← Адаб

Адаб · id 120922

أمالي ابن الشجري ت الطناحي

ابن الشجري

Полный текст (1 931 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

هذا أشبه (١) من قول أبى على، لأن أبا على زعم أن «هنيئا» وقع موقع «ليهنئك»، وهذا لفظ أمر، والأمر لا يقع حالا، أو موقع «هنأك»، وهذا لفظ خبر يراد به الدعاء، كقولهم: رحم الله فلانا، والدعاء أيضا لا يكون حالا. ٢ - حكى ابن الشجرى كلام الشراح فى قول المتنبى (٢): كفى ثعلا فخرا بأنك منهم ... ودهر لأن أمسيت من أهله أهل ونقل رأى ابن جنى، قال: قال أبو الفتح: «ارتفع «أهل» لأنه وصف لدهر، وارتفع «دهر» بفعل مضمر، دل عليه أول الكلام، فكأنه قال: وليفخر دهر أهل لأن أمسيت من أهله، لا يتجه رفعه إلا على هذا، لأنه ليس قبله مرفوع يجوز عطفه عليه». وقد تعقبه ابن الشجرى، فقال: وأما قول أبى الفتح إنه ليس قبله مرفوع يجوز عطفه عليه، فقول من لم ينعم النظر، وقنع بأول لمحة، فقد يجوز عطف «دهر» على فاعل «كفى» وهو المصدر المقدر، لأن «أن» مع خبرها هاهنا بمعنى الكون، لتعلق «منهم» باسم الفاعل المقدر الذى هو «كائن»، فالتقدير: كفى ثعلا فخرا كونك منهم، ودهر مستحق لأن أمسيت من أهله، أى وكفاهم فخرا دهر أنت فيه، فأراد أنهم فخروا بكونه منهم، وفخروا بزمانه، لنضارة أيامه، كما قال أبو تمام: *كأنّ أيامهم من حسنها جمع* ٣ - قال ابن جنى فى شرح قول المتنبى: ويصطنع المعروف مبتدئا به ... ويمنعه من كلّ من ذمّه حمد «معناه: يعطى معروفه المستحقين، ومن تزكو عنده الصّنيعة، ويمنعه من كل ساقط، إذا ذمّ أحدا فقد مدحه».

стр. 142

وقد تعقّبه ابن الشجرى فى هذا الشرح (١) ٤ - حكى ابن الشجرى عن ابن جنى اللغات الثمانية فى «أف»، وقوله: «ولا يقال: أفّى، بالياء، كما تقول العامة». قال ابن الشجرى (٢): وأقول: إن الذى تقوله العامة جائز فى بعض اللغات، وذلك فى لغة من يقول فى الوقف: أفعى وأعمى وحبلى، يقلبون الألف ياء خالصة، فإذا وصلوا عادوا إلى الألف، ومنهم من يحمل الوصل على الوقف، وهم قليل (٣). الجرجانىّ-القاضى علىّ بن عبد العزيز (٣٩٢ هـ) ١ - حكى عنه ابن الشجرى علة زيادة الضاد فى قول المتنبى (٤): إنّ شكلى وإن شكلك شتّى ... فالزمى الخصّ واخفضى تبيضّضى ٢ - ونقل عنه أيضا تأويله لقول المتنبى (٥): أمط عنك تشبيهى بما وكأنه ... فما أحد فوقى ولا أحد مثلى ٣ - ومع تصريح ابن الشجرى بالنقل عن القاضى الجرجانىّ فى الموضعين السابقين، إلا أنه قد أغار على كلامه الذى أورده فى الوساطة، عن الشعراء الذين ذكروا الطير التى تتبع الجيش لتصيب من لحوم القتلى. ولم يكتف ابن الشجرى بهذا حتى استاق كلام الجرجانىّ، وتأويله لبيت المتنبى: سحاب من العقبان يزحف تحته ... سحاب إذا استسقت سقتها صوارمه (٦)

стр. 143

والعجب من ابن الشجرى إذ ينقل كلام الجرجانىّ بحروفه، ثم ينسبه إلى نفسه. الهروىّ-على بن محمد النحوىّ (نحو ٤١٥ هـ) وهذا عالم من علماء العربية، حجب الزمن تصانيفه، ولم يظهر منها إلا كتاب «الأزهية» الذى طبع فى دمشق منذ ثمانية عشر عاما (١)، وهو كتاب رائد فى علم الحروف والأدوات، ولما كان ابن الشجرى قد عالج مبحث الأدوات فى كثير من مجالسه، كما أشرت إلى ذلك من قبل (٢)، فقد أفاد من جهود العلماء المتقدمين، وعلى رأسهم الهروى، لكن ابن الشجرى لم يصرح بالنقل عنه ألبتة. وهذا ما ظهر لى من ذلك بالمراجعة: ١ - ذكر ابن الشجرى من معانى «ما» أن تكون اسما بمعنى الحين، وكلامه فى ذلك كله منتزع من كلام الهروى، وقد خفى هذا على ابن هشام، فتعقب ابن الشجرى فيما أورده، ونبهت عليه فى الفقرة السابعة والخمسين من آراء ابن الشجرى. ٢ - ما أورده ابن الشجرى من مجىء «أو» بمعنى واو العطف، وشواهد ذلك، أخذه كله من الهروى (٣). ٣ - وفى حديثه عن «أو» أيضا، ذكر أنها تستعمل بمعنى «إن» الشرطية مع الواو، وذلك مما سبق به الهروىّ، وقد خفى هذا أيضا على ابن هشام والسيوطى فنسباه إلى ابن الشجرى، وأشرت إليه فى الفقرة الستين من آراء ابن الشجرى. ٤ - سلخ ابن الشجرى كلام الهروى جميعه فى «إما» وقد وهّم (٤) ابن

стр. 144

هشام ابن الشجرى فى توجيه قوله تعالى: ﴿إِمّا يُعَذِّبُهُمْ وَإِمّا يَتُوبُ عَلَيْهِمْ﴾ على التخيير، وابن الشجرى إنما انتزع شواهده كلّها-ومنها الآية الكريمة-فى هذا المبحث من الهروى، فإن كان إيراد فعلى الهروىّ. ٥ - سطا ابن الشجرى (١) على كلام الهروى وشواهده حول معانى «إن» الخفيفة، مكسورة ومفتوحة، لكنه خالفه فى تقدير «ما» من قول الشاعر: ورجّ الفتى للخير ما إن رأيته ... على السّنّ خيرا لا يزال يزيد فابن الشجرى يقدرها «ما» المصدرية، والهروى يراها «ما» التى بمعنى «حين». الرّبعىّ-علىّ بن عيسى (٤٢٠ هـ) الرّبعىّ شيخ شيوخ ابن الشجرى، وقد حكى عنه ابن الشجرى قوله فى بناء «حذام» ونظائرها، فقال بعد أن نقل آراء النحاة (٢): ولعلىّ بن عيسى الربعى فى بناء «حذام» ونظائرها علّة لم يسبق إليها، وهى تضمنهنّ معنى علامة التأنيث التى فى حاذمة وقاطمة وراقشة، فلما عدلن عن اسم مقدّرة فيه تاء التأنيث، وجب بناؤهنّ لتضمنهنّ معنى الحرف. ونقل عنه شرحه لقول المتنبى (٣): نهبت من الأعمار ما لو حويته ... لهنّئت الدنيا بأنك خالد وقوله (٤): لا تكثر الأموات كثرة قلّة ... إلا إذا شقيت بك الأحياء

стр. 145

وقوله (١): أمط عنك تشبيهى بما وكأنه ... فما أحد فوقى ولا أحد مثلى ثم تعقّبه فى تفسيره لقول المتنبى: رمانى خساس الناس من صائب استه ... وآخر قطن من يديه الجنادل فقال (٢): «وفسّر على بن عيسى الربعى قوله: «من صائب استه» بأنه من ضعفه إذا رمى يصيب استه، فحمله على معنى قوله: «وآخر قطن من يديه الجنادل» وليس هذا القول بشىء، لأننا لم نجد فى الموصوفين بالضعف من يرمى بحجر أو غير حجر مما ترمى به اليد فيصيب استه، وإنما هو مثل ضربه، فذكر تفصيل عائبيه. فقال: عابنى أراذل الناس، فمنهم من رمانى بعسب هو فيه، وهو الأبنة، فانقلب قوله عليه، فأصاب استه بالعيب الذى رمانى به، وآخر لم يؤثر كلامه فى عرضى، لعيّه وحقارته، فهو كمن يرمى قرنه بسبائح القطن، أى الذين رمونى من هذين الصنفين بهذين الوصفين». وقد رأيت أحمد بن على بن معقل المهلّبى الأزدى المتوفى سنة ٦٤٤ هـ، يردّ على ابن الشجرى تفسيره هذا، فيقول، بعد أن ذكر البيت (٣): «وقال شيخ شيخنا الشريف ابن الشجرى: إنما هذا مثل، أى رمانى بعيب هو فيه، لأنه ذو أبنة، فكأنه أراد: أصابنى فأصاب استه. وأقول: إن هذه الأقوال ضعيفة، وأضعفها قول ابن الشجرى: «رمانى بعيب هو فيه، أى رمانى بالأبنة». والمعنى أنه رمانى بسهم من عيب فردّ عليه أقبح رد، كأنه يقول: أنا ليس فىّ عيب، فعابنى عائب نفسه أقبح عيب».

