← Тараджим

Тараджим · id 12089

منازل الأئمة الأربعة أبي حنيفة ومالك والشافعي وأحمد

يحيى بن إبراهيم السلماسي

Полный текст (244 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.

стр. 176

وكان المطلب أكبر ولد عبد مناف وكان يسمى الفيض، وهلك عبد شمس بمكة فقبر بالحجون، وكان [نوفل] ١ أكبر من هاشم، ومات نوفل بسلمان٢ من طريق العراق، وكان أصغر ولد عبد مناف - قال: فولد هاشم بن عبد مناف عبد المطلب وهو جد النبي ﷺ ، وكان يدعى شيبة الحمد، وهو أول من سن دية النفس مائة من الإبل فجرت في قريش، وأقرها رسول الله ﷺ وله يقول حذافة بن غانم /١٢٠] ب [: وشيبة الحمد الذي كان وجهه ... يضيء ظلام الليل كالقمر البدر كهولهم خير الكهول ونسلهم ... كنسل الملوك لا تبور ولا تحري أساقي الحجيج تم للخير هاشم ... وعبد مناف ذلك السيد الفهر ملوك وأبناء الملوك وسادة ... تفلق عنهم بيضة الطائر الصقر متى تلق منهم جارحا في شبابه ... تجده على إجراء والده يجري هم ملكوا البطحاء مجدا وسؤددا ... وهم نكلوا عنها غواة بني بكر وهم يغفرون الذنب ينقم مثله ... وهم تركوا رأي السفاهة والهجر وولد عبد المطلب عبد الله، وولد عبد الله القمر الزاهر والنجم الباهر النبي المصطفى والرسول المجتبى أبا القاسم محمدا سيد ولد آدم ﷺ .

стр. 177

وولد عبد شمس حبيب بن عبد شمس، وهو أكبر ولده وبه كان يكنى، وولد غيره جماعة من الأولاد. وولد نوفل بن عبد مناف عديا، وهو أكبر ولده، وولد عشرة من الأولاد. وأما عمرو فلا عقب له. وأما المطلب بن عبد مناف فولد عشرة، وولد المطلب جماعة من الأولاد منهم: هاشم بن عبد المطلب، وولد هاشم عبد يزيد بن هاشم، وولد عبد يزيد بن هاشم عبيدا، وولد عبيد السائب، أسر يوم بدر، وكان السائب١ يُشَبَّه بالنبي ﷺ . كذا ذكره ابن بكار٢. قال القاضي أبو الطيب٣: [شافع بن] ٤ السائب الذي ينسب إليه الشافعي - قد لقي النبي ﷺ وهم مترعرع، [وأسلم أبو السائب يوم بدر] ٥، فقيل له: لمَ لمْ تسلم /١٢١] أ [قبل أن تفتدى؟ فقال: ما كنت أحرِّم المؤمنين طمعًا لهم فِيَّ٦.

стр. 178

وقد ولد الشافعي الهاشمان؛ هاشم بن أبي طالب وهاشم بن عبد المطلب. وأمه أزدية، وقد قال النبي ﷺ : "الأزد جرثومة العرب"١ ولد الشافعي ﵁ محمد بن إدريس الإمام بغزة، قرية من قرى الشام، قريبة من بيت المقدس، وقيل: باليمن، وقيل بعسقلان٢. ونقل إلى مكة بعد سنتين ونشأ بها وكتب العلم بها وبمدينة الرسول ﷺ ، دخل بغداد وأقام بها سنتين، وصنف الكتب القديمة، ثم عاد إلى مكة وأقام بها مدة، ثم دخل بغداد وأقام بها أشهرا. قال الزعفراني: قدم علينا الشافعي بغداد سنة خمس وتسعين ومائة، فأقام عندنا سنتين، ثم خرج إلى مكة، ثم قدم علينا سنة ثمان وتسعين ومائة، فأقام عندنا أشهرا ثم خرج، وكان يخضب بالحناء، وكان خفيف العارضين ﵁، ولم يصنف في الدخول الثاني شيئا، ثم خرج إلى مصر

стр. 179

وصنف الكتب الجديدة هناك، وأقام بها إلى أن مات١. ولد سنة خمسين ومائة، ومات في آخر يوم من رجب وهو يوم الجمعة قبل الصلاة، ودفن في ذلك اليوم بعد العصر سنة أربع ومائتين، وله أربع وخمسون سنة٢. قال ابن عبد الحكم: لما أن حملت أم الشافعي به رأت كأن المشتري خرج من فرجها حتى انقض بمصر، ثم وقع في كل بلد منه شظية، فتأول أصحاب الرؤيا أنه يخرج عالم يخص علمه أهل مصر، ثم يتفرق في سائر /١٢١] ب [البلدان٣.

стр. 180

الفصل الثاني: في علمه وزهده وورعه توفي الشافعي في آخر رجب سنة أربع ومائتين١، وترك من الأولاد أربعة: أبا عثمان، وفاطمة وزينب من أم واحدة، وابنه أبا الحسن من جاريته المسماة دنانير٢. وجعل ولاية ولده [إلى] أبي الحسن، وولاية القيام بوصاياه ودوره الموقوفة إلى أبي الحسن أحمد بن محمد بن الوليد الأزرقي، وعبيد الله بن إسماعيل بن مقَرِّط الصرّاف، وهما وصياه بمكة وبمَا لَهُ من تركة وولد وغيره. وأوصى بمصر في أمر ولده وإنفاذ وصيته إلى عبد الله بن عبد الحكم القرشي ويوسف، وإذا خرج إلى مكة فوصيه ووليه أحمد بن محمد بن الوليد الأزرقي وعبيد الله بن إسماعيل. قال محمد بن المنذر الميموني: سمعت أحمد بن حنبل يقول لأبي عثمان بن الشافعي: إني لأحبك لثلاث خلال، لأنك رجل من قريش، وأنك ابن أبي عبد الله، وأنك من أهل السنة٣.

