التعجّب، وإن لم تنطق العرب للتعجّب بحرف، فلعمرى إنه كان ينبغى أن يصاغ له حرف كما صيغ لغيره من المعانى حروف، أدّى كلّ حرف منها المعنى الذى جاء له، ولكنهم لمّا لم يفعلوا ذلك ضمّنوا «ما» معنى حرفه، فبنوها، كما ضمّنوا «ما» الاستفهامية معنى الهمزة الاستفهامية، وضمّنوا «ما» الشرطية معنى «إن» التى وضعت للشرط، فبنوهما، ولم يكن للكلم الواقعة بعدهما علقة بالبناء، فكذلك ما بعد «ما» التعجبيّة لا يكون له علقة بالبناء.
فبان بذلك أنه فعل ماض، واستحال قول من زعم أنه اسم. وبالله التوفيق.
...
стр. 1052
فصل
قول الحباب بن المنذر الأنصارىّ: «أنا جذيلها المحكّك، وعذيقها المرجّب» الجذيل: تصغير الجذل، وهو أصل شجرة يغرز فى حائط، فتحتكّ به الجربى من الإبل، فأراد أنه يستشفى برأيه، كما تستشفى الإبل بالاحتكاك بالجذل.
/والعذق بفتح العين: النخلة، والعذق بكسرها: الكباسة، ومراده هاهنا النخلة. وأصل التّرجيب: التعظيم، يقولون: إنّ فلانا لمرجّب، أى معظّم، ومنه اشتقاق «رجب» لأنهم كانوا يعظّمونه، والتّرجيب أيضا: الدّعم، وكانوا إذا مالت النخلة الكريمة رجّبوها، دعموها لئلاّ تسقط.
والأفكل: الرّعدة.
والأجدل: الصّقر.
والحضب (١) فى بيت العجّاج: الحيّة.
والصّيد: داء يصيب البعير فى عنقه فيميلها، ويسيل من أنفه ماء أصفر.
ويقال: أغيلت المرأة، وأغالت: إذا أرضعت ولدها وهى حامل، وذلك مذموم؛ لأنه يضعف المرضع، ويسمّى اللّبن الذى يسقاه: الغيل.
...
стр. 1053
المجلس الموفى الستّين
يتضمّن [ذكر (١)] الخلاف فى «نعم وبئس» بين البصريّين وبين الفرّاء
وأصحابه.
أجمع البصريّون من النحويّين على أن «نعم وبئس» فعلان، وتابعهم علىّ بن حمزة الكسائىّ (٢).
وقال أبو زكريا يحيى بن زياد الفرّاء: هما اسمان (٣)، وتابعه أبو العباس أحمد بن يحيى ثعلب، وأصحابه، على اسميّتهما، وإن كان لهما لفظ الفعل الماضى، وذلك لأنهما نقلا إلى المدح والذمّ عن النعمة والبؤس اللذين يكون فيهما نعم وبئس فعلين، كقولهم: نعم الرجل: إذا أصاب نعمة، وبئس: إذا أصاب بؤسا.
واحتجّ الفرّاء بقول العرب: ما زيد بنعم الرجل، وبقول حسّان بن ثابت (٤):
стр. 1054
ألست بنعم الجار يؤلف بيته ... أخا قلّة أو معدم المال مصرما
وبقول بعض فصحاء العرب: «نعم السّير على بئس العير (١)»، فدخول الباء و «على» عليهما يحقّق لهما الاسميّة.
وقال أبو بكر محمد بن القاسم بن بشّار الأنبارىّ: سمعت أحمد بن يحيى يحكي/عن سلمة بن عاصم، عن الفرّاء: أن أعرابيّا بشّر بابنة ولدت له، فقيل له: نعم الولد هى! فقال: والله ما هى بنعم الولد، نصرها بكاء، وبرّها سرقة، فهذا أحد احتجاجاتهم.
وقال أبو بكر بن الأنبارىّ، فى كتابه الذى لقبه «بالواسط»: ممّا يؤيّد قول الفراء قول العرب: «يا نعم المولى ويا نعم النصير» فنداؤهم «نعم» يدلّ على الاسميّة فيها؛ لأن الفعل لا ينادى.
جواب البصريّين: قالوا: ليس فيما أوردوه من دخول حرف الجرّ على «نعم وبئس» حجّة؛ لأنه مقدّرة فيه الحكاية، وقد دخلت الباء فى هذا التقدير على فعل لا شبهة فيه، وذلك فى قول الراجز:
والله ما ليلى بنام صاحبه ... ولا مخالط اللّيان جانبه (٢)
فيجب (٣) أن يحكموا للفعل الذى هو «نام» بالاسميّة لدخول الباء عليه، وليس ذلك من قولهم، وإذا كان الجارّ قد دخل على «نام» وهو فعل بإجماع، فكذلك لا يكون «نعم وبئس» اسمين بدخول الجارّ عليهما، ولولا ما ذكرته لك من تقدير
стр. 1055
الحكاية فيما تعلّقوا به، وفى البيت الذى أوردته، لم يسغ دخول حرف الجرّ على «نعم وبئس» و «نام» ولكن التقدير: نعم السّير على عير مقول فيه، أو يقال فيه: بئس العير.
وكذلك قول حسّان، التقدير فيه: ألست بجار مقول فيه: نعم الجار، ومثل ذلك التقدير فى البيت الذى ذكرته: ما ليلى بليل مقول فيه: نام صاحبه، ولكنهم حذفوا هذه الموصوفات، وأقاموا أوصافها مقامها، كما حذف الموصوف فى قوله تعالى: ﴿أَنِ اِعْمَلْ سابِغاتٍ﴾ (١) وقوله: ﴿وَذلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ﴾ (٢) أراد: دروعا سابغات، ودين الأمّة القيّمة، أو الملّة القيّمة، فصار التقدير: نعم السير على مقول فيه: بئس العير، وأ لست بمقول فيه: نعم الجار، وما ليلى بمقول فيه: نام صاحبه، /ثم حذفوا الصّفة التى هى مقول، وأوقعوا المحكيّ بها موقعها؛ لأن القول (٣) قد كثر استعماله محذوفا كثرة استعماله مذكورا، فوليت الجملة حرف الجرّ على هذا التقدير، كما وليت المضاف فى قول القائل:
مالك عندى غير سوط وحجر ... وغير كبداء شديدة الوتر
جادت بكفّى كان من أرمى البشر (٤)
أراد: بكفّى رجل كان من أرمى البشر، فحذف الموصوف بالجملة،
стр. 1056
وأقامها مقامه، فوقعت الإضافة إلى الفعل لفظا، كما دخل الجارّ عليه فى اللفظ، وهو فى التقدير داخل على غيره.
ونظير ذلك فى وقوع الجملة الاستفهاميّة وصفا فى شعر قديم، والاستفهام ممّا لا يسوغ الوصف به، كما لا يجوز الوصل به، والصّفة محمولة على الصّلة، من حيث كانت الصفة موضّحة للموصوف، كإيضاح الصّلة للموصول، وإنما استحال الوصف بالاستفهام لما فيه من الإبهام، ولكنه وقع صفة مقدّرا فيها الحكاية، فى قول الراجز (١):
أقبلت أسعى معهم وأختبط ... حتى إذا جنّ الظّلام المختلط
جاءوا بضيح هل رأيت الذّئب قط
أى يقول من رآه: هل رأيت الذئب قطّ؟ والمعنى: جاءوا بلبن ممذوق أغبر فى لون الذّئب.
