Полный текст (345 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.
стр. 176
الصحابة استدلوا على فساد نكاح الشغار بالنهي عنه فهو من الفساد ليس من الصلاح فإن الله لا يحب الفساد ويحب الصلاح، ولا ينهى عما يحبه وإنما ينهى عما لا يحبه، فعلموا أن النهي عنه فاسد ليس بصالح، وإن كانت فيه مصلحة فمصلحته مرجوحة بمفسدته. انتهى.
قلت: وهذه المسألة تحتاج إلى بيان أمور:
- الأمر الأول:
ما نهي عنه على الدوام وتعلق في بعض الأوقات بفعل مأمور به، فهذا لا يدخل في قاعدة "النهي يدل على الفساد" ويكون الفعل المأمور صحيحا، ومثاله: لبس الحرير منهي عنه والصلاة مأمور بها، فلو صلى شخص وعليه ثوب حرير لم تبطل صلاته، لأن النهي عن لبس الحرير ليس متعلق بالصلاة، بل هو نهي على الدوام والإطلاق، لكن لو جاء النهي في الشرع عن الصلاة في الثوب الحرير، لبطلت صلاة من صلى في ثوب حرير.
- الأمر الثاني:
لا فرق في فساد المنهي عنه بين أن يكون لذاته أو لغيره، وذهب الحنفية والشافعية إلى التفريق بين أن يكون المنهي عنه لذاته فهو فاسد وبين أن يكون لغيره فهو غير فاسد، وقد ردَّ شيخ الإسلام على هذا التقسيم فقال كما في مجموع الفتاوى "٢٩/٢٨٨": فالجمع بين الأختين نهي عنه لإفضائه إلى قطيعة الرحم، والقطيعة أمر خارج عن
стр. 177
النكاح، والخمر والميسر حرما وجعلا رجساً من عمل الشيطان لأن ذلك يفضي إلى الصد عن الصلاة وإيقاع العداوة، والربا حرام لأن ذلك يفضي إلى أكل المال الباطل، وذلك أمر خارج عن عقد الميسر والربا، فكل ما نهى الله عنه لا بد أن يشمل على معنى فيه يوجب النهي، ولا يجوز أن ينهى عن شيء لا لمعنى فيه أصلاً، بل لمعنى أجنبي عنه، فإن هذا من جنس عقوبة الإنسان بذنب غيره والشرع منزه عنه..، ثم من هؤلاء الذين قالوا: إن النهي قد يكون لمعنى في المنهي عنه، وقد يكون لمعنى في غيره، من قال: إنه قد يكون لوصف في الفعل لا في أصله، فيدل على صحته، كالنهي عن صوم يومي العيدين قالوا: هو منهي عنه لوصف العيدين: قالوا: هو منهي عنه لوصف العيدين لا لجنس الصوم، فإذا صام صح، لأنه سماه صوماً، فيقال لهم: وكذلك الصوم في أيام الحيض، وكذلك الصلاة بلا طهارة، وإلى غير القبلة جنس مشروع، وإنما النهي لوصف خاص وهو الحيض والحدث واستقبال غير القبلة، ولا يعرف بين هذا وهذا فرق معقول له تأثير في الشرع. انتهى.
- الأمر الثالث:
لا فرق في فساد المنهي عنه بين أن يكون في العبادات والمعاملات، وعلى هذا جرى فهم الصحابة، فقد ردَّ عمر نكاح المحرم ورد معاوية نكاح الشغار كما تقدم.
قال الشوكاني في إرشاد الفحول "١٦٧": والحق أن كل نهي من
стр. 178
غير فرق بين العبادات والمعاملات يقتضي تحريم المنهي عنه وفساده المرادف للبطلان اقتضاء شرعيا ولا يخرج من ذلك إلا ما قام الدليل على عدم اقتضائه لذلك فيكون هذا الدليل قرينة صارفة له. انتهى.
قلت: لكن ما كان من المناهي متعلقا بحق العبد وليس متعلقا بحق الله وأجازه العبد صح ولم يفسد، قال شيخ الإسلام كما في مجموع الفتاوى "٢٩/٢٨٢": لكن من البيوع ما نهي عنه لما فيها من ظلم أحدهما للآخر، كبيع المصراة، والمعيب، وتلقي السلع، والنجش ونحو ذلك، ولكن هذه البيوع لم يجعلها الشارع لازمة كالبيوع الحلال، بل جعلها غير لازمة، والخيرة فيها إلى المظلوم، إن شاء أبطلها وإن شاء أجازها، فإن الحق في ذلك له، والشارع لم ينه عنها لحق مختص بالله، كما نهي عن الفواحش. انتهى.
