القربة لم يتخذوها ديناً يتعبدون به ويدعون الناس إليه ولذلك أمثلة كثيرة.
١ - أن النبي ﷺ حينما كان مهاجراً إلى المدينة أخذ طريق الساحل، لأنه أبعد عن العدو، ولو كان مجرد الفعل يدل على القربة لاقتضى أن كل مسافر من مكة إلى المدينة يستن له أن يسلك طريق الساحل وإن كان بعيداً، ولم يقل بذلك أحد من الصحابة، فدلَّ ذلك على أنه ليس بسنة من سنن الدين.
٢ - أن النبي ﷺ اختفى هو وصاحبه في الغار عن أعدائه المشركين ومكث به أياماً يعبد الله حتى تمكن من السفر، ولو كان محض الفعل يفيد الندب لذهبت الصحابة إلى ذلك الغار لتعبد الله تعالى فيه كما كان النبي ﷺ ، وحيث لم ينقل لنا أن أحداً من الصحابة كان يذهب إلى الغار ليتعبد فيه علم أن العبادة في خصوص الغار ليست مقصودة وأن الفعل بمجرده لا يفيد القربة.
٣ - روي عن أنس ﵁ قال: كان لِنَعْليْ رسول الله ﷺ قبالان. رواه الخمسة إلا مسلماً، فهذا الصنف هو حذاء رسول الله ﷺ ، فهل يكون لبس هذا الصنف سنة من سنن الدين، ومن لم يلبسه يكون تاركاً لسنة ويعاتب عليها؟ أم هذا لا يقوله أحد، ولو كان الفعل المجرد يدل على الندب لكان لبس هذا النوع من الأحذية سنة تبقى ببقاء الأيام.
٤ - ثبت في الصحيح: أن النبي ﷺ في يوم بدر جاء إلى أدنى ماء من بدر فنزل عنده، فقال الحباب بن المنذر: يا رسول الله أرأيت هذا المنزل،
стр. 107
أمنزلاً أنزلكه الله ليس لنا أن نتقدمه ولا نتأخر عنه، أم هو الرأي والحرب والمكيدة؟ قال: "بل هو الرأي والحرب والمكيدة" فقال: يا رسول الله ليس هذا بمنزل، فانهض بالناس نأتي أدنى ماء من القوم فننزله، ثم نُغوِّر ما وراءه إلخ ما قال، فقال له النبي ﷺ : "لقد أشرت بالرأي" وعمل برأيه، وهذا يدل على أن محض الفعل لا يفيد أنه قربة. ووجه الدلالة أن الصحابة لا يرون أن كل فعل للنبي ﷺ عن وحي من الله تعالى، بل منه ما هو مستند إلى وحي كالفعل الذي يظهر فيه قصد القربة، ومنه ما هو مبني على رأي واجتهاد، ولذلك سأل الحباب بن المنذر بجمع من الصحابة عن المنزل الذي نزل النبي ﷺ هل النزول فيه عن وحي حتى يذعنوا له، أو عن رأي واجتهاد حتى يشاركوه فيه، وأجاب النبي ﷺ بأنه عن رأي واجتهاد، وقد رأوا أن ينزلوا منزلاً آخر هو أنفع منه للحرب، وأقرب للنكاية بالعدو، ولو كان فعل الرسول لا يكون إلا عن وحي ما كان لذلك السؤال وجه، وما صحّ منه موافقتهم وترك الوحي.
٥ - إن النبي ﷺ كان يأكل من القوت التمر والشعير، ومن الفاكهة الرطب والبطيخ والقثاء، وكان يلبس وهو بالمدينة من نسيج اليمن، فهل إذا وُجِد الرجل ببلد آخر، ورأى قوتهم البر والذرة، وفاكهتهم الرمان والعنب، وملابسهم غير ملابس اليمنيين، أيندب له شرعاً أن يبحث عن قوت غير القوت، وفاكهة غير الفاكهة، وأن يطلب ملبساً من نسيج اليمن؟ وكيف يلتئم هذا، وقول الله تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ
стр. 108
الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ [البقرة: ١٨٥] .
فظهر مما سقناه من الأمثلة أن الفعل إذا لم يظهر فيه قصد القربة لا يدل على الندب كما لا يدل على الوجوب، وإنما يدل على رفع الحرج، وهو ما اختاره الآمدي.
وأما قول الشوكاني: إن القول بإفادته الندب هو الحق، وتعلله ذلك بأن قوله ﷺ وإن لم يظهر فيه قصد القربة، فهو لا بد أن يكون قربة، فهو مجرد دعوى لم يقم عليها دليل، بل عمل الصحابة يدل على بطلانها، ولم يأخذ بفعل الرسول في كل شيء حتى في العاديات المحضة سوى عبد الله بن عمر، كان يتحرى المكان الذي كان النبي ﷺ يقضي فيه حاجته ليقضي هو فيه حاجته، ولم يوافقه جمهور الصحابة، بل كانوا يفرقون بين الفعل العادي وبين العبادة، وممن خالفه في ذلك أبوه عمر بن الخطاب، حتى لا يلتبس على الناس أمر العادات بالعبادات.
