← Адаб

Адаб · id 120922

أمالي ابن الشجري ت الطناحي

ابن الشجري

Полный текст (1 931 стр.). Показаны 1121–1160 · переход к 1126.

стр. 1121

سمّاها الله سقفا فى قوله: ﴿وَجَعَلْنَا السَّماءَ سَقْفاً مَحْفُوظاً﴾ (١). وقوله: «والسّيوف صواعق» أى (٢) مثل صواعق. وقوله: «والقسيّ حواصب» أى مثل حواصب، ومعنى حواصب: أيد ترمى بالحصباء، والحصباء: الحصى، والقسىّ: من الأسماء المقلوبة، وكان القياس أن يجمع القوس على: القياس، حملا على نظائرها، كقولهم فى جمع ثوب وحوض وسوط: ثياب وحياض وسياط، ولكنهم جمعوها على فعول، كقولهم فى جمع خيط: خيوط، فاستثقلوا أن يقولوا: قووس (٣)، فقلبوه بتقديم لامه على عينه، فصار إلى قسوو، بوزن فلوع، فاستثقلوا اجتماع ضمّتين وواوين، فأبدلوا من ضمّة السّين كسرة، فانقلبت الواو الأولى ياء، فصار إلى قسيو، فاجتمعت الياء والواو، والأولى منهما سابقة بالسكون، فقلبت الواو ياء وأدغمت فيها الياء، كما فعلوا ذلك فى ميّت، إذ أصله ميوت، فصار بعد الإدغام إلى قسيّ، فكسروا القاف إتباعا لكسرة السين، كما قالوا فى شعير: شعير، وفى نعم الرجل: نعم (٤)، وفى شهد، شهد، إلا أن الكسر فى قاف قسيّ لازم، فوزن قسيّ: فليع. لقوا نبلها مرد العوارض وانثنوا ... لأوجههم منها لحى وشوارب المرد: جمع الأمرد، وهو الذى لم يبد في وجهه الشّعر، من قولهم: شجرة مرداء، وهى التى انتثر ورقها. والعارضان: عارضا اللّحية، قال بعض أهل اللغة: لا يكادون يقولون للأمرد: امسح عارضيك. أراد أنّ المكان الذى ينبت عليه الشّعر من الوجه إنما يقال له عارض، إذا نبت عليه الشّعر.

стр. 1122

وقالوا فى جمع اللّحية: لحى، بالكسر على القياس، ولحى بالضم على الشذوذ، كما شذّ في/جمع قرية: قرى (١). والشارب: الشّعر النابت على الشّفة العليا، وإنما سمّوه شاربا لأنه أوّل ما يرد الماء إذا شرب الشارب. والهاء فى «منها» تعود على «النّبل» لأن النّبل يؤنّث كما يذكّر، من حيث كان جمعا بينه وبين واحده تاء التأنيث (٢)، كالنّخل، فيجوز: النّبل كسرته، ويجوز: كسرتها، كما جاء: ﴿أَعْجازُ نَخْلٍ مُنْقَعِرٍ﴾ (٣) و ﴿أَعْجازُ نَخْلٍ خاوِيَةٍ﴾ (٤). وقوله: «لأوجههم منها لحى» فى موضع الحال، وحذف واو الحال اكتفاء بالضمير، كما جاء: نصف النّهار الماء غامره ... ورفيقه بالغيب ما يدرى (٥)

стр. 1123

الأصل: والماء غامره، فحذف الواو اجتزاء بالهاء. لأيّة حال يختلسن نفوسهم ... وهنّ عليها بالحنين نوادب المضمر فى «يختلسن» يعود على القسيّ، لتشبيهه إيّاها بالنّوادب، وتشبيهه لرنينها بالحنين، وقد نظر فى هذا إلى قول ابن الرّوميّ: كالقوس تصمى الرّمايا وهى مرنان (١) أى تقتل ما ترميه، وهى مع ذلك مصوّتة تصويت حزين. ...

стр. 1124

فصل قول الله تعالى: ﴿أُولئِكَ أَصْحابُ الْجَنَّةِ خالِدِينَ فِيها جَزاءً بِما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ (١) يحتمل عامل النصب فى ﴿خالِدِينَ﴾ على الحال وجهين، أحدهما: أن يكون ناصبه ما فى ﴿أُولئِكَ﴾ من معنى أشير، فتكون الحال على هذا حالا مقدّرة (٢)، مثلها فى قوله: ﴿فَادْخُلُوها خالِدِينَ﴾ (٣) أى مقدّرين الخلود. والوجه الآخر: أن تنصب ﴿خالِدِينَ﴾ بأصحاب، فلا تكون حالا مقدّرة، كأنه قيل: أولئك مالكو الجنّة خالدين فيها. /وأمّا قوله: ﴿جَزاءً﴾ فيحتمل أن يكون مصدرا وقع موضع مجزيّين، فيكون حالا من الضمير فى ﴿خالِدِينَ﴾ لأن المصادر قد تقع أحوالا فى مواضع أسماء الفاعلين والمفعولين، فاسم الفاعل كقولك: جاء زيد مشيا، تريد ماشيا، واسم المفعول كقولهم: «قتلوه صبرا» أى مصبورا. ويحتمل ﴿جَزاءً﴾ أن يكون مصدرا مؤكّدا، أى يجزون الخلود فى الجنة جزاء بأعمالهم. قوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُوا عَلَى النّارِ أَلَيْسَ هذا بِالْحَقِّ﴾ (٤) العامل فى الظّرف الذى هو ﴿يَوْمَ﴾ قول (٥) مضمر عامل فى موضع الجملة، فالتقدير: ويوم يعرض الذين كفروا على النار نقول: أليس هذا بالحقّ.

стр. 1125

ومثله فى إضمار العامل في الظّرف، وإن لم يكن قولا، إضماره فى قوله : ﴿حَتّى إِذا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ قالَ آمَنْتُ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلاَّ الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُوا إِسْرائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ (١) ثم قال: ﴿آلْآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ﴾ قيل: التقدير: الآن آمنت، ومثله ﴿أَثُمَّ إِذا ما وَقَعَ آمَنْتُمْ بِهِ آلْآنَ وَقَدْ كُنْتُمْ بِهِ تَسْتَعْجِلُونَ﴾ (٢) وقد قدّمت ذكر (٣) إضمار القول فى التنزيل، فى أكثر مواضعه. ومن أغرب ما جاء من ذلك قوله فى سورة الواقعة، وقد ذكرته فيما سلف (٤)، وهو قوله: ﴿لَوْ نَشاءُ لَجَعَلْناهُ حُطاماً فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ﴾ أى تندمون ﴿إِنّا لَمُغْرَمُونَ﴾ أى تقولون إذا رأيتم زرعكم حطاما لا حنطة فيه: إنا لمغرمون، فهذا من الغرم، أى لمثقلون دينا ﴿بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ﴾. وقد قيل إن معنى ﴿لَمُغْرَمُونَ﴾ لمعذّبون عذابا لازما، من قوله: ﴿إِنَّ عَذابَها كانَ غَراماً﴾ (٥) والوجه ما ذكرته هاهنا، وإن كان ما قدّمته قول أهل العلم بالتفسير. ... قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ مَكَّنّاهُمْ فِيما إِنْ مَكَّنّاكُمْ فِيهِ﴾ (٦) اختلف فى «إن» هذه، فزعم قطرب أنها بمعنى «قد» وزعم الأخفش أنها زائدة (٧)، وقوله أمثل من قول قطرب.

