فصل
/عطف اسم الفاعل على «يفعل» (١)، وعطف «يفعل» على اسم الفاعل
، جائز؛ لما بينهما من المضارعة التى استحقّ بها «يفعل» الإعراب، واستحقّ بها اسم الفاعل الإعمال، وذلك جريان اسم الفاعل على «يفعل»، ونقل «يفعل» من الشّياع إلى الخصوص بالحرف (٢) المخصّص، كنقل الاسم من التنكير إلى التعريف بالحرف المعرّف، فلذلك جاز عطف كلّ واحد منهما على صاحبه، وذلك إذا جاز وقوعه فى موضعه، كقولك: زيد يتحدّث وضاحك، وزيد ضاحك ويتحدّث؛ لأن كلّ واحد منهما يقع خبرا للمبتدإ، ولما دخل على المبتدأ من العوامل، كباب كان وباب إنّ، وكذلك مررت برجل ضاحك ويتحدّث، وبرجل يتحدّث وضاحك، لأن «يفعل» ممّا يوصف به النّكرات، فمن عطف الاسم على الفعل قول الراجز:
بات يغشّيها بعضب باتر ... يقصد فى أسوقها وجائر (٣)
стр. 1087
ومن عطف الفعل على الاسم قوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ فَوْقَهُمْ صافّاتٍ وَيَقْبِضْنَ﴾ (١).
فإن قلت: سيتحدّث زيد وضاحك، لم يجز، لأن ضاحكا لا يقع موقع يتحدّث فى هذه المسألة؛ من حيث لا يلى الاسم السّين لأنها من خصائص الفعل، وكذلك مررت بجالس ويتحدّث، لا يجوز، لأنّ حرف الجرّ لا يليه الفعل، فإن عطفت اسم الفاعل على «فعل» (٢)، لم يجز، لأنه لا مضارعة بينهما، فإن قرّبت «فعل» إلى الحال (٣) بقد، جاز عطف اسم الفاعل عليه، كقول الراجز (٤).
أمّ صبيّ قد حبا ودارج
فإن كان اسم الفاعل بمعنى «فعل»، جاز عطف الماضى عليه، كقوله تعالى: ﴿إِنَّ الْمُصَّدِّقِينَ وَالْمُصَّدِّقاتِ وَأَقْرَضُوا اللهَ﴾ (٥) لأن التقدير: إنّ الذين تصدّقوا/واللاّتى تصدّقن.
...
стр. 1088
الكلام على آية
قوله تعالى: ﴿يَدْعُوا مِنْ دُونِ اللهِ ما لا يَضُرُّهُ وَما لا يَنْفَعُهُ﴾ (١)
أى يدعو الوثن الذى لا يضرّ ولا ينفع، ولا يبصر ولا يسمع، وقوله: ﴿يَدْعُوا لَمَنْ ضَرُّهُ أَقْرَبُ مِنْ نَفْعِهِ﴾ ومعناه: الضّرر بعبادته أقرب من النفع بها.
فإن قيل: كيف قال: ﴿أَقْرَبُ مِنْ نَفْعِهِ﴾ ولا نفع من قبله ألبتّة؟
قيل: لمّا كان فى قوله: ﴿لَمَنْ ضَرُّهُ أَقْرَبُ مِنْ نَفْعِهِ﴾ تبعيد لنفعه، والعرب تقول لما لا يصحّ فى اعتقادهم تكوّنه: هذا بعيد، جاز الإخبار ببعد نفع الوثن، والشاهد بذلك قوله تعالى حاكيا عنهم: ﴿أَإِذا مِتْنا وَكُنّا تُراباً ذلِكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ﴾ (٢).
واختلف المفسّرون فى هذه اللام، فذهب قوم من البصريّين والكوفيّين إلى أنّ معناها التأخير، فالتقدير: يدعو من لضرّه أقرب من نفعه، وجاز تقديمها وإيلاؤها المفعول؛ لأنها لام التوكيد واليمين، فحقّها أن تقع أوّل الكلام، فقدّمت لتعطى حقّها، وإن كان الأصل أن يليها المبتدأ، كما أن لام «إنّ» حقّها أن تدخل على اسم إنّ، فلما لم يجز أن تلى إنّ، لأنها بمعناها فى التوكيد، وفى تلقّى اليمين بها، جعلت فى الخبر، كقولك: إنّ زيدا لقائم (٣)، لمّا لم يجز: إنّ لزيدا قائم، فإذا أمكن أن تدخل على الاسم كان ذلك أجود، كقوله: ﴿إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً﴾ (٤) فتقديمها على المفعول
стр. 1089
فى الآية إيذان بأنّ حقّها الوقوع فى أوّل الكلام، وسوّغ ذلك أنها لمجرّد التوكيد، فاللفظ بها يفيد التوكيد، تقدّمت أو تأخرت، وليست بعاملة كعلى، في قول الراجز:
إنّ الكريم وأبيك يعتمل ... إن لم يجد يوما على من يتّكل (١)
أراد: من يتّكل عليه، وهذا تقديم قبيح، سوّغته الضّرورة (٢)، وقد اعترض على هذا القول بأن اللام فى صلة «من» فتقديمها على الموصول غير جائز.
/والجواب عن هذا الاعتراض: أنها حرف لا يفيد إلاّ التوكيد، وليست بعاملة كمن المؤكّدة، فى نحو: ما جاءني من أحد، فدخولها وخروجها سواء، فلذلك جاز تقديمها.
ويمكن أن لا تكون «من» هاهنا موصولة، بل تكون نكرة، فى معنى شيء، مثلها فى قول سويد بن أبى كاهل:
ربّ من أنضجت غيظا صدره ... قد تمنّى لى موتا لم يطع (٣)
أراد ربّ إنسان، وكذلك هى فى قول كعب بن مالك الأنصاريّ (٤):
стр. 1090
فكفى بنا فضلا على من غيرنا ... حبّ النّبىّ محمد إيّانا
المعنى: على حيّ غيرنا، أو قوم غيرنا، ولذلك قدّرها الكسائىّ باسم نكرة، فقال: اللام فى غير موضعها، و «من» فى موضع نصب بيدعو، والتقدير: يدعو من لضرّه أقرب من نفعه، أى يدعو إلها لضرّه أقرب من نفعه.
وقال أبو العباس محمد بن يزيد: ﴿يَدْعُوا﴾ فى موضع الحال، والمعنى:
ذلك هو الضلال البعيد فى حال دعائه إيّاه، وقوله ﴿لَمَنْ﴾ مستأنف مرفوع بالابتداء، وقوله: ﴿ضَرُّهُ أَقْرَبُ مِنْ نَفْعِهِ﴾ صلته، و ﴿لَبِئْسَ الْمَوْلى﴾ (١) خبره.
وهذا الذى قاله يستقيم، لو كان فى موضع يدعو: يدعى، فيكون تقديره (٢):
ذلك هو الضلال البعيد مدعوّا، فيكون حالا من الضلال، فمجيئه بصيغة فعل الفاعل، وليس فيه ضمير عائد على المدعوّ، يبعده من الصواب.
وقال الأخفش (٣): ﴿يَدْعُوا﴾: فى معنى يقول. و ﴿لَمَنْ﴾ فى موضع رفع بالابتداء، و ﴿ضَرُّهُ أَقْرَبُ مِنْ نَفْعِهِ﴾ صلته، وخبره محذوف، أى يقول لمن ضرّه أقرب من نفعه [هو مولاى] (٤) بهذا اللفظ ذكره الزجاج فى معانى القرآن (٥)، فكأنه إنما قدّر الخبر «مولاى» لقوله: ﴿لَبِئْسَ الْمَوْلى﴾.
