← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 12085

من أصول الفقه على منهج أهل الحديث

زكريا بن غلام قادر الباكستاني

Полный текст (345 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.

стр. 211

القاعدة الثانية: مفهوم المخالفة حجة العمل بمفهوم المخالفة قد عمل به الصحابة وأقره النبي ﷺ فعن يعلى بن أمية قال: قلت لعمر بن الخطاب: ﴿فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [النساء: ١٠١] فقد أمن الناس! فقال: لقد عجبت مما عجبت منه، فسألت رسول الله ﷺ عن ذلك فقال: "صدقة تصدق الله بها عليكم فاقبلوا صدقته". أخرجه مسلم "٦٨٦". فالآية تدل على أن القصر في السفر يكون من أجل الخوف، ومفهوم المخالفة أن المسافر لا يقصر الصلاة إذا كان آمناً، ولم ينكر النبي ﷺ على عمر العمل بمفهوم المخالفة وإنما بين له أن مفهوم المخالفة لا يعمل به هنا في هذه الآية.

стр. 212

القاعدة الثالثة: إذا دل الدليل على أن ما خص بالذكر ليس مختصا بالحكم لم يكن مفهوم المخالفة حينئذ حجة قال تعالى في كتابه الكريم: ﴿لِتَأكُلُوا مِنْهُ لَحْمًا طَرِيًّا﴾ [النحل: ٧] فتخصيص وصف اللحم بكونه طريا لا يدل على أن غير الطري محرم، وذلك لأن التخصيص هنا بذكر "الطري" ليس لكونه مختصاً بالحكم، قال شيخ الإسلام ابن تيمية في بيان الأسباب التي تدل على أن التخصيص

стр. 213

بالذكر سبب غير التخصيص بالحكم كما في مجموع الفتاوى "٣١/١٣٨": إما عدم قصد بيان حكمه، أو كون المسكوت أولى بالحكم منه، أو كونه مساوياً له في بادئ الرأي، أو كونه سئل عن المنطوق، أو يكون قد جرى بسبب أوجب بيان المنطوق، أو كون الحاجة داعية إلى بيان المنطوق، أو كون الغالب على أفراد ذلك النوع هو المنطوق، فإذا علم أو غلب على الظن أن لا موجب للتخصيص بالذكر من هذه الأسباب ونحوها علم أنه إنما خصه بالذكر لأنه مخصوص بالحكم. انتهى.

стр. 214

الاحكام التكليفية (الواجب) مدخل ... الأحكام التكليفية المراد بالحكم التكليفي هو خطاب الشرع المتعلق بأفعال العباد بالاقتضاء أو التخيير. وكلمة "اقتضاء" معناها الطلب بالفعل أو الترك. والحكم التكليفي خمسة أقسام هي: ١ - الواجب: وهو ما يلزم المكلف فعله فيثاب على فعله ويعاقب على تركه. ٢ - المندوب: وهو ما يثاب فاعله ولا يعاقب تاركه. ٣ - المحرم: وهو ما يلزم المكلف تركه فيعاقب على فعله. ٤ - المكروه: وهو ما يثاب تاركه ولا يعاقب فاعله. ٥ - المباح: هو ما لا يثاب تاركه ولا يعاقب فاعله. وإليك بيان قواعدها بالتفصيل:

стр. 215

الواجب القاعدة الأولى: الفرق بين الواجب والفرض ليس بصحيح الحنفية يفرقون بين الواجب والفرض، فالواجب عندهم ما ثبت بدليل ظني "أي بخبر الآحاد". والفرض عندهم ما ثبت بدليل قطعي "أي بالخبر المتواتر". وهذا التفريق خلاف ما كان عليه السلف الصالح فإنهم ما كانوا يفرقون بين الواجب والفرض، بل كان الواجب والفرض عندهم بمنزلة واحدة وذلك لأنهم لم يكونوا يفرقون بين الآحاد والمتواتر من ناحية العمل بهما.

