القاعدة السادسة: تأخر إسلام الصحابي لا يدل على النسخ
تأخر إسلام الصحابي لا يصح الاستدلال به على النسخ إذ يحتمل أن الصحابي الذي تأخر إسلامه سمع الحديث من صحابي آخر تقدم إسلامه فأرسل الحديث، وقد تعقب ابن حجر من ذهب إلى الاستدلال على النسخ بتأخر إسلام الصحابي فقال في الفتح "٩/١٤٩": وهو مستند ضعيف، إذ لا يلزم من تأخر إسلام الراوي ولا صغره أن لا يكون ما رواه متقدما. انتهى.
وقال الشنقيطي في مذكرة في أصول الفقه "١١١": فلا يكون حديث المتأخر ناسخا لحديث متقدم الإسلام، لاحتمال أن يكون متقدم
стр. 142
الإسلام روى الحديث بعد متأخر الإسلام ولا مانع من ذلك عقلا ولا عادة ولا شرعا، ولأجل هذا قال بعض العلماء: لا يقدم حديث أبي هريرة على حديث طلق من هذا الوجه. انتهى.
قلت: وحديث أبي هريرة لفظه: "من مسَّ ذكره فليتوضأ". أخرجه الترمذي "١/١٢٨" وهو صحيح.
وحديث طلق لفظه: أنه سئل النبي ﷺ عن مسِّ الذكر في الصلاة، فقال: "هل هو إلا بضعة منك". أخرجه أبو داود "١٨٢" والترمذي "١/١٣١" والنسائي "١/١٠١" وهو صحيح.
стр. 143
الجمع والترجيح
القاعدة الأولى: الأحاديث المتعارضة يجمع بينهما ولا تطرح
أدلة الكتاب والسنة لا تعارض فيما بينها في حقيقة الأمر، ولكن التعارض يكون في ظاهرهما يقول الله تعالى: ﴿وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافاً كَثِيراً﴾ [النساء: ٨٢] فإذا جاء دليلان أحدهما معارض للآخر فإما أن يجمع بينهما وإما أن يصار إلى الترجيح، ولا يقال: إذا تعارضا تساقطا، لأن الأدلة لا تسقط أبدا، ووجوه الترجيح كثيرة جداً ذكرها العلماء في مصنفاتهم فمن لم يستطع الترجيح فلا يرد الأدلة بحجة التعارض بل يرجع إلى نفسه ويتهمها بالقصور في الفهم، وإلا فأين الدليلان الذين لا يمكن ترجيح أحدهما بهذه المرجحات الكثيرة، يقول الشافعي في الرسالة "٢١٦": ولم نجد حديثين مختلفين إلا ولهما مخرج أو على أحدهما دلالة بأخذ ما وصفت إما بموافقة كتاب أو غيره من سنته أو بعض الدلايل. انتهى.
وقال الشوكاني في إرشاد الفحول "٤٠٧": الترجيح بين المتعارضين لا في نفس الأمر بل في الظاهر وقد قدمنا في المبحث الأول أنه متفق عليه ولم يخالف في ذلك إلا من لا يعتد به ومن نظر في أحوال الصحابة والتابعين وتابعيهم ومن بعدهم وجدهم متفقين على العمل بالراجح وترك المرجوح. انتهى.
стр. 144
القاعدة الثانية: لا يجمع بين الدليلين إذا كان أحدهما لا يثبت
العبرة في الجمع بين الدليلين المتعارضين هو ثبوتهما فإن كان أحدهما لا يثبت فلا عبرة به ولا يحتاج إلى أن يجمع بينه وبين الحديث الثابت، قال الجزائري في توجيه النظر "٢٣٥": الحديث المقبول إذا عارضه حديث غير مقبول أخذ بالمقبول وترك الآخر، إذ لا حكم للضعيف مع القوي. انتهى.
стр. 145
القاعدة الثالثة: لا يجمع بين الدليلين المتعارضين بتأويل بعيد
يشترط لصحة الجمع بين الدليلين، أن لا يكون الجمع بينهما بتأويل بعيد يظهر فيه التكلف والتعسف، قال الجزائري في توجيه النظر "٢٤٤": وإنما شرطوا في مختلف الحديث أن لا يمكن فيه الجمع بغير تعسف، لأن الجمع مع التعسف لا يكون إلا بجمع الحديثين المتعارضين معاً، أو أحدهما على وجه لا يوافق منهج الفصحاء، فضلا عن منهج البلغاء في كلامهم فكيف يمكن حينئذ نسبة ذلك إلى أفصح الخلق وأبلغهم على الإطلاق؟ ولذلك جعلوا ذلك في حكم ما لا يمكن فيه الجمع، وقد ترك بعضهم هذا القيد اعتماداً على كونه لا يخفى. انتهى.
قلت: وكذلك لا ينبغي أن يرجح بين الحديثين المتعارضين بترجيح بعيد كالترجيح بموافقته للقياس، أو الترجيح بغير ذلك من الأمور البعيدة.