стр. 146

الشريف المرتضى-على بن الحسين (٤٣٦ هـ) تجمع بين الشريف المرتضى وبين ابن الشجرى علاقة التشيّع. وهذا الشريف من أصحاب الأمالى، وتحتلّ «أماليه» مكانة عالية فى كتب علوم العربية، وتسمى غرر الفوائد ودرر القلائد. وقد كان لابن الشجرى نسخة من هذه الأمالى، استنسخها بخطه (١). وقد أغار ابن الشجرى على كلام المرتضى فى الحذوف، وذكر كلامه بألفاظه، دون أن يصرح بالنقل عنه أو الإفادة منه (٢) والموضع الوحيد الذى صرح فيه ابن الشجرى بالشريف المرتضى، غمزه فيه، ونسبه إلى شيء من القصور. قال: «ذكر الشريف المرتضى رضى الله عنه، البيتين اللذين الأول منهما: «(٣) ويلم قوم» فى كتابه الذى سماه غرر الفوائد، وبين معنييهما، غير أنه لم يستوعب تفسير ما فيهما من اللغة، ولم يتعرض للإعراب فيهما، ولم يزل قليل الإلمام بهذا الفنّ». مكىّ بن أبى طالب القيسى الأندلسى (٤٣٧ هـ) ومكّىّ علم من أعلام العربية فى القرنين الرابع والخامس، وكتبه فى علم القراءات وإعراب القرآن الكريم من عمد هذين الفنين. وقد خطّأه ابن الشجرى فيما ذهب إليه، من أن «إن» الشرطية لا تدخل على الأسماء، إلا أن تضمر بعد «إن» فعلا يرتفع بعده الاسم على الفاعلية، ليس غير، وصحح ابن الشجرى أن النحويين كما يضمرون بعد حرف الشرط أفعالا ترفع

стр. 147

الاسم بأنه فاعل، كذلك يضمرون بعده أفعالا تنصب الاسم بأنه مفعول. ثم قال ابن الشجرى بعد أن استوفى هذا المبحث (١): «ولمكى فى تأليفه «مشكل إعراب القرآن» زلاّت، سأذكر فيما بعد طرفا منها إن شاء الله». وقد أفرد ابن الشجرى لهذه الزلات المجلس الثمانين، وبعضا من الحادى والثمانين، بدأ بذكر أغلاط مكى فى سورة البقرة، وانتهى بسورة مريم، ثم قال فى آخر كلامه: «هذه جملة ما علقت به من سقطات هذا الكتاب، على أننى لم أبالغ فى تتبعها، وإنما ذكرت هذه الردود على هذه الأغاليط، لئلا يغترّ بها مقصّر فى هذا العلم، فيعوّل عليها ويعمل بها». وقد رأيت ابن هشام يدفع بعض اعتراضات ابن الشجرى على مكى (٢). ثم كتب الدكتور أحمد حسن فرحات، ثلاث مقالات بمجلة مجمع اللغة العربية بدمشق (٣)، بعنوان «نظرات فى ما أخذه ابن الشجرى على مكى فى كتاب مشكل إعراب القرآن»، ردّ فى هذه المقالات بعض مآخذ ابن الشجرى بأنها راجعة إلى سقم النّسخة التى وقعت لابن الشجرى من «المشكل»، وذكر أن بعضا آخر من هذه المآخذ موجود فى كتب المفسّرين والمعربين قبل مكى. ولعل موقف مكىّ من المعتزلة-الذين يرجع إليهم ابن الشجرى فى عقيدته- وتهجمّه عليهم (٤)، هو الذى أغرى ابن الشجرى به، ودفعه إلى الانتقاص منه والطعن عليه. والعجب من ابن الشجرى، يحمل على مكى ثم يستاق كلامه، فقد رأيت مواضع من الأمالى اتفق فيها سياق ابن الشجرى مع سياق مكى فى «المشكل»

стр. 148

اتفاقا تاما، كأن ابن الشجرى ينقل عنه، أو كأنهما ينقلان عن مصدر واحد، بل إن ابن الشجرى ينقل استدلال مكى بحروفه، وقد دللت على ذلك فى حواشى التحقيق (١)، بما يغنى عن الإطالة بذكره هنا. الثّمانينى-عمر بن ثابت (٤٤٢ هـ) نقل عنه ابن الشجرى ما حكاه عن بعض النحويين، من إجازة تقديم حال المجرور عليه، وتضعيفه لذلك (٢) وحكى عنه لغة فى «التى» قال (٣): وذكر أبو القاسم الثمانينى لغة خامسة، وهى الّتي، بتشديد الياء، كما قالوا فى المذكر: الذىّ. ثم ضعّف رأيه فى فتح عين «يأبى»، فقال (٤): وقال بعض النحويين: إنما فتحوا عين يأبى على سبيل الغلط، وتوهموا أن ماضيه على فعل، وعوّل أبو القاسم الثمانينى على هذا القول، والصواب ما ذكرته أولا. أبو العلاء المعرّىّ-أحمد بن عبد الله (٤٤٩ هـ) نقل عنه ابن الشجرى نقلا عزيزا، فقال بعد أن حكى أقوال العلماء فى شرح عبارة سيبويه «ما أغفله عنك شيئا»: (٥) ووجدت بخط أبى الفرج سعيد بن على بن السلالى الكوفى، ما أملاه عليه أبو العلاء المعرى، ونسبه المعرى إلى بعض

стр. 149

النحويين ولم يسمّه، قال: إن الذى قيل له هذا الكلام كان له صديق عوّده أن يبرّه ويحسن إليه، وأنه ذكر صنيعه به، فقال له السامع: ما أغفله عنك شيئا، قال: فالكلام يتم عند قوله: «عنك»، وقوله: «شيئا» من كلام مستأنف، كأنه قال: فكر شيئا، أى تفكيرا قليلا، أى إنه قد انتقل عن الحال التى كنت تجده عليها، فكأن الرجل المثنى على الصديق شكّ فى أمره، ولم يدر ما أغفله عنه، فقال له من حضر: فكّر شيئا، أى دع الشك، لأنه إذا فكّر وجب أن يصحّ له الأمر. وقال المعرى: إن المراد بقوله: «ما أغفله عنك» التعجب، ويحتمل أن يكون استفهاما، كأنه قال: أى شيء أغفله عنك؟ وقد تعقب ابن الشجرى أبا العلاء فى شرحه لقولهم: «عمرك الله» (١). وتعقبه أيضا فى شرحه لشعر المتنبى، فقال فى قوله (٢): وأنك بالأمس كنت محتلما ... شيخ معد وأنت أمردها وحكى أبو زكريا فى تفسيره لشعر المتنبى، عن أبى العلاء المعرى، أنه قال: زعم بعض النحويين أن «كان» لا تعمل فى الحال، قال: وإذا أخذ بهذا القول جعل العامل فى «محتلما» من قوله: «وأنك بالأمس كنت محتلما» الفعل المضمر الذى عمل فى قوله: بالأمس. قال ابن الشجرى: وأقول: إن هذا القول سهو من قائله وحاكيه، لأنك إذا علقت قوله «بالأمس» بمحذوف، فلا بد أن يكون «بالأمس» خبرا لأن، أو لكان، لأن الظرف لا يتعلق بمحذوف إلا أن يكون خبرا أو صفة أو حالا أو صلة، ولا يجوز أن يكون خبرا لأن ولا لكان، لأن ظروف الزمان لا توقع أخبارا للجثث، ولا صفات لها ولا صلات ولا أحوالا منها، وإذا استحال أن يتعلق قوله: «بالأمس» بمحذوف، علقته بكان، وأعملت «كان» فى «محتلما».

