١- ووضعت عناوين جانبية توضح المقصود.
٢- وضعت جملة من الفهارس العلمية للكتاب.
ثالثاً: المصطلحات والرموز المستخدمة في التحقيق:
استخدمت في تحقيق الكتاب والتعليق عليه جملة من الرموز لأجل الاختصار ولكثرة التكرار، وهذه الرموز كالآتي:
الرمز ... معناه
ص ... نسخة المخطوطة الأصل
فتح ... صحيح البخاري مع شرحه فتح الباري للحافظ ابن حجر
شرح الأصول ... شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة- للحافظ اللالكائي
البيهقي في المناقب ... مناقب الإمام الشافعي - لللحافظ البيهقي
ابن الجوزي في المناقب ... مناقب الإمام أحمد بن حنبل – للحافظ ابن الجوزي
الحلية ... حلية الأولياء – للحافظ أبي نعيم
سير الأعلام ... سير أعلام النبلاء – للحافظ الذهبي
ر
... راجع أو انظر
[] ... ما بين المعقوفتين من إضافات المحقِّق وتصويباتها
стр. 37
الباب الأول: في بيان حدود الشريعة
مقدمة المؤلف
...
القسم الثاني: نص الكتاب المحقق "منازل الأئمة الأربعة"
بسم الله الرحمن الرحيم] ٨٩/ب [
الحمد لله على نعمه الباطنة والظاهرة وأياديه المتواترة المتظاهرة، والصلاة على خاتم النبيين محمد ذي المفاخر الفاخرة والمناقب الشاهرة والفضائل الباهرة، وآله وعترته الطاهرة، وصحابته الأنجم الزاهرة، ما ضحكت أصداف الرياض من بكاء السحب الهامية١ الهامرة.
يقول العبد المذنب الفقير إلى رحمة الله تعالى يحيى بن إبراهيم بن أحمد بن محمد السلماسي - ختم الله له بالحسنى عمله -: إني آنست من جماعة من أبناء العصر وانشاء هذا الزمان والدهر، تعاطي علم الوعظ والتذكير، والتصدي للإرشاد والتبصير، قد اقتصروا من العلم على مجرد الرواية، وعدول عن منهج الديانة والدراية، حفظوا كلمات ملفقة مزخرفة، وحكايات مخترعة مؤلفة، من تأليف من لَمْ يقتبس من مشكاة الكتاب والسنة، ولم يرد على مشارع الشرع والملة، أكثرها منكر من القول وزور، وصاحبها بروايتها مطالبٌ مأزور، من غير اقتداء بإمام ناصح، ولا اهتداء بشيخ صالح، ولا استناد إلى أصل من الأصول، ولا مناسبة للشرع المنقول، ولا استبصار بمسالك المعقول، ولا تمسك بقضيات العقول، قد لهجوا بإنشاد الأبيات، واعتكفوا على إنشاء الإشارات المؤذنة
стр. 38
بفساد النيات، تركوا ما أمر الله تعالى به من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، واشتغلوا بإيراد الرمز] ٩٠/أ [والمضمر دون الواضح المظهر، وأضربوا صفحاً عن ذكر الوعد والوعيد، وشرح ما بينه الله تعالى في القرآن المجيد، من ذكر الموت والمعاد وما أعدَّ الله في الدار الآخرة للعباد من النعيم المقيم والعذاب الأليم، فبهذا بعث رُسُلَه وأنزل كتبه أفلا يعقلون؟! ألا يسمعون قوله؟! ألا يتلون؟!: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ يس وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ تَنْزِيلَ الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ لِتُنْذِرَ قَوْماً مَا أُنْذِرَ آبَاؤُهُمْ فَهُمْ غَافِلُونَ﴾ ١.
