الله ﷺ . وقال تعالى: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ﴾ ١.
وروى عبد الله بن مسعود قال: خطّ لنا رسول الله ﷺ خطاًّ ثم قال: "هذا سبيل الله"، ثم خطَّ خطوطاً يميناً وشمالاً ثم قال: "هذه سُبل على كل سبيل منها شيطان يدعو إليه" ثم قرأ: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ﴾ ٢ ٣.
قال ابن مسعود٤: "اتبعوا ولا تبتدعوا فقد كفيتم"٥.
فجاءت هذه الطائفة والشرذمة فخالفت ذلك ودعوا الناس إلى غيره، كما قال تعالى: ﴿شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ﴾ ٦،
стр. 72
وأخذوا كلام الفلاسفة المعطلة وكلمات أهل الزيغ والضلالة، فأوردوها وسموها تحقيقا وأصولاً، يتكلمون في صفات الله بآرائهم ويقيسون الدين بأهوائهم١، ويدّعون من الدرجات ما لم يبلغوها ومن الكرامات ما لم يدركوها، لو روجع أحدهم في آية من القرآن لم يحفظها، أو سُئِل عن واجب من الشرع لم يعلمه، أو فريضة من الدين لم يفهمها، أو طولب بمعرفة سيرة الصحابة ﵃ والتابعين والأئمة المهديين والمشائخ المتقين وجدته من الجاهلين، ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ وَرِثُوا الْكِتَابَ يَأْخُذُونَ عَرَضَ هَذَا الأَدْنَى وَيَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنَا وَإِنْ يَأْتِهِمْ عَرَضٌ مِثْلُهُ يَأْخُذُوهُ أَلَمْ يُؤْخَذْ عَلَيْهِمْ مِيثَاقُ الْكِتَابِ أَنْ لا يَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلاَّ الْحَقَّ﴾ ٢.
فينبغي للمؤمن أن يتفقد] ٩٧/ب [أحوالهم، ويعرف أئمة الهدى من أئمة الضلالة بما ذكرت من سماتهم. والله يعصمنا من الزلل ويوفقنا لصالح القول والعمل.
стр. 73
الفصل الثالث: في ذكر الاتباع وترك الابتداع
اعلم أن الدين مبني على أصلين: على الشرع المنقول، وعلى قضيات العقول١، فالنقل والعقل أصلان يتصلان مرة وينفصلان أخرى.
اعلم أن العقل لا يهتدي إلا بالشرع، والشرع لا يتبيَّن إلا بالعقل، وذلك أن الإنسان لا يدخل تحت خطاب الشرع إلا بوجود العقل فيه، قال النبي ﷺ : رفع القلم عن [ثلاثة] ٢، عن الصبي حتى يبلغ، وعن النائم حتى يستيقظ، وعن المجنون حتى يفيق ٣. وقال النبي ﷺ : "قسم الله العقل ثلاثة أجزاء، فمن كن فيه كمل عقله، ومن لم يكنَّ فيه فلا عقل له، حسن المعرفة
стр. 74
بالله، وحسن الطاعة له، وحسن الصبر على أمره"١.
قال بعض العلماء٢: معرفة الله تعالى أن يعلم أن الله خالق العالم بما فيه، وهذه المعرفة للكفار أيضاً، قال الله تعالى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ ٣ وحسن المعرفة أن يوحّده وينفي عنه التشبيه في الذات والتعطيل من الصفات، فيصفه بما وصف به نفسه من الصفات وبما وصفه به رسول الله ﷺ ، ولا يمثله في صفاته وذاته
стр. 75
بالمخلوقات، قال الله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ] ٩٨/أ [وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ ١.
والطاعة الانقياد لأمره، وحسنها اجتناب الرياء والشرك الخفي، قال الله تعالى: ﴿فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحاً وَلا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَداً﴾ ٢.
والصبر على أمره السكون تحت حكمه، وحسن الصبر الرضى بقضائه، قال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الأَلْبَابِ﴾ ٣، وقال تعالى: ﴿وَمَا يَعْقِلُهَا إِلاَّ الْعَالِمُونَ﴾ ٤، وقال تعالى: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ﴾ ٥، وقال تعالى: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لآياتٍ لأُولِي الأَلْبَابِ﴾ ٦ وقال النبي ﷺ : "أكثر أهل الجنة البُله"٧ وعليون لأولي الألباب.
