Полный текст (345 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.
стр. 246
المباح
القاعدة الأولى: الأصل في الأشياء الإباحة
الأصل في الأشياء الإباحة إلا إذا أتى ما يدل على تحريم ذلك الشيء فقد قال تعالى في كتابه الكريم: ﴿وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ﴾ [الأنعام: ١١٩] .
قال شيخ الإسلام كما في مجموع الفتاوى "٢١/٥٣٦": والتفصيل التبيين، فبين أنه بين المحرمات، فما لم يبين تحريمه فليس بمحرم، وما ليس بمحرم فهو حلال، إذ ليس إلا حلال أو حرام. انتهى.
وعن أبي الدرداء أن رسول الله ﷺ قال: "ما أحل الله في كتابه فهو حلال، وما حرم فهو حرام، وما سكت عنه فهو عفو".
أخرجه الحاكم "٢/٣٧٥" وحسنه الألباني في غاية المرام "١٤".
قال شيخ الإسلام كما في مجموع الفتاوى "٢١/٥٣٨": قوله: "وما سكت عنه فهو مما عفا عنه" نص في أن ما سكت عنه فلا إثم عليه، وتسميته هذا عفواً كأنه والله أعلم لأن التحليل هو الإذن في التناول بخطاب خاص، والتحريم المنع من التناول كذلك، والسكوت عنه
стр. 247
لم يؤذن بخطاب يخصه، ولم يمنع منه، فيرجع إلى الأصل، وهو أن لا عقاب إلا بعد الإرسال، وإذا لم يكن فيه عقاب لم يكن محرماً. انتهى.
قلت: وعلى هذا جرى فهم الصحابة فقد ذهب عمر بن الخطاب إلى جواز أكل الضب واستدل على ذلك بأن النبي ﷺ لم يحرمه كما عند مسلم "٣/١٥٤٥".
قال ابن رجب في جامع العلوم "٦٥": ما أصله الإباحة كطهارة الماء إذا لم يتيقن جواز أصله فيجوز استعماله، وما أصله الحظر كالأبضاع ولحوم الحيوان فلا تحل إلا بيقين حله من التذكية والعقد، فإن تردد في شيء من ذلك لطهور سبب آخر رجع إلى الأصل فيبني عليه. انتهى.
والألفاظ التي وردت في الشرع تدل على إباحة تلك الأشياء ذكرها ابن القيم في بدائع الفوائد "٢/٢١٨" فقال: وتستفاد الإباحة من الإذن والتخيير والأمر بعد الحظر ونفي الجناح والحرج والإثم والمؤامرة والإخبار بأنه معفو عنه، وبالإقرار على فعله في زمان الوحي، وبالإنكار على من حرم الشيء، والإخبار بأنه خلق لنا كذا وجعله لنا، وامتنانه علينا به، وإخباره عن فعل من قبلنا له غير ذام لهم عليه ... انتهى.
стр. 248
القاعدة الثانية: لا يأثم الإنسان بالمداومة على فعل بعض المباحات
الغزالي في إحياء علوم الدين "٢/٢٨٣" قال بأن بعض المباح يصير بالمواظبة عليه صغيرة كالترنم بالغناء، واللعب بالشطرنج. انتهى.
стр. 249
وهذا كلام غريب، وذلك لأن الشيء إذا كان مباحا فإن الإنسان لا يأثم بفعله له ولو واظب عليه طول عمره، وما إذا كان محرماً فإنه يأتم ولو فعله لمرة واحدة، فمثلاً: لو واظب أحد على صعود الجبل كل يوم لم يأثم، وإنما يأثم إذا أداه المداومة على المباح إلى ترك واجب أو فعل محرم، لأن ما أدى إلى محرم فهو محرم.
стр. 250
القاعدة الثالثة: يُثاب المرء على فعل المباح إذا حسَّن نيته في فعل ذلك المباح
كل ما يفعله المرء من الأمور التي أباحها الشرع لا أجر له في فعلها، إلا إذا قصد بفعل ذلك المباح أمراً حسنا في الشرع كمن ينام في النهار وينوي بنومته تلك التقوى على قيام الليل، فهذا ثياب على تلك النومة لا لذات النومة ولكن لم اقترن معها من نية صالحة، كما قال أبو الدرداء: إني لأحتسب نومتي كما أحتسب قوتي.
قال ابن الشاط في غمز عيون البصائر "٣٤٨": إذا قصد بالمباحات التقوى على الطاعات أو التوصل إليها كانت عبادة كالأكل والنوم واكتساب المال. انتهى.
стр. 251
ما يتعلق بالعباد من قواعد
القاعدة الأولى: التكليف مشروط بالعلم والقدرة معاً
قال الله تعالى في كتابه الكريم: ﴿لايُكَلِّفُ الله نَفْسًا إلا وُسْعهَا﴾ [البقرة: ٢٨٦] . وقال أيضا: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً﴾ [الإسراء: ١٥]
فهاتان الآيتان تدلان على أن حصول التكليف يكون بالقدرة والعلم معاً، قال شيخ الإسلام ابن تيمية كما في مجموع الفتاوى "٢١/٦٣٤": فمن استقرأ ما جاء به الكتاب والسنة تبين له أن التكليف مشروط بالقدرة على العلم والعمل، فمن كان عاجزاً عن أحدهما سقط عنه ما يعجزه، ولا يكلف الله نفسا إلا وسعها.