قد نبذوا كتاب الله وراء ظهورهم فهم عنه معرضون، وللفتنة والبلاء متعرضون، عن الهوى ينطقون، وما يضرهم ولا ينفعهم يتعلمون، يعلمون ظاهراً من الحياة الدنيا وهم عن الآخرة غافلون، يكتبون الكتاب بأيديهم ويقولون هذا من عند الله ليشتروا به ثمناً قليلاً فبئس ما يشترون، يجادلون بالباطل ليدحضوا به الحق فسوف يعلمون، بالجبت والطاغوت يؤمنون، وبالحق والصدق يكفرون، ويدّعون الإيمان والتوحيد وغير الله يعبدون، وإذا قيل: السُّنة كذا ينكرون، وإذا ذُكِّرُوا لا يذكرون. وإذا يتلى عليهم القرآن والحديث يستكبرون، وما لا يرضى من القول يُبيِّتون، ومع الله إلهاً آخر يَدْعون، والوصول إلى الدرجات العالية والمقامات
стр. 39
السامية يَدَّعون، تالله فهم إلى نار جهنّم يُدَعُّون، وهم عن صلاتهم ساهون، ويشهدون الجماعة والجمعة كسالى، يعملون] ٩٠/ب [ما يشتهون، يُنفقون ولا يُنفقون إلا وهم كارهون، ويحكمون ولكن حكم الجاهلية يَبْغُون، ويَعِدُون ويخلفون ولا يَفُون، رضوا من دينهم بتحسين الملابس وتزيين المراكب، وتكثير المجالس وتعظيم المواكب، يتأنقون في لبس العمائم ويترفعون على الناس ترفع النعائم، يتملقون بين يدي كل غاشم وظالم، ولا يتحاشون من ارتكاب الفواحش والمظالم، كما قال بعضهم:
زمانك ذا زمانُ بَني الغَرَامَة ... وما هذا زمان الاستقامة
رضوا بالطيلسان١ إذا اكتسوه ... وتفخيم البرانس والعمامة
كذا دَجَجُ البيوت لهن ريش ... ولكن لا يطرن مع الحمامة٢
خالطوا الطغاة المرقَة وحَالَفُوا العُتَاة الفسقة، ينادمونهم ليلاً ونهاراً، ويسامرونهم سراً وجهاراً لا يرجون لله وقاراً، دأبهم الاستخفاف واللمز، ودينهم الاستهزاء والهَمْز، الغيبة والوقيعة في أهل الدين مذهبهم وشعارهم، والاستهانة بأحكام الله ملبسهم ودثارهم، قصارى هممهم جمع الحطام والاختطاف من السحت الحرام، فإذا ذُكِّروا بالكتاب والسنة وما فيها من بيان طريق النار والجنة، وما أمر الناس به من اتخاذ العدة
стр. 40
والجُنَّة١، من الخطاب الشامل لجميع الناس قالوا: هذا من علم العوام والصبيان أين أنتم عن حقائق العرفان؟!، يتكلمون في الله تعالى وفي صفاته وأسمائه بما لم يأذن به الله في أرضه وسمائه] ٩١/أ [ولا فيما أنزل الله على أنبيائه، ونسوا قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِِِ﴾ ٢، لَوْ رُوجع أحدهم في فرض من فرائض الأعيان لعجز عن الجواب فيه والبيان، ولَوْ سُئِل عن خبر من أخبار الرسول ﷺ لأنكره ورمى بالبهتان، يفتخرون بمخالطة الظلمة وينتصرون بالعَميدِ٣ والشِّحْنَة٤، ويقطعون مجلس وعظهم بمدحهم والثناء عليهم رغبةً فيما يرون من الحطام لديهم، يزعمون أنهم أعلم الناس وأفقه الأنام، ويرتكبون فواحش الآثام، يستنكفون من التوقف عن الجواب فيما لا يعلمون فيجيبون بما يجهلون، يَضِلون ويُضِلُّون، كأنهم في عداد ما ذكرهم الله تعالى داخلون: ﴿أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ﴾ ٥ ﴿ذَرْهُمْ
стр. 41
يَأْكُلُوا وَيَتَمَتَّعُوا وَيُلْهِهِمُ الأَمَلُ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ ١، يحسبون أن الحكمة في جمع القراطيس أم كثرة الترحل إلى أصحاب الكراريس، أم الترأس على التمويه والتلبيس، ألا إنها هي لسان الوراثة إذا جاشت عن جوارحها بيعت فأمرعت، وبنفعها أينعت، ولمعين عين المعاني أوضحت فأشبعت، ولقد أخبرني أبي قال: أنبا القاضي أبو الحسن بُندار بن علي بن أحمد قرأه عليه بتبريز في داره قال: ثنا علي بن الحسن بن خارجة بن أحمد قال: ثنا أبو إسحاق إبراهيم بن محمد بن الأزهر قال: ثنا إبراهيم بن محمد بن الهيثم قال: ثنا محمد بن صباح قال: ثنا الحسن بن عَرْفه قال: ثنا بشر بن مروان الفلسطيني قال: ثنا عبد الله بن يزيد الدمشقي عن أبي الدرداء ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "قال الله ﵎] ٩١/ب [: أيها الزهاد المراءون، وأيها العُبَّاد المنافقون، كم تخادعون الله ورسوله، وكم تبهرجون الناس بما تقولون دون ما تفعلون، لا تبيعوا دينكم بدنياكم فتنقلبوا خاسرين، من طلبني وجدني ومن طلب غيري لم يجدني، وهو غداً يوم القيامة في زمرة النادمين"٢.
