَومِهِ، وَهُما مدركٌ ومُرَّةُ، وقَبْلَهُ (١٣٧٢): سَقَيْتُكُما قَبْلُ التَفَرُّقِ شَرْبَةً … يُمِرُّ على باغِي الظُلامِ شُرابُها والظُلامُ جَمعُ ظُلامَةٍ. وأنشد في بابٍ ترجَمَتُه: هذا بابُ علامةِ إضمارِ المنصوبِ المتكلِّم والمَجْرورِ [المتكلِّمِ] لزيدِ الخَيْل (١٣٧٣): [٥٦٠] كَمُنْيَةِ جابِرٍ إذْ قالَ لَيْتي … أُصادِفُهُ وأُتْلِفُ بعضَ مالي الشاهد في حَذْفِ النُّونِ من ضميرِ المنصوبِ في (لَيْتِي)، وكانَ الوَجْهُ لَيْتَنِي كما تقولُ: ضَرَبْتَنِي، فَشبَّهَ (ليتَ) في الحَذْفِ ضَرورةً بـ (إنَّ وَلَعلَّ) إذا قلتَ: إنِّي وَلَعَلِّي. والمُنْيَةُ واحِدَةُ المُنَي مِن التَمَنِّي، وَصَفَ أنَّ رَجُلًا تَمَنّى لِقاءَهُ ليَقْتُلَهُ كما تَمَنّاه جابرٌ هذا المذكورُ فكانَ تَمَنَّيهِ عليه. وأنشد في البابِ [لأبي نُخَيْلَةَ] (١٣٧٤): [٥٦١] قَدْنِي مِن نَصْرِ الخُبَيْبَينِ قَدِي

стр. 369

الشاهد في حَذْفِ النُونِ مِن (قَدْني) تَشْبيهًا بـ (حَسْبِي)، وإثْباتُها في (قَدْ وقَطْ) هو المستعمَلُ؛ لأنَّها في البناءِ ومضارَعِةِ الحروفِ بمنزلةِ (مِنْ وعَنْ) فتلزَمهما النُونُ المكسورَةُ قَبلَ الياءِ لِئَلا تُغَيَّرَ أواخِرُها (١٣٧٥) عن السُكونِ. وأرادَ بالخُبَيْبَيْنِ عبدَ اللَّهِ بنَ الزُّبَيْر وكُنْيَتُه أبو خُبَيْبٍ ومُصْعَبًا أخاهُ، وغَلَّبَهُ "عليه" لشُهْرَتِهِ، ويُروى (الخُبَيْبَيْنَ) على الجمعِ يُريدُ أبا خُبَيْبٍ وشِيعَتَهُ، ومعنى قَدْنِي حَسْبِي وَكَفَانِي. وأنشد في بابٍ ترجَمَتُه: هذا بابُ ما يكون الاسمُ إذا أُضْمِرَ فيه مُتَحَوِّلًا عَنْ حالِهِ إذا أُظْهِرَ، ليزيدَ بن الحَكَمِ (١٣٧٦): [٥٦٢] وكَمْ مَوْطِنٍ لَوْلايَ طِحْتَ كما هَوَى … بأجْرامِهِ مِن قُلَّةِ النِيقِ مُنْهَوِي الشاهد في إتْيانِهِ بضمير الخَفْضِ بَعدَ (لولا) وهي من حُروفِ الابتِداءِ، ووَجْهُ ذلك أنَّ الاسمَ المبتَدَأ بَعدَها لا يُذْكَرُ خَبرُهُ فأشْبَهَ الاسمَ المجرورَ في انفِرادِهِ، والمُضْمَرُ، لا يَتَبَيَّنُ فيه الإعرابُ فوَقَعَ مجرورُهُ موقعَ مَرْفوعِهِ، والأكثَرُ لَولا أنتَ قِياسًا على الظاهرِ. وكانَ المبرّدُ (١٣٧٧) يَرُدُّ مِثْلَ هذا ويَطْعَنُ على قائلِ هذا البيتِ ولا يَراهُ حُجَّةً. وهذا من تَحامُلِهِ وتَعَسُّفِه، وقَدْ أنشَدَ غَيرُ سيبويه لرؤبةَ (١٣٧٨): لَولاكُما قَدْ خَرَجَتْ نَفْسَاهُما ورُؤْبَةُ عندَ المبرَدِ مِن أَفْصَحِ العَربِ. ومعنى طِحْتَ هَلَكْتَ. والأجْرامُ جَمعُ جِرْمٍ وهو الجَسَدُ والنِيقُ: أَعلَى الجَبَلِ وكذلك القُنَّةُ والقُلَّةُ.

стр. 370

وأنشد في البابِ لرؤبَةَ (١٣٧٩): [٥٦٣] يا أبَتا عَلَّكَ أَوْ عَسَاكا الشاهدُ في (١٣٨٠) وَضْعِ ضَميرِ النَصْبِ بَعدَ (عَسَى) موضعَ ضَميرِ الرَفْعِ تَشْبيهًا بـ (لَعَلَّ) لأنَّها في معناها. وكانَ المبرَّدُ (١٣٨١) يَرُدُّ هذا ويَزْعُمُ أنَّ الضميرَ في موضعِ خَبرِها المنصوب على حَدِّ قولهم: (عَسَى الغُوَيْرُ أَبْؤُسا) (١٣٨٢) ويَجعَلُ ضميرَ الرَفعِ مُسْتكِنًا فيها. ومذهَبُ سيبويه أَولَى لاطِّراد وقوعِ الضميرِ بَعدَها على هذه (١٣٨٣) الحال، لأنَّ (١٣٨٤) قولَهم: عَسَى الغُوَيْرُ أَبْؤُسا لم يُسْمَع إلَّا في هذا، وهو كالمَثَلِ. وأنشد في البابِ لعِمران بن حِطّانَ الخارجيّ (١٣٨٥)، وقيل: للأسدي: [٥٦٤] وَلِي نَفْسٌ أَقُولُ لها إذا ما … تُنازِعُني: لَعْلِّي أَو عَسَاني الشاهدُ في اتّصالِ ضَميرِ النَصْبِ بـ (عَسَي) على ما تَقَدَّمَ، ودُخولُ النُونِ على الياءِ في (عَسانِي) دَليلٌ على أنَّ الكافَ في (عساك) ضَميرُ [نَصْبٍ] (١٣٨٦) لا جَرٍّ؛ لأنَّ النُونَ والياءَ علامَةُ المنصوب. يقول: إذا نَاَزَعْتْني نَفْسِي في أَمْرِ الدُنْيا خالَفْتُها وقلتُ: لَعَلِّي أَتَوَرَّطُ فيها فأكُفَّ