стр. 179
القاعدة الثالثة: النهي الوارد عقب سؤال إفادته على حسب ما يقصده السائل
النهي الوارد عقب سؤال إنما تفيد دلالته على حسب مقصود السائل، فإن كان مقصود السائل بسؤاله هو الإباحة وعدمها فيفيد النهي التحريم، وإن كان مقصود السائل هو الوجوب وعدمه فيفيد النهي عدم الوجوب ولا يفيد التحريم، مثاله حديث البراء بن عازب قال: سئل رسول الله ﷺ عن الوضوء من لحوم الإبل، فقال: "توضؤا منها" وسئل عن
стр. 180
لحوم الغنم، فقال: "لا توضؤا منها" وسئل عن الصلاة في مبارك الإبل، فقال: "لا تصلوا في مبارك الإبل فإنها من الشياطين".
أخرجه أبو داود "١٨٤" وهو صحيح.
فالنهي عن الوضوء من لحوم الغنم يفيد عدم وجوب الوضوء منها، لأن قصد السائل هو معرفة ما إذا كان لحم الغنم ناقض للوضوء أم لا؟ والشيء إذا كان ناقضاً للوضوء يجب الوضوء منه وإذا لم يكن ناقضاً فلا يجب، فأجابه النبي ﷺ بأنه لا يجب الوضوء من لحم الغنم.
وأما النهي عن الصلاة في مبارك الإبل فإنه يفيد التحريم في الصلاة فيها، لأن قصد السائل هو معرفة حكم الصلاة في مبارك الإبل هل يباح كبقية الأرض أم لا يباح؟ فأجابه النبي ﷺ بأنه لا يباح الصلاة فيها.
стр. 181
العام والخاص
القاعدة الأولى: الأصل أن التنصيص على بعض أفراد العام بالذكر لا يعني تخصيص النص العام بذلك المذكور إلا لقرينه
إذا جاء نص عام وجاء في نص آخر ذكر بعض أفراده فإن الأصل في ذكر ذلك الفرد التخصيص لأن ألفاظ الشرع مراده ومقصودة لذاته فلا يخرج عن هذا الأصل إلا بقرينه ومثال ذلك.
عن عائشة أم المؤمنين قالت: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "لا صلاة بحضرة الطعام، ولا هو يدافعه الأخبثان".
أخرجه مسلم "٥٦٠".
فهذا الحديث يعم كل طعام سواء كان غداء أم عشاء، وجاء في حديث ابن عمر أن النبي ﷺ قال: "إذا وضع عشاء أحدكم وأقيمت الصلاة فابدؤا بالعشاء".
أخرجه البخاري "٦٧٣" ومسلم "٥٥٩".
فجاءت قرينه هنا تدل على أن فذكر العشاء هنا ليس تخصيصاً للفظ العام في حديث عائشة، وإنما هو ذكر لبعض أفراد العام ولذلك ما كان
стр. 182
الصحابة يخصصون الحكم بطعام العشاء بل كانوا يعممون الحكم. قال الشوكاني في إرشاد الفحول "٢٠٢": ذكر بعض أفراد العام الموافق له في الحكم لا يقتضي التخصيص عند الجمهور، ومثال ذلك قوله ﷺ : "أيما إهاب دبغ فقد طهر" مع قوله ﷺ في حديث آخر في شاة ميمونة: "دباغها طهورها" فالتنصيص على الشاة في الحديث الآخر لا يقتضي تخصيص عموم "أيما إهاب دبغ فقد طهر" لأنه تنصيص على بعض أفراد العام بلفظ لا مفهوم له. انتهى.
стр. 183
القاعدة الثانية: الأصل في العام العمل به على عمومه حتى يوجد المخصص
إذا ورد النص العام فإن الصحابة كانوا يعملون به على عمومه حتى يطلعوا له على مخصص، وليس أنهم كانوا يتوقفون في النص العام ويبحثون عن المخصص فإن لم يجدوا المخصص عملوا بعد ذلك بالنص العام.
فإنه لما نزل قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ﴾ [الأنعام: ٨٢] حملها الصحابة على عمومها حتى قالوا: أينا لم يظلم نفسه، حتى يبن لهم النبي ﷺ أن الظلم هنا ليس على عمومه وإنما المراد به الشرك.
قال الشافعي في الأم "٧/٢٦٩": وكذلك ينبغي لمن سمع الحديث أن يقول به على عمومه وجملته، حتى يجد دلالة يفرق منها فيه. انتهى.
وقال الشنقيطي في المذكرة "٢١٧": حاصله أن التحقيق ومذهب
стр. 184
الجمهور وجوب اعتقاد العموم والعمل من غير توقف على البحث عن المخصص، لأن اللفظ موضوع للعموم فيجب العمل بمقتضاه، فإن اطلع على مخصص عمل به. انتهى.