стр. 1126

/وقال غيرهما (١): إنها نافية، مثلها فى قوله تعالى: ﴿إِنْ عِنْدَكُمْ مِنْ سُلْطانٍ بِهذا﴾ (٢) وهذا القول أسدّ ما قيل فيها؛ لأن «ما» بمعنى الذى، والمعنى: ولقد مكنّاهم فى الذى ما مكنّاكم فيه، فهذا مطابق لقوله : ﴿أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ مَكَّنّاهُمْ فِي الْأَرْضِ ما لَمْ نُمَكِّنْ لَكُمْ﴾ (٣). ... قوله تعالى: ﴿وَقُلْ لِعِبادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ (٤) وقوله: ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصارِهِمْ﴾ (٥) وقوله: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ آمَنُوا يَغْفِرُوا لِلَّذِينَ لا يَرْجُونَ أَيّامَ اللهِ﴾ (٦). اختلف فى جزم ﴿يَقُولُوا﴾ و ﴿يَغُضُّوا﴾ و ﴿يَغْفِرُوا﴾ فذهب الأخفش (٧) إلى أنهنّ أجوبة ﴿قُلْ﴾ وذهب غيره (٨) إلى أنهنّ أجوبة أمر آخر مضمر، تقديره: قل لعبادى: قولوا التى هى أحسن يقولوا، وقل للمؤمنين: غضّوا من أبصاركم يغضّوا، وقل للذين آمنوا: اغفروا للذين لا يرجون أيام الله يغفروا، وهذا أوجه القولين، ومن ذلك قوله تعالى: ﴿قُلْ لِعِبادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا يُقِيمُوا الصَّلاةَ﴾ (٩). والذى يوضّح إضمار أمر آخر، أن «قل» لا بدّ له من جملة تحكى به، فالجملة المحكيّة به هى التى ذكرناها، لأن (١٠) أمر الله لنبيّه بالقول ليس فيه بيان لهم بأن

стр. 1127

يقيموا الصلاة حتى يقول لهم النبيّ: أقيموا الصلاة، فلا يجوز أن تكون هذه المجزومات أجوبة لقل. ...

стр. 1128

المجلس الرابع والستون قيل: إنّ أجود شعر قيل فى لقاء الأسد، من الشّعر القديم، هذه القصيدة وقائلها بشر بن عوانة الأسدىّ (١)، أنشدنيها القاضى أبو يوسف محمد بن عبد السلام القزوينىّ، وقال: أنشدنيها خالى أبو الفضل بديع الزّمان الهمذانىّ: أفاطم لو شهدت ببطن خبت (٢) ... وقد لاقى الهزبر أخاك بشرا

стр. 1129

فى نصب «أخاك» وجهان، أحدهما أن تنصبه بشهدت، إذا أردت به معنى شاهدت، كما قال: يا ابن أمّي ولو شهدتك إذ تد ... عو تميما وأنت غير مجاب (١) وتنصب «الهزبر» على هذا القول بلاقى، وتضمر الفاعل فى «لاقى»، وتعيده إلى الأخ، فيكون الأخ فى هذا القول بنيّة التقديم على الجملة التى هى قوله: «وقد لاقى الهزبر» وهي فى موضع حال منه، فالتقدير: لو شاهدت فى بطن خبت أخاك وقد لاقى الهزبر، وجاز وقوع الماضى حالا؛ لأن معه «قد» (٢) فهى تقرّبه من الحاضر. والوجه الآخر: أن تنصبه بلاقى، وترفع «الهزبر» بإسناد «لاقى» إليه، ويكون «شهدت» فى هذا القول بمعنى حضرت، كما جاء فى التنزيل: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ (٣) أى من حضر بالمصر فى الشّهر، فالتقدير: لو حضرت ببطن خبت، وقد لاقى الهزبر أخاك. ويجوز أن تنصب «بشرا» على البدل، وإن شئت على عطف البيان. إذن لرأيت ليثا رام ليثا ... هزبرا أغلبا لاقى هزبرا أخذ البحترىّ هذا البيت لفظا ومعنى فى قوله (٤):

стр. 1130

هزبر مشى يبغى هزبرا وأغلب ... من القوم يغشى باسل الوجه أغلبا الأغلب: الغليظ العنق. تبهنس إذ تراجع عنه مهرى ... محاذرة فقلت عقرت مهرا يقال: تبهنس فى مشيه، وبهنس: إذا تبختر، ونصب «مهرا» على التمييز. أنل قدمى ظهر الأرض إنّى ... وجدت الأرض أثبت منك ظهرا وقلت له وقد أبدى نصالا ... محدّدة ووجها مكفهرّا شبّه أنياب الأسد بالنّصال المحدّدة، وهى جمع نصل السّهم. يدلّ بمخلب وبحدّ ناب ... وباللّحظات تحسبهنّ جمرا (١) يدلّ: من قولهم: أدلّ فلان على أقرانه في الحرب (٢)، كالبازى يدلّ على صيده. وفى يمناى ماضى الغرب أبقى ... بمضربه قراع الموت أثرا (٣) غرب السّيف: حدّه. والقراع: الضّراب بالسّيوف. ألم يبلغك ما صنعت ظباه ... بكاظمة غداة لقيت عمرا (٤)

стр. 1131

ظبة السّيف: حدّه، جمعها فى موضع التثنية. وأنت تروم للأشبال قوتا ... ومطّلبي لبنت العمّ مهرا نصب «مهرا» بمطّلبى؛ لأنه مصدر مضاف إلى فاعله بمعنى اطّلابى ومطلبي، وموضعه من الإعراب محتمل للرفع والنصب، فالرفع بالابتداء، وخبره محذوف، دلّ عليه قوله «تروم» أى أنت تروم قوتا لأشبالك، ومطّلبى لبنت عمّى مهرا مرامي، والنصب فيه بتقدير فعل من لفظ «تروم» كما كان خبر المبتدأ كذلك، كأنه قال: ومطّلبى لبنت العمّ مهرا أروم (١). نصحتك فالتمس يا ليث غيرى ... طعاما إنّ لحمى كان مرّا (٢) «كان» فى هذا البيت مثلها فى قول الله تعالى: ﴿وَكانَ اللهُ عَزِيزاً حَكِيماً﴾ (٣) ونظائره. وفى هذا النحو قولان، أحدهما: أن «كان» بمعنى لم يزل، كأنّ القوم شاهدوا عزّا وحكمة ومغفرة ورحمة، فقيل لهم: لم يزل الله كذلك، وهذا قول سيبويه (٤).