وأما قول الشوكاني: [لا يجوز القول بأنه يفيد الإباحة، فإن إباحة الشيء بمعنى استواء طرفيه موجودة قبل الشرع، فالقول به إهمال للفعل الصادر منه ﷺ فهو تفريط كما أن حمل الفعل المجرد على الوجوب إفراط] فيرده أن الأصوليين عدا المعتزلة اتفقوا على أن الإباحة حكم شرعي، فهي لم تثبت إلا بالشرع، فالقول بأن الفعل يدل على الإباحة ليس إهمالاً لفعل النبي ﷺ ، ولو سلم أنها موجودة قبل الشرع، فالفعل جاء مقرراً له فكيف يكون مهملاً؟ وماذا يقول الشوكاني في أدلة
стр. 109
الكتاب والسنة المفيدة للإباحة كقوله تعالى: ﴿كُلُوا وَاشْرَبُوا﴾ [المرسلات: ٢٠] وماذا يقول في قوله تعالى: ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ﴾ [النساء: ٤٢] وقوله: ﴿ويُحِلُّ لَهُمُ الطَّيبَاتِ﴾ [الأعراف: ١٥٦] أيقول إنها مهملة لأن الإباحة موجودة قبل الشرع أو يقول إنها جاءت مقررة؟ وجوابه على الأدلة القولية هو جوابنا على الأدلة الفعلية. انتهى.
стр. 110
القاعدة التاسعة: ما استحب النبي ﷺ فعله من الأمور العادية فيستحب فعله لمحبة النبي ﷺ له
يستحب للإنسان أن يستحب ما استحبه النبي ﷺ من الأمور العادية الجبلية كاستحبابه الدباء واستحبابه الشراب الحلو البارد لما في ذلك من كمال الاتباع فعن أنس بن مالك قال: إن خياطاً دعا النبي ﷺ لطعام صنعه، قال أنس فذهبت مع رسول الله ﷺ إلى ذلك الطعام، فقرّب إلى رسول الله ﷺ خبزاً من شعير ومرقاً فيه دباء وقديد، قال: فرأيت النبي ﷺ يتتبع الدباء من حوالي القصعة ويعجبه، قال: فلم أزل أحب الدباء من يومئذ، فما صنع لي طعام بعد أقدر على أن يصنع فيه دباء إلا صنع.
أخرجه البخاري "٢٠٩٢" ومسلم "٢٠٤١" وبوب عليه النووي: باب جواز أكل المرق واستحباب أكل اليقطين.
قلت: فانظر إلى هذا السيد استحب ما استحبه النبي ﷺ أفلا يُؤجر على محبة ما يحبه النبي ﷺ ؟!.
стр. 111
القاعدة العاشرة: ما يحتمل من الأفعال خروجه من الجبليِّة إلى التشريع بمواظبته على وجه مخصوص فيستحب التأسي به فيه
هناك بعض الأفعال النبوية هي في الأصل أفعال جبليِّة لكن يحتمل أنها للتشريع وهي الأشياء التي واظب عليها النبي ﷺ على وجه مخصوص دون أن يرغب فيهما كالاضطجاع بعد ركعتي الفجر، فهذه الأفعال يستحب التأسي فيها لقوله تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ [الأحزاب: ١٦] ، فهذه الآية تدل على أن الأصل في أفعال النبي ﷺ استحباب التأسي به فيها، إلا إذا اظهرت انها جبلية وهذا قول أكثر المحدثين "كما في البحر المحيط ٦/٢٤".
وقال الشوكاني في إرشاد الفحول "٥٦": وفي هذا القسم قولان للشافعي ومن معه يرجع فيه إلى الأصل وهو عدم التشريع أو إلى الظاهر وهو التشريع، والراجح الثاني، وقد حكاه الأستاذ أبو إسحاق عن أكثر المحدثين فيكون مندوبا. انتهى.
стр. 112
القاعدة الحادية عشر: ترك النبي ﷺ لفعل ما مع وجود المقتضي له وانتفاء المانع يدل على أن ترك ذلك الفعل سنة وفعله بدعة
هذه القاعدة تعرف بالسنة التركية، وهي قاعدة جليلة فيها سد لباب الابتداع في الدين ويشترط لهذه القاعدة شرطان هما:
стр. 113
١ - وجود المقتضي. ٢ - انتفاء المانع.
فإذا لم يوجد المقتضي لذلك الفعل فلا يكون الترك سنة، كترك الأذان للعيدين فإن المقتضي موجود وهو الإعلام للعيدين ومع ذلك ترك النبي ﷺ الأذان للعيدين فالترك هنا يدل على أنه سنة وأما مثال: الترك مع عدم وجود المقتضي، فكترك النبي ﷺ جمع القرآن، فلا يكون الترك هنا سنة، لأن المقتضي لم يكن موجوداً، ولذلك جمعه عمر بن الخطاب لما دعت الحاجة إليه.
فإن وجد المقتضي لذلك ولم ينتف المانع لم يدل على أن ترك ذلك سنة، كتركه ﷺ القيام مع أصحابه في رمضان، فإن المقتضي كان موجوداً، لكن كان هناك مانع موجود وهو خشيته ﷺ أن يفرض عليهم القيام.