стр. 371

عَمّا تَدْعوني إليه منها. وأنشد في بابٍ ترجَمَتُه: هذا بابُ ما يَحْسُنُ أنْ يَشْرَكَ الضميرُ "المظهَرَ" فيما عَمِلَ فيه. لعُمرَ بنِ أبي ربيعةَ (١٣٨٧): [٥٦٥] قُلْتُ إِذْ أَقْبَلَتْ وَزُهْرٌ تَهادَى … كِنِعاجِ المَلَا تَعَسَّفْنَ رَمْلَا الشاهدُ في عَطْفِ (الزُهْرِ) على الضَميرِ المستكنَّ في الفِعلِ ضرورةً، وكانَ الوَجْهُ أنْ يقولَ: "إذْ" أَقْبَلَتْ هي وَزُهْرٌ، فيؤَكَّدَ الضميرَ المستَكِنَّ لِيَقْوَى ثُمَّ يَعْطِفَ عليه. والزُهْرُ جَمْعُ زَهْراءَ وهي البيضاءُ المُشْرِقَةُ، "يَصفُ نِساءُ"، والتهادِي: المَشْيُ الرُّوَيَّدُ الساكِنُ. والنِعاجُ: بَقَرُ الوَحْشِ، شَبَّهَ النِساءَ بها في سكون المَشْي فيه. ومعنى تَعَسَّفْنَ رَكِبْنَ، وإذا مَشَتْ في الرَمْلِ كانَ أَسْكَنَ لمَشْيِها لصُعوبةِ المَشْي فيه. والمَلَا: الفَلاةُ المُتَّسعةُ (١٣٨٨)، والمَلِيُّ والمَلا من الدَهْرِ: الطَويلُ الواسِعُ. وأنشد [في البابِ] (١٣٨٩) للراعي (١٣٩٠): [٥٦٦] فَلَمّا لَحِقْنا والجِيادُ عَشِيَّةً … دَعَوْا يا لَكَلْبٍ واعتَزَيْنا لِعامِرِ الشاهدُ في عَطْفِ الجِيادِ على الضَميرِ المُتَّصلِ بالفِعلِ، وفيه قُبْحٌ حَتَّى يُؤكَّدَ بضميرٍ منفَصلٍ (١٣٩١) فيُقالَ: لَحِقْنا نَحنُ والجِيادُ. يقولُ: أَغاروا في الصَباحِ ثُمَّ خَرَجْنا في الطَلَب فَلَحِقْناهُم عَشِيَّةً ووقَعَتِ الحَربُ

стр. 372

فاعتَزَيْنا إلى قبائِلِنا، والراعي مِن نُمْيرِ بنِ عامِرٍ، وكَلْبٌ (١٣٩٢)، مِن قُضاعَةَ وهو كَلْبُ بنُ وَبْرَةَ. وأنشد في البابِ (١٣٩٣): [٥٦٧] آبَكَ أَيَّهْ بِيَ أَوْ مُصَدَّرِ مِنْ خُمُرِ الجِلَّةِ جَأبٍ حَشْوَرِ الشاهدُ في عَطْفِ المُصَدَّرِ على المُضْمَرِ المجرورِ دونَ إعادَةِ الجارِّ، وهو من أَقْبَحِ الضَرورةِ (١٣٩٤). والمُصَدَّرُ: الشَديدُ الصَدْرِ. والجَأبُ: الغَلِيظُ. والحَشْوَرُ: الخَفيفُ. والجِلَّةُ: المَسَانُّ، واحِدُها جَليلٌ. ومعنى آبَكَ وَيْحَكَ. والتَأيِيهُ: الدُعاءُ، يقالُ: أَيُهْتُ بالإِبِلِ إذا صِحْتَ بها. وأنشد في البابِ في مِثْلِهِ (١٣٩٥): [٥٦٨] فاليَومَ قَرَّبْتَ تَهْجُونا وتَشْتِمُنا … فاذْهَبْ فما بكَ والأيّامِ مِنْ عَجَبِ الشاهدُ فيه عَطْفُ (الأيّامِ) على المُضمرِ المجرورِ، والقَولُ فيه كالقولِ في الذي قَبْلَهَ. ومعنى قَرَّبْتَ جَعَلْتَ وأَخَذْتَ، يقالُ: قَرَّبْتَ تَفْعَلُ كذا، أيْ: جَعَلْتَ تَفْعَلُهُ. والمعنى هَجْوُكَ لنا مِن عَجائب الزَمانِ، وقد كَثُرَتْ فَلا يُعْجَبُ منها. "وهذا البيتُ

стр. 373

والذي قَبلَه غَيرُ معروفَيْنِ في الكِتابِ عند كَثيرٍ مِن حَمَلَتِهِ". وأنشد في بابٍ ترجَمَتُه: هذا بابُ ما لا يَجوزُ فيه الاضمارُ من حروفِ الجَرِّ، للعَجّاج (١٣٩٦): [٥٦٩] وأُمَّ أَوْعالٍ كَهَا أَوْ أَقْرَبا الشاهدُ فيه إِدخالُ الكافِ على المُضْمَرِ تَشْبيهًا لها بـ (مِثْلٍ) لأنَّها في معناها، واستعمَلَ ذلكَ عند الضَرورةِ. وأُمُّ أَوعالٍ أَكَمَةٌ بعينها، والهاءُ في قوله: (كَهَا) عائدةٌ على شَيءٍ مؤنَّثٍ شَبَّهَ الأكَمَةَ به، وعَطَفَ (أَقْرَبَ) على شَيءٍ قَبلَ البيتِ (١٣٩٧). وأنشد في البابِ للعَجّاجِ (١٣٩٨) أيضًا: [٥٧٠] فَلَا تَرَى بَعْلَّا ولا حَلائِلا كَهُوْ ولا كَهُنَّ إلّا حاظِلا الشاهدُ في قَولِهِ: (كَهُو ولا كَهُنَّ)، وأَرادَ مِثْلَهُ ومِثْلَهُنَّ، والقَولُ فيه كالقَولِ في الذي قَبلَه. والوَقْفُ على كَهُوْ بإسكانِ الواوِ (١٣٩٩) لأنَّهُ ضَميرُ جَرٍّ مُتَّصلُ بالكافِ اتّصالَهُ بـ (مِثْلٍ)، فالوَقْفُ عليه هنا كالوَقْفِ عليه ثَمَّ. وَصَفَ حِمارًا وآتُنًا، والحاظِلُ والعاضِلُ سَواءً، وهو المانعُ مِن التَرْويجِ، لأنَّ الحمارَ يَمنَعُ آتُنَهُ مِن حِمارٍ آخَرَ يُريدُهنَّ، ولذلك جَعَلَهُنَّ كالحَلائلِ وهي الأزواجُ. وأنشد في بابٍ ترجَمَتُه: هذا بابُ ما تكونُ فيه هو وأَخواتُها فَصْلًا، لقيْس بن ذَرِيح (١٤٠٠): [٥٧١] تُبَكَّي على لُبْنَى وأَنتَ تَرَكْتَها … وكُنتَ عليها بالمَلَا أَنتَ أَقْدَرُ