стр. 1132

والقول الآخر: أن «كان» تدلّ على وقوع الفعل فيما مضى من الزمان، فإذا كان فعلا يتطاول، لم تدلّ دلالة قاطعة على أنه زال وانقطع، كقولك: كان زيد صديقى، لا دلالة فى هذا القول قطعا على أن صداقته لك قد زالت، بل يجوز أن تكون باقية بحالها، ويجوز أن تريد: كان صديقى وهو الآن عدوّى، فمن المعنى الأول قوله تعالى: ﴿إِنَّ الْكافِرِينَ كانُوا لَكُمْ عَدُوًّا مُبِيناً﴾ (١) ألا ترى أن هذا نزل وعداوة الكافرين للمؤمنين باقية، وكذلك قول هذا الشاعر: «إنّ لحمى كان مرّا» ليس يريد أن مرارة لحمه زالت. واعلم أن الزمان الذى تدلّ عليه «كان» يكون محدودا، ويكون غير محدود، فالمحدود كقولك: كان زيد جالسا هاهنا، وغير المحدود كقوله تعالى: ﴿وَكانَ اللهُ عَزِيزاً حَكِيماً﴾؛ لأن كلّ صفة لله مستحقّة فى حال، فهى مستحقّة فى كلّ حال. فلمّا ظنّ أن الغشّ قولى ... وراوغنى كأنّى قلت هجرا الهجر: الهذيان، يقال: هجر يهجر، والهجر أيضا: الإفحاش فى المنطق، يقال: أهجر فى منطقه. وراوغنى: من قولهم: راغ عن الشىء يروغ روغا وروغانا، إذا حاد عنه. مشى ومشيت من أسدين راما ... مراما كان إذ طلباه وعرا الوعر: أصله فى المكان، يقال: مكان وعر، وقد وعر وعورة، وهو خلاف السّهل. «من» فى هذا البيت قائمة مقام لام التعجّب، أى اعجبوا من أسدين،

стр. 1133

فهى بمنزلة اللام فى قول الله تعالى: ﴿لِإِيلافِ قُرَيْشٍ﴾ (١) في أحد (٢) القولين، ومثلها اللام فى قول المتنبّى (٣): لسريّ لباسه خشن القط ... ن ومروىّ مرو لبس القرود أراد: اعجبوا لسريّ. وقد أقاموا «من» مقام لام العلّة، كقوله تعالى: ﴿مِنْ أَجْلِ ذلِكَ/كَتَبْنا عَلى بَنِي إِسْرائِيلَ﴾ (٤) وكقوله: ﴿وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ مِنْ إِمْلاقٍ﴾ (٥) وكذلك الباء جاءت بمعنى اللام فى قوله: ﴿فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هادُوا حَرَّمْنا عَلَيْهِمْ طَيِّباتٍ﴾ (٦). هززت له الحسام فخلت أنّى ... هززت به لدى الظّلماء فجرا وجدت له بجائشة رآها ... لما صدقته أمضى منه أمرا (٧) أراد بضربة جائشة، فحذف الموصوف، كما جاء فى التنزيل: ﴿أَنِ اِعْمَلْ سابِغاتٍ﴾ (٨) حذف دروعا، كما حذف الملّة أو الأمّة، فى قوله: ﴿وَذلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ﴾ (٩).

стр. 1134

وجائشة: من قولهم: جاشت القدر تجيش، إذا غلت. فخرّ مجدّلا فظننت أنّى ... هدمت به بناء مشمخرّا (١) هدمت به: أى بخروره. والمشمخرّ: المفرط فى العلوّ. والمجدّل: مأخوذ من الجدالة، وهى الأرض، قال: وأترك العاجز بالجداله (٢) فالمجدّل: الملصق بالأرض. وقلت له يعزّ علىّ أنّى ... قتلت مناسبي جلدا وقهرا (٣) أراد مناسبي فى الجلد والقهر، فانتصاب «جلدا» على هذا بتقدير حذف الخافض، ويجوز أن يكون مميّزا.

стр. 1135

فلا تبعد فقد لاقيت حرّا ... يحاذر أن يعاب فمتّ حرّا (١) ... ذكرت الرّواة (٢) أنه كان باليمامة رجل من بنى حنيفة (٣)، يقال له: جحدر مالك، وكان شجاعا فاتكا شاعرا، قد أبرّ (٤) على أهل حجر، وبرّح بهم، فبلغ ذلك الحجاج بن يوسف، فكتب إلى عامله على اليمامة بالتجرّد فى أمره، حتى يظفر به أو يعذر، فندب له فتية من بنى يربوع وبنى حنظلة، فراسلوه بأنهم يريدون التّحرّم (٥) به، فلما اطمأنّ إليهم وثبوا عليه، فشدّوه وثاقا، فقدموا به على عامل/ اليمامة، فبعث به إلى الحجّاج، فقال له: ما الذى حملك على ركوب ما ركبته من الفتك والتعرّض للقتل؟ فقال: جفوة السّلطان، وكلب الزمان، مع جرأة الجنان، فلو بلانى الأمير وجدنى من صالحى الأعوان. فقال له: إنى قاذف بك مكبّلا فى حائر (٦) فيه أسد، فإن قتلك كفانا مئونتك، وإن قتلته خلّيت سبيلك، وأحسنت جائزتك.

стр. 1136

فقال: قد أعطيت-أصلحك الله-المنية، وأعظمت المنّة، وقرّبت المحنة. فألقى مقيّدا على أسد قد أجيع ثلاثة أيام، فتقدّم إليه وهو يرتجز: ليث وليث فى مقام ضنك ... كلاهما ذو أنف ومحك (١) إن يكشف الله قناع الشّكّ ... فهو أحقّ منزل بترك فلمّا كان من الأسد على قيد رمح، أو أنفس (٢)، تمطّى الأسد وزأر زأرة وحمل، فحمل عليه جحدر بالسّيف، فضربه ففلق هامته، فخرّ كأنه أطم مقوّض، ولم يلبث جحدر لشدّة حملة الأسد عليه مع كونه مكبّلا أن وقع علي ظهره متضمّخا بالدّم، وعلت أصوات الجماعة بالتكبير. وقال له الحجاج، لمّا رأى منه ما هاله: إن أحببت أن نلحقك ببلدك، بعد أن نحسن جائزتك فعلنا، وإن أحببت أن تقيم معنا أسنينا (٣) فريضتك. فقال: بل أختار صحبة الأمير، ففرض له ولجماعة من أهل بيته. المكبّل: المقيّد، والكبل: القيد. والمحك: اللّجاج. والأطم: الحصن، وقال ابن فارس فى «المقوّض»: قوّضت البناء، إذا نقضته من غير هدم (٤).