стр. 42
ثم يثيرون الفتن بين العوام ويوقعون الخلاف بين الأنام، بتحريف مقالات أرباب المذاهب وأصحاب المناصب، ويُخيِّلون إليهم أن بين الأئمة وفقهاء الأمة خلافاً في المعتقد والأصول، يطلبون بذلك إثارة الفضول، طلباً للتقدم والرئاسة، وادِّعاءً للفهم والكياسة، وتنافساً على ازدحام الجهال عليهم، وتسوقاً عندهم لاجتذاب ما لديهم، حتى تشوَّشت قلوب العوّام، ووقع بينهم الخلاف بل القتال بما يوردونه من زخرف الكلام، وصارت طوائف الأنام من المتبعين في الفروع مذاهب الأئمة الأعلام الفقهاء السادة الكرام، يلعن في الاعتقاد بعضهم بعضاً ويبدي كل واحد لصاحبه عداوة وبغضاً، ظناً منهم أنهم اختلفوا في الأصول حسب اختلافهم في الفروع، لقلة معرفتهم بأحوالهم، وعدم الوقوف على أقوالهم، لم يقرؤا العلم على انتقاد، ولم يطالعوا تصانيف الجهابذة العارفين بالانتقاد، بل تلقفوا من أفواه بعض المبتدعة كذباً وباطلاً، وطالعوا من تصانيفهم ما يصير الإنسان به عن الصراط السوي عادلاً١، ولم يعلموا أن الخلاف في التوحيد يؤدي إلى الكفر والتلحيد، إنما الخلاف [المحمود] ٢ في فروع الشرع وفصوله، لا في قواعد أحكامه وأصوله، والفقهاء الأئمة الذين] ٩٢/أ [اشتهر عنهم في الفروع الاختيار،
стр. 43
وظهر لهم الاجتهاد والاختبار، وكثر لهم الأَتْبَاع والأَشْيَاعُ، وحُقَّ على العوام لهم الاتّباع، وتعطَّر بذكرهم الأقطار والأصقاع، وبرَّز في تمهيد أقوالهم الأصحاب من الحواضر والبوادي، وانعمرت بمناظرتهم المجالس والنوادي، أربعة أبوحنيفة بالكوفة، ومالك بدار الهجرة، والشافعي بمكة حرم الله، وأحمد بمدينة السلام، ﵃ وأرضاهم، وجعل الجنة منقلبهم ومقتضاهم.
فهم وإن اختلفت عنهم العبارات فقد اتفقت منهم الاعتقادات، كل واحد منهم مزكي الأمة وإمام الأئمة، محكم تعديله وجرحه، مسلَّم قبوله وطرحه، لا يخالف أحدهم صاحبه إلا في فرع مختلف فيه، لا يفسقه ولا يغويه، مثل لقطة الحرام وتوريث ذوي الأرحام.
فأما الكلام في صفات ذي الجلال والإكرام، وما يتعلق بأسمائه الحسنى وصفاته المباينة لصفات الأنام، فلا خلاف في ذلك بينهم، ولا يؤثر تفرق عنهم، يوجب كذبهم ومَيْنَهم١، بل كلمتهم فيها متفقة وأقوالهم متسقة، سلكوا سبيل الاتباع دون الابتداع، فيما نقلوا عن رسول الله ﷺ وأصحابه ﵃ وَرَوَوْا، وتمسكوا بقوله تعالى: ﴿فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ مَا آمَنْتُمْ بِهِ فَقَدِ اهْتَدَوْا...﴾ ٢.