стр. 150

وقد أخذ ابن الشجرى على أبى العلاء تفسيره لقول المتنبى (١): لم تسم يا هارون إلا بعد ما اق ... ترعت ونازعت اسمك الأسماء فقال: قال فيه أبو الفتح: أراد لم تسم بهذا الاسم إلا بعد ما تقارعت عليك الأسماء، فكلّ أراد أن يسمّى به، فخرا بك. وقال أبو العلاء: أجود ما يتأول فى هذا أن يكون الاسم هاهنا فى معنى الصيت، كما يقال: فلان قد ظهر اسمه، أى قد ذهب صيته فى الناس، فذكره لا يشاركه فيه أحد، وماله يشترك فيه الناس، فأما أن يكون عنى باسمه هارون، فهذا يحتمله ادعاء الشعراء، وهو مستحيل فى الحقيقة، لأن العالم لا يخلو أن يكون فيهم جماعة يعرفون بهارون. والذى ذهب إليه أبو الفتح من إرادته اسمه العلم هو الصواب، وقول المعرى إن الاسم هنا يريد به الصيت، ليس بشىء يعول عليه، لأن قول أبى الطيب: «لم تسم» معناه لم يجعل لك اسم، وأما دفع المعرى أن يكون المراد الاسم العلم بقوله: إن فى الناس جماعة يعرفون بهارون، فقول من لم يتأمل لفظ صدر البيت الذى يلى هذا البيت، وهو قوله: *فغدوت واسمك فيك غير مشارك* والمعنى: إن اسمك انفرد بك دون غيره من الأسماء، فمعارضته بأن فى الناس جماعة يعرفون بهارون، إنما يلزم أبا الطيب، لو قال: فغدوت وأنت غير مشارك فى اسمك، فلم يفرق المعرى بين أن يقال: اسمك مشارك فيك، وأن يقال: أنت غير مشارك فى اسمك، وإنما أراد أن اسمك انفرد بك دون الأسماء، ولم يرد أنك انفردت باسمك دون الناس، فاللفظان متضادان كما ترى. الواحدىّ-على بن أحمد (٤٦٨ هـ) الواحدىّ من شراح المتنبى المعدودين، وقد أفاد منه ابن الشجرى فى بعض

стр. 151

ما عرض له من شعر المتنبى، ولم يصرح ابن الشجرى بالنقل عن الواحدى، مع إغارته على كلامه بحروفه فى المواضع التى ظهرت لى خلال تحقيق الجزء الأول من الأمالى. ويبدو أن ابن الشجرى كان فى نفسه شيء من الواحدى، وآية ذلك أنه حين اضطر أن يحكى كلامه فى الردّ على ابن جنى، ولم يرض أن ينسب الردّ إلى نفسه، ذكره بأسلوب الإخفاء والإغماض. وذلك أن ابن الشجرى حكى شرح ابن جنى لقول المتنبى (١). من لى بفهم أهيل عصر يدعى ... أن يحسب الهندىّ فيهم باقل قال: قال ابن جنى: فى هذا البيت شيء يمكن أن يتعلق به عليه، وذلك أن باقلا لم يؤت من سوء حسابه، وإنما أتى من سوء عبارته، فكان ينبغى أن يذكر مع سوء العبارة الخطابة والفصاحة، لأن سوء العبارة والفصاحة ضدان، ولا يذكر مع عىّ اللسان جودة الحساب، لأنهما ليسا ضدين، ولو قال: «أن يفحم الخطباء فيهم باقل» ونحو ذلك، كان أسوغ. وقال من ردّ على ابن جنى: ليس الأمر كما قال، فإن باقلا كما أتى من سوء البيان أتى من الجهل بعقد البنان، فإنه لو ثنى من سبابته وإبهامه دائرة، ومن خنصره عقدة، لم تفلت منه الظبية، فقد صحّ قوله فيما نسبه إليه من الجهل بالحساب. انتهى ما ذكره ابن الشجرى، وهذا الردّ على ابن جنى، من كلام الواحدى (٢)، مع اختلاف يسير فى العبارة، وقد صرّح بنسبته إليه شارح ديوان المتنبى (٣). وقد رأيت ابن الشجرى يسلخ كلام الواحدى فى مواضع من شرح المتنبى، ودللت على هذه المواضع فى حواشى التحقيق (٤). وأصرح من كل ذلك ما ذكره ابن الشجرى فى شرح قول المتنبى:

стр. 152

نهبت من الأعمار ما لو حويته ... لهنّئت الدنيا بأنك خالد حيث أغار على كل ما ذكره الواحدى فى شرح البيت (١). التّبريزى-أبو زكريا يحيى بن على (٥٠٢ هـ) من أبرز شيوخ ابن الشجرى، أخذ عنه اللغة والأدب. وقد تعقبه ابن الشجرى فى مواضع من شرحه لشعر المتنبى: فقال بعد أن حكى ثلاثة أقوال فى قول المتنبى (٢): أمط عنك تشبيهى بما وكأنه ... فما أحد فوقى ولا أحد مثلى والرابع: قول أبى على بن فورجة، قال: هذه «ما» التى تصحب «كأن» إذا قلت: كأنما زيد الأسد، وإليه ذهب أبو زكريا، قال: أراد أمط عنك تشبيهى بأن تقول: كأنه الأسد، وكأنما هو الليث. وهذا القول أردأ الأقوال، وأبعدها من الصواب، لأن المتنبى قد فصل «ما» من «كأن» وقدّمها عليه، وأتى فى مكانها بالهاء، فاتصال «ما» بكأنه غير ممكن، لفظا ولا تقديرا، وهى مع ذلك لا تفيد معنى إذا اتصلت بكأن، فكيف إذا انفصلت منه وقدّمت عليه؟ وقد أخذ ابن الشجرى على شيخه تفسير قول أبى الطيب: أنت الجواد بلا منّ ولا كدر ... ولا مطال ولا وعد ولا مذل فقال (٣): سألنى سائل عن المذل، فقلت: قد قيل فيه قولان: أحدهما أن معناه القلق، يقال: مذلت من كلامك، أى قلقت، ومذل فلان على فراشه: إذا قلق فلم يستقر، والقول الآخر: البوح بالسّرّ، يقال: فلان مذل بسرّه، وكذلك هو مذلّ بماله: إذا جاد به. وذكر أبو زكريا فى تفسير البيت الوجهين فى المذل، ثم قال: والذى أراد

стр. 153

أبو الطيب بالمذل أنه لا يقلق بما يلقاه من الشدائد، كما يقلق غيره. وليس ما قاله بشىء عليه تعويل، بل المذل هاهنا البوح بالأمر ونفى ذلك عنه، فأراد أنه إذا جاد كتم معروفه، فلم يبح به، وقول أبى زكريا: «أراد أنه لا يقلق بما يلقاه من الشدائد» قد زاد بذكر «الشدائد» ما ذهب إليه بعدا من الصواب، وهل فى البيت ما يدل على الشدائد؟ إنما مبنى البيت على الجود، والخلال التى مدحه بنفيها عنه متعلقة بمعنى الجود، وهى المنّ والكدر والمطال والوعد، والمذل الذى هو البوح بالشىء. ...

стр. 154

أثر ابن الشجرى فى الدراسات النحوية واللغوية يمثّل ابن الشجرى ومن إليه من نحاة القرنين الخامس والسادس (١)، حلقة الوصل بين المتقدمين من النحاة وبين المتأخرين. فقد كان لقرب هذا الجيل من المنابع الأولى، بالتلقّى والمشافهة، وما ظفر (٢) به نحاة هذا الجيل من الكتب والمصنفات التى عمرت بها دور العلم وخزائن المكتبات، قبل أن تعصف بها عوادى الناس والأيام، كان لذلك كله فضل حفظ آراء المتقدمين، مما أمدّ النحاة المتأخرين بذلك الفيض الزاخر من الوجوه والآراء، وفتح لهم آفاق النظر، ومهد أمامهم سبل البحث. وقد أودع ابن الشجرى كتابه «الأمالى» علما كثيرا، أفاد منه المتأخرون، مصرّحين بالأخذ عنه وغير مصرحين، على أن تأثيره فى مصنفات من بعده يبدو بشكل عام فيما عالجه من مسائل الإعراب والحذوف، ثم فى هذا الحشد الهائل من شواهد القرآن الكريم والشعر. وقد تتبعت ابن الشجرى فى مصنفات النحاة المتأخرين، باستقراء أرجو ألا يكون فاتنى معه شيء، ثم أفضى تخريج شواهده من كتب العربية إلى تأثّر خفىّ من أصحاب هذه الكتب لم يصرّحوا به. وهذا بيان الآخذين عن ابن الشجرى والمستفيدين منه، أذكرهم بحسب وفياتهم، صنيعى فى مصادر ابن الشجرى: الأنبارى-أبو البركات عبد الرحمن بن محمد (٥٧٧ هـ) وأبو البركات من أبرز تلاميذ ابن الشجرى، أخذ عنه علم العربية، كما ذكر

