[الفصل الأول] ١: في نسبه وحليته
عن عمر بن حماد بن أبي حنيفة قال: أبو حنيفة النعمان بن ثابت بن زوطي.
فأما زوطي فإنه] ١١١/أ [من أهل كابل، وولد ثابت على الإسلام، وكان زوطي مملوكا لبني تيم الله بن ثعلبة فأعتق، فولاؤه لبني تيم الله بن ثعلبة ثم لبني قفل، وكان أبوحنيفة خزازًا، ودكانه معروف في دار عمر بن حريث بالكوفة.
وقيل: ثابت والد أبي حنيفه من أهل الأنبار، وقيل: أصل أبي حنيفة من ترمذ، وقيل: أصله من نَسَاء، والله أعلم. ذكر ذلك الصيمري٢ في مناقبه٣.
إسماعيل بن حماد بن أبي حنيفة يقول: أنا إسماعيل بن حماد بن النعمان بن ثابت بن النعمان بن المرزبان من أبناء فارس الأحرار، والله ما وقع علينا رق قط، ولد جدي في ثمانين، وذهب ثابت إلى علي بن أبي طالب ﵁ وهو صغير، فدعا له بأن يبارك فيه وفي ذريته، ونحن
стр. 142
نرجو من الله أن يكون قد استجاب ذلك لعلي بن أبي طالب ﵁ فينا، قال: والنعمان بن المرزبان أبو ثابت هو الذي أهدى إلي علي بن أبي طالب ﵁ الفالوذج في يوم النيروز١، فقال: نَوْرِزُونا كل يوم. وقيل: كان ذلك في المهرجان٢ فقال: مَهْرِجُونَا كل يوم٣.
стр. 143
قال البرتي القاضي: سمعت أبا نعيم يقول: كان أبو حنيفة جميلا، حسن الوجه، حسن اللحية، حسن الثوب١.
قال أبو يوسف: كان أبو حنيفة ربعة من الرجال ليس بالقصير، ولا بالطويل، وكان أحسن الناس منطقا، وأحلاهم نغمة وأبينه عما تريد٢.
قال عمر٣ بن جعفر بن إسحاق بن عمر بن حماد بن أبي حنيفة: إن أبا حنيفة كان طويلا تعلوه سمرة، وكان لباسا حسن الهيئة كثير
стр. 144
التعطر، يعرف بريح الطيب إذا أقبل، وإذا خرج من منزله قبل أن تراه١.
ولد أبو حنيفة سنة ثمانين، قال أبو حنيفة: حججت مع أبي سنة ست وتسعين، ولي ست عشرة سنة، وإذا أنا بشيخ قد اجتمع الناس عليه فقلت] ١١١/ب [لأبي: من هذا الرجل؟ فقال: هذا رجل قد صحب محمدا ﷺ يقال له عبد الله بن الحارث بن جَزْءٍ٢، فقلت: أي شيء عنده؟ قال: أحاديث سمعها من النبي ﷺ فقلت: قدمني إليه حتى أسمع منه، فتقدم بين يدي فجعل يفرج عني الناس حتى دنوت منه فسمعته يقول: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "من تفقه في دين الله كفاه الله همه ورزقه من حيث لا يحتسب"٣.
стр. 145
وعن أبي حنيفة قال: سمعت أنس بن مالك يقول: سمعت النبي ﷺ يقول: "الدال على الخير كفاعله، والله يحب إغاثة اللهفان"١.
قال أبو بكر بن هلال: وقد أدرك أبو حنيفة من الصحابة أيضا عبد الله بن أبي أوفى، وأبا الطفيل عامر بن واثلة وهما صحابيان٢.
стр. 146
قال الشيخ الإمام أبو إسحاق الشيرازي١ في كتاب الفقهاء: قد كان في أيام أبي حنيفة أربعة من الصحابة، أنس بن مالك، وعبد الله بن أبي أو فى الأنصاري، وأبو الطفيل عامر بن واثلة، وسهل بن سعد الساعدي، وجماعة من التابعين كالشعبي والنخعي وعلي بن الحسين وغيرهم، ولم يأخذ أبو حنيفة منهم وقد أخذ عنه خلق كثير، توفي أبو حنيفة سنة خمسين ومائة، ورأى أنس بن مالك سنة خمس وتسعين، وسمع منه، ومات ببغداد وهو ابن سبعين سنة٢.
أخبرني أبي قال: أنبأنا أبو نصر أحمد بن يوسف الطبري قال: ثنا أبو مسعود أحمد بن محمد البجلي سنة تسع وعشرين وأربعمائة قال: أنبأنا أبو أحمد مسلم بن الحسن بن الحسن بن مسلم المروزي قال: ثنا أبو إسحاق إبراهيم بن محمد بن عمرويه المذكر قال: ثنا أحمد بن الصلت بن
стр. 147
المغلس قال: ثنا بشر بن الوليد قال: ثنا أبو يوسف يعقوب بن إبراهيم القاضي عن أبي حنيفة قال:] ١١٢/أ [سمعت أنس بن مالك يقول: قال رسول الله ﷺ : "طلب العلم فريضة على كل مسلم"١.
стр. 148
الفصل الثاني: في ذكر علمه وورعه وزهده
سأل رجل أبا حنيفة: بم يستعان على الفقه حتى يحفظ؟ قال: بجمع الهم. قال: قلت: وبم يستعان على جمع الهم؟ قال: بحذف العلائق. قال: قلت: وبم يستعان على حذف العلائق؟ قال: بأخذ الشيء عند الحاجة ولا تزد١.