стр. 76
إلا أن العقل لا يهتدي إلا بالشرع كما قال تعالى: ﴿قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ﴾ ١. والعقل لا مدخل له في إيجاب ولا حظر وإنما خلقه الله تعالى لإدراك العلوم كسائر الحواس.
ثم الأصل الثابت: الشرع المنقول الذي شرعه الله تعالى على لسان الأنبياء ﵈ وأمر العقلاء باتباعه، قال الله تعالى لنبيه محمد ﷺ : ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِد﴾ ٢.
وقال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلاَّ نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ ٣، وقال تعالى: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ﴾ ٤ الآية، ولم يقل فردوه إلى مجرد العقول.
قال تعالى: ﴿اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ قَلِيلاً مَا َذَكَّرُونَ﴾ ٥ وقال تعالى مخبراً عن نبيه يوسف ﵇: ﴿وَاتَّبَعْتُ مِلَّةَ آبَائي إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوب﴾ ٦ وقال تعالى: ﴿فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ مَا آمَنْتُمْ
стр. 77
بِهِ فَقَدِ اهْتَدَوْا﴾ ١] ٩٨/ب [، وقال تعالى: ﴿الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ﴾ ٢، وقال تعالى: ﴿الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الأُمِّيَّ﴾ ٣.
وقال النبي ﷺ : "أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله، فإذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها وحسابهم على الله" ٤.
وقال تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً﴾ ٥، وقال تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّا أَهْلَكْنَاهُمْ بِعَذَابٍ مِنْ قَبْلِهِ لَقَالُوا رَبَّنَا لَوْلا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولاً فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَذِلَّ وَنَخْزَى﴾ ٦ وقال تعالى: ﴿قَالُوا أَوَلَمْ تَكُ تَأْتِيكُمْ رُسُلُكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ قَالُوا بَلَى قَالُوا فَادْعُوا وَمَا دُعَاءُ الْكَافِرِينَ إِلاَّ فِي ضَلالٍ﴾ ٧، فبيّن سبحانه أنه لا يعذب قبل بعثة الرسل، فَعُلم أن وجوب الأشياء بالسمع، وأن الشرع كالأمير والعقل كالوزير، يأمر الأمير فينفذ الوزير أمره ويتبع حكمه، والعقل جُعل آلة للتمييز كالميزان للموزون.
стр. 78
والحجة هي أمر من وجب الإذعان لطاعته، وإنما يُعرف ذلك الأمرُ بالعقل، ويتوجَّه على من رزق العقل دون من حُرِمه.
فلما استقر في العقل وجود الباري وكونه آمراً مفترض الطاعة، وثبت فيه وجوب القبول من الرسول ﷺ بعد قيام الأدلة بصدقه ونبوته وامتناع الكذب عليه، لم يبق للعقل أكثر من تأمل الأوامر والمصير إليها، فالشرع حاكم على العقل والعقل ليس بحاكم عليه، والعقل أيضاً كالمرآة التي جعلت لرؤية الأشياء في مقابلتها إذا كانت غير صدية، وقيل: العقل كالسراج والشرع كالزيت الذي يمدّه، وقيل: الشرع عقل من خارج، والعقل شرع من داخل، وهما يتعاضدان ولكون الشرع عقلاً من خارج سلب الله تعالى اسم العقل من الكافر في غير موضع من القرآن فقال تعالى: ﴿صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ] ٩٩/أ [لا يَعْقِلُونَ﴾ ١، ولكون العقل شرعاً من داخل قال في صفة العقل: ﴿فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ﴾ ٢، ولكونهما متحدين قال: ﴿نُورٌ عَلَى نُورٍ﴾ ٣ أي نور العقل ونور الشرع ثم قال: ﴿يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشَاءُ﴾ ٤ فجعلهما نوراً واحداً.