стр. 1137

وقال ابن دريد: قوّضت البيت، إذا نزعت أوتاده وأعواده وأطنابه، وكلّ مهدوم: مقوّض (١). فقوله: كلّ مهدوم مقوّض، مخالف قول ابن فارس: قوّضت البناء، إذا نقضته من غير هدم، وكأنّ مراد ابن فارس أن يصرع البناء من أسفله. ...

стр. 1138

مسألة سئلت عن ﴿تَرَيِنَّ﴾ فى قول الله سبحانه: ﴿فَإِمّا تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَداً﴾ (١) وذكر/السائل لى أنّ الواعظ المعروف بالشّعرىّ، امتحن الناس بهذه اللفظة على الكرسىّ، فقال: ما المحذوف منها؟ وما وزنها؟ فرأيت أن أقدّم أسّا يبنى الكلام فيها عليه. فأول ذلك أن العرب بنت الفعل مع النون المؤكّدة على الفتح، لأنّ الفعل فى الأصل ثقيل، وزاده اتصاله بهذه النون ثقلا، فاستحق البناء كما استحقّته الأسماء المركّبة، وخصّوه بالفتحة لخفّتها، كما بنوا عليها خمسة عشر (٢)، وبعلبكّ، وهو جارى بيت بيت، ولا رجل فى الدار، فقالوا: لتخرجنّ، وهل ينطلقنّ؟ كما قال: هل ترجعنّ ليال قد مضين لنا ... والعيش منقلب إذ ذاك أفنانا (٣) وكما جاء فى التنزيل: ﴿لَيُسْجَنَنَّ وَلَيَكُوناً مِنَ الصّاغِرِينَ﴾ (٤) وكذلك الفعل المعتلّ كقولك: هل تدعونّ، ولا ترمينّ، فإن كان الفعل لجماعة ذكور، أو واحدة

стр. 1139

مخاطبة، نحو: تخرجون وتجلسين، حذفت للبناء هذه النون التى هى علم الرفع، كما حذفت الضمة للبناء فى قولك: يا زيد هل تخرجنّ، وإذا حذفت نون تخرجون وتجلسين، حذفت الواو والياء لسكونهما وسكون النون المدغمة من نون التوكيد الثقيلة، وجاز حذف الواو والياء لدلالة الضمّة والكسرة قبلهما عليهما، فقلت: هل تخرجنّ؟ وتالله لتجلسنّ، كما جاء فى التنزيل: ﴿لَتَرْكَبُنَّ طَبَقاً عَنْ طَبَقٍ﴾ (١) وقال تأبّط شرّا: لتقرعنّ عليّ السّنّ من ندم ... إذا تذكّرت يوما بعض أخلاقى (٢) فإن اتّصل الفعل المعتلّ اللام بواو الضمير أو يائه، وما قبل الواو مضموم، وما قبل الياء مكسور، حذفت الواو والياء لسكونهما وسكون النون، فقلت: هل تدعنّ يا قوم، وهل ترمنّ يا مرأة، فمثال تدعنّ وترمنّ، من الفعل: تفعنّ وتفعنّ، لأن الأصل فيهما: تدعوون، وترميين، مثل تخرجون وتجلسين، فحذفت/ضمّة الواو وكسرة الياء استثقالا لحركتين ثقيلتين فى حرفين معتلّين، ثم حذفت الواو والياء اللامان لسكونهما وسكون الواو والياء الضميرين، فصارا إلى تدعون وترمين، فلما اتّصلا بنون التوكيد سقطت النون التى هى علم الرفع، لبناء الفعل مع النون المؤكّدة، فكرهوا أن يقولوا: تدعونّ وترمينّ؛ لسكون الواو والياء، فيجمعوا بين ساكنين، الثانى منهما مدغم، فحذفوا الواو لدلالة الضمّة عليها، والياء لدلالة الكسرة عليها، فصار إلى تدعنّ وترمنّ.

стр. 1140

فإن قيل: فهلاّ احتملوا اجتماع الساكنين فيهما؛ لأن الأول حرف مدّ، والثانى مدغم، كما جمعوا بين الساكنين باجتماع هذين الشرطين فى فعل الاثنين، فقالوا: تدعوانّ وترميانّ، وجاء فى التنزيل: ﴿وَلا تَتَّبِعانِّ سَبِيلَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾ (١). فالجواب: أنهم لم يفعلوا ذلك؛ لأنهم لو أسقطوا الألف، كما أسقطوا الواو والياء صار اللفظ إلى تدعونّ وتتّبعنّ، فالتبس المثنّى بالواحد، فاحتملوا الجمع بين ساكنين، الأول منهما ألف والثانى مدغم، وهذا كثير فى كلامهم، فى نحو: العامّة والطامّة (٢)، فى قوله تعالى: ﴿فَإِذا جاءَتِ الطَّامَّةُ﴾ (٣) ونحو الشابّة، و ﴿ما تَرَكَ عَلَيْها مِنْ دَابَّةٍ﴾ (٤) و ﴿اُدْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً﴾ (٥) وإنما احتملوا هذا فى الألف؛ لأنها أمكن فى المدّ (٦) من الواو والياء الساكنتين المتحرّك ما قبلهما بالحركة التى تجانسهما؛ من حيث كان المدّ يلزم الألف دونهما، فهى مباينة فى ذلك لهما، فلذلك خصّت دونهما باستعمالها تأسيسا، وبانفرادها فى القصيدة ردفا. والتأسيس: كلّ ألف وقعت فى القافية وبينها وبين الرّويّ حرف، كألف سالم وعالم ونازل وبازل، والحرف الفاصل بين الألف والرّويّ، يقال له: الدّخيل. وأمّا الرّدف فكلّ حرف لين وقع قبل الرّوىّ بغير فصل، كألف كلام، وياء كليم، وواو كلوم، ولا اعتداد بالجمع بين الواو الساكنة والساكن المدغم فى نحو: تمودّ/الثوب، وكذلك الياء فى أصيم، ومديق (٧)، ونحوهما لقلّة ذلك فى الاستعمال.