قال شيخ الإسلام كما في مجموع الفتاوى "٢٦/١٧٢": والترك الراتب سنة كما أن الفعل الراتب: سنة، بخلاف ما كان تركه لعدم مقتض، أو فوات شرط، أو وجود مانع، وحدث بعده من المقتضيات والشروط وزوال المانع ما دلت الشريعة على فعله حينئذ، كجمع القرآن في الصحف، وجمع الناس على إمام واحد في التراويح، وأسماء النقلة للعلم، وغير ذلك مما يحتاج إليه في الدين، وبحيث لا تتم الواجبات أو المستحبات الشرعية إلا به، وإنما تركه النبي ﷺ لفوات شرط أو وجود مانع، فأما ما تركه من جنس العبادات، مع أنه لو كان مشروعا لفعله،
стр. 114
أو أذن فيه وفعله الخلفاء بعده والصحابة، فيجب القطع بأن فعله بدعة وضلالة.
وقال ابن القيم في إعلام الموقعين "٢/٣٩٠": فإن تركه سنة كما أن فعله سنة، فإذا استحببنا فعل ما تركه كان نظير استحبابنا ترك ما فعله ولا فرق، فإن قيل من أين لكم أنه لم يفعله وعدم النقل لا يستلزم العدم؟ فهذا سؤال بعيد جداً عن معرفة هديه وسنته وما كان عليه، ولو صح هذا السؤال وَقُبِلَ لاستحب لنا مُسْتَحِبّ الأذان للتراويح وقال: من أين لكم أنه لم ينقل؟ واستحب لنا مستحب آخر الغسل لكل صلاة وقال: من أين لكم أنه لم ينقل؟ وانفتح باب البدعة، وقال كل من دعا إلى بدعة: من أين لكم أن هذا لم ينقل؟!. انتهى.
стр. 115
القاعدة الثانية عشرة: لا تعارض بين أفعال النبي ﷺ
أفعال النبي ﷺ المختلفة في الشيء الواحد لا تعتبر متعارضة، وإنما دالة على مشروعية كلا الأمرين، قال شيخ الإسلام ابن تيمية كما في القواعد النورانية "٨٦": وأما الصلوات في الأحوال العارضة كالصلاة المكتوبة في الخوف والمرض والسفر ومثل الصلاة لدفع البلاء عند أسبابه كصلوات الآيات في الكسوف، أو الصلاة لاستجلاب النعماء، كصلاة الاستسقاء، ومثل الصلاة على الجنازة ففقهاء الحديث كأحمد وغيره، متبعون لعامة الثابت عن النبي ﷺ وأصحابه في هذا الباب، فيجوزون في صلاة الخوف
стр. 116
جميع الأنواع المحفوظة عن النبي ﷺ ويجوزون جميع الأنواع الثابتة عن النبي ﷺ في صلاة الكسوف.."١"، وكذلك الاستسقاء يجوزون الخروج إلى الصحراء الاستسقاء والدعاء كما ثبت عن النبي ﷺ ويجوزون الخروج والدعاء بلا صلاة كما فعله عمر بمحضر من الصحابة، ويجوزون الاستسقاء بالدعاء تبعاً للصلوات الراتبة، كخطبة الجمعة كما فعله النبي ﷺ . انتهى.
وقال الشوكاني في إرشاد الفحول "٦١": والحق أنه لا يتصور تعارض الأفعال فإنه لا صيغ لها يمكن النظر فيها والحكم عليها بل هي مجرد أكوان مغايرة واقعية في أحوال مختلفة وهذا إذا لم تقع بيانات للأقوال وأما إذا وقعت بيانات للأقوال فقد تتعارض في الصورة ولكن التعارض في الحقيقة راجع إلى المبينات من الأقوال لا إلى بيانها من الأفعال. انتهى.
стр. 117
القاعدة الثالثة عشر: إذا تعارض القول مع الفعل ولم يمكن الجمع بينهما فإن القول مقدم على الفعل
إذا تعارض القول مع الفعل فإن الجمع بينهما هو الأولى، قال العلائي في تفصيل الإجمال "١٠٨": الجمع بين القول والفعل على بعض الوجوه الممكنة، وهي التي يسلكها المحققون في أفراد الأمثلة عن الكلام على بعض منها، ولا شك في أن هذا أولى من تقديم أحدهما على الآخر، وإبطال مقتضى الآخر، ومن الوقف أيضا لأنا متعبدون بمضمون القول وباتباعه ﷺ فيما فعله، فما يجمع بين الدليلين أولى من
стр. 118
إلغاء أحدهما، ولا وجه للوقف مع التعبد. انتهى.
فإن لم يمكن الجمع بينهما فإن القول هو المقدم، قال العلائي في تفصيل الإجمال "١٠٥":
والحجة لتقديم القول وجوه: أنه يدل بنفسه من غير واسطة والفعل لا يدل إلا بواسطة "أي في إفادته البيان" فكان القول أقوى.