стр. 146
القاعدة الرابعة: لا يصار إلى الترجيح مع إمكان الجمع
قال الشوكاني في إرشاد الفحول "٤٠٧": ومن شروط الترجيح التي لا بد من اعتبارها أن لا يمكن الجمع بين المتعارضين بوجه مقبول فإن أمكن ذلك تعين المصير إليه ولم يجز المصير إلى الترجيح. انتهى.
قلت: وذلك لأن الجمع فيه إعمال الدليلين، والترجيح فيه إعمال لواحد من الدليلين على الآخر، فإعمال الدليلين أولى من إهمال أحدهما، قال ابن حزم في الإحكام "١/١٦١": إذا تعارض الحديثان، أو الآيتان، أو الآية والحديث، فيما يظن من لا يعلم، ففرض على كل مسلم استعمال كل ذلك، لأنه ليس بعض ذلك أولى بالاستعمال من بعض، ولا حديث بأوجب من حديث آخر مثله، ولا آية أولى بالطاعة لها من آية أخرى مثلها، وكل من عند الله ، وكل سواء في باب وجوب الطاعة والاستعمال ولا فرق. انتهى.
وقال الشنقيطي في أضواء البيان "٢/٤٠٧": الجمع واجب إذا أمكن وهو مقدم على الترجيح بين الأدلة. انتهى.
قلت: ووجوه الجمع عديدة: فمنها أن يحمل الأمر على الندب، وأن تحمل الواقعة على التعدد، وأن يحمل اللفظ على غير معناه الأصلي كحمل "الواو" على معنى "ثم" لإرادة الترتيب، وأن يؤول أحد الدليلين. إلى غير ذلك من أوجه الجمع.
стр. 147
معرفة دلالات الألفاظ الشرعية
القاعدة الأولى: الواجب حمل الألفاظ الواردة في الكتاب والسنة على الحقيقة الشرعية:
بعض الألفاظ الواردة في الكتاب والسنة تختلف دلالتها عن دلالتها في اللغة العربية، والواجب حملها على الحقيقة الشرعية فالوضوء في الشرع يطلق على الصفة المعروفة، وأما في اللغة فيطلق على غسل اليدين، فالواجب حمل "الوضوء" الوارد في الكتاب والسنة على الحقيقة الشرعية لا اللغوية.
يقول شيخ الإسلام كما في مجموع الفتاوى "٧/٢٨٦": ومما ينبغي أن يعلم أن الألفاظ الموجودة في القرآن والحديث إذا عرف تفسيرها وما أريد بها من جهة النبي ﷺ لم يحتج في ذلك إلى الاستدلال بأقوال أهل اللغة ولا غيرهم.
وقال أيضا في "٧/١١٥": ولهذا ينبغي أن يقصد إذا ذكر لفظ من القرآن أو الحديث، أن يذكر نظائر ذلك اللفظ ماذا عنى بها الله ورسوله، فيعرف بذلك لغة القرآن والحديث وسنة الله ورسوله التي يخاطب بها عباده..، ولا يجوز أن يحمل كلامه ﷺ على عادات حدثت
стр. 148
بعده في الخطاب لم تكن معروفة في خطابه وخطاب أصحابه. انتهى.
وقال ابن القيم في أعلام الموقعين "١/٢٦٦": فحدود ما أنزل الله هو الوقوف عند حد الاسم الذي علق عليه الحل والحرمة. انتهى.
стр. 149
القاعدة الثانية: النفي الوارد في الكتاب والسنة المراد به نفي الكمال الواجب وليس نفي الكمال المستحب
قال ابن تيمية في القواعد النورانية: فالنبي ﷺ أمر ذلك المسيء في صلاته بأن يعيد الصلاة، وأمر الله ورسوله إذا أطلق كان مقتضاه الوجوب، وأمره إذا قام إلى الصلاة بالطمأنينة، كما أمره بالركوع والسجود، وأمره المطلق على الإيجاب، وأيضا قال له: "فإنك لم تصل" فنفى أن يكون عمله الأول صلاة، والعمل لا يكون منفياً إلا إذا كان انتفى شيء من واجباته، فأما إذا فعل كما أوجبه الله فإنه لا يصح نفيه لانتفاء شيء من المستحبات التي ليست بواجبة، وأما ما يقوله بعض الناس: إن هذا نفي للكمال، فيقال له: نعم هو لنفي الكمال، لكن لنفي كمال الواجبات أو لنفي كمال المستحبات؟ فأما الأول: فحق، وأما الثاني: فباطل، لا يوجد مثل ذلك في كلام الله ، ولا في كلام رسوله قط، وليس بحق، فأما الشيء إذا أكملت واجباته فكيف يصح نفيه؟ وأيضا فلو جاز لجاز نفي صلاة عامة الأولين والآخرين، لأن كمال المستحبات من أندر الأمور، وعلى هذا فما جاء من نفي الأعمال في الكتاب والسنة فإنما هو لانتفاء بعض واجباته. انتهى.