стр. 181

تصانيفه: الأم، الرسالة، مختلف الحديث، المسند الأم، رسالة في إثبات النبوة والرسالة، أحكام القرآن، اختلاف العراقيين في الرد على محمد بن الحسن، قوله القديم ببغداد، قوله الجديد بمصر، خلاف علي وابن مسعود في الفرائض، اختلاف مالك والشافعي١. رواة كتبه /١٢٢] أ [: رواة كتبه القديمة: أحمد بن حنبل، وأبو علي الزعفراني، والحسين بن علي الكرابيسي، [وأبو ثور إبراهيم٢ بن خالد] . ورواة كتبه الجديدة: المزني، وأبو يعقوب البويطي، والربيع المرادي صاحب الأم، والربيع الجيربي، وسمع هو من مالك بن أنس، وإبراهيم بن سعد، وسفيان بن عيينة، وداود بن عبد الرحمن، وعبد العزيز الدراوردي، ومسلم بن خالد الزنجي، وأحمد بن محمد بن حنبل الشيباني في آخرين. قال المزني: سمعت الشافعي ﵁ يقول: رأيت علي بن أبي طالب ﵁ في النوم فسلم علي وصافحني وخلع خاتمه فجعله في أصبعي، وكان لي عم ففسرها لي فقال: أما مصافحتك لعلي أمان من العذاب، وأما خلع

стр. 182

خاتمه في أصبعك فسيبلغ اسمك ما بلغ اسم علي في الشرق والغرب١. قال الشافعي ﵁: حفظت القرآن وأنا ابن سبع سنين، وحفظت الموطأ وأنا ابن عشر سنين٢. وكان يختم في كل ليلة ختمة، فإذا كان شهر رمضان ختم في كل ليلة منها ختمة، وفي كل يوم ختمة، وكان يختم في شهر رمضان ستين ختمة، وفي كل يوم ختمة٣. قال الشافعي: فارقت مكة وأنا ابن أربع عشرة سنة، لا نبات بعارضي من الأبطح إلى ذي طوى /١٢٢] ب [فرأيت ركبا فحملني شيخ منهم إلى المدينة، فختمت من مكة إلى المدينة ست عشرة ختمة، ودخلت المدينة يوم الثامن بعد صلاة العصر، فصليت العصر في مسجد رسول الله ﷺ ،

стр. 183

ولذت١ بقبره، فرأيت مالك بن أنس ﵀ متزرا ببردة متشحا بأخرى، يقول: حدثني نافع عن ابن عمر عن صاحب هذا القبر - يضرب بيده قبر رسول الله ﷺ فلما رأيت ذلك هبته الهيبة العظيمة٢. قال الشافعي: وقدمت على مالك وقد حفظت الموطأ فقال لي: احضر من يقرأ لك. فقلت: أنا قارئ، فقرأت الموطأ حفظا، فقال: إن يك أحد يفلح فهذا الغلام. قال الربيع بن سليمان: سمعت الشافعي يقول في قوله : ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوع﴾ الآية٣، فقال: معناه - والله أعلم - الخوف: خوف العدو، والجوع: جوع شهر رمضان، ونقص من الأموال: الزكوات، ومن الأنفس: الأمراض، والثمرات: قيل: موت الأولاد، وبشر الصابرين: على أدائها٤.

стр. 184

قال يونس بن عبد الأعلى١: قال لي محمد بن إدريس في قوله : ﴿مَتَاعاً إِلَى الْحَوْلِ﴾ ٢ قال: هي منسوخة بالفرائض، كانت المرأة تقيم سنة ينفق [عليها] ٣، فإن خرجت قبل السنة لم يكن لها نفقة /١٢٣] أ ٤ [. قال الشافعي: ما نسخ من القرآن فهو على ثلاثة أوجه: منه ما نسخ حكمه ونسخ رسمه، ومنه: ما نسخ حكمه وثبت رسمه، ومنه: ما نسخ رسمه وثبت حكمه. فأما الذي نسخ رسمه وثبت حكمه مثل قول عمر بن الخطاب ﵁ كنا نقرأ على عهد رسول الله ﷺ : ﴿الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما البتة﴾ ، ولولا أن يقول الناس زاد عمر في القرآن لجعلتها بين الدفتين٥. وأما الذي نسخ حكمه وثبت رسمه فمثل قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجاً وَصِيَّةً لأَزْوَاجِهِمْ مَتَاعاً إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْرَاجٍ﴾ ٦ فكان الحكم في هذه الآية إذا توفي الرجل وترك إمرأته وجب

