← Адаб

Адаб · id 1207

تحصيل عين الذهب من معدن جوهر الأدب في علم مجازات العرب

الأعلم الشنتمري

Полный текст (617 стр.). Показаны 421–460 · переход к 426.

стр. 421

في تَحْرِيقِ عَمرو بن هِندٍ لهم وَوُفودِ البُرْجُميّ عليه حينَ شَمَّ رائحةَ المُحْرَقين منه فظنه طَعامًا يُصْنَعُ <فَقُذِفَ> به في النار، وخَبرُهُم مَشْهورٌ. والبَراجِمُ (١٦٢٥): حَيُّ من تَميم. وأنشد في بابٍ من أَبواب (أنَّ)، لساعِدَةَ بن جُؤَيّةَ الهُذلي (١٦٢٦): [٦٧٨] رَأَتْهُ على شَيْبِ القَذَالِ وأَنَّها … تُواقِعُ بَعْلًا مَرَّةً وتَئيمُ الشاهدُ < فيه > فَتْحُ (أَنَّ) حَمْلًا على (رَأَتْ)، والمعنى ورَأَتْ (١٦٢٧) أَنَّها تُواقِعُ بَعْلًا، ولو كُسِرَتْ على القَطْعِ لجازَ. وَصَفَ امرأَةً فَقَدَتْ وَلَدَها بَعدَ أنْ شابَ قَذالُها وزَهِدَ فيها الرِجالُ فمَرَّةٌ تُنْكَحُ فَتُواقَعُ (١٦٢٨) ومَرَّةٌ تُطَلَّقُ فَتَئِيمُ. والأيِّمُ: التي لا زَوْجَ لها فَقَدَتْهُ أَحوَجَ ما كانَتْ إليه فاشْتَدَّ وَجْدُها به. وأنشد في بابٍ ترجَمَتُه: هذا بابٌ آخَرُ مِن أَبوابِ (أَنَّ)، للأحْوص (١٦٢٩): [٦٧٩] عَوَّدْتُ قَوْمِي إذا ما الضَيْفُ نَبَّهَنِي … عَقْرَ العِشارِ على عُسْرِي وإِيساري إنِّي إذا خَفِيَتْ نارُ لِمُرْمِلَةٍ … أَلْفَى بأَرْفَعِ تَلَّ رافِعًا نارِي ذاكَ وإنّي على جارِي لذُو حَدَبٍ … أَحْنُو عليه بِما يُحْنَى على الجارِ الشاهدُ في كَسْر (إِنَّ) لدُخولِ لامِ التأكيد، ولَوْ لَمْ تَدْخُلْ لَفُتِحَتْ حَمْلًا على

стр. 422

ما قَبْلَها. يَقولُ: إذا طَرَقَني الضَيْفُ نَحَرْتُ له وإنْ كُنتُ مُعْسِرًا، وأَرْفَعُ ناري بالتَلِّ ليَعْشُوَ إليها (١٦٣٠) المُحْتاجُ إذا أَخفَى غَيرِي نارَهُ لِلُؤْمِه، وأَقومُ بحَقِّ جارِيِ وأَعطِفُ عليه وأُواسِيهِ. والعِشارُ جَمعُ عُشَراءَ وهي التي أتَى عليها مِن حَمْلِها عشرةُ أَشْهُرٍ. وقَولُهُ: (أَنّي) بالفَتحِ محمولٌ على البَدَلِ مِن العَقْر؛ لأنَّ عَقْرَ العِشارِ مشتملٌ على إِيقادِ النارِ ودالٌّ عليه، فكأَنَه قالَ: عَوَّدْتُ قَومي أَنِّي أُوقِدُ النارَ لطارِقِهم (١٦٣١)، وكَسْرُ (إنَّ) هُنا (١٦٣٢) أجودُ على الاستِئنافِ والقَطْع. والمُرْمِلَةُ: الجماعَةُ التي نَفِدَ زادهُا، ورَجُلٌ مُرْمِلٌ: لا شَيءَ له، مُشْتَقٌّ مِن الرَمْلِ كأنَّه لا يَمْلِكُ غَيرَه كما يُقالُ: تَربَ الرَجُلُ إذا افتَقَرَ، والتَلُّ: ما ارتفَعَ من الأرضِ. وقَولُه: (ذاكَ وإنّي) أيْ: أَمْرِي وشَأْني ذاكَ. والحَدَثُ: الَعطْفُ، وقَدْ حَدبَ عليه إذا عَطَفَ، والحُنُوُّ مِثْلُهُ. وأنشد في بابٍ ترجَمَتُه: هذا بابٌ آخَرُ مِن [أَبوابِ] أَنَّ، للفرزدق (١٦٣٣): [٦٨٠] مَنَعْتُ تَمِيمًا مِنكَ أَنِّي أنا ابنُها … وشاعِرهُا المَعْروفُ عندَ المَواسِمِ الشاهدُ في جَوازِ فَتْحِ (أَنَّ) على معنَى لأنّي، وكَسْرِها على الاستِئنافِ والقَطْع. يقولُ هذا لجريرٍ، وكِلاهُما مِن تَميمٍ، إلّا أنّه نَفَى عنها جَريرًا لَلُؤْمِهِ عندَهُ واحتِقارِهِ لَهُ، وجَعَلَ رَهْطَهُ منها غَيرَ مَعْدودٍ فيها، وجَعَلَ قَومَهُ بني دارِم ومَنْ كانَ مِثْلَهم في الشَرَفَ هُم تَميم في الحَقيقةِ.

стр. 423

وأنشد في البابِ (١٦٣٤): [٦٨١] وبَلَدٍ تَحْسِبُهُ مَكْسُوحا الشاهدُ فيه إضمارُ (رُبَّ)، وجَعَلَ جَوازَ ذلك دَليلًا على أَنَّ حَذْفَ حَرْفِ الجَرِّ في (أَنَّ وأَنْ) وإضمارَهُ جائزٌ تَخْفيفًا لِطُولهما بالصلة، وقَدْ تَقَدَّمَ القَولُ في إضمارِ (رُبَّ) والاختِلافُ فيه (١٦٣٥). وَصَفَ فَلاةٌ لا شَيءَ فيها فكأَنَّها كُسِحَتْ (١٦٣٦) أيْ: كُنِسَتْ، كَما قال (١٦٣٧): ظَهْراهُما مِثْلُ ظُهورِ التُرْسَيْنْ [٣٤٥] وأنشد في بابِ (أَنَّما) لعمرو بنِ الإطْنابة الأنصاري (١٦٣٨): [٦٨٢] أَبْلِغِ الحارِث بنَ ظالِم المُو … عِدَ والناذِرَ النُذورَ عَلَيّا أَنَّما تَقْتُلُ النِيامَ ولا تَقْ … تُلُ يَقْظانَ ذا سِلاحٍ كَمِيّا الشاهدُ في فَتْحٍ (أَنَّما) حَمْلًا على (أَبْلِغْ) وجَرْيِها مجرى (أَنَّ)؛ لأنَّ (ما) فيها صِلَةٌ فَلا تُغَيِّرُها عَنْ جَوازِ الفَتْحِ والكَسْر فيها. يَقولُ هذا للحارثِ بن ظالِمٍ المُرِّيّ، وكانَ قَدْ تَوَعَّدَه بالقَتْل ونَذَرَ دَمَهُ إنْ ظَفِرَ به، وإنَّما قال: تَقْتلُ النِيامَ؛ لأنّه قَتَلَ خالِدَ بنَ جَعْفر بنِ كِلابٍ غِيلةً وهو نائمٌ في قُبْتِه، فَلمّا سَمِعَ الحارِثُ هذا أَقبلَ في سِلاحِهِ واستَصْرخَ عَمرو بنَ الإطنابَةٍ، فلمّا بَعُدَ عَن الحَيِّ قالَ له: أَلَسْتَ يَقْتل ذا سِلاحٍ؟ قال: بَلَي (١٦٣٩)، قالَ: فَأنا الحارثُ بن

стр. 424

ظالمٍ، فاستَخْذَى له ومَنَّ عليه الحَارثُ بن ظالِمٍ وخَلَّى سَبيلَهُ (١٦٤٠). والكَمِيُّ: الشُجاعُ. وأنشد في البابِ لكُثَيّر (١٦٤١): [٦٨٣] أَرانِي ولا كُفْرانَ لِلَهِ إنّما … أُوَاخِي مِن الأقْوامِ كُلَّ بَخِيلٍ الشاهدُ فيه كَسْرُ (إِنَّما) لوقوعِها موقَع الجملةِ المبتدأةِ النائبةِ مَنابَ المفعولِ الثاني لـ (أَرَى)، و (أَرى) هُنا بمعنى أَجِدُ وأَعْلَمُ، ولا يَجوزُ فَتْحُ (انَّما) هنا كما لا تُنْصَبُ الجملةُ النائبةُ مَنابَ الخَبر. وإنَّما ذَكَر أَنّه لا يُواخي إلّا أَهْلَ البُخْلِ لأنَّه مُتَغَزِّلٌ، والنِساءُ مَوْصوفاتٌ بالبُخْلِ، فجَعَلَ ذلك عامًّا في كُلِّ مَنْ يُؤاخِيهِ مُبالَغَةً في الوَصْفِ. وأنشد في باب ترجَمَتُه: هذا بابٌ تكونُ فيه (أَنَّ) بَدَلًا من شَيءٍ ليسَ بالآخِر (١٦٤٢)، لابن مُقْبلٍ (١٦٤٣): [٦٨٤] وعِلْمِي بأَسْدامِ المِياهِ فَلَمْ تَزَلْ … قَلائصُ تَخْدِي في طَريقٍ طَلائحُ وأَنِّي إذا مَلَّتْ رِكابي مُناخَها … فإِنّي على حَظَّي مِن الأمْرِ جامِحٌ الشاهدُ فيه كَسْرُ (إنّ) الثانيةِ على الاستِئْناف، ولو فُتِحَتْ حَمْلًا على (أَنَّ) الأُولَى تأكيدًا وتكريرًا لجازَ. والأسْدامُ: المِياهُ المُتَغَيّرةُ لقِلَّةِ الواردة، واحِدُها سُدْمٌ، يُريدُ مِياهَ الفَلَوات

стр. 425

وعِلْمَهُ بها لحُسْنِ دلالتِهِ. ومعنى تَخْدِي تُسْرِعُ. والطلائحُ: المُعْيِيَةُ لطولِ السَفَر. ومعنى مَلَّتْ رِكابي مُناخَها يريدُ تَواليَ سَفَرِها وإناختها فيه وارتِحالَها. والجامِحُ: الماضي على وَجْهِه؛ أيْ: لا يَكْسِرُني طُولُ السَفَرِ ولكنّي أَمضِي قُدمًا لِما أَرجُوه مِن الحَظُ في أَمْرِي. وأنشد في بابٍ من أبوابِ (أَنَّ) للأسودِ بنِ يَعْفُرَ (١٦٤٤): [٦٨٥] أَحَقًا بَني أَبناءِ سَلْمَى بنِ جَنْدَلٍ … تَهَدُّدُكُم إيّايَ وَسْطَ المَجالِسِ الشاهدُ فيه نَصْبٌ (حَقٌّ) على الظَرفِ، والتقديرُ أَفِي حَقٍّ تَهَدُّدُكُمْ إيّايَ، وجازَ وُقوعُهُ ظَرفًا وهو مصدرٌ في الأصلِ لِما بَينَ الفِعلِ والزَمانِ من المُضارَعَة، فكأَنّه على حَذْفِ الوَقتِ وإقامَةِ المصدر مقامَهُ كما قالوا: أَتَيْتُكَ خُفوقَ النَجْمِ أيْ: وَقتَ خُفوقِهِ (١٦٤٥)، فكأنَّ تقديره أَفِي وَقْتِ حَقٍّ تَوَعّدْتُموني؟ يَقولُ هذا لقومِهِ وهو أَحَدُ مَنْ تَوَعَّدَه (١٦٤٦) قَومُهُ بالهجِاء، وسَلْمَى بن جَنْدَلٍ رَهْطُه من نَهْشَلٍ بن دارِم. وأنشد في البابِ لرَجُلٍ من عبد القَيْس (١٦٤٧): [٦٨٦] أحَقًّا أَنَّ جِيرتَنا استَقَلّوا … فَنِيَّتُنا ونِيَّتُهُم فَرِيقُ الشاهدُ في نَصْبِ (حَقّ) (١٦٤٨) على الظَرفِ وفَتْحِ (أَنَّ) لأنَّها وما بَعدَها في موضعِ اسمٍ مبتدإ، وخَبرُهُ في الظَرف، والتقديرُ أَفِي حَقٍّ استِقْلالُ جِيرَتِنا. ولا يَجوزُ