стр. 155

هو نفسه، فى ترجمته التى ختم بها كتابه «نزهة الألبا». وقد ذهب الأنبارى بالشهرة كلها، بكتابه «الإنصاف فى مسائل الخلاف بين البصريين والكوفيين» الذى أفاد فيه من ابن الشجرى إفادة واضحة، كما أفاد منه فى كتبه الأخرى، والعجب من الأنبارى يثنى على شيخه ويفيد منه كلّ هذه الإفادة، ثم لا يصرّح باسمه فى أىّ من كتبه المطبوعة! وقبل أن أدلّ على مواضع أخذ الأنبارى من ابن الشجرى، أشير إلى أن الأستاذ الدكتور محمد خير الحلوانى (١)، قد تنبّه قبلى إلى تأثير ابن الشجرى فى الأنبارى، وذكر أن الأنبارىّ أخذ معظم أدلة ابن الشجرى فى الخلاف بين البصريين والكوفيين، وأنه أغار على أسلوبه اللفظى فى غير موضع (٢). وهذه مثل لما رأيته عند الأنبارىّ من كلام شيخه ابن الشجرى: ١ - نقل الأنبارى كلام ابن الشجرى عن «كلا وكلتا»، وفى تعليل حملهما على المفرد إذا أضيفا إلى المظهر، وعلى المثنى إذا أضيفا إلى المضمر، ذكر رأى ابن الشجرى، ثم قال: «وهذا الوجه ذكره بعض المتأخرين». ولست أدرى لماذا لم يصرح الأنبارى بنسبة هذا الوجه إلى شيخه ابن الشجرى، وهو لم يعرف عن غيره من المتأخرين (٣)؟ ٢ - فى تعليل بناء «قبل وبعد» على الضمة دون الفتحة والكسرة، ذكر الأنبارى تعليل ابن الشجرى ولم يعزه إليه (٤). ٣ - وفى حديثه عن التثنية وأن أصلها العطف، استاق كلام ابن الشجرى (٥)

стр. 156

٤ - نقل ما ذكره ابن الشجرى من رأى الكوفيين، فى مجىء «أو» بمعنى الواو، وبمعنى «بل»، وردّ البصريين عليهم (١). ٥ - وأبين من ذلك كلّه فى أخذ الأنبارى من ابن الشجرى، ما ذكره فى الخلاف فى «نعم وبئس» و «أفعل التعجب»، فقد أغار الأنبارى فى هاتين المسألتين على كلام ابن الشجرى، واستعان بشواهده وطريقة حجاجه وردّه، كما لاحظ بحق الأستاذ الدكتور الحلوانى فى كتابه المذكور (٢) وهناك مواضع تأثير أخرى، أشار إليه الدكتور الحلوانى-وأحسن كل الإحسان-فى كتابى ابن الشجرى والأنبارى (٣). العكبرىّ-أبو البقاء عبد الله بن الحسين (٦١٦ هـ) من النّحاة البارزين فى عصره، وقد اشتهر بكتابه «التبيان فى إعراب القرآن» ونشر له أخيرا كتاب «إعراب الحديث النبوى» (٤). وقد اعتنى فى هذين الكتابين بغاية تعليمية تطبيقية، فلم يهتم كثيرا بنسبة الأوجه الإعرابية إلى أصحابها، ولا أستبعد أن يكون قد أفاد (٥) من الوجوه الإعرابية التى ملأ بها ابن الشجرى «أماليه»، فهو قريب العهد والدار من ابن الشجرى، ثم هو قد تلمذ لابن الخشاب الذى ردّ على ابن الشجرى فى «أماليه». على أن العكبرىّ قد أشار إلى ابن الشجرى إشارة غامضة، حين ذكر اختلاف النحاة فى حدّ الاسم، فقال: «وقال ابن السرّاج: هو كلّ لفظ دل على

стр. 157

معنى فى نفسه غير مقترن بزمان محصل، وزاد بعضهم فى هذا دلالة الوضع». ويقول الأستاذ الدكتور محمد خير الحلوانى، تعليقا على ذلك (١): لعله يريد به ابن الشجرى، لأنه ينسب إلى نفسه هذه الزيادة. شارح ديوان المتنبى ومما يتّصل بأبى البقاء العكبرىّ شرح ديوان المتنبى، الذى ظل ينسب إليه دهرا طويلا، حتى جاء الدكتور مصطفى جواد ﵀، وأثبت أن هذا الشرح ليس للعكبرى (٢)، وأنه لابن عدلان، وهو عفيف الدين أبو الحسن على بن عدلان ابن حماد الربعى الموصلى النحوى المتوفى بالقاهرة سنة ٦٦٦ هـ. وقد يقوّى رأى الدكتور مصطفى جواد أن أبا البقاء العكبرى لم يذكر ابن الشجرى فى أىّ من كتبه المطبوعة التى رأيتها، على حين نرى شارح ديوان المتنبى كثير النقل عن ابن الشجرى والتصريح باسمه، فلو كان العكبرىّ هو شارح ديوان المتنبى لما اختلف حاله بين شرح الديوان وسائر كتبه. ومهما يكن من أمر فقد أفاد شارح ديوان المتنبى هذا من ابن الشجرى، وحكى كلامه مصرّحا وغير مصرح، ولست بسبيل ذكر كلّ المواضع التى صرّح فيها الشارح بابن الشجرى، فهى بالغة الكثرة (٣)، ولكنى أدلّ على المواطن التى أغار فيها على كلام ابن الشجرى، من غير تصريح بالنقل عنه: ١ - أورد الشارح إعراب ابن الشجرى لبيت الشماخ (٤):

стр. 158

إذا الأرطى توسّد أبرديه ... خدود جوازئ بالرمل عين ٢ - نقل الشارح إعراب ابن الشجرى بحروفه لقول المتنبى (١): جربت من نار الهوى ما تنطفى ... نار الغضا وتكلّ عما تحرق ٣ - وحكى توجيهه لقول المتنبى (٢): كبّرت حول ديارهم لما بدت ... منها الشموس وليس فيها المشرق ٤ - ونقل تأويله لقول المتنبى (٣): حشاى على جمر ذكىّ من الهوى ... وعيناى فى روض من الحسن ترتع ٥ - وذكر إعرابه لقول المتنبى (٤): يعطى فلا مطله يكدّرها ... بها ولا منّه ينكّدها ٦ - ولخّص كلامه على قول المتنبى (٥): ما لمن ينصب الحبائل فى الأر ... ض ومرجاه أن يصيد الهلالا ٧ - واستاق شرحه لقول المتنبى (٦): وما الخيل إلا كالصديق قليلة ... وإن كثرت فى عين من لا يجرّب ٨ - وفى قول المتنبى (٧): لو كان ما تعطيهم من قبل أن ... تعطيهم لم يعرفوا التأميلا أخذ الشارح تفسير وإعراب ابن الشجرى بألفاظه، ثم أورد ما أنشده ابن الشجرى من شعر أبى نصر بن نباتة وأبى الفرج بن الببّغاء، على معنى بيت المتنبى.

стр. 159

٩ - وسلخ إعراب ابن الشجرى لقول المتنبى (١): ما قوبلت عيناه إلا ظنتا ... تحت الدجى نار الفريق حلولا ثم أنشد شواهده على مجىء الحال من المضاف إليه، ونقل حكايته عن أبى على الفارسى، فى «المسائل الشيرازيات»، كلّ ذلك فعل، دون أن يصرح بابن الشجرى. ١٠ - وساق كلامه كلّه فى علّة منع الابتداء بالنكرة، والكلام على قول المتنبى (٢): منّى كنّ لى أن البياض خضاب ... فيخفى بتبييض القرون شباب ١١ - أفسد الشارح كلام الرّبعىّ بما أفسده به ابن الشجرى، وساق الكلام كأنه من عند نفسه، وقد أشرت إلى ذلك فى حديثى عن الربعى. ومن قبل كلّ ذلك ومن بعده، أخذ شارح ديوان المتنبى ما أفرده ابن الشجرى فى المجلس الأخير من «أماليه» لإعجاز أبيات أبى الطيب التى يتمثّل بها، ثم الأبيات التى تعدّ من بدائعه (٣). ابن يعيش-يعيش بن على بن يعيش (٦٤٣ هـ) اشتهر عند الدراسين بشرحه على «المفصل للزمخشرى» وبشرحه على «الملوكى فى التصريف» لابن جنى، ولم يصرح بنقل عن ابن الشجرى، لكنى رأيت فى بعض مباحثه مشابه من كلام ابن الشجرى، كأنه ينقل عنه، أو كأن الاثنين ينقلان عن مصدر واحد (٤)، فمن ذلك:

стр. 160

ما ذكره فى الكلام على «أف» فقد اتفق سياقه مع سياق ابن الشجرى تماما (١). وما أورده فى أن أصل التثنية العطف بالواو (٢). وغير ذلك كثير، مما حاك فى صدرى أن ابن يعيش متأثّر فيه ابن الشجرى، ولكنى لا أملك الدليل القاطع عليه. المظفّر بن الفضل العلوىّ الحسينىّ (٦٥٦ هـ) صاحب «نضرة الإغريض فى نصرة القريض»، وهو كتاب فى صناعة الشعر، على غرار كتاب «العمدة» لابن رشيق. وقد روى العلوىّ هذا من طريق ابن الشجرى، كلمة لأبى العلاء المعرى عن الشعر، قال (٣): «وروى لى الغزنوى، عن هبة الله المعروف بابن الشجرى، قال: حدثنى أبو زكريا التّبريزى، قال: كنت أسأل المعرى عن شعر أقرؤه عليه، فيقول لى: هذا نظم جيد، فإذا مرّ به بيت جيد، قال: يا أبا زكريا، هذا هو الشعر». ثم رأيت مواضع من كتابه هذا، أكاد أقطع بأن مصدره فيها ابن الشجرى، وإن لم يصرح بالنقل عنه، وقد أشرت إلى ذلك فى حواشى التحقيق (٤). ابن عصفور-على بن مؤمن (٦٦٩ هـ) فى حديث ابن الشجرى عن التثنية، قال (٥): «وربّما استغنوا فى هذا