стр. 185
القاعدة الثالثة: لا يشرع العمل بالنص العام على عمومه إن لم يجر عمل السلف بالعمل به على عمومه
لا شك أن السلف الصالح أفهم لدلالة الكتاب والسنة، فإذا جاء نص عام ولم يعمل السلف بذلك النص على عمومه وإنما عملوا ببعض أفراده فلا يشرع العمل به على عمومه إذ لو كان يشرع العمل على عمومه لسبقنا السلف الصالح إلى ذلك، قال الشاطبي في الموافقات "٣/٥٦" كل دليل شرعي لا يخلو أن يكون معمولا به في السلف المتقدمين دائماً، أو أكثريا، أو لا يكون معمولا به إلا قليلا أو في وقت ما، أو لا يثبت به عمل، فهذه ثلاثة أقسام:
أحدهما: أن يكون معمولاً به دائما أو أكثريا، فلا إشكال في الاستدلال به، ولا في العمل على وِفْقِه، وهي السنة المتبعة والطريق المستقيم، كان الدليل مما يقتضي إيجاباً أو ندباً أو غير ذلك من الأحكام، كفعل النبي ﷺ مع قوله في الطهارات والصلوات على تنوعها من فرض أو نفل، والزكاة بشروطها والضحايا، والعقيقة، والنكاح، والطلاق، والبيوع، وسواها من الأحكام التي جاءت في الشريعة وبينها عليه الصلاة
стр. 186
والسلام بقوله أو فعله أو إقراره، ووقع فعله وفعل صحابته معه أو بعده على وِفْقِ ذلك دائماً أو أكثرياً.
الثاني: أن لا يقع العمل به إلا قليلاً، أو في وقت من الأوقات، أو حال من الأحوال، ووقع إيثاره غيره والعمل به دائماً أو أكثرياً، فذلك الغير هو السنة المتبعة والطريق السابلة، وأما ما لم يقع العمل عليه إلا قليلا، فيجب التثبت فيه وفي العمل على وفقه والمثابرة على ما هو الأعم والأكثر، فإن إدامة الأولين للعمل على مخالفة هذا الأقل: إما أن يكون لمعنى شرعي، أو لغير معنى شرعي، وباطل أن يكون لغير معنى شرعي، فلا بد أن يكون لمعنى شرعي تحروا العمل به، وإذا كان كذلك فقد صار العمل على وفق القليل، كالمعارض للمعنى الذي تحروا العمل على وفقه، وإن لم يكن معارضاً في الحقيقة، فلا بد من تحري ما تحروا وموافقة ما داوموا عليه.
والقسم الثالث: أن لا يثبت عن الأولين أنهم عملوا به على حال، فهو أشد من أنه دليل على ما زعموا ليس بدليل عليه البتة، إذ لو كان دليلا لم يعزب عن فهم الصحابة والتابعين، ثم يفهمه هؤلاء، فعمل الأولين كيف كان مصادم لمقتضى هذا المفهوم ومعارض له، انتهى ملخصا.
стр. 187
القاعدة الرابعة: العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب
النص العام الوارد بخصوص سبب من الأسباب، فإنه يعمل به على عمومه ولا يخصص بذلك السبب، وعلى هذا جرى فهم الصحابة رضوان الله عليهم، فقد سأل قوم النبي ﷺ أنهم يركبون البحر ومعهم ماء لا يكفي إلا للشرب فقال: "هو الطهور ماؤه".
وقد أفتى بهذا العموم جمع من الصحابة منهم أبو بكر وعمر وابن عباس مع أن العموم كان وارداً على سبب وهو حاجتهم إلى الماء للشرب إذا ركبوا البحر.
قال الشوكاني في إرشاد الفحول "٢٠١": وهذا المذهب هو الحق الذي لا شك فيه، لأن التعبد للعباد إنما هو باللفظ الوارد عن الشارع وهو عام ووروده على سؤال خاص لا يصلح قرينة لقصره على ذلك السبب ومن ادعى أنه يصلح لذلك فليأت بدليل تقوم به الحجة ولم يأت أحد من القائلين بالقصر على السبب بشيء يصلح لذلك، وإذا ورد في بعض المواطن ما يقتضي قصر ذلك العام الوارد فيه على سببه لم يجاوز به محله بل يقصر عليه، ولا جامع بين الذي ورد فيه بدليل يخصه وبين سائر العمومات الوردة على أسباب خاصة حتى يكون ذلك الدليل في الموطن شاملاً لها. انتهى.
стр. 188
القاعدة الخامسة: ترك الاستفصال في مكان الاحتمال ينزل منزلة العموم من المقال
هذه القاعدة أصلها الإمام الشافعي، ومن أدلة هذه القاعدة حديث غيلان الثقفي أنه أسلم وتحته عشرة نسوة، فقال له النبي ﷺ : "أمسك أربعاً وفارق سائرهن".
وهو حديث صحيح أخرجه الترمذي "١١٢٨" وابن ماجة "١٩٥٣".