стр. 1091
وغير الزجّاج قال: التقدير: يقول لمن ضرّه أقرب/من نفعه إلهه (١). قال الزجّاج: ومثل «يدعو» (٢) قول عنترة:
يدعون عنتر والرّماح كأنّها ... أشطان بئر فى لبان الأدهم (٣)
أى يقولون: يا عنتر.
وهذا القول فى تقدير الزجّاج فاسد المعنى، وإنما كان يصحّ لو كانت اللام لام الجرّ، فقيل: يقول لمن ضرّه أقرب من نفعه: هو مولاى، وفى التقدير الآخر يصحّ لو كان تقدير يدعو يزعم، وهذا غير معروف، وذلك أن الزّعم يتعدّى إلى مفعولين، ويجوز تعليقه عنهما باللام المفتوحة، كقولك: زعمت لزيد منطلق.
والمعنى فى تقدير الزجاج بعيد من الصواب؛ لأن المعنى فى تقديره: يقول عابد الوثن: من ضرّه أقرب من نفعه هو مولاى، لا فرق فى المعنى بين إدخال اللام وإسقاطها، وكيف يقرّ عابد الوثن أن ضرّ الوثن أقرب إليه من نفعه، وهو يعبده ويزعم أنه مولاه؟ ولم يكن عبّاد الأوثان يزعمون أن عبادتها تضرّهم، بل كانوا يقولون: إنها تقرّبهم إلى الله، كما قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ اِتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِياءَ ما نَعْبُدُهُمْ إِلاّ لِيُقَرِّبُونا إِلَى اللهِ﴾ (٤) أى يقولون: ما نعبدهم.
واختار الزجّاج وجها رابعا، وزعم أنه أسدّ (٥) من كلّ ما قيل فيها وأبين، وأنه ممّا أغفله المفسّرون، وهو أنه جعل ﴿ذلِكَ﴾ من قوله: ﴿ذلِكَ هُوَ الضَّلالُ الْبَعِيدُ﴾ اسما ناقصا بمعنى الذى، وصلته قوله: ﴿هُوَ الضَّلالُ الْبَعِيدُ﴾ وموضعه
стр. 1092
نصب بيدعو، عمل فيه «يدعو» مؤخّرا، فالتقدير: يدعو الوثن الذى هو الضلال البعيد. وقوله: ﴿لَمَنْ ضَرُّهُ أَقْرَبُ مِنْ نَفْعِهِ﴾ مستأنف مبتدأ، وخبره ﴿لَبِئْسَ الْمَوْلى﴾.
واستدلّ على أن أسماء الإشارة قد استعملت بمعنى الأسماء النّواقص، المفتقرة إلى الصّلات بقوله: ﴿وَما تِلْكَ بِيَمِينِكَ يا مُوسى﴾ (١) قال: المعنى: وما الّتى بيمينك؟ وبقول يزيد بن مفرّغ (٢):
عدس ما لعبّاد عليك إمارة ... نجوت وهذا تحملين طليق
قال: أراد: والذى تحملين.
وقد قيل فى الآية غير ما قاله الزجّاج، وهو أن ﴿تِلْكَ﴾ على بابها من الإشارة، ﴿بِيَمِينِكَ﴾ فى موضع الحال، وكذلك «هذا» فى بيت ابن مفرّغ، اسم إشارة، وموضع «تحملين» نصب على الحال.
وإجازة استعمال أسماء الإشارة على الإطلاق بمعنى الأسماء النّواقص المستعملة بالألف واللام، مذهب للكوفيين، ووافقهم سيبويه (٣) فى اسم واحد من أسماء الإشارة، وهو «ذا» «إذا انضمّ إلى «ما» فى نحو قولك: ماذا فعلت؟ وماذا تفعل؟ وله فى ذلك مذهبان، أحدهما: أن يركّب «ذا» مع «ما» فيجعلهما اسما واحدا بمعنى قولك: أىّ شيء؟ ويحكم على موضعه بالنصب، على أنه مفعول، نصبه ما بعده، وجوابه منصوب مثله بإضمار فعل، مثل الذى ظهر، وتمثيل ذلك أن يقال: ماذا أكلت؟ فتقول: خبزا، فتضمر: أكلت.
стр. 1093
والمذهب الآخر: أنه يجعل «ما» اسما مفردا مبتدأ، و «ذا» بمعنى الذى، وما بعده من الفعل والفاعل صلته، وموضعه رفع بأنه خبر «ما» ويرفع الجواب برفع «ما» فإذا قيل: ماذا أكلت؟ قدّره: أىّ شيء الذى أكلت؟ فيقال: خبز، أى الذى أكلت خبز، وهو خبر، وأنشد فى ذلك قول لبيد (١):
ألا تسألان المرء ماذا يحاول ... أنحب فيقضى أم ضلال وباطل
التقدير عنده: ما الذى يحاول؟ أهو نحب أم ضلال وباطل، وقد قرئت الآية على وجهين: ﴿وَيَسْئَلُونَكَ ماذا يُنْفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ﴾ (٢) برفع ﴿الْعَفْوَ﴾ ونصبه، فالنصب عنده بتقدير: أيّ شيء ينفقون؟ قل: ينفقون العفو، والرفع بتقدير: أيّ شيء الذى ينفقون؟ قل: هو العفو، أو الذى ينفقون العفو.
وكذلك النصب فى قوله: ﴿وَقِيلَ لِلَّذِينَ اِتَّقَوْا ماذا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ قالُوا خَيْراً﴾ (٣) تقديره: أيّ شيء أنزل ربّكم؟ قالوا: أنزل خيرا.
وتقدير الرفع فى قوله: ﴿وَإِذا قِيلَ لَهُمْ ماذا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ قالُوا أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ﴾ (٤): أىّ شيء الذى أنزل ربّكم؟ قالوا: هو أساطير الأوّلين، فهذا لا يقدّر /فيه إلاّ «هو» ولا يقدّر فيه: «الذى أنزل» لأنه إخبار عن الكافرين، والكافر جاحد لإنزال القرآن.
وقد خولف سيبويه فى اختصاصه النّصب بتقدير، والرفع بتقدير آخر، فقيل: إنه يجوز مع نصب الجواب تقدير «ذا» بمعنى الذى، ومع رفعه تقدير
стр. 1094
«ذا» مع «ما» اسما واحدا، والنصب فيه بإضمار فعل مثل الذى ظهر، والرفع بتقدير: هو.
وإذا عرفت هذا، فالاختيار عندى فى قوله تعالى: ﴿يَدْعُوا لَمَنْ ضَرُّهُ أَقْرَبُ مِنْ نَفْعِهِ﴾ هو القول الأول. والله الموفّق للصّواب.
عدس، فى قول يزيد بن مفرّغ:
عدس ما لعبّاد عليك إمارة
زجر للبغال.
...
стр. 1095
المجلس الثانى والستون
قال الرضىّ أبو الحسن محمد بن الطاهر أبى أحمد بن الحسين بن موسى الموسوىّ، رضى الله عنهما، وقد نظر إلى الحيرة وآثارها، يذكر أربابها، وذلك فى سنة اثنتين وسبعين (١) وثلاثمائة:
ما زلت أطّرف المنازل بالنّوى ... حتى نزلت منازل النّعمان
أطّرف: أستجدّ واستحدث، من قولهم: مال طريف، أى مستحدث، أراد أستجدّ بضربى فى الأرض منزلا بعد منزل.