وقال أيضا في مجموع الفتاوى "٨/٤٣٨": والشريعة طافحة بأن الأفعال المأمور بها مشروطة بالاستطاعة والقدرة، كما قال النبي ﷺ لعمران بن الحصين: "صَل قائما، فإن لم تستطيع فقاعداً، فإن لم تستطع فعلى جنب" وقد اتفق المسلمون على أن المصلي إذا عجز عن بعض واجباتها كالقيام أو القراءة أو الركوع أو السجود أو ستر العورة
стр. 252
أو استقبال القبلة أو غير ذلك سقط عنه ما عجز عنه، وكذلك الصيام اتفقوا على أنه يسقط بالعجز مثل الشيخ الكبير والعجوز الكبيرة، الذين يعجزون عن أداء وقضاء، وكذلك الحج فإنهم أجمعوا على أنه لا يجب على العاجز عنه، وقد قال تعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً﴾ [آل عمران: ٩٧] . انتهى.
стр. 253
القاعدة الثانية: من لم يبلغ الإحتلام أو زال عقله فليس بمكلف
عن علي بن أبي طالب عن النبي ﷺ قال: "رفع القلم عن ثلاثة: عن النائم حتى يستيقظ، وعن الصغير حتى يكبر، وعن المجنون حتى يفيق" أخرجه أبو داود "٤٣٩٨" والترمذي "١٤٢٣" وابن ماجة "٢٠٤١" وهو صحيح.
هذا الحديث يدل على أن من زال عقله أو لم يبلغ سن الاحتلام فإن قلم التكليف مرفوع عنه فلا يجب عليه شيء في حالته تلك، ولا يؤاخذ بشيء صدر عنه حتى يزول عنه ذلك السبب الذي رفع قلم التكليف عنه.
стр. 254
القاعدة الثالثة: الأقوال والأفعال الصادرة من غير المكلف لا يترتب عليها حكم
قال شيخ الإسلام كما في مجموع الفتاوى "١٤/١١٥": وبهذا كانت الأقوال في الشرع لا تعتبر إلا من عاقل يعلم ما يقول ويقصده،
стр. 255
فأما المجنون والطفل الذي لا يميز فأقواله كلها لغو في الشرع لا يصح منه إيمان ولا كفر، ولا عقد من العقود، ولا شيء من الأقوال باتفاق المسلمين، وكذلك النائم إذا تكلم في منامه فأقواله كلها لغو، سواء تكلم المجنون والنائم بطلاق أو كفر أو غيره..، والذي تدل عليه النصوص وأقوال الصحابة أن أقواله "أي السكران" هدر كالمجنون لا يقع بها طلاق ولا غيره، فإن الله تعالى قد قال: ﴿حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ﴾ [النساء: ٤٣] فدل على أنه لا يعلم ما يقول، والقلب هو الملك الذي تصدر الأقوال والأفعال عنه، فإذا لم يعلم ما يقول لم يكن ذلك صادراً عن القلب، بل يجري مجرى اللغو، والشارع لم يرتب المؤاخذة إلا على ما يكسبه القلب من الأقوال والأفعال الظاهرة كما قال: ﴿وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ﴾ [البقرة: ٢٢٥] ولم يؤاخذ على أقوال وأفعال لم يعلم بها القلب ولم يتعمدها. انتهى.
قلت: ويدخل في هذا الأصل الناسي والمخطئ فلا يترتب على أقوالهما وأفعالها حكم لأنهما غير قاصدين إلا فيما أتى فيه الدليل بترتيب حكم على الناسي أو المخطئ.
والجاهل مثلهما أيضا لا يترتب على قوله أو فعله حكم لأن التكليف مشروط بالعلم كما تقدم، إلا فيما أتى الدليل بترتيب حكم على فعله أو قوله.
стр. 256
القاعدة الرابعة: ما يتعلق بالأموال والمتلفات فإنه لا يعذر فيها أحد أبداً
قال شيخ الإسلام كما في مجموع الفتاوى "١٤/١١٩": القلب هو الأصل في جميع الأفعال والأقوال فما أمر الله به من الأفعال الظاهرة فلا بد فيه من معرفة القلب وقصده وما أمر به من الأقوال، والنهي عنه من الأقوال والأفعال إنما يعاقب عليه إذا كان بقصد القلب، وأما ثبوت بعض الأحكام كضمان النفوس والأموال إذا أتلفها مجنون أو نائم أو مخطيء أو ناس، فهذا من باب العدل في حقوق العباد، ليس هو من باب العقوبة. انتهى.