стр. 150
القاعدة الثالثة: دلالة الاقتران تكون قوية إذا جمع المقترنين لفظ اشتركا في إطلاقه وافترقا في تفصيله
...
القاعدة الثالثة: دلالة الاقتران تكون قوية إذا جمع المقترنين لفظ اشتركا في إطلاقه وافتراقا في تفصيله
قال ابن القيم في بدائع الفوائد "٢/٣٥٦": دلالة الاقتران تظهر قوتها في موطن وضعفها في موطن وتساوي الأمرين في موطن، فإذا جمع المقترنين لفظ اشتركا في إطلاقه وافترقا في تفصيله قويت الدلالة كقوله ﷺ "الفطرة خمس" وفي مسلم: "عشر من الفطرة" ثم فصلها، فإذا جعلت الفطرة بمعنى السنة والسنة هي المقابلة للواجب ضعف الاستدلال بالحديث على وجوب الختان، لكن تلك المقدمات مصنوعتان، فليست الفطرة بمرادفة للسنة، ولا السنة في لفظ النبي ﷺ هي المقابلة للواجب، بل ذلك اصطلاح وضعي لا يحمل عليه كلام الشارع، ومن ذلك قوله ﷺ : "حق على كل مسلم أن يغتسل يوم الجمعة ويستاك ويمس من طيب بيته" فقد اشترك الثلاثة في إطلاق الحق عليه، إذا كان حقا مستحبا في اثنين منها كان في الثالث مستحبا.. وأما الموضع الذي يظهر ضعف دلالة الاقتران فيه فعند تعدد الجمل واستقلال كل واحدة منهما بنفسها كقوله ﷺ : "لا يبولن أحدكم في الماء الدائم ولا يغتسل فيه من الجنابة" وقوله: "لا يقتل مؤمن بكافر ولا ذو عهد في عهده" فالتعرض لدلالة الاقتران ههنا في غاية الفساد، فإن كل جملة مفيدة لمعناها وحكمها وسببها
стр. 151
وغايتها منفردة عن الجملة الأخرى، واشتراكهما في مجرد العطف لا يوجب اشتراكهما فيما وراء ذلك..، وأما موطن التساوي فحيث كان العطف ظاهراً في التسوية وقصد المتكلم ظاهراً في الفرق فيتعارض ظاهر اللفظ وظاهر القصد، فإن غلب ظهور أحدهما اعتبر وإلا طلب الترجيح، والله أعلم. انتهى.
стр. 152
الأمر
القاعدة الأولى: الأمر يدل على الوجوب
الأمر المجرد يدل على الوجوب إلا لقرينة صارفة، ودليل الوجوب قوله تعالى: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [النور: ٦٣] .
فلو لم يكن الأمر للوجوب لما ترتب على تركه فتنة أو عذاب أليم. وقال ﵊: "لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك مع كل صلاة" أخرجه البخاري "٨٨٧" ومسلم "٣/١٤٢".
فلم يأمرهم حتى لا يشق عليهم، قال الخطيب في الفقيه والمتفقه "١/٦٨" فدل على أنه لو أمر لوجب وشق. انتهى.
والقرائن التي تصرف الأمر من الوجوب إلى الاستحباب أربعة قرائن هي:
١ - أن يكون الدليل الذي فيه الأمر ذكر معه تعليل يدل على أن ذلك الأمر للاستحباب، مثاله: حديث رافع بن خديج أن النبي ﷺ قال: "أسفروا بالفجر فإنه أعظم للأجر".
стр. 153
أخرجه الترمذي "١٥٤" والنسائي "١/٢٧٢" وهو صحيح.
فالتعليل بأن الإسفار أعظم للأجر، يدل على أن التغليس فيه أجر أيضا لكن دون الإسفار، فيكون الأمر للاستحباب.
٢ - أن يأتي دليل آخر يدل على أن الأمر في الدليل الأول ليس للوجوب، مثاله: حديث أبي تميمة الهجيمي عن رجل من قومه من الصحابة أن النبي ﷺ قال: "إذا لقي الرجل أخاه المسلم فليقل: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته".
أخرجه الترمذي "٢٧٢٢" وصححه، وصححه أيضا الألباني في الصحيحة "١٤٠٣" فالأمر هنا بزيادة "ورحمة الله وبركاته" ليس للوجوب لحديث عمران بن حصين قال: جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال: السلام عليكم فرد عليه ثم جلس فقال النبي ﷺ "عشرٌ" أي عشر حسنات.
أخرجه أبو داود "٥١٩٥" والترمذي "٢٦٩٠" وهو صحيح.
ففي هذا الحديث لم يأمر النبي ﷺ الرجل بزيادة "ورحمة الله وبركاته" على قوله: "السلام عليكم" فدل هذا على أن الأمر في الحديث ليس للوجوب.