بالحيرة البيضاء حيث تقابلت ... شمّ العماد عريضة الأعطان
أراد: حيث تقابلت منازل رفيعة العماد، وسيعة الأعطان.
والأعطان: مبارك الإبل حول الماء، واحدها عطن.
شهدت بفضل الرافعين قبابها ... ويبين بالبنيان فضل البانى
ما ينفع الباقين (٢) ... أن بقيت لهم
خطط معمّرة بعمر فان
الخطط: ما يختطّ من الأرض فيبنى فيه، الواحدة خطّة.
/باق بها حظّ العيون وإنّما ... لا حظّ فيها اليوم للآذان (٣)
стр. 1096
وعرفت بين بيوت آل محرّق ... مأوى القرى ومواقد النّيران
محرّق: عمرو بن هند، الملك، وهند أمّه، وهى بنت الحارث بن عمرو بن حجر آكل المرار الكندىّ، وسبب تلقيب حجر بآكل المرار: أنّ ذياد (١) بن الهبولة أغار فسبى امرأة حجر، وحجر غائب، فقال لها وقد بعد عن الحيّ: ما ظنّك بحجر؟ فقالت: ظنّى أنه إذا بلغه ما فعلت يوافيك كاشرا كأنه بعير آكل مرار، فلم يلبث أن لحقه حجر فاتحا فاه، فقتله فأخذها ورجع.
المرار: نبت إذا كان رطبا فهو على نبتة العصفر، إذا أكلته الإبل أسمنها، وإذا يبس صار له شوك، فإذا أكلته قلّصت عنه مشافرها.
وأبو عمرو بن هند: المنذر بن ماء السماء، وماء السّماء أمّه، وهى من النّمر بن قاسط، وأبوها عوف بن جشم، وسمّيت ماء السماء، لحسنها.
وأبو المنذر: امرؤ القيس بن عمرو بن عديّ بن نصر بن ربيعة بن الحارث بن غنم بن نمارة بن لخم.
وسمّى عمرو بن هند محرّقا، لأنه حرّق من بنى دارم ثمانية وتسعين رجلا، وكمّلهم مائة برجل من البراجم، وفد عليه، وبامرأة نهشليّة، فلذلك قيل: «إنّ الشّقىّ وافد البراجم» (٢) وسبب ذلك: أنّ رجلا منهم قتل ابنا له صغيرا خطأ فآلى أن يقتل به منهم مائة.
стр. 1097
ومناط ما اعتلقوا من البيض الظّبى ... ومجرّما سحبوا من المرّان
المناط: المعلّق، مفعل، من قولهم: نطت الشىء بالشىء: إذا علّقته به.
وظبى السّيوف: مضاربها، واحدتها ظبة، وقد تقدّم الكلام فيها مع نظائرها (١).
والمرّان: الرّماح، واحدتها مرّانة، ويحتمل أن يكون مثاله فعلان، ويحتمل أن يكون المراد به فعّال، وحجّة القول الأول كثرة زيادة الألف والنون، فيكون كغفران، فى الأحداث، وكعريان فى الأوصاف، وكعثمان/فى الأعلام.
وحجّة القول الثانى أن يحمل على كثرة مجىء النبات على فعّال، كعنّاب وكرّاث وحماض وخبّاز، وعلى ذلك وقع الخلاف فى رمّان، بين الخليل والأخفش، فذهب الأخفش إلى أنه فعّال (٢).
الهاجمين على الملوك قبابهم ... والضّاربين معاقد التّيجان
وكأنّ يوم الإذن يبرز منهم ... أسد الشّرى، وأساود الغيطان
الشّرى: موضع تكثر فيه الأسود، قال:
*أسود شرى لاقت أسود خفيّة* (٣)
стр. 1098
والغيطان: جمع الغائط، وهو المطمئنّ من الأرض
شبّههم بالأسود، فى قوّتها وجرأتها، وبالحيّات فى نكرها وخبثها، مع ما قدّمه من وصفهم بقرى الضّيفان وإيقاد النّيران.
وجمع أسد على أسد من الشاذّ النادر (١)، وإنما قياسه أفعال، فى القلّة، وفعول، فى الكثرة.
ولقد رأيت بدير هند منزلا ... ألما من الضّرّاء والحدثان
أراد هند بنت النّعمان بن المنذر، وديرها (٢) باق إلى اليوم بظاهر الكوفة.
مغض كمستمع الهوان تغيّبت ... أنصاره وخلا من الأعوان
الإغضاء: إدناء الجفن من الجفن، استعاره للمنزل.
بالى المعالم أطرقت شرفاته ... إطراق منجذب القرينة عان
المعالم: آثار الدار، واحدها معلم.
وقرينة الرجل: امرأته، وقرينته أيضا: نفسه. والعانى: الأسير.
أو كالوفود رأوا سماط خليفة ... فرموا على الأعناق بالأذقان
السّماط: الصّفّ من الناس، قال (٣):
ملك أغرّ إذا احتبى بنجاده ... غمر الجماجم والسّماط قيام
-
стр. 1099
ويجوز أن يكون أراد بالسّماط الأسرّة التى تصفّ ويوضع عليها الطّعام.
وذكرت مسحبها الرّياط بجوّه ... من قبل بيع زمانها بزمان
الرّياط: جمع الرّيطة، وهى إزار ليس بلفقين، وجوّه: داخله.
وبما تردّ على المغيرة دهيه (١) ... نزع النّوار بطيئة الإذعان
قوله: «بما تردّ» أى بردّها، وعنى بالمغيرة المغيرة بن شعبة الثّقفىّ، وكان أحد دهاة العرب، وولى إمارة الكوفة فى أيام معاوية، فأرسل إلى هند بنت النّعمان يخطبها (٢)، وكانت قد عميت، فأبت وقالت: والصّليب ما فيّ رغبة لجمال ولا لكثرة مال، وأيّ رغبة لشيخ أعور فى عجوز عمياء! ولكن أردت أن تفخر بنكاحى، فتقول: تزوجت بنت النّعمان بن المنذر! فقال: صدقت والله، وأنشأ يقول:
أدركت ما منّيت نفسى خاليا ... لله درّك يا ابنة النّعمان
فلقد رددت على المغيرة دهيه (٣) ... إنّ الملوك ذكيّة الأذهان
إنّى لحلفك بالصّليب مصدّق ... والصّلب أصدق حلفة الرّهبان
وكانت بعد ذلك تدخل عليه فيكرمها ويبرّها، وسألها يوما عن حالها، فأنشدت:
стр. 1100
بينا نسوس الناس والأمر أمرنا ... إذا نحن فيهم سوقة نتنصّف (١)
فأفّ لدنيا لا يدوم نعيمها ... تقلّب تارات بنا وتصرّف
قولها: نتنصّف: أى نستخدم، والمنصف: الخادم.
وروى أن المغيرة هذا أدمى ثمانين بكرا، ومات بالكوفة وهو أميرها بالطاعون سنة خمسين.
والنّوار من النساء: التى تنفر من الرّيبة، امرأة نوار، وقد نارت تنور نورا:
نفرت من القبيح لعفّتها.
