مسألة
المعلم والمعلمة زيد عمرا خير الناس إيّاه أنا (١)
الجواب: أن المعلم مبتدأ، والمعلمة معطوف عليه، وهو يقتضى اسما فاعلا، ويقتضى التّعدّى إلى ثلاثة مفعولين، كما يقتضى ذلك فعله الذى هو أعلم، فزيد فاعله، والهاء المفعول الأول، وعمرا الثانى، وخير الناس الثالث، وإيّاه ضمير مصدره، الذى هو الإعلام، أضمره وإن لم يجر له ذكر، لأن المصدر (٢) يحسن إضماره إذا ذكر فعله أو اسم فاعله، فمثال إضماره بعد ذكر فعله، فى التنزيل قوله تعالى: ﴿وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِما آتاهُمُ اللهُ مِنْ فَضْلِهِ هُوَ خَيْراً لَهُمْ﴾ (٣) التقدير: البخل خيرا لهم، فحذف البخل وأضمره لدلالة ﴿يَبْخَلُونَ﴾ عليه، وهذا الضمير هو الذى يسمّى فصلا، ويسمّى عمادا، فلا موضع له من الإعراب، ومثال إضمار المصدر لدلالة اسم الفاعل عليه قول الشاعر:
إذا نهي السّفيه جرى إليه ... وخالف والسّفيه إلى خلاف (٤)
وقولك «أنا» خبر المبتدأ الذى هو المعلم، والمعلمة وإن كان عطفا على المعلم فإنه هو المعلم، لأنه وصف له، فلذلك كان «أنا» خبرا عنهما معا، فالتقدير: المعلم (٥) المعلمة زيد عمرا خير الناس أنا.
стр. 1157
ومثل ذلك قولك: القائم والواضع يده على رأس زيد جعفر، جئت بخبر واحد، لأن المعنى: الذى قام ووضع يده على رأس زيد جعفر، فهذا يحسن فى أسماء الفاعلين وغيرها من الصفات، والأغلب أن يكون/هذا مع تكرير الصّفات كقولك: زيد الظريف والعاقل، الكريم، ومنه قول ابن زيّابة (١).
يا لهف زيّابة للحارث ... الصّابح فالغانم فالآيب
فقوله: «للحارث الصابح فالغانم فالآيب» عبارة عن شخص واحد.
...
стр. 1158
المجلس السادس والستّون
لولا: حرف وضع لمعنيين
، أحدهما: التّحضيض، والآخر: امتناع الشىء لوجود غيره.
فالموضوع للتّحضيض مختصّ بالفعل، ماضيا ومستقبلا، وظاهرا ومقدّرا، تقول: لولا أكرمت زيدا، ولولا تكرم جعفرا، كما جاء فى التنزيل: ﴿فَلَوْلا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طائِفَةٌ﴾ (١) و ﴿لَوْلا يَنْهاهُمُ الرَّبّانِيُّونَ وَالْأَحْبارُ﴾ (٢).
وقال بعض النحويين: إنّ «لولا» هذه قد استعملت للتوبيخ (٣)، كقوله تعالى:
﴿لَوْلا جاؤُ عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَداءَ﴾ (٤) ومثال تقدير الفعل بعدها، أن يقول لك: جئتك ماشيا، فتقول: فلولا راكبا، تريد: فلولا جئت راكبا، وكذلك إذا قال: سأعطى زيدا، فقلت: فلولا محمدا، أردت: فلولا تعطى محمدا، قال الأشهب بن رميلة:
تعدّون عقر النّيب أفضل مجدكم ... بنى ضوطرى لولا الكميّ المقنّعا (٥)
стр. 1159
أراد: لولا تعدّون (١) الكميّ، أى ليس فيكم كميّ فتعدّوه.
والضرب الآخر، يدخل على جملتين؛ فيربط إحداهما بالأخرى، ويجعل الثانية جوابا للأولى، فالأولى منهما مبتدأ وخبر، والثانية فعل وفاعل، ويحتاج إلى اللام فى الجواب، كاحتياج «لو» إليها فى نحو: لو جئتنى لأكرمتك، تقول: لولا زيد لجئتك، فزيد رفع بالابتداء، وخبره محذوف لعلم السامع به، تقديره: لولا زيد حاضر أو عندك، أو نحو ذلك ممّا يعرفه المخاطب، لجئتك.