стр. 1141

فإن كان ما قبل الواو والياء مفتوحا، كواو ترضون، وياء تخشين، لم يجز حذفهما إذا اتّصلا بنون التوكيد؛ لأنهما لو حذفا لم تدلّ الحركة التى قبلهما عليهما؛ لأنّ الفتحة مجانسة الألف، كما أن الضمّة مجانسة الواو، وكما أنّ الكسرة مجانسة الياء، فكلّ واحدة منهنّ-أعنى الحركات-إنّما تدلّ على الحرف المجانسها، فوجب لذلك تحريك الواو والياء فى هذا النحو، إذا اتّصلا بنون التوكيد واستحال حذفهما، فحرّكوا الواو بالضمّة والياء بالكسرة، خصّوا كلّ واحدة منهما بالحركة المجانسة لها، فقالوا: لترضونّ، وهل تخشينّ؟ والأصل: ترضيون وتخشيين، فاستثقلت الضمة فى ياء ترضيون، والكسرة فى ياء تخشيين، فحذفتا، أعنى الحركتين، ثم حذفت الياءان بعد حذف حركتيهما، لسكونهما وسكون الواو والياء الضميرين بعدهما، فصارا إلى ترضون وتخشين، فلما اتّصلا بنون التوكيد سقطت النون التى زيدت علما للرفع؛ لأن الفعل صار مع نون التوكيد إلى البناء، فصار فى التقدير إلى: ترضونّ وتخشينّ، بسكون الواو والياء، فوجب تحريكهما لسكونهما وسكون النون، فحرّكت الواو بالضمّة، والياء بالكسرة، فقيل: ترضونّ وتخشينّ، فمثال الواو فى التنزيل: ﴿لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوالِكُمْ﴾ (١) و ﴿لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ﴾ (٢) ومثال الياء: ﴿فَإِمّا تَرَيِنَّ﴾ فالمحذوف من ترونّ وترينّ عين الفعل ولامه، فعينه همزة، ولامه ياء، وذلك أن الهمزة التى فى «رأيت» اعتزمت العرب على حذفها من أرى ونرى ويرى وترى، فلم يقولوا: نرأى ولا ترأى، إلاّ فى ضرورة، كما قال: أرى عينىّ ما لم ترأياه ... كلانا عالم بالتّرّهات (٣) فأصل ترونّ وترينّ قبل اتصالهما بنون التوكيد، وقبل اعتزام العرب على

стр. 1142

حذف/عينهما: ترأيون وترأيين، بوزن تفعلون وتفعلين، فحذفت العين التى هى الهمزة بعد إلقاء فتحتها على الراء، فصار إلى تريون وتريين، بوزن تفلون وتفلين، فاستثقلت الضمّة على ياء تريون، والكسرة على ياء تريين، فحذفت الحركتان منهما، فسقطت الياءان لمّا سكنتا وبعدهما واو الضمير وياؤه ساكنتين، فبقى ترون وترين، بوزن تفون وتفين. فأمّا ترون، فإنه لما اتصل بنون التوكيد سقطت النون التى هى علامة رفعه، فصار ترونّ، بواو ساكنة ونون مشدّدة، فلم يجز أن تحذف الواو لالتقاء الساكنين؛ لأن قبلها فتحة، فلو حذفت لم يدلّ عليها دليل، فلما امتنع حذفها وجبت حركتها لالتقاء الساكنين؛ فحرّكت بالضمّة، فقيل: ترونّ، بوزن تفونّ. وأمّا ترين، فإن النون التى هى علامة الرفع سقطت لدخول الجازم الذى هو «إمّا» (١) فبقى: تري، بوزن تفي، فلمّا اتّصلت به نون التوكيد لم يجز حذف الياء لالتقاء الساكنين؛ لأنها لو حذفت مع انفتاح ما قبلها عدم دليل عليها، فحرّكت حينئذ بالكسر، فصار: ترينّ، بوزن تفينّ. فأحسن تأمّل ما ذكرته، فقد بالغت فى إيضاح المسئول عنه، بتوفيق الله. ...

стр. 1143

المجلس الخامس والستون أورد أبو عليّ فى الإيضاح (١) هذا البيت: فقد جعلت نفسى تطيب لضغمة ... لضغمهماها يقرع العظم نابها وهو من قصيدة للقيط بن مرّة الأسدىّ، رثى فيها أخاه أطيطا، وهجا مرّة ابن عدّاء، ومدرك بن حصن الأسديّين، فمنها: وأبقت لى الأيّام بعدك مدركا ... ومرّة والدّنيا قليل عتابها أراد أنّ عتاب الدنيا غير نافع، فمعاتبها غير مستكثر منه. قرينين كالذّئبين يقتسماننى ... وشرّ صحابات الرّجال ذئابها شبّههما بالذّئبين؛ لأنّ الذّئاب أخبث السّباع. جمعوا الصاحب على أصحاب، وليس ذلك بقياس فى فاعل، فكأنهم قدّروا حذف ألفه، فصار إلى صحب تقديرا، فجمعوه على أفعال كنمر وأنمار، ووتد وأوتاد، وجمعوه على صحب، كما قالوا فى جمع تاجر وراكب وشارب: تجر وركب وشرب، وهذا الضّرب إنما هو اسم للجمع، بدلالة تصغيره على لفظه، قالوا: صحيب (٢) وركيب وشريب، فحقّروه تحقير الواحد، قال: وأين ركيب واضعون رحالهم (٣)

стр. 1144

حقّر ركبا تحقير كعب، وأعاد إليه ضمير جمع على المعنى. وجمعوه على صحابة (١)، وهذا أيضا غير مقيس، ثم قالوا: صحابات، فجمعوه بالألف والتاء، كما قالوا فى جمع صاحبة: صواحب، ثم قالوا: صواحبات، وجاء فى الحديث: «إنكنّ لصواحبات يوسف (٢)» إذا رأيا لى غفلة آسدا لها (٣) ... أعاديّ والأعداء كلبى كلابها آسدا أعاديّ: أفسدا قلوبهم حتى جعلا أخلاقهم كأخلاق الأسود. والكلبى: جمع كلب كلب، كزمن وزمنى، وضمن وضمنى. فقد جعلت نفسى تطيب لضغمة ... لضغمهماها يقرع العظم نابها الضّغمة: العضّة، ومنه قيل للأسد: ضيغم. و «جعل» هاهنا من أفعال المقاربة، كقولهم: طفق يقول كذا، وكرب يفعل كذا، ولهذا الفعل انقسام إلى معان، قد ذكرها أبو عليّ مع ذكره لهذا البيت. يقول: جعلت نفسى تطيب لأن أضغمهما ضغمة يقرع لها الناب العظم، وصف ضغمه بالجملة، والمصدر الذى هو الضّغم مضاف إلى المفعول، وفاعله محذوف، التقدير: لضغمى إيّاهما، والهاء التى فى قوله: «لضغمهماها» عائدة إلى الضّغمة، فانتصابها إذا انتصاب المصادر، مثلها فى قوله تعالى: ﴿إِنَّ هذا لَمَكْرٌ مَكَرْتُمُوهُ فِي الْمَدِينَةِ﴾ (٤) وأضاف الناب إلى ضمير الضّغمة؛ لأن الضّغم إنما هو بالناب، واللام فى قوله: «لضغمهماها» متعلّقة بيقرع، أى يقرع عظمهما/نابى، لضغمى إيّاهما ضغمة واحدة.