ووجه الدلالة من الحديث كما قال السمعاني في قواطع الأدلة "١/٢٢٥": لم يسأله عن كيفية العقد هل عقد عليهن على الترتيب أو عقد عليهن دفعة واحدة فكان إطلاقه القول من غير استفصال حال دليلاً دالاً على أنه لا فرق بين أن تتفق العقود عليهم معاً أو توجد العقود متفرقة عنهن ثم قال..: فنحن ندعي العموم في كل ما يظهر فيه استفهام الحال ويظهر من الشارع إطلاق الجواب فلا بد أن يكون الجواب مسترسلاً في الأحوال كلها وعلى أنه وجه الدليل واضح من خبر غيلان بن سلمة في الأحوال كلها، فإن النبي ﷺ قال له: "أمسك أربعاً" فأجملهن ولم يخصص في الإمساك أوائل عن أواخر أو أواخر عن أوائل وفوض الأمر إلى اختيار من أسلم. انتهى.
стр. 189
القاعدة السادسة: الصورة النادرة داخلة في العموم
عمل الصحابة يدل أن الصورة النادرة داخلة في العام والمطلق،
стр. 190
وذلك لأنهم ما كانوا يستثون الصورة النادرة من الدليل العام في مسألة ما، قال الشنقيطي في أضواء البيان "٤/١٧٤": الذي يظهر رجحانه بحسب المقرر في الأصول شمول العام والمطلق للصورة النادرة، لأن العام ظاهر في عمومه حتى يرد دليل مخصص من كتاب أو سنة، وإذا تقرر أن العام ظاهر في عمومه وشموله لجميع الأفراد فحكم الظاهر العمل به إلا بدليل يصح للتخصيص، وقد كان الصحابة ﵃ يعملون بشمول العمومات من غير توقف وبذلك تعلم أن دخول الخضر في عموم قوله تعالى: ﴿ومَاجَعلْنَا لبَشَرٍ مِنْ قَبلِكَ الخُلْدَ﴾ [الأنبياء: ٣٤] الآية، وعموم قوله ﷺ : "أرأيتكم ليلتكم هذه فإنه على رأس مائة سنة لا يبقى على وجه الأرض ممن هو عليها اليوم أحد" هو الصحيح، ولا يمكن خروجه من تلك العمومات إلا بمخصص صالح للتخصيص، ومما يوضح ذلك، أن الخنثى صورة نادرة جداً، مع أنه داخل في عموم آيات المواريث والقصاص، وغير ذلك من عموم الأدلة. انتهى.
стр. 191
القاعدة السابعة: ليس كل عام قد دخله التخصيص
القول بأنه ما من عام إلا وقد خُصَّ ليس بصحيح لأنه ليس عليه دليل فإن هناك عمومات لم يدخلها التخصيص، قال شيخ الإسلام كما في مجموع الفتاوى "٦/٤٤٢": من الذي يسلم أن أكثر العمومات مخصوصة؟ أم من الذي يقول ما من عموم إلا وقد خص إلا قوله:
стр. 192
﴿بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ ؟ فإن هذا الكلام وإن كان يطلقه بعض السادات من المتفقهة وقد يوجد في كلام بعض المتكلمين في أصول الفقه فإنه من أكذب الكلام وأفسده، والظن بمن قاله: أنه إنما عنى أن العموم من لفظ ﴿كُلِّ شَيْءٍ﴾ مخصوص إلا في مواضع قليلة، كما يقول تعالى: ﴿تُدَمَّرُ كُلَّ شَيءٍ﴾ [الأحقاف: ٢٥] ﴿وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [النمل: ٢٣] وإلا فأي عاقل يدعي هذا في جميع صيغ العموم في الكتاب والسنة، وأنت إذا قرأت القرآن من أوله إلى آخره وجدت غالب عموماته محفوظة لا مخصوصة. انتهى.
стр. 193
القاعدة الثامنة: يقدم الخاص على العام مطلقاً سواء كان العام متقدما أو متأخراً
الصحابة رضوان الله عليهم كانوا يقدمون الخاص على العام مطلقا ولا ينظرون فيها إذا كان العام متقدما على الخاص أو متأخراً عنه، ومن الأدلة على ذلك حديث فاطمة بنت رسول الله ﷺ أنها جاءت تطلب ميراثها وذلك لعموم الأدلة الوردة في ميراث الأبناء من آبائهم، فلم يعطها أبو بكر الصديق شيئاً واحتج لقوله ﷺ : "ما نورث ما تركنا صدقة". أخرجه البخاري "٣٠٩٢، ٣٠٩٣".
ولم ينظر أبو بكر الصديق هل العام جاء بعد الخاص أم لا؟ .
قال الشنقيطي في المذكرة "٢٢٣": ومن تتبع قضاياهم "أي الصحابة" تحقق ذلك عنهم. انتهى.