وأن تقديم الفعل يفضي إلى إبطال مقتضي القول بالكلية والعمل بالقول، وتقديمه لا يؤدي إلى ذلك، بل يحمل الفعل على أنه خاص بالنبي ﷺ ، والجمع بين الدليلين ولو من وجه أولى من إلغاء أحدهما بالكلية. انتهى.
стр. 119
القاعدة الرابعة عشر: الفعل الوارد بصيغة "كان" الأصل فيه أنه للتكرار
ما ورد عن النبي ﷺ من الأفعال بصيغة "كان" فإنه يدل على تكرار ذلك الفعل إلا أن تأتي قرينة تدل على أنه ليس المقصود التكرار وإنما المقصود حصول الفعل في الزمن الماضي فحينئذ لا تحمل كان على التكرار وإلا الأصل أنها تكون للتكرار كما في حديث أم المؤمنين عائشة قالت: كان رسول الله ﷺ إذا اغتسل من الجنابة غسل يديه وتوضأ وضوئه للصلاة ثم اغتسل ثم يخلل شعره حتى إذا ظن أنه قد أروى بشرته أفاض الماء عليه ثلاث مرات ثم غسل سائر جسده.
стр. 120
أخرجه البخاري "٢٧٢" ومسلم "٣١٦".
قال ابن دقيق العيد في كتاب الإحكام "١/٩١": "كان يفعل كذا" بمعنى أنه تكرر من فعله وكان عادته كما يقال: كان فلان يعين الضعيف و "كان رسول الله ﷺ أجود الناس بالخير" وقد تستعمل كان لإفادة مجرد الفعل ووقوع الفعل دون الدلالة على التكرار والأول أكثر في الاستعمال، وعليه ينبغي حمل الحديث. انتهى.
стр. 121
قول الصحابي
القاعدة الأولى: قول الصحابي فيما لا نص فيه يعتبر حجة إذا لم يخالفه غيره
قول الصحابي يكون حجة ولو لم يشتهر بشرط أن لا يخالفه غيره وليس المراد بأن "قول الصحابي حجة" هو أنه حجة بذاته كالكتاب والسنة فإنهما حجة بذاتهما، وإنما "قول الصحابي حجة" لما احتف بقوله من أدلة وقرائن تدل على حجية قوله، فهو حجة بالغير، وعليه فلا يحتج محتج بقوله ﷺ "تركت فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا أبداً: كتاب الله وسنتي". أخرجه الحاكم "١/٩٣" وصححه الألباني في الصحيحة "١٧٦١".
فيقول: لم يذكر في الحديث قول الصحابي، ولو كان حجة لذكر في الحديث، والجواب: أنه لم يذكر الإجماع والقياس أيضاً مع أنهما من الحجج الشرعية وذلك لأن الإجماع والقياس حجة بالغير لا بالذات، وكذلك قول الصحابي، بخلاف الكتاب والسنة فإنهما حجة بذاتهما.
والقول بأن قول الصحابي حجة هو قول الأئمة الأربعة، قال شيخ الإسلام كما في مجموع الفتاوى "٢٠/١٤": وإن قال بعضهم قولاً ولم
стр. 122
يقل بعضهم بخلافه ولم ينتشر فهذا فيه نزاع، وجمهور العلماء يحتجون به كأبي حنيفة ومالك وأحمد في المشهور عنه والشافعي في أحد قوليه، وفي كتبه الجديدة الاحتجاج بمثل ذلك في غير موضع، ولكن من الناس من يقول هذا هو القول القديم. انتهى.
وقد ذكر ابن القيم في أعلام الموقعين "٤/١٠٤، ١٣٦" لحجية قول الصحابي ستا وأربعين وجهاً، فمن تلك الأوجه أن الله تعالى قال في كتابه: ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾ [التوبة: ١٠٠] .
فحصول الرضوان حاصل لكل واحد منهم، فاقتضت الآية الثناء على من اتبع كل واحد منهم فالآية تعم اتباعهم مجتمعين ومنفردين في كل ممكن اتبع جماعتهم إذا اجتمعوا واتبع آحادهم فيما وجد عنهم مما لم يخالفه فيه غيره منهم فقد صح عليه أنه اتبع السابقين.
ومن تلك الأوجه أيضا: أنهم هم الأئمة الصادقون وكل صادق بعدهم فيهم يؤثم في صدقه بل حقيقة صدقه اتباعه لهم وكونه معهم.
ومن تلك الأوجه: أنهم خير القرون مطلقاً فلو جاز أن يخطيء الرجل منهم في حكم وسائرهم لم يفتوا بالصواب وإنما ظفر بالصواب من بعدهم وأخطئوا هُمْ لزم أن يكون ذلك القرن خيراً منهم من ذلك الوجه، لأن من يقول قول الصحابي ليس بحجة يجوز عنده أن يكون من بعدهم أصاب في كل مسألة قال فيها الصحابي قولاً ولم يخالفه صحابي
стр. 123
آخر وفات هذا الصواب الصحابة فيا سبحان الله أي وصمة أعظم من أن يكون الصديق أو الفاروق أو عثمان أو علي أو ابن مسعود أو سلمان الفارسي أو عبادة بن الصامت وأضرابهم ﵃ قد أخبر عن حكم الله أنه كيت وكيت في مسائل كثيرة أخطأ في ذلك، ولم يشتمل قرنهم على ناطق بالصواب في تلك المسائل حتى جاء من بعدهم فعرفوا حكم الله الذي جهله أولئك السادة سبحانك هذا بهتان عظيم.