٣ - أن يأتي من فعل النبي ﷺ ترك ذلك الأمر، مثاله حديث ابن عباس أن رسول الله ﷺ قال: "البسوا من ثيابكم البياض، فإنها من خير ثيابكم، وكفنوا فيها موتاكم".
стр. 154
أخرجه أبو داود "٣٨٧٨" والترمذي "٩٩٤" وهو صحيح.
ففي هذا الحديث الأمر بلبس الثياب البيض، وقد جاء من فعل النبي ﷺ ترك هذا الأمر فعن أبي رمثة التميمي قال: رأيت رسول الله ﷺ وعليه ثوبان أخضران.
أخرجه أبو داود "٤٠٩٥" والترمذي "٢٨١٣".
٤ - أن يأتي عن الصحابي الذي روى الحديث ما يدل على أن ذلك الأمر ليس للوجوب، فالراوي أدرى بما يرويه، وأعلم بفقه ما يحدث به من الأحاديث.
وهذه القرائن الأربعة كما أنها تكون صارفة للأمر من الوجوب إلى الاستحباب، كذلك تكون صارفة للنهي من التحريم إلى الكراهة.
стр. 155
القاعدة الثانية: الأمر يقتضي الفور
الأمر المجرد عن القرائن يدل على الفور وسرعة الامتثال، لقوله تعالى: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [آل عمران: ١٣٣] .
ويدل على هذا أيضا ما جاء في قصة الحديبية أن النبي ﷺ لما فرغ من قضية الكتاب قال لأصحابه: "قوموا فانحروا ثم احلقوا" فو الله ما قام منهم رجل واحد حتى قال ذلك ثلاث مرات، فلما لم يقم منهم أحد غضب النبي ﷺ من ذلك كما في الحديث المتفق عليه.
стр. 156
قال ابن القيم في زاد المعاد "٣/٣٠٧" بعد أن ذكر جملة من فوائد الحديث: ومنها: أن الأمر المطلق على الفور وإلا لم يغضب لتأخيرهم الامتثال عن وقت الأمر. انتهى.
стр. 157
القاعدة الثالثة: الأمر المطلق يقتضي التكرار
الأمر المطلق يقتضي التكرار في عرف الشرع بخلاف اللغة، وقد وضح هذا الأمر ابن القيم توضيحاً تاماً فقال في جلاء الأفهام "٢٠٣": الأمر المطلق يقتضي التكرار وهذا مختلف فيه، فنفى طائفة من الفقهاء والأصوليين وأثبته طائفة، وفرقت طائفة بين الأمر المطلق والمعلق على شرط أو وقت فأثبتت التكرار في المعلق دون المطلق والأقوال. والأقوال الثلاثة في مذهب أحمد والشافعي وغيرهما، ورجحت هذه الطائفة التكرار بأن عامة أوامر الشرع على التكرار كقوله: ﴿آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [النساء: ١٣٦] وقوله: ﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ﴾ [المائدة: ٩٢] ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ﴾ [البقرة: ١٨٩] وقوله: ﴿وَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ﴾ [الأنعام: ١٥٢] وقوله: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً﴾ [الأنعام: ١٥٣] وذلك في القرآن أكثر من أن يحصر، وإذا كانت أوامر الله ورسوله على التكرار حيث وردت إلا في النادر علم أن هذا عرف خطاب الله ورسوله للأمة، والأمر وإن لم يكن في لفظه المجرد ما يؤذن بتكرار ولا فور فلا ريب أنه في عرف خطاب الشارع للتكرار، فلا يحمل كلامه إلا على
стр. 158
عرفه والمألوف من خطابه، وإن لم يكن ذلك مفهوماً من أصل الوضع في اللغة. انتهى.
قلت: والأوامر المقيدة بشرط تُكَرَّر بِتَكَرُّر الشرط، كقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ﴾ [المائدة: ٦] فالوضوء مقيد بالصلاة فبتكرار الصلاة يتكرر الوضوء.
стр. 159
القاعدة الرابعة: الشيء الذي جاء الأمر بفعله على صفة معينة ولم يأت أمر بفعله ابتداء، فإن تلك الصفة تكون واجبة وابتداء ذلك الفعل ليس بواجب
هناك بعض الأوامر لم يأت أمر بابتداء فعلها ولكن جاء الأمر بفعلها بصفة معينة، فإن ذلك الأمر ابتداءه ليس بواجب، ولكن إذا ابتدأه المسلم فإنه يجب أن يأتي به على الصفة التي ورد الأمر بفعلها على تلك الصفة، لأن الأمر يدل على الوجوب، مثاله: حديث جابر أن النبي ﷺ قال: "إذا استجمر أحدكم فليوتر". أخرجه مسلم "٢١٣".
فالاستجمار ليس بواجب إذ يجوز الاستنجاء بالماء بدل الاستجمار بالحجارة ولكن من أراد أن يستجمر فإنه يجب عليه أن يكون استجماره وتراً، للأمر بهذه الصفة على من أراد الاستجمار.