стр. 79
واعلم أن العقل بنفسه من غير شرع لا ينفع، فالشرع نظام الاعتقادات الصحيحة والأفعال المستقيمة والدال على مصالح الدنيا والآخرة، ومن عدل عنه فقد ضلَّ سواء السبيل.
فالشرع وأحكامه من وجه دواء للآلام وشفاء للأسقام، تولى إيجاده من له الخلق والأمر، يفيد الحياة الأبدية والسلامة الدائمة كما قال تعالى: ﴿أَوَمَنْ كَانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْنَاهُ...﴾ ١ ﴿قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدىً وَشِفَاءٌ﴾ ٢ وقال تعالى: ﴿وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ﴾ ٣ وقال تعالى: ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ ٤.
ومن وجه ماءٌ مطهر مزيل للأنجاس، قال تعالى في صفة القرآن: ﴿أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا﴾ ٥ جاء في التفسير٦: أنزل من السماء كتاباً فاحتمله قلوب الرجال على قدر عقولها.
стр. 80
وقال تعالى: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً﴾ ١.
ومن وجه نور وسراج مزيل للظلمة كما قال تعالى: ﴿قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ﴾ ٢ الآية. وكما قال: ﴿اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ الآية٣.
ومن وجه الطريق المستقيم كما قال تعالى: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً﴾ ٤.
ومن وجه معتَصمٌ كما قال تعالى: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً﴾ ٥، فوجب اتباع الشرع على كافة الأنام.
فإن قيل: إذا أمرتم بالاتباع فهو تقليد والتقليد حرام، قال الله تعالى في ذم التقليد: ﴿إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ﴾ ٦.
الجواب: أن التقليد قبول قول الغير من غير حجة، وقول الله] ٩٩/ب [تعالى وقول رسوله ﷺ نفس الحجة. قال الله تعالى: ﴿لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ ٧.
стр. 81
الفصل الرابع: في كمال الدين
اعلم أن الله أنزل كتابه على نبيه محمد ﷺ تبياناً لكل شيء وقال تعالى: ﴿وَلا رَطْبٍ وَلا يَابِسٍ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ ،١ ثم أمره أن يبيِّن لهم ما فيه مما يحتاجون إليه وتجب معرفته عليهم فقال تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ ٢، وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ﴾ ٣، ثم إنه ﷺ بيَّن لأمته ما يحتاجون إليه من أمر دينهم ودنياهم، وبين لهم ما فيه صلاح أولاهم وأخراهم، أنزل الله تعالى عليه في حجة الوداع يوم الجمعة بعرفة: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلامَ دِيناً﴾ ٤، وقال ﷺ في حجة الوداع: "ألا هل بلغت؟! اللهم اشهد"٥. وقال سلمان: "علمنا رسول الله ﷺ كل شيء حتى الخراءة"٦، فثبت أنه بيّن جميع الواجبات، إذ تأخُّر البيان
стр. 82
عن وقت الحاجة لا يجوز، والكمال لا يقبل الزيادة.
وقيل لبعض علماء السلف١: ما التوحيد؟ فقال: "من المحال أن تظن بالنبي ﷺ أنه بيّن الاستنجاء وترك بيان التوحيد٢.
التوحيد شهادة أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، والدين اسم لما أقامه الكتاب والسنة والإجماع والقياس، ثم الأثر الصحيح عن مَرْضيٍ من السلف مأمون على عقدة الدين] ١٠٠/أ [عالم بالاختلاف بصير بالقياس قادر على الاستنباط.
стр. 83
الباب الثالث: في جمل الاعتقاد
الفصل الأول: في إثبات العلم بالذات والأسماء والصفات
...