والضّيح يضرب لونه إلى الخضرة والطّلسة.
ومثل ذلك إيقاع الآخر الجملة الأمريّة حالا فى قوله:
بئس مقام الشّيخ أمرس أمرس (٢)
أراد: بئس مقام الشيخ مقولا له: أمرس أمرس، ذمّ مقاما يقال له ذلك فيه.
стр. 1057
ومعنى أمرس أمرس: أعد أعد الحبل إلى موضعه من البكرة، يقال: مرس الحبل: إذا وقع فى أحد جانبي البكرة، وأمرسته: إذا أعدته إلى مكانه منها.
فقد ترى هذه الأشياء كيف وقعت لسعة اللّغة، فى غير مواقعها، ووليت ما ليس/من شأنها أن تليه، وحسّن ذلك شيئا (١)، ما ذكرته لك من اتّساع إضمار القول، حتى إنه فى الإضمار بمنزلته فى الإظهار، ألا ترى إلى كثرة إضماره فى الكتاب العزيز، كقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ اِتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِياءَ ما نَعْبُدُهُمْ إِلاّ لِيُقَرِّبُونا إِلَى اللهِ﴾ (٢) أى يقولون: ما نعبد هؤلاء الآلهة إلاّ للقربة إلى الله، وكقوله:
﴿وَالْمَلائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بابٍ* سَلامٌ عَلَيْكُمْ﴾ (٣) أى يقولون ذلك، وكقوله: ﴿فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ. إِنّا لَمُغْرَمُونَ﴾ (٤) أى يقولون: إنّا لمغرمون، أى معذّبون. وتفكّهون: تندمون، وكقوله: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ اِسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَكَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمانِكُمْ﴾ (٥) أى: فيقال لهم: أكفرتم؟ وكقوله: ﴿وَلَوْ تَرى إِذِ الْمُجْرِمُونَ ناكِسُوا رُؤُسِهِمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ رَبَّنا أَبْصَرْنا وَسَمِعْنا﴾ (٦) التقدير: يقولون: ربّنا أبصرنا وسمعنا، ومثله: ﴿وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْراهِيمُ الْقَواعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْماعِيلُ رَبَّنا تَقَبَّلْ مِنّا﴾ (٧) أى يقولان ذلك.
فلما اتّسع حذف القول فى كلامهم، استحسنوا إيقاعه على هذه الأشياء محذوفا.
فقد بان لك بما ذكرته، واتّضح بما قررته أن الذى تشبّثوا به من دخول الجارّ
стр. 1058
على «نعم وبئس» ليس بحجّة يستند إليها، ولا يعوّل عليها.
وأمّا احتجاجهم بقول العرب: «يا نعم المولى ويا نعم النصير» فالقول فيه أن المقصود بالنداء محذوف للعلم به، فالتقدير: يا الله نعم المولى ونعم النصير أنت، فحذفوا المنادى، إذ كان حرف النداء دليلا عليه، كما حذفوا حرف النداء لدلالة المنادى عليه فى نحو:
أوفى على الماء كعب ثم قيل له ... رد كعب إنّك ورّاد فما وردا (١)
أراد: يا كعب، ومثله فى التنزيل: ﴿يُوسُفُ أَعْرِضْ عَنْ هذا﴾ (٢) و ﴿فاطِرَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ أَنْتَ وَلِيِّي﴾ (٣).
ومثل قولهم: «يا نعم المولى» فى إيلاء حرف النّداء الفعل قول ذى الرمة (٤):
/ألا يا اسلمى يا دارميّ على البلى ... ولا زال منهلاّ بجرعائك القطر
وقول الآخر (٥):
ألا يا اسلمى يا هند هند بنى بدر ... وإن كان حيّانا عدى آخر الدّهر
أراد: ألا يا هذه اسلمى، ومثله للنّمر بن تولب (٦):
*فقالت ألا يا اسمع أجبك بخطّة*
стр. 1059
وعلى هذا قرأ أبو جعفر يزيد بن القعقاع المدنيّ، وأبو الحسن علىّ بن حمزة الكسائى: ﴿أَلاّ يَسْجُدُوا لِلّهِ﴾ (١) على الأمر بالسجود، وخفّفا اللام من «ألا» لأنهما جعلاه استفتاحا، دخل على جملة ندائيّة، فالتقدير: ألا يا هؤلاء اسجدوا، ولكن حذف المنادى لدلالة الكلام عليه، وحذف ألف «يا» من اللفظ لسكون السين، ثم حمل الخطّ على اللفظ، فحذفت الألف خطّا كما حذفت لفظا، فإن وقفت على حرف النداء وقفت «ألا يا» ثم ابتدأت: اسجدوا (٢).
فقد علمت بهذه الشواهد أن الذى اعتقدوه من نداء «نعم» ليس بصواب.
وممّا يشهد شهادة قطع بفعليّة «نعم وبئس» اتصالهما بتاء التأنيث الساكنة التى ليس أحد من العرب يقلبها هاء، كما فعلوا ذلك فى تاء غرفة وغزالة وظريفة، إذا وقفوا عليهنّ، وذلك قولهم: نعمت جارية هند، وبئست حاضنة جمل، ألا ترى أن هذه التاء مخصوص بها الماضى لا تتعدّاه، فلا يسوغ الحكم باسميّة ما اتصلت به.
جواب الفرّاء ومن تابعه فى هذه المسألة، يتضمّن اعتراضين واحتجاجات ثلاثة.
قالوا: إنما ولى حرف النداء من الفعل ما كان أمرا لمواجه، أو ما جرى مجرى الأمر، ولم يله فيما علمناه فعل خبريّ، وإنما حسّن حذف المنادى إذا صاحبه الأمر شيئان:
/أحدهما: أن المنادى مخاطب والمأمور مخاطب، والخطاب فى الجملتين الندائيّة والأمريّة يتوجّه إلى واحد، فحذفوا الاسم الأول من الاسمين المخاطبين استغناء بالثانى، والدليل على أن المنادى مخاطب أنك إذا وصفته بالاسم الموصول جاز أن تعيد إلى الموصول ضمير الخطاب، كقول أبى النجم العجلىّ:
стр. 1060
يا أيّها الذّكر الذى قد سؤتنى ... وفضحتنى وطردت أمّ عياليا (١)
وكقول الآخر (٢):
ألا أيّ هذا المنزل الدارس الذى ... كأنّك لم يعهد بك الحيّ عاهد
ونظير ذلك عود ضمير المتكلّم إلى الموصول إذا أوقع الموصول خبرا عن ضمير متكلّم، كقول أمير المؤمنين ﵇:
أنا الذى سمّتن أمّى حيدره (٣)
فهذا أحد الأمرين اللذين حسن لهما حذف المنادى.
والثانى: أن النداء يصحب فى الأكثر الأغلب الأمر، وما جرى مجراه من الطّلب والنّهى، فلذلك قلّ فى القرآن نداء لا تصحبه جملة أمريّة أو نهييّة، فاتسعت مصاحبته للأمر والنهى جدّا، كقوله: ﴿يا أَيُّهَا النّاسُ اُعْبُدُوا رَبَّكُمُ﴾ (٤) و ﴿يا أَيُّهَا النَّبِيُّ اِتَّقِ اللهَ﴾ (٥) و ﴿يا عِبادِ فَاتَّقُونِ﴾ (٦) ﴿وَيا قَوْمِ اِسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ﴾ (٧) و ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللهِ وَرَسُولِهِ﴾ (٨) و ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ كَفَرُوا لا تَعْتَذِرُوا الْيَوْمَ﴾ (٩) و ﴿يا هامانُ اِبْنِ لِي صَرْحاً﴾ (١٠).