ومن تلك الأوجه: أن النبي ﷺ أمر باتباع سنة الخلفاء الراشدين ومعلوم أنهم لم يسنوا ذلك وهم خلفاء في آن واحد فعلم أن ما سنه كل واحد منهم في وقته فهو من سنة الخلفاء الراشدين.
ومن تلك الأوجه: أن النبي ﷺ دعا لابن عباس أن يفقهه الله في الدين ويعلمه التأويل ومن المستبعد جداً بل من الممتنع أن يفتى ابن عباس بفتوى ولا يخالفه فيها أحد من الصحابة ويكون فيها على الخطأ، ويفتي واحد من المتأخرين بخلاف فتواه ويكون الصواب معه ويحرمه ابن عباس.
ومن تلك الأوجه: أن الصحابي إذا قال قولاً فله مدارك ينفرد بها منها: أن يكون سمعها من النبي ﷺ .
"الثاني" أن يكون سمعها ممن سمعها منه.
"الثالث" أن يكون فهمها من آية من كتاب الله فِهْماً خفي علينا.
"الرابع" أن يكون قد اتفق عليها ملؤهم ولم ينقل إلينا إلا قول المفتي بها وحده.
стр. 124
"الخامس" أن يكون لكمال علمه باللغة ودلالة اللفظ الذي انفرد به عنا، أو لقرائن حالية اقترنت بالخطاب، أو لمجموع أمور فهموها على طول الزمن من رؤية النبي ﷺ ومشاهدة أفعاله وأحواله وسيرته والعلم بمقاصده فتكون فتواه حجة.
ومن تلك الأوجه: أن الأرض لا تخلوا من قائم لله بحجة فلو جاز أن يخطئ الصحابي في حكم ولا يكون في ذلك العصر ناطق بالصواب في ذلك الحكم لم يكن في الأمة قائم بالحق في ذلك الحكم.
ومن تلك الأوجه: أنه لم يزل أهل العلم في كل عصر ومصر يحتجون بفتاواهم وأقوالهم ولا ينكره منكر منهم وتصانيف العلماء شاهدة على ذلك..، فأي كتاب شئت من كتب السلف والخلف المتضمنة للحكم والدليل وجدت فيه الاستدلال بأقوال الصحابة ولم تجد فيها قط - ليس قول أبي بكر وعمر حجة - ولا يحتج بأقوال أصحاب رسول الله ﷺ وفتاويهم.
فإن قيل: لو كان قوله حجة بنفسه لما أخطأ ولكان معصوماً فإذا كان يفتي بالصواب تارة وبغيره أخرى فمن أين لكم أن هذه الفتوى المعينة من قسم الصواب. قيل: الأدلة المتقدمة تدل على انحصار الصواب في قوله في الصورة المفروضة الواقعة وهو أن من الممتنع أن يقولوا في كتاب الله الخطأ المحض ويمسك الباقون عن الصواب فلا يتكلمون به فهذا هو المحال وبهذا خرج الجواب عن قولكم لو كان قول الواحد منهم
стр. 125
حجة لما جاز عليه الخطأ فإن قوله لم يكن بمجرده حجة بل بما انضاف إليه مما تقدم ذكره من القرائن. انتهى ما ذكره ابن القيم ملخصا.
стр. 126
القاعدة الثانية: قول الصحابي إذا اشتهر ولم يخالفه أحد يكون إجماعاً وحجة
قال شيخ الإسلام كما في مجموع الفتاوى "٢٠/١٤": وأما أقوال الصحابة فإن انتشرت ولم تنكر في زمانهم فهي حجة عند جماهير العلماء.
وقال ابن القيم في إعلام الموقعين "٤/١٠٤": إن لم يخالف الصحابي صحابياً آخر فإما أن يشتهر قوله في الصحابة أو لا يشتهر فإن اشتهر فالذي عليه جماهير الطوائف من الفقهاء أنه إجماع وحجة، وقالت طائفة منهم هو حجة وليس بإجماع، وقال شرذمة من المتكلمين وبعض الفقهاء المتأخرين: لا يكون إجماعاً ولا حجة. انتهى.
стр. 127
القاعدة الثالثة: إذا اختلف الصحابة في مسألة ما رجع إلى الأصل ولا يقدم قول بعضهم على بعض
قال الخطيب في الفقيه والمتفقه "١/١٧٥": إذا اختلفت الصحابة على قولين لم يكن قول بعضهم حجة على بعض ولم يجز تقليد واحد من الفريقين بل يجب الرجوع إلى الدليل، قال الشافعي: إذا جاء عن أصحاب النبي ﷺ أقاويل مختلفة ينظر إلى ما هو أشبه بالكتاب والسنة
стр. 128
فيؤخذ به، فإن تعذر ذلك من نص الكتاب والسنة اعتبرت أقاويلهم من جهة القياس فمن شابه قوله أصلاً من الأصول ألحق به.