وقال أبو يوسف: سمعت أبا حنيفة يقول: إذا جاء الحديث عن النبي ﷺ من الثقات أخذنا به، فإذا جاء عن أصحابه لم نخرج عن أقاويلهم، فإذا جاء عن التابعين زاحمناهم٢.
قال المزني: سمعت الشافعي ﵁: يقول: الناس عيال على أبي حنيفة في القياس والاستحسان٣.
قال يزيد بن هارون: كتبت عن ألف شيخ حملت عنهم العلم، ما رأيت والله فيهم أشد ورعا من أبي حنيفة ولا أحفظ للسانه٤.
قال أبو يوسف: سمعت أبا حنيفة يقول: لولا الفرق من الله أن
стр. 149
يضيع العلم ما أفتيت أحدا، يكون لهم المهنأ وعلي الوزر١.
قيل: كان حفص بن عبد الرحمن شريك أبي حنيفة، وكان أبو حنيفة تجهز عليه، فبعث إليه دفعة متاعا وأعلمه أن في ثوب كذا عيبا فإذا بعته فبيِّن، فباع حفص المتاع ونسي أن يبين العيب ولم يعلم ممن باعه، فلما علم أبو حنيفة بذلك تصدق بثمن المتاع كله٢.
قال الفيض بن محمد الرقي: لقيت أبا حنيفة ببغداد فقلت له: إني أريد الكوفة، فلك حاجة؟ قال: إيت ابني حمادا فقل له: يا بني إن قوتي في الشهر [درهمان] ٣ فمرة للسويق، ومرة للخبز، وقد حبسته عني فعجِّله عليَّ٤.
وكان كثيرا ما يتمثل بهذا البيت] ١١٢/ب [:
كفى حزنا أن لاحياة نيئة ... ولا عمل يرضي به الله صالح٥
وكان أبو حنيفة قد جعل على نفسه أن لا يحلف بالله في عرض حديثه إلا تصدق بدرهم، فحلف فتصدق، ثم جعل على نفسه أن لا يحلف بالله إلا تصدق بربع دينار فتصدق بربع دينار، فجعل على نفسه إن حلف يتصدق بدينار، وكان إذا حلف صادقاً في عرض الكلام تصدق
стр. 150
بدينار، وكان إذا أنفق على عياله نفقة تصدق بمثلها.
وكان إذا اكتسى ثوبا جديدا أكسى بقدر ثمنه لشيوخ العلماء، وكان إذا وضع بين يديه الطعام أخذ منه فوضعه على الخبز، حتى يأخذ منه بقدر ما يأكل فيضعه على الخبز ثم يعطيه لإنسان فقير، فإن كان في الدار في عياله إنسان يحتاج إليه دفعه إليه، وإلا أعطاه مسكينا١.
وكان يقول: جعلت عملي أثلاثا: ثلثا لنفسي، وثلثا لوالدي، وثلثا لابني حماد.
قال مسعر ٢: رايت أبا حنيفة يجلس للناس جميع النهار فقلت: متى يتفرغ هذا لعبادة ربه؟ فتعاهدته يصلي العشاء مع الناس ودخل داره، فلما تفرق الناس خرج إلى المسجد فصلى إلى قريب من الصبح، فتعاهدته ليالي وكان ذلك دأبه٣.
قال: ورأيته ليلة يصلي فأخذت كفا من حصى فوضعته على ذيل أبي حنيفة وهو ساجد ومضيت إلى داري، فلما رجعت سحرا فوجدته وإذا الحصى على ذيله بحاله، فعلمت أنه قد زجى الليل كله في سجدة واحدة٤.
стр. 151
الفصل الثالث: في ثناء الأئمة عليه ومدح الناس له
قال الشافعي ﵀: سئل مالك بن أنس] ١١٣/أ [هل رأيت أبا حنيفة وناظرته؟ فقال: نعم رأيت رجلا لو نظر إلى هذه السارية وهي من حجارة، فقال إنها من ذهب لقام بحجته١.
وروي عن الشافعي ﵀ أنه قال: من أراد الحديث الصحيح فعليه بمالك، ومن أراد الجدل فعليه بأبي حنيفة، ومن أراد التفسير فعليه بمقاتل بن سليمان٢.
وقال الشافعي: من أراد أن يتبحر في الفقه فهو عيال على أبي حنيفة٣. وقال أبو عمر يوسف بن عبد الله بن محمد بن عبد البر٤ في ذكر فقهاء الأمصار: وأما أبو حنيفة فهو أصل الرأي بالكوفة، وكان ذكيا فهما، معتمدا في فقهه على علماء بلده، وكان أبصر الناس بالقياس٥.
وكان ابن المبارك٦ يمدحه ويثني عليه بالشعر وغيره.
стр. 152
قال عبد الله بن المبارك: كان أبو حنيفة آية. فقال له قائل: في الشر يا أبا عبد الرحمن أو في الخير؟ فقال: اسكت يا هذا فإنه يقال غاية في الشر، آية في الخير، ثم تلى هذه الآية: ﴿وَجَعَلْنَا ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ آيَةً﴾ ١.