стр. 194
القاعدة التاسعة: العام الذي دخله التخصيص يجب العمل بما بقي من عمومه
العام الذي دخله التخصيص، فإن العمل بما بقي من عمومه واجب لا يجوز تركه، على هذا جرى الصحابة في وقائع كثيرة، قال السمعاني في قواطع الأدلة "١/١٧٥، ١٧٨": العموم إذا خص لم يصر مجازا فيما بقي، بل هو على الحقيقة فيه، والاستدلال به صحيح فيما عدا المخصوص، ولا فرق عندنا بين أن يكون التخصيص بدليل متصل باللفظ أو دليل منفصل، وذهب قوم من المتكلمين إلى أنه يصيرا مجازا متصلا كان الدليل المخصص أو منفصلا..، وقد ورد عن الصحابة التعلق بالعموم المخصوص، فإن عليا ﵁ قال في الجمع بين الأنشتين المملوكتين في الوطأ أحلتهما آية وحرمتهما آية وقد روي عن عثمان ﵁ مثل ذلك، وعنيا بقولهما أحلتهما آية قوله تعالى: ﴿وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ﴾ [النساء: ٢٠] ﴿أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ [النساء: ٣] مخصوص منه البنت والأخت، واحتج ابن عباس ﵄ في قليل الرضاع بقوله تعالى: ﴿وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ﴾ [النساء: ٢٠] وقال قضاء الله أولى من قضاء ابن الزبير، وإن كان التحريم بالرضاع يحتاج إلى شروط، وذلك يوجب تخصيص الآية، ولا يعرف لهؤلاء مخالف من الصحابة. انتهى.
стр. 195
القاعدة العاشرة: السياق من المخصصات للعموم
ذكر الإمام الشافعي من أبواب العام والخاص في كتابه الرسالة "٦٢": باب: الصنف الذي يبين سياقه معناه:
ثم قال: قال الله ﵎: ﴿وَاسْأَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ حَاضِرَةَ الْبَحْرِ إِذْ يَعْدُونَ فِي السَّبْتِ إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتَانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعاً وَيَوْمَ لا يَسْبِتُونَ لا تَأْتِيهِمْ كَذَلِكَ نَبْلُوهُمْ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ﴾ [الأعراف: ١٦٠] .
فابتدأ جَلَّ ثناؤه ذكر الأمر بمسألتهم عن القرية الحاضرة البحر، فلما قال: الآية، أدل على أنه إنما أراد أهل القرية لأن القرية لا تكون عادية ولا فاسقة بالعدوان في السبت ولا غيره، وأنه إنما أراد بالعدوان أهل القرية الذين بلاهم بما كانوا يفسقون. انتهى.
وعن البراء بن عازب قال: خرج رسول الله ﷺ يعني من مكة فتبعتهم ابنة حمزة تنادي: يا عم، فتناولها علي فأخذ بيدها، وقال لفاطمة: دونك ابنة عمك فاحتملتها، فاختصم فيها علي وزيد وجعفر فقال علي: أنا أحق بها وهي ابنة عمي، وقال جعفر: ابنة عمي
стр. 196
وخالتها تحتي، وقال زيد: ابنة أخي، فقضى بها النبي ﷺ لخالتها وقال: "الخالة بمنزلة الأم". أخرجه البخاري "٢٦٩٩".
قال ابن دقيق العيد في كتاب الإحكام "٤/٨٢": قوله ﵇: "الخالة بمنزلة الأم" سياق الحديث يدل على أنها بمنزلتها في الحضانة وقد يستدل بإطلاقه أصحاب التنزيل على تنزيلها منزلة الأم في الميراث إلا أن الأول أقوى، فإن السياق طريق إلى بيان المجملات وتعيين المحتملات وتنزيل الكلام على المقصود منه، وفهم ذلك قاعدة كبيرة من قواعد أصول الفقه. انتهى.
وقال أيضا ابن دقيق العيد كما في إرشاد الفحول "٢٤٢": ولا يشتبه عليك التخصيص بالقرائن بالتخصيص بالسبب كما اشتبه على كثير من الناس فإن التخصيص بالسبب غير مختار فإن السبب وإن كان خاصاً فلا يمنع أن يرد لفظ عام يتناوله وغيره كما في ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ [المائدة: ٣٨] ولا ينتهض السبب بمجرده قرينة لرفع هذا بخلاف السياق فإنه يقع به التبيين والتعيين أما التبيين ففي المجملات وأما التعيين ففي المحتملات وعليك باعتبار هذا في ألفاظ الكتاب والسنة والمحاورات تجد منه ما لا يمكنك حصره. انتهى.
قال الشوكاني عقبه: والحق أن دلالة السياق إن قامت مقام القرائن القوية المقتضية لتعيين المراد كان المخصص هو ما اشتملت عليه من ذلك، وإن لم يكن السياق بهذه المنزلة ولا أفاد هذا المفاد فليس بمخصص. انتهى.