стр. 185

عليه أن يوصي لها بنفقة سنة، ولا تحل للأزواج حتى تنقضي سنتها فنسختها آية العدة، ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ﴾ ١ الآية، فحلت للأزواج في مضي أربعة أشهر وعشر، ونسخ الوصية لها آية الميراث: ﴿وَلَهُنَّ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْتُمْ﴾ الآية٢. وأما الذي نسخ رسمه، ونسخ حكمه فمثل ما روى الزهري عن أبي أمامة بن سهل عن رجل أنه قام من الليل يستفتح سورة كان قد حفظها، فلم يذكر منها إلا بسم الله الرحمن الرحيم، فلما أصبح غدا على النبي ﷺ فقال:"نعم تلك سورة قد نسخت البارحة من صدور الرجال /١٢٣] ب [ومن كل شيء كانت فيه"٣. وقال الشافعي في قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاء﴾ َ٤ هو خاص يراد به العام، ومثله قوله تعالى: ﴿وَأَنْكِحُوا الأَيَامَى مِنْكُمْ﴾ ٥ فمن فعل ذلك فقد أتى الاختيار، ومن تركه ما كان إثما ولم يحرم عليه ذلك

стр. 186

ما ملك، ولا أبطل عليه الطلاق لمخالفة الأمر، فإن ابن عمر ذكر أنه اعتد بما مضى من طلاقه في الحيض١. قال يونس بن عبد الأعلى: ما كان الشافعي يأخذ في شيء إلا ويقول: هذه صناعته، وإذا أخذ في أيام العرب يقول: هذه صناعته٢. وعن حرملة قال: قال الشافعي: ما جهل الناس ولا اختلفوا إلا لتركهم معرفة لسان العرب، وميلهم إلى لسان أرسطاطاليس٣،٤. قال محمد بن مسلم بن وارة الرازي: قدمت من مصر فدخلت على أحمد بن حنبل ﵀ فقال لي: من أين جئت؟ قلت: من مصر، قال: أكتبت كتب الشافعي؟ قلت: لا. قال: ولم؟ ما عرفنا ناسخ سنن رسول الله ﷺ من منسوخها، ولا خاصها من عامها، ولا مجملها من مفسرها حتى جالسنا الشافعي ﵀.

стр. 187

قال ابن وراة: فحملني ذلك أن رجعت إلى مصر فكتبتها١. وعن الربيع بن سليمان قال: سمعت الشافعي ﵀ يقول: لو كان الكفاءة في النسب لم يكن أحد من خلق الله كفوا لبنات رسول الله ﷺ ، وقد زوَّج ﷺ ابنته أبا العاص بن الربيع٢. قال الشافعي: أصحاب الحديث وفد الله. وعن حرملة بن يحيى قال: سمعت الشافعي] ١٢٤/أ [يقول: سميت ببغداد ناصر الحديث٣. وعن الربيع قال: سمعت الشافعي يقول: كنت عند مالك بن أنس وهناك سفيان بن عيينة ومسلم بن خالد الزنجي، إذ أقبل رجلان أحدهما متعلق بصاحبه، فقال لمالك: يا أبا عبد الله أنا رجل أبيع القماري، وإني بعت من هذا الرجل اليوم قمريا، وحلفت له بالطلاق الثلاث أنه لا يهدأ من الصياح، فوزن لي ثمنه وقبضته وانصرف، فلما كان بعد ساعة أتاني فقال: زعمت أنه لا يهدأ من الصياح وقد سكت وهدأ، فرد علي دراهمي، وقد حنثت في يمينك، فقال مالك: هو كما يقول: قال: نعم. قال: بانت امرأتك، ووجب عليك رد الدراهم. فقاما من عند مالك فقال الشافعي: ما قال لكما مالك؟ فأخبراه

стр. 188

بالمسئلة وبفتيا مالك، فقال الشافعي للبائع: ما أردت بقولك: إنه لا يهدأ على مر الزمان أو أردت أن كلامه أكثر من سكوته؟ فقال: يا أبا عبد الله قد علمت أنه ينام ويأكل ويشرب، وإنما أردت أن كلامه أكثر من سكوته. فقال الشافعي: لا رد عليك، أمسك عليك امرأتك. فرجعا إلى مالك فقالا له: إن رأيت أن تنظر في مسئلتنا. فقال مالك: إن كان السؤال ما سألتما فإن الجواب عنه ما سمعتما. قالا: فإن الشافعي زعم أنه لا شيء عليه. فدعاه مالك وصاح عليه وقال: من أين قلت؟ فقال: حديث فاطمة بنت قيس لما قالت لرسول الله ﷺ : إن معاوية بن أبي سفيان وأبا جهم بن حذيفة يخطبانني فأيهما أحب إليك؟ فقال: "إن معاوية] ١٢٤/ب [صعلوك لا مال له، وإن أبا جهم فلا يضع عصاه عن عاتقه في أهله"١، وكان أبو جهم ينام ويستريح، فإنما خرج كلامه ﷺ على الأغلب من الشيء، كان الشيء إذا كثر كان كمداومته. قال فأعجب ذلك مالكا، وبقي متحيرا، فقال له مسلم بن خالد: أفت والله، فقد آن لك أن تفتي. وهو ابن خمس عشرة سنة٢. وعن حرملة قال: سئل الشافعي عن رجل وضع تمرة في فيه، فقال لامرأته: إن أكلتها فأنت طالق، وإن طرحتها فأنت طالق؟ فقال الشافعي: يأكل نصفها ويطرح نصفها٣.