стр. 1145

فلولا رجاء أن تثوبا وما أرى ... عقولكما إلاّ بعيدا ذهابها سقيتكما قبل التفرّق شربة ... شديدا على باغى الظّلام طلابها يقول: لولا أنى أرجو أن ترجعا عمّا ارتكبتماه من ظلمى لسقيتكما قبل أن يفارق أحدكما صاحبه، شربة يشتدّ طلبها، أى طلب مثلها على من يطلب المكافأة على ظلمه، أى فعلت بكما فعلا يشابه شربة سمّ. والظّلام، بالكسر (١): الظّلم، وأراد: على باغي جزاء الظّلام، فحذف المضاف. وقال: «عقولكما» فجمع العقل فى موضع التثنية، شبّهه بما فى الجسد منه شيء واحد، كالقلب والوجه والأنف والبطن، كما جاء فى التنزيل: ﴿فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُما﴾ (٢) و ﴿قالا رَبَّنا ظَلَمْنا أَنْفُسَنا﴾ (٣) وجمع العقل هاهنا أجود من جمع الرّحل فيما حكاه سيبويه، من قولهم: «ضعا رحالكما (٤)؛ لأن الأصل فى هذا النحو جمع ما هو فى الجسد. وقد جاءت التثنية فى موضع التثنية، كقول الفرزدق: بما فى فؤادينا من الشّوق والهوى (٥) وجاءت اللّغتان فى قول هميان بن قحافة: ومهمهين قذفين مرتين ... ظهراهما مثل ظهور التّرسين

стр. 1146

القذف: البعيد. والمرت: الذى لا ينبت مرعى، وقيل: الخالى من الحيوان. ... ذكر أبو العباس محمد بن يزيد فى المقتضب (١)، هذا البيت: فأصبحوا والنّوى عالى معرّسهم ... وليس كلّ النّوى يلقى المساكين ذكره شاهدا على إضمار الشأن والحديث فى «ليس» فنصب «كلّ النوى» بيلقى، فخلت لذلك الجملة من ضمير ظاهر أو مقدّر، يعود على مرفوع «ليس» لأن ضمير الشأن لا يعود عليه من الجملة المخبر بها عنه ضمير؛ لأن هذا المخبر عنه هو الخبر فى المعنى، وإنما يلزم أن يعود على المخبر عنه ضمير من الجملة المخبر بها عنه إذا كان/الخبر غير المخبر عنه، كقولك: ليس زيد يكرمه أخوك، فقولك: «يكرمه أخوك» حديث عن زيد، والحديث غير المحدّث عنه. ولو رفعت «كلّ النّوى» بليس لزمك أن تقدّر ضميرا يعود إليه من الجملة، تريد: وليس كلّ النّوى يلقيه المساكين، وحذف الضمير العائد من الخبر إلى المخبر عنه ضعيف، مباين لحذف العائد من الصّفة إلى الموصوف، وقد أشبعت القول فى هذا فيما تقدّم (٢). وهذا البيت لحميد بن مالك الأرقط، وكان معدودا فى بخلاء العرب، ونزل به قوم فأطعمهم تمرا، وقال:

стр. 1147

باتوا وجلّتنا البرنيّ بينهم ... كأنّ أنيابهم فيها السّكاكين (١) فأصبحوا والنّوى عالى معرّسهم ... وليس كلّ النّوى يلقى المساكين المعرّس: المنزل الذى ينزله المسافر آخر الليل، والتّعريس: النزول فى ذلك الوقت، يقول: أصبحوا وقد غطّى النّوى لكثرته على منزلهم، فى زمان لا يلقى فيه المساكين أكثر النّوى، ولكنهم يأكلونه من الجهد والجوع. ومن شعره الذى استدلّ به على بخله قوله يذكر ضيفا نزل به: أتى يخبط الظّلماء واللّيل دامس ... يسائل عن غير الذى هو آمل (٢) فقلت لها قومى إليه فيسّري ... طعاما فإنّ الضيف لا بدّ نازل يقول وقد ألقى مراسيه (٣) ... للقرى أبن لي ما الحجّاج بالناس فاعل

стр. 1148

قوله: «ألقى مراسيه» أى ألقى أثقاله، وثبت كلّ الثّبات، والرّسوّ: الثّبات بثقل، ومنه قيل للجبال: الرّواسى. والمراسى: جمع المرسى، وأصل المرسى للسفينة، وهو الذى يكون من حديد، ويسمّى الأنجر، يشدّ بطرف حبل ويلقى فى البحر ليمنع السفينة من السّير، فترسو به. فقلت لعمرى ما لهذا طرقتنا ... فكل ودع الحجّاج ما أنت آكل /سؤاله عن الحجّاج هو الذى عناه بقوله: يسائل عن غير الذى هو آمل وقوله: «طرقتنا» أراد أتيتنا ليلا. أتانا ولم يعدله سحبان وائل ... بيانا وعلما بالذي هو قائل فما زال عنه اللّقم حتى كأنّه ... من العيّ لمّا أن تكلّم باقل أراد أنه امتلأ من الطعام حتى كسبته الكظّة العيّ، وهذا كقولهم: «البطنة تذهب الفطنة (١)» ولمّا بدأه الضيف بالحديث، وسأله عن الحجّاج طلبا للاستئناس قطع عليه كلامه بقوله: ما لهذا طرقتنا، فكل ودع الحجّاج، وهذا منه نهاية فى البخل؛ لأن محادثة الضيف من دلائل الكرم، وقد مدحوا بذلك وتمدّحوا به، فمن المدح قول الشّماخ (٢): إنّك يا ابن جعفر نعم الفتى ... ونعم مأوى طارق إذا أتى

стр. 1149

وربّ ضيف (١) ... طرق الحيّ سرى صادف زادا وحديثا ما اشتهى إنّ الحديث طرف من القرى ومن التمدّح قول عقبة بن مسكين الدارميّ (٢). لحافى لحاف الضّيف والبيت بيته ... ولم يلهنى عنه غزال مقنّع أحادثه إنّ الحديث من القرى ... وتعلم نفسى أنه سوف يهجع وضربت العرب بباقل المثل فى العيّ والفهاهة، فقالوا: «أعيا من باقل» كما ضربوا بسحبان وائل المثل فى البلاغة والخطابة، فقالوا: أبلغ من سحبان وائل (٣)» ووائل: بطن من باهلة، وباقل: أحد بنى قيس بن ثعلبة، وقيل: هو من بنى مازن، وممّا يؤثر عنه أنه شرى ظبية بأحد عشر درهما، فقيل له: بكم شريت الظبية؟ ففتح كفّيه وفرق أصابعه، وأخرج لسانه، يريد أحد عشر، فأفلتت الظبية فعيّروه بذلك، فقال: يلومون فى حمقه باقلا ... كأنّ الحماقة لم تخلق (٤) فلا تكثروا العذل فى عيّه ... فللعيّ أجمل بالأحمق