стр. 426

كَسْرُها لأنَّ الظَرفَ لا يتقدَّمُ على (إنَّ) المكسورةِ لانقِطاعِها مِمّا قَبلَها. ومعنَى استَقَلّوا نَهَضُوا [مرتَفِعين] مرتَحِلينَ. والنِيَّةُ: الجِهةُ التي يَنْوونَها، يَصفُ افتِراقَهُم عندَ انقِضاء المُرتَبَعِ ورجوعَهُم إلى محاضِرِهم. والفَرِيقُ يَقَعُ للواحِدِ والجمع والمذكَّرِ والمؤنَّث، ونَظيرُهُ صَديقٌ وَعُدُ. وأنشد في البابِ لعُمَرَ بنِ أَبي ربيعةَ (١٦٤٩): [٦٨٧] أَأَلْحَقّ أَنْ دارُ الرَبابِ تَباعَدَتْ … أوِ انْبَتَّ حَبْلُ أَنَّ قَلْبَكَ طائِرُ الشاهدُ في نَصْبِ (الحَقِّ) على الظَرفِ وفَتْحِ (أنَّ) بَعدَه، وقَدْ تَقَدَّمَ القَولُ فيهما. وكَنَى بطَيَران القَلب عَن ذَهابِ عَقْلِهِ حُزْنًا لفِراقِهم، ويَجوزُ أنْ يُريدَ شِدّةَ خَفَقانِهِ جَزَعًا للفِراقِ فجَعَله كالطَيَران، ومعنى انبَتَّ انقَطَعَ. وأرادَ بالحَبْلِ التَواصُلَ والاجتماعَ. وأنشد في البابِ للنابغةِ الجَعْدِيّ (١٦٥٠): [٦٨٨] أَلا أَبْلِغْ بَنِي خَلَفٍ رَسُولًا … أَحَقًا أَنَّ أَخْطَلَكُم هَجَانِي الشاهدُ في نَصْبِ (حَقٌّ) وفَتْحِ (أَنَّ) على ما تَقَدَّمَ. وبَنو خَلَفٍ رَهطُ الأخطلِ مِن بَني تَغْلِبَ (١٦٥١)، وكانَت بَينهَ وَبَينَ النابغة مُهاجاةٌ، والرَسولُ هنا بمعنى الرسالة، وهو ممّا جاءَ على فَعُول من أسماءِ الأفعالِ كالوَضوءِ والطَهُور، ونَظِيرُها الألُوكُ وهي الرسالةُ أيضًا.

стр. 427

وأنشد في البابِ لرجُلٍ مِن [بني] فَزَارَةَ (١٦٥٢): [٦٨٩] ولَقَدْ طَعَنْتَ أبا عُيَيْنَةَ طَعْنَةٌ … جَرَمَتْ فَزارَةَ بَعدها أَنْ يَغْضَبوا الشاهدُ في قَولِهِ: (جَرَمَتْ فَزارَةَ)، ومعناها على مذهب سيبويه حَقَّتْها للغَضَب، لأنَّه (١٦٥٣) فَسَّرَ قَولَهم: لا جَرَمَ أنه سيَفْعَلُ، على معنى حَقٍّ أنَّه يَفْعَل، و (لا) عنده زائدةٌ إلَّا أَنَّها لَزِمَتْ (جَرَمَ) لأنَّها كالمَثَل. وغَيرُهُ يَزعُمُ (١٦٥٤) أنَّ معنى قولِهِ: (جَرَمَتْ فَزارَةَ أنْ يَغْضَبوا) أكْسَبَتْهُم الغَضَبَ، مِن قولِهِ جلَّ وعَزَّ: ﴿وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ﴾ (١٦٥٥) أيْ: لا يَكْسِبَنَكُم، ويقال: حَقَقْتُهُ أنْ يَفعلَ بمعنى أَحْقَقْتُهُ، وحَقَّقْتُهُ أيْ: جَعَلْتُهُ حَقِيقًا بِفِعْلِهِ. وأنشد في البابِ للنابغة الجَعْدِيّ (١٦٥٦): [٦٩٠] قُرُومٍ تَسَامَى عندَ بابٍ دِفاعُهُ … كأنْ يُؤخَذُ المَرء الكريمُ فَيُقْتَلا الشاهدُ فيه حَذْفُ (ما) ضَرورةً مِن قَولِهِ: (كَأَنْ يُؤخَدُ)، والتقديرُ عندَه كما أنه يؤخذ. وقَدْ خُولِف (١٦٥٧) في هذا التقدير، وجُعِلَتْ (أَنْ) الناصِبَةَ للفعل ونَصَبَ بَعدَها (يُؤخَذ)، واستَدلَّ صاحِبُ هذا القَولِ على ذلك بقولِهِ: (فَيُقْتَلا) بالنَصْبْ، وجَعَلَ

стр. 428

الكافَ وجارّةٌ ل (أَنْ) على تقديرِ دِفاعُهُ كأَخْذِ المَرْءِ وقَتْلِهِ. وكِلا القَولَين خارِجٌ (١٦٥٨)، والآخِرُ منهما أَقْرَبُ وأَسْهَلُ، وفي قَولِ سيبويه ضَرورتان: <هما > إسقاطُ (ما)، والنَصْبُ بالفاءِ في الواجِبِ. وَصَفَ قَومًا اجتَمعوا عندَ بابِ مَلِكٍ مُحَجَّبٍ (١٦٥٩) للتَخاصُّم، وجَعَلَ دِفاع مَن وقفَ إليه وحُجِبَ شديدًا عليه كأَخْذِهِ وقَتْلِهِ. والقُرُومُ: السادَةٌ، وأصلُ القَزْمِ الفَحْلُ مِن الاِبِلِ. ومعنَى تَسَامَى يَفْخَرُ بعَضُهم على بَعضٍ ويَسْمو بنَفْسِهِ وعَشِيرَتِهِ. وأنشد بَعدَه قَولَ النَمِر (١٦٦٠): وإنْ مِن خَريفٍ فَلَنْ يَعْدَما [٢٠٩] مستَشْهِدًا لجوازِ حَذْفِ (ما) مِن (كما) كما حُذِفَتْ مِن (إمَّا)، وقد تَقَدَّمَ البيتُ بتفسيرِهِ (١٦٦١). وأنشد في بابٍ مِن أبوابِ إنَّ (١٦٦٢): [٦٩١] وكُنْتُ أرَى زَيدًا كما قِيل سَيّدًا … إذا إِنَّه عَبدُ القَفا واللَّهازِمِ الشاهدُ في جَوازِ فَتْحِ (إنّ) وكَسْرِها بَعدَ (إذا)! فالكَسْرُ على نِيَّةِ [وقوعِ] المبتدأِ والخَبرِ بَعدَ (إذا)، والتقديرُ إذا هو عَبدُ القَفا، والفَتْحُ على تأوِيلِ المصدرِ المبتدأِ والإخبارِ عنه ب (إذا)، والتقديرُ فإذا العُبوديّةُ، وإنْ شِئتَ قَدَّرْتَ الخَبرَ محذوفًا على تقدير فإذا العبودية شأْنُهُ. ومعنى قولِهِ: (عَبدُ القَفا واللهازِمِ) أيْ: إذا نَظَرْتَ إلى قَفاه وَهازِمِه تَبَيْنْتَ

стр. 429

عُبودِيَّتَهُ ولُؤْمَه؛ لأنَّ القَفا موضعُ الصَفْعِ واللَّهْزِمَةُ موضعُ اللَّكْزِ وهي مُضَيْغَة في أصلِ الحَنَكِ الأسْفَل. وأنشد في بابٍ آخَرَ من أبوابِ (إنَّ) لكُثَيِّر (١٦٦٣): [٦٩٢] ما أَعْطَيَاني ولا سَألْتُهُما … إلّا وإِنِّي لَحاجِزِي كَرَمِي الشاهدُ في (١٦٦٤) كَسْرِ (إنَّ) لدخولِ اللامِ في خبرِها، ولأنَّها واقِعَةٌ موقع الجملةِ النائبةِ مَنابَ الحالِ، ولو حَذَفَ اللامَ لم تكُنْ إلّا مكسورةً لذلك. وكان المبرّدُ (١٦٦٥) يَزْعُمُ أنَّ الرِوايَةَ (أَلا وإِنِّي)، وقَولُهُ يُوجِبُ أنَّ كُثَيِّرًا لَم يَسْأَلْهُما ولا أَعْطَيَاه لأنَّ كَرَمَهُ حَجَزَه عن السُؤالِ. والصَحيحُ قَولُ سيبويه لأنّه ذَكَر عبدَ المَلِكِ وعبدَ العزيزِ ابنَيْ مروانَ بنِ الحَكَم، ومَشْهورٌ سؤالُهُ إيّاهما واعْطاؤُهما إيّاه، وإنّما يريدُ < أنه > إذْ سَأَلَهُما وأَعْطَيَاه حَجَزَه كرمُهُ عن الإلحافِ بالسُؤالِ وعَنْ كُفْر النِعْمَةِ. وأنشد في بابٍ من أَبوابِ (إنَّ) (١٦٦٦): [٦٩٣] ألَمْ تَرَ إنّي وابنَ أسوَدَ لَيلةً … لَنَسْرِي إلى نارَيْن يَعْلُو سَنَاهُما الشاهدُ في (١٦٦٧)، كَسْرِ (إنّ) مِن أَجْلِ اللامِ. والسَنَا: الضَوءُ < وهو] مَقْصورٌ، وسَنَاء المَجْدِ مَمْدودٌ.

стр. 430

وأنشد في بابِ (أنْ وإنْ) لفَرْوَةَ بن مُسَيْك (١٦٦٨): [٦٩٤] وما إنْ طِبُّنا جُبْنٌ ولكنْ … مَنَايانا ودَولَةُ آخَرِينا الشاهدُ فيه زِيادَةُ (إنْ) بَعدَ (ما) توكيدًا، وهي كافَّةٌ لَها عَن العَمَلِ كما كَفَّتْ (ما) (إنَّ) عن العَمَلِ. والطِبُّ هنا العِلَّةُ والسَبَبُ، أَيْ: لَمْ يَكُنْ سَبَبُ قَتْلِنا الجُبْنَ وإنّما كانَ ما جَرَى به القَدَرُ من حُضُور المَنِيُةِ وانتِقالِ الحالِ عَنّا والدَولَةِ. وأنشد في بابِ ترجَمَتُه: هذا بابٌ مِن أَبوابِ أَنْ التي تكونُ والِفعل بتأوِيلِ المصدر، لعبد الرحمن بن حَسّان الأنصاري (١٦٦٩): [٦٩٥] إنِّي رأَيْتُ مِن المكارِمِ حَسْبَكم … أَنْ تَلْبَسوا حُرَّ الثِيابِ وتَشْبَعوا الشاهدُ في قَولِهِ: (أنْ تَلْبَسوا)، ووقوع (أَنْ) وما بَعدَها موقعَ المصدر. والمعنى رأَيْتُ حَسْبَكُم وكافِيَكم لُبْسَ حُرِّ الثِيابِ والشِبَعَ، وقَولُه: (مِن المكارِمِ) أَيْ: بَدَلًا منها، وهذا كما قالَ الحُطَيْأةُ (١٦٧٠): دَعِ المكارِمِ لا تَرْحَلْ لبُغْيَتِها … واقْعُدْ فإنَّك أَنتَ الطاعِمُ الكاسِي