стр. 161

النحو بواحد، لأن إضافة العضو إلى اثنين تنبئ عن المراد، كقولك: ضربت رأس الرجلين، وشققت بطن الحملين، ولا يكادون يستعملون هذا إلا فى الشعر». وقد علق البغدادىّ على هذا، فقال (١): «والعجب من ابن الشجرى فى حمله الإفراد على ضرورة الشعر، فإنه لم يقل أحد إنه من قبيل الضرورة. . . وتبعه ابن عصفور فى كتاب ضرائر الشعر، والصحيح أنه غير مختص بالشعر». القرطبىّ-محمد بن أحمد (٦٧١ هـ) نقل فى «تفسيره» أقوال ابن الشجرى، مصرّحا به وغير مصرّح، فمما صرح فيه: ١ - إعراب قوله تعالى (٢): ﴿قُلْ تَعالَوْا أَتْلُ ما حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ﴾. ٢ - تأويل قوله تعالى (٣): ﴿قُلْ ما يَعْبَؤُا بِكُمْ رَبِّي لَوْلا دُعاؤُكُمْ﴾. ومما لم يصرح به، واتفق سياقه مع سياق ابن الشجرى، كأنه ينقل عنه، أو أن الاثنين ينقلان عن مصدر واحد: ١ - الكلام (٤) على معنى ﴿اِصْطَفَيْنا﴾ من قوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتابَ الَّذِينَ اِصْطَفَيْنا مِنْ عِبادِنا﴾. ٢ - شرح قول الشاعر (٥): نعاطى الملوك السّلم ما قصدوا لنا ... وليس علينا قتلهم بمحرّم

стр. 162

٣ - الحديث عن حمل الأفعال بعضها على بعض (١)، عند تفسير قوله تعالى: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيامِ الرَّفَثُ إِلى نِسائِكُمْ﴾. ٤ - تأويل قوله تعالى (٢): ﴿وَلا تَعْدُ عَيْناكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَياةِ الدُّنْيا﴾. ابن مالك-محمد بن عبد الله (٦٧٢ هـ) أبرز نحاة القرن السابع، وصاحب أشهر نظم فى النحو. ذكر ابن هشام أن ابن مالك قد تبع ابن الشجرى فى إعراب قول الشاعر (٣): غير مأسوف على زمن ... ينقضى بالهم والحزن وصرّح ابن مالك أن مذهبه فى ظهور الخبر بعد «لولا»، هو مذهب الرمانى وابن الشجرى والشّلوبين. وقد أشرت إلى ذلك فى الفقرة الرابعة والخمسين من آراء ابن الشجرى. كما حكى عنه فى مواضع من شرح الكافية الشافية (٤). رضيّ الدين الشاطبىّ-محمد بن على (٦٨٤ هـ) من كبار اللغويين والقراء، روى عنه القراءة أبو حيان النحوى. وقد حكى رضيّ الدين عن ابن الشجرى تفسيره للألى، من قول الشريف الرضى: قد كان جدك عصمة العرب الألى ... فاليوم أنت لهم من الإعدام ونقله ابن منظور (٥) من خط رضيّ الدين.

стр. 163

أبو حيان الأندلسى-محمد بن يوسف (٧٤٥ هـ) من فحول النحاة فى القرن الثامن. وما زال أكبر أعماله مخطوطا، وهو كتاب التذييل والتكميل، شرح التسهيل لابن مالك، وهو أمر يدعو إلى العجب والأسف معا. وقد رأيت عنده موضعا (١)، حكى فيه كلام ابن الشجرى، عند تفسير قوله تعالى: ﴿قُلْ تَعالَوْا أَتْلُ ما حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ﴾. ثم حكى عن ابن الشجرى ما ذكره من جمع جمع الجمع، ونقل ردّ ابن الخشاب عليه، رأيت ذلك فى كتاب مخطوط له اسمه «تذكرة النحاة» (٢). المرادىّ-الحسن بن قاسم، أو ابن أمّ قاسم (٧٤٩ هـ) من شرّاح الزمخشرى وابن معطى وابن مالك، وقد عرف بكتابه «الجنى الدانى فى حروف المعانى». وقد حكى المرادى عن ابن الشجرى أقواله (٣) فى مجىء اللام بمعنى «بعد»، وفى الجزم بلو، وعمل «لا» عمل «ليس» فى المعرفة، وظهور الخبر بعد «لولا». ثم كانت شواهد ابن الشجرى مددا له فى كتابه المذكور.

стр. 164

ابن مكتوم-أحمد بن عبد القادر (٧٤٩ هـ) من تلاميذ أبى حيان، وجمع من تفسيره مجلّدا، سماه الدرّ (١) اللّقيط من البحر المحيط، وله تصانيف أخر فى اللغة وأخبار النحاة. وقد حكى السيوطى (٢) إعراب ابن الشجرى لقول الشاعر: غير مأسوف على زمن ... ينقضى بالهم والحزن ونسبه إلى ابن مكتوم هذا فى «تذكرته». وهذا الذى حكاه السيوطى موجود حرفا حرفا عند ابن الشجرى. ولست أدرى هل أغار ابن مكتوم على كلام ابن الشجرى، أم أن السيوطىّ قد سها، ونسب ما وجده فى أمالى ابن الشجرى إلى تذكرة ابن مكتوم؟ وقد ينفى هذا الاحتمال الثانى أن السيوطىّ حين أورد هذا الكلام كان بصدد حكاية نقول كثيرة عن تذكرة ابن مكتوم، ثم إنه صدّر ما حكاه فى شرح البيت بقوله: وقال ابن مكتوم فى موضع آخر من تذكرته. ابن هشام-عبد الله بن يوسف (٧٦١ هـ) أبرز نحاة القرن الثامن، شرّقت كتبه وغرّبت، وذهب كتابه «المغنى» بالشهرة والصّيت. وقد نقل فى «المغنى» آراء ابن الشجرى، وتعقّبه فى بعضها، وظهر فى كلامه شيء من التحامل عليه، على أن ابن هشام قد أفاد من ابن الشجرى إفادة واضحة، وبخاصة فى مباحثه عن الأدوات، معانيها وشواهدها، بل إنه ساق عباراته بألفاظها، دون أن يصرح بنسبة الكلام إليه. وقد ثبت أن ابن هشام كانت لديه نسخة من أمالى ابن الشجرى، صححها وأملى عليها بعض تعليقات، كتبها أحد تلاميذه (٣).

стр. 165

وليس يعنينى هنا ذكر المواضع التى حكى فيها ابن هشام آراء ابن الشجرى، فهذا قد ذكرته فى حواشى التحقيق، وإنما أشير إلى المواضع التى أفاد فيها ابن هشام من ابن الشجرى وتأثره، دون أن يصرح به، ثم أعرض لمآخذ ابن هشام على ابن الشجرى. فمن ذلك: ١ - نقل ابن هشام بعض ما ذكره ابن الشجرى فى إعراب قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي فِي السَّماءِ إِلهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلهٌ﴾ (١). ٢ - نفى ابن هشام أن تكون «أى» شرطية، فى قول المتنبى: أىّ يوم سررتنى بوصال ... لم ترعنى ثلاثة بصدود قال: لأن المعنى حينئذ: «إن سررتنى يوما بوصالك آمنتنى ثلاثة أيام من صدودك، وهذا عكس المعنى المراد، وإنما هى للاستفهام الذى يراد به النفى، كقولك لمن ادعى أنه أكرمك: أيّ يوم أكرمتنى؟». هذا تأويل ابن هشام، وهو مسلوخ من كلام ابن الشجرى (٢)، وقد نبّه البغدادىّ على أن ابن هشام قد أخذ كلام ابن الشجرىّ هنا برمّته (٣). ٣ - قال ابن هشام: من مشكل باب «ليت» قول يزيد بن الحكم: فليت كفافا كان خيرك كلّه ... وشرّك عنى ما ارتوى الماء مرتوى ثم أورد أوجه الإشكال فى إعراب هذا البيت، وساق الأجوبة عليها. وقد أغار ابن هشام فيما أورد وساق، على كلام ابن الشجرى، الذى أطال النّفس فى هذا البيت، وقد نبّه البغدادى إلى أن ابن هشام قد تبع ابن الشجرى فى كلامه على ذلك البيت، وقال: وقد لخص ابن هشام فى «المغنى» كلام ابن الشجرى فى غير وجهه، فإنه لم يبيّن ما ينبنى على كل قول من الأقوال (٤).