стр. 1061
وربّما تقدمت جملة الأمر جملة النّداء كقوله: ﴿وَتُوبُوا إِلَى اللهِ جَمِيعاً أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ﴾ (١) ولمّا جاءت جملة الخبر بعد النداء شفعتها جملة الأمر فى قوله تعالى:
﴿يا أَيُّهَا النّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ﴾ (٢) فلمّا كان النداء والأمر جملتى خطاب تصطحبان أبدا حسن حذف أحد الجزأين من الجملة الأولى للدلالة عليه، فى نحو قوله: «ألا يا اسلمى» وقول الآخر «ألا يا اسمع» وليس كذلك قولهم: «يا نعم المولى» لأن «نعم/المولى» خبر، فلا يسوغ تقدير المنادى فيه محذوفا، كما ساغ ذلك فى نحو: «ألا يا اسمع» و «ألا يا اسلمى» وعلى أن ذا الرّمّة لمّا حذف المنادى من الجملة الأولى ذكره فى جملة النداء الأخرى، فقال: «يا دارمىّ» ليدلّ به على المحذوف، وكذلك قول الآخر: «ألا يا اسلمى يا هند» فليس فيما استشهدتم به حجّة قاطعة.
وأمّا استدلالكم بأن تاء التأنيث التى ليس أحد من العرب يبدل منها فى الوقف هاء، مخصوص بها الماضى من الفعل، فغير مقبول؛ لأنها قد اتّصلت بالحرف فى قولهم: ربّت وثمّت، قال هبيرة بن أبى وهب (٣):
ثمّت رحنا كأنّا عارض برد ... وقام هام بنى النّجّار يبكيها
وقال آخر (٤):
стр. 1062
ثمّت قمنا إلى جرد مسوّمة ... أعرافهنّ لأيدينا مناديل
وقال آخر (١):
ماوىّ بل ربّتما غارة ... شعواء كاللّذعة بالميسم
فقد نقض لحاقها للحرف الأصل الذى بنيتم عليه، فما الذى يبعد أن يكون «نعم وبئس» اسمين، لحقتهما هذه التاء كما لحقت ربّ وثمّ، وكان اتّصالها بالاسم شاذّا، كاتصالها بالحرف، هذا على أن «نعم وبئس» ليست التاء لازمة لهما بوقوع المؤنّث بعدهما، كما تلزم الأفعال الماضية، ألا ترى أن قولك: قام المرأة وجلس الجارية، ممتنع فى سعة الكلام، وقبيح استعماله فى الشّعر مع الفصل، كقوله:
*لقد ولد الأخيطل أمّ سوء* (٢)
وكقول الآخر:
إنّ امرأ غرّه منكنّ واحدة ... بعدى وبعدك فى الدّنيا لمغرور (٣)
وقولنا: نعم المرأة، وبئس الجارية، حسن يقوله أكثر العرب، وهذا دليل على انتقالهما عن الفعلية، بدخولهما فى باب المدح والذمّ، وإنما ألحقهما التاء من/ قال: نعمت الجارية، وبئست الخصلة، مراعاة لأصلهما.
ثم نستدلّ بعد ما قدّمناه على أنهما اسمان بثلاثة أشياء، أحدها: ما جاء عن العرب من قولهم: نعيم الرجل زيد، وليس فى أمثلة الأفعال فعيل، ألبتّة.
стр. 1063
والثانى: أنهما غير متصرّفين، فقد فارقا وباينا، بعدم تصرفهما، الأفعال.
والثالث: أنهما لو كانا على أصلهما من الفعليّة لحسن اقتران الزّمان بهما، كسائر الأفعال، ولما لم يقولوا: نعم الرجل غدا، علم أن مذهب الفعليّة قد زايلهما.
هذا الاستدلال والذى قبله ذكرهما أبو بكر الأنبارىّ فى [كتابه الذى سمّاه] (١) (الواسط).
جواب البصريّين، يتلوه باقى حججهم: أمّا قولكم إنه لم يأت من الفعل ما ولى حرف النداء إلاّ أمر المواجه، فلا فرق بين الفعل الأمرىّ والخبرىّ فى استحالة وقوع كلّ واحد منهما بعد حرف النداء، إلاّ أن يفصل بينهما فى التقدير اسم، فيتوجّه النداء إليه، كما أنّ الفعل غير جائز أن يلى الفعل، إلاّ أن يحجز بينهما فاعل فى النّية، كقولك: زيد ليس يخرج، وعبد الله كان يزورك، فالفعلان متلاصقان لفظا ومنفصلان تقديرا، فليس ما ألزمتمونا من مجىء الخبر بعد حرف النداء بواجب، على أنه قد وليت الجملة الخبريّة حرف النداء، بتقدير حذف المنادى، من قوله:
يا لعنة الله والأقوام كلّهم ... والصالحين على سمعان من جار (٢)
أراد: يا هؤلاء، لعنة الله على سمعان، فهذا فى كونه جملة خبريّة بمنزلة:
نعم المولى.
ونقول بعد: قد اتّفقنا وإيّاكم على أن الجمل لا تنادى، وأجمعنا على أنّ قولنا: نعم الرجل، جملة، وإن اختلفنا فى نعم، فحكمنا بأنها فعل، وحكمتم بأنها
стр. 1064
اسم، وإذا كان قولنا: يا زيد منطلق، ممتنعا، فكذلك يمتنع: يا نعم الرجل، إلاّ أن تريد: يا هذا نعم الرجل أنت، على ما قدّرناه فى قولهم: يا نعم المولى.
وإذ قد ثبت هذا (١)، علم أن الذى/ذهبتم إليه لا يستقيم على وجه.
وأمّا قولكم: إن النداء الذى لم تصحبه جملة أمريّة أو نهييّة ليس بمتّسع فى القرآن، فغير صحيح، بل مجىء الجمل الاستفهامية والخبرية مع النداء، يكثر كثرة مجىء الأمر والنهى، كقوله تعالى فى الخبر: ﴿يا عِبادِ لا خَوْفٌ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ﴾ (٢) و ﴿يا أَبَتِ إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَباً﴾ (٣) و ﴿يا أَبَتِ هذا تَأْوِيلُ رُءْيايَ مِنْ قَبْلُ﴾ (٤) و ﴿يا قَوْمِ هذِهِ ناقَةُ اللهِ لَكُمْ آيَةً﴾ (٥) و ﴿يا أَيُّهَا النّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَراءُ إِلَى اللهِ﴾ (٦).
وقال فى الاستفهام: ﴿يا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ ما لا يَسْمَعُ﴾ (٧) و ﴿يا قَوْمِ ما لِي أَدْعُوكُمْ إِلَى النَّجاةِ﴾ (٨) و ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ ما لا تَفْعَلُونَ﴾ (٩) و ﴿يا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ ما أَحَلَّ اللهُ لَكَ﴾ (١٠) فقد تكافأت هذه المعانى فى الكثرة، فليس لبعضها مزيّة على بعض.