القسم الثالث: في جمل الاعتقاد وهي أربعة فصول: الفصل الأول: في إثبات العلم بالذات والأسماء والصفات
جمل الاعتقاد المجمع عليها نقلها الخَلَفُ عن السلف، أجمع عليها الصحابة والتابعون لهم بإحسان، وأئمة الأمصار من الفقهاء وأصحاب الحديث وأرباب الورع والتقوى المصنفين في علم الكتاب والسنة١،
стр. 84
حجازاً ويمناً وشاماً وعراقاً وفارس١ وخراسان٢ وما وراء النهر٣ وثغور الشام٤ وأذربيجان٥ واران٦ وديار ربيعة ومضر٧ - أجمعوا أن الواجب
стр. 85
على المكلف أن يعلم بقلبه ويقر بلسانه أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له١ قال الله تعالى: ﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ ٢ وقال تعالى: ﴿وَالصَّافَّاتِ صَفّاً فَالزَّاجِرَاتِ زَجْراً فَالتَّالِيَاتِ ذِكْراًً إِنَّ إِلَهَكُمْ لَوَاحِدٌ﴾ ٣ وقال تعالى: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلاَّ اللَّهُ لَفَسَدَتَا﴾ ٤ وقال تعالى: ﴿وَلَعَلا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ﴾ ٥.
- وأن الله تعالى حيٌّ، قال تعالى: ﴿اللَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ ٦.
- وأنه تعالى قادرٌ، قال الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ ٧.
стр. 86
- وأنه تعالى عالم، قال الله تعالى: ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ﴾ ١، وقال: ﴿اللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَحْمِلُ كُلُّ أُنْثَى﴾ ٢، وقال: ﴿وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ ٣.
- وأنه مريدٌ، قال الله تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ ٤ وقال: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُم﴾ ٥.
- وأنه سميع بصير قال الله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ ٦.
- وأنه متكلم، قال الله تعالى: ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيماً﴾ ٧ وقال: ﴿وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ﴾ ٨.
- وأنه باق لم يزل ولا يزال] ١٠٠/ب [قال الله تعالى: ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالإِكْرَامِ﴾ ٩.
- وأن له حياة وقدرة وعلماً وإرادة وسمعاً وبصراً وكلاماً
стр. 87
وبقاءً، قال الله تعالى: ﴿أَنْزَلَهُ بِعِلْمِِهِ﴾ ١ وقال: ﴿فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ﴾ ٢ وقال: ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يُبَدِّلُوا كَلامَ اللَّهِ﴾ ٣.
- وأنه موصوف بهذه الصفات على الحقيقة من غير مجاز من غير تكييف ولا تمثيل.
- وأن له أسماءً كما قال الله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾ ٤ الآية.
- وأنه لا يوصف إلا بما وصف به نفسه في كتابه أو وصفه نبيه ﷺ فيما روى عنه الثقات العدول مما جاء في الأخبار الصحيحة٥، لا مدخل
стр. 88
للعقل والقياس في إثبات صفاته وأسمائه، بل طريق إثباتها التوقيف لا غير١.
- وأنه تعالى لم يزل كان موصوفاً بصفاته، مُسمًى بأسمائه، لم يستفد صفةً ولا اسماً من بعد، بل كان بذاته وصفاته وأسمائه الحسنى فيما لم يزل، كَهُوَ الآن فيما لا يزال٢.
- وأن ما ورد من الأخبار الصحيحة بنقل العدول الثقات تجرى على ظاهرها، ويؤمن بجميعها، ويوكل معانيها٣ إلى الله تعالى، من غير تمثيل ولا
стр. 89
تكييف ويقال: ﴿رَبَّنَا آمَنَّا بِمَا أَنْزَلْتَ وَاتَّبَعْنَا الرَّسُولَ فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ﴾ ١.
ولا يقال فيها كيف٢؟ ولِمَ؟ ولا يقاس شيء منها بصفات المخلوقين، ولا تضرب لها الأمثال قال الله تعالى: ﴿فَلا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الأَمْثَالَ إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ ٣. يكفي في جميع ذلك التصديق والتسليم والتنزيه مع الإثبات حسب مورده في الكتاب والسنة.
стр. 90
- وأجمعوا أن القرآن كلام الله ووحيه وتنزيله غير مخلوق١، ولا محدث] ١٠١/أ [ولا مجهول، ولا مربوب، وأنه قرآن واحد، وهو باق لعينه تكلم الله به على الحقيقة، وأنه في صدورنا محفوظ، وفي ألسنتنا مقروء، وفي مصاحفنا مكتوب، وفي آذاننا مسموع، وهو الكلام الذي تكلم به٢ ﴿لا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ
الإِنْسَان﴾ ١ ففرَّق بينهما، قال في القرآن ﴿عَلَّمَ﴾ وفي الإنسان ﴿خَلَقَ﴾ .