стр. 166

٤ - أورد ابن هشام فى شواهد «إذ» بيت الأخطل: كانت منازل ألاّف عهدتهم ... إذ نحن إذ ذاك دون الناس إخوانا ثم تكلّم على إعراب البيت بكلام يرجع إلى ما ذكره ابن الشجرى فيه (١). وقد رجّح عندى أن ابن هشام ناقل عن ابن الشجرى فى هذا الموضع، أن ذلك البيت لم يرد فى ديوان الأخطل المطبوع، وأنى لم أجد أحدا أنشده، أو نسبه هذه النسبة قبل ابن هشام سوى ابن الشجرى، ويبدو أنه وحده صاحب (٢) هذه النسبة، فقد قال السيوطى: «قال ابن الشجرى فى أماليه: هو للأخطل» (٣). ٥ - فى حديثه عن قوله تعالى: ﴿هَلْ أَتى عَلَى الْإِنْسانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ﴾ حكى كثيرا من ألفاظ ابن الشجرى فى تأويل الآية الكريمة (٤). ٦ - نقل ابن هشام كلام ابن الشجرى على بيت المتنبى (٥): لولا مفارقة الأحباب ما وجدت ... لها المنايا إلى أرواحنا سبلا ٧ - تكلّم ابن هشام على الفاء التى فى جواب «أمّا»، وأورد فيها احتمالات ثلاثة؛ أن تكون عاطفة أو زائدة أو جزاء. ثم صحّح أنها للجزاء. وهذا الذى أورده ابن هشام كأنه خارج من كيس ابن الشجرى (٦). ٨ - فى حديث ابن هشام عن حذف المبتدأ، تشابه سياقه مع سياق ابن الشجرى، كأنه ينقل عنه، أو كأن الاثنين ينقلان عن مصدر واحد (٧). ٩ - ساق ابن هشام شواهد كثيرة على «القلب»، وبعض هذه الشواهد منتزع من ابن الشجرى انتزاعا، وهو مما لا يخفى على المتأمّل لكلا السّياقين (٨).

стр. 167

١٠ - هذا وقد أشرت فى الفقرة الثامنة والخمسين من آراء ابن الشجرى، إلى أن سياق ابن هشام فى الكلام على مجىء اللام بمعنى «بعد» يؤذن بأنه ينقل عن ابن الشجرى. وقد أخذ ابن هشام على ابن الشجرى أشياء، نسبه فيها إلى الوهم. فمن ذلك: ١ - نسب إليه أنه أجاز الجزم بلو، ثم نسب إليه أيضا أنه أنشد شاهدا على الجزم بلو قول الشاعر (١): تامت فؤادك لو يحزنك ما صنعت ... إحدى نساء بنى ذهل بن شيبانا وهذا الشاهد لا وجود له فى أمالى ابن الشجرى، كما أن ابن الشجرى لم يجز الجزم بلو، وإنما قصره على الضرورة الشعرية. وقد ذكرت ذلك فى الفقرة الثالثة عشرة من آراء ابن الشجرى. ٢ - أخذ ابن هشام على ابن الشجرى إعرابه لقول الشماخ: وهنّ وقوف ينتظرن قضاءه ... بضاحى عذاة أمره وهو ضامز وذلك أن ابن الشجرى قال (٢): وفى البيت فصل بالظرف الأجنبى بين المصدر ومنصوبه، لأن قوله: «بضاحى عذاة» متعلق بوقوف أو ينتظرن، فهو أجنبى من المصدر الذى هو «قضاء» فوجب لذلك حمل المفعول على فعل الآخر، كأنه لما قال: ينتظرن قضاءه بضاحى عذاة، أضمر «يقضى» فنصب به «أمره». وقد ذكر ابن هشام عن النحويين أن الباء فى قوله: «بضاحى» متعلقة بقضائه، لا بوقوف ولا بينتظرن، لئلا يفصل بين «قضائه وأمره» بالأجنبى، ثم قال (٣): «ولا حاجة إلى تقدير ابن الشجرى وغيره «أمره» معمولا لقضى محذوفا، لوجود ما يعمل».

стр. 168

هذا كلام ابن هشام فى «المغنى»، ولكنه نقضه فى كتابه «شرح بانت سعاد» (١) حيث قال بعد أن أنشد البيت: «وأمره منتصب بقضائه محذوفا، مبدلا من «قضائه» المذكور، ولا ينتصب بالمذكور، لأن الباء ومجرورها متعلقان بينتظرن، ولا يفصل المصدر من معموله». انتهى كلامه، وواضح أنه يرجع إلى كلام ابن الشجرى، والفرق الوحيد بينهما أن ابن الشجرى يقدر المحذوف أو المضمر «يقضى» وابن هشام يقدره «قضاء». ٣ - استشهد ابن الشجرى على مجىء الاستفهام بمعنى الخبر بعد التسوية، بقول زهير (٢): وما أدرى وسوف إخال أدرى ... أقوم آل حصن أم نساء وقد ردّ ابن هشام على ابن الشجرى هذا الاستشهاد، فقال (٣): والذى غلّط ابن الشجرى حتى جعله من النوع الأول توهّمه أن معنى الاستفهام فيه غير مقصود ألبتّة، لمنافاته لفعل الدّراية، وجوابه أن معنى قولك: علمت أزيد قائم؟: علمت جواب أزيد قائم، وكذلك ما علمت. ٤ - تشكّك ابن هشام فى نقل ابن الشجرى عن سيبويه أن «أو» فى قوله تعالى: ﴿وَأَرْسَلْناهُ إِلى مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ﴾ للتخيير، وقد ذكرت ذلك فى حديثى عن سيبويه، وذكرت أيضا أن الحق مع ابن هشام، فى تشككه فى هذا النقل، إذ لم أجده فى كتاب سيبويه المطبوع. ٥ - نسب ابن هشام ابن الشجرى إلى التعسّف، فيما قدّره من حذوف، فى قوله تعالى: ﴿وَقالُوا كُونُوا هُوداً أَوْ نَصارى تَهْتَدُوا﴾، وقد أشرت إلى ذلك فى مبحث الحذوف.

стр. 169

٦ - وهّم ابن هشام ابن الشجرى فى جعله قوله تعالى: ﴿إِمّا يُعَذِّبُهُمْ وَإِمّا يَتُوبُ عَلَيْهِمْ﴾ من باب التخيير، وقد ذكرت ذلك فى الفقرة الثانية والستين من آراء ابن الشجرى، وأشرت إلى أن ابن الشجرى إنما انتزع كلامه من كلام الهروى، فى «الأزهية»، فإن كان إيراد فعلى الهروىّ، ومثل ذلك ذكرت فى الفقرتين السابعة والخمسين، والستين. ٧ - ردّ ابن هشام ما أخذه ابن الشجرى على مكى بن أبى طالب، فى إعراب قوله تعالى من سورة البقرة: ﴿كَذلِكَ قالَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ مِثْلَ قَوْلِهِمْ﴾ و ﴿كَذلِكَ قالَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِثْلَ قَوْلِهِمْ﴾ وذلك أن مكيّا قال فيما حكى ابن الشجرى (١): «الكاف فى الموضعين فى موضع نصب، نعت لمصدر محذوف، أى قولا مثل ذلك قال الذين لا يعلمون، وقولا مثل ذلك قال الذين من قبلهم، ثم قال: ويجوز أن تكونا فى موضع رفع على الابتداء، وما بعد ذلك الخبر». ويعقّب ابن الشجرى فيقول: لا يجوز أن يكون موضع الكاف فى الموضعين رفعا، كما زعم، لأنك إذا قدرتها مبتدأ، احتاجت إلى عائد من الجملة، وليس فى الجملة عائد، فإن قلت: أقدّر العائد محذوفا، كتقديره فى قراءة من قرأ: وكلّ ﴿وَعَدَ اللهُ الْحُسْنى﴾ أى وعده الله، فأقدّر: كذلك قاله الذين لا يعلمون، وكذلك قاله الذين من قبلهم، لم يجز هذا، لأن «قال» قد تعدى إلى ما يقتضيه من منصوبه، وذلك قوله: ﴿مِثْلَ قَوْلِهِمْ﴾ ولا يتعدّى إلى منصوب آخر. ويعلّق ابن هشام على كلام ابن الشجرى، فيقول (٢): وردّ ابن الشجرى ذلك على مكى، بأنّ «قال» قد استوفى معموله، وهو ﴿مِثْلَ﴾، وليس بشىء، لأن ﴿مِثْلَ﴾ حينئذ مفعول مطلق، أو مفعول به ليعلمون، والضمير المقدّر مفعول به لقال. ٨ - وقد ردّ ابن هشام على ابن الشجرى ما انتقده على أبى على الفارسى،