стр. 216

القاعدة الثانية: الواجب الذي ليس له وقت محدد يجب المبادرة إلى فعله قوله تعالى: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [آل عمران: ١٣٣] . يدل على وجوب المبادرة إلى أداء ما أوجبه الشارع ولم يجعل له وقتا محدداً كقضاء الصيام والنذر، للأمر بذلك، قال الشاطبي في

стр. 217

الموافقات "١/١١٠": وأما المقيدة بوقت العمر فإنها لما قيد آخرها بأمر مجهول، كان ذلك علامة على طلب المبادرة والمسابقة في أول أزمنة الإمكان، فإن العاقبة مغيبة فإذا عاش المكلف في مثله ما يُؤديِّ ذلك المطلوب، فلم يفعل مع سقوط الأعذار عُدَّ ولا بدَّ مفرِّطاً، وأثمه الشافعي لأن المبادرة هي المطلوب، لا أنه على التحقيق مخير بين أول الوقت وآخره، فإن آخره غير معلوم وإنما المعلوم منه ما في اليد الآن. انتهى.

стр. 218

القاعدة الثالثة: الواجب إذا لم يكن الإتيان بتمامه فإن المسلم يأتي بما يستطيع منه الواجب الذي لا يمكن الإتيان بتمامه فإن المكلف يأتي بما يستطيع من ذلك الواجب، كالذي لا يستطيع القيام في الصلاة فإنه يُصلي جالساً، فقد قال ﵊: "ما نهيتكم عنه فاجتنبوه، وما أمرتكم به فافعلوا منه ما استطعتم". أخرجه مسلم "١٣٣٧" من حديث أبي هريرة.

стр. 219

القاعدة الرابعة: ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب ما ورد فيه الدليل بإيجابه، وكان ذلك الواجب لا يؤدَّى إلا بعمل من الأعمال حتى يمكن فعله، فإن ذلك العمل المؤدي إلى الواجب يعتبر

стр. 220

واجبا ولو لم يرد فيه دليل على وجوبه، ومن الأدلة على هذه القاعدة حديث أبي سعيد الخدري قال: لما بلغ النبي ﷺ عام الفتح مرَّ الظهران فآذننا بلقاء العدو، فأمرنا بالفطر فأفطرنا أجمعون. أخرجه الترمذي "١٦٨٤" وقال: هذا حديث حسن صحيح. فالفطر للصائم المسافر مباح، ولكن لما كان الجهاد "وهو واجب" لا يتم إلا بالفطر حتى يتقووا على الجهاد أمرهم النبي ﷺ بالإفطار، فصار الفطر واجباً، لأن ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب. قال شيخ الإسلام ابن تيمية في اقتضاء الصراط المستقيم "٢٠٧" على هذه القاعدة: اللغة العربية من الدين ومعرفتها فرض واجب، فإن فهم الكتاب والسنة فرض، ولا يفهم الدين إلا بفهم اللغة العربية وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب، ثم منها ما هو واجب على الأعيان ومنها ما هو واجب على الكفاية. انتهى.

стр. 221

القاعدة الخامسة: ما لا يتم الواجب المشروط إلا به فهو غير واجب الواجبات التي جعل لها الشارع شروطاً لا تجب إلا بتلك الشروط، فإنه لا يجب على المكلف إيجاد تلك الشروط لذلك الواجب، لأن الله تعالى لم يوجب على العبد إيجاد ذلك الشرط، وإنما أوجب ذلك الواجب متى وجد ذلك الشرط، يقول شيخ الإسلام ابن تيمية كما في مجموع

стр. 222

الفتاوى "٢٠/١٦٠": فإن العبد إذا كان مستطيعاً للحج وجب عليه الحج، وإذا كان مالكاً لنصاب وجبت عليه الزكاة فالوجوب لا يتم إلا بذلك، فلا يجب عليه تحصيل استطاعته الحج ولا ملك النصاب. انتهى.