стр. 189

وقال بعض الخلفاء للشافعي: لأي عِلَّةٍ خلق الله الذباب؟ فأطرق ثم قال: مذلة للمملوك يا أمير المؤمنين، لقد سألتني وما عندي جواب، فأخذني من ذلك الزمع١، فلما رأيت الذبابة قد سقطت منك بموضع لا يناله من معه عشرة الآف سيف وعشرة الآف رمح انفتح لي منها الجواب. قال الشافعي ﵀: العلوم ثلاثة: علم الأبدان، وعلم الأديان، وعلم الديوان، فأما علم الأبدان فالطب، وأما علم الأديان فالفقه، وأما علم الديوان فالحساب٢. قال الشافعي: العجب ممن يتعشى ببيض وينام كيف يعيش؟! ومن يخرج من الحمام ثم لا يأكل كيف يعيش؟! وممن يحتجم ثم يأكل كيف يعيش /١٢٥] أ [؟! ٣. وكان الشافعي جالسا مع الحميدي ومحمد بن حسن، يتفرسون الناس فمر رجل فقال محمد بن الحسن: يا أبا عبد الله انظر في هذا. فنظر إليه وأطال فقال ابن الحسن: أعياك أمره؟ قال: أعياني أمره، لا أدري خياط أو نجار. قال الحميدي: فقمت إليه فقلت له: ما صناعة الرجل؟ قال: كنت نجارا وأنا اليوم خياط٤.

стр. 190

وأيضا قال الشافعي: الوراق يأكل من دية عينيه١. وقال أيضا الشافعي: لو يعلم الناس ما في الكلام لفروا منه كما يُفر من الأسد٢. وقيل للشافعي: قد أوتيت لسانا وبيانا فلم لا تناظر أهل الكلام؟ قال: لأني إذا ناظرت في الفقه فأكثر ما يقال لي أخطأت، وكذلك أقول لهم أخطأت، وفي الكلام يقال لي: كفرت٣. قال عبد الله بن عبد الرحمن الزجاج: رأيت الشافعي بنصيبين قبل

стр. 191

أن يدخل مصر، فلم أره آكلا بنهار ولا نائما بليل١. قال يونس بن عبد الأعلى: كان الشافعي إذا أخذ في التفسير كأنه شهد التنزيل٢. قال الشافعي: المراء في العلم يقسي القلب، ويورث الضغائن٣. وقال: الغربة ذلة، فإن تبعتها قلة، وردفتها علة، فيا لها من نفس مضمحلة. وللشافعي ﵀: أريد من الإخوان كل مواتي ... وكل غَضِيض الطرف من عثراتي يساعدني في كل أمر أريده ... ويحفظ

стр. 192

وقال الشافعي: من تعلم القرآن عظمت قيمته، ومن نظر في الفقه نَبُلَ مقداره، ومن كتب الحديث قويت حجته، ومن نظر في الحساب جزل رأيه، ومن نظر في اللغة رقَّ طبعه، ومن لم يصُنْ نفسه لم ينفعه علمه١. وقال الشافعي في ذم الكلام: لم يبرح الناس حتى أحدثوا بدعاً ... في الدين بالرأي لم تبعث بها الرسل حتى استخف بدين الله أكثرهم ... وفي الذي حُمِّلوا من حقه شُغُل٢ قال علي بن سهل: لما قرأ الرشيد كتاب الولاية للأمين والمأمون بمكة سكت الناس، فقام شاب فقال: يا أمير المؤمنين: لا قصَّرا عنها ولا بَلَغَتْهما ... حتى يطول بها لديك طوالها فبكى هارون الرشيد وأبكى الناس وقال: من هذا الفتى؟ فقالوا: هذا فتىً يقال له محمد بن إدريس الشافعي ﵀ ٣. قال الشافعي: لما رجعت إلى مكة وقد شاطرني مالك جميع ماله وصلحت حالي بهدايا جاءتني من دق خراسان وقباطي٤ مصر، خرجت العجوز - يعني أمه - فضمتني إلى صدرها فلما هممت بالدخول فقالت لي العجوز: أين] ١٢٦/أ [

стр. 193

عزمت؟ فقلت: إلى المنزل. فقالت لي: يا سبحان الله تخرج من مكة بالأمس فقيراً لا مال لك، وتعود إليها مثرياً تفتخر على بني عمك بذلك. فقلت: فما أصنع؟ قالت: تضرب فارتك١ هذه بالأبطح، وناد في العرب تشبع الجائع وتحمل المنقطع وتكسو العاري، وتربح ثناء الدنيا وثواب الآخرة. ففعلت ما أمرتني العجوز، وسار بذلك الرجال على آباط الإبل، وبلغ ذلك مالكاً فأرسل إلي يستحثّني على ذلك الفعل، ويعدني أنه يحمل إلي في كل عام مثله، وما دخلت مكة إلا ومعي بغلة وخمسون ديناراً، فوقعت المقرعة من يدي فناولتني إياها أمة على كتفها قربة فدفعته إليها فما بِتُّ تلك الليلة إلا مديناً، وأقام مالك يحمل إلي كل عام مثل ما كان دفع، فلما مات مالك ضاق بي الحجاز وخرجت إلى مصر، فعوضني الله تعالى عبد الله بن عبد الحكم فأقام بالكفاية٢. وقال الشافعي: إذا سمعت الرجل يقول: الاسم هو المسمّى أو غير المسمّى فاشهد بأنه من أهل الكلام ولا دين له٣. قال الزعفراني: قال الشافعي: حكمي في أصحاب الكلام أن يضربوا بالجريد، ويطاف عليهم في العشائر والقبائل، ويقال هذا جزاء من ترك الكتاب والسنة٤.