وقال عبد الله بن المبارك: رأيت أعبد الناس، ورأيت أورع الناس، ورأيت أعلم الناس، ورأيت أفقه الناس، فأما أعبد الناس فعبد العزيز بن أبي روّاد٢، وأما أورع الناس فالفضيل بن عياض٣، وأما أعلم الناس فسفيان الثوري، وأما أفقه الناس فأبو حنيفة - ثم قال - ما رأيت في الفقه مثله٤.
قال عبد الله بن المبارك ﵀:
وجدت أبا حنيفة كل يوم ... يزيد نبالة ويزيد خيرا
وينطق بالصواب ويصطفيه ... إذا ما قال أهل الجور جورا
يقايس من يقايسه بلب ... فمن ذا تعلمون له نظيرا
كفانا موت حماد وكانت ... مصيبته لنا أمرا كبيرا
فرد شماتة الأعداء عنا ... وأفشى بعده علما كثيرا
стр. 153
رأيت أبا حنيفة حين يؤتى ... ويطلب علمه بحرا غزيرا
إذا ما المعضلات تدافعتها ... رجال القوم كان بها بصيرا١
قال مساور الوراق٢:
إذا العلماء يوما قايسونا ... مسألة من الفتيا طريفه
أتيناهم بمقياس صحيح ... ورأي من طراز أبي حنيفه
إذا سمع الفقيه بها وعاها ... وأثبتها بحبر في صحيفه٣
وقال صدقة المقابري - وكان صدقة مجاب الدعوة -: لما دفن أبو حنيفة في مقابر الخيزران سمعت صوتا في الليل ثلاث ليال:
لقد زان البلاد ومن عليها ... إمام المسلمين أبو حنيفه
فما بالمشرقين له نظير ... ولا بالمغربين ولا بكوفه
ويأتيكم بإسناد صحيح ... كأيات الزبور على الصحيفه
стр. 154
ومن يأخذ من الشكاك علما ... كمن يخري ويستنجي بليفه١
يعني ثم سمعت الهاتف يقول:
ذهب الفقه فلا فقه لكم ... فاتقوا الله وكونوا خلفا
مات نعمان فمن هذا الذي ... يُحيَى الليل إذا ما سجفا٢
стр. 155
الفصل الرابع: في ذكر أصحابه
قال ابن عبد البر: كان لأبي حنيفة أصحاب جلة رؤساء في الدنيا، ظهر فقهه على أيديهم، أكبرهم: أبو يوسف يعقوب بن إبراهيم الأنصاري١،لجده صحبة ذكر في الصحابة، كان قد روى الحديث وكتبه، ثم لازم أبا حنيفة فغلب عليه رأيه، وكان قاضي القضاة لثلاثة خلفاء: للمهدي٢، والهادي٣، والرشيد٤، ولا أعلم قاضيا كان إليه تولية القضاة في الآفاق من المشرق والمغرب إلا أبا يوسف هذا في زمانه، وأحمد ابن أبي دؤاد٥ - لعنه الله - في زمانه.
стр. 156
لم يزل أبو يوسف ببغداد بعد مقدمه من جرجان إلى أن مات بها سنة اثنتين وثمانين ومائة في خلافة هارون الرشيد.
قال أحمد بن حنبل ﵁ سمعت أبا يوسف القاضي ﵀ يقول: إن للعيون جنايا بالغدوات ما ليس لها بالعشيات.
ومنهم: أبو عبد الله زفر بن الهذيل العنبري١ من أصحاب أبي حنيفة، كان أبو حنيفة يفضله، ويقول: إنه أقيس أصحابه، وكان ذا عقل ودين وفهم وورع، وكان ثقة في الحديث.
قال أبو القاسم هبة الله بن الحسن الطبري٢: هلك زفر بالبصرة سنة أربع وخمسين ومائة.
وقال الشيخ الإمام أبو إسحاق الشيرازي في كتاب الفقهاء: ولد زفر سنة عشر ومائة، ومات سنة ثمان وخمسين [ومائة] ٣، ومات وله ثمان وأربعون سنة، وكان قد جمع بين العلم العبادة٤.
ومنهم: محمد بن الحسن الشيباني٥ الفقيه، أبو عبد الله] ١١٤/ب [مولى
стр. 157
لبني شيبان، أخذ عن أبي حنيفة وعن أبي يوسف، وكتب الحديث وكان فقيهاً عالما شهما نبيلا.
وقال الشافعي: سمعت من محمد بن الحسن وقر بعير، وما رأيت رجلا سمينا أفهم منه، وكان إذا تكلم خيل أن القرآن نزل بلغته١.
قال أبو عمر: أصله من الشام وولد بالجزيرة، وولاه الرشيد قضاء الرقة فأقام بها مدة ثم عزله، ثم أخرجه مع نفس إلى الري وولاه قضاءها، فمات بها هو والكسائي النحوي علي بن حمزة في يوم واحد، فرثاهما اليزيدي بشعر حسن فقال:
تصرمت الدنيا فليس خلود ... وما قد ترى من بهجة سيبيد
لكل امرءٍ كأس من الموت منهل ... وما إن لنا إلا عليه ورود
ألم تر شيبا شاملا ينذر البلى ... وإن الشباب الغض ليس يعود
سيكفيك ما أفنى القرون التي مضت ... فكن مستعدا فالفناء عتيد
أَسيتُ على قاضي القضاة محمد ... فأذريت دمعي والفؤاد عميد
وقلت إذا ما الخطب أشكل من لنا ... بإيضاحه يوما وأنت فقيد
وأوجعني موت الكسائي بعده ... وكادت بي الأرض الفضاء تميد
وأذهلني عن كل لهو ولذة ... وأرق عيني والعيون هجود
هما عالمانا أوديا وتخرما ... وما لهما في العالمين نديد
فدمعي متى يخطر على القلب خطرة ... لذكراهما حتى الممات جديد٢
стр. 158
فصل في ذكر مالك ﵁
مدخل
...