стр. 44
فرأيت من الواجب أن أذكر من اتفاقهم في المعتقد فصولاً، وأورد من ذلك فصوصاً ونصوصاً، وأبيّن عموماً وخصوصاً، وأنثر طرفاً من طرف مطارفهم، وأذكر نتفاً من تحف مآثرهم ومعارفهم، لينتهي الناس عن ذكرهم بما ليس فيهم، ويتيقنون] ٩٢/ب [أن الدين عند الله الإسلام، وهو دين واحد أصله من عهد أبينا آدم ﵇ إلى أيام محمد رسول الله ﷺ ثابت راسخ، لم يتعقب مبانيه ناسخ، إنما وقع النسخ في شرائع الأنبياء ﵈ في الكيفيات والكميات من العبادات، لا في أمهات الأحكام من الصلاة والزكاة والحج والصيام، رحمةً من الله تعالى بعباده ولطفاً ومنًّا منه وعطفاً، وتخفيفاً عنهم لاختلاف الأزمنة والقوى، وتحقيقاً للامتحان والبلوى، إذ الدنيا مثل دار المرض، والناس فيها كأصحاب الأمراض، والرسل هم الأطباء، والشرائع هي الأدوية التي يزول بها الداء، ثم الأدوية تختلف باختلاف العلل والأسقام، فلهذا اختلفت الأحكام لاختلاف الأزمنة والأيام، وقد أنبأ الله تعالى في محكم التنزيل ومبرم معانيه فقال: ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحاً وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ﴾ ١ والله تعالى الموفق لسلوك سواء السبيل وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وقد قسّمت هذا المختصر أربعة أقسام وفصَّلتها فصولاً:
стр. 45
الفصل الأول: في بيان الحجج، وهي أربعة: الكتاب والسنة والإجماع والقياس.
الفصل الثاني: في ذكر مقدّمات يحتاج الناظر في هذا المختصر إليها، وهي أربعة فصول:
الأول: في بيان الأمة.
الثاني: في ذكر الأئمة. الثالث:
في بيان الاتباع وترك الابتداع.
الرابع: في ذكر كمال الدين وحقائق اليقين] ٩٣/أ [.
الفصل الثالث: في جمل الاعتقاد، وهي أربعة فصول:
الأول: في إثبات العلم بالذات والأسماء والصفات.
الثاني: في ذكر الأفعال، وما جاء الوعد والوعيد به في المآل.
الثالث: في الرسالة والنبوة، وبيان ما أوتي الرسل من المعجزات والقوة.
الرابع: في ذكر الإمامة والخلافة.
الفصل الرابع: في ذكر الأئمة الأربعة، وقد أوردت لكل واحد منهم أربعة فصول: الأول: في ذكر مولده ونسبه وحليته ووفاته.
الثاني: في ذكر علمه وورعه وزهده.
الثالث: في ذكر ما جاء من مدح الأئمة له والثناء عليه.
الرابع: في ذكر أصحابه، وذكرت لكل واحدٍ أربعةً من الأصحاب، ثم عقبت ذكر كل إمامٍ بذكر طرفٍ من محنته على سبيل الاختصار دون الإكثار.
والله أسأل التوفيق لما يقرب إليه ويزلف لديه إنه القادر عليه.
стр. 46
القسم١ الأول: في بيان حجج الشريعة الفصل الأول: في الركن الأول ٢
أركان علم الشريعة أربعة:
الأول: نَصُّ الكتاب المنزل على النبي المرسل ﷺ ، قال الله تعالى: ﴿هَذَا كِتَابُنَا يَنْطِقُ عَلَيْكُمْ بِالْحَقّ﴾ ٣، وقال تعالى: ﴿اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ قَلِيلاً مَا تَذَكَّرُونَ﴾ ٤.
والكتاب قد جمع علم الأولين والآخرين، وتضمّن ثمرة كتبه التي أولاها أوائل الأمم، وصار خزانة لأنواع الحكم، قال الله تعالى: ﴿يَتْلُو صُحُفاً مُطَهَّرَةً فِيهَا كُتُبٌ قَيِّمَةٌ﴾ ٥. وضمّنه تعالى الحجج الواضحة والبراهين اللائحة] ٩٢/ب [والدلائل الساطعة على ما خص به من الإيجاز والإعجاز، بحيث عجز عنه الفصحاء، وأذعن له البلغاء وتبلد منه الشعراء، وتحيَّر فيه الحكماء، فهو عذب المسموع، سهل الموضوع، باللفظ الجزل ومتشابه الرصف، وتلاحم أجزاء الأول بالآخر، واتفاق قرائن الأوسط بالطرفين، ينظم أبهة الفخامة إلى رقة الحلاوة، ويجمع رصانة الجزالة ومهابة الجلالة إلى بهجة الرشاقة ومحبة القبول، له مبادئ بديعة ومخالص
стр. 47
مجيبة ومقاطع غريبة، يزيده مرور الليالي والأيام جِدَّة وطراوة، وتكسبه كرور الشهور والأعوام رونقاً وطلاوةً، ولا يمجه السمع [ولا ينبو] ١ عنه القلب والطبع، لا يبليه كثرة الدرس والقراءة، ولا تخلقه شدة التلاوة والإعادة، يقص أخبار الأمم السالفة ويعبّر عن أنباء الملل وعقائد النحل، ويترجم عن الجلود المتمزقة والرمم البالية والأيام الخالية، جمع خير الدنيا والآخرة بما انتظم من الجواهر الفاخرة، قال الله تعالى: ﴿وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُبِينٍ﴾ ٢، وقال تعالى: ﴿مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ﴾ ٣، وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ وَصَّلْنَا لَهُمُ الْقَوْلَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ﴾ ٤، وقال تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ﴾ ٥، وقال تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ لا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾ ٦، وهو وإن كان كما قال تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّمَا فِي الأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ ٧. لا يُخلي الناظر فيه من
стр. 48
نورِ ما] ٩٤/أ [يريده ونفع يوليه.