стр. 374

الشاهدُ في ابتداءِ (أَنتَ) ورَفْعِ (أَقدَرَ) على الخَبرِ، ولو كانَتْ القوافي منصوبَةً لنَصَبَ (أَقْدَرَ) وجَعَل (أَنتَ) فَصْلًا كما تَقَدَّمَ في البابِ. وَصَفَ تَتَبُّعَ نَفْسِهِ لِلُبْنَى بَعدَ أنْ طَلَّقَها. والمَلَا: ما اتَّسَع من الأرضِ، أيْ: كنتَ أقدَرَ عليها وأَنتَ مُقِيمٌ بالمَلَا مَعَها قَبلَ تَطْلِيقها، يُعَنَّفُ نَفْسَهُ على ما فَعَلَ (١٤٠١). وأنشد في البابِ لرَجُلٍ مِن بَني عَبْسٍ (١٤٠٢): [٥٧٢] إذا ما المَرْءُ كانَ أَبوهُ عَبْسٌ … فَحَسْبُكَ ما تُرِيدُ إلى الكَلامِ الشاهدُ فيه إضمارُ اسمِ كانَ فيها (١٤٠٣) والجملةُ خَبرُها، ولَولا ذلك لنَصَبَ أحَدُ الاسمينِ بَعدَها. ونَسَبَ الفَصاحَةَ والبَلاغَةَ إلى عَبْسٍ لأنَّه مِنهم، وعَبْسُ بنُ بَغيضٍ من قَيْسِ عَيْلانَ (١٤٠٤)، و (إلى) هنا (١٤٠٥) بمعنى (من) وفيها بُعْدٌ لأنَّها ضِدُّها، والأجْوَدُ أنْ يُريدَ فَحَسْبْكَ ما تُريدُ من الشَرَفِ إلى الكلامِ، أَيْ: مع الكَلامِ. وأنشد في بابِ (أَيّ) للعبّاسِ بنِ مِرْداسٍ (١٤٠٦): [٥٧٣] فَأَيَّي ما وأَيَّكَ كانَ شَرًّا … فَسِيقَ إلى المَنِيَّةِ لا يَراها الشاهدُ في (١٤٠٧) إفرادِ (أَيَّ) لكُلُ واحِدٍ مِن الاسمينِ وإخْلاصِها له تَوْكيدًا، والمستعمل إضافَتَها اليهما مَعًا فيقال: أَيُّنا.

стр. 375

يَقولُ: أَيُّنا كانَ شَرًّا من صاحِبِه فَفَاجَأَتْهُ المَنِيَّةُ، ويُروى (فَسِيقَ إلى المُقامَةِ) وهي جماعَةُ الناسِ، والمعنى فَأَعماهُ اللَّهُ، و (ما) زائدةٌ مؤكِّدَةٌ (١٤٠٨). وأنشد في البابِ لِخِداش بنِ زُهَيرٍ (١٤٠٩): [٥٧٤] ولَقَدْ عَلِمْتُ إذا الرجالُ تَناهَزوا … أَبِّي وأَيُّكُمُ أَعَزُّ وأَمْنَعُ الشاهدُ فيه تَكريرُ (أَيَّ) توكيدًا كما تَقَدَّمَ. ومعنى تَناهَزوا افترَصَ (١٤١٠) بَعضُهم بَعضًا في الحربِ. وأنشد في البابِ لخِداش (١٤١١) أيضًا: [٥٧٥] فأَيِّي وأَيُّ ابنِ الحُصَيْنِ وعَثْعَثٍ … غَداةَ التَقَيْنا كانَ عِندَكَ أَعْذَرا الشاهدُ فيه كالذي تَقَدَّمَ في البيتينِ قَبْلَه. ويُروى كانَ بالحِلْفِ أغْدَرا، والحِلْفُ تَعاقُدُ القَومِ واصطِلاحُهُم، وأَصلُه مِن اليَمينِ لأنّه يُؤكدها (١٤١٢). وأنشد في بابٍ ترجَمَتُه: هذا بابُ (مَنْ) إذا كنتَ مستَفْهِمًا بها عَن نكرةٍ (١٤١٣): [٥٧٦] أَتَوْا نارِي فَقُلْتُ: مَنُونَ أَنْتُم؟ … فقالوا: الجِنُّ قُلْتُ: عِمُوا ظَلّاما

стр. 376

الشاهدُ فيه "قَولُه: " (مَنُونَ أَنْتُم) وجَمْعُهُ لِـ (مَنْ) في الوَصْلِ، وإنّما تُجْمَعُ في الوَقْفِ، وجازَ ذلك ضَرورةً. وَصَفَ أنّ الجِنَّ طَرَقَتْهُ وقَدْ أَوقَدَ نارًا لِطعامِهِ. ونَصَبَ (ظَلامًا) على التَمييزِ كما تقول: أَنْعِموا بالًا، والمعنى نَعِمَ بالُكُم ونَعِمَ ظَلامُكُم على الاتّساعِ، ويَجوزُ نَصْبُهُ على الظَرفِ، ويقالُ: وَعَمَ يَعِمُ في معنى نَعِمَ يَنْعَمُ، وبَعدَه (١٤١٤): فَقُلْتُ: إلى الطَعامِ فقالَ منهم … زَعِيمٌ: نَحْسُدُ الإِنْسَ الطَعَاما لَقَدْ فُضَّلْتُمُ بالأكْلِ فينا … ولكن ذاك يُعْقِبُكُمْ سَقَاما وأنشد في بابٍ تَرجَمَتُه: هذا بابُ إجْرائهم صِلَةَ (مَنْ) وخَبَرَهُ إذا عَنَيْتَ اثنينِ كصلةِ اللَّذَينِ، للفرزدق (١٤١٥): [٥٧٧] تَعالَ فإنْ عاهَدْتَنِي لا تَخُونُني … نَكُنْ مِثْلَ مَنْ ياذِئبُ يَصْطَحِبانِ الشاهدُ فيه تَثْنِيةُ (يَصْطحبانِ) حَمْلًا على معنى (مَنْ) لأنَّها كِنايَةٌ عن اثنينِ، وأخبَرَ عنه وعَن الذِئبِ فجعله ونَفْسَهُ بمنزلتهما في الاصْطِحاب. وَصَفَ أَنَّه أَوقَدَ نارًا وطَرَقَهُ الذِئبُ فَدَعاهُ إلى العَشاءِ والصُحْبَةِ، وقَبْلَهُ (١٤١٦): وأَطْلَسَ عَسّالٍ وما كانَ صاحِبًا … رَفَعْتُ لِنارِي مَوْهِنًا فَأَتاني وفَرقَ بَينَ (مَنْ) وصِلَيِها بقوله: (يا ذِئبُ)، وساغَ له ذلك لأنَّ النِداءَ موجودٌ في الخِطابِ وإنْ لم يَذْكُرْهُ، فإنْ قُدِّرَتْ (مَنْ) نكرةً و (يَصْطحبانِ) في موضعِ الوَصْفِ (١٤١٧) كانَ الفَصلُ بينهما أَسهَلَ وأَقْيَسَ.