فصل في ذكر مالك
أما مالك فإنه لممالك الفضائل مالك، ولمسالك التقوى والورع سالك، إمام دار الهجرة بالاتفاق، ومفتي الحجاز بالإطباق، فقيه الأمةوسيد الأئمة، زكي الطبع والهمة، أول من صنف كتابا في الإسلام، جمع فيه شرائع الحلال والحرام، ونظم عقود الشرع فيه أحسن نظام، بين فيه عيون الدلائل، وفنون المسائل في الأحكام، فغدا كتابه غرة في جبين الدين، ودرة في تاج الفضل واليقين.
وسار في البدو والحضر مسير الشمس والقمر، وصار حجة على الأنام وقدوة يأتم بها أولو الأحلام، فمالك جم المناقب والفضائل، يم المواهب والفواضل، اتسع في الفضل مجاله، وفاض في الأفضال سجاله، واتسق في التقوى قوله وفعاله، وأصبح قريع١ عصره، وفريد دهره ومصره، علما سار بذكره الركبان وتعطر بنشره /١١٥] ب [الزمان، جمع بين فصاحة البيان وسماحة البنان.
نظم من جواهر الكلام عقداً يزان بمثله نحر الإسلام، وصاغ من تبر٢ الشريعة تاجا، وفتح للسنة البيضاء رتاجا٣، وقسم ميراث النبوة
стр. 159
بين الأمة الهادية وبَرَّد بماء الحياة عليل الأنفس الصادية، خص بالمناقب الشريفة المبيَّنة، والمراتب المنيفة المتينة، وشرف بقول الرسول ﷺ : "يوشك أن يضرب الناس أكباد الإبل في طلب العلم، فلا يجدون عالما أعلم من عالم المدينة" ١، كان مجلسه محفوفا بالهيبة والسلطان، ومكنونا بالحجة والبرهان، كما قال فيه عبد الله بن المبارك إمام خراسان ﵀:
يأبى الجواب فما يكلم هيبة ... والسائلون نواكس الأذقان
أدب الوقاروعز سلطان التقى ... فهو المطاع وليس ذا سلطان٢
стр. 160
الفصل الأول: في ذكر نسبه وحليته] ١
فهو مالك بن أنس بن مالك بن أبي عامر الأصبحي، وأصبح في حمير، وجده حليف لبني تيم في قريش.
قال الزبير بن بكار٢: عداد مالك في بني تيم في آل عبد الرحمن بن عثيم ابن عبيد الله بن أخي طلحة بن عبيد الله، كان مالك فقيه أهل المدينة ومفتيهم ومحدّثهم، وكانت له بالمدينة الرئاسة العظيمة عند السلطان والعامة٣.
قال الشافعي ﵁: كان مالك شديد البياض إلى الشقرة طويلا، عظيم الهامة أصلع، ولد /١١٦] أ [سنة خمس وتسعين، وقيل سنة ثلاث وتسعين من الهجرة، ومات سنة تسع وسبعين ومائة عن أربع وثمانين سنة، ودفن بالبقيع٤.
قال الواقدي٥: هو ابن تسعين سنة، أخذ العلم عن ربيعة ثم
стр. 161
أفتىمعه عند السلطان.
وقال مالك: كل رجل كنت أتعلم منه ما مات حتى يجيئني ويستفتيني١.
كتب إلي أحمد بن خلف الشيرازي أبو بكر من نيسابور على يد والدي، وحدثني عنه أبي ﵁ قال: أخبرنا الحاكم أبو عبد الله الضبي قال: مالك بن أنس بن مالك بن أبي عامر، وهو الحارث بن عثمان بن عبيد، من ولد تيم بن مرة بن كعب، يلقى رسول الله ﷺ عند مرة بن كعب.
стр. 162
الفصل الثاني: في علمه وزهده وورعه
كتب إلي الشيخ الإمام أبو عبد الله محمد بن أبي نصر الحميدي الأندلسي ﵁ على يد والدي قال: أنبأنا القاضي أبو الحسين محمد بن حمود ابن عمر المعروف بابن الدليل، قال: أنبأنا أبو بكر محمد بن أحمد بن محمد الواسطي البندار ببيت المقدس قال: أنبأنا أبو حفص عمر بن علي العقلي الخطيب قال: ثنا محمد بن إسحاق البغدادي قال: ثنا أبو قلابة عبد الملك بن محمد الرقاشي، قال: ثنا علي بن عبد الله قال: ثنا سفيان بن عيينة.
وأخبرني أبو القاسم إسماعيل بن أحمد بن عمر السمرقندي ببغداد مناولة، قال: أنبأنا أبو عبد الله أحمد بن أحمد بن سليمان المقري الواسطي قال: ثنا أبو القاسم هبة الله بن الحسن بن منصور الطبري، قال: أنبانا محمد بن عبد الرحمن ابن العباس قال: أنبأنا محمد بن هارون أبو عبد الله الحضرمي /١١٦] ب [قال: ثنا محمد ابن عمر بن صفوان قال: ثنا ابن عيينة عن ابن جريج، قال ثنا أبو الزبير قال: ثنا أبو صالح عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسل: "يوشك أن يضرب الناس أكباد الإبل يلتمسون عالما، فلا يجدون عالما أعلم من عالم المدينة".