وأما اعتراضكم بربّت وثمّت، فمدفوع مردود، لأنّ هذه التاء، وإن كانت للتأنيث، ولم تنقلب فى الوقف (١١)، ليست التاء فى نعمت، من حيث كانت
стр. 1065
مباينة لها من وجهين، أحدهما: أن التاء التى فى قولك: قامت المرأة، لحقت الفعل لتأنيث الاسم المسند إليه الفعل، وعلى هذا الحدّ لحقت «نعم وبئس»، والتاء التى فى ربّت وثمّت، لحقت لتأنيث الحرف نفسه، لا لتأنيث جزء آخر، وكأنهم آثروا تأنيث شيء من الحروف، كما آثروا ذلك فى الظّروف، فأنّثوا قدّاما وأماما ووراء، ودلّوا على تأنيثهنّ بظهور الهاء فى قوله: «قديديمة التجريب» (١) وفى نحو:
جلست أميمة زيد، وقمت وريّئة (٢) أخيك، فهذا فرق.
والفرق الآخر: أن التاء اللاحقة للفعل، أحد أوصافها السكون، والتاء اللاحقة هذين الحرفين، وإن كانت لا تنقلب فى الوقف، ليست موافقة للتاء فى قولك: قامت ونعمت، فى سكونها.
وأمّا اعتراضكم بأن التاء لا تلزم «نعم وبئس» مع وقوع المؤنّث بعدهما، فليس/بصحيح؛ لأنها تلزمهما فى لغة شطر العرب، كلزومها باب قام، فلا فرق عندهم بين نعمت المرأة وقامت المرأة، وإنما استحسن حذفها الذين قالوا: نعم
стр. 1066
المرأة، وإن لم يجز عندهم: قام المرأة، إلاّ مع الفصل فى الشّعر؛ لأن المرأة فى قولهم: نعم المرأة، واقعة على الجنس وقوع الإنسان على الناس، فى قوله تعالى:
﴿وَإِنّا إِذا أَذَقْنَا الْإِنْسانَ مِنّا رَحْمَةً فَرِحَ بِها﴾ (١) وقوله: ﴿إِنَّ الْإِنْسانَ خُلِقَ هَلُوعاً﴾ (٢) ألا ترى أنه قال بعد فى الآية الأولى: ﴿وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ فَإِنَّ الْإِنْسانَ كَفُورٌ﴾ وقال فى الآية الثانية: ﴿إِلاَّ الْمُصَلِّينَ﴾ ولو قلت: قام زيد إلاّ إخوتك، كان محالا؛ لأن حدّ الاستثناء عكس هذا.
وإذا كان ما يرتفع بنعم وبئس واقعا على الفريقين، وكان التقدير فى قولنا: نعم الرجل زيد، وبئس الغلام خالد: زيد محمود فى الرجال، وخالد مذموم فى الغلمان، فمعلوم أن أسماء الأجناس والجموع تذكّر أفعالهما وتؤنّث، كما جاء فى آية ﴿إِذْ قالَتِ الْمَلائِكَةُ﴾ (٣) وفى أخرى: ﴿فَسَجَدَ الْمَلائِكَةُ﴾ (٤) وجاء فى وصف اسم الجمع:
﴿كَأَنَّهُمْ أَعْجازُ نَخْلٍ مُنْقَعِرٍ﴾ (٥)، و ﴿كَأَنَّهُمْ أَعْجازُ نَخْلٍ خاوِيَةٍ﴾ (٦) فذكّر فعل الجمع وأنّث، وذكّرت صفة [اسم (٧)] الجنس وأنّثت، فنعم المرأة إذن بمنزلة ﴿وَقالَ نِسْوَةٌ فِي الْمَدِينَةِ﴾ (٨) ونعمت المرأة بمنزلة قول الشاعر:
آمت نساء بنى أميّة منهم ... وبناتهم بمضيعة أيتام (٩)
стр. 1067
ولهذه العلّة أسقط العلامة فى هذا الباب من أسقطها، وإذا كانوا قد أسقطوها فى حال السّعة من فعل المؤنّث الحقيقىّ، فى قولهم: حضر القاضى اليوم امرأة، فليس بمستنكر سقوطها من فعل المؤنّث الواقع على الجنس، وقد قالوا:
ما قام إلاّ هند، وما خرج إلاّ المرأة، فاختاروا طرح العلامة، فلم يثبتوها إلاّ لضرورة شعر.
فإن قلتم: إنما طرحت العلامة فى هذا، تنبيها على المعنى، لأن التقدير:
ما قام أحد/إلاّ هند، وما خرج أحد إلا المرأة.
قلنا: كذاك هو، ولكنّ اللفظ على أنّ هندا والمرأة غير بدل، وإن كان المعنى على أنهما مبدلتان من «أحد» المقدّر، كما أن اللفظ على أن عرقا، فى قولنا:
تصبّبت عرقا، غير فاعل، والمعنى على أنه فاعل.
فهذا كلّه ممّا يزيل الاستيحاش من قولهم: نعم المرأة، ويدلّ على أن «نعم» لا يكون بحذف العلامة منه منتقلا عن الفعليّة.
وأمّا استدلالكم بقولهم: نعيم الرّجل زيد، فهذا ممّا رواه قطرب وحده (١).
وإذا صحّ ذلك عن العرب، فليس بحجّة لكم، لأن «نعم» أصله نعم، مثل علم، وكلّ ما جاء على مثال فعل وثانيه حرف حلقىّ، فلهم فيه أربعة أوجه، أحدها: استعماله على أصله كفخذ، وقد ضحك.
والثانى: إسكان عينه وإقرار فائه على الفتح، تقول: [فخذ (٢)]، وقد ضحك زيد.
стр. 1068
والثالث: إتباع فائه عينه فى الكسر، تقول: فخذ، وقد ضحك.
والرابع: إسكان عينه بعد كسر فائه، تقول: فخذ، وقد ضحك بكر.
وقرأ بعض القرّاء: «فنعمّا هي» (١) بفتح النون وكسر العين، وقرأ آخرون:
﴿فَنِعِمّا﴾ بكسرهما، وقرأ يحيى بن وثّاب: ﴿فَنِعْمَ عُقْبَى الدّارِ﴾ (٢) بفتح النون وسكون العين، وأنشدوا لطرفة:
ففداء لبنى قيس على ... ما أصاب الناس من سرّ وضرّ (٣)
ما أقلّت قدمى إنّهم ... نعم السّاعون فى الأمر المبرّ
وإذا ثبت هذا فالياء فى قولهم: نعيم الرجل، إشباع، كما أشبع الفرزدق كسرة الراء من الصيارف، والهاء من الدراهم، فنشأت عن الكسرة الياء، فى قوله:
/تنفى يداها الحصى في كلّ هاجرة ... نفى الدّراهيم تنقاد الصّياريف (٤)
وكما أشبع الآخر الضّمّة، فنشأت عنها الواو، فى قوله:
من حيث ما سلكوا أدنو فأنظور (٥)
أراد: فأنظر، وأنشد أبو علىّ وغيره:
стр. 1069
عيطاء جمّاء العظام عطبول ... كأنّ في أنيابها القرنفول (١)
وكما أشبع الآخر الفتحة فنشأت عنها الألف، فى قوله:
وأنت من الغوائل حين ترمى ... ومن ذمّ الرجال بمنتزاح (٢)
أراد بمنتزح، أى بمكان نازح، فمنتزح مفتعل من النّزوح، ومثله لعنترة (٣):
ينباع من ذفرى غضوب جسرة
أراد ينبع، يعنى العرق، فأشبع فتحة الباء.
وأمّا احتجاجكم بعدم التصرّف فى هاتين اللفظتين، وأنّ العرب لم يقرنوا بهما الزمان، فيقولوا: نعم الرجل أمس، ولا نعم الرجل غدا.