стр. 1150

خروج اللّسان وفتح البنان ... أحبّ إليّ من المنطق قال أبو الفتح عثمان فى قول أبى الطيّب (١): من لى بفهم أهيل عصر يدّعى ... أن يحسب الهنديّ فيهم باقل فى هذا البيت شيء يمكن أن يتعلّق به عليه، وذلك أنّ باقلا لم يؤت من سوء حسابه، وإنما أتى من سوء عبارته، فكان ينبغى أن يذكر مع سوء العبارة الخطابة والفصاحة، لأنّ سوء العبارة والفصاحة ضدّان، ولا يذكر مع عيّ اللسان جودة الحساب؛ لأنهما ليسا ضدّين، ولو قال: أن يفحم الخطباء فيهم باقل ونحو ذلك، كان أسوغ. وقال من (٢) ردّ على ابن جنّى: ليس الأمر كما قال، فإنّ باقلا كما أتى من سوء البيان أتى من الجهل بعقد البنان، فإنه لو ثنى (٣) من سبّابته وإبهامه دائرة، ومن خنصره عقدة، لم تفلت منه الظّبية، فقد صحّ قوله فيما نسبه إليه من الجهل بالحساب. وأقول: إنّ أبا الطيّب إنما ذكر حساب الهند؛ لأنه مما يعزب لدقّته عن كثير من الأفهام الجليّة والقلوب الذكيّة، وباقل كان فى الطبقة العليا من البلادة، والحساب الهنديّ يتعذّر فهمه على العربيّ الذكيّ، فكيف البليد منهم العيىّ (٤)! ...

стр. 1151

قال أبو عليّ فى الحجّة، فى قول الله سبحانه: ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِراشاً وَالسَّماءَ بِناءً﴾ (١): لمّا كان البناء رفعا للمبنيّ قوبل بالفراش، الذى هو خلاف البناء، ومن ثمّ وقع البناء على ما فيه ارتفاع فى نصبته، وإن لم يكن مدرا، كقول الشاعر (٢): -

стр. 1152

لو وصل الغيث أبنين امرأ ... كانت له قبّة، سحق بجاد /أى جعلن بناءه بعد القبّة خلق كساء، كأنه كان يستبدل بالقبّة سحق كساء، لإغارة الخيل عليه. انتهى كلامه. وأقول: البجاد: كساء مخطّط. والسّحق: البالى. ويقال: بنيت خباء، أى رفعته، وأبنيت زيدا خباء، تعدّى بالهمزة إلى مفعول ثان. والضّمير فى «أبنين» ضمير خيل قد تقدّم ذكرها، أو هو إضمار لها قبل الذّكر؛ لأنّ عود الضمير إلى معلوم قد تقرّر فى النفس، وارتفع فيه اللبس، جائز كما جاء فى التنزيل: ﴿ما تَرَكَ عَلَيْها مِنْ دَابَّةٍ﴾ (١) و ﴿إِنّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ﴾ (٢) وكما أعاد حميد بن مالك الضمير إلى امرأته، ولم يجر لها ذكر، فى قوله (٣): فقلت لها قومى إليه فيسّرى. طعاما. . . . وقوله: «سحق بجاد» مفعول ثان لأبنين، أى جعلنه له بناء.

стр. 1153

ومعنى قوله: «لو وصل الغيث» أن الغيث وقع فى أرض دون أرض، من المسافة التى بين الخيل وبين من أرادت الإغارة عليه، فلم يكن للخيل مرعى يوصلها إلى المكان الذى تريده. ... سألنى سائل فقال: ما العامل فى الظرفين، من قولهم: «بينما زيد إذ جاء عمرو»؟ ما هذان الظرفان؟ فأجبت بأن الأكثر في الكلام أن يقال: بينما زيد جاء عمرو، فلذلك جعل بعض النحويّين «إذ» هاهنا زائدة، فزيد رفع بالابتداء، وخبره محذوف يجوز إظهاره، فالتقدير: بينما زيد حاضر، أو فى الدار، أو خلف بكر، أو نحو ذلك، فالعامل فى «بينما» الفعل المذكور، وممّا جاء على إسقاط «إذ» وإظهار الخبر قول الشاعر (١): بينما نحن بالبلاكث فالقا ... ع سراعا والعيس تهوى هويّا خطرت خطرة على القلب من ذك ... راك وهنا فما استطعت مضيّا وممّا جاء على حذف الخبر وإثبات «إذ» قول الآخر: استقدر الله خيرا وارضينّ به ... فبينما العسر إذ دارت مياسير (٢)

стр. 1154

/وصواب هذا [الكلام (١)] عندى الحكم بزيادة «إذ» لأنّك لو جعلتها غير زائدة (٢) أعملت فيها الخبر مذكورا أو مقدّرا، وهى مضافة إلى الجملة الفعلية (٣)، التى هى «جاء» وفاعله، وهذا الفعل هو الناصب لبينما، فإذا قدّرت «إذ» مضافة إليه وهى على بابها غير زائدة، بطل إعماله فى «بينما» لأن المضاف إليه كما لا يصحّ إعماله فى المضاف، كذلك لا يصحّ أن يعمل فيما قبل المضاف، ألا ترى أنهم لم يجيزوا فى قولهم: أنت مثل ضارب زيدا، تقديم زيد، فيقولوا: أنت زيدا مثل ضارب. وأما قولك: ما هذان الظرفان؟ فإنّ «بين» فى أصل وضعه ظرف مكان، والمراد به هاهنا الزمان، كما أن «عند» موضوعة للمكان، وقد استعملوها للزمان، كقوله: عند الصّباح يحمد القوم السّرى (٤)

стр. 1155

وقد حذفوا الميم من «بينما» فى الشّعر، وهو من أقبح الضّرورات، كقوله: فبيناه يشرى رحله قال قائل ... لمن جمل رخو الملاط نجيب (١) أراد: فبينما هو، فحذف ميم «ما» وواو «هو» كما حذف الآخر ياء «هى» فى قوله: دار لسعدى إذه من هواكا (٢) شبّهوا الواو والياء المتحرّكتين الأصليتين بالواو والياء الساكنتين الزائدتين، / فى نحو: لقيتهو، ومررت بهى، وخذوهو، وإليهى. فالهاء فى قوله «فبيناه» مبتدأ، وخبره «يشرى رحله» ولم يأت بإذ التى استعملها الآخر فى قوله: فبينما العسر إذ دارت مياسير و «يشرى رحله»: يبيعه، يقال: شريت الشىء: إذا اشتريته، وإذا بعته. والملاط: العضد. ...