стр. 223

القاعدة السادسة: الواجب الذي لم يحدد له الشارع حداً فإنه يجب على المكلف أن يأتي منه ما يغلب على الظن أنه أدى ما وجب عليه من ذلك الواجب الواجب باعتبار تحديده ينقسم إلى قسمين: - القسم الأول: واجب محدد، وهو الذي جعل له الشارع مقداراً معيناً، كمواقيت الصلوات الخمس، وما يغسل من الأعضاء في الوضوء، وكصفة زكاة القوال وغير ذلك، فهذا ينبغي الوقوف مع ما حدده الشارع وقدره من غير تجاوز. - القسم الثاني: واجب غير محدد، وهو الواجب الذي لم يجعل له الشارع مقداراً محدداً، فيرجع في ذلك إلى إعمال النظر والفكر فيعمل بما يغلب على ظنه أنه أداه من تلك الواجبات الغير محددة، وفي هذا يقول الشاطبي في الموافقات "١/١١٢": فإذا قال الشارع: ﴿وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ﴾ [الحج: ٣٦] أو ﴿وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١٩١] فمعنى ذلك طلب

стр. 224

رفع الحاجة في كل واقعة بحسبها من غير تعيين مقدار، فإذا تعينت حاجة تبين مقدار ما يحتاج إليه فيها بالنظر لا بالنص، فإذا تعين جائع فهو مأمور بإطعامه وسد خلته بمقتضى ذلك الإطلاق، فإن أطعمه مالا يرفع عنه الجوع، فالطلب باق عليه مالم يفعل من ذلك ما هو كاف ورافع للحاجة التي من أجلها أمر ابتداءاً. انتهى.

стр. 225

القاعدة السابعة: الواجب المخير يسقط بفعل واحد من أفراده، ولا يشرع الجمع بين أفراده هناك بعض الواجبات يخير المكلف في فعل واحدة من أفرادها من غير تعيين فإذا فعل واحدة من تلك الأفراد سقط عنه ذلك الواجب، ومثاله: قال الله تعالى في كتابه الكريم: ﴿لا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ﴾ [المائدة: ٨٩] فلفظة "أو" تدل على التخيير في كفارة اليمين بين الإطعام أو الكسوة أو العتق. ولا يشرع الجمع بين أفراد الواجب المخير، لأن الجمع بين أفراده لم يرد في الشرع وإنما ورد في الشرع التخيير فيصير الجمع بين أفراده بدعة في الدين.

стр. 226

القاعدة الثامنة: الواجب الكفائي إذا قام به البعض سقط الإثم عن الباقين ينقسم الواجب باعتبار ذاته إلى قسمين: - القسم الأول: واجب عيني وهو الذي يلزم كل مكلف فعله، كالصلوات الخمس والزكاة والصيام وغير ذلك. - القسم الثاني: واجب كفائي وهو الذي إذا قام به البعض سقط الإثم عن الباقين، والضابط في معرفته هو أنه لا يكون فيه أمر لجميع المكلفين بفعله، لكن يحصل بترك ذلك الفعل الضرر إذا تركه جميع المسلمين، كالرد على أهل البدع قال الشافعي في الرسالة "٣٦٦" في الواجب الكفائي: وهكذا كل ما كان الفرض فيه مقصوداً قصد الكفاية فيما ينوب، فإذا قام به من المسلمين من فيه الكفاية خرج من تخلف عنه من الإثم، ولو ضيعوه معاً خفت ألا يخرج واحد منهم مطيق فيه من المأثم، بل لا أشك إن شاء الله لقوله: ﴿إِلاّ تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذَاباً أَلِيماً﴾ [التوبة: ٣٧] قال: فما معناها؟ قلت: الدلالة عليها أن تخلفهم عن النفير كافة لا يسعهم، ونفير بعضهم إذا كانت في نفيرهم كفاية يُخْرِجُ مَنْ تَخَلَّفَ مِنَ المأثم إن شاء الله، لأنه إذا نفر بعضهم وقع عليهم اسم النفير. انتهى. قلت: وهذه القاعدة تحتاج إلى بيان أمور: الأمر الأول: أنه لو قام جماعة بالواجب الكفائي ولكن لم يف