وفي رواية: "يضرب الناس أكباد الإبل في طلب العلم"١
стр. 163
قال ابن عيينة: كانوا يرونه مالك بن أنس١.
قال عبد الرزاق: هو مالك بن أنس. وكذلك قال يحيى بن معين٢.
قال مطرف بن عبد الله: أخبرني زيد بن داود رجل من أصحابنا من أفضلهم، قال: رأيت في المنام القبر انفرج فإذا رسول الله ﷺ قاعد، وإذا الناس يتقصفون - يعني عليه - فصاح صائح: مالك بن أنس، فرأيت مالك بن أنس جاء حتى انتهى إلى رسول الله ﷺ فأعطاه شيئا، وقال: "اقسم هذا على الناس، فإذا هو مسك يعطيه الناس"٣.
وكان مالك لا يتحدث بحديث رسول الله ﷺ إلا وهو على الطهارة٤.
وكان شديد البياض إلى الشقرة، طويلا عظيم الهامة، أصلع، يلبس الثياب العربية الجياد، ويكره حلق الشارب، ويعيبها ويراه من المثلة، ولا يغير شيبه٥.
стр. 164
قال الواقدي: كان مالك يأتي المسجد، ويشهد الصلاة والجمعة والجنائز، ويعود المرضى ويقضي الحقوق /١١٧] أ [ويجلس في المسجد، ثم ترك الجلوس في المسجد، وكان يصلي ثم ينصرف إلى منزله، وترك حضور الجنائز وكان يأتي أصحابها فيعزيهم، ثم ترك ذلك كله، فلم يشهدالصلوات في المسجد ولا الجمعة ولا يأتي أحدا يعزيه، ولا يقضي له حقا، وإنما كان يخلفه عن المسجد، لأنه سَلِسَ بوله، فقال عند موته: كرهت أن آتي مسجد رسول الله ﷺ وأنا على غير طهارة، فيكون ذلك استخفافا برسول الله ﷺ ، وكرهت أن أخبر الناس بعلتي فتكون شكوى من الله عز وجل١.
ولا يرى لمن سب أصحاب رسول الله ﷺ في الفيء شيئا٢، واحتمل الناس له ذلك حتى مات عليه، وكان ربما كلم في ذلك فيقول: ليس كل إنسان يقدر يتكلم بعذره٣.
стр. 165
الفصل الثالث: في ثناء الناس عليه
قال الشافعي ﵁: ما في الأرض كتاب من العلم أكثر صواباً من موطأ مالك بن أنس١.
أول كتاب صنف في الإسلام كتاب ابن جريج في التفسير، وهو عبد الملك بن عبد العزيز٢، ثم كتاب معمر بن راشد الصنعاني إمام أهل اليمن، أصله بصري يكنى أبا عروة، ثم موطأ مالك بن أنس الأصبحي إمام دار الهجرة يكنى أبا عبد الله صنف في الفقه والسنة وبوَّب.
قال الشافعي: ليس في الأرض كتاب بعد القرآن أصح من موطأ مالك٣.
وقرأه عليه الشافعي حفظا، وصار الموطأ لتواطؤ أهل الحرمين على صحته، ثم تصنيف السفيانين ابن عيينة بمكة والثوري بالكوفة، ثم صنف بعد ذلك صاحبا مالك بن أنس، عبد الله بن المبارك بالمشرق، وعبد الله بن وهب بالمغرب، فأكثرا وأحسنا.
стр. 166
قيل: لما حج الرشيد دخل المدينة فقيل له] /١١٧ب [: قد صنف مالك بن أنس كتابا في الشرائع والآثار، فأنفذ إليه يستحضره الكتاب، فقال مالك: هذا كتاب قد جمعت فيه السنن والآثار ثم يسومني حمله إليه، لا فعلت ذلك. فقيل له: إنه جبار ولا نأمنه عليك. قال: فإذا أذل نفسي ولا أذل علمي، فقام إليه، فقال: يا أمير المؤمنين حدثني نافع عن ابن عمر أن رسول الله ﷺ قال: "العلم يؤتى ولا يأتي" ١، ونزل عليه جبريل وعنده ابن أم مكتوم، بقوله تعالى: ﴿لا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ ٢فرأى الكآبة في ابن أم مكتوم، وعرج ثم هبط في أسرع من طرفة عين بقوله تعالى: ﴿غَيْرُ أُولِي الضَّرَر﴾ ِ٣فهذا جبريل قطع هذه المسافة لهذا الحرف، وأنت تسومني أن أحمل كتابا جمعت فيه سنن رسول الله ﷺ والآثار؟! فقال: لا يا أبا عبد الله، بل نأتيك في بيتك فنسمعه منك.