стр. 197
القاعدة الحادية عشر: لا يصح تخصيص العام بالعرف سواء كان العرف قوليا أو عمليا
جريان عمل السلف الصالح يدل على أنهم ما كانوا يخصصون الأدلة الشرعية العامة بالعرف سواء كان العرف قوليا أو عمليا: لأنه مما لاشك فيه أن من الأمصار من كان لها عرفا يخالف العموم، ومع ذلك لم يكونوا يلتفتون إلى ذلك العرف، قال السمعاني في قواطع الأدلة "١/١٩٣": وأما التخصيص بالعرف والعادة فقد قال أصحابنا لا يجوز تخصيص العموم به، لأن الشرع لم يوضع على العادة، وإنما وضع على ما أراد الله تعالى، ولا معنى للرجوع إلى العادة في شيء من ذلك. والله أعلم. انتهى.
стр. 198
القاعدة الثانية عشر: قول الصحابي قد يخصص العام
الأصل أن الصحابي لا يترك العام ويعمل بخلافه إلا لقرينة ثبتت عنده تصلح للتخصيص فالصحابي أدرى بمراد الشرع وأفهم للمقصود من الدليل، قال شيخ الإسلام كما في اقتضاء الصراط المستقيم "٢٧٦": يجوز تخصيص عموم الحديث بقول الصاحب الذي لم يخالف على إحدى الروايتين.
стр. 199
القاعدة الثالثة عشر: لا يصلح تخصيص العام بالعقل
العام لا يخصص بالعقل وإنما يخصص بالدليل، ولذلك لم يكن الصحابة يخصصون العموم إلا بنص ولا يخصصونه بالعقل، وحجة من قال أن العموم يخصص بالعقل قوله تعالى: ﴿تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ﴾ [الأحقاف: ٢١] ومعلوم بالعقل أنها لم تدمر كلَّ ما على الأرض، وقوله تعالى: ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ ومعلوم أن صفات الله غير مخلوقة.
والجواب: أن هذا ليس من باب تخصيص العام بالعقل، وإنما هو من باب العموم الذي يراد به الخصوص، وعليه فلا يصح الاستدلال بهذه الآيات ونحوها على تخصيص العام بالعقل.
стр. 200
القاعدة الرابعة عشر: لا يصح تخصيص العام بالقياس
القياس باب من أبواب الاجتهاد، والاجتهاد لا يخصص به العام، لأن الاجتهاد يتطرق إليه احتمال الخطأ، وما يطرق إليه احتمال الخطأ لا يغير النص ولا يخرجه عن عمومه، ولأن العموم أصل والقياس فرع، والفرع لا يغير الأصل، ولذلك لم يأت عن الصحابة تخصيص نص من النصوص العامة بالقياس.
стр. 201
القاعدة الخامسة عشر: كما أنه لا يشرع إطلاق ما دل الدليل على تقييده كذلك لا يشرع تقييد ما دل الدليل على أنه مطلق
تقييد ما دل الدليل على أنه مطلق لا يشرع لأنه تغيير لحكم الله، فمثلا بعض الأذكار المطلقة الغير مقيدة لا يشرع للمسلم أن يقيدها بوقت من الأوقات أو بزمن من الأزمنة بل يعمل بها على إطلاقها من غير تقييد لها، قال شيخ الإسلام كما في مجموع الفتاوى "٢٠/١٩٦": قاعدة شريفة: شرع الله ورسوله للعمل بوصف العموم والإطلاق لا يقتضي أن يكون مشروعا بوصف الخصوص والتقييد، فإن العام والمطلق لا يدل على ما يخص بعض أفراده ويقيد بعضها، فلا يقتضي أن يكون ذلك الخصوص والتقييد مشروعا..، مثال ذلك: أن الله دعاءه وذكره شرعاً مطلقا عاماً، فقال: ﴿اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْراً كَثِيراً﴾ [الأحزاب: ٣٦] وقال: ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعاً وَخُفْيَةً﴾ [الأعراف: ٥٥] ونحو ذلك من النصوص، فالاجتماع للدعاء والذكر في مكان معين، أو زمان معين أو الاجتماع لذلك تقييد للذكر والدعاء لا تدل عليه الدلالة العامة المطلقة بخصوصه وتقييده. انتهى.
стр. 202
القاعدة السادسة عشر: الخطاب الموجه للرسول ﷺ عام لجميع الأمة إلا إذا دل دليل على التخصيص
الصحابة رضوان الله عليهم كانوا يفهمون من الخطاب الموجه للرسول ﷺ أنه عام لجميع الأمة، فقد قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاتَ أَزْوَاجِكَ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [التحريم: ١] .
قال ابن عباس: في الحرام يُكَفَّر، وقال: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ [الأحزاب: ٢١] أخرجه البخاري "٤٩١١".