стр. 377

وأنشد في بابٍ ترجَمَتُه: هذا بابُ إجْرائهم (ذا) بمنزلةِ (الذي)، لِلَبيدٍ (١٤١٨): [٥٧٨] أَلا تَسْأْلانِ المَرْءَ ماذا يُحاوِلُ … أَنَحْبٌ فَيُقْضَى أَمْ ضَلالٌ وباطِلُ الشاهدُ في (١٤١٩) رَفْعِ (أَنَحْبٌ) وما بَعدَه، وهو مَردودٌ على "موضعِ" (ما) في قوله: (ماذا)، فَدَلَّ ذلك على أنَّ (ذا) في معنى (الذي) وما بَعدَهُ مِن صِلَتِهِ فَلا يَعملُ في الذي قَبلَه، فـ (ما) في موضعِ رَفْعٍ بالابتداءِ فلذلك رَفَعَ ما بَعدَ الألفِ رَدًّا عليها. والنَحْبُ: النَذْرُ، يقولُ: الإنسانُ [مجتَهِدٌ في أَمرِ الدُّنْيا] (١٤٢٠) وتَبَبُّعِها، فكأَنّما أَوجَبَ على نَفْسِهِ في ذلك نَذْرًا يَجْرِي إلى قَضائِهِ وهو منه في ضَلالٍ وباطِلٍ. وأنشد في البابِ (١٤٢١): [٥٧٩] دَعِي ماذا عَلِمْتِ سَأَتَّقِيهِ … ولكنْ بالمُغَيَّبِ نَبِّيئِنِي الشاهدُ فيه جَعْلُهُ (ماذا) اسمًا واحدًا بمنزلةِ (الذي). والمعنى دَعِي الذي عَلِمْتِهِ فانّي سَأَتَّقِيهِ لِعِلْمي منه مثلَ الذي عَلِمْتِ، ولكنْ نَبِّئيني بما غابَ عَنِّي وعَنْكِ مِمّا يأتي به الدَهرُ، أيْ: لا تَعْذُلِيني فيما أُبادِرُ به الزمانَ مِن إِتْلافِ مالي في وُجُوه الفُتُوَّةِ ولا تُخَوِّفيني الفَقْرَ. وأنشد في بابِ ترجَمَتُه: هذا بابُ ما يَعملُ في الأفعالِ فيجزمُها (١٤٢٢): [٥٨٠] مُحمَّدُ تَفْدِ نَفْسَكَ كُلُّ نَفْسٍ … إذا ما خِفْتَ مِن شَيءٍ تَبَالا

стр. 378

الشاهدُ فيه إضمارُ لامِ الأمرِ في قوله: (تَفْدِ)، والمعنى لتَفْدِ نَفْسَكَ، وهذا مِن أَقْبِحِ الضرورةِ لأنّ الجازِمّ أَضعَفُ مِن الجارِّ وحَرْفُ الجَرِّ لا يُضْمَرُ. وقَدْ قيلَ: هو مرفوعٌ حُذِفَتْ ياؤهُ (١٤٢٣) ضَرورةً واكْتُفِيَ بالكسرةِ عنها (١٤٢٤)، وهذا أَسهَلُ في الضَرورةِ وأقرَبُ. والتَبَالُ: سُوءُ العاقِبَةِ وهو بمعنى الوَبَالِ، فكأنّ التاءَ بَدَلٌ مِن الواوِ، أيْ: إذا خِفْتَ وَبَالَ أَمْرٍ أَعْدَدْتَ له. وأنشد في البابِ لمُتَمِّم بنِ نُوَيْرَةَ (١٤٢٥): [٥٨١] على مِثْلِ أَصْحابِ البَعُوضَةِ فأخْمُشِي … لَكِ الوَيْلُ حُرَّ الوَجْهِ أوْ يَبْكِ مَنْ بَكَى الشاهدُ في جَزْمِ (يَبْكي) على إضمارِ لامِ الأمْرِ، ويَجوزُ أنْ يكونَ محمولًا على معنى (فآخْمُشِي) لأنّه في معنى لِتَخْمُشِي (١٤٢٦)، وهذا أَحسَنُ من الأوّلِ. والبَعوضَةُ هنا موضعٌ بعَيْنِهِ قُتِلَ فيه رِجالٌ مِن قَومِهِ فَحَضَّ على البُكاءِ عليهم، ومعنى اخْمُشِي اخدِشِي. وأنشد في بابِ إذَنْ، لابنِ عَنَمَةَ الضَبِّيّ (١٤٢٧): [٥٨٢] أُرْدُدْ حِمارَكَ لا تُنْزَعْ سَوِيَّتُهُ … إِذَنْ يُرَدَّ وقَيْدُ العُيْرِ مَكْرُوبُ الشاهدُ فيه نَصْبُ ما بَعدَ (إذَنْ) لأنَّها مبتَدَأةٌ مُعتَمَدٌ عليها، والرَفْعُ جائزٌ على إلغائها، وتقديرُ الفِعلِ واقِعًا للحالِ، لأنَّ حروفَ النَصْبِ لا تَعملُ إلّا في ما خلصَ

стр. 379

للاستقبالِ. والسَويَّةُ: شَيءٌ يُجْعَلُ تحتَ البَرْذَعَةِ للحمارِ كالجِلْسِ للبَعيرِ. يقولُ هذا لِمَنْ تَعرّضَ لمُقاوَمَتِهِ في أَمرِ، فجَعَلَه كمَنْ صاوَلَ بحمارٍ، والمَكْروبُ: المُدانَى المُقارَبُ من قولهم: كَرَبْتُ أَفْعَلُ كذا، أَيْ: قارَبْتُ. وأنشد في البابِ لكُثَيِّرِ عَزَّةَ (١٤٢٨): [٥٨٣] لَئنْ عادَ لي عَبدُ العَزيزِ بمِثْلِها … وأَمكَنَنِي مِنها إذَنْ لا أُقِيلُها الشاهدُ فيه إلغاءُ (إذَنْ) ورَفْعُ (لا أُقِيلُها) لاعتمادِهِ على القَسَمِ المُقَدَّرِ في أوّلِ الكلامِ، والتقديرُ واللَّهِ لَئنْ عادَ لي بمِثْلِها لا أُقِيلُها إذَنْ. وكانَ عبدُ العزيزِ بنُ مروانَ (١٤٢٩) قَدْ جَعَلَ له أنْ يَتَمَنَّى عليه وقَدْ مَدَحَهُ، فتَمَنَّى أنْ يَجعَلَه عامِلًا مكانَ عامِلٍ كانَ له كاتِبًا وكُثَيِّر أُمِّيٌّ، فاستَجْهَلَهُ عبدُ العزيز وأَبعَدَهُ فقالَ هذا، ويُقالُ: بَلْ أَعطاهُ جائزةٌ استَقَلَّها فَرَدَّها عليه ثُمَّ نَدِمَ، ويُروى (لا أُفِيلُها) أَيْ: لا أُفِيلُ رَأيي فيها. وأنشد في بابِ حَتَّى للفرزدقِ (١٤٣٠): [٥٨٤] فَيَا عَجَبًا حَتَّى كُلَيْبٌ تَسُبَّني … كأنَّ أباها نَهْشَلٌ أَوْ مُجاشِعُ الشاهدُ في (١٤٣١) دُخولِ (حَتَّى) على جُملةِ الابتِداءِ، فدَلَّ هذا على أنَّ الفِعلَ يَجوزُ أَنْ يُقْطَعَ بَعدَها فَيُرْفَعَ. هَجا كُلَيْبَ بنَ يَرْبوع رَهْطَ جَريرٍ وجَعَلَهم مِن الضَعَةِ بحيثُ لا يُسابّون مِثْلَهُ لشَرَفِهِ، ونَهْشَلٌ ومجاشِعٌ رَهطُ الفَرزدقِ وهما ابنا دارِم.