стр. 194

وقال الشافعي: لأن يلقى اللهَ العبدُ بكل ذنب ما خلا الشرك خير له من أن يلقاه بشيء من الكلام١. وتكلم الشافعي ﵁ بمكة في] ١٢٦/ب [قوله ﷺ : "وهل ترك عقيل لنا من دار"٢ وكان إسحاق بن راهويه حاضراً فقال إسحاق: ثنا يزيد عن الحسن وأنبا أبو نعيم وعبده عن سفيان عن منصور عن إبراهيم أنهما لم يكونا يريانه، وعطاء وطاووس لم يكونا يريانه. فقال الشافعي لبعض من عرفه: من هذا؟ قال: هذا إسحاق بن إبراهيم الحنظلي ابن راهويه الخراساني. فقال الشافعي: أنت الذي يزعم أهل خراسان أنك فقيههم، ما أحوجني أن يكون غيرك في [موضعك] ٣ فكنت آمر بعرك أذنيه، أقول قال رسول الله ﷺ وأنت تقول قال عطاء وطاووس، وهل لأحد مع رسول الله ﷺ حجة؟! ٤.

стр. 195

قال الشافعي: إذا رأيت رجلاً من أصحاب الحديث فكأني رأيت رجلاً من أصحاب رسول الله ﷺ ، فجزاهم الله خيراً فهم حفظوا لنا الأصل، فلهم علينا فضل١. وقال الشافعي: العشرة٢ أشكال٣ لهم أن يغيّر بعضهم على بعض، والمهاجرون الأولون والأنصار أشكال لهم أن يغيّر بعضهم على بعضٍ، فإذا ذهب أصحاب محمدٍ ﷺ فحرام على تابعٍ إلاّ اتّباعٌ بإحسان حذواً بحذو٤. سئل الشافعي عن صفات الله تعالى؟ فقال: لله تعالى أسماءٌ وصفات جاء بها كتابه وأخبر بها نبيه ﷺ أمته، لا يسع أحداً من خلق الله قامت عليه الحجة أن القرآن نزل به وصح عنده بقول النبي ﷺ فيما روى عنه العدل، وجب عليه القبول والمعاني التي وصف الله بها نفسه ووصفه بها رسول الله ﷺ ، لا يُدرك حقيقة ذلك بالفكر والرؤية، فلا يكفر] ١٢٧/أ [بالجهل بها أحدٌ إلا بعد انتهاء الخبر إليه بها، فإن كان الوارد بذلك خبراً يقوم في

стр. 196

الفهم مقام المشاهدة في السماع وجبت الدينونة على سامعه بحقيقته والشهادة عليه، كما عاين وسمع من رسول الله ﷺ مِثل ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ﴾ ١ ﴿وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِه﴾ ٢ ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلاَّ وَجْهَه﴾ ٣ ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّك﴾ ٤. ومثل ما جاء في الأخبار: "حتى يضع الرب فيها قدمه"٥ "وأنه يضحك من عبده المؤمن"٦. ولكن نثبت هذه الصفات وننفي التشبيه كما نفى عن نفسه تعالى ذكره فقال:٧ ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ ٨.

стр. 197

[الفصل الثالث: في ثناء الناس عليه] ١ قال بلال الخواص: كنت في تيه بني إسرائيل فإذا رجل يماشيني فتعجبت، ثم ألهمت أنه الخضر فقلت له: بحق الحق من أنت؟ فقال: أخوك الخضر. فقلت له: أريد أن أسألك. فقال: سل. فقلت: ما تقول في الشافعي؟ فقال: هو من الأوتاد. قلت: فما تقول في أحمد بن حنبل؟ قال: رجل صدّيق. قلت: فما تقول في بشر بن الحارث؟ فقال: لم يُخْلِفْ بعده مثله. فقلت: بأي وسيلة رأيتك؟ قال: ببرك أمك٢.

стр. 198

وقد روى أبو هريرة وغيره عن النبي ﷺ أنه قال: "لا تسبّوا قريشاً فإن عالمها يملأ الأرضعلماً" ١ وفي رواية قال: "عالمها يملأ طبق الأرض". فأجمعت الأمة على أن هذا في الشافعي ﵁] ١٢٧/ب [فما خرج من قريش فقيه وإمام يبلغ علمه جميع البلاد والأكناف والأطراف، يمناً وحجازاً وشاماً وعراقاً والثغور وخراسان وما وراء النهر إلا الشافعي رضي الله عنه٢. قال أحمد بن حنبل ﵁: إني لأدعو لمحمد بن إدريس في صلاتي منذ أربعين سنة، فما كان فيهم - يعني الفقهاء - أتبع لحديث رسول الله ﷺ منه٣. قال عبد الله بن أحمد بن حنبل: قلت لأبي: أي رجل كان الشافعي

стр. 199

فإني أسمعك تكثر من الدعاء له؟ فقال لي: يا بني كان الشافعي كالشمس للدنيا وكالعافية للناس، فانظر هل لهذين من خلف أو منهما عِوض١. قال الفضيل بن زياد: سمعت أحمد بن حنبل يقول: ما أحد أمسك في يده محبرة وقلماً إلا وللشافعي في عنقه مِنَّة٢. وقال أحمد: يروى في الحديث عن النبي ﷺ : "أن الله يمن على أهل دينه في رأس كل مائة سنة برجل من أهل بيتي يَسُنُّ لهم أمر دينهم"٣ وإني نظرت في مائة سنة فإذا هو رجل من آل رسول الله ﷺ عمر بن عبد العزيز، وإني نظرت في المائة الثانية فإذا هو محمد بن إدريس الشافعي٤. قال المزني: سمعت الشافعي يقول في معنى قول الله تعالى: ﴿وَإِنْ