وأمر أن تسرج الدواب فقال: يا أمير المؤمنين حدثني نافع عن ابن عمر أن رسول الله ﷺ قال: "إن الملائكة لتضع أجنحتها لطالب العلم رضا بما يصنع"٤
стр. 167
أفتؤثر ظهور الدواب على أجنحة الملائكة؟! فقال: لا يا أبا عبد الله بل نمشي معك مشيا، وقام فسايره إلى داره، وجلس على السرير، وقال: هات يا أبا عبد الله. فقال: يا أمير المؤمنين حدثني نافع عن ابن عمر أن رسول الله ﷺ قال: "إن العالم إذا اختص بعلمه الخاص دون العام، لم ينتفع بعلمه الخاص ولا العام"١ فتأذن بإقامة النداء بحضور الناس لسماعه معك، فأمر بإقامة النداء من أحب أن يستمع كتاب مالك ابن أنس مع أمير المؤمنين فليحضر، فلما حضر الناس قال: هات يا أبا عبد الله. فقال: يا أمير المؤمنين حدثني نافع عن ابن عمر أن رسول الله /١١٨] أ [ ﷺ قال: "من تواضع للعلم رفعه الله" ٢وإني أشتهي أن تستوي مع الناس. فنزل عن السرير واستوى معهم ثم قرأ الكتاب عليهم، فلما فرغ قال: إني أعلق هذا الكتاب على أستار الكعبة، وأنادي من حاد عنه جلدته جلد المفتري. فقال: يا أمير المؤمنين إني قد قلت فيه برأيي واجتهدت، ولا أبريء نفسي من الخطأ والغلط، فدع الناس واجتهادهم. فقال: بماذا سميته؟ قال: بل
стр. 168
أنت أولى به. فقال: أسميه بفعل أمير المؤمنين وتوطيته للخلق، هو كتاب الموطأ توطأت فيه للعلم والرعايا١.
جاء رجل إلى المزني فسأله عن شيء من الكلام فقال: إني أكره هذا، بل أنهى عنه كما نهى عنه الشافعي، لقد سمعت الشافعي ﵁ يقول: سئل مالك عن الكلام والتوحيد فقال مالك: محال أن يظن بالنبي ﷺ أنه علَّم أمته الاستنجاء ولم يعلمهم التوحيد، التوحيد ما قاله النبي ﷺ : "أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله" ٢، فما عُصم به المال والدم حقيقة التوحيد"٣.
قال أبو المعافي بن أبي رافع المزني ﵀:
ألا إن فقد الحلم في فقد مالك ... ولا زال فينا صالح الحال مالك
يقيم طريق الحق والحق واضح ... ويهدي كما تهدي النجوم الشوابك
فلولاه ما قامت حقوق كثيرة ... ولولاه لانسدت علينا المسالك
عشونا إليه نبتغي فضل رأيه ... وقد لزم الغي اللجوج المماحك
فجاء برأي مثله يقتدي به ... كنظم جمان زينتها السبائك٤
стр. 169
وكتب إلي الشيخ الإمام أبو عبد الله محمد بن أبي نصر الحميدي على يد والدي ﵀ من بغداد /١١٨] ب [لنفسه:
إذا قيل من نجم الحديث وأهله ... أشار ذوو الألباب يعنون مالكا
إليه تناهى علم دين محمد ... فوطأ فيه للرواة المسالكا
ونظم بالتصنيف أشتات نثره ... وأوضح ما قد كان لولاه حالكا
ووقت درس العلم شرقا ومغربا ... تقدم في تلك المسالك سالكا
وقد جاء في الآثار من ذلك شاهد ... على أنه في العلم خص بذلكا
فمن كان ذا طعن على علم مالك ... ولم يقتبس من نوره كان هالكاً
وأنشد أبو الحسن عمران بن موسى المغربي الطولقي لنفسه من قصيدة:
حتى إذا ختموا منها بعالمها ... أضاء للعلم نجم غير منكدر
بمالك وضحت سبل العلوم لنا ... فلاح غامضها كالشمس للبصر
هو الإمام الذي اخترت مذهبه ... وما تخيرته إلا على خبر
ذكر محنة مالك ﵁
سُعي بمالك إلى جعفر بن سليمان وقالوا: إنه لا يرى أيمان بيعتكم بشيء. فغضب جعفر فدعا به وجرده فضربه بالسياط، ومدت يده حتى انخلع كتفه، وارتكب منه أمرا عظيما، فلم يزل بعد ذلك الضرب في علو ورفعة، وكأنما كانت السياط حُلِياًّ حُلِّي به١.
стр. 170
قال ابن وهب: ضرب جعفر بن سليمان مالكَ بن أنس في طلاق المكره فلما ضرب حُلِقَ وَهُلَّ على بعير فقيل له: نادِ على نفسك. فقال: ألا من عرفني فقد عرفني، ومن لم يعرفني فأنا مالك بن أنس بن أبي عامر الأصبحي، وأنا أقول طلاق المكره ليس بشيء. فبلغ جعفر بن سليمان أنه ينادي على نفسه بذلك فقال: أدركوه، اتركوه١.
стр. 171
الفصل الرابع: في ذكر أصحابه /١١٩] أ [
أما أصحاب مالك ففيهم كثرة، لكنني أقتصر على ذكر أربعة:
منهم: المغيرة بن عبد الرحمن بن الحارث المخزومي١، مات بعد مالك بسبع سنين، يكنى أبا هاشم.
ومحمد بن إبراهيم بن دينار٢، كانت الفتيا تدور بعد مالك - أي بالمدينة -[على] محمد بن دينار، توفي في سنة اثنتين وثمانين ومائة بعد مالك بثلاث سنين.