стр. 380

وأنشد في البابِ لحَسَّانَ بنِ ثابِتٍ (١٤٣٢): [٥٨٥] يُغْشَوْنَ حَتَّى ما تَهِرُّ كِلابُهُم … لا يَسْأَلونَ عَن السَوادِ المُقْبِلِ الشاهدُ فيه إلغاءُ (حَتَّى) كما تَقَدَّمَ. مَدَحَ آلّ جَفْنَةَ ملوكَ غَسّانَ فجَعَل كِلابَهم لا تَنبِحُ (١٤٣٣) مَنْ غَشِيَهم لاعتِيادِها الأضْيافَ. والسَوادُ هنا الشَخْصُ، أيْ: إذا رُفِع لهم شَخْصٌ عَلِموا أَنَّهُ طالِبُ معروفٍ فَلَمْ يَسْأَلوا عنه. وأنشد في البابِ لعَلْقَمَةَ بنِ عَبَدَةَ (١٤٣٤): [٥٨٦] تُرادَى على دِمْنِ الحِيَاضِ فَإنْ تَعَفْ … فإنَّ المُنَدَّى رِحْلَةٌ فَرُكُوبُ الشاهدُ في (١٤٣٥) في قولِهِ: "رِحْلَةٌ" فرُكوبٌ، واتِّصالُ هذا بهذا كاتِّصالِ الدُخولِ بالسَيرِ في قولهم: سِرْتُ حَتَّى أَدخُلُ "المدينةَ"، أيْ: كان مِنّي سَيرٌ فَدُخولٌ. وَصَفَ ناقَةْ تُرادَى على بَقايا الماءِ في الحِياضِ (١٤٣٦)، وهي الدِمْنُ، فإنْ عافَتِ الشربَ أي: كَرهَتْهُ لتَغَيُّرِ الماءِ لَمْ تُنَدَّ ولكنْ تُرْحَلُ فَتُركَبُ فيَجعلُ لها ذلك بَدَلًا مِن التَنْدِيَةِ، والتَنْدِيَةُ: أنْ تَرِدَ ثُمَّ تُرَدَّ إلى المرعى ثُمَّ تُعادَ إلى الماءِ. ومعنى تُرادُ يُجاءُ بها ويُذْهَبُ يقال: رادَ الشَيءُ وأَرَدْتُهُ (١٤٣٧). وأنشد في بابٍ ترجَمَتُه: هذا بابُ الرَفْعِ فيما اتَّصَلَ بالأوّلِ كاتَّصالِهِ بالفاءِ، لرَجُلٍ من بني سَلُولٍ (١٤٣٨)، ويُقال: هو مُوَلَّدٌ:

стр. 381

[٥٨٧] ولَقَدْ أَمُرُّ على اللَّئيمِ يَسُبُّني … فَسَضَيْتُ ثُمَّتَ قُلْتُ لا يَعْنِيني الشاهدُ في وَضْعِ (أَمُرُّ) موضعَ (مَرَرْتُ) على حَدًّ وقوعِ الفِعلِ المستقبلِ بَعدَ (حَتّى) في معنى الماضي إذا قُلتَ: سِرْتُ حَتَّى أَدخُلُ في معنى سِرتُ فَدَخَلْتُ، وجازَ (أمُرُّ) في معنى (مَرَرْتُ) لأنّه لَمْ يُرِدْ ماضِيًا مُنقَطِعًا، وإنّما أرادَ أنّ هذا أَمْرُهُ وَدَأبُهُ، فجَعَلَه كالفِعلِ الدائمِ. وقيلَ: معنى ولَقَدْ أَمُرُّ رُبَّما أَمُرُّ، فالفِعلُ على هذا في موضِعِهِ، والمعنى أَنَّه يُنْزِلُ مَنْ سَبَّهُ مِن اللَّثامِ بمنزلةِ مَنْ لم يَعْنِهِ احتِقارًا لَهُ فَلا يُجيبهُ. وأنشد في بابٍ ترجَمَتُه: هذا بابُ ما يكونُ العَمَلُ فيه من اثنينِ، لامرِئ القَيْس (١٤٣٩): [٥٨٨] سَرَيْتُ بهم حَتَّى تَكِلَّ مَطِيُّهم … وحَتَّى الجِيادُ ما يُقَدْنَ بِأَرْسانِ الشاهدُ فيه جَعْلُ (حَتَّى) الثانيةِ غَيرَ عاملةٍ، ودُخولُها بَعدَ (حَتَّى) الناصبةِ مكرَّرَةً لأنَّها غَيْرُها. يُريدُ أَنَّه يَسْرِي بأصْحابِهِ غازِيًا حَتَّى تَكِلَّ المَطِيُّ وتَنْقطِعَ الخَيلُ وتَجْهَدَ فلا تَحتاج إلى قَوْدٍ. وأنشد في بابِ الفاءِ للفرزدقِ (١٤٤٠): [٥٨٩] وما زُرْتُ سَلْمَى أَنْ تكونَ حَبِيبَةٌ … إليَّ ولا دَيْنٍ بها أَنا طالِبُهْ الشاهدُ فيه حَمْلُ (دَيْن) على معنى لأنْ تكونَ وجَرُّهُ، وهو كالبيتِ الذي أنشَدَه