فالجواب عن ذلك أنّ امتناعهما من الاقتران بأمس، لكم أن تتعلّقوا به؛ لأنهما عندنا فعلان ماضيان، وأمّا امتناعهما من الاقتران بغد، فغير مستنكر ذلك فى الأفعال الماضية، فما أبعد من الصواب استنكاركم أنّ العرب لم تقل: نعم الرجل غدا، حتى جعلتم ذلك حجّة لكم، وبجح (٤) به أبو بكر محمد بن القاسم، فضمّنه
стр. 1070
كتابه، وإنما امتنع «نعم وبئس» من الدلالة على الزّمان الماضى، وسلبا التصرّف، فلم يصوغوا منهما مضارعا، ولا اشتقّوا من لفظهما اسم فاعل؛ لأن «نعم» موضوع لغاية المدح، «وبئس» موضوع لغاية الذّمّ، فجعلت دلالتهما على الزّمان مقصورة على الآن؛ لأنك إنما تمدح أو تذمّ بما هو موجود فى الممدوح أو المذموم، ولا تمدح ولا تذمّ بما كان فزال، ولا بما سيكون ولم يقع، فلذلك استحال اقترانهما بالزمان الماضى، وبعدا (١) غاية البعد من المستقبل، فلم يبنوا لهما مضارعا؛ لأن المضارع إنما يتكلّف [له (٢)] فى بنائه زيادة حروف (٣) المضارعة، للحاجة إلى دلالته على الزمان الحاضر أو المستقبل، فإذا كان «نعم وبئس» وهما على لفظ المضىّ قد أفادا الدلالة على الحاضر من الزمان باقتضاء المعنى، وكان المدح والذمّ/بما لم يقع مستحيلين، وجب أن لا يصاغ لهما مضارع؛ لأن الاحتياج إلى اشتقاق المضارع قد سقط، ومن هاهنا وجب أن لا يبنى منهما اسم فاعل؛ لأنّ اسم الفاعل لا يعيّن الزّمان؛ ألا ترى أنك إذا قلت: زيد ضارب جعفر، جاز أن يكون ضربه فى وقت إخبارك، وجاز أن يكون ماضيا، وجاز أن يكون متوقّعا، فلمّا كان عامّا للأزمنة الثلاثة استحال بناؤه منهما.
فقد وضح بهذه الجملة أنّ هذين الفعلين، إنما جمدا بنقلهما (٤) إلى معنى لم يكن لهما فى أصل وضعهما، فترك تصريفهما للمعنى المراد بهما، فليس عدم تصرّفهما بدليل على انتقالهما عن الفعليّة.
وإذا كان كذلك علم أنّ ما أخلدتم إليه ليس بدليل يعوّل عليه
стр. 1071
هذا على أنّ لنا حجّة ثانية وثالثة ورابعة.
فالثانية: ما رواه الكسائىّ، من اتصال الضمير بهما على حدّ اتصاله بالفعل المتصرّف، وذلك فى قولهم: نعما رجلين، ونعموا رجالا.
والثالثة: بناؤهما على الفتح من غير عارض لهما، فمن ادّعى أنهما اسمان لزمه أن يوضّح العلّة فى فتحهما.
والرابعة: أنهما رافعان ناصبان، يرفعان المعارف، من نحو: ﴿فَلَنِعْمَ الْمُجِيبُونَ﴾ (١) و ﴿بِئْسَ مَثَلُ الْقَوْمِ﴾ (٢) وينصبان النّكرات، من نحو: زيد نعم رجلا و ﴿بِئْسَ لِلظّالِمِينَ بَدَلاً﴾ (٣) فنعم الرجل، بمنزلة كرم الرجل، وفلان بئس رجلا، بمنزلة لؤم رجلا.
فهذه أدلّة كلّها تشهد لهما بانتفاء الاسميّة، ورسوّ قدمهما فى الفعليّة. وبالله التوفيق.
...
стр. 1072
المجلس الحادى والستّون
ذكر أبو الفرج عليّ بن الحسين الأصفهانيّ، صاحب كتاب الأغانى (١)، حديثا رفعه إلى أبى ظبيان الحمّانىّ، قال: اجتمعت جماعة من الحىّ على شراب، فتغنّى أحدهم بقول حسّان (٢):
إنّ التى ناولتني فرددتها ... قتلت قتلت فهاتها لم تقتل
/كلتاهما حلب العصير فعاطنى ... بزجاجة أرخاهما للمفصل
فقال رجل منهم: كيف ذكر واحدة بقوله: «إنّ التى ناولتنى فرددتها» ثم قال: «كلتاهما حلب العصير» فجعلها اثنتين، (٣) وقال أبو ظبيان: فلم يقل أحد من الجماعة جوابا، فحلف رجل منهم بالطّلاق ثلاثا، إن بات ولم يسأل القاضى عبيد الله بن الحسن (٤)، عن تفسير هذا الشّعر.
стр. 1073
قال: فسقط فى أيدينا ليمينه، ثم أجمعنا على قصد عبيد الله، فحدّثنى بعض أصحابنا السّعديّين قال: فيمّمناه نتخطّى إليه الأحياء، فصادفناه فى مسجده، يصلّى بين العشاءين، فلما سمع حسّنا أوجز فى صلاته، ثم أقبل علينا، فقال: حاجتكم، فبدر رجل منّا كان أحسننا نفثة (١)، فقال: نحن، أعزّ الله القاضى، قوم نزعنا إليك من طريق (٢) البصرة، فى حاجة مهمّة، فيها بعض الشىء، فإن أذنت لنا قلنا، فقال: قولوا، فذكر يمين الرجل والشّعر.
فقال: أمّا قوله: «إنّ التى ناولتنى» فإنه يعني الخمر، وقوله: «قتلت» أراد مزجت بالماء، وقوله: «كلتاهما حلب العصير» يعنى الخمر ومزاجها، فالخمر عصير العنب، والماء عصير السّحاب، قال الله تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنا مِنَ الْمُعْصِراتِ ماءً ثَجّاجاً﴾ (٣) انصرفوا إذا شئتم.
وأقول: إنّ هذا التأويل يمنع منه ثلاثة أشياء، أحدها: أنه قال: كلتاهما، وكلتا موضوعة لمؤنّثين، والماء مذكّر، والتذكير أبدا يغلّب على التأنيث، كتغليب القمر على الشمس، فى قول الفرزدق:
لنا قمراها والنّجوم الطّوالع (٤)
стр. 1074
أراد لنا شمسها وقمرها، وليس للماء اسم آخر مؤنّث فيحمل على المعنى، كما قالوا: «أتته كتابى فاحتقرها» (١) لأن الكتاب فى المعنى صحيفة، وكما قال الشاعر (٢):
قامت تبكّيه على قبره ... من لى من بعدك يا عامر
تركتنى فى الدار ذا غربة ... قد ذلّ من ليس له ناصر
/كان الوجه أن يقول: ذات غربة، وإنما ذكّر لأن المرأة إنسان، فحمل على المعنى.
والثانى: أنه قال: «أرخاهما للمفصل» وأفعل هذا موضوع لمشتركين (٣) فى معنى وأحدهما يزيد على الآخر فى الوصف به، كقولك: زيد أفضل الرجلين، فزيد والرجل المضموم إليه مشتركان فى الفضل، إلا أن فضل زيد يزيد على فضل المقرون به، والماء لا يشارك الخمر فى إرخاء المفصل.