стр. 227

قيامهم حصول المقصود من ذلك الواجب الكفائي فإن ذلك الواجب الكفائي لا يزال قائما ولا يسقط حتى يحصل المقصود منه، وعلى هذا يدل آخر كلام الشافعي. الأمر الثاني: الواجب الكفائي يسقط بفعل غير المكلف له، إذا حصل المقصود من الواجب الكفائي، وليس في الأدلة ما يدل أنه لا يسقط إلا بفعل المكلفين فقط. الأمر الثالث: الواجب الكفائي لا يتعلق بالأمور الدينية فقط؟ بل يشمل جميع ما يحتاج إليه المسلمون في حياتهم الدنيوية لأنه يحصل الضرر لهم بترك جميعهم له ومنه تعلم أن تقييد الغزالي للواجب الكفائي بالأمور الدينية تقييد غير صحيح. الأمر الرابع: الواجب الكفائي لا يلزم بالشروع فيه فيجوز قطعه بعد الشروع فيه، وذلك لأن الواجب الكفائي لا يجب ابتداؤه على من ابتدائه وعليه فلا يجب إتمامه، ولم يأت من أوجب إتمامه بحجة، لكن إذا أتى الدليل على وجوب إتمامه فإنه يجب إتمامه لذلك الدليل، كالأدلة التي تدل على وجوب الجهاد لمن حضر الصف.

стр. 228

القاعدة التاسعة: إذا تعارض واجبان فإنه يقدم الآكد منهما وجوباً الواجبات الشرعية ليست على درجة واحدة فبعض الواجبات آكد وجوباً من واجبات أخرى، فإذا تعارض واجبان فإنه يقدم الآكد منهما

стр. 229

وجوباً على الآخر الذي دونه في الوجوب لقوله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن: ١٦] قال شيخ الإسلام ابن تيمية كما في مجموع الفتاوى "١٧/٦١": ومن المعلوم بالاضطرار تفاضل المأمورات: فبعضها أفضل من بعض، وبعض المنهيات شر من بعض. انتهى.

стр. 230

القاعدة العاشرة: كل لفظ دل على أنه يلزم فعل شيء من الأفعال فإن ذلك اللفظ يؤخذ منه وجوب ذلك الفعل قال ابن القيم في بدائع الفوائد "٢/٢١٨": ويستفاد الوجوب بالأمر تارة، وبالتصريح بالإيجاب والفرائض والكتب ولفظه "على" ولفظه "حق على العباد" و "على المؤمنين" وترتيب الذم والعقاب على الترك وإحباط العمل بالترك وغير ذلك. انتهى.

стр. 231

المندوب القاعدة الأولى: حكم معرفة المندوب واجب على الكفاية قال شيخ الإسلام كما في مجموع الفتاوى "٤/٤٣٦": ومعرفة "الاستحباب" فرض على الكفاية، لئلا يضيع شيء من الدين. انتهى. قلت: وكذلك ما لا يجب على كل مكلف معرفته من الأحكام التكليفية الخمسة فهو فرض على الكفاية.

стр. 232

القاعدة الثانية: المندوب لا يجب بالشروع فيه المندوب لا يجب بالشروع فيه، لأن ما لا يجب ابتداؤه لا يجب إتمامه، يقول عطاء إن ابن عباس كان لا يرى بأسا أن يفطر إنسان في التطوع ويضرب أمثالا: طاف سبعا فقطع ولم يوفه فله ما احتسب، أو صلى ركعة ولم يصل أخرى فله ما احتسب، أو يذهب بمال يتصدق به، فيتصدق ببعضه وأمسك بعضه. أخرجه عبد الرزاق "٤/٢٧١". ويستثنى من ذلك التطوع بالحج أو العمرة فإنهما يجب إتمامهما إذا ابتدأهما المسلم ولو كان أصلهما تطوعاً لقوله تعالى: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ

стр. 233

وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ [البقرة: ١٩٦] . الآية. قال ابن عبد البر كما في البحر المحيط "١/٣٨٤": من احتج على المنع بقوله تعالى: ﴿وَلا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ﴾ [محمد: ٣٣] فإنه جاهل بأقوال العلماء فإنهم اختلفوا فيها على قولين: فأكثرهم قالوا: لا تبطلوها بالرياء وأخلصوها، وهم أهل السنة، وقيل: لا تبطلوها بالكبائر وهو قول المعتزلة. انتهى.