стр. 382

في الباب لزُهَيرٍ (١٤٤١)، والبيتِ الذي أنشَدَهُ للفَرزدقِ (١٤٤٢)، وقَدْ مَرّا بتَفْسِيرِهما (١٤٤٣). يقولُ: لَمْ أَزُرْ سُلْمى لِمَحَبَّةٍ فيها ولا لدَيْنٍ أُطالِبُها به وإنّما زُرْتُها لغيرِ ذلك، هذا ظاهِرُ لَفْظِهِ. وقيلَ: المعنى ما تَرَكْتُ زِيارَتَها لغَيرِ مَحَبَّةٍ ولا لِدَيْنٍ تُطالِبُني به ولكنْ خَشْيَةَ الرُقَباءِ، ولَفظُ البيتِ لا يُؤدّي إلى هذا التَفْسيرِ. وقوله: (بها) في معنى منها، ويحتمل أنْ يريد أَنا بِهِ طالِبُها، فقَلَبَ. وأنشد في البابِ لبعضِ الحارِثيين (١٤٤٤): [٥٩٠] غَيْرَ أَنّا لَمْ يَأتِنا بِيَقيِنٍ … فَنُرَجِّي ونُكْثِرُ التَأمِيلا الشاهدُ في (١٤٤٥) قَطْعِ ما بَعدَ الفاءِ ورَفْعِهِ، ولو أَمْكَنَهُ النَصْبُ على الجَوابِ لكانَ أحسَنَ. وأنشد في البابِ للفرزدقِ (١٤٤٦): [٥٩١] وَما قامَ مِنّا قائمٌ في نَدِيِّنا … فيَنْطِقَ إلّا بالتي هِيَ أَعْرَفُ

стр. 383

الشاهدُ في نَصْبِ ما بَعدَ الفاءِ على الجَوابِ مع دُخولِ (إلّا) بَعدَه للايجابِ، لأنّها عَرَضَتْ بَعدَ اتّصالِ الجَوابِ بالنَفْي ونَصْبِهِ على ما يَجِبُ له فَلَمْ يُغَيِّرْهُ. والنَدِيُّ: المَجْلِسُ، أَيْ: إذا نَطَقَ مِنَّا ناطِقٌ في مَجْلِسِ جَماعَةٍ عُرِفَ صَوابُ قَوْلِهِ فَلَمْ تُرَدُّ مَقالَتُهُ. وأنشد في البابِ لِلَّعِينِ المِنْقَرِيّ (١٤٤٧): [٥٩٢] وَما حَلَّ سَعْدِيٌّ غَرِيبًا بِبَلْدَةٍ … فَيُنْسَبَ إلّا الزِبْرِقانُ لَهُ أَبُ الشاهدُ [في قَوْلِهِ: (فَيُنَّسَبَ) ونَصْبِهِ] (١٤٤٨) على الجوابِ، [والرَفْعُ جائزٌ]، والقَولُ فيه كالقَولِ في الذي قَبْلَه. يَقولُ: الزِبْرِقانُ سَيَّدُ قَومِهِ وأَشْهَرُهم، فإذا تَغَرَّبَ رَجُلُ مِن سَعْدٍ وَهُمْ رَهْطُ الزِبْرِقانِ فَسُئلَ عَنْ نَسَبِهِ انَتَسبَ إليه لشَرَفِهِ وشُهْرَتِهِ. وأنشد في البابِ للفَرَزدقِ (١٤٤٩): [٥٩٣] فَما أَنتَ مِن قَيْسٍ فَتَنْبِحَ دُونَها … ولا مِنْ تَميمٍ في اللَّها والغَلاصِمِ الشاهدُ فيه نَصْبُ (تَنْبِحَ) على الجَوابِ، ولو قُطِعَ فَرُفِعَ لجازَ. يَقولُ هذا لجريرٍ، وكانَ يُكافِحُ عَنْ قَيْسٍ لِخُؤُولَتِهِ فيهم، وجَعَلَ مُهاجاتَهُ عنهم نُباحًا على طَريقِ الاستِعارَةِ، ونَفَى عنه الشَرَفَ في تَميمٍ وأنْ (١٤٥٠) يَحُلَّ منهم مكانَ الرأسِ في العُلُوِّ والرِفْعَةِ، وكَنَى عن ذلك باللَّها وهي مَداخِلُ الطَعامِ في الحَلْقِ واحدَتُها لَهاةٌ، والغَلاصِمِ وهي ما اتّصَلَ باللَّهاةِ واحِدَتُها غَلْصَمَةٌ.

стр. 384

وأنشد في البابِ لأُمَيَّةَ بن أَبي الصَلْتِ (١٤٥١): [٥٩٤] أَلا رَسُولَ لَنا مِنّا فَيُخْبِرَنا … ما بُعْدُ غايَتِنا مِن رَأسِ مُجْرانا الشاهدُ فيه نَصْبُ (يُخْبِرَنا) على الجَوابِ بالفاءِ، ولَوْ قُطِعَ فَرُفِعَ لجازَ. يقولُ: إذا ماتَ الإنسانُ لَمْ تُعْرَفْ مُدَّةُ إقامَتِهِ إلى أنْ يُبْعَثَ، فَتَمَنَّى رَسولًا مِن الأمواتِ يُخْبِرُ بحقيقةِ ذلك، وهذا على طَريقِ الوَعْظِ، وضَرَبَ الغايَةَ والمُجْرى مَثَلًا، وأَصلُهُما في السِباقِ بَينَ الخَيلِ. وأنشد في البابِ في مِثْلِهِ (١٤٥٢): [٥٩٥] أَلَمْ تَسْأَلُ فتُخَبِرَكَ الرُسومُ … على فِرْتاجَ والطَلَلُ القَدِيمُ الشاهدُ فيه نَصْبُ ما بَعدَ الفاءِ، والرَفْعُ جائزٌ، والقَولُ فيه كالذي تَقَدَّمَ. وفِرْتاجٌ: موضعٌ بعَيْنِهِ. وأنشد في البابِ لأبي النَجْمِ (١٤٥٣): [٥٩٦] يا ناقَ سِيرِي عَنَقًا فَسِيحَا إلى سُلَيْمانَ فَنَسْتَريحا الشاهدُ فيه نَصْبُ ما بَعدَ الفاءِ على جَوابِ الأمْرِ. والعَنَقُ: ضَرْبٌ مِن السَيرِ، والفَسِيحُ: الواسِعُ المَكِينُ، وأرادَ سُلَيْمانَ بنَ عبدِ