والإذعان: الانقياد، وقوله: «نزع النّوار» يقال: نزعت الشىء من مكانه نزعا، ونزعت عن الأمر نزوعا، إذا رجعت عنه، ونزعت إلى فلان نزاعا، إذا حننت إليه، وقد غلّط أبو نواس فى وضع النّزع موضع/النّزوع فى قوله (٢):
стр. 1101
وإذا نزعت عن الغواية فليكن ... لله ذاك النّزع لا للنّاس
وأما قول الرضىّ «نزع النّوار» فجيّد، لأنها كأنّها (١) جذبت نفسها من القبيح.
أمقاصر الغزلان غيّرك البلى ... حتى غدوت مرابض الغزلان
كلّ ناحية من الدار الكبيرة أحيط عليها فهى مقصورة، وجمعوها على مقاصر.
وملاعب الأنس الجميع طوى الرّدى ... منهم فصرت ملاعب الجنّان
الأنس: الحىّ الحلول، قال طفيل الغنوىّ (٢).
*إذا أنس عزّوا عليّ تصدّعوا*
والجنّان: الجنّ.
من كلّ دار تستظلّ رواقها ... أدماء غانية عن الجيران
شبّهها بالظّبية الأدماء، والأدم من الظّباء: البيض.
ورواق البيت: ما بين يديه.
والغانية إذا لم تقيّد بصفة ففيها ثلاثة أقوال، قيل: هى التى غنيت بالحسن عن التزيّن، وقيل: غنيت ببعلها عن غيره، وقيل: غنيت عن جيرانها بغناها، وقد قيّدها هاهنا بالغنى عن الجيران.
ولقد تكون محلّة وقرارة ... لأغرّ من ولد الملوك هجان
стр. 1102
الهجان: الخالص الذى أبواه عربيّان. وضع «تكون» فى موضع «كان» (١) كما قال زياد الأعجم:
فإذا مررت بقبره فاعقر به ... كوم الهجان وكلّ طرف سابح
وانضح جوانب قبره بدمائها ... فلقد بكون أخادم وذبائح
ونقيض هذا قول الطّرمّاح:
وإنّى لآتيكم تشكّر ما مضى ... من الأمس واستيجاب ما كان فى الغد (٢)
وقد ورد فى التنزيل هذا الفنّ فى مواضع، منها قوله تعالى: ﴿فَلِمَ تَقْتُلُونَ /أَنْبِياءَ اللهِ مِنْ قَبْلُ﴾ (٣) وقوله: ﴿ما يَعْبُدُونَ إِلاّ كَما يَعْبُدُ آباؤُهُمْ مِنْ قَبْلُ﴾ (٤) فهذا وضع المستقبل فى موضع الماضى، ومن وضع الماضى فى موضع المستقبل قوله جلّ وعز: ﴿وَإِذْ قالَ اللهُ يا عِيسَى اِبْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنّاسِ اِتَّخِذُونِي وَأُمِّي إِلهَيْنِ مِنْ دُونِ اللهِ﴾ (٥) لأنّ هذا إنما يكون فى يوم القيامة، ومثله: ﴿وَنادى أَصْحابُ النّارِ أَصْحابَ الْجَنَّةِ أَنْ أَفِيضُوا عَلَيْنا مِنَ الْماءِ﴾ (٦).
قال أبو الفتح عثمان بن جنّى: قال لى أبو علىّ: سألت أبا بكر-يعنى ابن السّرّاج-عن الأفعال يقع بعضها فى موقع بعض، فقال: كان ينبغى للأفعال أن تكون كلّها مثالا واحدا؛ لأنها لمعنى واحد، ولكن خولف بين صيغها لاختلاف أزمنتها، فإذا اقترن بالفعل ما يدلّ عليه من لفظ أو حال، جاز وقوع بعضها موقع بعض.
قال أبو الفتح: وهذا كلام من أبى بكر عال سديد. وقد ذكرت هذا فيما
стр. 1103
مضى من الأمالى (١)، وإنما أعدته هاهنا لأن الموضع اقتضاه.
يطأ الفرات فناءها بعبابه ... ولها السّلافة منه والرّوقان
فناء الدار: ما يمتدّ من قدّامها.
وعباب الماء وغيره: معظمه.
والسّلاف والسّلافة: أوّل ما يعصر من الخمر، وهو أصفاه.
والرّوق أيضا: المتقدّم، وأصله الرّوق الذى هو القرن، فلذلك ثنّاه.
ووقفت أسأل بعضها عن بعضها ... وتجيبنى عبرا بغير لسان
هذا من قول أمير المؤمنين علىّ ﵇ (٢): «سل الأرض من شقّ أنهارك، وغرس أشجارك، وجنى ثمارك، فإن لم تجبك حوارا أجابتك اعتبارا».
قدحت زفيرى فاعتصرت مدامعى ... لو لم يؤل جزعى إلى السّلوان
الزّفير: أن يتزيّد النّفس حتى تنتفخ الضّلوع.
/ترقى الدّموع ويرعوى جزع الفتى ... وينام بعد تفرّق الأقران
ارعوى عن القبيح: رجع عنه، وهو حسن الرّعوى، وارعوى: من
стр. 1104
مضاعف الواو، فأصله: ارعوو (١)، كما أن أصل. احمرّ: احمرر، فكرهوا أن يدغموا فيقولوا: ارعوّ يرعوّ، كما قالوا: احمرّ يحمرّ، فقلبوا الواو الثانية ألفا لتحرّكها وانفتاح ما قبلها.
وكأنّما نسى (٢) ... التّجار لطيمة
جرت الرّياح بها على القيعان
اللّطيمة: إبل تحمل العطر وأنواع البياعات، سوى الميرة، وكذلك كلّ سوق يباع ذلك فيها تسمّى لطيمة.
والقاع من الأرض: الأملس، وألفه من الواو؛ لقولهم فى تصغيره: قويع، وجمعوه، وهو فعل على فعلان، ومثله: نار ونيران، وتاج وتيجان.
ماء كجيب الدّرع تصقله الصّبا ... ونقا يدرّجه النّسيم الوانى
خصّ الجيب من الدّرع لكثرة وقوع نظر لابسها عليه، فهو يتعهده بإزالة الصّدأ عنه.
والنّقا: الكثيب من الرّمل، وأصل ألفه الواو، لقولهم: نقوان، وقد روى بعضهم: نقيان.
حلل الملوك رمى جذيمة بينها ... والمنذرين تغاير الأزمان
حلل الملوك: محالّهم ومساكنهم، وأراد جذيمة بن مالك بن فهم بن غنم بن دوس الأزدىّ، وهو الأبرش، وكان من أبعد ملوك العرب مغارا، وأشدّهم نكاية، وهو أول من ضمّ إليه العرب، وغزا بالجيوش، وكان أبرص، فسمّته العرب الأبرش (٣)،
стр. 1105
والوضّاح: كناية عن البرص، إعظاما له، وهو أول من ملك من العرب الأنبار والحيرة، وكانت منازله فيما بين الجزيرة والأنبار وبقّة وهيت، وعين التّمر، وأطراف البرّ إلى الغمير، والقطقطانة، وخفيّة والحيرة.
والمنذران: أحدهما المنذر بن امرئ القيس، وقد مضى ذكر نسبه، فهذا المنذر/الأكبر، والمنذر الآخر: ابنه، وهو أبو النّعمان بن المنذر.
طردا كدأب الدّهر فى عاد الألى ... وأولى الحفائظ من بنى الدّيّان
الحفائظ: جمع حفيظة، وهو الغضب.
وبنو الدّيّان: سادات بنى الحارث بن كعب، وكان بنو الحارث إحدى جمرات العرب (١).