والثالث: أنه قال فى الحكاية: «فالخمر عصير العنب» وقول حسان:
«حلب العصير» يمنع من هذا؛ لأنه إذا كان العصير الخمر، والحلب هو الخمر،
стр. 1075
فقد أضيفت الخمر إلى نفسها، والشىء لا يضاف إلى نفسه.
والقول فى هذا عندى أنه أراد: كلتا الخمرين، الصّرف والممزوجة، حلب العنب، فناولنى أشدّهما إرخاء للمفصل.
فرّق اللغويّون بين المفصل والمفصل، فقالوا: إنّ المفصل بكسر الميم وفتح الصاد: اللّسان، وهو بفتح الميم وكسر الصاد: واحد مفاصل العظام، وهو فى بيت حسّان يحتمل الوجهين.
... ذكر أبو سعيد السّيرافىّ فى قولهم: «أكلونى البراغيث (١)» ثلاثة أوجه، أحدها: ما قاله سيبويه (٢)، وهو أنهم جعلوا الواو علامة تؤذن بالجماعة، وليست ضميرا.
والوجه الثانى: أن تكون البراغيث مبتدأ، وأكلونى خبرا مقدّما، تقديره:
البراغيث أكلونى.
والوجه الثالث: أن تكون الواو فى «أكلونى» ضميرا على شرط التفسير، والبراغيث بدل منه، كقولك: ضربونى وضربت قومك، فتضمر قبل الذّكر على شرط التفسير، وقد كان الوجه فى قولهم: أكلونى البراغيث على تقديم (٣) علامة الجماعة، أن يقال: أكلتنى البراغيث، لأن البراغيث ممّا لا يعقل، وضمير مالا يعقل كضمير جمع المؤنث، إلاّ أنهم جعلوا البراغيث مشبّهة بما يعقل، حين وصفت بالأكل، فأجريت مجرى ما يعقل، ولذلك نظائر، /منها قوله تعالى:
﴿إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَباً وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي ساجِدِينَ﴾ (٤) لمّا
стр. 1076
وصفها بالسّجود الذى لا يكون إلاّ لما يعقل، أجراها مجرى ما يعقل، وكذلك القول فى قوله تعالى: ﴿يا أَيُّهَا النَّمْلُ اُدْخُلُوا مَساكِنَكُمْ﴾ (١) لمّا جرى الخطاب لها مجرى خطاب ما يعقل، أجريت مجرى ما يعقل
ذكر هذا أبو سعيد فى شرح كتاب سيبويه.
وأقول: إنه وهم فى هذا القول؛ لأن مالا يعقل بمنزلة الأناسىّ فى وصفهم بالأكل، كقولنا: أكلت السّنّور الفأرة، وأكل السّبع الشاة، فلا يجوز أن تقول:
أكلوهم السّباع، كما تقول: القوم أكلوا الطّعام.
والوجه عندى أن يحمل قولهم: أكلونى البراغيث، على غير الأكل الحقيقىّ، ولكن (٢) نحمله على الأكل الذى يراد به التعدّى والظّلم، كقولهم: أكل فلان جاره، إذا تعدّى عليه، وعلى ذلك قول علّفة بن عقيل بن علّفة لأبيه:
أكلت بنيك أكل الضّبّ حتّى ... وجدت مرارة الكلأ الوبيل (٣)
وهذا المعنى لا يكون إلاّ من ذوى العقل، فلمّا وصفوا به البراغيث أجروها مجرى العقلاء؛ لأنه قد جرى مجرى السّجود الذى لا يكون إلا من العقلاء.
وقول علّفة لأبيه: «أكل الضّبّ» معناه مثل أكل الضّبّ أولاده، لأن الضّباب تأكل أولادها إلاّ القليل، فجعل تعدّيه على بنيه وظلمه لهم كأكل الضّبّ ولده، مبالغة فى وصفه بالبغى عليهم، والظّلم لهم.
...
стр. 1077
مسألة
سألنى سائل عن جواز طلع الشمس، وامتناع الشمس طلع.
فقلت: إنما امتنع قولك [الشّمس طلع لامتناع قولك (١)] الشمس طالع، ووجه امتناع هذا أن الخبر المفرد حكمه حكم المخبر عنه؛ فى تذكيره وتأنيثه، وتوحيده وتثنيته وجمعه، من حيث/كان الخبر المفرد هو المخبر عنه، فلما وقع فعل موقع فاعل، لحقته التاء وجوبا كما لحقت اسم الفاعل.
...
стр. 1078
فصل
اختصّ المعتلّ بأشياء، أحدها: ما جاء على فيعل، لا يكون ذلك إلاّ فى المعتلّ العين (١)، نحو سيّد وميّت وهيّن وليّن وبيّن.
والثانى: ما جاء من جمع فاعل على فعلة، لم يأت إلاّ فى المعتلّ اللام، كقاض (٢) وقضاة، وداع ودعاة، وغاز وغزاة.
والثالث: ما جاء من المصادر على فيعلولة (٣)، اختصّ بذلك المعتلّ العين، نحو قولهم: بان بينونة، وصار صيرورة، وكان كينونة، الأصل عند سيبويه: بيّنونة وصيّرورة، وكيونونة، ثم كيّنونة، قلبت الواو ياء وأدغمت فيها الياء لاجتماع الياء والواو وسبق الأولى بالسكون، وقال غيره: هو فعّلولة، وكلاهما لم يأت مصدرا فى الصحيح، وقولهم: كينونة يدلّ على ما قاله سيبويه؛ لأنه لو كان فعّلولة لقيل:
كوّنونة، ولكنهم لمّا خفّفوه أبقوا الياء، كما قالوا فى تخفيف ميّت وهيّن: ميت وهين.
والرابع: ما جاء من المصادر على فعل، فهذا مما اختصّ به المعتلّ اللام، وذلك قولهم: التّقى والهدى والسّرى.
قال سيبويه (٤): قد جاء فى هذا الباب، يعنى باب اعتلال اللام، المصدر على فعل، قالوا: هديته هدى، وذلك أن الفعل المعتلّ المكسور الأول، لم يأت مصدرا
стр. 1079
في هديت، فصار فعل عوضا منه. وقالوا: قريته قرى، وقليته قلى، فأشركوا بينهما، فصار فعل عوضا من الفعل في المصدر. وقال: قد دخل كلّ واحد من فعل وفعل على صاحبه، لأنهما أخوان، قالوا: كسوة وكسى، وجذوة وجذى، وصوّة (١) وصوى. قال: ومن العرب من يقول: رشوة ورشا، ومنهم من يقول: رشوة ورشا، وحبوة وحبا، وأكثر العرب يقول: رشا وكسى وجذى، بكسر أوائلهنّ.
...
стр. 1080
تعريب آية
/ يقال فى قوله تعالى: ﴿ثُمَّ نُنَجِّي رُسُلَنا وَالَّذِينَ آمَنُوا كَذلِكَ حَقًّا عَلَيْنا نُنْجِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (١) ما إعراب الكاف فى ﴿كَذلِكَ﴾ وبم انتصب ﴿حَقًّا﴾؟
الجواب: أن العامل فيه ﴿نُنَجِّي﴾ الأول، والإشارة بذلك إلى إنجاء من أنجاه الله مع نوح ومع موسى ﵉، فيما قصّه فى السورة، ثم قال: ﴿فَهَلْ يَنْتَظِرُونَ إِلاّ مِثْلَ أَيّامِ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ (٢) يعنى أيّام العذاب ﴿قُلْ فَانْتَظِرُوا﴾ أى انتظروا نزول العذاب، وعقّب ذلك بقوله: ﴿ثُمَّ نُنَجِّي رُسُلَنا وَالَّذِينَ آمَنُوا كَذلِكَ﴾ أى إنجاء مثل (٣) ذلك الإنجاء الذى تقدّم ذكره.