стр. 385

المَلِكِ. وأنشد في الباب لرَجُلٍ من "بني" دارم (١٤٥٤): [٥٩٧] كأَنَّكَ لَمْ تَذَّبَحْ لأهلِكَ نَعْجَةً … فَيُصْبحَ مُلْقًى بالفِناءِ إهابُها الشاهدُ فيه نَصْبُ ما بَعدَ الفاءِ على الجوابِ وإنْ كانَ معنى الكلامِ الإيجابَ، لأنّه كانَ قبلَ دخولِ (كأنَّ) مَنْقِيًّا على تقدير لَمْ تَذْبَحْ نَعْجَةً فَيُصْبحَ إهابُها مُلْقًى، ثُمَّ دَخَلَتْ (كأَنَّ) عليه فأَوْجَبَتْهُ (١٤٥٥) وبقيَ على لَفْظِهِ مَنْصوبًا. والنَعْجَةُ: الشاةُ. والإهابُ: الجِلْدُ. وأنشد في البابِ للنابغةِ الذُبْيانِيّ (١٤٥٦): [٥٩٨] وَلا زالَ قَبْرُ بَينَ تُبْنَى وجاسِمٍ … عليه مِن الوَسْمِيِّ جَوْدٌ ووابِلُ فَيُنْبِتُ حَوْذانًا وعَوْفًا مُنَوِّرًا .. سَأْتْبِعُهُ مِن خَيرِ ما قالَ قائلُ الشاهدُ فيه رَفْعُ (يُنْبِتُ) (١٤٥٧) لأنّه جَعَلَه خَيَرًا عَن الغَيْثِ واجِبًا وتَفْسيرًا لحالِهِ ثابِتًا. والمعنى فَيُنْبِتُ ذلك الغَيْثُ حَوْذانًا وهو ضَرْبٌ مِن النَبْتِ طَيَّبُ الرِيحِ وكذلك العَرْفُ (١٤٥٨). ورَثَى بهذا النعمانَ بن الحارثِ الغَسَّانيّ. وتُبْنَى وجاسِمٌ: موضعانِ

стр. 386

بالشامِ، ويُروى بينَ بُصْرَى "وجاسِم"، وهي مِن مُدُنِ الشامِ، والجَوْدُ والوابِلُ: أَغزَرُ المطرِ، وخَصَّ الوَسْمِيِّ لأنّه أَطْرَقُ المطرِ عندهم لإِتْيانِهِ عقِيبَ (١٤٥٩) القَيْظِ. وأنشد في البابِ لجَميلِ بنِ مَعْمَرٍ (١٤٦٠): [٥٩٩] أَلَمْ تَسْأَلِ الرَبْعَ القَواءَ فَيَنْطِقُ … وهَلْ تُخْبِرَنْكَ اليَومَ بَيْداهُ سَمْلَقُ الشاهدُ فيه رَفْعُ (يَنْطِقُ) على الاستِئْنافِ والقَطْعِ، على معنى فَهو يَنطقُ، وإيجابُ ذلك كُلَّه، ولو أَمْكَنَةُ النَصْبُ على الجَوابِ لكانَ أَحْسَنَ. والقَوَاءُ: القَفْزُ، وجَعَلَه ناطِقًا للاعتِبارِ بِدُروسِهِ وتَغَيُّرِهِ، ثُمَّ حَقَّقَ أَنَّه لا يُجِيبُ ولا يُخْبِرُ سائلَهُ لِعَدَمِ القاطِنين به فقال: وهَلْ تُخْبِرَنْكَ اليَومَ بَيْداءُ، وهي القَفْرُ، والسَمْلَقُ: التي لا شَيءَ بها. وأنشد في البابِ للأعشى (١٤٦١): [٦٠٠] لَقَدْ كانَ في حَوْلٍ ثَواءٍ ثَوَيْتُهُ … تُقَضَّى لُباناتٌ ويَسْأَمُ سائمُ الشاهدُ فيه رَفْعُ (يَسْأَمُ) لأنَّه خَبرُ واجِبُ معطوفٌ على (تُقَضَّى)، واسمُ كانَ مُضْمَرٌ فيها، والتقديرٌ لقد كانَ الأمْرُ تُقَضَّى لُباناتٌ في الحَوْلِ الذي ثَوَيْتُ فيه ويَسْأَمُ مَنْ أَقامَ به لِطُولِهِ. يُخاطِبُ بهذا نَفْسَهُ، والثَواءُ: الإقامَةُ، وهو بَدَلٌ مِن الحَوْلِ، ويَجوزُ نَصْبُهُ على تَقديِر ثَوَيْتُهُ ثَواءً. ويُروَى (تَقَضّي لُباناتٍ ويَسْأَمَ سائمٌ) بالنَصْبِ على إضمارِ (أنْ) والعَطْفِ على (تَقَضِّي).

стр. 387

وأنشد في البابِ (١٤٦٢): [٦٠١] سَأَتْرُكُ مَنْزِلِي لِبَني تَميمٍ … وأَلْحَقُ بالحِجازِ فأَسْتَرِيحا الشاهد فيه نَصْبُ (فَأَسْتَرِيحا) وهو خَبَرٌ واجِبٌ بإضمارِ (أنْ) ضَرورةً، ويُروَى (لأسْتَرِيحا)، ولا ضَرورةَ فيه على هذا. وأنشد في البابِ للأعشَى (١٤٦٣) في مِثْلِهِ: [٦٠٢] ثُمَّتَ لا تَجْزُونَني عندَ ذاكُمُ … ولكنْ سَيَجْزِيني الإِلهُ فَيُعْقِبا الشاهدُ فيه (١٤٦٤) نَصْبُ (يُعُقِب) وهو خَبرّ واجِبُ ضَرورةً، ويَجوزُ أَنْ يُريدَ النُونَ الخفيفةَ، وهو أَسهَلُ في الضَرورةِ. ومعنى يُعْقِبُ يُجْمِلُ العاقِبَةَ. وأنشد في البابِ لطَرَفَةَ (١٤٦٥): [٦٠٣] لَنا هَضْبَةٌ لا يَنْزِلُ الذُلُّ وَسْطَها … . وَيَأوِي إليها المُسْتَجِيرُ فَيُعْصَمَا الشاهدُ فيه نَصْبُ (يُعْصَم)، والقَولُ فيه كالقَولِ في الذي قَبلَه. ويُروى (لِيُعْصَمَا) ولا ضَرورةَ فيه. وكَنَى بالهَضْبَةِ عَنْ عِزَّةِ قَومِهِ ومَنْعَتِهم، والهَضْبَةُ: الجَبَلُ. وأنشد في بابِ الواوِ للأخْطَلِ، ويُروى لأبي الأسودِ الدُّوَّليّ (١٤٦٦): [٦٠٤] لا تَنْهَ عَنْ خُلُقٍ وتَأْتِيَ مِثْلَهُ … عارٌ عليكَ إذا فَعَلْتَ عَظِيمُ