стр. 257
الاجتهاد والتقليد
القاعدة الأولى: لا يشرع لمن بلغه الدليل أو كان يستطيع البحث عن الدليل أن يقلد أي عالم من العلماء كائنا من كان ويترك الدليل
عرف العلماء التقليد: بأنه اتباع قول من ليس بحجة من غير حجة.
وقد تكاثرت النصوص الشرعية الدالة على تحريم التقليد، وأنه يجب على المسلم البحث عن دليل القائل، وأن لا يسلم له تسليما كتسليمه لما يقوله النبي ﷺ ، قال الله تعالى: ﴿اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ قَلِيلاً مَا تَذَكَّرُونَ﴾ [الأعراف: ٣] .
وقال تعالى: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً﴾ [النساء: ٥٩] .
وقال ﵊: "تركت فيكم شيئين لن تضلوا بعدهما كتاب الله وسنتي، ولن يتفرقا حتى يردا عليَّ الحوض".
أخرجه الحاكم وهو صحيح.
ومفهوم الحديث أن التمسك بغير الكتاب والسنة وإنما بقول عالم من
стр. 258
العلماء وتقليده بغير حجة واتباع قوله بغير دليل يؤدي ذلك إلى الضلال، والله المستعان.
قال ابن عبد البر في كتاب جامع بيان العلم "٢/٩٩٤": يقال لمن قال بالتقليد: لم قلت به وخالفت السلف في ذلك فإنهم لم يقلدوا؟ فإن قال: قلت: لأن كتاب الله لا علم لي بتأويله، وسنة رسوله لم أحصها، والذي قلدته قد علم ذلك فقلدت من هو أعلم مني، قيل له: العلماء، إذا اجتمعوا على شيء من تأويل الكتاب أو حكاية سنة عن رسول الله ﷺ أو اجتمع رأيهم على شيء فهو الحق لا شك فيه، ولكن قد اختلفوا فيما قلدت به بعضهم دون بعض فما حجتك في تقليد بعض دون بعض وكلهم عالم ولعل الذي رغبت عن قوله أعلم من الذي ذهبت إلى مذهبه؟ فإن قال: قلدته لأني علمت أنه صواب، قيل له: علمت ذلك بدليل من كتاب أو سنة أو إجماع؟ فإن قال: نعم، فقد أبطل التقليد وطولب بما ادعاه من الدليل، وإن قال قلدته لأنه أعلم مني، قيل له: فقلد كل من هو أعلم منك، فإنك تجد في ذلك خلقاً كثيراً أو لا تخص من قلدته إذ علتك فيه أنه أعلم منك. انتهى.
وقال ابن أبي العز في شرح الطحاوية "٢١٧": فهما توحيدان، لا نجاة للعبد من عذاب الله إلا بهما: توحيد المرْسِل، وتوحيد متابعة الرسول، فلا تحاكم إلى غيره، ولا نرضى بحكم غيره.
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية كما في مجموع الفتاوى "١٩/٢٦٢":
стр. 259
والمقصود هنا أن التقليد المحرم بالنص والإجماع: أن يعارض قول الله ورسوله بما يخالف ذلك كائنا من كان المخالف لذلك.
وقال أيضا كما في مجموع الفتاوى "٢٠/٢١٠": قد ثبت بالكتاب والسنة والإجماع أن الله فرض على الخلق طاعته، وطاعة رسوله ﷺ ، ولم يوجب على هذه الأمة طاعة أحد بعينه في كل ما يأمر به وينهى عنه إلا رسول الله ﷺ ، واتفقوا كلهم على أنه ليس أحد معصوماً في كل ما يأمر به وينهى عنه إلا رسول الله ﷺ ولهذا قال غير واحد من الأئمة: كل أحد من الناس يؤخذ من قوله ويترك إلا رسول الله ﷺ .
وقال أيضا كما في مجموع الفتاوى "٣٥/١٢١": أما وجوب اتباع القائل في كل ما يقوله، من غير ذكر دليل على صحة ما يقول فليس بصحيح، بل هذه المرتبة هي مرتبة الرسول التي لا تصلح إلا له.
وقال أيضا كما في مجموع الفتاوى "٢٠/٥٨٤": وليس في الكتاب والسنة فرق في الأئمة المجتهدين بين شخص وشخص فما لك والليث بن سعد والأوزاعي، والثوري، هؤلاء أئمة في زمانهم كل منهم كتقليد الآخر، لا يقول مسلم إنه يجوز تقليد هذا دون هذا.