стр. 234

القاعدة الثالثة: السنة إذا أدى فعلها إلى فتنة فإنها تترك مؤقتا تأليفا للقلوب إلى أن يعلمها الناس السنة لا تؤدي إلى الفتنة وإنما جهل الناس بها هو الفتنة، لذلك ينبغي على المسلم إذا كان يريد أن يحيي سنة من السنن بين أناس جاهلين بتلك السنة أن يعلمهم تلك السنة قبل تطبيقها بينهم فإن رضوا كان بها وإن لم يرضوا فلا يفعلها بينهم، حتى لا يؤدي ذلك إلى تنفير القلوب، قال شيخ الإسلام كما في مجموع الفتاوى "٢٢/٤٠٧": ويستحب للرجل أن يقصد إلى تأليف القلوب بترك هذه المستحبات لأن مصلحة التأليف في الدين أعظم من مصلحة فعل مثل هذا، كما ترك النبي ﷺ تغيير بناء البيت لما في إبقائه من تأليف القلوب. انتهى.

стр. 235

القاعدة الرابعة: لا يترك المندوب إذا صار شعاراً للمبتدعة لا يترك المندوب إذا صار شعاراً للمبتدعة، كلبس الثوب إلى نصف الساق، فإنه لو صار شعاراً لبعض المبتدعة فلا يترك لبس الثوب إلى نصف الساق من أجل أنه صار شعاراً للمبتدعة مثلاً، وعلى هذا كان السلف رضوان الله عليهم فإنهم كانوا لا يتركون العمل المستحب في الشرع الذي صار شعاراً للمبتدعة. وقد ذهب الغزالي في الإحياء إلى المنع من العمل بسنة من السنن إذا صارت شعاراً لأهل البدعة حتى لا يتشبه بهم. وقد تعقبه الألباني ﵀ فقال في حاشية إصلاح المساجد "٢٣": ليس هذا من التشبه بهم في شيء بل هو تشبه بمن سن السنة وهو الرسول ﷺ فإذا أخذ بها بعض الفساق فليس ذلك بالذي يمنع من استمرار الحكم السابق وهو التشبه به ﷺ . انتهى.

стр. 236

المكروه القاعدة الأولى: المكروه هو كل ما لم ينه عنه الشارع نهيا جازماً المكروه هو مرتبة بين المباح والحرام فيثاب تاركه ولا يعاقب فاعله، ويعرف بأن هذا الشيء مكروه في الشرع بأن يكون ورد فيه نهي لكن ذلك النهي جاء ما يدل على أنه ليس المراد به نهي تحريم. عن أم عطية قالت: نهينا عن اتباع الجنائز ولم يعزم علينا. أخرجه البخاري "١٢٧٨". قال الحافظ في الفتح "٣/١٧٣": قولها: "ولم يعزم علينا" لم يؤكد علينا في المنع كما أكد علينا في غيره في المنهيات فكأنها قالت: كره لنا اتباع الجنائز من غير تحريم. انتهى.

стр. 237

القاعدة الثانية: مراد الشرع بكلمة "المكروه" هو "الحرام " "المكروه" في الشرع يطلق على المحرم، كما قال تعالى في كتابه: ﴿وَلا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحاً إِنَّكَ لَنْ تَخْرِقَ الْأَرْضَ وَلَنْ تَبْلُغَ الْجِبَالَ طُولاً، كُلُّ ذَلِكَ كَانَ سَيِّئُهُ عِنْدَ رَبِّكَ مَكْرُوهاً﴾ [الإسراء:٣٨] . فانظر

стр. 238

كيف أطلق "المكروه" على الشيء المحرم. وكذلك السلف الصالح كانوا يطلقون "المكروه" على الشيء المحرم تورعا، فكانوا يتورعون أن يقولوا على الشيء الذي ليس فيه نص مبين على تحريمه "هذا حرام" وإنما يقولون "هذا مكروه". قال ابن القيم في اعلام الموقعين "١/٣٥": فالسلف كانوا يستعملون الكراهة في معناها الذي استعملت فيه في كلام الله ورسوله، ولكن المتأخرون اصطلحوا على تخصيص الكراهة بما ليس بمحرم وتركه أرجح من فعله ثم حصل من حمل منهم كلام الأئمة على الإصطلاح الحادث فقط، وأقبح غلطاً منه من حمل لفظ "الكراهة" أو لفظ "لا ينبغي" في كلام الله ورسوله على المعنى الاصطلاحي الحادث. انتهى.