стр. 160
القاعدة الخامسة: قول الصحابي "أمرنا بكذا" يدل على وجوب المأمور به
قول الصحابي: "أمرنا بكذا" أو "أمرنا رسول الله ﷺ بكذا" يدل على وجوب المأمور به لأن الصحابي أفهم وأعلم بالمراد لما يرويه، وذهب بعض المتكلمين إلى أنه لا يكون حجة حتى ينقل لفظ الرسول ﷺ ، لاحتمال أن يكون سمع صيغة ظنها أمرا أو نهيا وليست كذلك في نفس الأمر.
وقد تعقب هذا القول الصنعاني فقال في توضيح الأفكار "١/٢٧١": إن عملنا بمثل هذا الاحتمال لم تقبل إلا الرواية باللفظ النبوي وبطلت الرواية بالمعنى، ولا شك أن الظاهر من حال الصحابي مع عدالته ومعرفته الأوضاع اللغوية أنه لا يطلق ذلك إلا فيما تحقق أنه أمر أو نهي. انتهى.
стр. 161
القاعدة السادسة: الأمر بعد الحظر يفيد ما كان عليه ذلك الشيء قبل ورود الأمر
صيغة الأمر إذا وردت بعد النهي فإنها تفيد ما كان عليه ذلك الشيء الذي ورد الأمر به قبل النهي، فإن كان للوجوب فهو للوجوب، وإن كان للاستحباب فهو للاستحباب، كقوله تعالى: ﴿وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا﴾ [النساء: ١٧٦] ففي هذه الآية الأمر بالصيد بعد الإحلال من
стр. 162
الإحرام، والصيد أصله مباح فيرجع إلى ما كان عليه قبل الإحرام وهو الإباحة قال ابن كثير في تفسيره "٢/٦،٧" عند قوله تعالى: ﴿وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا﴾ [النساء: ١٧٦]
وهذا أمر بعد الخطر، والصحيح الذي يثبت على السبر أنه يرد الحكم إلى ما كان عليه قبل النهي: فإن كان واجبا ردَّه واجبا، وإن مستحبا فمستحب، أو مباحاً فمباح، ومن قال إنه على الوجوب ينتقض بآيات كثيرة، ومن قال إنه للإباحة يرد عليه آيات أخرى، والذي ينتظم الأدلة كلها هذا الذي ذكرناه كما اختاره بعض علماء الأصول والله أعلم. انتهى.
стр. 163
القاعدة السابعة: الخبر بمعنى الأمر يدل على الوجوب
الخبر الذي يكون بمعنى الأمر يترتب عليه ما يترتب على الأمر الصريح وهو الوجوب، وذلك لأن العبرة بالمعنى والمقصود، وليس العبرة باللفظ فقط، واللفظ الذي يدل على الوجوب لا يكون بصيغة "الأمر" فقط، فإن هناك ألفاظ تدل على الوجوب وليست بصيغة "الأمر" كلفظه "حق" ولفظه "كتب" وغير ذلك من ألفاظ.
عن أم المؤمنين عائشة عن النبي ﷺ : "من مات وعليه صيام صام عنه وليه".
стр. 164
أخرجه البخاري "١٩٥٢" ومسلم "١١٤٧".
قال الألباني"١" ما حاصله: أن هذا خبر بمعنى الأمر يدلُّ على وجوب الصيام على الولي للميت.
стр. 165
القاعدة الثامنة: إذا صرف الأمر من الوجوب فإنه يحمل على الاستحباب وليس على الإباحة
الأمر إذا صرف من الوجوب فإنه يحمل على الاستحباب ولا يحمل على الإباحة، لأن الاستحباب أقرب درجة إلى الوجوب من الإباحة، فيحمل على الأقرب ولا يحمل على الأبعد وهو الإباحة إلا بقرينه، فإن جاءت قرينة تدل على أن ذلك الأمر للإباحة حمل على الإباحة، وعلى هذا مشى الأئمة ﵏ فإنهم يقولون في الأمر المصروف عن الوجوب هذا أمر استحباب أو هذا أمر ندب، أو هذا أمر إرشاد وتأكيد، ولا يقولون هذا أمر إباحة إلا إذا أتت قرينة تدل على ذلك.
стр. 166
القاعدة التاسعة: أمر الصحابي لا يحمل على الوجوب
إذا أمر الصحابي بأمر فلا يحمل الوجوب، لأن أمر الصحابي ليس كأمر النبي ﷺ ، فأمر النبي ﷺ ورد ما يدل على وجوبه، وأمر الصحابي لم يأت ما يدل على وجوبه.
стр. 167
القاعدة العاشرة: العدد الذي يحصل به تطبيق الأمر هو المرة الواحدة
الأمر إذا أطلق بغير عدد فإن أقل ما يحصل به تطبيق ذلك الأمر هو "المرة الواحدة فقط" كقوله تعالى: ﴿فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ﴾ [المائدة: ٦] .