وقال: ﴿إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ ٢ فلو كان قوله "كن" مخلوقة لاحتاج إلى قول آخر، وذلك القول إلى آخر، فيتسلسل ولا يتحصّل، [ومن قال به فهو ضال٣] .
- وأن القرآن موجود بين المسلمين [لا يرفعه] ٤ الله عنهم إلا إذا شاء كما روي في الخبر،.قال النبي ﷺ : "لا تسافروا بالقرآن إلى أرض العدو"٥ أراد به المصحف.
- والمراء في القرآن كفر كما جاء في الخبر٦،ولا يجوز القول في القرآن بقياس ولا رأي ومعقول إلا بما جاء في القرآن أو صحَّ عن الرسول ﷺ فيه شيء، قال الله تعالى: ﴿وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِه﴾ ٧.
стр. 93
- وأن القول بالرأي في القرآن١ مذهب كفار قريش حيث جعلوا القرآن عضين٢، فقال بعضهم:] ١٠١/ب [سحر٣، وقال بعضهم: شعر٤، وقال بعضهم: أساطير الأولين٥، وقال الوليد: إن هذا إلا قول
стр. 94
البشر١. فأخبر الله عن نبيه ﷺ أنه شكا منهم، قال الله تعالى: ﴿وَقَالَ الرَّسُولُ يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُوراً﴾ ٢ وقال تعالى: ﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الأَلْبَابِ﴾ ٣ وقال تعالى: ﴿اتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَاب﴾ ٤ وقال تعالى: ﴿حم تَنْزِيلٌ مِنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ كِتَابٌ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ قُرْآناً عَرَبِيّاً لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ بَشِيراً وَنَذِيراً فَأَعْرَضَ أَكْثَرُهُمْ فَهُمْ لا يَسْمَعُونَ﴾ ٥.
- وأنه سبحانه يحيي ويميت، ويبدئ ويعيد، يفعل ما يشاء إذا شاء كما شاء، لا اعتراض عليه في فعله ولا حجر عليه في أمره.
- وأن الإيمان والإسلام اسمان٦ بمعنىً واحد إذا جمع بينهما، فالمؤمنون هم المسلمون، والمسلمون هم المؤمنون،.
стр. 95
قال الله تعالى في الجمع: ﴿فَأَخْرَجْنَا مَنْ كَانَ فِيهَا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْتٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ ١.
وقال في التفرقة: ﴿قَالَتِ الأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا﴾ ٢. وفي خبر مأثور: "الإسلام علانية، والإيمان في القلب"٣.
стр. 96
روي عن عمر بن الخطاب ﵁ قال: "بينما نحن عند رسول الله ﷺ ذات يوم إذ طلع رجل شديد بياض الثياب، شديد سواد الشعر، لا يُرى عليه أثر السفر، ولا يعرفه منا أحدٌ، حتى جلس إلى رسول الله ﷺ فأسند ركبتيه إلى ركبتيه، ووضع كفيه على فخذيه ثم قال: يا محمد أخبرني عن الإسلام. قال: الإسلام أن تشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتصوم رمضان، وتحج البيت إن استطعت إليه سبيلاً. قال: صدقت. فعجبنا له وهو يسأله ويُصدّقه. قال: فأخبرني عن الإيمان. قال: أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والقدر خيره وشره. قال: صدقتَ..."١.
- وأن الإيمان الشرعي قول وعمل ومعرفة بنص الخبر،٢ وله شُعب وأجزاء، يزيد بالطاعة] ١٠٢/أ [وينقص بالمعصية٣، قال أمير المؤمنين
стр. 97
علي ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: "الإيمان قول منقول، وعمل معمول، وعرفان بالعقول، واتباع الرسول"١.
قال الله تعالى: ﴿وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَاناً وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ ٢ إلى غير ذلك من الأخبار والآيات.