стр. 239

المحرم القاعدة الأولى: المحرمات متفاوتة المحرمات ليست على درجة واحدة بل هي متفاوتة، فبعض المحرمات أشد تحريما من بعض، يقول شيخ الإسلام ابن تيمية كما في مجموع الفتاوى "١٧/٥٩": ولهذا ذهب جمهور الفقهاء إلى تفاصيل أنواع الإيجاب والتحريم وقالوا: إن إيجاب أحد الفعلين قد يكون أبلغ من إيجاب الآخر، وتحريمه أشد من تحريم الآخر، فهذا أعظم إيجاباً، وهذا أعظم تحريماً، ولكن طائفة من أهل الكلام نازعوا في ذلك كابن عقيل وغيره فقالوا: التفاضل ليس في نفس الإيجاب والتحريم، لكن في متعلق ذلك وهو كثيرة الثواب والعقاب، والجمهور يقولون بل التفاضل في الأمرين، والتفاضل في المسببات دليل على التفاضل في الأسباب، وكون أحد الفعلين ثوابه أعظم وعقابه أعظم دليل على أن الأمر به والنهي عنه أوكد، ولو تساويا من كل وجه لامتنع الاختصاص بتوكيد أو غيره من أسباب الترجيح، فإن التسوية والتفضيل متضادان. انتهى.

стр. 240

القاعدة الثانية: تحريم الشيء تحريم لجميع أجزائه قال شيخ الإسلام كما في مجموع الفتاوى "٢١/٨٥": تحريم الشيء مطلقا يقتضي تحريم كل جزء منه، كما أن تحريم الخنزير والميتة والدم اقتضى ذلك، وكذلك تحريم الأكل والشرب في آنية الذهب والفضة يقتضي المنع من أبعاض ذلك، وكذلك النهي عن لبس الحرير اقتضى النهي عن أبعاض ذلك، لولا ما ورد من استثناء موضع إصبعين أو ثلاث أو أربع في الحديث الصحيح.. ثم قال "٢١/٨٦": وحيث حرم النكاح كان تحريما لأبعاضه، حتى يحرم العقد مفرداً والوطأ مفرداً كما في قوله: ﴿وَلا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ﴾ [النساء: ٢٢] . انتهى.

стр. 241

القاعدة الثالثة: ما أدى إلى محرم فهو محرم ما أدى إلى محرم فهو محرم فعله، كما لو أدى فعل نافلة إلى ترك فريضة كالذي يصلي بالليل طويلاً وينام عن صلاة الفجر، فإنه لا يشرع له قيام الليل إذا كان ذلك سببا لتركه صلاة الفجر. أو أدى فعل مباح إلى فعل محرم، كما لو إذا خلى وحده ارتكب المحرمات، فإنه لا يشرع له أن يخلوا لوحده إذا كان ذلك سبباً للوقوع في الحرام أو أدى فعلٌ إلى الإحتيال على أمر محرم فهو محرم، قال ابن القيم في إغاثة اللهفان "١/٣٦١": وإذا تدبرت الشريعة وجدتها قد

стр. 242

أتت بسد الذرائع إلى المحرمات، وذلك عكس باب الحيل الموصلة إليها، فالحيل وسائل وأبواب إلى المحرمات، وسد الذرائع عكس ذلك، فبين البابين أعظم التناقض، والشارع حرَّم الذرائع وإن لم يقصد بها المحرم لإقضائها إليه فكيف إذا قصد بها المحرم نفسه. انتهى. وقال شيخ الإسلام ابن تيمية كما في طريق الوصول إلى العلم المأمول "١١٣": إذا أشكل على الناظر أو السالك حكم شيء هل هو الإباحة أو التحريم فلينظر إلى مفسدته وثمرته وغايته فإن كان مشتملا على مفسدة ظاهرة راجحة فإنه يستحيل على الشارع الأمر أو إباحته بل يقطع أن الشرع يحرمه لا سيما إذا كان طريقا مفضيا إلى ما يبغضه الله ورسوله. انتهى.