ففي هذه الآية وجوب غسل الوجه في الوضوء ويحصل هذا الوجوب بغسل الوجه مرة واحدة فقط، لأن هذا هو الأصل في تطبيق الأمر الذي يحدد بعدد، قال الشافعي في الرسالة "١٦٤": فكان ظاهر قول الله: ﴿فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ﴾ [المائدة: ٦] أقل ما وقع عليه اسم الغسل وذلك مرة واحتمل أكثر، فسن رسول الله الوضوء مرة فوافق ذلك ظاهر القرآن، وذلك أقل ما يقع عليه اسم الغسل. انتهى.
стр. 168
القاعدة الحادية عشر: القضاء يكون بأمر جديد ولا يكون بالأمر بالأداء
القضاء يحتاج إلى أمر جديد غير "أمر الأداء" وذلك لأن الشارع لما جعل لتلك العبادة وقتاً محدداً وجب فعلها في ذلك الوقت، فلما خرج ذلك الوقت وكان المكلف غير مفرط لم يؤاخذ وسقط عنه ذلك الواجب، فإن كان مفرطاً فإنه يؤاخذ ولا ينفعه فعل العبادة بعد خروج وقتها، ما دام أنه كان مفرطاً.
مثاله: زكاة الفطر وقتها قبل صلاة العيد فإذا خرج وقتها صارت
стр. 169
قضاء والقضاء يحتاج إلى خطاب جديد من الشارع يدل على ذلك ولا دليل على أن زكاة الفطر تقضى إذا فات وقتها، سواء كان تركها عن تفريط أو عن جهل ونسيان.
قال الشوكاني في إرشاد الفحول "١٥٩": فالأمر الأول هل يقتضي إيقاع ذلك الفعل فيما بعد ذلك الوقت فقيل لا يقتضي لوجهين:
الأول: أن قول القائل لغيره إفعل هذا الفعل يوم الجمعة لا يتناول الأمر فعله في غيره وإذا لم يتناوله لم يدل عليه بنفي ولا إثبات.
الثاني: أن أوامر الشرع تارة لا تستلزم وجوب القضاء وتارة تستلزمه ومع الاحتمال لا يتم الاستدلال فلا يلزم القضاء إلا بأمر جديد وهو الحق، وإليه ذهب الجمهور وذهب جماعة إلى أن وجوب القضاء يستلزمه بالأداء في الزمان المعين لأن الزمان غير داخل في الأمر بالفعل ورد بأنه داخل لكونه من ضروريات الفعل المعين وقته. انتهى.
стр. 170
القاعدة الثانية عشر: الأمر الوارد عقب سؤال يكون بحسب قصد السائل:
الأمر الوارد عقب سؤال يأتي على حالتين:
الحالة الأولى: أن يكون الأمر ورد عقب سؤال عن حكم ذلك الشيء، فيكون الأمر بحسب مقصود السائل، فإذا كان قصد السائل عن الإباحة وعدمها فالأمر ليس للوجوب وإنما هو لبيان المشروعية، وإن
стр. 171
كان قصد السائل الوجوب وعدمه فالأمر للوجوب، مثاله حديث البراء بن عازب: سئل رسول الله ﷺ عن الوضوء من لحوم الإبل فقال: "توضؤا منها" وسئل عن لحوم الغنم، فقال: "لا توضئوا منها" وسئل عن الصلاة في مبارك الإبل، فقال: "لا تصلوا في مبارك الإبل فإنها من الشياطين" وسئل عن الصلاة في مرابض الغنم فقال: "صلوا فيها فإنها بركة". أخرجه أبو داود "١٨٤" وهو صحيح.
فالأمر بالوضوء من لحوم الإبل أمر إيجاب، لأن قصد السائل هو "هل لحم الإبل ناقض للوضوء أم لا؟ " وما كان ناقضاً للوضوء فيجب الوضوء منه، فيكون الأمر الوارد في الجواب يفيد الوجوب وأما الأمر بالصلاة في مرابض الغنم فلا يفيد الوجوب، لأن قصد السائل هو "هل تشرع الصلاة في مرابض الغنم أم لا؟ " فيكون الأمر الوارد في الجواب يفيد المشروعية، ولا يفيد الوجوب.
الحالة الثانية: أن يكون الأمر ورد عقب سؤال عن الكيفية فإن كان أصل الكيفية واجب، فيكون الأمر للوجوب، وإن كان أصل الكيفية غير واجب فالأمر ليس على الوجوب، مثال الأول: "وهو ما كان أصله واجب" حديث كعب بن عجرة أنه قال: قلنا يا رسول الله قد علمنا كيف نسلم عليك، فكيف نصلي عليك؟ قال: "قولوا: اللهم صَلِّ على محمد وعلى آل محمد..". أخرجه البخاري "٦٣٥٧" فالصلاة على النبي ﷺ في التشهد واجبة، فيكون الأمر هنا للوجوب.