وجعل سيبويه أصل المسألة (٢): زيد بالبصرة خرج عمرو، فلا تعلّق لإحدى الجملتين بالأخرى، فإذا/دخلت «لولا» علّقت أحد الكلامين بالآخر، فقلت:
لولا زيد لخرج عمرو، حذفوا الخبر حين فهم المعنى مع كثرة الاستعمال.
وأقول: إنّ خبر المبتدأ بعد «لولا» قد ظهر فى قوله تعالى: ﴿وَلَوْلا فَضْلُ اللهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطانَ﴾ (٣) وكذلك ﴿وَلَوْلا فَضْلُ اللهِ عَلَيْكَ وَرَحْمَتُهُ لَهَمَّتْ طائِفَةٌ مِنْهُمْ أَنْ يُضِلُّوكَ﴾ (٤) وربّما جاء بعدها مكان المبتدأ الفعل والفاعل، لاستواء هاتين الجملتين فى المعنى، ألا ترى أن قولك: زيد قام، وقام زيد، معناهما واحد، قال الجموح أحد بنى ظفر، من سليم بن منصور:
لا درّ درّك إنّى قد رميتهم ... لولا حددت ولا عذرى لمحدود (٥)
-
стр. 1160
أى لولا الحدّ والحرمان (١).
وقال الفرّاء وغيره من الكوفيّين: لولا ترفع ما بعدها (٢)، لانعقاد الفائدة بها.
قال أبو سعيد: والصحيح ما قاله سيبويه: ألا ترى أن الفعل قد وقع بعدها في قول الجموح: «لولا حددت» وكلّ حرف يليه الاسم والفعل، فما بعده رفع بالابتداء، نحو إنما وكأنما، وهل وألف الاستفهام.
وأقول: إن الاحتجاج لسيبويه بوقوع الفعل بعدها ضعيف؛ لأنه لم يسمع إلاّ فى البيت الذى تقدّم ذكره، والوجه فى الاحتجاج لسيبويه: أننا لم نر حرفا (٣) يرفع اسما إلاّ وهو ينصب آخر، كأنّ وأخواتها، و «لا» في نحو: لا رجل أفضل منه.
стр. 1161
/ولا كريم من الولدان مصبوح (١)
و «ما» فى لغة أهل الحجاز، فهذه حجّة لمذهب سيبويه، قاطعة بصحّته
وإذا أتيت بالمضمر (٢) بعد «لولا» فالوجه أن تأتى بالمرفوع المنفصل، كقولك: لولا أنا، ولولا أنت، ولولا نحن، كما جاء فى التنزيل: ﴿لَوْلا أَنْتُمْ لَكُنّا مُؤْمِنِينَ﴾ (٣).
وإن شئت جئت بالمتّصل المخفوض فقلت: لولاك ولولاى، ولولاكم، قال يزيد ابن الحكم الثّقفي:
وكم موطن لولاى طحت كما هوى ... بأجرامه من قلّة النّيق منهوى (٤)
وقال آخر:
لولاك ما صمنا ولا صلّينا (٥)
стр. 1162
واختلف النحويّون فى المتصل هاهنا، فزعم الخليل وسيبويه أنه مخفوض، لأن لفظه لفظ الضمير المخفوض.
وقال الأخفش والفرّاء: إنه ضمير خفض، استعير للرفع، كما استعير ضمير الرفع للخفض، فى قولهم: «ما أنا كأنت، ولا أنت كأنا» وأبو العباس المبرّد يأبى استعمال المتّصل بعد «لولا» ويعوّل على ما جاء به القرآن، وقد أشبعت الكلام فى هذا النحو فيما تقدّم (١).
وزعم قوم من الكوفيّين (٢) أن «لولا» قد استعملت بمعنى «لم» واحتجّ بقوله تعالى: ﴿فَلَوْلا كانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَها إِيمانُها إِلاّ قَوْمَ يُونُسَ﴾ (٣) قال: معناه: لم تكن قرية آمنت عند نزول العذاب، فنفعها إيمانها إلاّ قوم يونس، وكذلك ﴿فَلَوْلا كانَ مِنَ الْقُرُونِ مِنْ قَبْلِكُمْ أُولُوا بَقِيَّةٍ يَنْهَوْنَ عَنِ الْفَسادِ فِي الْأَرْضِ إِلاّ قَلِيلاً مِمَّنْ أَنْجَيْنا مِنْهُمْ﴾ (٤) وهذا التقدير موافق للمعنى، ومباين لأصحّ الإعرابين؛ لأن المستثنى بعد النفى يقوى فيه البدل، ويجوز النصب، ولم يأت في الآيتين إلاّ النصب.