стр. 431

وأنشد في البابِ للأعشَى (١٦٧١): [٦٩٦] أَانْ رَأَتْ رَجُلًا أَعشَى أَضَرَّ به … رَيْبُ المَنُونِ ودَهْرٌ مُفْسِدٌ خَبِلُ الشاهدُ في قولِه: (أَانْ رأَتْ رَجُلًا)، والتقديرُ أَلِأَنْ رأَتْ، وهو مُتِّصِلٌ بقوله (١٦٧٢): صَدَّتْ هُرَيْرَةُ عَنّا ما تُكَلِّمُنا والمعنى أَصَدَّتْ لِأنْ رَأَتْني أَعشَى، والمَنُونُ: الدَهْرُ، ورَيْبُهُ: صَرْفُهُ وما يَرِيبُ منه. والخَبِلُ: الشَدِيدُ الفَسَادِ. وأنشد في البابِ لأبي حَيَّةَ النُمَيْريّ (١٦٧٣): [٦٩٧] وإنّا لَمِمّا نَضْرِبُ الكَبْشَ ضَرْبَةً … على رأْسِهِ تُلْقِي اللسانَ مِن الفَمِ الشاهدُ في قولِهِ: (لَمِمّا) ومعناه لَرُبَّما، وهي (مِن) زِيدَتْ إليها (ما) وجُعِلَتْ معها على معنى رُبَّما كما رُكِّبَتْ تَركيبَها. وأرادَ بالكَبْشِ الرئيسَ لأنّه يُقارعُ دُونَ القَومِ ويَحْمِيهم. وأنشد في البابِ (١٦٧٤): [٦٩٨] تَظَلُّ الشَّمْسُ كاسِفَةٌ عليه … كَآبَةَ أَنَّها فَقَدَتْ عَقِيلا الشاهدُ في إضافَةِ (الكَآبَةِ) إلى (أَنّ) على تأويلِ كَآبَةَ فَقْدِها عَقِيلًا، والمعنى كَآبَةً لفَقْدِها له (١٦٧٥)، وانتِصابُ (كآبَةَ) على المَفْعولِ له أيْ: كَسَفَتْ لِكَآبَتِها وحُزْنِها

стр. 432

لفَقْدِهِ. <ويَجوزُ أَنْ تكونَ في موضعِ الحالِ على تَقديرِ كَسَفَت كَثيبَةُ لفَقْدِهِ>. وأنشد في البابِ لهُدْبَةَ (١٦٧٦): [٦٩٩] عَسَى الكَرْبُ الذي أَمْسَيْتَ فيه … يكونُ وَراءَهُ فَرَجٌ قَرِيبُ الشاهدُ في إسْقاطِ (أَنْ) ضَرورةٌ ورَفْعِ الفِعل، والمستعمَلُ في الكلامِ عَسَى أَنْ يكونَ كما قالَ [اللهُ] جَلَّ وعَزَّ: "عَسَى أنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ" (١٦٧٧)، و "فَعَسَى اللهُ أَنْ يَأْتِيَ بالفَتْحِ" (١٦٧٨). يقولُ هذا لرَجُلٍ مِن قَومِهِ أُسِرَ. وأنشد في البابِ في مِثْلِه (١٦٧٩): [٧٠٠] عَسَى اللهُ يُغْنِي عَنْ بِلادِ ابنِ قادِرٍ … بمُنْهَمِرٍ جَوْنِ الرَبابِ سَكُوبِ الشاهدُ فيه إسقاطُ (أَنْ) من قولِهِ: (يُغْنِي)، والقَولُ فيه كالقَولِ في الذي قَبلَه. والمُنْهَمِرُ: السائلُ. والجَوْنُ: الأسوَدُ. والرَبابُ: ما تَدَلَّى مِن السَحابِ دونَ سَحابٍ فَوقَهُ. والسَكُوبُ: المُنْصَبُّ. وأنشد في البابِ في مِثْلِهِ (١٦٨٠): [٧٠١] فَأَمّا كَيِّسٌ فَنَجا ولكنْ … عَسَى يَغْتَرُّ بي حَمِقٌ لَئِيمُ الشاهدُ فيه إسقاطُ (أَنْ) ضَرورةٌ كما تَقَدَّمَ.

стр. 433

والحَمِقُ: الأحمقُ، وقيلَ: حَمِقٌ وأَحْمَقُ كما قيلَ: شَعِثٌ وأَشْعَثُ، وَوَجِلٌ وأوجَلُ. والكَيْسُ: العَقْلُ والدَهاءُ. وأنشد في البابِ لرؤبَةَ (١٦٨١): [٧٠٢] قَدْ كادَ مِن طُولِ البِلَى أَنْ يَمْصَحا الشاهدُ فيه دُخولُ (أَنْ) على (كادَ) ضَرورةٌ، والمستعملُ في الكَلامِ إسقاطُها، ودَخَلَتْ عليها تَشْبيهًا ب (عَسَى) كما سَقَطَت مِن (عَسَى) تَشْبيهًا بها لاشتِراكهما في معنى المُقارَبَةِ. وَصَفَ منزِلًا بالقِدَمِ وعُفُوِّ الأثَرِ. والبِلَى: القِدَمُ. ويَمْصَحُ في معنى يَذهَبُ يقال: مَصَحَ الظِلُّ إذا انتَعَلهُ (١٦٨٢) الشَخْصُ عندَ قائمِ الظَهيرةِ. وأنشد في البابِ لأُمَيَّةَ بنِ أَبي الصَلْتِ (١٦٨٣): [٧٠٣] يُوشِكُ مَنْ فَرَّ مِن مَنِيَّتِهِ … في بَعضِ غِرّاتِهِ يُوافِقُها الشاهدُ فيه إسقاطُ (أن) بَعدَ (يُوشِكُ) ضَرورةٌ كما أُسْقِطَتْ بَعدَ (عَسَى)، والمستعملُ في الكلام إثْباتُها. ومعنى يُوشِكُ يُقارِبُ، يقالُ: أَوْشَكَ فُلانٌ أَنْ يَفْعَلَ كذا، ويُوشِكُ أنْ يَفْعَلَ إذا قارَبَ فِعْلَهُ، والوَشِيكُ: السَريعُ الوُقوعِ القَريبُ. والغِرَّةُ: الغَفْلَةُ عن الدَهْرِ وصُروفِه، أَيْ: لا يُنْجِي مِن المَنِيَّةِ شَيءٌ. وأنشد في البابِ للفرزدق (١٦٨٤): [٧٠٤] أَتَغْضَبُ إنْ أُذَنا قُتَيْبَةَ حُزَّتا … جِهارًا ولَمْ تَغْضَبْ لِقَتْلِ ابنِ خازِمِ الشاهدُ فيه كَسْرُ (إنْ) وحَمْلُها على معنى الشَرْطِ لتَقْديمِهِ الاسمَ على الفِعل،

стр. 434

<وذلك جائزٌ في (إن) مع الفِعلِ> الماضي كما تَقَدَّمَ (١٦٨٥)، ولو فَتَحَ (أَنْ) لَمْ يَحْسُنْ لأنّها موصولةٌ بالفعل فيَقْبُحُ فيها الفَصْلُ. ورَدَّ المبرّدُ (١٦٨٦)، كَسْرَها وأَلزَمَ الفَتْحَ؛ لأنَّ الكَسْر يُوجِبُ أَنْ أُذُنَي قُتيبةَ لم تُحَزّا بَعدُ، ولم يَقُل الفرزدقُ هذا إلّا بَعدَ قَتْلِهِ وحَزِّ أُذُنَيْهِ. والحُجَّةُ لسيبويه أنّ لفظَ الشَرطِ قَدْ يَقَعُ لِما <هو> في معنى المُضِيّ (١٦٨٧) كما قال (١٦٨٨): إنْ يَقْتُلوكَ فَقَدْ هَتَكْتَ حِجابَهُم … بِعُيَيْنَةَ بنِ الحارِثِ بنِ شِهابِ فقالَ: إنْ يَقْتُلوك، وقَدْ قُتِلَ. وكانَ وَكِيعٌ بن أَبي سُود التَميميّ (١٦٨٩) <قَدْ> قَتَلَ قُتيبةَ بنَ مُسْلم الباهليّ (١٦٩٠)، وباهِلَةُ مِن قَيْسٍ، وقد كانَتْ تَميمٌ قَتَلَتْ عبدَ اللهِ بن خازِمِ السُلَمي (١٦٩١)، وسُلَيْمٌ مِن قَيْسٍ أيضًا، فَفَخَر الفرزدقُ عليهم وزَعَمَ أنَّ قَيْسًا غَضِبَتْ لقَتْلِ قُتيبة ولم تَغْضَبْ لقَتْلِ ابنِ خازِمٍ. وأنشد في باب ترجَمَتُه: هذا بابُ ما تكونُ فيه (أنْ) بمنزلة [أَيْ] (١٦٩٢):

стр. 435

[٧٠٥] كأَنْ وَرِيدَيْهِ رِشاءُ خُلْبِ (١٦٩٣) الشاهدُ في إعمالِ (أَنْ) مُخَفَّفَةٌ عَمَلَها مُشَدَّدَةً تَشْبِيهًا بِما حُذِفَ مِن الفِعلِ ولم يَتَغَيَّر عَمَلُه نحو لم يَكُ زَيدٌ منطلقًا، والوَجْهُ الرَفعُ إذا خُفَّفَتْ لخروجِها عَنْ شَبَهِ الفِعلِ في اللفظِ. والوَرِيدان: حَبْلا العُنُقِ. والرِشاءُ: الحَبْلُ. والخُلْبُ: اللِّيفُ. وأنشد بَعدَه قَولَ الأعشى (١٦٩٤): في فِتْيَةٍ كسُيُوفِ الهِنْدِ قَدْ عَلِموا [٣٩٨] وقَولَ الآخَرِ (١٦٩٥): كأنْ ظَبْيَةٌ تَعْطُو إلى وارِقِ السَلَمْ [٣٩٤] وقَدْ تَقَدَّما (١٦٩٦) بتفسيرهما (١٦٩٧). وأنشد في باب (أَمْ) منقطعةٌ للأخْطَل (١٦٩٨): [٧٠٦] كَذَبَتْكَ عَيْنُكَ أَمْ رأَيتَ بِواسِطٍ … غَلَسَ الظَلامِ مِن الرَبابِ خَيَالا الشاهِدُ فيه إتْيانُه ب (أَمْ) منقطعةٌ بَعدَ الخَبر، حَمْلًا على قولهم: إنَّها لإِبِلٌ أَمْ شاءٌ، ويَجوزُ أنْ تُحْذَفَ ألِفُ الاستِفهامِ ضَرورةً لدلالةِ (أَمْ) عليها، والتقديرُ أكَذَبَتْكَ عَيْنُكَ أَمْ رأَيتَ. ونَظيرُ إضرابِهِ عن الخَبرِ الأوّلِ وتَكْذيبِهِ لنفسِهِ بقوله: (أَمْ رأيتَ بواسِطٍ) قَولُ

стр. 436

زهير (١٦٩٩): قِفْ بالدِيارِ التي لَمْ يَعْفُها القِدَمُ … بَلَى وغَيَّرهَا الأرواحُ والدِيَمُ فقالَ: لَم يَعْفُها، ثُمَّ أكذَبَ نَفْسَهُ بقولِهِ: بَلَى وغَيَّرَها الأرواحُ، فكذلك قالَ: كَذَبَتْكَ عَيْنُكَ فيما تخيلَ لكَ، ثُمَّ رَجَع عَنْ ذلك فقالَ: أَمْ (١٧٠٠) رَأَيْتَ بواسِطٍ خَيالًا، والمعنى بَلْ هَلْ رَأيْتَهُ ولم تَشُكَّ فيه. وأنشد في البابِ لكُثَيِّر (١٧٠١):. [٧٠٧] أَلَيْسَ أَبِي بالنَضْرِ أَمْ ليسَ والِدِي … لكُلِّ نَجيبٍ مِن خُزاعَةَ أَزْهَرَا الشاهدُ في وُقوع (أَمْ) لسُؤالِ بَعدَ سُؤالٍ، والمعنى أَلَيْسَ أَبي بالنَضْرِ بَلْ أَلَيْسَ والدي لِكُلِّ نَجِيبٍ، وتكريرُ (ليسَ) بَعدَ (أَمْ) يدلُّ على انقِطاعِها، ولو كانَتْ عَدِيلَةَ الألِفِ في الاستِفهامِ لم يُحْتَجْ إلى التكريرِ. والنَضْرُ أَبو قُريش، وهو النَضْرُ بن كِنانَةَ، وخُزاعَةُ مِن الأزْد، وكانَتْ فيما يَزعُمُ النَسّابونَ مِن وَلَدِ النَضْرِ بنِ كِنانَةَ، فحَقَّقَ كُثَيَر وهو مِن خُزاعَةَ أَنَّها مِن قُريش مِن وَلَدِ النَضْرِ بنِ كِنانَةَ. وأنشد في البابِ للأسودِ بن يَعْفُرَ التَمِيميّ (١٧٠٢): [٧٠٨] لَعَمْرُكَ ما أَدْرِي وإنْ كُنتَ دارِيًا … شُعَيْثُ بن سَهْم أَمْ شُعَيْثُ بن مِنْقَر الشاهدُ فيه حَذْفُ ألِفِ الاستِفهامِ ضرورَةً لدلالةِ (أمْ) عليها، ولا يكونُ هذا إلّا على تقدير الألِفِ لأنَّ قولِهِ: (ما أَدْرِي) يَقْتَضي وُقوعَ الألِفِ و (أَمْ) مُساوِيَةً لها كما