وقال أيضا كما في مجموع الفتاوى "٢٤/١٥٤" بعد أن ذكر حديث أنس: كنا نسافر فمنا الصائم ومنا المفطر، ومنا المتم، ومنا المقصر، فلم يعب الصائم على المفطر، ولا المتم على المقصر قال:
стр. 260
فهذا الحديث من الكذب، وإن كان البيهقي روى هذا فهذا مما أنكر عليه ورآه أهل العلم لا يستوفي الآثار التي لمخالفيه، كما في الآثار التي له، وأنه يحتج بآثار لو احتج بها مخالفوه لأظهر ضعفها وقدح فيها، وإنما أوقعه في هذا مع علمه ودينه ما أوقع أمثاله ممن يريد أن يجعل آثار النبي ﷺ موافقة لقول واحد من العلماء دون آخر، فمن سلك هذا السبيل. دحضت حججه وظهر عليه نوع من التعصب بغير الحق، كما يفعل ذلك من يجمع الآثار ويتأولها في كثير من المواضع بتأويلات يتبين فسادها، لتوافق القول الذي ينصره كما يفعله صاحب شرح الآثار أبو جعفر "يعني الطحاوي" مع أنه يروي من الآثار أكثر مما يروي البيهقي، لكن البيهقي ينقي الآثار ويميز بين صحيحها وسقيمها أكثر مكن الطحاوي. انتهى.
وقال أيضا كما في مجموع الفتاوى "٢٠/٢١٥": وإذا قيل لهذا المستهدي المسترشد أنت أعلم أم الإمام الفلاني؟ كانت هذه المعارضة فاسدة، لأن الإمام الفلاني قد خالفه في هذه المسألة من هو نظيره من الأئمة، ولست أعلم من هذا ولا هذا، ولكن نسبة هؤلاء إلى الأئمة كنسبة أبي بكر وعمر وعثمان وعلي وابن مسعود ومعاذ ونحوهم إلى الأئمة وغيرهم، فكما أن هؤلاء الصحابة بعضهم لبعض أكفاء في موارد النزاع، وإذا تنازعوا في شيء ردوا ما تنازعوا فيه إلى الله والرسول، وإن كان بعضهم قد يكون أعلم في مواضع أخر فكذلك موارد النزاع بين الأئمة، وقد ترك الناس قول عمر وابن مسعود في مسألة تيمم الجنب، وأخذوا بقول من هو دونهما كأبي موسى الأشعري وغيره لما احتج
стр. 261
بالكتاب والسنة، وتركوا قول عمر في دية الأصابع، وأخذوا بقول معاوية لما كان معه من السنة أن النبي ﷺ قال: "هذه وهذه سواء". انتهى.
стр. 262
القاعدة الثانية: يشرع التقليد لمن لم يستطيع الاجتهاد لعذر ما
قال الله تعالى في كتابه الكريم: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن: ١٠] . فالواجب عدم التقليد، لكن مع العذر يجوز التقليد، لأنه لا واجب مع عجز، قال شيخ الإسلام كما في مجموع الفتاوى "٢٠/٢٠٤": والذي عليه جماهير الأمة أن الاجتهاد جائز في الجملة، والتقليد جائز في الجملة، ولا يوجبون الاجتهاد على كل أحد ويحرمون التقليد، ولا يوجبون التقليد على كل أحد ويحرمون الاجتهاد، وأن الاجتهاد جائز للقادر على الاجتهاد، والتقليد جائز للعاجز عن الاجتهاد. وقال أيضا كما في مجموع الفتاوى "٢٨/٣٨٨": ومتى أمكن في الحوادث المشكلة معرفة ما دل عليه الكتاب والسنة كان هو الواجب، وإن لم يكن ذلك لضيق الوقت، أو عجز الطالب أو تكافؤ الأدلة عنده أو غير ذلك، فله أن يقلد من يرتضي علمه ودينه. انتهى.
وقال الشنقيطي كما في القول السديد في حقيقة التقليد "٧٧": لا خلاف بين أهل العلم، في أن الضرورة لها أحوال خاصة تستوجب أحكاماً غير أحكام الاختيار، فكل مسلم ألجأته الضرورة إلى شيء إلجاء
стр. 263
صحيحا حقيقيا فهو سعة ما أمره..، وبهذا تعلم أن المضطر للتقليد الأعمى اضطراراً حقيقيا، بحث يكون لا قدرة له البتة على غيره، مع عدم التفريط، لكونه لا قدرة له أصلاً على الفهم، أوله قدرة على الفهم قد عاقته عوائق قاهرة عن التعليم، أو هو في أثناء التعليم ولكنه يتعلم تدريجاً لأنه لا يقدر على تعلم كل ما يحتاجه في وقت واحد، أو لم يجد كفئا يتعلم منه ونحو ذلك فهو معذور في التقليد المذكور للضرورة، لأنه لا مندوحة عنه، أما القادر على التعلم المفرط فيه، والمقدم آراء الرجال على ما علم من الوحي، فهذا الذي ليس بمعذور. انتهى.
стр. 264
القاعدة الثالثة: لا يشرع الخروج عن أقوال السلف في المسألة التي تكلموا فيها
من اتباع السلف الصالح عدم الخروج عن أقوالهم في مسألة من المسائل، قال مالك "كما في ترتيب المدارك ١/١٩٣" عن موطئه: فيه حديث رسول الله ﷺ وقول الصحابة والتابعين ورأيهم، وقد تكلمت برأيي على الاجتهاد، وعلى ما أدركت عليه أهل العلم ببلدنا ولم أخرج عن جملتهم إلى غيره.