стр. 200

عُدْتُمْ عُدْنَا﴾ ١ قال: إن عدتم إلى الذنب عُدْنا إلى المهل لتتوبوا. وللشافعي ﵁] ١٢٨/أ [: يا ناظري بالكسوة البالية ... تحت ثيابي همة عالية وإنما الناس بآدابهم ... والمال في أيديهم عارية٢ سئل إسحاق بن راهويه عن وضع الشافعي هذه الكتب وإنما كان عمره قصيراً؟ فقال إسحاق ﵀: إنما عجَّل الله عقله لقلة عمره٣. قال أحمد بن حنبل: ما زالت أقفيتنا في أيدي أصحاب الرأي، حتى جاء الشافعي فانتزعها من أيديهم٤. قال إسحاق بن راهويه: لقيني أحمد بن حنبل بمكة فقال: تعال حتى أريك رجلاً لم تر عيناك مثله. قال: فأقامني على الشافعي٥. وعن هلال بن العلاء قال: منَّ الله على هذه الأمة بأربعة، بالشافعي لفقهه في زمانه، وبأبي عبيد القاسم بن سلاّم٦ فسّر غرائب

стр. 201

حديث النبي ﷺ ، وبيحيى بن معين١ نفى الكذب عن حديث رسول الله ﷺ ، وبأحمد بن حنبل ثبت في المحنة٢. وعن الحسين بن محمد الكرابيسي قال: ما رأيت مجلساً أنبل من مجلس الشافعي، كان يحضره أهل الحديث وأهل الفقه والشعر، وكل يتعلم منه ويستفيد. وقال أيضاً: ما رأيت مثل الشافعي، ولا رأى الشافعي مثل نفسه٣. وعن أبي ثور قال: لو لم يقدم علينا الشافعي للقيت الله ضالاً٤. وعن أبي عمر محمد بن عبد الواحد الزاهد المعروف بغلام ثعلب قال: سمعت ثعلباً يقول: الشافعي إمام في اللغة٥. وعن أبي عبد الله نفطويه قال: مثل الشافعي في العلماء مثل البدر في نجوم السماء٦. وعن الربيع قال: كان الشافعي يناظر الناس على قدر أفهامهم، ولو ناظرهم على فهمه ما فهموا] ١٢٨/ب [عنه٧.

стр. 202

وعن البويطي قال: سمعت الشافعي يقول: لَوَدَدْت أنه يعمل بحديث رسول الله ﷺ ولا أعد من أهل العلم١. وعن يونس بن عبد الأعلى قال: سمعت الشافعي - وحضر ميتاً فلما سجَّينا عليه نظر إليه - فقال: اللهم بغناك عنه وفقره إليك اغفر له٢. قال إسحاق بن راهَويْه: الشافعي إمام٣. وقال أبو عبيد القاسم بن سلام: ما رأيت رجلاً قط أعقل وأكمل من الشافعي٤. قال الحسن بن علي القراطيسي: كنت عند أبي ثور فجاء رجل فقال: أصلحك الله، فلان يقول قولاً عظيماً. قال: وما سمعته يقول؟ قال سمعته يقول: الشافعي أفقه من الثوري. قال: هو عندي أفقه من الثوري ومن النخعي. قال يونس بن عبد الأعلى: رأيت الشافعي عند عبد الله بن وهب فلما قام قال لي ابن وهب: ما رأيت رجلاً أيقظ ولا أفهم برد الجواب ولا أعظم مروءة من هذا - يعني الشافعي-. وقد لقي ابن وهب مالكاً والليث وابن أبي ذئب والماجشون وغيرهم.

стр. 203

وكان الحميدي إذا جرى عنده ذكر الشافعي قال١: حدثنا سيد الفقهاء٢. قال: وقال محمد بن عبد الله بن عبد الحكم: ما رأت عيني قط مثل الشافعي٣. قال الحسين بن علي الكرابيسي٤: بِتُّ مع الشافعي ثمانين ليلة كان يصلي نحو ثلث الليل، لا يمر بآية رحمة إلا سأل الله لنفسه وللمؤمنين أجمعين، ولا يمر بآية عذاب إلا تعوّذ بالله منها، وسأل النجاة لنفسه ولجميع المسلمين، وكأن جُمع له الرجاء والرهبة٥. قال أبو جعفر محمد بن أحمد بن نصر الترمذي] ١٢٩/أ [- وكان رجلاً ورعاً عفيفاً صائناً- رأيت النبي ﷺ في المنام فقلت: يا رسول الله أكتب رأي أبي حنيفة؟ قال: لا. قلت: يا رسول الله أكتبُ رأي مالك؟ قال: لا تكتب من رأي مالك إلا ما وافق حديثي. قلت: أكتب رأي الشافعي؟

стр. 204

فرفع رأسه وانتهرني وهو غضبان وقال: لا تقل رأي الشافعي فإنه ليس برأي، ولكنه ردَّ من خالف سنتي١. قال أبو القاسم هبة الله بن الحسن الطبري صاحب التصانيف الكثيرة: رأيت النبي ﷺ في المنام ببغداد في المحرم سنة ست وتسعين وثلثمائة فقلت: يا رسول الله ما تقول في صحيح البخاري؟ قال: كله صحيح أو جيد لو أدخل الشافعي فيه٢.