وقوله ﴿حَقًّا﴾ نعت لمصدر الفعل الذى بعده، كأنه استؤنف فقيل: إنجاء حقّا علينا ننجى المؤمنين.
وأمّا ﴿عَلَيْنا﴾ فإن شئت علّقته بقوله: ﴿حَقًّا﴾ لأن فعله يتعدّى بعلى تقول: يحقّ عليك أن تفعل كذا، وإن شئت جعلته وصفا له، فعلّقته بمحذوف، كأنه قيل: حقّا واجبا علينا.
... قرأ بعض أصحاب القراءات الخارجة عن قراءات السبعة: ﴿إِنَّ أَوْلَى النّاسِ بِإِبْراهِيمَ لَلَّذِينَ اِتَّبَعُوهُ وَهذَا النَّبِيُّ﴾ (٤) بالنصب، وقرأ آخرون: ﴿النَّبِيُّ﴾ بالخفض، فمن
стр. 1081
نصب عطفه على الهاء من قوله: ﴿اِتَّبَعُوهُ﴾ أى اتّبعوه واتّبعوا هذا النبىّ.
ومن خفض عطفه على ﴿بِإِبْراهِيمَ﴾ فالتقدير: إنّ أولى الناس بإبراهيم وبهذا النبىّ للّذين اتّبعوه.
ومن رفع عطفه على ﴿لَلَّذِينَ اِتَّبَعُوهُ﴾ فالتقدير: إن أولى الناس بإبراهيم المتّبعون له، وهذا النبيّ.
... قوله تعالى حاكيا عن امرأة العزيز: ﴿هَيْتَ لَكَ﴾ (١) معنى هيت: هلمّ، أى تعال إلى ما أدعوك إليه، وقوله ﴿لَكَ﴾ أى إرادتى بهذا لك، فهذه اللام للتّبيين (٢)،
стр. 1082
وكذلك «لك» فى قولهم: سقيا لك، ورعيا لك، التقدير: سقاك الله سقيا، ورعاك رعيا، «ولك» /تبيين، أى هذا لك.
وقوله: سقيا ورعيا، وما أشبههما من المصادر المنصوبة، كقولهم فى الدعاء على الرجل: جدعا له، وعقرا له، مما اختزل الناصب له، فلم يجز إظهاره.
... من قبيح التّضمين قول بشر بن أبى خازم (١).
وكعبا فسائلهم والرّباب ... وسائل هوازن عنّا إذا ما
لقيناهم كيف نعليهم ... بواتر يفرين بيضا وهاما
ومثله للنابغة الذّبيانىّ (٢):
وهم وردوا الجفار على تميم ... وهم أصحاب يوم عكاظ إنّى
شهدت لهم مواطن صادقات ... أتينهم بصدق الودّ منّى
وقول أعشى قيس (٣):
فلله عينا من رأى من عصابة ... أشدّ إذا حام الكماة من الّتى
أتتنا من البطحاء يبرق بيضها ... وقد بذخت فرسانها وأدلّت
...
стр. 1083
قوله تعالى: ﴿فَراغَ عَلَيْهِمْ ضَرْباً بِالْيَمِينِ﴾ (١) معناه: فمال عليهم يضربهم ضربا، وإن شئت كان انتصاب «ضربا» على الحال، كقولك: أتيته مشيا، أى ماشيا، ومثله: ﴿ثُمَّ اُدْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْياً﴾ (٢) أى ساعيات.
و ﴿بِالْيَمِينِ﴾ فيه قولان: قيل باليد اليمنى، وقيل بالقوّة، وأنشدوا قول الشّماخ (٣):
إذا ما راية رفعت لمجد ... تلقّاها عرابة باليمين
قالوا: أراد بالقوّة، كما جاء فى التنزيل: ﴿خُذُوا ما آتَيْناكُمْ بِقُوَّةٍ﴾ (٤).
ويجوز أن يراد باليمين فى الآية القسم، وتكون الباء بمعنى لام العلّة، أى مال عليهم يضربهم لليمين التى حلفها، وهى قوله: ﴿وَتَاللهِ لَأَكِيدَنَّ أَصْنامَكُمْ﴾ (٥) ونظير وضع الباء فى موضع اللام وضعها فى قوله تعالى: ﴿فَبِما نَقْضِهِمْ مِيثاقَهُمْ لَعَنّاهُمْ﴾ (٦) أى فلنقضهم.
...
стр. 1084
/إن قيل: إن لفظة «بين» الظرفية تقتضى اثنين فصاعدا، كقولك:
جلست بين الرجلين، وبين الرجال، وبين زيد ومحمد، ومحال أن تقول: جلست بين زيد، فتقتصر على واحد، فكيف جاء فى التنزيل: ﴿وَالَّذِينَ إِذا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكانَ بَيْنَ ذلِكَ قَواماً﴾ (١) و «ذلك» إنما يشار به إلى الواحد، وكان حقّ الكلام: بين ذينك، وكذلك قوله: ﴿لا فارِضٌ وَلا بِكْرٌ عَوانٌ بَيْنَ ذلِكَ﴾ (٢).
فالجواب: أن هذا إنما جاز، لأنهم قد يشيرون ب «ذلك» إلى الجمل والحديث الطويل المشتمل على كلم كثيرة، كقولك لمن قال: زيد منطلق، وقد خرج محمد، وسينطلق جعفر: قد عرفت ذلك، ومثله فى التنزيل: ﴿ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ أَيْنَ ما ثُقِفُوا إِلاّ بِحَبْلٍ مِنَ اللهِ وَحَبْلٍ مِنَ النّاسِ وَباؤُ بِغَضَبٍ مِنَ اللهِ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الْمَسْكَنَةُ ذلِكَ بِأَنَّهُمْ كانُوا يَكْفُرُونَ بِآياتِ اللهِ﴾ (٣) ونظير هذا فى التنزيل أيضا ﴿لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ﴾ (٤) وجاز هذا لأن «أحدا» موضوع للعموم، فلهذا لا يستعمل إلاّ فى النفى، تقول: ما جاءنى أحد، ولا يجوز: جاءنى أحد، ولو قلت: لا أفرّق بين واحد منهم، لم يجز.
وممّا جاء فى الشّعر نظيرا لقوله: ﴿وَكانَ بَيْنَ ذلِكَ قَواماً﴾ وقوله: ﴿عَوانٌ بَيْنَ ذلِكَ﴾ قول ابن الدّمينة (٥):
عدمتك من نفس فأنت سقبتنى ... بكأس الهوى في حبّ من لم يبالك
ومنّيتنى لقيان من لست لاقيا ... نهارى ولا ليلى ولا بين ذلك
أى: ولا بين الليل والنهار، أراد بالوقت الذى بين الليل والنهار، الظلّ الذى
стр. 1085
ذكره الله فى قوله: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ﴾ (١) وهو من بعد طلوع الفجر إلى قبل طلوع الشمس.
...