وقال الشافعي كما في المدخل إلى السنن الكبرى "١١٠": إذا اجتمعوا "أي الصحابة" أخذنا باجتماعهم، وإن قال وأحدهم ولم يخالفه أخذنا بقوله، فإن اختلفوا أخذنا بقول بعضهم، ولم نخرج
стр. 265
من أقاويلهم كلهم.
وقال أحمد بن حنبل كما في المسودة "٢٧٦": إذا كان في المسألة عن أصحاب رسول الله ﷺ قول مختلف نختار من أقاويلهم ولم نخرج عن أقاويلهم إلى قول غيرهم، وإذا لم يكن فيها عن النبي ﷺ ولا عن الصحابة قول نختار من أقوال التابعين.
وقال الخطيب في الفقه والمتفقه "١/١٧٣": إذا اختلف الصحابة في مسألة على قولين وانقرض العصر عليه لم يجز للتابعين أن يتفقوا على أحد القولين، فإن فعلوا ذلك لم يترك خلاف الصحابة، والدليل عليه أن الصحابة أجمعت على جواز الأخذ بكل واحد من القولين وعلى بطلان ما عدا ذلك، فإذا صار التابعون إلى القول بتحريم أحدهما لم يجز ذلك، وكان خرقا للإجماع، وهذا بمثابة لو اختلف الصحابة بمسألة على قولين فإنه لا يجوز للتابعين إحداث قول ثالث لأن اختلافهم على قولين إجماع على إبطال كل قول سواه. انتهى.
стр. 266
القاعدة الرابعة: ليس كل مجتهد مصيب
عن عمرو بن العاص أنه سمع النبي ﷺ يقول: "إذا حكم الحاكم فاجتهد ثم أصاب فله أجران، وإذا حكم فاجتهد ثم أخطأ فله أجر واحد".
أخرجه البخاري "٧٣٥٢" ومسلم "١٧١٦".
стр. 267
هذا الحديث يدل على أنه ليس كل مجتهد مصيب وأن الحق واحد لا يتعدد، قال الشوكاني في إرشاد الفحول "٣٨٦": فهذا الحديث يفيدك أن الحق واحد وأن بعض المجتهدين يوافقه فيقال له مصيب ويستحق أجرين، وبعض المجتهدين يخالفه ويقال له مخطيء واستحقاقه الأجر لا يستلزم كونه مصيبا، واسم الخطأ لا يستلزم كونه مصيبا واسم الخطأ عليه لا يستلزم أن لا يكون له أجر، فمن قال كل مجتهد مصيب وجعل الحق متعدداً بتعدد المجتهدين فقد أخطأ وخالف الصواب مخالفة ظاهرة فإن النبي ﷺ جعل المجتهدين قسمين قسماً مصيباً وقسماً مخطئاً، ولو كان كل واحد مصباً ولم يكن لهذا التقسيم معنى. انتهى.
وقد استدل من ذهب أن كل مجتهد مصيب بحديث ابن عمر قال: قال النبي ﷺ يوم الأحزاب: "لا يصلين أحد العصر إلا في بني قريظة" فأدرك بعضهم العصر في الطريق، فقال بعضهم، لا نصلي حتى نأتيهم، وقال بعضهم: بل نصلي لم يرد منا ذلك، فذكر ذلك النبي ﷺ فلم يعنف واحداً منهم. أخرجه البخاري "٤١١٩" ومسلم "١٧٠٧".
قال الحافظ في الفتح الباري "٧/٤٠٩": الاستدلال بهذه القصة على أن كل مجتهد مصيب على الإطلاق ليس بواضح، وإنما فيه ترك تعنيف من بذل وسعه واجتهد فيستفاد منه عدم تأثيمه.. وقد استدل به الجمهور على عدم تأثيم من اجتهد لأنه ﷺ لم يعنف أحداً من الطائفتين، فلو كان هناك إثم لعنف من أتم. انتهى.
стр. 268
القاعدة الخامسة: ينكر على من خالف الدليل في أي مسألة من المسائل
قال ابن تيمية: قولهم "ومسائل الخلاف لا إنكار فيها" ليس بصحيح، فإن الإنكار إما أن يتوجه إلى القول بالحكم أو العمل. أما الأول: فإن كان القول يخالف سنة أو إجماع قديماً وجب إنكاره وفاقاً، وإن لم يكن كذلك فإنه ينكر بمعنى بيان ضعفه عند من يقول: المصيب واحد وهم عامة السلف والفقهاء. وأما العمل: إذا كان على خلاف سنة أو إجماع، وجب إنكاره أيضا بحسب درجات الإنكار.. كما ينقض حكم الحاكم إذا خالف سنة وإن كان قد اتبع بعض العلماء، وأما إذا لم يكن في المسألة سنة ولا إجماع، وللاجتهاد فيها مساغ، فلا ينكر على من عمل بها مجتهداً أو مقلداً، وإنما دخل هذا اللبس من جهة أن القائل يعتقد أن مسائل الخلاف هي مسائل الاجتهاد، كما اعتقد ذلك طوائف من الناس، والصواب الذي عليه الأئمة أن مسائل الاجتهاد مالم يكن فيها دليل يجب العمل به وجوباً ظاهراً مثل حديث صحيح لا معارض له من جنسه فيسوغ له الاجتهاد لتعارض الأدلة المقاربة، أو لخفاء الأدلة فيها. انتهى.