стр. 437

تقولُ: مَا أَدْرِي أَزَيدُ في الدارِ أَمْ عمروٌ. والمعنى ما أَدرِي أَشُعَيْثٌ مِن بنِي سَهْمٍ أَمْ هُم مِن بَني مِنْقَرٍ، وشُعَيْثٌ، حَيٌّ مِن تَميمٍ، ثُمَّ مِن بَني مِنْقَرٍ، فجَعَلَهم أَدْعِياءَ وشَكَّ في كَوْنِهم منهم أَو مِن بَني سَهْمٍ، وَسَهْمٌ هنا حَيٌّ من قَيْس (١٧٠٣)، ويُروى شُعَيْبٌ بالباءِ وهو تَصْحيفٌ. وأنشد في البابِ لعُمَرَ بنِ أَبي ربيعةَ (١٧٠٤): [٧٠٩] لَعَمْرُكَ ما أَدْرِي وإنْ كُنتُ دارِيًا … بِسَبْعٍ رَمَيْنَ الجَمْرَ أَمْ بِثَمانِ الشاهدُ فيه حَذْفُ أَلِفِ الاستِفهامِ ضَرورةٌ لدلَالةِ (أَمْ) عليها كما تَقَدَّمَ. يَقولُ: أَلْهانِي النَظَرُ اليهنَّ واشتِغالُ العَقْلِ (١٧٠٥) بهنَّ عن تَحْصيلِ رَمْيِهنَّ الجِمارَ بِمِنًى وعِلْمِ عَددِ المَرّاتِ أَهِيَ سَبْعٌ أَمْ ثَمانٍ. وأنشد في بابِ (أَو) لزُفَرَ بنِ الحارِثِ الكِلابيّ (١٧٠٦)، والصَحيحُ أنّه للجَحّافِ بنِ حَجَم السُلَمِيّ (١٧٠٧): [٧١٠] أَبا مالِكٍ هَلْ لُمْتَنِي مُذْ حَضَضْتَنِي … على القَتْلِ أَمْ هَلْ لامَنِي لَكَ لائمُ الشاهدُ في دُخولِ. (أَمْ) منقطعةً؛ لأنَّها لا تكونُ للعَطْفِ والتَسْوِيَةِ إلّا بَعدَ الألِفِ.

стр. 438

يقولُ هذا للأخْطَل، وكُنْيَتُهُ أَبو مالِكٍ، وكانَ قَدْ قالَ له بحضرةِ عبد المَلِكِ بنِ مَروانَ (١٧٠٨): أَلَا تَسْأَلُ الجَحّافَ هَلْ هو ثائرُ … بقَتْلَى أُصِيبَتْ مِن سُلَيْمٍ وعامِرِ فجَمَعَ الجَحّافُ لبني تَغْلِبَ وأَوقَعَ بهم بالبِشْرِ (١٧٠٩) وهو جَبَلٌ لتَغْلِبَ، وفيه يقولُ الأخطلُ لعبدِ الملِكِ يسْتَعْدِيه ويستَنْصرُهُ (١٧١٠): لَقَدْ أَوقَعَ الجَحّافُ بالبِشْرِ وَقْعَةً … إلى اللهِ منها المُشْتَكَى والمُعَوَّلُ فإنْ لا تُغَيرْها قُرَيْشٌ بِمُلْكِها … يَكُنْ عَن قُرَيْشٍ مُسْتَرادٌ ومَزْحَلُ وأنشد في البابِ لزُهَيرٍ (١٧١١): [٧١١] أَلا لَيتَ شِعْرِي هَلْ يَرَى الناسُ ما أَرَى … مِن الأمرِ أَو يَبْدو لَهُم ما بَدَا لِيَا الشاهدُ فيه دُخولُ (أَو) عاطِفةً بَعدَ حَرْفِ الاستفهامِ على حَدِّ قولك: هَلْ تَقومُ أو تَقْعُدُ؟، ولو جاءَ ب (أَمْ) وجَعَلَها استِفْهامًا منقطعًا لجازَ كما تقولُ: هَلْ تَجْلِسُ أَمْ تَسِيرُ؟ على معنى بَلْ هَلْ تَسِيرُ، استِفهامًا منقطِعًا بَعدَ استفهام. وقَدْ بَيَّنَ الذي يَراهُ ويَبْدو له في قولِهِ (١٧١٢): بَدَا لِيَ أَنَّ الناسَ تَفْنَى نُفُوسُهُم … وأَموالُهُم ولا أَرَى الدَهْرَ فانِيَا

стр. 439

وكَذَبَ، لا بُدَّ مِن فَناءِ الدَهْرِ. وأنشد في البابِ لمالِكِ بن الرَيْبِ المازِنِيّ (١٧١٣): [٧١٢] أَلا لَيتَ شِعْرِي هَلْ تَغَيَّرَتِ الرَحَى … الحَزْنِ أَمْ أَضْحَتْ بفَلْجٍ كما هِيَا الشاهدُ في قولِهِ: (أَمْ أَضْحَتْ) واستِئنافِ السُؤالِ ب (أَمْ)، ولو جَعَلَ مكانَها (أَو) لجازَ. يَقول هذا عندَ مَوتِهِ غَريبًا بخُراسانَ، وهو مِن بني مازِنِ بنِ مالك بن عَمرو بن تَميم. والحَزْنُ من بِلادِ تَميم وكذلك فَلْجٌ، وأرادَ بالرَحَى مُعظَمَ الموضعِ ومجتمعَهُ. وأنشد في البابِ لعَلْقَمَةَ بنِ عَبَدَةَ (١٧١٤): [٧١٣] هَلْ ما عَلِمْتَ وما استُودِعْتَ مَكْتُومُ … أَمْ حَبْلُها إذْ نَأَتْكَ اليَومَ مَصْرومُ أَمْ هَلْ كَبيرٌ بَكَى لَمْ يَقْضِ عَبْرَتَهُ … إِثْرَ الأحِبَّةِ يَومَ البَيْنِ مَشْكُومُ الشاهدُ في دُخولِ (أَمْ) منقطعةً في البيتينِ. يقولُ: هَلْ تَبوحُ بما استَوْدَعَتْكَ مِن سِرِّها يَأْسًا منها أو تصرمُ حَبْلَها لِنَأْيِها عَنكَ ويُعْدِها؟ ثُمَّ قالَ: أَمْ هَلْ كبيرٌ بَكَى، فاستَأْنَفَ السؤالَ والتقريرَ، وأرادَ بالكبير نَفْسَهُ، أيْ: هَلْ تُجازِيكَ لِبُكائكَ على إثْرِها وأَنتَ شَيْخٌ؟ والعَبْرَةُ: الدَمْعَةُ. والمَشْكُومُ: المُجازَى، والشُكْمُ: العَطِيَّةُ جَزاءً، فإنْ كانَت ابتِداءً فهي الشُكْدُ (١٧١٥): وأنشد في بابٍ من أَبوابِ (أوْ) لحَسّانَ <بنِ ثابتٍ> (١٧١٦): [٧١٤] ما أُبالِي أَنَبَّ بالحَزْنِ تَيْسٌ … أَمْ لَحَانِي بِظَهْر غَيْب لَئِيُم

стр. 440

الشاهدُ في دُخولِ (أَمْ) عَدِيلَةَ الألفِ (١٧١٧)، ولا يَجوزُ أَنْ تَدْخُلَ (أَو) ها هنا (١٧١٨) لأنّ قَولَه: (ما أُبالِي) يَقْتَضي التَسْوِيَةَ بينَ شَيئينِ. والمعنى قَد استَوَى عِندِي نَبِيبُ التَيْسِ بالحَزْنِ ونَيْلُ اللَّئيمِ مِن عَرْضِي بظَهْرِ الغَيْبِ. ونَبيبُ التَيْسِ: صَوْتُهُ عندَ هِياجِهِ. والحَزْنُ: ما غَلُظَ مِن الأرض، وخَصَّهَ لأنّ الجبالَ أَخْصَبُ للمَعْز من السُهُولِ. وأنشد في البابِ لصَفِيَّةَ بِنتِ عبد المُطَّلِب (١٧١٩) أَمِّ الزُبَيْر ﵁: [٧١٥] كَيْفَ رَأْيْتَ زَبْرا أَأَقِطًا أوْ تَمْرا أَمْ قُرَشِيًّا صارِمًا هِزَبْرا الشاهدُ في دُخُولِ (أَمْ) عديلَةَ [الألف] (١٧٢٠)، واعتِراضِ (أَو) بينَهما وهي لأحَدِ الأمْرَين، والتقديرُ أَأَحَدَ هذين رأَيْتَهُ أَمْ قُرَشِيًّا؟ والمعنى أَرأَيتَهُ في الضَعْفِ واللِّينِ كَطَعامٍ يَسُوغُ لكَ أَمْ قُرَشِيًّا ماضِيًا في الرجالِ كالصارِمِ وهو السَيفُ الماضِي والهِزَبْرِ وهو الأسَدُ. والأقِطُ: شَيءٌ يُصنَعُ مِن اللّبَنِ الرائبِ كالجُبْنِ. وأَرادَتِ الزُبَيْرَ فَكَبَّرَتْهُ، وكانَ قَدْ مَرَّ بها رَجُلٌ فسَأَلَها عنه، فقالَتْ له: ما تُرِيدُ إليه؟ فقالَ: أُرِيدُ مُباطَشَتَهُ ومُصارَعَتَهُ فقالَتْ له: ما هو ذاك، ثُمَّ مَرَّ عليها وقَدْ غَلَبَهُ الزُبَيْرُ فقالَتْ له هذا. ويُروَى: (أَمْ قَرَشِيًّا صَقْرا)، والرواية الأُولَى أَصَحُّ، كأنَّها (١٧٢١) أَرادَتِ السَجْعَ

стр. 441

ولم تُقُصِد قَصْدَ الرَّجْزِ. وذَكَرَ بعدَ هذا قَولَ جَريرٍ (١٧٢٢): أَثَعْلَبَةَ الفَوَارِسَ أَمْ زِيَاحًا [٧٩] مستَشْهِدًا به على دُخولِ (أمَ) عَديلَةَ الألفِ (١٧٢٣) كما تَقَدَّمَ، وقَدْ مَرَّ البَيتُ بتَفِسيرِهِ (١٧٢٤). وأنشد في البابِ لزائدةَ بن زَيْد العُذْرِيّ (١٧٢٥): [٧١٦] إذا ما انتَهَى عِلْمِي تَناهَيْتُ عِنْدَهُ … أَطالَ فَأَمْلَى أَو تَناهَى فَأَقْصَرَا الشاهِدُ < فيه > دُخُولُ (أَو) لأحَدِ الأمْرَيْنِ على حَدِّ قَولكَ: لأضْرِبَنَّهُ ذَهَبَ أو مَكَثَ أيْ: لأضْرِبَنَّهُ على إحْدَى الحالَتَيْنِ ذاهِبًا أو ماكِثًا، وكذلك معنى أَطَالَ فَأَمْلَى أو تَناهَي فَأَقْصَرا؛ أيْ: أَنْتَهي حيثُ انتَهَى بِيِ العِلمُ ولا أتخطاه مُطِيلًا كانَ أَو مُقْصِرًا. ومعنى أَطالَ صارَ <بي > إلى طُولِ المُدَّة، وأَقْصْرَ صارَ بِي إلى قِصَرِها. وأَمْلَى مِن المَلِيّ وهو الزَمَنُ الطَويلُ. وأنشد في البابِ (١٧٢٦): [٧١٧] فَلَسْتُ أُبَالِي بَعدَ يَومِ مُطَرِّفٍ … حُتوفَ المَنَايا أكْثَرَتْ أَوْ أَقَلَّتِ الشاهِدُ في قَولِهِ: (أَو أَقَلَّتِ)، والقَولُ فيه كالقَولِ في الذي قَبْلَهُ.