وشبّه سيبويه (٥) حذف خبر المبتدأ بعد «لولا» بأشياء من المحذوفات، كقولهم: / «إمّا لا» وأصله، فيما زعم الخليل، أنهم أرادوا: إن كنت لا تفعل كذا فافعل كذا، ومعنى هذا الكلام أن رجلا لزمته أشياء يفعلها، فامتنع، فرضى
стр. 1163
منه صاحبه ببعضها، فقال: افعل هذا إمّا لا، أى افعل هذا إن كنت لا تفعل جميع ما يلزمك، وزاد «ما» على «إن» وحذف «كان» وما يتصل به، وكثر ذلك فى كلامهم حتى صارت «لا» مع ما قبلها كشىء واحد، ولذلك أمالوا الألف من «لا» وهى لا تمال فى غير هذا الكلام.
وذكر سيبويه (١) قولهم: «حينئذ، الآن» يريدون: واسمع الآن، قال أبو سعيد: أى كان الشىء الذى تذكر واسمع الآن، وذكر سيبويه [قولهم] (٢) «ما أغفله عنك شيئا» (٣) وفسّره بقوله: أى دع الشكّ عنك، ثم قال: فحذف هذا لكثرة استعمالهم هذا الكلام.
وأقول: إنه قد روى عن أبى عثمان المازنىّ، أنه قال: سألت الأخفش عن قوله، يعنى سيبويه: «ما أغفله عنك شيئا» ما معناه؟ فقال لى: لم أزل أسأل عن هذا.
وقال المازنىّ: سألت الأصمعىّ وأبا زيد وأبا مالك (٤) عنه، فقالوا: ما ندرى ما هو.
стр. 1164
وقال أبو إسحاق الزجّاج: سمعت أبا العباس المبرّد يقول: كان أصحابنا لا يعرفون معنى هذا الحرف، يعنى المازنيّ والجرميّ.
وقال أبو سعيد: ما فسّره من مضى إلى أن مات المبرّد، وفسّره الزجّاج، فقال: معناه على كلام قد تقدّم، كأنّ قائلا قال: زيد ليس بغافل عنى، فقال المجيب: بلى ما أغفله عنك! أراد أن يبعثه على أن يعرف صحّة كلامه، فقال:
انظر شيأ؛ فإنك تعرف صحّة ما أقول لك، كما تقول: انظر قليلا. انتهى ما حكاه عن الزجّاج.
وقوله: «ما أغفله عنك» تعجّب بمقتضى هذا الكلام، وبقى فيه أن قوله:
دع الشكّ عنك، لا يتّصل بما قاله.
ووجدت بخطّ أبى الفرج سعيد بن علي بن السّلالىّ الكوفىّ، ما أملاه عليه أبو العلاء المعرّىّ، ونسبه المعرّىّ إلى بعض النحويّين. /ولم يسمّه، قال: إن الذى قيل له هذا الكلام كان له صديق عوّده أن يبرّه ويحسن إليه، وأنه ذكر صنيعه به، فقال له السامع: ما أغفله عنك! شيئا، قال: فالكلام يتمّ عند قوله: «عنك» وقوله: «شيئا» من كلام مستأنف، كأنّه قال: فكّر شيئا، أى تفكيرا قليلا، أى إنه قد انتقل عن الحال التى كنت تجده عليها، فكأنّ الرجل المثنى على الصديق شكّ فى أمره، ولم يدر ما أغفله عنه، فقال له من حضر: فكّر شيئا، أى دع الشكّ؛ لأنه إذا فكّر وجب أن يصحّ له الأمر.
وقال المعرّىّ: إن المراد بقوله: ما أغفله عنك، التعجّب، ويحتمل أن يكون استفهاما، كأنه قال: أيّ شيء أغفله عنك؟
...