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية كما في مجموع الفتاوى "٣٠/٨٠": إن مثل هذه المسائل الاجتهادية لا تنكر باليد، وليس لأحد أن يلزم الناس باتباعه فيها، ولكن يتكلم بالحجج العلمية، فمن تبين له صحة أحد القولين تبعه، ومن قلد أهل القول الآخر فلا إنكار عليه. انتهى.
стр. 269
القاعدة السادسة: الخروج من الخلاف مستحب
الأدلة متكاثرة في الإعتصام وعدم التفرق والاتفاق على كلمة واحدة فهي دالة على استحباب الخروج من الخلاف، لكن ذلك مشروط بشرطين:
الشرط الأول: أن لا يكون في ذلك طرح لدليل من الأدلة.
الشرط الثاني: أن لا يوقع الخروج من ذلك الخلاف في الوقوع في خلاف آخر.
قال النووي في شرح مسلم "٢/٢٣": فإن العلماء متفقون على الحث على الخروج من الخلاف، إذا لم يلزم منه إخلال بسنة، أو أوقع في خلاف آخر. انتهى.
стр. 270
القاعدة السابعة: عدم التكلم في مسألة لم يسبق إلى القول بها إمام من الأئمة إلا إذا كان فيها نص
هذه القاعدة إنما هي في المسائل التي لا نص فيها، وأما المسائل التي فيها نص من حديث رسول الله ﷺ فيعمل بها وإن لم يعرف أن أحداً من الأئمة السابقين قال بها، لأن الحديث حجة بنفسه، وأما المسائل التي لا نص فيها، ولم يتكلم فيها السلف مع وجودها في زمنهم فلا يشرع أن يأتي المسلم فيها بقول محدث لم يسبق إليه، قال شيخ الإسلام كما في مجموع الفتاوى "٢١/٢٩١": كل قول ينفرد به المتأخر عن المتقدمين، ولم يسبقه إليه أحد منهم، فإنه يكون خطأ، كما قال الإمام أحمد بن حنبل: إياك أن تتكلم في مسألة ليس لك فيها إمام. انتهى.
стр. 271
قواعد متفرقة
القاعدة الأولى: الأمور بمقاصدها
عن عمر بن الخطاب أن رسول الله ﷺ قال: "إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى".
أخرجه البخاري "١" وسلم "١٩٠٧".
قال ابن القيم في إعلام الموقعين "٣/٩٨":
فبين في الجملة الأولى: أن العمل لا يقع إلا بالنية، ولهذا لا يكون عملا إلا بنية، ثم بين في الجملة الثانية: أن العامل ليس له من عمله إلا ما نواه، وهذا يعم العبادات والمعاملات والأيمان والنذور وسائر العقود والأفعال، وهذا دليل على أن من نوى بالبيع عقد الربا حصل له الربا ولا يعصمه من ذلك صورة البيع، وأن من نوى بعقد النكاح التحليل كان محللاً ولا يخرجه من ذلك صورة عقد النكاح لأنه قد نوى ذلك وإنما لامرئ ما نوى.
وقال أيضا "٣/٩٧": أما العبادات فتأثير النيات في صحتها وفسادها أظهر من أن يحتاج إلى ذكره فإن القربات كلها مبناها على
стр. 272
النيات ولا يكون الفعل عبادة إلا بالنية والقصد ولهذا لو وقع في الماء لم ينو الغسل أو سبح لتبرد لم يكن غسله قربة ولا عبادة باتفاق فإنه لم ينو العبادة فلم تحصل له وإنما لامرئ ما نوى، ولو أمسك عن المفطرات عادة واشتغالا ولم ينو القربة لم يكن صائماً، ولو دار حول البيت يلتمس شيئا سقط منه لم يكن طائفاً. انتهى.
стр. 273
القاعدة الثانية: الأحكام الشرعية مبنية على تحقيق المصالح وإكمالها
قال ابن القيم في إعلام الموقعين "٣/٣": فإن الشريعة مبناها وأساسها على الحكم ومصالح العباد في المعاش والمعاد، وهي عدل كلها، ورحمة كلها، ومصالح كلها، وحكمة كلها، فكل مسألة خرجت عن العدل إلى الجوار، وعن الرحمة إلى ضدها، وعن المصلحة إلى المفسدة، وعن الحكمة إلى العبث فليست من الشريعة وإن أدخلت فيها بالتأويل، فالشريعة عدل الله بين عبادة، ورحمته بين خلقه، وظله في أرضه، وحكمته الدالة عليه وعلى صدق رسوله ﷺ أتم دلالة وأصدقها. انتهى.