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية كما في مجموع الفتاوى "٢٠/١٤": وإن تنازعوا رُدَّ ما تنازعوا فيه إلى الله ورسوله، ولم يكن قول بعضهم حجة لمخالفة بعضهم له باتفاق العلماء. انتهى.
стр. 129
القاعدة الربعة: إذا اختلف الصحابة في مسألة ما على قولين فإن القول الذي فيه أحد الخلفاء الراشدين أرجح من القول الآخر
عن ابن عمر أن الربيِّع اختلعت من زوجها فأتى عمها عثمان فقال تعتد بحيضة وكان ابن عمر يقول تعتد ثلاث حيض حتى قال هذا عثمان، فكان يفتي به ويقول: خيرنا وأعلمنا.
أخرجه ابن أبي شيبة "١٨٤٦٢".
وعن عبيد الله بن أبي يزيد قال: سمعت ابن عباس إذا سئل عن شيء هو في كتاب الله قال به، وإذا لم يكن في كتاب الله وقال به رسول الله ﷺ قال به، وإن لم يكن في كتاب الله ولم يقله رسول الله ﷺ وقاله أبو بكر وعمر قال به وإلا اجتهد رأيه. أخرجه البيهقي "١٠/١١٥".
قال الشافعي كما في البحر المحيط "٨/٥٨": فإن لم يكن على قول أحدهم دلالة من كتاب ولا سنة كان قول أبي بكر وعمر وعثمان وعلي
стр. 130
- ﵃ أحب إلي من قول غيرهم إن خالفهم من قبل أنهم أهل علم وحكاية. انتهى.
وقال ابن القيم في إعلام الموقعين "٤/١٠٣": إذا خالف الخلفاء الراشدون أو بعضهم غيرهم من الصحابة في حكم فهل يكون الشق الذي فيه الخلفاء الراشدون أو بعضهم حجة على الآخرين فيه قولان للعلماء، والصحيح أن الشق الذي فيه الخلفاء أرجح وأولى أن يؤخذ به من الشق الآخر، فإن كان الأربعة في شق فلا شك أنه الصواب، وإن كان أكثرهم في شق فالصواب فيه أغلب، وإن كانوا اثنين واثنين فشق أبو بكر، وعمر أقرب إلى الصواب، فإن اختلف أبو بكر وعمر فالصواب مع أبي بكر، وهذه جملة لا يعرف تفصيلها إلا من له خبرة واطلاع على ما اختلف فيه الصحابة وعلى الراجح من أقوالهم. انتهى.
стр. 131
القاعدة الخامسة: الصحابي أدرى بمرويه من غيره
إذا روى الصحابي حديثاً وفسره ذلك الصحابي أو حمله على معنى معين من المعاني فإنه ينبغي الوقوف على ما ذهب إليه الصحابي من معنى ذلك الحديث لأنه هو راوي الحديث، والراوي أدرى بمرويه من غيره.
وإذا اختلف صحابيان وكان أحدهما راوياً للحديث فإنه يقدم قوله على الصحابي الآخر، لأن الصحابي الذي روى الحديث أدرى بما رواه من الصحابي الآخر.
стр. 132
قال السمعاني في قواطع الأدلة "١/١٩٠": وأما تفسير الراوي لأحد محتملي الخبر يكون حجة في تفسير الخبر كالذي رواه ابن عمر أن المتبايعين بالخيار مالم يتفرقا، وفسره بالتفريق بالأبدان لا بالأقوال فيكون أولى، لأنه قد شاهد من خطاب الرسول ﷺ ما عرف به مقاصده وكان تفسيره بمنزلة نقله. انتهى.
стр. 133
القاعدة السادسة: إذا خالف الصحابي ما رواه فالعبرة بما رواه لا بما رآه
الصحابي لا يخالف ما رواه عن عمد، وإنما يخالف ما رواه لأمر كنسيان ونحو ذلك فإذا خالف ما رواه فإنه يطرح رأيه وتؤخذ روايته، لأنه لا قول لأحد مع قول رسول الله ﷺ ، قال الخطيب في الفقيه والمتفقه "١/١٤١، ١٤٣": إذا روى الصحابي عن رسول الله ﷺ حديثا ثم روي عن ذلك الصحابي خلافا لما روى فإنه ينبغي الأخذ بروايته، وترك ما روي عنه من فعله أو فتياه، لأن الواجب علينا قبول نقله وروايته عن النبي ﷺ لا قبول رأيه.. ولأنه لا يحل لأحد أن يظن بالصاحب أن يكون عنده نسخ لما روى، أو تخصيص فيسكت عنه فيبلغ إلينا المنسوخ والمخصوص دون البيان، لأن الله تعالى يقول: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ﴾ [البقرة: ١٥٩] وقد نزه الله صحابة نبيه ﷺ عن هذا. انتهى.