- ولا نكفر مسلماً بارتكاب صغيرة ولا كبيرة ما دام عارفاً بالله موحّداً له٣. وروى أنس بن مالك عن النبي ﷺ أنه قال: "إن مثل هذا الدين كمثل شجرة ثابتة، الإيمان أصلها، والزكاة فرعها، والصيام عروقها، والصلاة ماؤها، والتآخي في الله نباتها، وحسن الخلق ورقها، والكف عن محارم الله ثمرها، لا تكمل هذه الشجرة إلا بثمرة طيبة، وكذلك الإيمان لا يكمل إلا بالكف عن محارم الله "٤.
стр. 98
وروى عكرمة عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ : "الإسلام عشرة، أسهم وقد خاب من لا سهم له، شهادة أن لا إله إلا الله سهم وهو الملة، والثانية الصلاة وهي الفطرة، والثالثة الزكاة وهي الطُهرة، والرابعة الصوم وهو الجُنَّة، والخامسة الحجّ وهي الشريعة، والسادسة الجهاد وهي العروة، والسابعة الأمر بالمعروف وهي الوفاء، والثامنة النهي عن المنكر وهي الحُجَّة، والتاسعة الجماعة وهي الأُلفة، والعاشرة الطاعة وهي العصمة"١.
стр. 99
الفصل الثاني: في ذكر الأفعال وما جاء من الوعد والوعيد في المآل
- وأجمعوا على أن العباد بجميع أفعالهم وصفاتهم وحركاتهم وسكناتهم مخلوقون لله ١، قال الله تعالى: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾ ٢.
- وأنّ الله قدّر الخير وأمر به وأحبَّه، وقدَّر الشرّ وقضاه ولم يأمر به ولم يحبه، وأن المطيع إنما يثاب على الطاعة باختياره وإيثاره الطاعة على المعصية تفضّلاً من الله ومنًّا.
- وأن] ١٠٢/ب [العاصي إنما يعاقب على المعصية باختياره وإيثاره المعصية على الطاعة حكمةً من الله وعدلاً.
- ولا يكون من المطيع طاعة إلا بتوفيق الله له بلا قهر، ولا من العاصي معصية إلا بخذلان الله له بلا جَبْر٣، قال الله تعالى: ﴿وَمَا
- وأن عذاب القبر حق، والإيمان به واجب وكذلك نعيمه١، قال الله تعالى: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ﴾ ٢، وروي أن رسول الله ﷺ قال: "إن المسلم إذا سُئل في القبر شهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله فذلك قوله تعالى: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ...﴾ ٣ الآية".
- وأن القيامة حق، قال الله تعالى: ﴿يَوْمَ يَجْمَعُكُمْ لِيَوْمِ الْجَمْعِ﴾ ، ٤ وقال: ﴿مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرَى﴾ ،٥ وقال تعالى: ﴿أَيَحْسَبُ الإِنْسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدىً ...﴾ ٦ إلى آخر السورة، وقال: ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الأَرْضِ إِلاَّ مَنْ شَاءَ اللَّهُ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ﴾ ،٧ وقال: ﴿مَنْ يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ
стр. 102
عَلِيمٌ﴾ ١ إلى غير ذلك من الآيات البينات القاهرة.
- وأن الساعة آتية لاريب فيها وأن الله يبعث من في القبور.
- وأنه تعالى يحيي العظام وينشئ الأجساد كما] ١٠٣/أ [كانت ويدخل فيها الأرواح يجمعهم إلى موقف القيامة كما قال: ﴿فَإِنَّمَا هِيَ زَجْرَةٌ وَاحِدَةٌ فَإِذَا هُمْ بِالسَّاهِرَةِ﴾ ٢.
- وأجمعوا أن الحساب حق، كما قال: ﴿وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْؤُولُونَ﴾ ٣ وقال: ﴿فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَاباً يَسِيراً﴾ ٤ إلى غير ذلك من الآيات والأخبار.
- وأن الميزان حق٥، كما قال: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ ٦.