стр. 274
القاعدة الثالثة: الأحكام الشرعية مبنية على المتماثلات
قال ابن القيم في إعلام الموقعين "١/١٩٥": وأما أحكام الأمرية الشرعية فكلها هكذا، تجدها مشتملة على التسوية بين المتماثلين،
стр. 275
وإلحاق النظير بنظيره، واعتبار الشيء بمثله، والتفريق بين المختلفين وعدم تسوية أحدهما بالآخر، وشريعته سبحانه منزهة أن تنهى عن شيء لمفسدة فيه ثم تبيح ما هو مشتمل على تلك المفسدة أو مثلها أو أزيد منها، فمن جوز ذلك على الشريعة فما عرفها حق معرفتها ولا قدرها حق قدرها. انتهى.
стр. 276
القاعدة الرابعة: العبرة في الأحكام الشرعية بالمعاني والمقاصد لا بالألفاظ
عن جابر بن عبد الله أن رسول الله ﷺ قال: "إن الله ورسوله حرم بيع الخمر والميتة والخنزير والأصنام" فقيل يا رسول الله أرأيت شحوم الميتة فإنه يطلى بها السفن ويدهن بها الجلود، ويستصبح بها الناس؟ قال: "لا هو حرام" ثم قال رسول الله ﷺ : "قاتل الله اليهود إن الله لما حرم شحومها جملوها ثم باعوه فأكلوا ثمنه".
أخرجه البخاري "٢٢٣٦" ومسلم "١٥٨١".
قال ابن القيم في إعلام الموقعين "٢/٩٩": لو كان التحريم معلقا بمجرد اللفظ وبظاهر من القول دون مراعاة المقصود للشيء المحرم معناً وكيفية لم يستحقوا اللعنة لوجهين:
أحدهما: أن الشحم خرج بجملته عن أن يكون شحما وصار ودكاً كما يخرج الربا بالاحتيال فيه عن لفظ الربا إلى أن يصير بيعا عند من
стр. 277
يستحل ذلك ....
الوجه الثاني: أن اليهود لم ينفقوا بعين الشحم، وإنما أنفقوا بثمنه، ويلزم من راعى الصور والظواهر والألفاظ دون الحقائق والمقاصد أن لا يحرم ذلك فلما لعنوا على استحلال الثمن وإن لم ينص على تحريمه علم أن الواجب النظر في الحقيقة والمقصود لا إلى مجرد الصورة، ونظير هذا أن يقال لرجل: لا تقرب مال اليتيم فيبيعه ويأخذ عوضه ويقول: لم أقرب ماله. انتهى ملخصاً.
وقال أيضا "٣/١٣٦": إن الله تعالى وضع الألفاظ بين عباده تعريفاً ودلالة على ما في نفوسهم فإذا أراد أحدهم من الآخر شيئا عرفه بمراده وما في نفسه بلفظه، ورتب على تلك الإرادات والمقاصد أحكاماً بواسطة الألفاظ، ولم يرتب تلك الأحكام على مجرد ما في النفوس من غير دلالة فعل أو قول، ولا على مجرد ألفاظ مع العلم أن المتكلم بها لم يرد معانيها، ولم يحط بها علما، بل تجاوز للأمة عما حدثت به أنفسها، ما لم تعمل به، أو تكلم به، وتجاوز لها عما تكلمت به مخطئة أو ناسية، أو مكروهة، أو غير عالمة به إذا لم تكن مريدة لمعنى ما تكلمت به، أو قاصدة إليه، فإذا اجتمع القصد والدلالة القولية أو الفعلية ترتب الحكم، هذه قاعدة الشريعة وهي من مقتضيات عدل الله وحكمته ورحمته، فإن خواطر القلب وإرادة النفوس لا تدخل تحت الاختيار فلو ترتبت عليها الأحكام مكان في ذلك أعظم حرج ومشقة على الأمة ورحمة الله تأبى ذلك. انتهى.
стр. 278
القاعدة الخامسة: الحكم للغالب والنادر لا حكم لها
استقرأ العلماء النصوص الشرعية فوجدوا أن الأحكام تبنى على الغالب وأن النادر لا محكم له، قال القرافي في الفروق "٤/١٠٤": الأصل اعتبار الغالب وتقديمه على النادر وهو شأن الشريعة، كما يقدم الغالب في طهارة المياه وعقود المسلمين ويمنع شهادة الأعداء والخصوم لأن الغالب منهم الحيف. انتهى.
стр. 279
القاعدة السادسة: الأحكام الشرعية المحددة لا تتغير بتغير الزمان أو المكان
قال ابن القيم في إغاثة اللهفان "١٠/٣٣٠": الأحكام نوعان:
النوع الأول: نوع لا يتغير عن حالة واحدة هو عليها، لا بحسب الأزمنة ولا الأمكنة، ولا اجتهاد الأئمة، كوجوب الواجبات، وتحريم المحرمات، والحدود المقدرة بالشرع على الجرائم ونحو ذلك، فهذت لا يتطرق إليه تغيير، ولا اجتهاد يخالف ما وضع له.