ومن أنشد «فى عاد الألى» حذف التنوين لالتقاء الساكنين، ومن فتح الدال حذف التنوين لامتناع الصّرف، باجتماع التأنيث والتعريف، فى قول من لم يصرف هند، وأراد بالألى: الأولى، فحذف عين الفعلى ضرورة، كما حذفها الأسود بن يعفر، فى قوله:
فأتبعت أخراهم طريق ألاهم ... كما قيل نجم قد خوى متتايع (٢)
стр. 1106
أراد: أولاهم، فلذلك عادل بها أخراهم، كما جاء فى التنزيل: ﴿قالَتْ أُخْراهُمْ لِأُولاهُمْ﴾ (١) وكما قال أميّة بن أبى الصّلت:
وقد علمنا لو انّ العلم ينفعنا ... أن سوف يتبع أخرانا بأولانا
فأمّا قول الرضىّ فى مدح الطائع:
قد كان جدّك عصمة العرب الألى ... فالآن أنت لهم من الإعدام
فيحتمل أن يكون على حذف الواو من «الأولى» كما تقدّم ذكره، ويحتمل أن يكون أراد بالألى: الذين، والتقدير: الألى عاصروه، فحذف الصّلة، كما قال عبيد بن الأبرص:
نحن الألى فاجمع جمو ... عك ثمّ وجّههم إلينا
أراد الألى عرفتهم، فحذف الصّلة، وهو من الحذوف البعيدة، ولا يسوغ هذا الوجه فى قوله:
*طردا كدأب الدّهر فى عاد الألى*
ولا يكون إلاّ على الأولى، لأن الله تعالى قد وصف عادا بهذه الصّفة فى قوله: ﴿وَأَنَّهُ أَهْلَكَ عاداً الْأُولى﴾ (٢) وزعم الأصمعىّ أن زهيرا غلط فى قوله:
فتنتج لكم غلمان أشأم كلّهم ... كأحمر عاد ثم ترضع فتفطم (٣)
стр. 1107
قال: أراد: كأحمر ثمود، فقال: كأحمر عاد، وإنما هو قدار، عاقر الناقة، ووافق ثعلب (١) الأصمعىّ فى تغليط زهير، وقال: هذا كقول الآخر (٢):
وشعبتا ميس براها إسكاف
فأبدل النجّار بإسكاف (٣).
وقال أبو العباس محمد بن يزيد: ليس هذا من زهير بغلط؛ لأن العرب تسمّى ثمود بعاد الآخرة، ولذلك وصف الله تعالى قوم هود بعاد الأولى، فى قوله:
﴿وَأَنَّهُ أَهْلَكَ عاداً الْأُولى﴾.
نعق الزّمان بجمعهم عن لعلع ... وأقضّ مبركهم على نجران (٤)
نعق الزّمان بهم: صاح بهم، كما ينعق الراعى بالغنم.
وأقضّ مبركهم: من القضّة، وهى صغار الحصى، وإذا كان في مبارك الإبل الحصى شقّ عليها بروكها عليه، وكلّ هذا استعارات.
وكآل جفنة أزعجتهم نبوة ... نقلت قبابهم عن الجولان
стр. 1108
آل جفنة: من غسّان، وكانوا ملوك الشام، أولهم الحارث بن أبى شمر، وهو الحارث الأكبر، وآخرهم جبلة بن الأيهم، وأسلم فى أيام عمر ﵇ (١)، ثم تنصّر، وله قصة معروفة (٢)، وابن الحارث الأكبر: الحارث الأعرج، وابن الحارث الأعرج: الحارث الأصغر، وابن الحارث الأصغر: عمرو، الذى مدحه النابغة بقوله (٣):
علىّ لعمرو نعمة بعد نعمة ... لوالده ليست بذات عقارب
وهو الذى مدحه علقمة بن عبدة، وقد أسر أخاه شأسا، حين غزا المنذر ابن المنذر بن امرئ القيس آل جفنة، وكانوا قتلوا أباه، فقتلوه أيضا، ومنّ عمرو ابن الحارث على أكثر الأسارى فأطلقهم، واستعطفه علقمة بقوله (٤):
/وفى كلّ حىّ قد خبطت بنعمة ... وحقّ لشأس من نداك ذنوب
فقال: وأذنبة.
وكان آل جفنة ينزلون من الشام حارث الجولان، ولهم يقول حسّان (٥):
أولاد جفنة حول قبر أبيهم ... قبر ابن مارية الكريم المفضل
стр. 1109
ومارية هذه: هى التى يضرب بقرطيها المثل، فيقال: «ولو بقرطى مارية» (١).
وعلى المدائن جلجلت برعادها ... بركا (٢) بكلكلها على الإيوان
جلجلت: صوّتت، وسحاب مجلجل: مصوّت، وقالوا فى جمع الرّعد:
رعود، ورعاد، كبحر وبحور وبحار، شبّه الداهية بسحابة مجلجلة، وجعل لها كلكلا، والكلكل: الصّدر.
وإلى ابن ذى يزن غدت مرحولة ... نقضت حويّتها على غمدان
أراد سيف بن ذى يزن، وقصّته مشهورة، حيث استنجد على الحبشة بكسرى أنو شروان، وقيل بهرمز بن قباذ، فأنجده بجيش من الفرس، فقتل ملك الحبشة، واجتاحهم إلاّ قليلا منهم، ثم اتّخذهم خولا، فعدوا عليه بحرابهم فقتلوه، وقد ذكرت قصّته فيما تقدّم من الأمالى (٣).
والضمير فى «غدت» للنّبوة التى تقدّم ذكرها، والمراد بها الداهية، وجعلها كالناقة المرحولة (٤)، واستعار لها حويّة، وهى كساء يجعل حول سنام البعير، فإذا حطّ المسافر رحله نقض الحويّة.
стр. 1110
وغمدان: قصر كان بصنعاء، منزلا للملوك، هدمه عثمان بن عفان فى أيامه.
قصفت قنا جذل الطّعان وثوّرت ... بعد الأمان بعامر الضّحيان
جذل الطّعان: كان رئيسا من رؤساء كنانة، وهو من بنى فراس بن غنم، وسمّى جذل الطّعان (١)، لأنه كان يثبت فى الحرب، كأنه جذل، والجذل: ما يبقى من أصل الشجرة، إذا قطعت، وكان قليل بنى فراس أعدّ من كثير غيرهم، ذكر أبو عبيدة/أن الرجل منهم كان يعدّ بعشرة، وكانت نجدتهم مشهورة فى العرب، كانوا يسمّون الحمى الممنوع؛ لأن حماهم كان لا يقرب، وقال عليّ ﵇ لأهل الكوفة، وجنده يومئذ مائة ألف أو يزيدون: «يا معشر أهل العراق، من فاز بكم فقد فاز بالسّهم الأخيب، أبدلكم الله بى من هو شرّ لكم منّى، وأبدلنى بكم من هو خير لى منكم، فو الله لوددت أنّ لى بجمعكم ثلاثمائة رجل من بنى فراس ابن غنم، فما أبالى من لقيت بهم (٢)».
وقوله: «وثوّرت بعد الأمان» أراد: أظهرت الشرّ، يقال: ثوّر فلان بفلان، وعلى فلان، إذا أظهر له شرّا.