قال الشافعي: ما رأت في فتيان مالك أفقه من محمد بن دينار.
وعبد العزيز بن أبي حازم٣ كان مفتي أهل المدينة وفقهائهم.
وأبو محمد عبد الله بن وهب بن مسلم القرشي٤، تفقه بمالك وعبد العزيز بن أبي حازم وابن دينار والمغيرة والليث بن سعد، وصنف الموطأ الكبير، والموطأ الصغير، وكان مالك يكتب فيه إلى أبي محمد المفتي.
стр. 172
وقال مالك: عبد الله بن وهب إمام، وصحبه عشرين سنة، وكان أسن من ابن القاسم بثلاث سنين، وعاش بعده خمس سنين.
والذي جلس في حلقة مالك بعد وفاته عثمان بن عيسى بن كنانة١، وكان مالك يحضره لمناظرة أبي يوسف عند الرشيد، توفي بعد مالك بسنتين. وقيل: بثلاث.
стр. 173
فصل في ذكر محمد بن إدريس الشافعي ﵁
مدخل
...
فصل في ذكر محمد بن إدريس الشافعي ﵁
الشافعي، صدر الصدور، وبدر البدور، والماء المعين والدر الثمين، والحق اليقين، الذي جاء به الروح الأمين١، والغيث والجود والبحر والطود٢، هو سيد السادة المعروف في قريش بالسيادة، وله بين الأشراف صدر الوسادة، كلامه شفاء الأسقام ودواء الآلام، وتصانيفه درر مرصوعة، وسرر مرفوعة، وأكواب موضوعة /١١٩] ب [وفاكهة كثيرة لا مقطوعة ولا ممنوعة، جمع أشتات الفضائل ونظم أفراد المناقب، وبلغ في الدين والعلم أعلى المراتب، إن ذكر التفسير فهو إمامه، أو الفقه ففي يديه زمامه، أو الحديث فله نقضه وإبرامه، أو الأصول فله فيها الفصوص والفصول، أو الأدب وما يتعاطاه من العربية العرب فهو مبديه ومعيده، ومعطيه ومفيده، وجهه للصباحة، ويده للسماحة، ورأيه للرجاحة، ولسانه للفصاحة، إمام الأئمة، ومفتي الأمة، والمصباح الزاهر في الظلمة، في التفسير ابن عباس، وفي الحديث ابن عمر، وفي الفقه معاذ، وفي القضاء علي، وفي الفرائض زيد، وفي القرآة أبي، وفي الشعر حسان، وفي كلامه
стр. 174
بين الحق والباطل فرقان.
زادت مناقبه على المدح التي ... ارتادها بعد الفصاحة والحجى
إن قلت أمدحه وأذكر فضله ... قال المديح قصرت عن فلك الدجى
شجرته في النسب مُطَّلَبية الطلع، مَنَافية الأصل والفرع، قرشية الخيم١ والطبع، بسقت في قراره المجد والعلا، أصلها ثابت وفرعها في السما، فهو الإمام الزكي والهمام الرضي والسيد الألمعي، أبو عبد الله محمد بن إدريس الشافعي، قد أوتي رجاحة وحلما وفصاحة وحكما ودارية وفهما، وقال فيه النبي ﷺ : "يملأ عالم قريش الأرض علماً"٢
ولله درُّه ما أغزر بحره، وأعجب سحره، وأضوأ بدره وأتم قدره، وما أنا فيما أثني عليه وأوجه من المدح إليه إلا كنسيم سرى على ريحان، وخيطٍ مُدَّ وسط در ومرجان.
стр. 175
في نسبه وسنه وحليته ووقاره
...
الفصل الأول: في نسبه /١٢٠] أ [وسنه وحليته ووقاره
هو١ أبو عبد الله محمد بن إدريس بن العباس بن عثمان بن شافع ابن السائب بن عبيد الله بن عبد يزيد بن هاشم بن المطلب بن عبد مناف ابن قصي بن كلاب بن مرة بن كعب بن لوئ بن غالب بن فهر بن مالك ابن النضر بن كنانة بن خزيمة بن مدركة بن إلياس بن مضر بن نزار بن معد بن عدنان بن أد بن أدد بن الهَمَيْسَع بن يشخب بن بيت بن سلامان بن حمل بن قيدار بن إسماعيل بن إبراهيم خليل الرحمن [صلى الله عليهما وسلم] .
قال أبو عبد الله الزبير بن بكار في كتاب نسب قريش٢ عن بعض أهل العلم، قال: هاشم وعبد شمس والمطلب ونوفل بنو عبد مناف، فهاشم والمطلب يد وهما البدران، وعبد شمس ونوفل يد وهما الأبهران، وكانت العرب تسمي هاشما والمطلب وعبد شمس ونوفلا أقداح النضار، فإن دهمهم غيرهم اجتمعوا فصاروا يدا واحدة.