стр. 172
ومثال الثاني: "وهو ما كان أصله غير واجب" حديث عائشة أن رسول الله ﷺ قال: "إن جبريل أتاني فقال: إن ربك يأمرك أن تأتي أهل البقيع فتستغفر لهم" قالت: قلت: كيف أقول لهم يا رسول الله؟ قال: "قولي: السلام على أهل الديار من المؤمنين والمسلمين ويرحم الله المستقدمين منا والمستأخرين، وإنا إن شاء الله بكم للاحقون". أخرجه مسلم "٩٧٤".
فأصل الدعاء عند زيارة القبر ليس فيه دليل يدل على وجوبه، فيكون الأمر هنا ليس للوجوب.
стр. 173
النهي
القاعدة الأولى: النهي يدل على التحريم
الأصل في النهي التحريم إلا لقرينة، والدليل على ذلك قوله ﷺ : "ما نهيتكم عنه فاجتنبوه".
أخرجه مسلم "١٣٣٧".
قال الشافعي كما في الفقيه والمتفقه "١/٦٩": أصل النهي من رسول الله ﷺ أن كل ما نهى عنه فهو محرم حتى تأتي عليه دلالة تدل على أنه عنى به غير معنى التحريم إما أراد به نهيا عن بعض الأمور دون بعض وإما أراد به النهي للتنزيه للمنهي عنه والأدب والاختيار ولا يفرق بين نهي رسول الله ﷺ أو أمر لم يختلف فيه المسلمون فنعلم أن المسلمين كلهم لا يجهلون سنته وقد يمكن أن يجهلها بعضهم. انتهى.
قلت: وفي كلام الشافعي ﵀ تنبيه دقيق إلى أن قول جمهور العلماء لا يصلح أن يكون صارفاً للنهي حتى يجمعوا على ذلك، فما يوجد في بعض المصنفات من صرف للنهي عن التحريم بقول أكثر العلماء ليس بصواب، وأيضا استبعاد العقل أن يكون ذلك النهي للتحريم لا
стр. 174
يصلح هذا صارفاً بل لا بد من نص من السنة يدل على ذلك، وكذلك الأوامر الشرعية هي مثل النهي تماماً.
والتفريق بين النهي الوارد في العبادات والمعاملات فيفيد التحريم، والنهي الوارد في الآداب فلا يفيد التحريم تفريق ليس عليه دليل، بل الأدلة الواردة عامة في اجتناب كل نهي من غير تفريق فيبقى العمل بها على عمومها من غير تفريق.
стр. 175
القاعدة الثانية: النهي يدل على الفساد
النهي يدل على فساد المنهي وبطلانه وعلى هذا كان الصحابة رضوان الله عليهم، فقد ثبت عن عمر بن الخطاب أنه رد نكاح رجل تزوج امرأة وهو محرم. أخرجه البيهقي في الكبرى "٧/٤٤١"
وثبت عن معاوية أنه فرق بين الرجل وامرأته في نكاح الشغار. أخرجه أبو داود "٢٠٧٥"
قال شيخ الإسلام كما في مجموع الفتاوى "٢٩/٢٨٢": وإنما الشارع دل الناس بالأمر والنهي، والتحليل والتحريم، وبقوله في عقود "هذا لا يصح" علم أنه فساد، كما قال في بيع مدين بمد تمرا "لا يصح" والصحابة والتابعون وسائر أئمة المسلمين كانوا يحتجون على فساد العقود بمجرد النهي، كما احتجوا على فساد نكاح ذوات المحارم بالنهي المذكور في القرآن، وكذلك فساد عقد الجمع بين الأختين..، وكذلك
стр. 176
الصحابة استدلوا على فساد نكاح الشغار بالنهي عنه فهو من الفساد ليس من الصلاح فإن الله لا يحب الفساد ويحب الصلاح، ولا ينهى عما يحبه وإنما ينهى عما لا يحبه، فعلموا أن النهي عنه فاسد ليس بصالح، وإن كانت فيه مصلحة فمصلحته مرجوحة بمفسدته. انتهى.
قلت: وهذه المسألة تحتاج إلى بيان أمور:
- الأمر الأول:
ما نهي عنه على الدوام وتعلق في بعض الأوقات بفعل مأمور به، فهذا لا يدخل في قاعدة "النهي يدل على الفساد" ويكون الفعل المأمور صحيحا، ومثاله: لبس الحرير منهي عنه والصلاة مأمور بها، فلو صلى شخص وعليه ثوب حرير لم تبطل صلاته، لأن النهي عن لبس الحرير ليس متعلق بالصلاة، بل هو نهي على الدوام والإطلاق، لكن لو جاء النهي في الشرع عن الصلاة في الثوب الحرير، لبطلت صلاة من صلى في ثوب حرير.