وقوله: «بعامر الضّحيان» أراد بعامر، فحذف التنوين لالتقاء الساكنين، كما حذفه الأول فى قوله:
إذا غطيف السّلمىّ فرّا (٣)
وكقول الآخر:
حميد الذى أمج داره ... أخو الخمر ذو الشّيبة الأصلع
стр. 1111
وعامر الضّحيان: هو عامر بن سعد بن الخزرج بن تيم الله بن النّمر بن قاسط، وكان سيّد النّمر، قال أبو عبيدة: كان بيت الضّحيان أشرف بيت، وفيه يقول الفرزدق (١):
إن الفوارس من ربيعة كلّها ... يرضون أن بلغوا مدى الضّحيان
كان الحكومة والرّئاسة فيهم ... دون القبائل من بنى عدنان
قال ابن قتيبة (٢): سمّى الضّحيان؛ لأنه كان يجلس لقومه فى الضّحى، يحكم بينهم. وروى أن النّمر اجتمعت فى بعض السنين إلى الضّحيان لمجاعة نزلت بهم، فأضافهم وأكرمهم، ثم قال: كيلوا لهم كيلا، فقيل له: إن الكيل يبطئ بهم لكثرتهم، فقال: هيلوا عليهم هيلا، وكان يطعم ربيعة بن نزار كلّها ما هبّت الشّمال.
زفر الزّمان عليهم فتفرّقوا ... وجلوا عن الأوطار والأوطان
يقال: جلا القوم عن منازلهم: إذا بعدوا عنها، وواحد الأوطار: وطر، وهو الحاجة.
...
стр. 1112
المجلس الثالث والستون
/ قال أبو نصر عبد العزيز بن عمر بن محمد بن أحمد بن نباتة (١)، يفخر:
رضينا وما ترضى السّيوف القواضب ... نجاذبها عن هامكم وتجاذب
القواضب: القواطع؛ لأن القضب القطع.
فإيّاكم أن تكشفوا عن رءوسكم ... ألا إنّ مغناطيسهنّ الذّوائب
كان وجه الكلام أن يقول: ألا إنّ الذّوائب مغناطيسهنّ، أى هى للسّيوف كالمغناطيس، وهو الحجر الذى يعلق به الحديد، وقدّم المغناطيس، وجعل الذوائب الخبر، اضطرارا.
تقول ملوك الأرض قولك ذا لمن ... فقلت وهل غير الملوك الضّرائب (٢)
стр. 1113
الضّرائب: جمع الضّريبة، وهى المضروب.
الآن بكت بغداد حين تشبّثت ... بنا البيد وانضمّت علينا الرّواجب
ألقى حركة همزة «الآن» على اللام (١)، ثم حذفها، وهذا من أحسن التخفيف المستعمل فى القرآن.
وقوله: «تشبّثت بنا البيد وانضمّت علينا الرّواجب» مثل واستعارة، أى حين توسّطنا المفاوز فلم نقدر على الرجوع كنّا كمن تشبّث به متشبّث، فضمّ عليه رواجبه، والرّواجب: قصب الأصابع.
وقيل: هى ظهور السّلاميّات وبطونها، والسّلاميّات: عظام الأصابع.
نصون ثرى الأقدام عن وتراتها ... فتسرقه ريح الصّبا وتسالب
الوترات: جمع وترة، وهى الحاجز بين المنخرين.
وهبنا منعناه الصّبا بركوبنا ... أنمنع منه ما تطاه الرّكائب
أبدل من همزة «تطأه» الألف، كما قال الفرزدق:
*فارعى فزارة لا هناك المرتع (٢) ... *
وهو تخفيف على غير قياس، وإنما قياسه أن تجعل الهمزة بين بين.
ويروى: «ما تدوس الرّكائب» أى نصون تراب أقدامنا عن مناخر أهل بغداد؛ لأن قوله: «بكت بغداد» بكى أهلها، بالغ بذلك فى تعظيم نفسه.
стр. 1114
فما فعلت بيض بها مشرفيّة ... تملّس منها أكلف اللّون شاحب
المشرفيّة من السّيوف: منسوبة إلى مشارف الشام، وهى أعاليها.
وقوله: «تملّس منها» من قولهم: امّلس الشىء من يدى، إذا سقط وأنت لا تشعر به، ويقال: شحب لونه يشحب، إذا تغيّر من سفر أو مرض أو سوء حال، فهذا هو الأكثر، وقد قيل: شحب يشحب.
غلام إذا أعطى المنيّة نفسه ... فقد فنيت آمالها والمطالب
/أراد: فنيت آمال المنيّة، فهذا أمدح من أن يريد: فنيت آمال نفسه.
أقول لسعد والرّكاب مناخة ... أأنت لأسباب المنيّة هائب
وهل خلق الله السّرور فقال لا ... فقلت أثرها أنت لى اليوم صاحب
وخلّ فضول الطّيلسان فإنّه (١) ... لباسك هذا للعلى لا يناسب
يقال: طيلسان وطيلسان، بفتح اللام وبكسرها، والفتح أفصح.
عمائم طلاّب المعالى صوارم ... وأثواب طلاّب المعالى ثعالب
عنى بالثّعالب جمع ثعلب الرّمح، وهو طرفه الذى يدخل فى جبّة السّنان، فأراد أنهم يعرّضون رءوسهم للسّيوف حتى تصير لهم كالعمائم، ويعرّضون أبدانهم لأطراف الرّماح حتى تصير لهم كالملابس.
ولى عند أعناق الملوك مآرب ... تقول سيوفى هنّ لى والكواثب
المآرب: الحوائج، واحدتها: مأربة ومأربة، بفتح الراء وضمّها.
والكواثب من الخيل واحدتها: كاثبة، وهى مقدّم المنسج أمام القربوس،
стр. 1115
والكواثب معطوفة على قوله «هنّ» و «هنّ» عائد على الأعناق، أى تقول سيوفى:
أعناق الملوك لى وكواثب خيلهم.
فإن أنا لم أحربهم بنصالها ... فما ولدتنى من تميم الأجارب
قوله: «أحربهم» أى أسلبهم أموالهم، وحريبة الرجل: ماله الذى يعيش به.
والنّصل من السيف: حديدته، بغير قائم ولا جفن، وجمعه نصال ونصول.
الأجارب: كعب بن سعد بن زيد مناة بن تميم (١).
لقد طالما ما طلتها وجفوتها ... وطالبت بالأشعار مالا تطالب
أى طلبت بالمدائح مالا تطلبه السيوف؛ لأن المطلوب بالمدائح الجوائز، التى هى فى جنب ما يرومه خسيسة، والمطلوب بالسيوف الملك والنّفوس النّفيسة.
/أآمل مأمولا بغير صدورها ... فوا خجلتى (٢) إنّى إلى المجد تائب
رحمت بنى البرشاء حين صحبتهم ... من الجهل إنّ الجهل بئس المصاحب
البرشاء: أمّ ذهل وشيبان وقيس، بنى ثعلبة بن عكابة بن صعب بن علىّ ابن بكر بن وائل بن قاسط بن هنب بن أفصى بن دعمىّ بن جديلة بن أسد بن ربيعة بن نزار بن معدّ بن عدنان، وضرّتها الجذماء، أمّ تيم الله بن ثعلبة.
وقوله: «من الجهل» أراد: للجهل، فوضع «من» موضع لام العلّة، كما جاء فى التنزيل: ﴿وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ مِنْ إِمْلاقٍ﴾ (٣).
стр. 1116
وعلّمتهم خلقى فلم يتعلّموا ... وقلت قبول المكرمات معايب
أى قلت: قبول المكرمات معايب عند هؤلاء.