стр. 205

الفصل الرابع: في ذكر أصحابه فمن أصحابه المكيين عبد الله ابن الزبير الحميدي القرشي المكي الإمام، مات بمكة سنة تسع عشرة، وقيل: سنة عشرين١. ومن أصحابه بالعراق: الإمام أحمد بن حنبل ﵁. وفي أصحابه المكيين والعراقيين والمصريين كثرة، فأما المشاهير بالرواية، فأبو إبراهيم المزني إسماعيل بن يحيى٢، وأبو يعقوب

стр. 206

البويطي١، والربيع بن سليمان المرادي٢ والربيع بن سليمان الجيزي٣. قال الشافعي: لسان أبي يعقوب كلساني، وأما الربيع فإنه يؤدي كما سمع، وأما المزني فإنه يغلب الجن] ١٢٩/ب [بالفقه٤. وعن الربيع قال: كنا مع الشافعي فأقبل المزني فقال: قد جاءكم من لو ناظر الشيطان لقطعه، فالتفت فإذا المزني٥. وعن عصام الرازي قال: سمعت المزني يقول: إذا قال الرجل والله لا أضرب اليوم أحداً، فضرب نفسه لا يحنث لأنه إنما أراد غيره من الناس. قال: وهذا يدخل في اللغة على القدرية في قوله تعالى: ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ ٦ والله خالق الأشياء كلها أعمال العباد وغيرها، ولم يعن نفسه إنما أراد سواه.

стр. 207

وقال رجل للمزني: يا أبا إبراهيم إن فلاناً يبغضك. قال: ليس في قُرْبه أُنْسٌ ولا في بُعْدِه وَحْشه١. قال أبو الحسن الحذاء المصري: رأيت فيما يرى النائم المزني فقلت له: ما فعل الله بك؟ قال: ما نفعنا تلك المناظرات، لولا الصوم والصلاة لكنا من الهالكين. وعن الفريابي قال: كنا نتناظر بين يدي المزني، وكان يستمع إلى المناظرة حتى نتوهم أنه لا يعرف في الفقه شيئاً، ثم يتكلم بعد ما حفظ على المتناظرين. وعن أبي سعيد محمد بن عقيل قال: قلت للمزني ما تقول في قول الله : ﴿آلآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ﴾ ٢ فلم يقبل منه الإيمان، وقول النبي ﷺ لعمِّه أبي طالب حيث عرض عليه الإيمان فقال: "يا عم إن] ١٣٠/أ [آمنت أشهد لك عند الله"٣. وهذا في الموت، وفرعون في الموت ما الفرق بينهما؟ قال: فقال المزني: كان فرعون خرج من مفاخرة الدنيا ويئس من الحياة فلم يقبل منه الإيمان، وأبو طالب بعد في مفاخرة الدنيا ولَمْ ييئسْ من الحياة فيقبل منه الإيمان.

стр. 208

وكان إذا فاتته صلاة في جماعة قضى خمسا وعشرين صلاةً١ ويقول: قال النبي ﷺ : "صلاة الجماعة تفضل صلاة الواحد بخمس وعشرين درجة"٢.

стр. 209

فصل في ذكر أحمد بن حنبل ﵁ مدخل ... فصل في ذكر أحمد بن محمد بن حنبل ﵁ أحمد بن محمد بن حنبل هو شيخ الأئمة ومزكي الأمة، وأوحد الملة رفيع القدر والهمة، صيرفي الأخبار وقدوة العلماء في معرفة الآثار، إليه في فنونها الرَّد والقبول، وله في عيونها الغُرر والحجُول، إمام الأنام مفتي الأمة في الحلال والحرام، في علم الحديث بحر زخار، وفي علم الفقه سماء مدرار، وفي الزهد والتقوى الحسن البصري، وفي الرقائق والدقائق ذو النون المصري١، وفي الورع سفيان الثوري، مالك أزمة العلوم في عصره، القائم بإحياء الدين ونصره، عزَّ بمكانه التقى، وتحصَّن في جنابه الهدى، واعتدل ميْل الإسلام برأيه، وانهزم خيل الباطل من حججه وآيه، أقوى من ضرب في عصره عن بيضة الدين بالحسام المرهف، وأعلم] ١٣٠/ب [من تمكّن في وقته في شاهق الملة الحنيفية من الشعب الأشرف، مشاهده في الذب عن حريم السنة مشهورة، ومآثره في جمع الحديث مأثورة، وآية صبره في نصره السنة على جبينها مسطورة، تفسيره للقرآن در منظوم، ومسنده للحديث روض مرهوم٢، وسائر تصانيفه في أنواع العلوم وشيٌ مرقوم،

стр. 210

مسائله في الفقه جنة عالية، قطوفها دانية، ورَدُّه على الزنادقة دعوى التناقض على القرآن روضة زاهرة زاهية، ومقاماته في تمهيد قواعد السنة ظاهرة بادية، أبقى لنفسه بذلك ذكراً سائراً وشرفاً شاهراً، سحب بمكانه أذيال الفخر على السحائب، وجاز به أعلى المراتب والمناصب، رضيت حكمته الحكماء واختص بثمرة قوله ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ ١، سار فضله في البدو والحضر مسير الشمس والقمر، شجرته في النسب خليلية الأصول والأغصان، إسماعيلية الفروع والقضبان، ربيعية الأوراق والأفنان، شيبانية الأعراق والقنوان، دهلية الأخلاق في جميع الشأن، فهو إمام الأئمة للإسلام بمدينة السلام، عليه أفضل التحية والسلام. وختمي بالسلام على إمام ... بنى في قمة العلياء بيتاً وإني كلما أَمَّمْت قصداً ... نجيحاً صُغت في معناه بيتاً] ١٣١/أ [