يقصد ابن عباس الآية المذكورة في خطاب النبي ﷺ وهي في أول سورة التحريم، فهي خطاب للنبي ﷺ وقد فهم منها ابن عباس أن حكمها لجميع الأمة.
قال شيخ الإسلام كما في مجموع الفتاوى "٢٢/٣٢٢": ولهذا كان جمهور علماء الأمة أن الله إذا أمره بأمر أو نهاه عن شيء كانت أمته أسوة له في ذلك، ما لم يقم دليل اختصاصه. انتهى.
стр. 203
القاعدة السابعة عشر: خطاب الشارع للواحد خطاب لجميع الأمة
الصحابة رضوان الله عليهم كانوا يفهمون من خطاب الشارع للواحد منهم أنه لجميع الأمة، ومن الأدلة على هذا حديث معاذ بن جبل
стр. 204
أن النبي ﷺ قال له: "يا معاذ والله إني لأحبك، أوصيك يا معاذ لا تدعن دبر كل صلاة تقول: اللهم أعني على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك" فأوصى معاذ بهذا الذكر الراوي عنه وهو الصنابحي. أخرجه أبو داود "١٥٢٢".
فهذا الخطاب كان موجها لمعاذ ولم يفهم منه معاذ أن ذلك خاص به فقط.
قال الشوكاني في إرشاد الفحول "١٩٤" على هذه القاعدة: والحاصل في هذه المسألة على ما يقتضيه الحق ويوجبه الإنصاف عدم التناول لغير المخاطب من حيث الصيغة، بل بالدليل الخارجي، وقد ثبت عن الصحابة فمن بعدهم الاستدلال بأقضيته الخاصة بالواحد أو الجماعة المخصوصة على ثبوت مثل ذلك لسائر الأمة.. إلى أن يقوم الدليل الدال على اختصاصه بذلك. انتهى.
стр. 205
القاعدة الثامنة عشر: دخول النساء في الخطاب الموجه للذكور
دخول النساء في الخطاب الموجه للذكور دلَّ عليه الاستقراء، يقول شيخ الإسلام كما في مجموع الفتاوى "٦/٤٣٧": وقد عهدنا من الشارع في خطابه أنه يعم القسمين ويدخل النساء بطريق التغليب، وحاصله أن هذه الجموع تستعملها العرب تارة في الذكور المجردين وتارة في الذكور والإناث، وقد عهدنا من الشارع أن خطابه المطلق يجري
стр. 206
على النمط الثاني، وقولنا: المطلق احتراز من المقيد مثل قوله: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ﴾ [التوبة: ٦٩] . انتهى.
стр. 207
القاعدة التاسعة عشر: الاستثناء الوارد بعد عدة جمل يرجع إلى جميع الجمل
استقرأ شيخ الإسلام ابن تيمية نصوص الشرع فوجد أن الاستثناء الوارد بعد عدة جمل يرجع إلى جميع الجمل إلا إذا أتت قرينة تدل على أن الاستثناء يرجع للجملة الأخيرة، فقد قال في مجموع الفتاوى "٣١/١٦٧": وقد ثبت بما روي عن الصحابة أن قوله: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا﴾ [البقرة: ١٥٤] في آية القذف عائد إلى الجملتين، وقال النبي ﷺ : "لا يؤمَنَّ الرجل الرجل في سلطانه، ولا يجلس على تكرمته إلا بإذنه" وهذا كثير في الكتاب والسنة، بل من تأمل غالب الاستثناءات الموجودة في الكتاب والسنة التي تعقبت جملا وجدها عائدة إلى الجميع، هذا في الاستثناء فأما في الشرط والصفات فلا يكاد يحصيها إلا الله، وإذا كان الغالب على الكتاب والسنة وكلام العرب عود الاستثناء إلى جميع الجمل فالأصل إلحاق الفرد بالأعم الأغلب. انتهى.
стр. 208
القاعدة العشرون: الأصل أن حكاية الفعل تدل على العموم
قول الصحابي: نهى رسول الله ﷺ عن المزابنة وقضى بالشفعة فيما
стр. 209
لم يقسم ونحو ذلك يقتضي العموم، قال العلامة الأمين الشنقيطي في كتابه مذكرة في أصول الفقه "٢٥٣": واقتضاؤه العموم هو الحق لأن الصحابي عدل عارف فلا يروي ما يدل على العموم إلا وهو جازم بالعموم، والحق جواز الحديث بالمعنى، وعدالة الصحابي تنفي احتمال منافاة حكاية لما حكى كما هو ظاهر. انتهى.