стр. 170

فى توجيه قوله تعالى: ﴿أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتاً فَكَرِهْتُمُوهُ﴾. وأشرت إلى ذلك من قبل (١). هذا وقد أورد ابن هشام اعتراضا لابن الشجرى على أبى على الفارسى، ولم أجد هذا الاعتراض فى «أمالى ابن الشجرى»، قال ابن هشام (٢): وقول الفارسى فى ﴿وَرَهْبانِيَّةً اِبْتَدَعُوها﴾ إنه من باب «زيدا ضربته»، واعترضه ابن الشجرى بأن المنصوب فى هذا الباب، شرطه أن يكون مختصا، ليصحّ رفعه بالابتداء، والمشهور أنه عطف على ما قبله، و ﴿اِبْتَدَعُوها﴾ صفة، ولا بدّ من تقدير مضاف، أى: وحبّ رهبانية، وإنما لم يحمل أبو على الآية على ذلك، لاعتزاله، فقال: لأن ما يبتدعونه لا يخلقه الله . بهاء الدين السّبكىّ-أحمد بن على (٧٦٣ هـ) من علماء البلاغة، وكتابه «عروس الأفراح» من الكتب المعتبرة فى الفنّ، وقد نقل عن ابن الشجرى فى كتابه المذكور (٣)، فى أثناء «شرح نفى النفى إثبات»، قال: يعنى أن الإنكار إذا دخل على النفى كان لنفى النفى، وهو إثبات، ولذلك قيل: إن أمدح بيت قالته العرب: ألستم خير من ركب المطايا ... وأندى العالمين بطون راح نقله ابن الشجرى فى «أماليه» ولولا صراحته فى تقدير المدح لما قيل ذلك. ابن عقيل-عبد الله بن عبد الرحمن (٧٦٩ هـ) نقل عن ابن الشجرى نقلا غريبا، فقد ذكر فى باب المبتدأ والخبر، قال (٤):

стр. 171

«ونقل الشريف أبو السعادات هبة الله بن الشجرى الإجماع من البصريين والكوفيين، على جواز تقديم الخبر إذا كان جملة، وليس بصحيح، وقد قدمنا نقل الخلاف فى ذلك عن الكوفيين». والذى ذكره ابن الشجرى الإجماع من البصريين ليس غير. قال وقد سئل عن إعراب هذا البيت (١): أنى تردّ لى الحمول أراهم ... ما أقرب الملسوع منه الداء «فأجبت بأن الداء مبتدأ قدّم خبره عليه، وإن كان الخبر جملة اتساعا، لأن البصريين مجمعون على جواز تقديم الجملة على المخبر بها عنه، كقولك: مررت به المسكين، وأكرمت أخاه زيد، أى المسكين مررت به، وزيد أكرمت أخاه». ثم نقل عن ابن الشجرى، فى باب الاشتغال، نصب «فارس» من قول الشاعرة (٢): فارسا ما غادروه ملحما ... غير زمّيل ولا نكس وكل ونقل عنه أيضا ما حكاه عن أبى على الفارسى، من جواز مجىء الحال من المضاف إليه (٣). الزركشى-محمد بن بهادر بن عبد الله (٧٩٤ هـ) صاحب كتاب «البرهان فى علوم القرآن»، وعليه بنى السّيوطىّ كتابه «الإتقان فى علوم القرآن» الذى ذهب بالشهرة كلها. وقد نقل الزركشىّ فى كتابه هذا عن ابن الشجرى، مصرّحا بالنقل، فى تسعة عشر موضعا (٤). غير أن هناك ملاحظتين على نقل الزركشى عن ابن الشجرى:

стр. 172

الأولى: ما ذكره فى حديثه عن الالتفات من الخطاب إلى الغيبة، قال (١): «وجعل منه ابن الشجرى: ﴿ما وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَما قَلى﴾، وقد سبق أنه على حذف المفعول، فلا التفات». وهذا الذى حكاه الزركشى عن ابن الشجرى، مذكور فى المجلس الثامن عشر من «الأمالى»، لكن ابن الشجرى أعاد هذه الآية الكريمة فى المجلسين التاسع والثلاثين والأربعين، شاهدا على حذف المفعول، كما يرى الزركشىّ، الذى خفى عليه هذا الموضع الثانى من «الأمالى»، فقال ما قال، وقد أشرت إلى ذلك فى حديثى عن شواهد القرآن الكريم عند ابن الشجرى. والملاحظة الثانية: حكى الزركشىّ كلام ابن الشجرى، فى معنى «أن» من قوله تعالى: ﴿وَنادَيْناهُ أَنْ يا إِبْراهِيمُ﴾، وقوله تعالى: ﴿أَنْ طَهِّرا بَيْتِيَ﴾، وكلام ابن الشجرى فى الآيتين مسلوخ من كلام الهروى، صاحب كتاب «الأزهية»، وقد نبّهت عليه من قبل (٢). العينى-محمود بن أحمد (٨٥٥ هـ) صاحب كتاب «المقاصد النحوية فى شرح شواهد شروح الألفية» وقد أنشد العينىّ فى هذا الكتاب (٣) عن ابن الشجرى قول الراجز: يا عنز هذا شجر وماء ... وحجرة فى جوفها صلاء ثم رأيته قد لخّص كلام ابن الشجرى فى معانى «القول»، ولم يصرّح بالنقل عنه (٤).

стр. 173

الأشمونىّ-علىّ بن محمد (نحو ٩٠٠ هـ) شارح ألفية ابن مالك، وقد نقل فى شرحه هذا عن ابن الشجرى، فحكى عنه رواية نصب «فارس» من قول الشاعرة (١): فارسا ما غادروه ملحما ... غير زمّيل ولا نكس وكل وحكى عنه الفرق بين «عند ولدن» (٢). ونقل عنه ما حكاه عن أبى على الفارسى، من جواز مجىء الحال من المضاف إليه (٣). ثم ذكره فى مواضع أخرى من شرحه المذكور (٤). الشيخ خالد بن عبد الله الأزهرىّ (٩٠٥ هـ) حكى فى كتابه «التصريح على التوضيح» عن ابن الشجرى، فذكر تأويله لقول القطامىّ (٥): صريع غوان راقهنّ ورقنه ... لدن شبّ حتى شاب سود الذوائب ونقل رأيه فى أن الجملتين الأمرية والنهيية يضعف الإخبار بهما، لأن الخبر حقّه أن يكون محتملا للتصديق والتكذيب. حكى هذا الكلام ثم قال (٦): «قاله ابن الشجرى ونوقش فيه». ولم يبين الشيخ خالد وجه المناقشة، وتكفل بها الشيخ

стр. 174

يس، فقال (١): «وجه المناقشة أن الخبر المحتمل لما ذكر يقابل الإنشاء، أى الكلام الخبرى، لا خبر المبتدأ». ثم حكى الشيخ خالد أقوال ابن الشجرى فى مواضع أخر من كتابه المذكور، ولم يتعرض له فيها بشىء (٢). السّيوطىّ-عبد الرحمن بن أبى بكر (٩١١ هـ) أشهر النحاة المتأخرين على الإطلاق، وقد حكى فى كتبه: همع الهوامع، والأشباه والنظائر، وشرح شواهد المغنى، حكى أقوال ابن الشجرى، ولم يتعقّبه فى شيء. وترجع أهمية نقول السيوطى عن ابن الشجرى، إلى أنه لم يحك رأيا أو اختيارا لابن الشجرىّ فقط، بل إنه تجاوز ذلك إلى نقل فصول بأكملها، مما يعدّ توثيقا للأمالى (٣). وقد رأيت السيوطىّ ينسب كلاما إلى ابن مكتوم، هو من صميم كلام ابن الشجرى، وقد ذكرت هذا، فى حديثى عن ابن مكتوم. البغدادىّ-عبد القادر بن عمر (١٠٩٣ هـ) صاحب «خزانة الأدب ولب لباب لسان العرب»، وهو شرح شواهد الرضىّ على كافية ابن الحاجب. ويعدّ هذا الكتاب أعلى موسوعة فى علوم العربية وآدابها، شحنه بالنصوص

стр. 175

النادرة، وحفظ لنا به بقايا من كتب قد فقدت أو اندثرت، مع عناية فائقة بالنقد والتحقيق لكلّ ما يورده من ذلك (١). وقد أورد البغدادىّ «أمالى ابن الشجرى» ضمن الموادّ التى اعتمد عليها فى تأليف كتابه (٢). ثم رأيته قد ذكر ابن الشجرى فى نحو تسعين ومائة موضع من الخزانة (٣)، ناقلا آراءه وأقواله فى مسائل النحو والصرف واللغة والأدب، ومنشدا شواهده فى كل ذلك. ومع تصريح البغدادىّ بابن الشجرى فيما حكاه من أقواله، فإنى رأيت موضعا من الخزانة، نقل فيه كلام ابن الشجرى، ولم يصرح، وذلك ما ذكره فى شرح قول امرئ القيس (٤): على لاحب لا يهتدى بمناره ... إذا سافه العود الدّيافىّ جرجرا وقريب من هذا أن البغدادىّ ينقل كلام سيبويه من طريق ابن الشجرى، دون أن يصرح، فمن ذلك ما حكاه عن سيبويه، فى مسألة: «ما مررت بأحد يقول ذاك إلا عبد الله»، وقول الشاعر: فى ليلة لا نرى بها أحدا ... يحكى علينا إلا كواكبها فقد رأيت سياقه يتفق مع سياق ابن الشجرى تماما، مع تصرّف ابن الشجرى فيما نقل عن سيبويه، وقد نبه إلى هذا شيخنا عبد السلام هارون (٥)، ﵀ ورضى عنه. ومن ذلك أيضا ما حكاه البغدادىّ عن سيبويه حول إلغاء «لا» وزيادتها فى قول الشاعر: تركتنى حين لا مال أعيش به ... وحين جنّ زمان الناس أو كلبا