كالبدر من حيث التفت رأيته ... يهدي إلى عينيك نوراً ثاقباً
كالبحر يقذف للقريب جواهراً ... جوداً، ويبعث للبعيد سحائباً
كالشمس في كبد السماء وضوئها ... يغشي البلاد مشارقاً ومغارباً١
لكن محاسن أنواره لا تثقبها إلا البصائر الجلية، وأطناب ثماره لا يقطفها إلا الأيدي الزكية، ومنافع شفائه لا تنالها إلا النفوس النقية والقلوب التقية، كما قال تعالى: ﴿إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ فِي كِتَابٍ مَكْنُونٍ لا يَمَسُّهُ إِلاَّ الْمُطَهَّرُونَ﴾ ٢. ثم إنه تعالى إنما جعل حجج الكتاب الأوضح دون الأدق الأغمض، لما أراد من تفهيم كافة البشر فإنهم مخاطبون به إلى يوم القيامة، فهو القول الفصل والميزان العدل، قال الله تعالى: ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَاباً مُتَشَابِهاً مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ ٣. ﴿مُتَشَابِهاً﴾ : يعني يشبه بعضه بعضاً في الجزالة والفصاحة،
стр. 49
﴿مَثَانِيَ﴾ : ثنَّى فيه القصص، فتضمنت القصة في الإعادة زيادة فائدة١، ولا غرو ان تكرر ذلك كذلك وقد قال الله تعالى: ﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيراً﴾ ٢. والقرآن مجمل ومفصل ومحكم ومتشابه، وقد كثرت أقاويل المفسرين٣
стр. 50
في تعبير المحكم والمتشابه، فنحن نعمل بمحكمه ونؤمن بمتشابهه، ونقول كما قال الله تعالى: ﴿وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا] ٩٤/ب [يَذَّكَّرُ إِلاَّ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ ١.
стр. 51
الفصل الثاني: في الركن الثاني
والركن الثاني للإسلام نص السنة الصحيحة١ بنقل العدول
стр. 52
الثقات، قال الله تعالى: ﴿وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ﴾ ١. جاء في التفسير أن الحكمة السنةُ٢. وقال تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ ٣، وقال تعالى: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾ ٤. وجاء في معنى قوله تعالى: ﴿وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً ثُمَّ اهْتَدَى﴾ ٥، قيل: لَزِمَ السنة والجماعة٦، عن سعيد بن جبير٧. وقال تعالى: ﴿فَلا
стр. 53
وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ﴾ ١، وقال تعالى: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ ٢.
وقال النبي ﷺ : "عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين من بعدي عضوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور، فإن كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة" ٣. وقال ﷺ : "من أحيا سنتي فقد أحياني، ومن أحياني كان معي في الجنة" ٤. وفي رواية أبي سعيد الخدري ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "من أكل طيباً، وعمل في سُنَّةٍ، وأَمِنَ الناس بَوَائِقَهُ دخل الجنة". فقال رجل: يا رسول الله إن هذا اليومَ في الناس لكثير. قال: "وسيكون في قرون بعدي" ٥.
стр. 54
وغير ذلك في الآثار والأخبار الواردة فيها، فإن الكتب مشحونة بها فاقتصرت على هذه الإشارة، ولم أذكر الإسناد لئلا يطول بذكره الكتاب.
وعن الأوزاعي١ قال: كان يقال خمس كان عليها أصحاب رسول الله ﷺ والتابعون بإحسان: لزوم الجماعة، واتباع السنة، وعمارة المساجد، وتلاوة القرآن، والجهاد في] ٩٥/أ [سبيل الله٢.