فصونوا يدى عن شلّها بعطائكم ... فما أنا فى أخذ الرّغائب راغب
الباء من قوله: «بعطائكم» متعلّقة بالشّلّ، ولو علّقتها بالصّون فسد المعنى الذى أراده وانعكس.
والرّغائب: جمع رغيبة، وهى العطاء الكثير.
والشّلل: فساد اليد.
خلقت أرى أخذ المواهب سبّة ... فمن نعم الأيّام عندى مصائب
أراد أن الذى استفدته من المال بغير السيف، ووصل إلىّ إجازات على المدح، معدود عندى من المصائب، وإن كان فى الظاهر نعما.
ولا تجبهوا بالرّدّ سائل حاجة ... ولو أنّها أحسابكم والمناقب
الحسب: ما يعدّ من مآثر الرجل، أى ما يؤثر عنه من الأفعال الحسنة، وواحد المناقب: منقبة، بفتح القاف، وهى المكرمة.
وقد كدت أعطى الحاسدين مناهم ... مخافة أن يلقى المطالب خائب (١)
فكونوا على الأسياف مثلى إذا انثنت ... سواعدها مفلولة والمضارب
أى سواعد أصحابها، فحذف المضاف.
والفلّ فى السّيف: الثّلم.
/فلو كان بأسى فى الثّعالب أصبحت ... جماجمها للمرهفات تضارب
خصّ بذلك الثعالب؛ لأنها توصف بالجبن والرّوغان.
стр. 1117
وجاز إدخال اللام (١) فى قوله: «للمرهفات» لتقديم المفعول على الفعل، كما جاء فى التنزيل: ﴿إِنْ كُنْتُمْ لِلرُّءْيا تَعْبُرُونَ﴾ (٢) و ﴿هُمْ لِرَبِّهِمْ يَرْهَبُونَ﴾ (٣) ولا يجوز فى غير الشّعر: تضارب للمرهفات، إنما يكون ذلك فى اسم الفاعل، كقولك: فلان مضارب لفلان، كما تقول: فلان (٤) ظالم لفلان، كما قال تعالى: ﴿فَمِنْهُمْ ظالِمٌ لِنَفْسِهِ﴾ (٥) ولا يجوز: يظلم لنفسه.
ولا تجهلوا نعمى تميم عليكم ... غداة أتتنا تغلب والكتائب
كانت بكر بن وائل حالفت تميما على تغلب، فكانت بينهم وقعة عظيمة، وهى وقعة يوم العظالى (٦)، وكان النصر لبكر وتميم.
على كلّ طيّار العنان كأنّه ... لراكبه من طول هاديه راكب
هادى الفرس: عنقه.
تطالبنا أكفالها وصدورها ... بما نهبت منها الرّماح النّواهب
/تودّ من الأحقاد أنّ شعورها ... سهام فترمينا بها وتحارب
الضّمائر في البيت عائدة على الخيل، والمراد بذلك فرسانها.
وولّوا عليها يقدمون رماحنا ... وتقدمها أعناقهم والمناكب
стр. 1118
الضمير فى قوله «تقدمها» للخيل لا للرّماح.
خلقنا بأطراف القنا لظهورهم ... عيونا لها وقع السّيوف حواجب
عيب (١) عليه قوله: «لظهورهم» وقيل: لو قال: لصدورهم، كان أمدح؛ لأن الطّعن والضرب فى الصّدور أدلّ على الإقدام والشجاعة للطاعن والضارب، والمطعون والمضروب، وذلك أن الرجل إذا وصف قرنه بالإقدام مع ظهوره عليه كان أمدح له من وصفه له بالانهزام، كما قال الأول:
فلسنا على الأعقاب تدمى كلومنا ... ولكن على أقدامنا يقطر الدّما (٢)
والذى عابه بهذا المرتضى أبو القاسم عليّ بن الحسين الموسوىّ، ﵀.
وأنتم وقوف تنظرون إلى الطّلى ... تحلّ وغربان الرءوس نواعب
الطّلى: الأعناق، واحدتها: طلية، وقوله: «وغربان الرءوس نواعب» شبّه أقحاف (٣) الرءوس لما عليها من الشّعر، وقد أطارتها السيوف، بالغربان، وشبّه صوت وقع السيوف فيها عند قطعها بالنّعيب.
ومن رأينا فيكم دروع حصينة ... ولو شاء بزّ السّابريّة سالب
قوله:
ومن رأينا فيكم دروع حصينة
أى كانت آراؤنا لكم فى ذلك اليوم وقاية عليكم، كالدّروع التى تقى لابسيها الجراح.
стр. 1119
والسابريّة من الدّروع: الرّقيقة النّسج.
وقوله:
ولو شاء بزّ السابريّة سالب
أى لو شئنا حرمناكم تلك الآراء التى كانت واقية عليكم.
ومعنى «بزّ» سلب، ومن كلامهم: «من عزّبزّ (١)» أى من غلب سلب.
أبوا أن يطيعوا السّمهريّة عزّة ... فصبّت عليهم كاللّجين القواضب
السّمهريّة: الرّماح الصّلاب، من قولهم: اسمهرّ الشّوك، إذا يبس، واسمهرّ الظلام، إذا اشتدّ، يقول: لم يردعهم الطّعن عن الإقدام؛ لعزّتهم، فأعليناهم السّيوف التى كأنها الفضّة من صفائها.
وموضع قوله: «كاللّجين» نصب على الحال، أى فصبّت القواضب عليهم مشبهة فى بياضها ونقائها للّجين.
وعادت إلينا عسجدا من دمائهم ... ألا هكذا فليكسب المجد كاسب
نصب «عسجدا» على الحال، بتقدير حذف أداة التشبيه، أى مثل عسجد، أى رجعت إلينا سيوفنا مشبهة للذهب؛ لانصباغها بالدماء.
أخذ محمد بن العباس (٢) الأبيوردىّ تشبيه السّيوف باللّجين قبل الضّرب بها وتشبيهها بالعسجد بعد الضّرب بها، فقال:
ولله درّ السّيف يجلو بياضه ... غياهب يوم قاتم الجوّ أربدا
стр. 1120
بمعترك يلقى به الموت بركه ... يسلّ لجينا ثم يغمد عسجدا
قاتم: من القتام، وهو الغبار الأسود.
والرّبدة: لون مختلط سواده بكدرة، ويقال للغضبان: قد اربدّ وجهه.
وقوله: «يلقى به الموت بركه» البرك: الصّدر، استعاره للموت، شبّهه بالبعير الذى إذا برك ألصق صدره بالأرض.
ونصب «لجينا وعسجدا» على ما ذكرته من الانتصاب على الحال، بتقدير حذف أداة التشبيه.
وقول أبى نصر:
هكذا فليكسب المجد كاسب
موضع «هكذا» نصب على الوصف لمصدر محذوف، أى فليكسب المجد كاسب كسبا هكذا.
بيوم العظالى والسّيوف صواعق ... تخرّ عليهم والقسىّ حواصب
الباء فى قوله.
بيوم العظالى والسّيوف صواعق
قائمة مقام «فى» كقولك: زيد/بالبصرة، وكما جاء فى التنزيل: ﴿السَّماءُ مُنْفَطِرٌ بِهِ﴾ (١) أى فيه، لأن الهاء تعود على اليوم، فى قوله: ﴿فَكَيْفَ تَتَّقُونَ إِنْ كَفَرْتُمْ يَوْماً يَجْعَلُ الْوِلْدانَ شِيباً﴾ (٢).