стр. 442

يقولُ: لا أُبَالِي بَعدَ فَقْدِه كَثْرَةَ مَنْ أَفْقِدُ أَو قِلَّتَهُ لِعظَمِ رُزْئِهِ (١٧٢٧) وصِغَرِ كُلِّ رُزْءٍ عندَهُ. وأَضافَ الحُتُوفَ إلى المَنايا توكيدًا، وسَوَّغَ ذلك اختِلافُ اللفظَيْنِ. وأنشد في باب ما يَنْصرفُ من الأفعالِ إذا سَمَّيْتَ به، لسُحَيْم بنِ وَثِيلِ اليَرْبوعي (١٧٢٨)، من بني رِياح بن يَرْبوع: [٧١٨] أنا ابنُ جَلَا وطَلَّاعُ الثَنَايا … مَتَى أَضَعِ العِمامَةَ تَعْرِفُونِي الشاهِدُ في امتناع (جَلَا) من التنوينِ لأنَّه نَوَى فيه الفاعِلَ مُضْمَرًا فحكاهُ لأنّه جُمْلَةٌ، ولو جَعَلَه اسمًا مفرَدًا لصَرَفَه لأنَّ نظيرَهُ في الأسماءِ موجودٌ. وعِيسَى بن عُمَرَ (١٧٢٩) يَرَى أَلَّا يصرفَ شَيئًا من الفِعلِ إذا سُمِّيَ به وافَقَ أسماءَ الأجْنَاسِ أو لَمْ يوافِقُ، واحتَجَّ بهذا البيت، وهو عند سيبويه محمولٌ على الحِكايَةِ كما تَقَدَّمَ. والمعنى أَنا ابنُ المَشْهور بالكَرَمِ الذي يقالُ له: جَلَا كَرَمُهُ وتَبَيَّنَ فَضْلُهُ، والثَنَايا جَمعُ ثَنِيَّةٍ وهي الطريقُ في الجَبَل، ويُقالُ لكُلِّ مُضْطَلِعٍ بالشدائدِ راكب لِصِعابِ الأُمورِ: هو طَلَّاعُ الثَنَايا، وطَلَّاعُ أَنْجُدٍ، والنَجْدُ: الطريقُ في الجَبَلِ أيضًا. وقولُه: (مَتَى أَضَعِ العِمامَةَ تَعْرِفُونِي) أي: إذا حَسَرْتُ اللِّثامَ للكلامِ أعْرَبْتُ عن نَفْسي فعَرَفتموني بما كانَ يَبْلُغكم عَنِّي. وأنشد في البابِ لكُثَيِّر (١٧٣٠): [٧١٩] سَقَى اللهُ أَمْواهًا عَرَفْتُ مَكانَها … جُرابًا ومَلْكومًا وبَذّرَ والغَمْرا

стр. 443

الشاهِدُ في تَرْكِ صَرْفِ (بَذَّرَ) وهو اسمُ ماءٍ، لموافَقَتِه مِن أَبْنيةِ الأفعالِ ما لا نَظِيرَ له في الأسماء؛ لأنَّ (فَعَّلَ) بِناءٌ مُخْتَصٌّ به الفِعلُ. ولا يُحْتَجُّ بِ (بَقَّم) لأنَّه أَعجميٌّ معرَّبٌ، ولا ب (شَلَّمَ) اسمِ بيتِ المَقْدِسِ لأنّه أعجميٌّ أيضًا معرفةٌ، والمعارِفُ فُروعٌ داخِلَةٌ على النكراتِ من الأَجْنَاس، ولا ب (خَضَّمَ) لأنّه لَقَبٌ معرفةٌ سُمَّيَ به العُنَبْرُ بن عَمرو بنِ تميم (١٧٣١)، لكثرةِ أَكْلِهِ. ونَصَبَ جُرابًا وما بَعْدَه على البَدَلِ من الأمْواهِ لأنَّها كُلَّها أَسماءُ مِياهٍ، ودَعَا بالسُّقْيا (١٧٣٢) للأَمْواهِ وهو يُريدُ أَهلَها النازلِينَ بها اتْساعًا ومَجازًا. وأنشد في باب ترجَمَتُه: هذا بابُ ما لِحقَتْهُ الألِفُ فمَنَعَهُ < ذلك > من الانْصِرافِ للعَجَّاج (١٧٣٣): [٧٢٠] يَسْتَنُّ فِي عَلْقَي وفي مُكُورِ الشاهِدُ فيه تَرْكُ صَرْفِ (عَلْقَى)؛ لأنَّ في آخِرِه ألِفَ التأنيث، ويَجوزُ صَرْفُهُ على أنْ تكونَ الألِفُ للإلحاق وتُؤَنَّثُ واحِدَتُهُ بالهاءِ فيقالُ: عَلْقاةٌ، وكُلٌّ سُمِعَ مِنَ العَرَبِ. وَصَفَ ثَوْرًا يَرْتَعِي في ضُروبٍ مِن الشَّجَر، والعَلْقَ والمُكُورُ: ضَرْبَانِ من الشَجَرِ. ومعنى يَسْتَنُّ يَرْتَعِي، وَسَنُّ الماشيةِ: رَعْيُها، وأَصلُهُ أنْ يُقامَ عليها حَتَّى تَسْمَنَ وتَمْلاس جُلودُها فتكونَ كأَنَّها قد سُنَّتْ وصُقِلَتْ كما يُسَنُّ الحَديدُ. وأنشد في بابٍ ترجَمَتُه: هذا بابُ ما لا يَنصرفُ مِمَّا ليسَتْ نُونُه بمنزلةِ الألفِ في بُشْرَى (١٧٣٤): [٧٢١] ومِعْزيً هَدِبًا يَعْلُو … قِرانَ الأرضِ سُودانا

стр. 444

الشاهِدُ فيه تَنوينُ (مِعْزيّ) لأنّه مَذَكَّرٌ وأَلِفُهُ للإلحاقِ ب (هِجْرَع) ونَحْوِه، ولذلك وَصَفَه بقولِه: (هَدِبًا) وهو الكثيرُ الهُدْبِ يَعني الشَعرَ. والقِرانُ جَمعُ قُرْنٍ وهو المشرِفُ من الأرض، وقال: (سودانًا) فجَمَعَ؛ لأنَّ المِعْزَي اسمٌ واحِدٌ يؤَدِّي [عن الجَمْعِ] (١٧٣٥)، فَحُمِلَ على المعنى. وأنشد في بابِ (فُعَلٍ) للحُطَمِ القَيْسِيّ (١٧٣٦): [٧٢٢] قَدْ لَفَّها اللَّيْلُ بِسَوَّاقِ حُطَمْ الشاهِدُ فيه نَعْتُ سَوَّاقِ ب (حُطَمٍ)؛ لأنّه نكرةٌ مِثلُهُ، وليسَ بمعدولٍ عن حاطِمٍ لأنَّ (فُعَلَ) لا يُعْدَلُ عَن فاعِلٍ إلَّا في بابِ المعرفةِ نحو عُمَرَ وَزُفَرَ. والحُطَمُ: الشَديدُ السَوْقِ للإِبل، كأنّه يَحْطِمُ ما مَرَّ عليه لشِدَّةِ سَوْقِهِ. وَصَفَ إِبِلًّا يَحْدوها، وبَعدَه: ليسَ بِراعِي إِبِلٍ ولا غَنَمْ وأنشد في البابِ لساعِدَةَ بن جُؤَبَّةَ (١٧٣٧): [٧٢٣] وعاوَدَني دِيني فَبِتُّ كأنَّما … خِلالُ ضُلُوعِ الصَّدْرِ شِرْعٌ مُمَدَّدُ [ثُمَّ قَالَ]: ولكنَّما أَهْلِي بِوادٍ أَنِيسُهُ … ذِئابٌ تَبَغَّى الناسَ مَثْنَى ومَوْحَدُ الشاهِدُ في تَرْكِ صَرْفِ (مَثْنَى ومَوْحَدُ) لأنَّهما صِفَتانِ للذِئابِ معدولتانِ عن اثنينِ اثنينِ وواحِدٍ واحِدٍ.

стр. 445

وَصَفَ تَغَرُّبَهُ (١٧٣٨) عَنْ أَهْلِهِ وَشَوْقَهُ إِليهم وحَنِينَهُ إليهم (١٧٣٩)، وشَبَّه صَوْتَ زَفيرِه وحَنِينِهِ بصَوتِ العُود، والشِرْعُ: الأوتارُ، واحِدَتُها شِرْعَةٌ .. وأرادَ بالدِينِ ما يَعْتادُهُ مِن الشَوْقِ والهَمّ، والدِينُ: العادَةُ والدَأْبُ: ومعنى تَبْتَغى الناسَ تَطْلُبُهم. وأنشد في باب ترجَمَتُه: هذا بابُ ما كانَ على مِثالِ مَفاعِلَ ومَفاعِيلَ (١٧٤٠): [٧٢٤] يَحْدُو ثَمانِيَ مُولَعًا بِلَقَاحِها … حَتَّى هَمَمْنَ بزَيْغَةِ الإرْتاجِ الشاهِدُ فيه تَرْكُ صَرْفِ (ثَمانِيَ)، تَشْبيهًا لها بما جُمِعَ علي زِنَةِ مَفاعِلَ، كأنّه تَوَهَّمَ واحِدَتَها ثِمْنيَةً كحِذْرِيَةٍ، ثُمَّ جَمَعَ فَقَالَ: ثَمانٍ كما يُقالُ: حَذارٍ في جَمعِ حِذْرِيَةٍ، والمعروفُ في كلامِ العربِ صَرْفُها على أنَّها اسمٌ واحِدٌ أَتَي بلفظِ المَنْسوبِ نحو يَمَانٍ ورباعٍ، فإذا أُنِّثَ قيل: ثَمانيةٌ كما يقال: يَمانِيَةٌ، وفَرَسٌ رَبَاعِيَةٌ. وَصَفَ إِلَّا أُولِعَ راعِيها بلقاحِها حتَّى لقحت ثُمَّ حَدَاها أَشَدَّ الحُدَاءِ حَتَّى (١٧٤١) هَمَّتْ بإزْلاقِ ما أُرْتِجَتْ عليه أَرحامُها من الأجِنَّة، والزَيْغِ بها وهو إزْلاقُها وإسْقاطُها. وأنشد في باب تَسْمِيَةِ المذكَّر بالاثنين والجمع، لامرِئِ القيس (١٧٤٢): [٧٢٥] تَنَوَّرْتُها مِن أَذْرِعاتٍ وأَهْلُهَا … بِيَثْرِبَ أَدْنَى دارِها نَظَرٌ عالِ الشاهِدُ في صَرْفِ (أَذرِعاتٍ) وإنْ كانَتْ اسمًا عَلَمًا مؤنَّثًا؛ لأنَّ التنوين فيها بإزاءِ النُونِ في جَمعِ المذكَّر السالم، والضَمَّةُ والكَسْرَةُ بإزاءِ الواوِ والياء، وجَرَتْ (١٧٤٣) في الصَرْفِ وإنْ كانَتْ معرفةً على لَفظِها قبلَ التسميةِ بها كما يَجري جَمعُ (١٧٤٤) المذكَّر السالم ذلك المجرى.