وقال سفيان الثوري٣: إذا بلغك عن رجل بالمشرق صاحب سنة وآخر بالمغرب فابعث إليهما بالسلام وادع لهما، ما أَقَلَّ أهل السنة والجماعة٤. قال
стр. 55
أبوبكر بن عَيَّاش١: السنة في الإسلام، أعز من الإسلام في سائر الأديان٢.
وقال قتيبة٣: إذا رأيت الرجل يحب أهل الحديث مثل يحيى بن سعيد٤، وعبد الرحمن بن مهدي٥، وأحمد بن محمد بن حنبل٦، وإسحاق بن راهَويه٧ - وذكر قوماً آخرين- فإنه على السنة، ومن
стр. 56
خالف هؤلاء فاعلم أنه مبتدع١.
وقال الله تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّه﴾ ٢، فكأن٣ علامة حبه إياهم اتباع سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم٤.
وعن عطاء٥ في قوله تعالى: ﴿أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ ٦، قال: "أولي الفقه وأولي العلم، وطاعة الرسول اتباع الكتاب والسنة"٧.
وعن ميمون بن مهران٨ في قوله تعالى: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ
стр. 57
فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ ١: "ما دام حيًّا فإذا قبض فإلى سنته"٢.
قال الشافعي: الكتاب والسنة أو العَسْلى٣ والزنار٤.
وعن أبي موسى الأشعري قال: قال رسول الله ﷺ : "إن مثل ما بعثني الله به من الهدى والعلم كمثل غيث أصاب أرضاً، فكانت منها طائفة طيبة فقبلت الماء وأنبتت الكلأ والعشب الكثير٥، وكانت طائفة
стр. 58
منها أجادب١ أمسكت الماء، فنفع الله [بها] ٢ الناس فشربوا منها وسقوا وزرعوا، وأصاب طائفة منها إنما هي قيعان٣ لا تُمسك ماءً ولا تنبت كلأً، فذلك مثل من فَقُهَ في دين الله ونفعه ما بعثني الله به فَعَلِمَ وعَلَّمَ، ومثل من لم يرفع بذلك رأساً ولم يقبل هدى الله الذي أرسلت به"٤.
стр. 59
الفصل الثالث: في الركن الثالث
الركن الثالث] ٩٥/ب [من أركان الشريعة الإجماع١ المقطوع به، قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيراً﴾ ٢. وقال النبي ﷺ : "لا تجتمع أمتي على ضلالة" ٣.
стр. 60
وقال ﷺ : "من خرج من الطاعة وفارق الجماعة مات ميتة جاهلية" ١، وقال ﷺ : "من جاء إلى أمتي وهم جميع يريد أن يفرق بينهم فاقتلوه كائناً من كان" ٢، وقال ﷺ : "يد الله على الجماعة، فإذا شذ الشاذ منهم اختطفته الشياطين كما يختطف الشاذة ذئب الغنم" ٣، وقال ﷺ : "إن أمتي لا تجتمع
стр. 61
على الضلالة، وإذا رأيتم الاختلاف فعليكم بالسواد الأعظم"١.
وقال ﷺ في خبرٍ طويل-: "من أراد بحبوحة٢ الجنة فليلزم الجماعة، فإن الشيطان مع الواحد وهو من الاثنين أبعد"٣.
وقال ﷺ : "إن الله يأمرني بالجماعة، وإنه من خرج شبراً من الجماعة فقد خلع ربقة الإسلام من عنقه"٤.
стр. 62
وقال الله تعالى: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً وَلا تَفَرَّقُوا﴾ ١، وحبل الله (القرآن) ٢ ٣.
стр. 63
الفصل الرابع: في ذكر القياس ١
стр. 64
قال الله تعالى: ﴿فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الأَبْصَارِ﴾ ١، فأمرنا بالاعتبار، وحقيقة الاعتبار في اللغة: هو حمل الشيء على غيره، واعتباره به إما في حكمه أو في قدره أو في صفته.
وروى معاذ ﵁ أن النبي ﷺ قال: "فإن لم تجد في سنة رسول الله؟ " قال: أجتهد رأيي، قال: "الحمد لله الذي وفّق رسول رسول الله"٢. وقد روي في ذلك عن الصحابة ﵃ أيضاً ما صار إجماعاً منهم يطول بذكره الكتاب٣، والله الموفق للصواب.