стр. 1165
هذه أبيات ألغاز سئلت عنها
اسمع أبا الأزهر ما أقول ... عليك فيما نابنا التّعويل
مسألة أغفلها الخليل ... يرفع فيها الفاعل المفعول
ويضمر الوافر والطويل
فأجبت (١): بأن الإضمار من الألقاب العروضيّة والنحوية، وهو فى العروض:
لقب زحاف يقع فى البحر المسمّى الكامل، وهو أن يسكّن الحرف الثانى من متفاعلن، فيصير متفاعلن، فينقل إلى مستفعلن، والبحران الملقّبان الطويل والوافر ليس الإضمار من ألقاب زحافهما.
والإضمار فى النحو: أن يعود ضمير إلى متكلّم أو مخاطب أو غائب، كقولك فى إعادة الضمير إلى الغائب: زيد قام وبشر لقيته وبكر مررت به، فهذا هو الإضمار الذى أراده بقوله:
ويضمر الوافر والطويل
لا الإضمار الذى هو زحاف.
وقد وضعت فى الجواب عن هذا السؤال كلاما يجمع إضمار الطويل والوافر، ورفع المفعول للفاعل، وهو قولك: ظننت زيدا الطويل حاضرا أبوه، وحسبت عمرا الوافر العقل/مقيما أخوه.
فقولك: حاضرا ومقيما: مفعولان لظننت وحسبت، وقد ارتفع بهما أبوه وأخوه، كما يرتفعان بالفعل لو قلت: يحضر أبوه ويقيم أخوه، والهاء فى قولك أبوه:
ضمير الطّويل، والهاء فى قولك: أخوه: ضمير الوافر، فقد أضمرت هذين الاسمين بإعادتك إليهما هذين الضميرين.
стр. 1166
وقولك: أبوه وأخوه: فاعلان، رفعهما هذان المفعولان، مفعولا ظننت وحسبت. وبالله التوفيق والتسديد.
... قال أبو بكر بن مجاهد: قرأ عاصم فى رواية أبى بكر: «نجى المؤمنين» (١) بنون واحدة مشدّدة الجيم، على ما لم يسمّ فاعله، والياء ساكنة، قال: وروى عبيد عن أبى عمرو، وعبيد عن هارون عن أبى عمرو، كذلك (٢)، وهو وهم، لا يجوز هاهنا الإدغام؛ لأن النون (٣) لا تدغم فى الجيم، وإنما خفيت لأنها ساكنة تخرج من الخياشيم، فحذفت فى الكتابة، وهى فى اللفظ ثابتة، ومن قال: مدغم، فهو غلط.
قال أبو عليّ: القول في ذلك أنّ عاصما ينبغى أن يكون قرأ ﴿نُنَجِّي﴾ بنونين، وأخفى الثانية، لأن النون تخفى مع حروف الفم، ولا تبيّن، فالتبس على السامع الإخفاء بالإدغام (٤)، من حيث كان كلّ واحد من الإخفاء والإدغام غير مبيّن، ويبيّن ذلك إسكانه الياء من نجّى؛ لأن الفعل إذا كان مبنيّا للمفعول به وكان ماضيا لم يسكّن آخره، وإسكان آخر الماضى إنما يكون فى قول من قال فى
стр. 1167
رضى: رضا (١)، وليس هذا منه، فإسكان الياء يدل على أنه قرأ ﴿نُنَجِّي﴾ كما روى حفص عنه.
وممّا يمنع أن يظنّ ذلك به نصبه قوله المؤمنين من ﴿نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ﴾ ولو كان على ما لم يسمّ فاعله لوجب أن يرفع.
فأمّا قول من قال: إنه يسند الفعل إلى المصدر، ويضمره؛ لأن الفعل دلّ عليه، فذلك ممّا يجوز فى ضرورة الشعر، فالبيت (٢) الذى أنشده:
ولو ولدت قفيرة جرو كلب ... لسبّ بذلك الجرو الكلابا (٣)
/لا يكون حجّة فى هذه القراءة، وإنما وجهها ما ذكرنا أنّ الراوى حسب الإخفاء إدغاما، ألا ترى أن الفعل المبنىّ للمفعول ينبغى أن يسند إليه كما يسند المبنىّ للفاعل إليه، وإنما تسند هذه الأشياء إلى الظروف والحروف الجارّة، إذا لم يذكر المفعول به، فأمّا إذا ذكر المفعول به فلا تسند إلى غيره؛ لأن الفعل له فهو أولى به، وإنما حذفت النون من الخطّ كراهية لاجتماع صورتين متّفقتين، وقد كرهوا ذلك فى الخطّ فى غير هذا الموضع، وذلك أنهم كتبوا نحو الدّنيا والعليا والحذيا، بالألف، ولولا الياء التى قبل الألف لكتبوها بالياء، كما كتبوا: بهمى وحبلى وأخرى، ونحو ذلك بالياء، فكما كرهوا الجمع بين صورتين متّفقتين فى هذا
стр. 1168
النحو، كذلك كرهوا فى ننجى، فحذفوا النون الساكنة، فالوجه فيه كما رواه حفص. انتهى كلام أبى علي.