стр. 134
الناسخ والمنسوخ
القاعدة الأولى: مراد السلف بكلمة "النسخ" ليس هو المراد عند المتأخرين
قال ابن القيم في إعلام الموقعين "١/٣٥": مراد عامة السلف بالناسخ والمنسوخ رفع الحكم بجملته تارة وهو اصطلاح المتأخرين، ورفع دلالة العام والمطلق والظاهر وغيرها تارة إما بتخصيص أو تقييد أو حمل مطلق على مقيد وتفسيره وتنبيه فالنسخ عندهم وفي لسانهم هو: بيان المراد بغير ذلك اللفظ بأمر خارج عنه، ومن تأمل كلامهم رأى من ذلك فيه ما لا يحصى، وزال عنه إشكالات أوجبها حمل كلامهم على الاصطلاح الحادث المتأخر. انتهى.
وقال الشاطبي في الموافقات "٣/١٠٨": النسخ عندهم في الإطلاق أعم منه في كلام الأصوليين، فقد يطلقون على تقييد المطلق نسخاً، وعلى بيان المجمل والمبهم نسخا، كما يطلقون على رفع الحكم الشرعي بدليل شرعي متأخر نسخاً، لأن جميع ذلك مشترك في معنى واحد. انتهى.
стр. 135
القاعدة الثانية: النسخ يثبت بدليل ولا يثبت بالاحتمال
الأصل في الدليل أنه محكم غير منسوخ.
وإذا جاء نصان ظاهرهما التعارض فلا يقال بنسخ أحدهما لمجرد التعارض لأن القول بالنسخ لمجرد التعارض هو احتمال، والنسخ لا يثبت بالاحتمال.
ومما يعجب له: القول باحتمال نسخ الحديث لمخالفته لقول إمام من الأئمة، فهذا القول بطلانه لا شك فيه، وقد بين ابن حزم أن النسخ لا يثبت بالاحتمال في كتابه الإحكام فقال "١/٤٩٧": لا يحل لمسلم يؤمن بالله واليوم الآخر أن يقول في شيء من القرآن والسنة: هذا منسوخ إلا بيقين..، ومن استجاز خلاف ما قلنا فقوله يؤول إلى إبطال الشريعة كلها، لأنه لا فرق بين دعواه النسخ في آية ما أو حديث ما، وبين دعوى غيره النسخ في آية ما أو حديث ما، وحديث آخر، وكل ما ثبت بيقين فلا يبطل بالظنون، ولا يجوز أن تسقط طاعة أمر أمرنا به الله تعالى ورسوله إلا بيقين نسخ لا شك فيه. انتهى.
стр. 136
القاعدة الثالثة: لا يدخل النسخ في الأخبار أو القواعد الكلية
استقرأ العلماء الأدلة الدالة على النسخ فوجدوا أن النسخ يدخل في الأحكام الشرعية الجزئية، ولا يدخل في الأخبار أو القواعد الكلية، قال الشاطبي في الموافقات "٣/٧٨": النسخ لا يكون في الكليات وقوعا
стр. 137
وإن أمكن عقلا، ويدل على ذلك الاستقراء التام وأن الشريعة مبنية على حفظ الضروريات والحاجيات والتحسينات، وجميع ذلك لم ينسخ منه شيء ومن استقرى كتب الناسخ والمنسوخ وجد تحقيق هذا المعنى، فإنما يكون النسخ في الجزئيات منها. انتهى.
وقال الخطيب في الفقيه والمتفقه "١/٨٥": والنسخ لا يجوز إلا فيما يصح وقوعه على وجهين كالصوم والصلاة وغيرهما من العبادات، وأما مالا يجوز إلا أن يكون على وجه واحد مثل التوحيد وصفات الله تعالى فلا يصح فيه النسخ وكذلك ما أخبر الله عنه من أخبار القرون الماضية والأمم فلا يجوز فيها النسخ وهكذا ما أخبر عن وقوعه في المستقبل كخروج الدجال وطلوع الشمس من مغربها ونزول عيسى بن مريم إلى الأرض ونحو ذلك فإن النسخ فيه لا يجوز. انتهى.
стр. 138
القاعدة الرابعة: عدم جواز النسخ بالقياس
الكتاب والسنة هما الأصل في الاستدلال، والقياس إنما يؤخذ من دلالات الكتاب والسنة فهو تابع لهما، ولا يكون التابع ناسخاً للأصل والسلف الصالح لم يأت عنهم أبداً نسخ النص بالقياس قال الخطيب في الفقيه والمتفقه "١/٨٦": ولا يجوز نسخ القياس، لأن القياس تابع لأصول ثابتة فلا يجوز نسخ تابعها. انتهى.
وقال الشوكاني في إرشاد الفحول "٢٨٨": لأن القياس يستعمل
стр. 139
مع عدم النص فلا يجوز أن ينسخ النص، ولأنه دليل محتمل، والنسخ يكون بأمر مقطوع. انتهى.
стр. 140
القاعدة الخامسة: قبول قول الصحابي في النسخ
إذا قال الصحابي أن هذا الدليل منسوخ يقبل قوله، والدليل على هذا قول عائشة: كان فيما أنزل من القرآن: عشر رضعات معلومات يحرِّمن ثم نسخن بخمس معلومات، فتوفي رسول الله ﷺ وهن فيما يقرأ من القرآن. أخرجه مسلم "١٤٥٢".