стр. 446

وبَعضُ العَرَبِ يُجْريها [إذا سَمَّى بها مُجْرى] (١٧٤٥) ما كانَتْ فيه هاءُ التأنيث بَعْدَ ألِفٍ زائدةٍ نحو أَرطاةٍ وعَلْقاةٍ فلا يَصْرِفُها في المعرفةِ وهي لغةٌ قليلةٌ ضَعيفةٌ. وَصَفَ أنه نظر إلى نارِ مَنْ يُحِبُ على بُعِدِ ما بَينَهما تَهَمُّمًا بها وشَوْقًا إليها. ومعنى تَنَوَّرْثُها نَظَرْتُ إلى نارها. وأَذْرِعاتٌ: موضعٌ بالشام، وإنَّما أراد أنَّهْ تَمَثَّلَ النَظَر إليها لبُعْدِ ما بينَ الموضعينِ. والعالي هنا البَعيدُ. وأنشد في باب تَسْميةِ المذكَّر بالمؤنَّثِ للأعشَى (١٧٤٦): [٧٢٦] لَها زَجَلٌ كَحفِيف الحَصَادِ … صادَفَ باللَّيلِ ريحًا دَبُورا الشاهِدُ في جَعْلِهِ (الدَبُورَ) وَصْفًا للريح، فَعَلى هذا إذا سَمَّى به مذكَّرا انصرفَ في المعرفةِ والنكرةِ؛ لأنّه صفةٌ مذكَّرَةٌ وَصَفَ بها مؤنَّثٌ كطاهِرٍ وحائضٍ، ومَنْ جَعَلَ الدَبورَ اسمًا للريحِ ولم يَصِفْها به، وسَمَّى به مذكَّرًا لم يَصْرِفُ؛ لأنّه بمنزلةٍ عَقْرَبٍ وعَناقٍ ونَحْوهما من أَسماءِ المُؤَنَّثِ. وَصَفَ كتيبةً يُسْمَعُ للدُروعِ فيها زَجَلٌ كزَجَلِ ما استُحْصِدَ من الزَرْعِ إذَا مَرَّتْ عليه الريحُ. وقال: (باللَّيل) لأنَّ الرياحَ فيه أَبْرَدُ وأشَدُّ. وجَعَلها دَبُورًا لأنَّها أَشَدُّ الرياحُ هُبوبًا عِندَهُم. والزَجَلُ: صَوتٌ فيه كالبَحَحِ. والحَفِيفُ: صَوتُ الرِيحِ في اليَبيْسِ (١٧٤٧). وأنشد في البابِ (١٧٤٨) [٧٢٧] حالَتْ وَحِيلَ بها وغَيْر آيَها … صَرْفُ البِلَى تَجْري به الرِيحانِ ريحُ الجَنُوبِ مَعَ الشَمالِ وتارَةً … رِهَمُ الرَّبيعِ وصائِبُ التَهْتَانِ

стр. 447

الشاهِدُ في إضافِةِ (الرِيحِ) إلى (الجَنُوبِ) للتَخصِيصَ؛ لأنَّ الريحَ تكونُ جَنُوبًا وغَيرَ جَنوبٍ، فأضافها إلى نَوْعِها للتَبْيين، ودَلَّ بالاضافةِ إليها على أنَّها اسمٌ لأنَّ الشَيءَ لا يُضافُ إلى صِفَتِهِ ويُضافُ إلى اسمِهِ تأكيدًا للاخْتِصاصِ. وَصَفَ دارًا، تَغَيَّرتْ، لاختِلافِ الرِياحِ عليها، وتَعاقُبِ الأمطارِ فيها، ومعنى حالَتْ أَتَى عليها حَوْلٌ مُذْ خَلَتْ، يقال: حالَ وأَحالَ بمعنى. وقولُهُ: (وحِيلَ بها) أَيْ: أُحِيلَتْ عَمَّا كانَتْ عليه، والباءُ معاقبةٌ للهمزة. وأيّها: عَلاماتُها. والرِهَمُ: الأمطارُ اللِّيِّنَةُ، واحِدَتُها رِهْمَةٌ. والتَهْتَانُ: الغَزيرُ من المَطَرِ. وأنشد في بابِ تَسْمِيَةِ المؤنَّثِ لجريرٍ (١٧٤٩): [٧٢٨] لَمْ تَتَلَفَّعْ بفَضْلِ مِئزَرِها … دَعْدٌ ولَمْ تُغْذَ دَعْدُ في العُلَبِ الشاهِدُ في صَرْفِ (دَعْدٍ) وتَرْكِ صَرْفِها؛ لأنَّه اسمٌ ثُلاثيٌّ ساكنُ الأوسَطِ خَفيفٌ، فاحتَمَلَ الصَرَفَ في المعرفةِ وإنْ كانَ مؤنَّثا لِخَفَّتِهِ. ومن النحويِّين (١٧٥٠) مَنْ لا يَرَى صَرْفَهُ في المعرفةِ للزومِ العِلَّتينِ له: عِلَّةُ التأنيثِ وعِلَّةُ التَعريف، ويَجْعَلُ صَرْفَها في البيتِ ضَرورةٌ. والقَولُ الأوَّلُ أَقْيَسُ لأنَّ العربَ قد صَرَفَت الأعجميَّ المعرفة إذا بَلَغَ هذه النهايَةَ من الخِفَّة نحو نُوحٍ ولُوطٍ ولا خِلافَ بينَ النحويين في هذا، فالمؤنَّثُ فيما انصَرَفَ بمنزلتِهِ. والتَلَفُّعُ: التَقَنُّعُ والتَرَدِّي، ويقال: هو الاضطِباعُ بالثَوبِ؛ أي: إدخالُ فَضْلِهِ تحتَ الضَبْع وهو أصلُ العَضُدِ. والعُلْبَةُ واحِدَةُ العُلَبِ وهي إناءٌ يَشْرَبُ بها (١٧٥١) الأعرابُ، فيقول: هي حَضَرِيَّةٌ رَقيقةُ العَيْشِ لا تَلبَسُ لُبْسَ الأعرابِ ولا تَتَغَذَّي

стр. 448

بغِذائِهم (١٧٥٢). وأنشد في بابِ تَسْمِيةِ الأرَضِين لِغَيْلانَ بنِ حُرَيْثِ الراجز (١٧٥٣): [٧٢٩] ودابِقٌ وأَينَ مِنِّي دابِقُ الشاهِدُ في صَرْف (دابقٍ)؛ لأنَّ الغالبَ عليه أنْ يُجْعَلَ اسمًا مُذكَّرًا للمكانِ والبَلَد، وتأنِيثُهُ وتَرْكُ صَرْفِهِ حَمْلًا على معنى البُقْعَةِ والبُلْدَةِ جائزٌ. وأنشد في البابِ للفرزدقِ (١٧٥٤)، ويُروى للأخْطَلِ: [٧٣٠] مِنهنَّ أَيَّامُ صِدْقٍ قَدْ عُرِفْتُ بها … أَيَّامُ فارسَ والأيَّامُ مِن هَجَرَا الشاهِدُ في (١٧٥٥) تَرْكِ صَرْفِ (هَجَر) على إرادَةِ البُقْعَةِ والبَلْدَة، والأكثرُ في كلامهِم تَذكيرُها وصَرفُها. وفارِس: اسمُ أرضٍ. وأنشد في البابِ (١٧٥٦): [٧٣١] ونابِغَةُ الجَعْدِيُّ بالرَمْلِ بَيْتُهُ … عليه تُرابٌ مِن صَفيحٍ مُوَضَّعُ الشاهِدُ فيه وَضْعُ (نابغَةٍ) اسمًا عَلَمًا لم يُقْصَدْ به قَصْد الصفةِ الغالبةِ فتلزَمُهُ الألِفُ واللامُ، وإنَّما قُصدَ بهِ قَصْد الأعْلام (١٧٥٧) المُخْتَصَّةِ نحو زَيدٍ وعَمرو، فَلَم تَدْخُلْهُ الألِفَ واللامُ كما لا تَدخُلُ زيدًا ونحوَه من الأعلامِ.

стр. 449

يَصفُ موتَ النابغةِ ودَفْنَهُ بالرَمْلِ ووَضْعَ التُرابِ والصَفيحِ عليه، والصَفيحُ: الحجارَةُ العَرِيضَةُ. ويُروى: عليه صَفِيحٌ من تُرابٍ وجَنْدَلُ وأنشد في البابِ لجريرٍ (١٧٥٨): [٧٣٢] ستَعْلَمُ أَيُّنا خَيرٌ قَدِيمًا … وأَعْظَمُنا ببَطْنِ حِراءَ نارا الشاهِدُ في تَرْكِ صَرْفِ (حِراءَ) حَمْلًا على معنى البُقعَة، ولو أمكَنَهُ الصرْفُ وحَمْلُهُ على < معنى > المكانِ لجازَ. وحِراءٌ: جَبَلٌ بقُرْبِ مكَّةَ، وكثيرًا ما يَصيرُ (١٧٥٩) إليه الحاجُّ تَعَبُّدًا، ويُوقِدونَ به النارَ لإطعامِ المساكين. وأنشد في البابِ لرؤبَةَ (١٧٦٠): [٧٣٣] وَرُبَّ وَجْهٍ من حِراءٍ مُنْحَنِ الشاهِدُ فيه صَرْفُ (حِراءٍ) حَمْلًا على معنى المكان، ولو حَمَلَهُ على معنى البُقْعَةِ ولم يَصْرِفْ لجازَ. والوَجْهُ: الناحِيَةُ. وأنشد في بابِ أسماءِ القَبائل والأحياء (١٧٦١): [٧٣٤] نَبَا الخَزُّ عَنْ رَوْحٍ وأَنْكَرَ جِلْدَهُ … وَعَجَّتْ عَجِيجًا مِن جُذامَ المَطارِفُ الشاهِدُ فيه تَرْكُ صَرْفِ (جُذامَ) < حَمْلًا > على معنى القبيلة، ولو أمْكَنَهُ

стр. 450

تذكيرُهُ وَصَرْفُهُ حَمْلًا على الحَيِّ لجازَ. وَصَفَ تَمكُّنَ رَوْحِ بنِ زنباع الجُذامي (١٧٦٢) مِن (١٧٦٣) السلطانِ ولِباسَهُ الخَزُّ، وذكَرَ أنه لم يكُنْ مِن أَهلِهِ فهو يَنْبو عِن جِلْدِهِ ويُنْكِرُهُ: والمَطَارِفُ جَمعُ مِطْرَفٍ وهو ثَوبٌ مُعْلَمُ الطَرَفِ. وأنشد في البابِ للأخطلِ (١٧٦٤): [٧٣٥] فإنْ تَبْخَلْ سَدْوسُ بدِرْهَمَيْها … فإنَّ الرِيحَ طَيِّبَةٌ قَبُولُ الشاهِدُ في مَنْعِ (سَدُوسَ) مِن الصَرْفِ حَمْلًا على معنى القَبيلة، ولو أَمكَنَهُ الحَمْلُ على معنى الحَيِّ والصَرْفُ لجازَ. ومعنى البيت أنَّ الأخطَلَ مَدَحَ سَيِّدًا من ساداتِ بني شَيْبانَ فَفَرَضَ له على أَحياءِ شَيْبَانَ على كُلِّ واحِدٍ (١٧٦٥) منهم دِرْهَمَيْن، فَأَدَّتْ إليه الأحياءُ إلَّا بَني سَدوسَ، فقالَ لهم هذا مُعاتِبًا لهم. ومعنى (فإنِّ الريحَ طَيِّبَةٌ [قَبُولُ]) أَيْ: قَدْ طابَ لي رُكوب البَحْرِ والانْصِرافُ عنكم مسْتَغْنِيًا عن دِرْهَمَيْكُم عاتِبًا عليكم. وأنشد في البابِ لعَدِيّ بن الرِقاعِ العامِلِيّ (١٧٦٦): [٧٣٦] غَلَبَ المَسَامِيحَ الوَليدُ سَمَاحَةٌ … وَكَفَى قُرَيْشَ المُعْضِلاتِ وسادَهَا الشاهِدُ في (١٧٦٧) تَرْكِ صَرْفِ (قُرَيْش) حَمْلًا على معنى القبيلة، والصَرْفُ فيها