стр. 176

فقد سطا على ما حكاه ابن الشجرى عن سيبويه (١). وقد استصوب البغدادىّ تأويل ابن الشجرى لقول الشاعر: وقد جعلت نفسى تطيب لضغمة ... لضغمهما ها يقرع العظم نابها فقال: وقد اختلف الناس فى معنى هذا البيت، وأصوب من تكلم عليه ابن الشجرى فى أماليه، فى موضعين منها (٢). ثم دفع ما ذكره النحاة المتأخرون من أن ابن الشجرى. قد أجاز الجزم بلو، وقد ذكرت ذلك فى الفقرة الثالثة عشرة من آراء ابن الشجرى. وقد تعقب البغدادىّ ابن الشجرى فيما ذكره من أن قول أبى طالب (٣): ضروب بنصل السيف سوق سمانها ... إذا عدموا زادا فإنك عاقر فى مدح النبىّ ﷺ . قال البغدادى (٤): وهذا البيت من قصيدة لأبى طالب عمّ النبى ﷺ ، رثى بها أبا أمية بن المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم. . . وغلط بعضهم فزعم أنها مدح فى مسافر بن أبى عمرو. وأفحش من هذا القول قول ابن الشجرى فى «أماليه» إنها فى النبىّ ﷺ . هذا وقد حكى البغدادىّ أيضا عن ابن الشجرى، فى مواضع من كتابه «شرح شواهد الشافية» وقد دللت على تلك المواضع فى حواشى التحقيق. وفى كتابه شرح أبيات مغنى اللبيب، ذكره نحو أربعين ومائة مرّة (٥). وفى كتابه شرح شواهد شرح التحفة الوردية، ذكره مرّتين (٦).

стр. 177

المرتضى الزّبيدى-محمد بن محمد (١٢٠٥ هـ) صاحب أضخم المعجمات العربية: تاج العروس فى شرح القاموس. وقد وقع لى موضع من هذا المعجم، ذكر فيه الزّبيدىّ ابن الشجرى، ولم أستقص جميع أجزاء ذلك المعجم الضخم، فإن ذلك محوج إلى زمن طويل: ذكر الزّبيدىّ أقوال العلماء فى اشتقاق «القيل» وهو الملك من ملوك حمير، ثم قال (١): «وفيه كلام طويل لابن الشجرى وغيره». ثم رأيت موضعا آخر، رجحت فيه أن الزّبيدىّ ناقل عن ابن الشجرى، وذلك ما أنشده من قول الشاعر: رحت وفى رجليك ما فيهما ... وقد بدا هنك من المئزر ثم قال الزّبيدى (٢): «قلت: هو للأقيشر، وقد جاء فى شعر الفرزدق أيضا، وصدره: وأنت لو باكرت مشمولة ... صهباء مثل الفرس الأشقر وقد ذكرت فى حواشى التحقيق ترجيحا أن الزّبيدىّ نقل ذلك من أمالى ابن الشجرى، استنادا إلى أن ابن الشجرى انفرد بهذه الرواية، وبنسبة الشعر إلى الفرزدق. ...

стр. 178

مذهب ابن الشجرىّ النحوىّ وإذا فرغت من بيان آراء ابن الشجرى، والكشف عن مصادره وموارده، وأثره فيمن جاء بعده من النحاة، يأتى السؤال التقليديّ: أين يقف ابن الشجرى من المدارس النحوية: بصرية وكوفية وبغدادية؟ وقد كفانا ابن الشجرى مئونة البحث والاستنتاج، حين نسب نفسه صراحة إلى البصريين، وذلك قوله فى سرد حجج البصريين فى فعلية «أفعل التعجب»: «لأصحابنا» وقوله: «ومن أدلّة مذهبنا» (١). ثم إن ابن الشجرى موصول النّسب النحوىّ بالبصرية، فإن سلسلة شيوخه كلها من نحاة البصرة، وقد ذكرتها نقلا عن تلميذه أبى البركات الأنبارى، فى أثناء حديثى عن سيبويه. وتبدو بصرية ابن الشجرى على امتداد كتابه «الأمالى» ودلائلها كثيرة، لعل من أبرزها موقفه من الخلاف بين سيبويه والكسائى، فى المسألة الزنبورية، وانتصاره لسيبويه، ثم من الخلاف بين البصريين والكوفيين، فى «نعم وبئس» و «أفعل التعجب»، واختياره جانب البصريين-وقد أشرت إلى ذلك من قبل-ثم ما وراء ذلك من استعمال المصطلحات البصرية. وقد أعمل ابن الشجرى القياس، وأجرى العلّة، واعتبر العامل، لفظيّا ومعنويّا، كلّ ذلك فعل، فى مسائل النحو والصرف واللغة، وفق المنهج البصرى (٢). وقد صحّح ابن الشجرى آراء البصريين فى مواضع من الأمالى، منها رأيهم فى

стр. 179

عدم الجمع بين حرف النداء والميم فى «اللهم» (١)، ومنها قولهم فى أن الفتحة فى نحو «لا رجل فى الدار» بناء يشبه الإعراب (٢). هذا وقد جرت قواعد البصريين على لسان ابن الشجرى، من غير أن يصرّح بنسبتها إليهم، وهو مما ظهر لى فى أثناء تحقيق الجزء الأول من الأمالى، فمن ذلك: ١ - تعليل استعمال الجمع مكان المثنى، فى نحو «ما أحسن وجوه الرجلين» ذكره ابن الشجرى، وحكاه عنه البغدادى، ثم قال (٣): «وهذا علّة البصريين». ٢ - ذكر ابن الشجرى أن الضّعف والضّعف، بفتح الضاد وضمها، لغتان، كالزّعم والزّعم، والفقر والفقر، قال: وزعم قوم أن الضّعف بالضم، فى الجسم، والضّعف فى العقل، وليس هذا بقول يعتمد عليه، لأن القرّاء قد ضمّوا الضاد وفتحوها فى قوله تعالى: ﴿اللهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ ضَعْفٍ﴾. هذا كلام ابن الشجرى (٤)، وهو راجع إلى رأى أهل البصرة، كما جاء فى اللسان، مادة (ضعف). ٣ - قال ابن الشجرى فى قول الأعشى: *يقولون أصبح ليل والليل عاتم* أراد: ياليل، فحذف حرف النداء، وحذفه إذا صح أن يكون المنادى صفة لأىّ، قليل، لشذوذه عن القياس (٥). وقد أفاد الشيخ خالد الأزهرى أن هذا رأى البصريين (٦).

стр. 180

٤ - ذكر ابن الشجرى أن اسم الفاعل إذا جرى على غير من هو له- خبرا أو وصفا-لزمك إبراز ضمير المتكلم والمخاطب والغائب (١). وهذا هو رأى البصريين، وقد عقد له أبو البركات الأنبارى مسألة فى الإنصاف (٢). ٥ - حكى ابن الشجرى عن المبرد-وهو من أئمة البصريين-أن المراد فى قوله تعالى: ﴿وَلَدارُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ﴾: ولدار الساعة الآخرة، على تقدير حذف الموصوف وإقامة الصفة مقامه (٣). وقد ذكرت فى حواشى التحقيق أن الكوفيين يجعلون هذا ونحوه من باب إضافة الشىء إلى نفسه، كمسجد الجامع، وصلاة الأولى. ٦ - ذكر ابن الشجرى أن الاسم الظاهر لا يسوغ عطفه على الضمير المجرور إلا بإعادة الجارّ (٤). وهذا مذهب البصريين، وأشهر شواهده قوله تعالى: ﴿وَاِتَّقُوا اللهَ الَّذِي تَسائَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحامَ﴾. ٧ - ذكر ابن الشجرى (٥) من حروف المعانى التى حذفت وقدّرت «قد» فى قوله تعالى: ﴿أَنُؤْمِنُ لَكَ وَاِتَّبَعَكَ الْأَرْذَلُونَ﴾، أى: وقد اتبعك الأرذلون، أى: أنؤمن لك فى هذه الحال. قال: وإنما وجب تقدير «قد» هاهنا، لأن الماضى لا يقع فى موضع الحال إلا ومعه «قد» ظاهرة أو مقدرة. وهذا قول البصريين، كما ذكر الأنبارىّ (٦). ومع ولاء ابن الشجرى للمدرسة البصرية، ونزوعه إلى آرائها، فإنه قد خالف عن أقوالها، فيما تعقّب به المبرد ومن إليه من أعلام هذه المدرسة، وقد عرضت لذلك فى حديثى عن مصادره.
следующие страницы →