والنوع الثاني: ما يتغير حسب المصلحة له، زماناً ومكاناً وحالاً، كمقادير التعزيرات، وأجناسها، وصفاتها، فإن الشارع ينوع فيها بحسب المصلحة. انتهى.
وضرب ابن القيم لهذه القاعدة مثالا فقال في إعلام الموقعين "٣/١٦" ما حاصله: أن النبي ﷺ نص في المصرَّاة على ردِّ صاع من تمر بدل اللبن،
стр. 280
فقيل هذا حكم عام في جميع الأمصار حتى في المصر الذي لم يسمع أهله بالتمر قط ولا رأوه، فيجب إخراج قيمة الصاع في موضع التمر، ولا يجزئهم إخراج صاع من قوتهم، وجعل هؤلاء التمر في المصراة كالتمر في زكاة التمر لا بجزيء سواه، وخالفهم آخرون فقالوا: بل تخرج في كل موضع صاعاً من قوت ذلك البلد الغالب، فيخرج إلى البلاد التي قوتهم البر صاعا من بُرٍّ، وإن كان قوتهم الأرز فصاعاً من أرز، وإن كان الزبيب والتين عندهم كالتمر في موضعه أجزأ صاع منه وهذا هو الصحيح، ولا ريب أنه أقرب إلى مقصود الشارع، ومصلحة المتعاقدين من إيجاب قيمة صاع من التمر في موضعه، والله أعلم.
стр. 281
القاعدة السابعة: اليقين لا يزول بالشك
عن عبادة بن تميم عن أبيه أنه شكا إلى رسول الله ﷺ الرجل الذي يخيل إليه أنه يجد الشيء في الصلاة فقال: "لا ينصرف حتى يسمع صوتاً أو يجد ريحاً".
أخرجه البخاري "١٣٧" ومسلم "٣٦١".
هذا الحديث يدل على أن الأشياء يحكم ببقائها على ماهي عليه حتى يتيقن خلاف ذلك، ولا يضر الشك الطاريء، وهناك أدلة أخرى على هذه القاعدة منها حديث أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله ﷺ : "إذا شك أحدكم في صلاته فلم يدر كم صلى ثلاثاً أو أربعاً فليطرح
стр. 282
الشك وليبن على ما استيقن ثم ليسجد سجدتين قبل أن يسلم فإن كان صلى خمساً شفعن له صلاته وإن كان صلى إتماماً لأربع كان ترغيماً للشيطان". أخرجه مسلم "٥٧١".
قال ابن عبد البر في التمهيد "٥/٢٥": في هذا الحديث من الفقه أصل عظيم مطرد في أكثر الأحكام وهو أن اليقين لا يزيله الشك، وأن الشك مبني على أصله المعروف حتى يزيله يقين لا شك فيه. انتهى.
стр. 283
القاعدة الثامنة: الضرورات تبيح المحظورات:
قال الله تعالى في كتابه الكريم: ﴿وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلَّا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ﴾ [الأنعام: ١١٩] .
قال ابن كثير في تفسير هذه الآية "٢/١٧٤": أي قد بين لكم ما حرم عليكم ووضحه ﴿إِلَّا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ﴾ [الأنعام: ١١٩] أي إلا في حال الاضطرار فإنه يباح لكم ما وجدتم. انتهى.
وقال تعالى في كتابه الكريم: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلا عَادٍ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ البقرة: ١٧٣] .
قال ابن كثير في تفسيره "١/١٩٥": أي في غير بغي ولا عدوان وهو مجاوزة الحد فلا إثم عليه أي في أكل ذلك.
قال الشافعي في الأم "٤/٣٦٢": كل ما أحل من حرم في معنى لا
стр. 284
يحل إلا في ذلك المعنى خاصة، فإذا زايل ذلك المعنى عاد إلى أصل التحريم مثلاً: الميتة المحرمة في الأصل المحلة للمضطر، فإذا زالت الضرورة عادت إلى أصل التحريم. انتهى.
стр. 285
القاعدة التاسعة: الضرر يُزال
عن عبادة بن الصامت أن رسول الله ﷺ قال: "لا ضرر ولا ضرار" أخرجه ابن ماجة "٢٣٤٠" وهو حديث حسن.
ومعنى هذا الحديث أن الضرر أن يدخل الشخص على غيره ضرراً بما ينتفع هو به، والضرار أن يدخل الشخص على غيره ضرراً بلا منفعة له من ذلك الضرر كمن منع ما لا يضره ويتضرر به الممنوع "كما في جامع العلوم والحكم/٢٨٧".
قال ابن القيم في إعلام الموقعين "٢/١١١": فإن حكمة الشارع اقتضت رفع الضرر عن المكلفين ما أمكن، فإن لم يمكن رفعه إلا بضرر أعظم منه بقاه على حاله، وإن أمكن رفعه بالتزام ضرر دونه رفعه به. انتهى.
следующие страницы →