стр. 451

أكثَرُ وأَعْرَفُ؛ لأنَّهم قَصَدوا بها قَصْدَ الحَيِّ وغَلَب ذلك عليها. مَدَح الوليدَ بنَ عبد المَلِكِ، والمَسَامِيحُ جَمعُ سَمْحٍ على غَيِر قِياسٍ، وهو من الجَمعِ النادِرِ. والمُعْضِلاتُ: الشَدائدُ. وأنشد في البابِ (١٧٦٨): [٧٣٧] عَلِمَ القبائلُ مِن مَعَدِّ وغَيرِها … أنَّ الجَوادَ مُحَمَّدُ بنْ عُطارِدِ الشاهِدُ في تَرْكِ صَرْفِ (مَعَدّ) حَمْلًا على معنى القبيلة، والأكثَرُ في كلامِهم صَرْفُهُ لأنَّ الغالِبَ عليه أنْ يكونَ اسمًا للحَيِّ. والمَمْدوحُ محمدُ بنْ عُطارِد أُحَدُ بني تَميمٍ وسَيِّدهُمُ في الإسلامِ. وأنشد في البابِ (١٧٦٩): [٧٣٨] ولَسْنَا إذا عُدَّ الحَصَى بأَقِلَّةٍ … وإنَّ مَعَدِّ اليَومَ مُودٍ ذَلِيلُها الشاهِدُ في تَرْكِ صَرْفِ (مَعَدّ)، والقَولُ فيه كالقَولِ في الذي قَبلَه. والحَصَى مَثَلٌ في كَثرةِ العَدَدِ. والمُودِي: الهالِكُ؛ أيْ: إذا كَثُرَ عَدَدُ مَنْ حَصّلَ من الأشرافِ وأَهْل الثَرْوةَ والعَدَدِ لَمْ يَقِلّ عَدَدُنَا فَنَهْلِكَ ونَذَهَبَ قِلَّةً وذُلًّا. وأنشد في البابِ (١٧٧٠): [٧٣٩] تَمُدُّ عليهم مِنْ يَمينٍ وأَشْمُلٍ … بُحوُرٌ له مِن عَهْدِ عادَ وتُبّعا الشاهِدُ فيه (١٧٧١)، تَرْكُ صَرْفِ (عادَ) حَمْلًا على <معنى> القبيلة، والأكثَرُ فيه

стр. 452

أنْ يكونَ اسمَ حَيٍّ مصروفًا، والقَولُ فيه كالقَولِ في (مَعّدّ)، وجَعَل (تُبّعًا) اسمًا للقبيلةِ سَمَّاها باسمِ الأبِ فلم يَصْرِفْهُ لذلك. وتُبَّع هذا هو أبو كرب وهو أَقدَمُ التَبابعَةِ مِن ملوكِ اليَمن، فَقَرَنَهُ بعادٍ في ضَرْبِ المَثَلِ بِقِدَمِ (١٧٧٢) الشَرَفِ. وأَرادَ بالبُحورِ مَوَادّ كَرَمِ المَمْدوح، ومَدَّها زِيادَتُها وطَمْوُها. وأنشد في البابِ (١٧٧٣): [٧٤٠] لَوْ شَهْدَ عادَ في زمانِ عادِ … لابْتَزَّها مَبارِكَ الجِلادِ الشاهِدُ في تَرْكِ صَرْفِ (عادَ) على ما تَقَدَّمَ. وأراد بمَبَارِكِ الجِلادِ وَسَطَ الحَرْبِ ومُعْظَمَها، وأصلُهُ مِن مَبَارِكِ الإبل، يَقولُ: لَوْ شَهِدَ هذا الممدوحُ في الحَربِ عادًا على قُوَّتِها <وعِزَّتِها > لظَهَر عليها وفازَ بمُعْظَمِ الحَربِ دُونَها. ومعنى ابتَزَّها سَلَبَها. وأَرادَ شَهِدَ فسَكَّنَ الكَسْرَةَ تَخْفيفًا. وأنشد في البابِ (١٧٧٤): [٧٤١] بِحَيٍّ نُمَيْرِيٍّ عليه مَهَابَةٌ … جَميعٍ إذا كانَ اللِّئام جَنَادِعَا الشاهِدُ في إفراد صفة (الحَيٍّ) حَمْلًا على اللفظ، ولو جُمِعَ على المعنى لجازَ. والجَميع هنا المجتمعونَ. والجَنادِعُ: ضَرْبٌ من الذُبابِ مُؤْذٍ يُضْرَبُ بها (١٧٧٥) المَثَلُ في الآفاتِ والأذَى، وهي أيضًا دَوابٌ تكونُ في جِحَرَةِ الضِبابِ كالعقارِب، ويقالُ: بَل هي كالذُباب، وضَرَبَها في البَيت مَثَلًا لِلِّئامِ في قِلَّتِهِم وتَفَرُّقِهم، وواحِدُ

стр. 453

الجَنَادِع جُنْدُعً وَجُنْدُعَةٌ. وأنشد في البابِ (١٧٧٦): [٧٤٢] سادُوا البِلادَ فأَصْبَحُوا في آدَمٍ … بَلغوا بِها بِيضَ الوُجُوهِ فُحُولا الشاهِدُ فيه جَعلُ (آدَمَ) اسمًا لجميعِ الناس، كما جُعِلَ مَعَدٌ وتَميمٌ ونَحْوُهما من أَسماءِ الرجالِ أسماءُ للقبائلِ والأحْياءِ. وقَولُه: (سادُوا البِلادَ) أرادَ أَهلَها فحَذفَ اتِّساعًا كما قالَ [تعَالى]: ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ﴾ (١٧٧٧) يريد أهلها. وأرادَ ببيضِ الوُجوهِ مَشاهِير الناسِ. والفُحُولُ هُنا السادَةُ كما يُقالُ للسَيِّد: قَومٌ، وأصلُهُ الفَحلُ مِن الإبِلِ المُتَّخَذُ للضِرابِ لكَرَمِهِ وعِتْقِهِ. وأنشد في البابِ للنابغةِ الجَعْدِيّ (١٧٧٨): [٧٤٣] مِنْ سَبَأَ الحاضِرينَ مَأْرِبَ إذْ … يَبْنُونَ مِن دُونِ سَيْلِهِ العَرِمَا الشاهِدُ فيه (١٧٧٩) تَرْكُ صَرْفِ (سَبَأَ) حَمْلًا على معنى القَبيلةِ والأُمّ، ولو أَمْكَنَهُ الصَرْفُ على معنى الحَيِّ والأبِ لجازَ، وقد قُرِئ بالوَجْهَيِن (١٧٨٠). ومَأْرِبُ: أرضُ باليَمَنِ. والحاضِرُ: المُقيمُ على الماءِ، والمَحَاضِرُ مِيَاهُ العَرَبِ التي يُقيمونَ عَلَيها. والعَرِمُ جَمعُ عرمَةٍ وهي السدُّ، ويُقالُ لها: السَكْرُ والمُسَنَّاةُ.

стр. 454

وأنشد في البابِ للنابغة أيضًا (١٧٨١): [٧٤٤] أضَحَتْ يُنَقِّرُها الوِلدانُ من سَبَأٍ … كأَنَّهم تَحْتَ دَفَّيْها دَحَارِيجُ الشاهِدُ فيه (١٧٨٢) صَرْفُ (سَبَأٍ) على ما تَقَدَّم مِن [القَولِ مِن] حَمْلِهِ على معنى الحَيّ. وَصَفَ ناقَةً مَرَّ عليها بحَيِّ سَبَأٍ مُجْتازًا عليهم في زِيِّ الأعراب، فعَرَضَ لَه الصِبيانُ مُنكِرينَ لَهُ مُحْيطينَ به تَعَجُّبًا منه، وجَعَلوا يُنَفِّرونَ ناقَتَهُ مِن يَمينٍ وشمالٍ، فَشَبَّهَهُم تَحْتَ دَفَّيْها بالَدحاريجِ. والدَفّانِ: الجَنْبانِ. والدَحَاريجُ جَمعُ دُحْروجَةٍ وهو ما أُدِيرَ ودُحْرِجَ كَدْحْروجَةِ الجُعَلِ. وأنشد في بابِ ما لم يَقَعْ إلَّا اسمًا للقبيلة، لامرِيءٍ القَيْس (١٧٨٣): [٧٤٥] أحَار أُرِيكَ بَرْقًا هَبَّ وَهْنًا … كَنَارِ مَجُوسَ تَسْتَعِرُ استِعَارا الشاهِدُ فيه تَرْكُ صَرْفِ (مَجُوسَ) حَمْلًا على معنى القبيلة، وهو الغالِبُ عليها في كلامِهم، وصَرْفُها <حَمْلًا > على معنى الحَيِّ جائزٌ [وليسَ بالكثيرِ]. وَصَفَ بَرْقًا مُسْتطيرًا دالًّا على الغَيْث، فَشَبَّههُ بنارِ مَجوسَ في استِعارها؛ لأنَّهم يُحافظون عليها لِعبادَتِهم لها فيُكثرونَ وقودَها. ويُروَى (تَرَي بُرَيقًا) وصَغَّرَ البَرْقَ تَصغيرَ التَعظيمِ. والوَهْنُ: وَقْتٌ من الليلِ. وأنشد في البابِ لرَجُلٍ من الأنْصارِ (١٧٨٤): [٧٤٦] أُولئك أَوْلَى مِن يَهُودَ بِمِدْحَةٍ … إذَا أنَت يَومًا قُلْتَها لَم تُؤَنَّبِ

стр. 455

الشاهِدُ في جَعْلِ (يَهُودَ) اسمًا عَلَمًا للقبيلةِ، والقَولُ فيه كالقَولِ في مَجُوسَ، إلَّا أنَّ الزيادَةَ في أَوَّلِهِ تَمْنَعُهُ من الصَرْفِ إنْ جُعِلَ اسمًا للحَيّ، واشتِقاقُهُ من هادَ يَهُودُ إذا تابَ عن الذَنْب من قَولِهِ جَلَّ وعَزَّ: "إنَّا هُدْنا إليكَ" (١٧٨٥) أَيْ: تُبْنا. يقول: مَدْحُ المسلمين من المهاجرينَ والأنصارِ أَوْلَى مِن مَدْحِ اليَهودِ من قُرَيْظَةَ والنَضيرِ وأجدَرُ أنْ لا يُؤِّنَّبَ مادِحُهُم لفَضْلِهم عليه. والتَأْنِيبُ: المَلامَةُ، يقولُ هذا للعَبَّاسِ بن مِرْداس وكانَ يمدَحُ بني قُرَيْظَة. وأنشد في البابِ للنَمِرِ بنِ تَوْلَب (١٧٨٦): [٧٤٧] صَدَّتْ كما صَدَّ عَمَّا لا يَحِلُّ له … ساقِي نَصارَى قُبَيْلَ الفِصْحِ صُوَّامِ الشاهِدُ < فيه > جَرْيُ (صُوّامٍ) على (نَصَاري) نَعْتًا له لأنَّهُ نكرةً مثلُهُ؛ إذْ لَمْ يُقْصَدْ به قَصْد قَبيلةٍ ولا حَيٍّ كما قُصِدَ بيهودَ ومَجوسَ، وإنَّما هو اسمٌ يُعَرَّفُ بالألِفِ واللام، ويُنَكَّرُ بإسقاطِهِما كالقَومِ ونَحْوهم مِمَّا عُرِّفَ تَعْريفَ الجِنْسِ. وَصَفَ ناقَةً عُرضَ عليها الماءُ فعافَتهُ وصَدَّتْ عنه كما صَدَّ ساقِي النَصَارَى عَمَّا لا يَحِلُّ له من الطَعامِ والشَرابِ في مُدَّةِ صِيامِهم وقَبلَ يومِ فِصْحِهم، والفِصْحُ عيدُهم الذي يأكلونَ فيه اللحمَ، كأنّهم يُفْصِحونَ فيه بأَكْلِهِ فُسُمِّيَ لذلك فِصْحًا. وأنشد في البابِ (١٧٨٧): [٧٤٨] فَكِلْتاهما خَرَّتْ وأَسْجَدَ رَأْسُها … كما سَجدَتْ نَصْرانَةٌ لم تَحْنِّفِ الشاهِدُ في قولِهِ: (نَصْرانَةٌ) وتَأنِيثَها بالهاء، وفي ذلك دِلالَةٌ على أنَّ المذكَّرَ نَصْرانُ وإنْ لم يُستعملْ في الكَلامِ إلَّا بِياءَي النَسَب، وأنَّ نَصارَى جَمعُ نَصْرانَ كما أنَّ نَدَامَى جَمعُ نَدْمانَ، و < قَدْ > يَجوزُ أنْ يكونَ نَصارَى جَمعَ نَصْرِيٍّ وإنْ لَمْ يُلْفَظْ به