- وأن الصراط حق، كما جاء في الخبر الصحيح أنه جسر ممدود على متن جهنّم، أحدّ من السيف وأدقّ من الشعر، وأن الناس يجوزون عليه،
стр. 103
وأن عليه عقبات. روى أبو هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "يضرب الصراط بين ظهراني جهنّم، فأكون أنا وأمتي في أول من يجوز، ولا يتكلم يومئذ إلا الرسل، فدعاء الرسل يومئذ اللهم سلّم، اللهمّ سلِّم" ١.
- وأجمعوا أن الحوض حق، قال النبي ﷺ : "إن حوضي لأبعد ما بين أيلة وعدن، والذي نفسي بيده لآنيته أكثر من عدد النجوم، وهو أشد بياضاً من اللبن وأحلى من العسل، والذي نفسي بيده إني لأذود عنه الرجال، كما يذود الرجل الغريبة من الإبل عن حوضه" قال: قيل يا رسول الله: وهل تعرفنا يومئذ؟ قال: "نعم تردون عليّ غُرًّا محجّلين من آثار الوضوء، ليس لأحد غيركم"٢.
- وأجمعوا أن الشفاعة حق، قال الله تعالى: ﴿عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَاماً مَحْمُوداً﴾ ٣ وقال: ﴿وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى﴾ ٤ كما جاء في التفسير أنه الشفاعة٥.
وقال ﷺ : "لكل نبي دعوة مستجابة، وإني اختبأت دعوتي شفاعة لأمتي"٦
стр. 104
وقال ﷺ : "شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي"١ وقال ﷺ : "أنا أول الناس خروجاً إذا بعثوا، وأنا خطيبهم إذا وفدوا، فآتي الفحْص، - يعني قدام العرش- فأخر ساجداً فيقول] ١٠٣/ب [ربي : يا محمد ارفع رأسك، سل تعط واشفع تشفّع"٢.
- وأجمعوا أن الجنة والنار حق وهما مخلوقتان٣، وقد رآهما النبي ﷺ ليلة المعراج٤، قال الله تعالى في حق الجنة: ﴿أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ﴾ ٥ وقال في حق النار: ﴿أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ﴾ ٦ وقال تعالى: ﴿يَا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ﴾ ٧ وقال في فرعون: ﴿النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوّاً وَعَشِيّاً﴾ ٨ إلى
стр. 105
غير ذلك من الآيات والأخبار الواردة في ذلك.
- وأجمعوا أن نعيم الجنة لا يبيد ولا يفنى، وأهلها لا يموتون١، قال الله تعالى: ﴿خَالِدِينَ فِيهَا أَبَداً﴾ ٢.
- وأجمعوا أن المؤمنين يرون ربهم في القيامة، وفي الجنة عياناً بأعين رؤوسهم من غير تكييف٣، قال الله تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ ٤ وقال ﷺ : "إنكم سترون ربكم كما ترون القمر ليلة البدر، لا تضامون في رؤيته ولا تضارون "٥. وهذا تشبيه الرؤية بالرؤية، لا المرئي بالمرئي.
وجاء عن رسول الله ﷺ في تفسير قوله تعالى: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَة﴾ ٦: "الزيادة: النظر إلى الله "٧.
إلى غير ذلك من الآيات مثل قوله تعالى: ﴿تَحِيَّتُهُمْ يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ﴾ ٨،.
стр. 106
والأخبار الصحيحة الواردة في ذلك. اختصرنا على هذا القدر كراهية التطويل.
- وأجمعوا أن كل ما في القرآن من خبر عن نبيٍّ أو عن المعاد أو عن أمة من الأمم أو عن المسيح فعلى ظاهره، لا رَمْزَ في شيء من ذلك ولا باطن ولا سرّ، وكذلك كل ما فيه من أمور الجنة، من أكل وشرب وجماع والحور العين والولدان المخلدين ولباس، وعذاب النار بالزقوم والحميم والأغلال،] ١٠٤/أ [وغير ذلك. والصراط والميزان والحساب كله حق، إلا أنه لا ذبح هناك ولا موت ولا إيلام في الجنة، ولا طبخ بنار على مثل ما هو في الدنيا، فمن خالف شيئاً من هذا فقد خرج عن الإسلام بخلافه القرآن والسنة والإجماع.