فمات هاشم بغزة من الشام، وهلك المطلب بردمان٣ من اليمن،
стр. 176
وكان المطلب أكبر ولد عبد مناف وكان يسمى الفيض، وهلك عبد شمس بمكة فقبر بالحجون، وكان [نوفل] ١ أكبر من هاشم، ومات نوفل بسلمان٢ من طريق العراق، وكان أصغر ولد عبد مناف - قال: فولد هاشم بن عبد مناف عبد المطلب وهو جد النبي ﷺ ، وكان يدعى شيبة الحمد، وهو أول من سن دية النفس مائة من الإبل فجرت في قريش، وأقرها رسول الله ﷺ وله يقول حذافة بن غانم /١٢٠] ب [:
وشيبة الحمد الذي كان وجهه ... يضيء ظلام الليل كالقمر البدر
كهولهم خير الكهول ونسلهم ... كنسل الملوك لا تبور ولا تحري
أساقي الحجيج تم للخير هاشم ... وعبد مناف ذلك السيد الفهر
ملوك وأبناء الملوك وسادة ... تفلق عنهم بيضة الطائر الصقر
متى تلق منهم جارحا في شبابه ... تجده على إجراء والده يجري
هم ملكوا البطحاء مجدا وسؤددا ... وهم نكلوا عنها غواة بني بكر
وهم يغفرون الذنب ينقم مثله ... وهم تركوا رأي السفاهة والهجر
وولد عبد المطلب عبد الله، وولد عبد الله القمر الزاهر والنجم الباهر النبي المصطفى والرسول المجتبى أبا القاسم محمدا سيد ولد آدم ﷺ .
стр. 177
وولد عبد شمس حبيب بن عبد شمس، وهو أكبر ولده وبه كان يكنى، وولد غيره جماعة من الأولاد.
وولد نوفل بن عبد مناف عديا، وهو أكبر ولده، وولد عشرة من الأولاد.
وأما عمرو فلا عقب له.
وأما المطلب بن عبد مناف فولد عشرة، وولد المطلب جماعة من الأولاد منهم: هاشم بن عبد المطلب، وولد هاشم عبد يزيد بن هاشم، وولد عبد يزيد بن هاشم عبيدا، وولد عبيد السائب، أسر يوم بدر، وكان السائب١ يُشَبَّه بالنبي ﷺ . كذا ذكره ابن بكار٢.
قال القاضي أبو الطيب٣: [شافع بن] ٤ السائب الذي ينسب إليه الشافعي - قد لقي النبي ﷺ وهم مترعرع، [وأسلم أبو السائب يوم بدر] ٥، فقيل له: لمَ لمْ تسلم /١٢١] أ [قبل أن تفتدى؟ فقال: ما كنت أحرِّم المؤمنين طمعًا لهم فِيَّ٦.
стр. 178
وقد ولد الشافعي الهاشمان؛ هاشم بن أبي طالب وهاشم بن عبد المطلب.
وأمه أزدية، وقد قال النبي ﷺ : "الأزد جرثومة العرب"١
ولد الشافعي ﵁ محمد بن إدريس الإمام بغزة، قرية من قرى الشام، قريبة من بيت المقدس، وقيل: باليمن، وقيل بعسقلان٢.
ونقل إلى مكة بعد سنتين ونشأ بها وكتب العلم بها وبمدينة الرسول ﷺ ، دخل بغداد وأقام بها سنتين، وصنف الكتب القديمة، ثم عاد إلى مكة وأقام بها مدة، ثم دخل بغداد وأقام بها أشهرا.
قال الزعفراني: قدم علينا الشافعي بغداد سنة خمس وتسعين ومائة، فأقام عندنا سنتين، ثم خرج إلى مكة، ثم قدم علينا سنة ثمان وتسعين ومائة، فأقام عندنا أشهرا ثم خرج، وكان يخضب بالحناء، وكان خفيف العارضين ﵁، ولم يصنف في الدخول الثاني شيئا، ثم خرج إلى مصر
стр. 179
وصنف الكتب الجديدة هناك، وأقام بها إلى أن مات١.
ولد سنة خمسين ومائة، ومات في آخر يوم من رجب وهو يوم الجمعة قبل الصلاة، ودفن في ذلك اليوم بعد العصر سنة أربع ومائتين، وله أربع وخمسون سنة٢.
قال ابن عبد الحكم: لما أن حملت أم الشافعي به رأت كأن المشتري خرج من فرجها حتى انقض بمصر، ثم وقع في كل بلد منه شظية، فتأول أصحاب الرؤيا أنه يخرج عالم يخص علمه أهل مصر، ثم يتفرق في سائر /١٢١] ب [البلدان٣.
стр. 180
الفصل الثاني: في علمه وزهده وورعه
توفي الشافعي في آخر رجب سنة أربع ومائتين١، وترك من الأولاد أربعة:
أبا عثمان، وفاطمة وزينب من أم واحدة، وابنه أبا الحسن من جاريته المسماة دنانير٢.
وجعل ولاية ولده [إلى] أبي الحسن، وولاية القيام بوصاياه ودوره الموقوفة إلى أبي الحسن أحمد بن محمد بن الوليد الأزرقي، وعبيد الله بن إسماعيل بن مقَرِّط الصرّاف، وهما وصياه بمكة وبمَا لَهُ من تركة وولد وغيره.
وأوصى بمصر في أمر ولده وإنفاذ وصيته إلى عبد الله بن عبد الحكم القرشي ويوسف، وإذا خرج إلى مكة فوصيه ووليه أحمد بن محمد بن الوليد الأزرقي وعبيد الله بن إسماعيل.
قال محمد بن المنذر الميموني: سمعت أحمد بن حنبل يقول لأبي عثمان بن الشافعي: إني لأحبك لثلاث خلال، لأنك رجل من قريش، وأنك ابن أبي عبد الله، وأنك من أهل السنة٣.