- الأمر الثاني:
لا فرق في فساد المنهي عنه بين أن يكون لذاته أو لغيره، وذهب الحنفية والشافعية إلى التفريق بين أن يكون المنهي عنه لذاته فهو فاسد وبين أن يكون لغيره فهو غير فاسد، وقد ردَّ شيخ الإسلام على هذا التقسيم فقال كما في مجموع الفتاوى "٢٩/٢٨٨": فالجمع بين الأختين نهي عنه لإفضائه إلى قطيعة الرحم، والقطيعة أمر خارج عن
стр. 177
النكاح، والخمر والميسر حرما وجعلا رجساً من عمل الشيطان لأن ذلك يفضي إلى الصد عن الصلاة وإيقاع العداوة، والربا حرام لأن ذلك يفضي إلى أكل المال الباطل، وذلك أمر خارج عن عقد الميسر والربا، فكل ما نهى الله عنه لا بد أن يشمل على معنى فيه يوجب النهي، ولا يجوز أن ينهى عن شيء لا لمعنى فيه أصلاً، بل لمعنى أجنبي عنه، فإن هذا من جنس عقوبة الإنسان بذنب غيره والشرع منزه عنه..، ثم من هؤلاء الذين قالوا: إن النهي قد يكون لمعنى في المنهي عنه، وقد يكون لمعنى في غيره، من قال: إنه قد يكون لوصف في الفعل لا في أصله، فيدل على صحته، كالنهي عن صوم يومي العيدين قالوا: هو منهي عنه لوصف العيدين: قالوا: هو منهي عنه لوصف العيدين لا لجنس الصوم، فإذا صام صح، لأنه سماه صوماً، فيقال لهم: وكذلك الصوم في أيام الحيض، وكذلك الصلاة بلا طهارة، وإلى غير القبلة جنس مشروع، وإنما النهي لوصف خاص وهو الحيض والحدث واستقبال غير القبلة، ولا يعرف بين هذا وهذا فرق معقول له تأثير في الشرع. انتهى.
- الأمر الثالث:
لا فرق في فساد المنهي عنه بين أن يكون في العبادات والمعاملات، وعلى هذا جرى فهم الصحابة، فقد ردَّ عمر نكاح المحرم ورد معاوية نكاح الشغار كما تقدم.
قال الشوكاني في إرشاد الفحول "١٦٧": والحق أن كل نهي من
стр. 178
غير فرق بين العبادات والمعاملات يقتضي تحريم المنهي عنه وفساده المرادف للبطلان اقتضاء شرعيا ولا يخرج من ذلك إلا ما قام الدليل على عدم اقتضائه لذلك فيكون هذا الدليل قرينة صارفة له. انتهى.
قلت: لكن ما كان من المناهي متعلقا بحق العبد وليس متعلقا بحق الله وأجازه العبد صح ولم يفسد، قال شيخ الإسلام كما في مجموع الفتاوى "٢٩/٢٨٢": لكن من البيوع ما نهي عنه لما فيها من ظلم أحدهما للآخر، كبيع المصراة، والمعيب، وتلقي السلع، والنجش ونحو ذلك، ولكن هذه البيوع لم يجعلها الشارع لازمة كالبيوع الحلال، بل جعلها غير لازمة، والخيرة فيها إلى المظلوم، إن شاء أبطلها وإن شاء أجازها، فإن الحق في ذلك له، والشارع لم ينه عنها لحق مختص بالله، كما نهي عن الفواحش. انتهى.
стр. 179
القاعدة الثالثة: النهي الوارد عقب سؤال إفادته على حسب ما يقصده السائل
النهي الوارد عقب سؤال إنما تفيد دلالته على حسب مقصود السائل، فإن كان مقصود السائل بسؤاله هو الإباحة وعدمها فيفيد النهي التحريم، وإن كان مقصود السائل هو الوجوب وعدمه فيفيد النهي عدم الوجوب ولا يفيد التحريم، مثاله حديث البراء بن عازب قال: سئل رسول الله ﷺ عن الوضوء من لحوم الإبل، فقال: "توضؤا منها" وسئل عن
стр. 180
لحوم الغنم، فقال: "لا توضؤا منها" وسئل عن الصلاة في مبارك الإبل، فقال: "لا تصلوا في مبارك الإبل فإنها من الشياطين".
أخرجه أبو داود "١٨٤" وهو صحيح.
فالنهي عن الوضوء من لحوم الغنم يفيد عدم وجوب الوضوء منها، لأن قصد السائل هو معرفة ما إذا كان لحم الغنم ناقض للوضوء أم لا؟ والشيء إذا كان ناقضاً للوضوء يجب الوضوء منه وإذا لم يكن ناقضاً فلا يجب، فأجابه النبي ﷺ بأنه لا يجب الوضوء من لحم الغنم.
وأما النهي عن الصلاة في مبارك الإبل فإنه يفيد التحريم في الصلاة فيها، لأن قصد السائل هو معرفة حكم الصلاة في مبارك الإبل هل يباح كبقية الأرض أم لا يباح؟ فأجابه النبي ﷺ بأنه لا يباح الصلاة فيها.