стр. 141
القاعدة السادسة: تأخر إسلام الصحابي لا يدل على النسخ
تأخر إسلام الصحابي لا يصح الاستدلال به على النسخ إذ يحتمل أن الصحابي الذي تأخر إسلامه سمع الحديث من صحابي آخر تقدم إسلامه فأرسل الحديث، وقد تعقب ابن حجر من ذهب إلى الاستدلال على النسخ بتأخر إسلام الصحابي فقال في الفتح "٩/١٤٩": وهو مستند ضعيف، إذ لا يلزم من تأخر إسلام الراوي ولا صغره أن لا يكون ما رواه متقدما. انتهى.
وقال الشنقيطي في مذكرة في أصول الفقه "١١١": فلا يكون حديث المتأخر ناسخا لحديث متقدم الإسلام، لاحتمال أن يكون متقدم
стр. 142
الإسلام روى الحديث بعد متأخر الإسلام ولا مانع من ذلك عقلا ولا عادة ولا شرعا، ولأجل هذا قال بعض العلماء: لا يقدم حديث أبي هريرة على حديث طلق من هذا الوجه. انتهى.
قلت: وحديث أبي هريرة لفظه: "من مسَّ ذكره فليتوضأ". أخرجه الترمذي "١/١٢٨" وهو صحيح.
وحديث طلق لفظه: أنه سئل النبي ﷺ عن مسِّ الذكر في الصلاة، فقال: "هل هو إلا بضعة منك". أخرجه أبو داود "١٨٢" والترمذي "١/١٣١" والنسائي "١/١٠١" وهو صحيح.
стр. 143
الجمع والترجيح
القاعدة الأولى: الأحاديث المتعارضة يجمع بينهما ولا تطرح
أدلة الكتاب والسنة لا تعارض فيما بينها في حقيقة الأمر، ولكن التعارض يكون في ظاهرهما يقول الله تعالى: ﴿وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافاً كَثِيراً﴾ [النساء: ٨٢] فإذا جاء دليلان أحدهما معارض للآخر فإما أن يجمع بينهما وإما أن يصار إلى الترجيح، ولا يقال: إذا تعارضا تساقطا، لأن الأدلة لا تسقط أبدا، ووجوه الترجيح كثيرة جداً ذكرها العلماء في مصنفاتهم فمن لم يستطع الترجيح فلا يرد الأدلة بحجة التعارض بل يرجع إلى نفسه ويتهمها بالقصور في الفهم، وإلا فأين الدليلان الذين لا يمكن ترجيح أحدهما بهذه المرجحات الكثيرة، يقول الشافعي في الرسالة "٢١٦": ولم نجد حديثين مختلفين إلا ولهما مخرج أو على أحدهما دلالة بأخذ ما وصفت إما بموافقة كتاب أو غيره من سنته أو بعض الدلايل. انتهى.
وقال الشوكاني في إرشاد الفحول "٤٠٧": الترجيح بين المتعارضين لا في نفس الأمر بل في الظاهر وقد قدمنا في المبحث الأول أنه متفق عليه ولم يخالف في ذلك إلا من لا يعتد به ومن نظر في أحوال الصحابة والتابعين وتابعيهم ومن بعدهم وجدهم متفقين على العمل بالراجح وترك المرجوح. انتهى.
стр. 144
القاعدة الثانية: لا يجمع بين الدليلين إذا كان أحدهما لا يثبت
العبرة في الجمع بين الدليلين المتعارضين هو ثبوتهما فإن كان أحدهما لا يثبت فلا عبرة به ولا يحتاج إلى أن يجمع بينه وبين الحديث الثابت، قال الجزائري في توجيه النظر "٢٣٥": الحديث المقبول إذا عارضه حديث غير مقبول أخذ بالمقبول وترك الآخر، إذ لا حكم للضعيف مع القوي. انتهى.
стр. 145
القاعدة الثالثة: لا يجمع بين الدليلين المتعارضين بتأويل بعيد
يشترط لصحة الجمع بين الدليلين، أن لا يكون الجمع بينهما بتأويل بعيد يظهر فيه التكلف والتعسف، قال الجزائري في توجيه النظر "٢٤٤": وإنما شرطوا في مختلف الحديث أن لا يمكن فيه الجمع بغير تعسف، لأن الجمع مع التعسف لا يكون إلا بجمع الحديثين المتعارضين معاً، أو أحدهما على وجه لا يوافق منهج الفصحاء، فضلا عن منهج البلغاء في كلامهم فكيف يمكن حينئذ نسبة ذلك إلى أفصح الخلق وأبلغهم على الإطلاق؟ ولذلك جعلوا ذلك في حكم ما لا يمكن فيه الجمع، وقد ترك بعضهم هذا القيد اعتماداً على كونه لا يخفى. انتهى.
قلت: وكذلك لا ينبغي أن يرجح بين الحديثين المتعارضين بترجيح بعيد كالترجيح بموافقته للقياس، أو الترجيح بغير ذلك من الأمور البعيدة.