- وأن الله يبعث الأرواح والأجساد ويجمع بينهما كما قال: ﴿قَالَ مَنْ يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ﴾ ١.
- وأجمعوا أن قوماً يخرجون من النار بعد ما امتحشوا٢، ويدخلون الجنة كما جاء في الخبر الصحيح المدوّن في الصحيحين٣، وآخر أهل الإسلام خروجاً يعطى في الجنة مثل الدنيا كلها عشر مرات٤.
стр. 107
الفصل الثالث: في بيان الرسالة والنبوة
- وأجمعوا على أن محمداً ﷺ رسول الله وخاتم أنبيائه لا نبي بعده،١ إلا أن عيسى بن مريم ﵉ سينزل قبل يوم القيامة متبعاً شريعة محمد صلى الله عليه وسلم٢.
- وأنه قد كان قبل محمد رسول الله ﷺ أنبياء ورسل على جميعهم الصلاة والسلام. قال الله تعالى: ﴿تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْض﴾ ٣ وقال: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلاً مِنْ قَبْلِكَ﴾ ٤ وقال تعالى: ﴿رُسُلاً مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ ٥.
- وأنّ الله تعالى كلّم موسى واتخذ إبراهيم ومحمداً خليلين - صلّى الله عليهما وسلّم- قال الله تعالى: ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيماً﴾ ٦
стр. 108
وقال: ﴿وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلاً﴾ ١ وقال النبي ﷺ : "أبرأ إلى كل ذي خلة من خلته، وإن صاحبكم خليل الله" ٢ يعني نفسه ﷺ .
- وأن محمداً ﷺ رسول الله إلى اليوم وإلى الأبد] ١٠٤/ب [، روحه عند الله حي عالم معظم، وكذلك سائر الأنبياء كما قال ﷺ : "الأنبياء أحياء في قبورهم يصلون"٣ وقد قال تعالى في حق الشهداء: ﴿بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ
стр. 109
رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾ ١ والشهداء دون الأنبياء بدرجتين، قال الله تعالى: ﴿فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاء﴾ ٢ فإذا كان الشهداء أحياءً، فالنبيون وهم فوقهم بدرجات أولى وأحرى، إلى غير ذلك من الأخبار الصحيحة الواردة في ذلك.
- والأنبياء نفوسهم وبلاغهم حجج على الخلق أحياءً وأمواتاً، وأنهم لم يكونوا ضلالاً ضلال كفر قط، فمن طعن في واحد منهم طعناً أو ردَّ عليه قولاً أو فعلاً أو عاب عليه شيئاً أو اتهمه تهمةً فقد خلع الإسلام خلعاً وانسلخ عن الدين انسلاخاً، برهان ذلك إجماع أهل الإسلام كلهم على إعلان الأذان في كل مسجد في الدنيا وفيه: (أشهد أن محمداً رسول الله) وعلى القول في كل صلاة أو تطوع: (السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً رسول الله) ، وإجماع الأمة من أولها إلى آخرها على دعاء أهل الكفر إلى: (قول لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله) . وقول الله: ﴿فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُول﴾ ٣ فسماه الله رسولاً بعد موته وإلى يوم القيامة، فلو لم تكن روحه قائماً حيّاً عند الله
стр. 110
تعالى لكان الأذان كذباً، والتشهد هدراً وتسليماً على معدوم، ولكان الصواب أن يقال: أشهد أن محمداً كان رسول الله١، وأجمعت الأمة على إنكار هذا القول٢ وتضليل] ١٠٥/أ [قائله وإخراجه من جملتهم، وقد صحّ عنه ﷺ أنه قال: " إن لله ملائكة يبلغونه منا السلام" ٣ فمِنَّا على روحه المقدس المقرب في الجنة الآن عند ربه الحي العالم أطيب صلاة وأكثره عدد ما خلق ربنا ويخلق، وهذا القول في كل نبي ورسول، اللهم صلّ على روح محمد في الأرواح، وعلى جسد محمد في الأجساد، وأن جميع ذلك حق وصدق، لا