стр. 388

الشاهدُ فيه نَصْبُ (تَأْتي) بإضمارٍ (أنْ)، لأنَّه أرادَ لا تَجْمَعْ بينَ النَهْي والإِتْيانِ، والمعنى لا يَكُنْ منكَ أَنْ تَنْهَى وتأتِيَ، ولو جَزَمَ الآخِرَ على النَهْي لفَسَدَ المعنى لقَطْعِهِ على أنْ لا يَنْهَى البَتَّةَ عَنْ شَيءٍ ولا يأتِيَهُ، وإنّما أرادَ إذا نَهَيْتَ عن قَبيحٍ فَلا تَأْتِهِ فذاك (١٤٦٧) عارٌ عليكَ. وأنشد في البابِ لجريرٍ (١٤٦٨): [٦٠٥] ولا تَشْتِمِ المَوْلَى وتَبْلَّغْ أَذاتَهُ … فإنَّكَ إنْ تَفْعَلْ تُسَفَّهْ وتَجْهَلِ الشاهدُ فيه جَزْمُ (تَبْلُغ) لدُخولِهِ في النَهْي، والمعنى لا تَشْيِمْهُ ولا تَبْلُغْ أَذاتَهُ. والمَوْلَى هنا ابنُ العَمِّ. وأنشد في البابِ للحُطيْأَةِ (١٤٦٩): [٦٠٦] أَلَمْ أَكُ جارَكُمْ وتَكونَ بَيْني … وبَيْنَكُمُ المَوَدَّةُ والإِخاءُ الشاهدُ فيه نَصْبُ (وتَكون) بإضمارِ (أنْ) على تأويلِ الاسمِ في الأوّلِ، والتقديرُ أَلَمْ يَقَع أنْ أكونَ جارَكُم وتكونَ بيني وبَيْنكم المَوَدَّةُ. يقولُ هذا لآلِ الزِبْرِقانِ بنِ بَدْرٍ وكانوا قَدْ جَفَوْهُ فانتَقَلَ عنهم وهَجاهُم. وأنشد في البابِ لدُرَيْد بنِ الصِمَّةٍ (١٤٧٠): [٦٠٧] قَتَلْتُ بعِبدِ اللَّهِ خَيْرَ لِداتِهِ … ذُؤابًا فلم أَفْخَرْ بِذاكَ وأَجْزَعا الشاهدُ فيه قَولُه: (وأَجْزَعا) ونَصْبُهُ بإضمارِ (أنْ) على تَأْوِيلِ لم يَكُنْ مِنِّي أَنْ

стр. 389

أَفْخَرَ بِقَتْلِهِ وأجْزَعَ، أيْ: لَمْ أَجْمَعْ بَينَ الفَخْرِ والجَزَعِ، أيْ: فَخَرْتُ بقَتْلِهِ وإدراكِ ثَأْرِ أَخي به غَيرَ جازعٍ من قومِهِ لعِزَّتي ومَنْعَتي. وكانَ ذَؤابُ الأسدِيُّ أو أحَدُ قَومِهِ قَدْ قَتَلَ عبدَ اللَّهِ بنَ الصِمَّةَ أَخا دُرَيدٍ فقَتَلَهُ دُرَيْدٌ بأخِيهِ. واللِّدَةُ: التِرْبُ. وأنشد في البابِ الأعشى، ويُروى للحُطَيْأة (١٤٧١): [٦٠٨] فَقُلْتُ ادْعِي وأَدْعُوَ إنَّ أَنْدَى … لِصَوْتٍ أنْ يُنادِيَ داعِيَانِ الشاهدُ في نَصْبِ (وأَدْعُوَ) بإضمارِ (أنْ) حَمْلًا على معنى ليَكُنْ مِنًا أنْ تَدْعِي وأَدْعُوَ. ويُروى (وأدْعُ فإنَّ أَنْدَى) على معنى لتَدْعي ولأدْعُ على "معنى" الأمْرِ. وأَنْدَى: أَبْعَدُ صَوتًا، والنَدَى: بُعْدُ الصَوْتِ. وأنشد في البابِ (١٤٧٢): [٦٠٩] لَلُبْسُ عَباءَةٍ وتَقَرَّ عَيْني … أحَبُّ إليَّ مِنْ لُبْسِ الشُفُوفِ الشاهدُ في (١٤٧٣) نَصْبِ (تَقَرَّ) بإضمارِ (أنْ) لِيُعْطَفَ على اللُّبِسِ لأنَّه اسمٌ و (تَقَرَّ) فِعلٌ، فَلَمْ يُمْكِنْ عَطْفُهُ عليه، فَحْمِلَ على إضمارِ (أنْ) لأنّ (أنْ) وما بَعدَها اسمٌ فيَعطفُ (١٤٧٤) اسمًا على اسمٍ، وجَعَلَ الخَبرَ عنهما واحدًا وهو (أَحَبُّ). والمعنى لَلُبْسُ عَباءَةٍ مع قُرَّةِ العَين وصَفاءِ العَيْشِ أَحَبُّ إليَّ مِن لُبْسَ الشُفوفِ مع

стр. 390

سُخْنَةِ العَينِ ونَكَدِ العَيشِ. والعَباءَةُ: جُبَّةُ الصُوفِ. والشُفُوفُ: ثِيابٌ رِقاقٌ تَصِفُ البَدَنَ، واحِدُها شَفٌّ. وأنشد في البابِ لكَعْبِ الغَنَوِيّ (١٤٧٥): [٦١٠] وَمَا أَنا للشَيءِ الذي لَيْسَ نافِعِي … ويَغْضَبَ منه صاحِبِي بِقَؤُولِ الشاهدُ في نوَصْبَ (يَغْضَب) حَمْلًا على معنى (وَلأنْ يَغْضَبَ)، والتقديرُ وما أَنا بقَؤُولِ للشَيءِ غَيرِ النافعِ ولأنْ يَغْضَبَ منه صاحِبِي، أيْ: لستُ بقَؤُول للسَبَبِ المؤَدّي إلى غَضَبِهِ لأنّه لا يَقولُ الغَضَبَ إنَّما يَقولُ الذي [يُؤدَّي إليه] (١٤٧٦)، ويَجوزُ (ويَغْضَبُ) بالرَفْعِ حَمْلًا على صِلةِ (الذي) وهو أَبْيَنُ وأحسَنُ. ورَدَّ المبرّدُ (١٤٧٧) على سيبويه تَقْدِيمَهُ النَصْبَ على الرَفْعِ، ولم يُقَدِّمْهُ سيبوبه لأنّه عندّهّ أحسَنُ مِن الرَفْعِ، وإنّما قَدَّمَهُ لِما بَنَى عليه البابَ مِن النَصْبِ بإضمارِ (أنْ). وأنشد في البابِ لقَيسِ بن زهير العَبْسِيّ (١٤٧٨): [٦١١] فلا يَدْعُني قَوْمِي صَرِيحًا لحُرَّةٍ … لَئِنْ كُنْتُ مَقْتُولًا ويَسْلَمْ عامِرُ الشاهدُ فيه "رَفْعُ" (ويَسْلَمُ) على القَطْعِ والاستِئْنافِ، ولو نُصِبَ بإضمارِ (أنْ)، لأنَّ ما قَبلَه مِن الشَرطِ غَيرُ ونصبٍ لجازَ، وتقديرُ البيتِ لَئِنْ قُتِلْتُ وعامِر سالِمٌ مِن القَتُل فلَسْتُ بصَريحِ النَسَب حُرِّ الأُمِّ، وأرادَ عامِرَ بنَ الطُفَيْلِ.
следующие страницы →