وأحسن (٣) ما قيل فى تذكير ﴿مُنْفَطِرٌ﴾ حمل ﴿السَّماءُ﴾ على المعنى، إذ قد
стр. 1121
سمّاها الله سقفا فى قوله: ﴿وَجَعَلْنَا السَّماءَ سَقْفاً مَحْفُوظاً﴾ (١).
وقوله: «والسّيوف صواعق» أى (٢) مثل صواعق.
وقوله: «والقسيّ حواصب» أى مثل حواصب، ومعنى حواصب: أيد ترمى بالحصباء، والحصباء: الحصى، والقسىّ: من الأسماء المقلوبة، وكان القياس أن يجمع القوس على: القياس، حملا على نظائرها، كقولهم فى جمع ثوب وحوض وسوط: ثياب وحياض وسياط، ولكنهم جمعوها على فعول، كقولهم فى جمع خيط: خيوط، فاستثقلوا أن يقولوا: قووس (٣)، فقلبوه بتقديم لامه على عينه، فصار إلى قسوو، بوزن فلوع، فاستثقلوا اجتماع ضمّتين وواوين، فأبدلوا من ضمّة السّين كسرة، فانقلبت الواو الأولى ياء، فصار إلى قسيو، فاجتمعت الياء والواو، والأولى منهما سابقة بالسكون، فقلبت الواو ياء وأدغمت فيها الياء، كما فعلوا ذلك فى ميّت، إذ أصله ميوت، فصار بعد الإدغام إلى قسيّ، فكسروا القاف إتباعا لكسرة السين، كما قالوا فى شعير: شعير، وفى نعم الرجل: نعم (٤)، وفى شهد، شهد، إلا أن الكسر فى قاف قسيّ لازم، فوزن قسيّ: فليع.
لقوا نبلها مرد العوارض وانثنوا ... لأوجههم منها لحى وشوارب
المرد: جمع الأمرد، وهو الذى لم يبد في وجهه الشّعر، من قولهم: شجرة مرداء، وهى التى انتثر ورقها.
والعارضان: عارضا اللّحية، قال بعض أهل اللغة: لا يكادون يقولون للأمرد: امسح عارضيك. أراد أنّ المكان الذى ينبت عليه الشّعر من الوجه إنما يقال له عارض، إذا نبت عليه الشّعر.
стр. 1122
وقالوا فى جمع اللّحية: لحى، بالكسر على القياس، ولحى بالضم على الشذوذ، كما شذّ في/جمع قرية: قرى (١).
والشارب: الشّعر النابت على الشّفة العليا، وإنما سمّوه شاربا لأنه أوّل ما يرد الماء إذا شرب الشارب.
والهاء فى «منها» تعود على «النّبل» لأن النّبل يؤنّث كما يذكّر، من حيث كان جمعا بينه وبين واحده تاء التأنيث (٢)، كالنّخل، فيجوز: النّبل كسرته، ويجوز: كسرتها، كما جاء: ﴿أَعْجازُ نَخْلٍ مُنْقَعِرٍ﴾ (٣) و ﴿أَعْجازُ نَخْلٍ خاوِيَةٍ﴾ (٤).
وقوله: «لأوجههم منها لحى» فى موضع الحال، وحذف واو الحال اكتفاء بالضمير، كما جاء:
نصف النّهار الماء غامره ... ورفيقه بالغيب ما يدرى (٥)
стр. 1123
الأصل: والماء غامره، فحذف الواو اجتزاء بالهاء.
لأيّة حال يختلسن نفوسهم ... وهنّ عليها بالحنين نوادب
المضمر فى «يختلسن» يعود على القسيّ، لتشبيهه إيّاها بالنّوادب، وتشبيهه لرنينها بالحنين، وقد نظر فى هذا إلى قول ابن الرّوميّ:
كالقوس تصمى الرّمايا وهى مرنان (١)
أى تقتل ما ترميه، وهى مع ذلك مصوّتة تصويت حزين.
...
стр. 1124
فصل
قول الله تعالى: ﴿أُولئِكَ أَصْحابُ الْجَنَّةِ خالِدِينَ فِيها جَزاءً بِما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ (١) يحتمل عامل النصب فى ﴿خالِدِينَ﴾ على الحال وجهين، أحدهما: أن يكون ناصبه ما فى ﴿أُولئِكَ﴾ من معنى أشير، فتكون الحال على هذا حالا مقدّرة (٢)، مثلها فى قوله: ﴿فَادْخُلُوها خالِدِينَ﴾ (٣) أى مقدّرين الخلود.
والوجه الآخر: أن تنصب ﴿خالِدِينَ﴾ بأصحاب، فلا تكون حالا مقدّرة، كأنه قيل: أولئك مالكو الجنّة خالدين فيها.
/وأمّا قوله: ﴿جَزاءً﴾ فيحتمل أن يكون مصدرا وقع موضع مجزيّين، فيكون حالا من الضمير فى ﴿خالِدِينَ﴾ لأن المصادر قد تقع أحوالا فى مواضع أسماء الفاعلين والمفعولين، فاسم الفاعل كقولك: جاء زيد مشيا، تريد ماشيا، واسم المفعول كقولهم: «قتلوه صبرا» أى مصبورا.
ويحتمل ﴿جَزاءً﴾ أن يكون مصدرا مؤكّدا، أى يجزون الخلود فى الجنة جزاء بأعمالهم.
قوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُوا عَلَى النّارِ أَلَيْسَ هذا بِالْحَقِّ﴾ (٤) العامل فى الظّرف الذى هو ﴿يَوْمَ﴾ قول (٥) مضمر عامل فى موضع الجملة، فالتقدير: ويوم يعرض الذين كفروا على النار نقول: أليس هذا بالحقّ.
стр. 1125
ومثله فى إضمار العامل في الظّرف، وإن لم يكن قولا، إضماره فى قوله : ﴿حَتّى إِذا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ قالَ آمَنْتُ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلاَّ الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُوا إِسْرائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ (١) ثم قال: ﴿آلْآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ﴾ قيل: التقدير: الآن آمنت، ومثله ﴿أَثُمَّ إِذا ما وَقَعَ آمَنْتُمْ بِهِ آلْآنَ وَقَدْ كُنْتُمْ بِهِ تَسْتَعْجِلُونَ﴾ (٢) وقد قدّمت ذكر (٣) إضمار القول فى التنزيل، فى أكثر مواضعه.
ومن أغرب ما جاء من ذلك قوله فى سورة الواقعة، وقد ذكرته فيما سلف (٤)، وهو قوله: ﴿لَوْ نَشاءُ لَجَعَلْناهُ حُطاماً فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ﴾ أى تندمون ﴿إِنّا لَمُغْرَمُونَ﴾ أى تقولون إذا رأيتم زرعكم حطاما لا حنطة فيه: إنا لمغرمون، فهذا من الغرم، أى لمثقلون دينا ﴿بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ﴾.
وقد قيل إن معنى ﴿لَمُغْرَمُونَ﴾ لمعذّبون عذابا لازما، من قوله: ﴿إِنَّ عَذابَها كانَ غَراماً﴾ (٥) والوجه ما ذكرته هاهنا، وإن كان ما قدّمته قول أهل العلم بالتفسير.
... قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ مَكَّنّاهُمْ فِيما إِنْ مَكَّنّاكُمْ فِيهِ﴾ (٦) اختلف فى «إن» هذه، فزعم قطرب أنها بمعنى «قد» وزعم الأخفش أنها زائدة (٧)، وقوله أمثل من قول قطرب.