стр. 65
الباب الثاني: في ذكر المقدمات
الفصل الأول: في بيان الأمة
...
القسم الثاني: في ذكر المقدمات، وهي أربعة فصول:
الفصل الأول: في بيان الأمة
اسم الأمة يقع١ على [ثلاثة] ٢ وجوه ينتظم مرة وينفصل أخرى:
أولها: أمة الدعوة، وهي التي بُعِث إليها المبلغ فلزمتها الحجة من مجيبٍ مقرٍ أو عصي مُصِرّ، قال الله تعالى: ﴿كَذَلِكَ أَرْسَلْنَاكَ فِي أُمَّةٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهَا أُمَمٌ...﴾ ٣، وفي الخبر: أنا حظكم من الأنبياء، وأنتم حظي من الأمم٤.
стр. 66
والثانية: أمة الإجابة، وهي التي شهدت له بالبلاغ والأمانة، فمنعت دمها ومالها واستوثقت ذمتها من صدق صادق ومداج١ منافقٍ، قال الله : ﴿إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾ ٢.
والثالثة: أمة الاتِّباع، وهي التي أطاعت أمره واقْتصَّت أثره، قال الله تعالى: ﴿وَمِمَّنْ خَلَقْنَا أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ﴾ ٣ وهي الفرقة الناجية من الثلاث وسبعين فرقة من هذه الأمة٤.
стр. 67
الفصل الثاني: في ذكر الأئمة
اعلم أن الإمامة هي: التقدم في معنىً بالناس إلى معرفته حاجة، أو قضى عليهم الخوض فيه وارتكابه وإن كان بهم عنه غِنىً١.
والأئمة على ضربين: أحدهما: أئمة الهدى والدَّلالة، والثاني: أئمة الرَّدى والضلالة.
فأما أئمة الهدى فهم الذي قال الله تعالى فيهم: ﴿وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآياتِنَا يُوقِنُونَ﴾ ٢، وقال : ﴿وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ﴾ ٣.
стр. 68
وهم: المتبعون الكتاب والسنة والمتمسكون بآثار سلفهم الذين أمروا بالاقتداء بهم، كما أمر الله تعالى رسوله ﷺ بالاقتداء بمن تقدّمه من الأنبياء والمرسلين فقال] ٩٦/ب [تعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِه﴾ ١، وقال في حق هذه الأمة: ﴿وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ﴾ ٢.
فعلامة المُتَّبِعين أن يعرفوا علم التفسير وعلم الحديث وعلم التّفقه عليهما، وعلم الوعد والوعيد للتقوى والورع، وعلم السِّير والمبتدأ للاعتبار، سمعوا العلم من الثقات والعدول، وقرءوا على الأئمة المعروفين بالسنة، ورووا عن الشيوخ الموسومين بالتقوى، ونقلوا من الكتب الصحيحة والأصول المعروفة المشهورة، إذ لا يجوز الاعتماد على كل كتاب ولا الرواية عن كل أحد، فقد وضعت الملاحدة٣ والزنادقة٤
стр. 69
والجهمية١ والمشبهة٢ والمعطلة٣ أخباراً باطلة على ما يشتهون وخلطوها
стр. 70
بالأخبار الصحيحة حتى اشتبهت على كثير من الناس إلا من كان عارفاً بطرق الصحيح، وعالما بالأصول المتقنة من تصانيف الأئمة المشهورين.
والضرب الثاني: أئمة الضلالة، وهم الذين قال الله فيهم: ﴿فَقَاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لا أَيْمَانَ لَهُمْ﴾ ١، وقال: ﴿وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ لا يُنْصَرُونَ وَأَتْبَعْنَاهُمْ فِي هَذِهِ الدُّنْيَا لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ هُمْ مِنَ الْمَقْبُوحِينَ﴾ ٢.
وهم قوم أجلاف زعموا أنهم لمن قبلهم أخلاف، وادعوا أنهم أكثر منهم في المحصول في حقائق المعقول، وأهدى إلى التحقيق وأحسن نظراً منهم في التدقيق، وعابوا المتقدمين من السلف بأنهم لم يكونوا قوامين بطرق الجدال، فأبدلوا من الطيب خبيثاً ومن القديم حديثاً، وعدلوا عما كان عليه رسول الله ﷺ وبعثه به [٩٧/أ] .