стр. 211

الفصل الأول: في نسبه وحليته ومولده ووفاته ﵁ - هو أبو عبد الله أحمد بن محمد بن حنبل بن هلال بن أسد بن إدريس بن عبد الله بن حَيَّان بن عبد الله بن أنس بن عوف بن قاسط بن مازن بن [شيبان بن ذهل] ١ بن ثعلبة بن عُكابة بن [صعب] ٢ بن علي بن بكر بن وائل بن قاسط بن هِنْب بن [أفصى] ٣ بن دُعْمِيِّ بن جديله بن أسد بن ربيعة بن نزار بن معد بن عدنان بن أدِّ بن أُددَ بن الهُمَيْسَع بن حمل بن النبت بن قيدار بن إسماعيل بن إبراهيم ﵉. يلقى رسول الله ﷺ عند نزار بن معد، ولد نزار مضرَ وإياداً وربيعةً وانماراً. قال: وكان يقال: مضر وربيعة الصريحان. ويروى عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ : "لا تسبوا مضر

стр. 212

وربيعة، فإنهما كانا مسلمين، ولا تسبوا قيسا فإنه كان مسلماً" ١. فرسول الله ﷺ من ولد مضر بن نزار، وإليه دفع أبوه حجابة الكعبة، وأحمد بن محمد بن حنبل ﵁ من ولد ربيعة بن نزار على ما ذكره أصحاب التواريخ. قال الحسين بن أحمد الأسدي الطبري: أحمد بن محمد بن حنبل نسبه من بني شيبان، أصله بصري خطته بمرو٢ ويُعَد في البغداديين٣. قال عبد الرحمن بن أبي حاتم الرازي: أحمد بن محمد بن حنبل خطته بمرو ويعد في البغداديين. قال أحمد: حُمِلت من مرو، وأمي بي حامل] ١٣١/ب [٤. وقال أحمد: وُلدتُ في سنة أربع وستين ومائة في أولها في ربيع الآخر٥.

стр. 213

وجيئ به حملاً من مرو، وتوفي أبوه محمد بن حنبل وله ثلاثون سنة، فوليته أمه وجده حنبل ابن هلال ولي سَرَخْس١. قال الأصمعي: أحمد بن محمد بن حنبل من دُهَل، وكان أبوه قائداً ومات والد أحمد ولم يره، مات وهو حمل٢. قال أحمد: طلبت العلم وأنا ابن ست عشرة سنة، فخرجت إلى الكوفة فكنت في بيت تحت رأسي لبنة، فحممت فرجعت إلى أمي ثم ماتت٣. وتوفي أحمد ﵀ في يوم الجمعة لاثنتي عشرة ليلة خلت من شهر ربيع الأول سنة إحدى وأربعين ومائتين، وكان سنُّه من يوم وُلد إلى أن توفي [سبع] وسبعون سنة٤. وخرج إلى سفيان بن عيينة سنة سبع وثمانين، وقد مات فضيل وهي أول سنة حجّ، وخرج سنة ثمان وسبعين إلى عبد الرزاق وجاءه موت سفيان ويحيى بن سعيد وعبد الرحمن بن مهدي سنة ثمان وتسعين٥، وحجّ خمس

стр. 214

حجج، منها ثلاثة راجلاً، أنفق في أحد هذه الحجج ثلاثين درهماً١. قال أحمد: سمعت أمي تقول: لما قدمنا نهروان في مجيئنا من خراسان من مرو، فإذا بأعرابي على جسر نهروان على ناقته فقال لي: يا امرأة احفظي ما في بطنك فسيكون له شأن. فلما أن قدمت بغداد وضعته] ١٣٢/أ [. وقال أحمد: وقع لي الخروج إلى خراسان فراودت نفسي بالخروج حتى دخلت همدان ليلاً، فلم أجد موضعاً آويه، وكان شتاءً والمساجد كلها مغلقة- قال: فأبصرت ضوء نار فأخذت نحوه، فإذا بأتون حمام فدخلت الأتون فإذا بأسود يوقد الأتون، فسلمت عليه فردَّ سلاماً خفياً، ولم يكلمني ولا قال لي اجلس، وما زلت واقفاً حتى جلست من غير أمره ولم يكلمني، فما زال حتى فرغ من عمله، ثم ردَّ باب الأتون وتمسَّح وأكل فلم يقل لي: كُلْ، فلما فرغ قلت: رأيت عجباً. قال: أي شيء رأيت؟ قلت: دخلت هذا المكان وأنا غريب وأنت أهلي، فلم تقل لي اقعد ولا كلّمتَني ولا سألتني. قال: يا هذا أنا رجل مملوك وليس الأتون لي فأتحكم فيه وآمر فيه، وأما الطعام فأنا رجل قد رُسمت بعمل ما وبطعام ما، فإن أطعمت الطعام غيري أخاف التقصير في العمل فيكون عليَّ من الله مطالبة. قال أحمد: فقلت هذا الذي أزعجني إلى هاهنا، فرجعت من همدان ولم يكن لي فائدة أكثر من هذا. أعقب أحمد ابنين، أبا عبد الرحمن عبدَ الله، وأبا الفضل صالحاً.

стр. 215

فأما صالح فهو أكبر أولاده، وكان لأحمد الحسن والحسين توأمين ماتا بالقرب من ولادتهما، والحسن ومحمد، وعاشا من السِّن نحو الأربعين. وسعيد بن أحمد ولي قضاء الكوفة١.
следующие страницы →