стр. 210
المفهوم
القاعدة الأولى: مفهوم الموافقة حجة
الأدلة الشرعية تأتي أحياناً بحكم ويكون مالم يذكر مع الحكم في ذلك الدليل مثل الحكم المنصوص عليه أو يكون ما لم يذكر أولى مما ذكر، كقوله تعالى: ﴿فَلا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ﴾ [الإسراء: ٢٣] يدل على أن الضرب أولى بالمنع وعلى هذا جرى فهم السلف، قال شيخ الإسلام كما في مجموع الفتاوى "٢١/٢٠٧": بل وكذلك قياس الأولى وإن لم يدل عليه الخطاب، لكن عرف أنه أولى بالحكم من المنطوق بهذا، فإنكاره من بدع الظاهرية التي لم يسبقهم بها أحد من السلف، فما زال السلف يحتجون بمثل هذا وهذا وقال أيضا "ص: ٢٠٩": وكذلك إذا نهى عن قتل الأولاد للإملاق فنهيه عن ذلك مع الغنى واليسار أولى وأحرى، فالتخصيص بالذكر قد يكون للحاجة إلى المعرفة، وقد يكون المسكوت عنه أولى بالحكم، فتخصيص القميص "أي في الحج" دون الجلباب، والعمائم دون القلانس، والسراويلات دون التبابين هو من هذا الباب، لا لأن كل ما لا يتناوله اللفظ فقد أذن فيه. انتهى.
стр. 211
القاعدة الثانية: مفهوم المخالفة حجة
العمل بمفهوم المخالفة قد عمل به الصحابة وأقره النبي ﷺ فعن يعلى بن أمية قال: قلت لعمر بن الخطاب: ﴿فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [النساء: ١٠١] فقد أمن الناس! فقال: لقد عجبت مما عجبت منه، فسألت رسول الله ﷺ عن ذلك فقال: "صدقة تصدق الله بها عليكم فاقبلوا صدقته".
أخرجه مسلم "٦٨٦".
فالآية تدل على أن القصر في السفر يكون من أجل الخوف، ومفهوم المخالفة أن المسافر لا يقصر الصلاة إذا كان آمناً، ولم ينكر النبي ﷺ على عمر العمل بمفهوم المخالفة وإنما بين له أن مفهوم المخالفة لا يعمل به هنا في هذه الآية.
стр. 212
القاعدة الثالثة: إذا دل الدليل على أن ما خص بالذكر ليس مختصا بالحكم لم يكن مفهوم المخالفة حينئذ حجة
قال تعالى في كتابه الكريم: ﴿لِتَأكُلُوا مِنْهُ لَحْمًا طَرِيًّا﴾ [النحل: ٧] فتخصيص وصف اللحم بكونه طريا لا يدل على أن غير الطري محرم، وذلك لأن التخصيص هنا بذكر "الطري" ليس لكونه مختصاً بالحكم، قال شيخ الإسلام ابن تيمية في بيان الأسباب التي تدل على أن التخصيص
стр. 213
بالذكر سبب غير التخصيص بالحكم كما في مجموع الفتاوى "٣١/١٣٨": إما عدم قصد بيان حكمه، أو كون المسكوت أولى بالحكم منه، أو كونه مساوياً له في بادئ الرأي، أو كونه سئل عن المنطوق، أو يكون قد جرى بسبب أوجب بيان المنطوق، أو كون الحاجة داعية إلى بيان المنطوق، أو كون الغالب على أفراد ذلك النوع هو المنطوق، فإذا علم أو غلب على الظن أن لا موجب للتخصيص بالذكر من هذه الأسباب ونحوها علم أنه إنما خصه بالذكر لأنه مخصوص بالحكم. انتهى.
стр. 214
الاحكام التكليفية (الواجب)
مدخل
...
الأحكام التكليفية
المراد بالحكم التكليفي هو خطاب الشرع المتعلق بأفعال العباد بالاقتضاء أو التخيير.
وكلمة "اقتضاء" معناها الطلب بالفعل أو الترك.
والحكم التكليفي خمسة أقسام هي:
١ - الواجب: وهو ما يلزم المكلف فعله فيثاب على فعله ويعاقب على تركه.
٢ - المندوب: وهو ما يثاب فاعله ولا يعاقب تاركه.
٣ - المحرم: وهو ما يلزم المكلف تركه فيعاقب على فعله.
٤ - المكروه: وهو ما يثاب تاركه ولا يعاقب فاعله.
٥ - المباح: هو ما لا يثاب تاركه ولا يعاقب فاعله.
وإليك بيان قواعدها بالتفصيل:
стр. 215
الواجب
القاعدة الأولى: الفرق بين الواجب والفرض ليس بصحيح
الحنفية يفرقون بين الواجب والفرض، فالواجب عندهم ما ثبت بدليل ظني "أي بخبر الآحاد".
والفرض عندهم ما ثبت بدليل قطعي "أي بالخبر المتواتر".
وهذا التفريق خلاف ما كان عليه السلف الصالح فإنهم ما كانوا يفرقون بين الواجب والفرض، بل كان الواجب والفرض عندهم بمنزلة واحدة وذلك لأنهم لم يكونوا يفرقون بين الآحاد والمتواتر من ناحية العمل بهما.
следующие страницы →