стр. 243

القاعدة الرابعة: يأثم الإنسان بالعزم على فعل المحرم وإن لم يفعله عن أبي كبشة الأنماري قال: قال رسول الله ﷺ : "إنما الدنيا لأربعة نفر عبد رزقه الله ما لا وعلما فهو يتقي فيه ربه فهو بأفضل المنازل، وعبد رزقه الله علما ولم يرزقه مالا فهو صادق النية يقول: لو أن لي مالا لعملت بعمل فلان فهو بنيه فأجرهما سواء، وعبد رزقه مالا ولم يرزقه علما فهو يخبط في ماله بغير علم لا يتقي فيه ربه ولا يصل فيه رحمه، ولا يعلم لله فيه حقا، فهذا بأخبث المنازل، وعبد لم يرزقه الله مالا ولا علما

стр. 244

فهو يقول لو أن لي مالا لعملت فيه بعمل فلان فهو نيته فوزرهما سواء" أخرجه الترمذي "٢٣٢٥" وقال: هذا حديث حسن صحيح. هذا الحديث يدل على أن الإنسان يأثم بالعزم على فعل المعصية وإن لم يفعلها، إذا كان سبب تركه لتلك المعصية عدم القدرة عليها وليس الخوف من الله، وقد ذكر هذا الحديث شيخ الإسلام فقال عنه كما في مجموع الفتاوى "١٠/٧٣٣": هو في حكاية من قال ذلك، وكان صادقا فيه وعلم الله منه إرادة جازمة لا يتخلف عنها الفعل إلا لفوات القدرة، فلهذا استويا في الثواب والعقاب، وليس هذه الحال تحصل لكل من قال: "لو أن لي ما لفلان لفعلت مثل ما يفعل" إلا إذا كانت إرادته جازمة يجب وجود الفعل معها إذا كانت القدرة حاصلة، وإلا فكثير من الناس يقول ذلك عن عزم لو اقترنت به القدرة لانفسخت العزيمة. وقال أيضا "١٠/٧٣٦، ٧٣٧": ولا ريب أن "الهم" و "العزم" و "الإرادة" ونحو ذلك قد يكون جازما لا يتخلف عنه الفعل إلا للعجز، وقد لا يكون هذا على هذا الوجه من الجزم..، وأما الهام بالسيئة الذي لم يعملها وهو قادر عليها فإن الله لا يكتبها عليه كما أخبر به في الحديث الصحيح، وسواء سمي همه: "إرادة" أو "عزماً" أو لم يسم، متى كان قادراً على الفعل وهم به وعزم عليه ولم يفعله مع القدرة فليست إرادته بجازمة.

стр. 245

القاعدة الخامسة: كل لفظ يدل على لزوم ترك فعل من الأفعال فإن ذلك اللفظ يؤخذ منه تحريم ذلك الفعل قال ابن القيم في بدائع الفوائد "٢/٢١٨": ويستفاد التحريم من النهي، والتصريح بالتحريم، والحظر، والوعيد على الفعل، وذم الفاعل، وإيجاب الكفارة بالفعل، وقوله: "لا ينبغي" فإنها في لغة القرآن والرسول للمنع عقلاً أو سرعاً، ولفظه "ما كان لهم كذا"، و "لم يكن لهم"، وترتيب الحد على الفعل، ولفظه "لا يحل" و "لا يصلح"، ووصف الفعل بأنه فساد وأنه من تزيين الشيطان وعمله وإن الله لا يحبه وأنه لا يرضاه لعباده، ولا يزكي فاعله، ولا يكلمه، ولا ينظر إليه، ونحو ذلك. انتهى.