فقال تعالى: ﴿وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَمَا أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنَ الْكِتَابِ وَالْحِكْمَةِ يَعِظُكُمْ بِهِ﴾ ٣، فوعظ الله عباده بكتابه وحثهم على اتباع سنة رسول
стр. 71
الله ﷺ . وقال تعالى: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ﴾ ١.
وروى عبد الله بن مسعود قال: خطّ لنا رسول الله ﷺ خطاًّ ثم قال: "هذا سبيل الله"، ثم خطَّ خطوطاً يميناً وشمالاً ثم قال: "هذه سُبل على كل سبيل منها شيطان يدعو إليه" ثم قرأ: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ﴾ ٢ ٣.
قال ابن مسعود٤: "اتبعوا ولا تبتدعوا فقد كفيتم"٥.
فجاءت هذه الطائفة والشرذمة فخالفت ذلك ودعوا الناس إلى غيره، كما قال تعالى: ﴿شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ﴾ ٦،
стр. 72
وأخذوا كلام الفلاسفة المعطلة وكلمات أهل الزيغ والضلالة، فأوردوها وسموها تحقيقا وأصولاً، يتكلمون في صفات الله بآرائهم ويقيسون الدين بأهوائهم١، ويدّعون من الدرجات ما لم يبلغوها ومن الكرامات ما لم يدركوها، لو روجع أحدهم في آية من القرآن لم يحفظها، أو سُئِل عن واجب من الشرع لم يعلمه، أو فريضة من الدين لم يفهمها، أو طولب بمعرفة سيرة الصحابة ﵃ والتابعين والأئمة المهديين والمشائخ المتقين وجدته من الجاهلين، ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ وَرِثُوا الْكِتَابَ يَأْخُذُونَ عَرَضَ هَذَا الأَدْنَى وَيَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنَا وَإِنْ يَأْتِهِمْ عَرَضٌ مِثْلُهُ يَأْخُذُوهُ أَلَمْ يُؤْخَذْ عَلَيْهِمْ مِيثَاقُ الْكِتَابِ أَنْ لا يَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلاَّ الْحَقَّ﴾ ٢.
فينبغي للمؤمن أن يتفقد] ٩٧/ب [أحوالهم، ويعرف أئمة الهدى من أئمة الضلالة بما ذكرت من سماتهم. والله يعصمنا من الزلل ويوفقنا لصالح القول والعمل.
стр. 73
الفصل الثالث: في ذكر الاتباع وترك الابتداع
اعلم أن الدين مبني على أصلين: على الشرع المنقول، وعلى قضيات العقول١، فالنقل والعقل أصلان يتصلان مرة وينفصلان أخرى.
اعلم أن العقل لا يهتدي إلا بالشرع، والشرع لا يتبيَّن إلا بالعقل، وذلك أن الإنسان لا يدخل تحت خطاب الشرع إلا بوجود العقل فيه، قال النبي ﷺ : رفع القلم عن [ثلاثة] ٢، عن الصبي حتى يبلغ، وعن النائم حتى يستيقظ، وعن المجنون حتى يفيق ٣. وقال النبي ﷺ : "قسم الله العقل ثلاثة أجزاء، فمن كن فيه كمل عقله، ومن لم يكنَّ فيه فلا عقل له، حسن المعرفة
стр. 74
بالله، وحسن الطاعة له، وحسن الصبر على أمره"١.
قال بعض العلماء٢: معرفة الله تعالى أن يعلم أن الله خالق العالم بما فيه، وهذه المعرفة للكفار أيضاً، قال الله تعالى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ ٣ وحسن المعرفة أن يوحّده وينفي عنه التشبيه في الذات والتعطيل من الصفات، فيصفه بما وصف به نفسه من الصفات وبما وصفه به رسول الله ﷺ ، ولا يمثله في صفاته وذاته
стр. 75
بالمخلوقات، قال الله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ] ٩٨/أ [وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ ١.
والطاعة الانقياد لأمره، وحسنها اجتناب الرياء والشرك الخفي، قال الله تعالى: ﴿فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحاً وَلا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَداً﴾ ٢.
والصبر على أمره السكون تحت حكمه، وحسن الصبر الرضى بقضائه، قال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الأَلْبَابِ﴾ ٣، وقال تعالى: ﴿وَمَا يَعْقِلُهَا إِلاَّ الْعَالِمُونَ﴾ ٤، وقال تعالى: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ﴾ ٥، وقال تعالى: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لآياتٍ لأُولِي الأَلْبَابِ﴾ ٦ وقال النبي ﷺ : "أكثر أهل الجنة البُله"٧ وعليون لأولي الألباب.