стр. 456

فيكونُ كَمَهْرِيٍّ ومَهَارَى (١٧٨٨): وَصَفَ ناقَتَين خَرَّتا مِن الإعياءِ، أو لأنَّهما نُحِرَتا فَطَأطَأ رُؤوسَهما، فشَبَّهَ كُلَّ واحدةٍ منهما في ذلك بمُطَأطَأ النَصْرانَةِ (١٧٨٩) لرأسِها في صَلاتِها، والإسْجادُ: مُطَأطَأةُ الرأْسِ. والسُجُودُ: وَضعُ الجَبْهَةِ بالأرض، وقد يقالُ: سَجَدَ وأَسجَدَ في معنى طَأطَأ رأسَهُ. وأنشد في بابِ أسماءِ السُوَرِ للكُمَيْت (١٧٩٠): [٧٤٩] وَجَدْنا لَكُم في آلِ حامِيمَ آيَةً … تَأَوَّلَها مِنَّا تَقِيٍّ ومُعْرِبُ الشاهِدُ في تَركِ صَرْفِ (حامِيمَ) لأنَّه وافَقَ بِناءَ ما لا ينصرفُ من الأعجميَّةِ نحو هابيلَ وما أشبَهَ ذلك (١٧٩١). يَقولُ هذا لبَني هاشِم وكانَ مُتَشَيِّعًا فيهم، وأرادَ بآلِ حامِيمَ السُوَرَ التي أوائِلُها (١٧٩٢) حم، فجَعَل حم اسمًا للكلمةِ ثُمَّ أَضافَ السُوَرَ إليها إضافَةَ النَسَبِ إلى قَرابَةٍ كما يُقالُ (١٧٩٣): آلُ فُلانٍ. والآيةُ التي ذَكَر هي قولُهُ : ﴿قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى﴾ (١٧٩٤) فيقول: مَنْ تَأَوَّلَ هذهِ الآيَةَ لَمْ يَسَعُهُ إلَّا التَشَيُّعُ في آلِ النَّبِيِّ ﷺ مِن بنِي هاشم وإبداءُ المَوَدَّةِ لهم على تَقِيَّةٍ كانَ أو غَيرِ تَقِيَّةٍ. والمُعْرِبُ: الذي يُفْصِحُ بما في نَفْسِهِ ويُعْرِبُ عن مَذْهبِه، ويُروى (تَقِيٌّ مُعَرِّبُ) أَيْ: مُتَّقٍ لله : مُبِينٌ لِما في نَفْسِهِ مُصَرِّحٌ به.

стр. 457

وأنشد في البابِ للحِمّاني (١٧٩٥): [٧٥٠] أَو كُتُبًا بُيِّنَّ من حامِيما … قَدْ عَلِمَتْ أبناءُ إبراهيما الشاهِدُ في تَرك صَرْفِ (حامِيمَ) على ما تَقَدَّمَ. وَصَفَ أنَّ القُرآنَ وما تَضَمَّنَهُ مِن أَمْرِ النَّبِيِّ ﷺ (١٧٩٦) معلومٌ عند أهلِ الكِتاب، وخَصَّ سُوَرَ حامِيمَ لكثرِةِ ما فيها من القَصَص والتَبْيين. وأرادَ بأبناءِ إبراهيم أهلَ الكتابِ من بني إسرائيل؛ لأنَّهم مِن وَلَدِ إسرائيل وهو يَعْقُوب بنْ إسحاقَ بنِ إبراهيم. وأنشد في بابِ تَسْميةِ الحروفِ (١٧٩٧): [٧٥١] كافًا ومِيمَيْن وسِينًا طاسِما الشاهِدُ في تذكيرِ (طاسمٍ) وهو نَعْتٌ للسِين لأنّه أرادَ الحَرفَ، ولو أمكَنَهُ التأنيثُ على معنى الكلمةِ لجازَ. شَبَّهَ أثارَ الدِيارِ بحروفِ الكتابِ على ما جَرَتْ به عادَتُهم مِن تَشْبيهِ الرُسومِ بالكتابِ. والطاسِمُ: الدارِسُ وكذلك الطامِسُ، ويُروى (وسِينًا طامِسًا). وأنشد في البابِ للراعِي (١٧٩٨): [٧٥٢] كما بُيِّنَتْ كافٌ تَلُوحٌ وَمِيمُها الشاهِدُ فيه تأنيثٌ (الكافِ) حَمْلًا على معنى اللفظةِ والكلمة، والقَولُ في معناه كالذي تَقَدَّمَ في البَيتِ الذي قَبلَه، وصَدْرُ البيتِ: أَهاجَتكَ آياتٌ أَبانَ قَدِيمُها

стр. 458

وأنشد في البابِ <لأبي طالب> (١٧٩٩) [في تأنيثِ ليتَ]: [٧٥٣] لَيتَ شِعْرِي مُسَافِرَ بنَ أَبي عَمْ … روٍ ولَيتُ يَقولُها المَحْزونُ الشاهِدُ في إعراب (ليتَ) وتأنيثها؛ لأنَّه جَعَلَها اسمًا للكلمةِ وأَخبَرَ عنها كما يُخبرُ عن الاسمِ المؤنَّث. ومسافِرُ بن أبي عَمروٍ رَجُلٌ من قُرَيش [من بني عبد شمس] (١٨٠٠) بن عبد مَناف، ماتَ غَريبًا وكانَ صَديقًا لأبي طالب فَرَثاه. ونَصَبَ مُسافِرًا على معنى لَيتَ شِعْرِي خَبَرَ مُسَافِرٍ؛ أيْ: لَيْتَنِي أعلَمُ خَبَرَهُ، فحذفَ الخَبرَ المنصوبَ بالمصدرِ وأَقامَ مُسافِرًا مُقامَهُ، ويَجوزُ رَفْعُهُ عَلى خَبرِ ليتَ، والمعنى أيضًا ليتَ شعرِي خَبَرُ مُسافِرٍ ثُمَّ حُذِفَ، وبَعْدَه (١٨٠١): بُورِكَ المَيِّتُ الغَريبُ كما بُو … رِكَ نَضْحُ الرُمَّانِ والزَيْتُونُ وأنشد < في البابِ > لأبي زُبَيْدٍ (١٨٠٢): [٧٥٤] لَيتَ شِعْرِي وأَيْنَ مِنِّيَ لَيْتُ … إنَّ لَيْتًا وإنَّ لَوًّا عَنَاءُ الشاهِدُ في تضْعيفِ (لَوُ) لَمَّا جَعَلَها اسمًا وأَخبَرَ عنها؛ لأنَّ الاسمَ المفرَدَ المتمكِّنَ لا يكونُ على أقَلَّ من حَرفَيْنِ متحرِّكَيْن، والواوُ في (لَوْ) لا تَتَحرَّكُ فَضُوعِفَتْ لتكونُ كالأسماءِ المتَمكِّنة، وتَحتملُ الواوُ بالتضعيفِ الحركةَ. وأرادَ ب (لَوْ) ها هنا (لَوُ) التي للتَمَنِّي في نَحْو قولك: لَوْ أَتَيْتَنا وأَقَمْتَ (١٨٠٣) عنَدنا؛ أيْ: لَيْتَكَ أَتَيْتَ وأَقَمْتَ؛ أيْ: أكثَرُ التَمَنِّي يُكَذِّبُ صاحِبَهُ ويُعَنّيه ولا يَبْلُغُ فيه

стр. 459

مُرادَهُ. وأنشد < في البابِ > (١٨٠٤): [٧٥٥] أُلامُ على لَوٍّ ولو كُنتُ عالِمًا … بأَذْنابِ لَوٍّ لَمْ تَفُتْنِي أَوائِلُهْ الشاهِدُ فيه تَضْعيفُ (لَوْ) للعِلَّةِ المتقدِّمة، وذكَّرها حَمْلًا على معنى الحَرْفِ. يقولُ: قَدْ تَصْدُقُ الأماني إلَّا أنِّي تَرَكْتُ منها لمكانِ اللَّوْمِ ما لَوْ طَلَبْتُهُ لأدْرَكْتُ غايَتَهُ، ولكنِّي لَم أَعلَمْ عاقِبَتَهُ فضَيَّعْتُ أَوَّلَهُ، وضَرَبَ الأَذْنابَ مَثَلًا للأواخِرِ. وأنشد [سيبويه] في تَسْكينِ حُروفِ المُعجم إذا تُهُجِّيَتْ (١٨٠٥): [٧٥٦] تُكَتِّبانِ في الطَريقِ لامَ ألِفْ أَلقى حركَةَ (أَلِف) (١٨٠٦) على مِيمِ (لام)، وكانَتْ ساكنةً، وليسَتْ هذهِ الحركةُ بحركةٍ يُعْتَدُّ بها، وإنَّما هي تخفيفُ الهمزةِ بإلقاءِ الحركةِ على ما قَبلَها، وقَبلَ هذا البيت: أَقْبَلْتُ من عندِ زيادٍ كالخَرِفْ … تَخُطُّ رجْلايَ بخَطٍّ مُخْتَلِفْ يَصِفُ أنه شَرِبَ عند زِياد فَسَكِرَ، فلمَّا أرادَ المَشْيَ لَمْ يَمْلِك نَفْسَهُ كما لا يَمْلِكُها الخَرِفُ وهو الهَرِمُ المتقارِبُ. وأنشد في بابٍ ترجَمَتُه: هذا بابُ تَسْميتك الحروفَ بالظُّروف، لابنِ

стр. 460

مقبلٍ (١٨٠٧): [٧٥٧] أَصْبَحَ الدَهْرُ وقَدْ أَلْوَى بهم … غَيرَ تَقْوالِكَ مِن قِيلٍ وقالِ الشاهِدُ في إعرابِ (قِيلٍ وقالٍ) وجَرِّهما حَمْلًا على معنى تَسْميةِ الحَرْفِ، ولو أَمكَنَهُ أَلَّا يَصْرِفَهُما حَمْلًا على معنى الكلمةِ واللفظةِ لجازَ، وكذلك (١٨٠٨) لو أَمكَنَهُ أنْ يَحْكِيَهما على حالهما قبلَ التَسْميةِ ويَتْركَهما على لَفْظِهما مفتوحَيْنِ لكانَ حَسْنًا. وقَدْ رَدٍّ المبرِّدُ (١٨٠٩) على سيبويه في قَولِهِ: (والقوافي مجرورةٌ) (١٨١٠) بأَنْ قالَ: يَجوزُ أنْ تكونَ القافيةُ موقوفَةٌ فيقولُ: غَيرَ تَقْوالِكَ من قِيلٍ وقالْ وكِلا الوجهينِ غَيرُ ممتَنعٍ، وسيبويه أَعلَمُ وأَوثَقُ بما نَقَلَ مِن: جَرِّهما سَماعًا وروايَةٌ عن العَرَبِ. يقولُ: هَلَكوا فأَلْوَى بهم الزمانُ، أَيْ: ذَهَبَ ولم يَبْقَ منهم غَيرُ الخَبَرِ عنهم وأنْ يقولَ المُخْبِرُ: قيلَ عنهم كذا، وقال فُلانٌ كذا. وأنشد في البابِ (١٨١١): أَتَيْتُ مُهاجِرينَ فَعَلَّموني … ثَلاثَةَ أَحرُفٍ مُتَتَابعاتِ وخَطُّوا لي أَبا جادٍ وقالوا: … تَعَلَّمْ صَعْضًا وقُرَيْسِيَاتِ (١٨١٢)
следующие страницы →