стр. 246

المباح القاعدة الأولى: الأصل في الأشياء الإباحة الأصل في الأشياء الإباحة إلا إذا أتى ما يدل على تحريم ذلك الشيء فقد قال تعالى في كتابه الكريم: ﴿وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ﴾ [الأنعام: ١١٩] . قال شيخ الإسلام كما في مجموع الفتاوى "٢١/٥٣٦": والتفصيل التبيين، فبين أنه بين المحرمات، فما لم يبين تحريمه فليس بمحرم، وما ليس بمحرم فهو حلال، إذ ليس إلا حلال أو حرام. انتهى. وعن أبي الدرداء أن رسول الله ﷺ قال: "ما أحل الله في كتابه فهو حلال، وما حرم فهو حرام، وما سكت عنه فهو عفو". أخرجه الحاكم "٢/٣٧٥" وحسنه الألباني في غاية المرام "١٤". قال شيخ الإسلام كما في مجموع الفتاوى "٢١/٥٣٨": قوله: "وما سكت عنه فهو مما عفا عنه" نص في أن ما سكت عنه فلا إثم عليه، وتسميته هذا عفواً كأنه والله أعلم لأن التحليل هو الإذن في التناول بخطاب خاص، والتحريم المنع من التناول كذلك، والسكوت عنه

стр. 247

لم يؤذن بخطاب يخصه، ولم يمنع منه، فيرجع إلى الأصل، وهو أن لا عقاب إلا بعد الإرسال، وإذا لم يكن فيه عقاب لم يكن محرماً. انتهى. قلت: وعلى هذا جرى فهم الصحابة فقد ذهب عمر بن الخطاب إلى جواز أكل الضب واستدل على ذلك بأن النبي ﷺ لم يحرمه كما عند مسلم "٣/١٥٤٥". قال ابن رجب في جامع العلوم "٦٥": ما أصله الإباحة كطهارة الماء إذا لم يتيقن جواز أصله فيجوز استعماله، وما أصله الحظر كالأبضاع ولحوم الحيوان فلا تحل إلا بيقين حله من التذكية والعقد، فإن تردد في شيء من ذلك لطهور سبب آخر رجع إلى الأصل فيبني عليه. انتهى. والألفاظ التي وردت في الشرع تدل على إباحة تلك الأشياء ذكرها ابن القيم في بدائع الفوائد "٢/٢١٨" فقال: وتستفاد الإباحة من الإذن والتخيير والأمر بعد الحظر ونفي الجناح والحرج والإثم والمؤامرة والإخبار بأنه معفو عنه، وبالإقرار على فعله في زمان الوحي، وبالإنكار على من حرم الشيء، والإخبار بأنه خلق لنا كذا وجعله لنا، وامتنانه علينا به، وإخباره عن فعل من قبلنا له غير ذام لهم عليه ... انتهى.

стр. 248

القاعدة الثانية: لا يأثم الإنسان بالمداومة على فعل بعض المباحات الغزالي في إحياء علوم الدين "٢/٢٨٣" قال بأن بعض المباح يصير بالمواظبة عليه صغيرة كالترنم بالغناء، واللعب بالشطرنج. انتهى.

стр. 249

وهذا كلام غريب، وذلك لأن الشيء إذا كان مباحا فإن الإنسان لا يأثم بفعله له ولو واظب عليه طول عمره، وما إذا كان محرماً فإنه يأتم ولو فعله لمرة واحدة، فمثلاً: لو واظب أحد على صعود الجبل كل يوم لم يأثم، وإنما يأثم إذا أداه المداومة على المباح إلى ترك واجب أو فعل محرم، لأن ما أدى إلى محرم فهو محرم.

стр. 250

القاعدة الثالثة: يُثاب المرء على فعل المباح إذا حسَّن نيته في فعل ذلك المباح كل ما يفعله المرء من الأمور التي أباحها الشرع لا أجر له في فعلها، إلا إذا قصد بفعل ذلك المباح أمراً حسنا في الشرع كمن ينام في النهار وينوي بنومته تلك التقوى على قيام الليل، فهذا ثياب على تلك النومة لا لذات النومة ولكن لم اقترن معها من نية صالحة، كما قال أبو الدرداء: إني لأحتسب نومتي كما أحتسب قوتي. قال ابن الشاط في غمز عيون البصائر "٣٤٨": إذا قصد بالمباحات التقوى على الطاعات أو التوصل إليها كانت عبادة كالأكل والنوم واكتساب المال. انتهى.
следующие страницы →