стр. 1156

مسألة المعلم والمعلمة زيد عمرا خير الناس إيّاه أنا (١) الجواب: أن المعلم مبتدأ، والمعلمة معطوف عليه، وهو يقتضى اسما فاعلا، ويقتضى التّعدّى إلى ثلاثة مفعولين، كما يقتضى ذلك فعله الذى هو أعلم، فزيد فاعله، والهاء المفعول الأول، وعمرا الثانى، وخير الناس الثالث، وإيّاه ضمير مصدره، الذى هو الإعلام، أضمره وإن لم يجر له ذكر، لأن المصدر (٢) يحسن إضماره إذا ذكر فعله أو اسم فاعله، فمثال إضماره بعد ذكر فعله، فى التنزيل قوله تعالى: ﴿وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِما آتاهُمُ اللهُ مِنْ فَضْلِهِ هُوَ خَيْراً لَهُمْ﴾ (٣) التقدير: البخل خيرا لهم، فحذف البخل وأضمره لدلالة ﴿يَبْخَلُونَ﴾ عليه، وهذا الضمير هو الذى يسمّى فصلا، ويسمّى عمادا، فلا موضع له من الإعراب، ومثال إضمار المصدر لدلالة اسم الفاعل عليه قول الشاعر: إذا نهي السّفيه جرى إليه ... وخالف والسّفيه إلى خلاف (٤) وقولك «أنا» خبر المبتدأ الذى هو المعلم، والمعلمة وإن كان عطفا على المعلم فإنه هو المعلم، لأنه وصف له، فلذلك كان «أنا» خبرا عنهما معا، فالتقدير: المعلم (٥) المعلمة زيد عمرا خير الناس أنا.

стр. 1157

ومثل ذلك قولك: القائم والواضع يده على رأس زيد جعفر، جئت بخبر واحد، لأن المعنى: الذى قام ووضع يده على رأس زيد جعفر، فهذا يحسن فى أسماء الفاعلين وغيرها من الصفات، والأغلب أن يكون/هذا مع تكرير الصّفات كقولك: زيد الظريف والعاقل، الكريم، ومنه قول ابن زيّابة (١). يا لهف زيّابة للحارث ... الصّابح فالغانم فالآيب فقوله: «للحارث الصابح فالغانم فالآيب» عبارة عن شخص واحد. ...

стр. 1158

المجلس السادس والستّون لولا: حرف وضع لمعنيين ، أحدهما: التّحضيض، والآخر: امتناع الشىء لوجود غيره. فالموضوع للتّحضيض مختصّ بالفعل، ماضيا ومستقبلا، وظاهرا ومقدّرا، تقول: لولا أكرمت زيدا، ولولا تكرم جعفرا، كما جاء فى التنزيل: ﴿فَلَوْلا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طائِفَةٌ﴾ (١) و ﴿لَوْلا يَنْهاهُمُ الرَّبّانِيُّونَ وَالْأَحْبارُ﴾ (٢). وقال بعض النحويين: إنّ «لولا» هذه قد استعملت للتوبيخ (٣)، كقوله تعالى: ﴿لَوْلا جاؤُ عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَداءَ﴾ (٤) ومثال تقدير الفعل بعدها، أن يقول لك: جئتك ماشيا، فتقول: فلولا راكبا، تريد: فلولا جئت راكبا، وكذلك إذا قال: سأعطى زيدا، فقلت: فلولا محمدا، أردت: فلولا تعطى محمدا، قال الأشهب بن رميلة: تعدّون عقر النّيب أفضل مجدكم ... بنى ضوطرى لولا الكميّ المقنّعا (٥)

стр. 1159

أراد: لولا تعدّون (١) الكميّ، أى ليس فيكم كميّ فتعدّوه. والضرب الآخر، يدخل على جملتين؛ فيربط إحداهما بالأخرى، ويجعل الثانية جوابا للأولى، فالأولى منهما مبتدأ وخبر، والثانية فعل وفاعل، ويحتاج إلى اللام فى الجواب، كاحتياج «لو» إليها فى نحو: لو جئتنى لأكرمتك، تقول: لولا زيد لجئتك، فزيد رفع بالابتداء، وخبره محذوف لعلم السامع به، تقديره: لولا زيد حاضر أو عندك، أو نحو ذلك ممّا يعرفه المخاطب، لجئتك. وجعل سيبويه أصل المسألة (٢): زيد بالبصرة خرج عمرو، فلا تعلّق لإحدى الجملتين بالأخرى، فإذا/دخلت «لولا» علّقت أحد الكلامين بالآخر، فقلت: لولا زيد لخرج عمرو، حذفوا الخبر حين فهم المعنى مع كثرة الاستعمال. وأقول: إنّ خبر المبتدأ بعد «لولا» قد ظهر فى قوله تعالى: ﴿وَلَوْلا فَضْلُ اللهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطانَ﴾ (٣) وكذلك ﴿وَلَوْلا فَضْلُ اللهِ عَلَيْكَ وَرَحْمَتُهُ لَهَمَّتْ طائِفَةٌ مِنْهُمْ أَنْ يُضِلُّوكَ﴾ (٤) وربّما جاء بعدها مكان المبتدأ الفعل والفاعل، لاستواء هاتين الجملتين فى المعنى، ألا ترى أن قولك: زيد قام، وقام زيد، معناهما واحد، قال الجموح أحد بنى ظفر، من سليم بن منصور: لا درّ درّك إنّى قد رميتهم ... لولا حددت ولا عذرى لمحدود (٥) -

стр. 1160

أى لولا الحدّ والحرمان (١). وقال الفرّاء وغيره من الكوفيّين: لولا ترفع ما بعدها (٢)، لانعقاد الفائدة بها. قال أبو سعيد: والصحيح ما قاله سيبويه: ألا ترى أن الفعل قد وقع بعدها في قول الجموح: «لولا حددت» وكلّ حرف يليه الاسم والفعل، فما بعده رفع بالابتداء، نحو إنما وكأنما، وهل وألف الاستفهام. وأقول: إن الاحتجاج لسيبويه بوقوع الفعل بعدها ضعيف؛ لأنه لم يسمع إلاّ فى البيت الذى تقدّم ذكره، والوجه فى الاحتجاج لسيبويه: أننا لم نر حرفا (٣) يرفع اسما إلاّ وهو ينصب آخر، كأنّ وأخواتها، و «لا» في نحو: لا رجل أفضل منه.
следующие страницы →