стр. 1086
فصل
/عطف اسم الفاعل على «يفعل» (١)، وعطف «يفعل» على اسم الفاعل
، جائز؛ لما بينهما من المضارعة التى استحقّ بها «يفعل» الإعراب، واستحقّ بها اسم الفاعل الإعمال، وذلك جريان اسم الفاعل على «يفعل»، ونقل «يفعل» من الشّياع إلى الخصوص بالحرف (٢) المخصّص، كنقل الاسم من التنكير إلى التعريف بالحرف المعرّف، فلذلك جاز عطف كلّ واحد منهما على صاحبه، وذلك إذا جاز وقوعه فى موضعه، كقولك: زيد يتحدّث وضاحك، وزيد ضاحك ويتحدّث؛ لأن كلّ واحد منهما يقع خبرا للمبتدإ، ولما دخل على المبتدأ من العوامل، كباب كان وباب إنّ، وكذلك مررت برجل ضاحك ويتحدّث، وبرجل يتحدّث وضاحك، لأن «يفعل» ممّا يوصف به النّكرات، فمن عطف الاسم على الفعل قول الراجز:
بات يغشّيها بعضب باتر ... يقصد فى أسوقها وجائر (٣)
стр. 1087
ومن عطف الفعل على الاسم قوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ فَوْقَهُمْ صافّاتٍ وَيَقْبِضْنَ﴾ (١).
فإن قلت: سيتحدّث زيد وضاحك، لم يجز، لأن ضاحكا لا يقع موقع يتحدّث فى هذه المسألة؛ من حيث لا يلى الاسم السّين لأنها من خصائص الفعل، وكذلك مررت بجالس ويتحدّث، لا يجوز، لأنّ حرف الجرّ لا يليه الفعل، فإن عطفت اسم الفاعل على «فعل» (٢)، لم يجز، لأنه لا مضارعة بينهما، فإن قرّبت «فعل» إلى الحال (٣) بقد، جاز عطف اسم الفاعل عليه، كقول الراجز (٤).
أمّ صبيّ قد حبا ودارج
فإن كان اسم الفاعل بمعنى «فعل»، جاز عطف الماضى عليه، كقوله تعالى: ﴿إِنَّ الْمُصَّدِّقِينَ وَالْمُصَّدِّقاتِ وَأَقْرَضُوا اللهَ﴾ (٥) لأن التقدير: إنّ الذين تصدّقوا/واللاّتى تصدّقن.
...
стр. 1088
الكلام على آية
قوله تعالى: ﴿يَدْعُوا مِنْ دُونِ اللهِ ما لا يَضُرُّهُ وَما لا يَنْفَعُهُ﴾ (١)
أى يدعو الوثن الذى لا يضرّ ولا ينفع، ولا يبصر ولا يسمع، وقوله: ﴿يَدْعُوا لَمَنْ ضَرُّهُ أَقْرَبُ مِنْ نَفْعِهِ﴾ ومعناه: الضّرر بعبادته أقرب من النفع بها.
فإن قيل: كيف قال: ﴿أَقْرَبُ مِنْ نَفْعِهِ﴾ ولا نفع من قبله ألبتّة؟
قيل: لمّا كان فى قوله: ﴿لَمَنْ ضَرُّهُ أَقْرَبُ مِنْ نَفْعِهِ﴾ تبعيد لنفعه، والعرب تقول لما لا يصحّ فى اعتقادهم تكوّنه: هذا بعيد، جاز الإخبار ببعد نفع الوثن، والشاهد بذلك قوله تعالى حاكيا عنهم: ﴿أَإِذا مِتْنا وَكُنّا تُراباً ذلِكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ﴾ (٢).
واختلف المفسّرون فى هذه اللام، فذهب قوم من البصريّين والكوفيّين إلى أنّ معناها التأخير، فالتقدير: يدعو من لضرّه أقرب من نفعه، وجاز تقديمها وإيلاؤها المفعول؛ لأنها لام التوكيد واليمين، فحقّها أن تقع أوّل الكلام، فقدّمت لتعطى حقّها، وإن كان الأصل أن يليها المبتدأ، كما أن لام «إنّ» حقّها أن تدخل على اسم إنّ، فلما لم يجز أن تلى إنّ، لأنها بمعناها فى التوكيد، وفى تلقّى اليمين بها، جعلت فى الخبر، كقولك: إنّ زيدا لقائم (٣)، لمّا لم يجز: إنّ لزيدا قائم، فإذا أمكن أن تدخل على الاسم كان ذلك أجود، كقوله: ﴿إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً﴾ (٤) فتقديمها على المفعول
стр. 1089
فى الآية إيذان بأنّ حقّها الوقوع فى أوّل الكلام، وسوّغ ذلك أنها لمجرّد التوكيد، فاللفظ بها يفيد التوكيد، تقدّمت أو تأخرت، وليست بعاملة كعلى، في قول الراجز:
إنّ الكريم وأبيك يعتمل ... إن لم يجد يوما على من يتّكل (١)
أراد: من يتّكل عليه، وهذا تقديم قبيح، سوّغته الضّرورة (٢)، وقد اعترض على هذا القول بأن اللام فى صلة «من» فتقديمها على الموصول غير جائز.
/والجواب عن هذا الاعتراض: أنها حرف لا يفيد إلاّ التوكيد، وليست بعاملة كمن المؤكّدة، فى نحو: ما جاءني من أحد، فدخولها وخروجها سواء، فلذلك جاز تقديمها.
ويمكن أن لا تكون «من» هاهنا موصولة، بل تكون نكرة، فى معنى شيء، مثلها فى قول سويد بن أبى كاهل:
ربّ من أنضجت غيظا صدره ... قد تمنّى لى موتا لم يطع (٣)
أراد ربّ إنسان، وكذلك هى فى قول كعب بن مالك الأنصاريّ (٤):
стр. 1090
فكفى بنا فضلا على من غيرنا ... حبّ النّبىّ محمد إيّانا
المعنى: على حيّ غيرنا، أو قوم غيرنا، ولذلك قدّرها الكسائىّ باسم نكرة، فقال: اللام فى غير موضعها، و «من» فى موضع نصب بيدعو، والتقدير: يدعو من لضرّه أقرب من نفعه، أى يدعو إلها لضرّه أقرب من نفعه.
وقال أبو العباس محمد بن يزيد: ﴿يَدْعُوا﴾ فى موضع الحال، والمعنى:
ذلك هو الضلال البعيد فى حال دعائه إيّاه، وقوله ﴿لَمَنْ﴾ مستأنف مرفوع بالابتداء، وقوله: ﴿ضَرُّهُ أَقْرَبُ مِنْ نَفْعِهِ﴾ صلته، و ﴿لَبِئْسَ الْمَوْلى﴾ (١) خبره.
وهذا الذى قاله يستقيم، لو كان فى موضع يدعو: يدعى، فيكون تقديره (٢):
ذلك هو الضلال البعيد مدعوّا، فيكون حالا من الضلال، فمجيئه بصيغة فعل الفاعل، وليس فيه ضمير عائد على المدعوّ، يبعده من الصواب.
وقال الأخفش (٣): ﴿يَدْعُوا﴾: فى معنى يقول. و ﴿لَمَنْ﴾ فى موضع رفع بالابتداء، و ﴿ضَرُّهُ أَقْرَبُ مِنْ نَفْعِهِ﴾ صلته، وخبره محذوف، أى يقول لمن ضرّه أقرب من نفعه [هو مولاى] (٤) بهذا اللفظ ذكره الزجاج فى معانى القرآن (٥)، فكأنه إنما قدّر الخبر «مولاى» لقوله: ﴿لَبِئْسَ الْمَوْلى﴾.