وأقول: إنّ الفرّاء هو الذى روى البيت شاهدا (١) على أنّ «نجّى» مبنيّ للمفعول، وأنه مسند إلى المصدر المقدّر، والمراد: لسبّ السّبّ بذلك الكلاب، وكان الأصل: لسبّ الكلاب السّبّ بذلك، أى بولاد ذلك الجرو، وهذا كما قال أبو عليّ إنما يجوز فى ضرورة الشّعر، وإذا كان إسناد الفعل إلى المصدر الظاهر الموصوف، ونصب المفعول به ممّا لا يحتمله إلاّ الضرورة، فما ظنّك بالمصدر المقدّر، كقولك فى التصريح بالمصدر: ضرب الضرب الشديد زيدا.
وأقول: إن الذى قاله أبو بكر بن مجاهد وأبو عليّ فى هذه القراءة، من الردّ على من ظنّ أن النون تدغم فى الجيم، ومن إفساد ما ذهب إليه الفرّاء فى البيت الذى أورده، ومن الاحتجاج فى إبطال كون الفعل مبنيّا للمفعول مع سكون يائه ونصب المؤمنين، قول سديد، يشهد بصحّته مقاييس العربيّة.
وخطر (٢) لى فى هذه القراءة وجه يخرج الفعل من بنائه للمفعول، وعن إدغام النون/فى الجيم، ولا يخرجه عن قياس كلام العرب، وهو أن يكون القارئ «نجى» أراد: ننجّى، مفتوح النون مشدّد الجيم، فحذف النون الثانية كراهة توالى مثلين متحرّكين، كما حذف التاء من قرأ ﴿تَذَكَّرُونَ﴾ (٣) خفيف الذال، حذف
стр. 1169
التاء الثانية من تتذكّرون، وكما حذفوا بإجماع التاء الثانية، من تتنزّل، وقرءوا كلّهم:
﴿تَنَزَّلُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ﴾ (١).
وممّا جاء من حذف إحدى النونين المتحرّكتين حذفها فى قراءة نافع:
﴿فَبِمَ تُبَشِّرُونَ﴾ (٢) بكسر النون خفيفة، فرّ من تبشّروننى إلى الحذف، كما فرّ منه ابن كثير إلى الإدغام، فقرأ: ﴿تُبَشِّرُونَ﴾ وباقى القرّاء على فتح النون وحذف المفعول بغير دليل عليه.
وكذلك اختلفوا فى قوله تعالى: ﴿أَفَغَيْرَ اللهِ تَأْمُرُونِّي أَعْبُدُ﴾ (٣) فستّة من القرّاء فرّوا من تأمروننى إلى الإدغام، ونافع حذف الثانية (٤).
ويقوّى أنّ من قرأ: «نجى» أراد ننجّى مجىء الماضى قبله على فعّلنا مشدّد العين، فى قوله: ﴿وَنَجَّيْناهُ مِنَ الْغَمِّ﴾ (٥) فلما جاء الماضى على فعّلنا: نجّينا، قوبل بننجّى، ولو كان «وأنجيناه» جاز لمن قرأ ننجى، بسكون النون، أن يحتجّ بسكونها فى الماضى. فأنعم النّظر فيما ذكرته، فهو أعبق بالصّواب من غيره.
... وهذا الحرف مما سأل عنه نصر بن عيسى بن سميع الموصلىّ، مكاتبة، وسأل عن قراءة أبى جعفر يزيد بن القعقاع المدنيّ: ﴿فَالصّالِحاتُ قانِتاتٌ﴾
стр. 1170
﴿حافِظاتٌ لِلْغَيْبِ بِما حَفِظَ اللهُ﴾ (١) بنصب هذا الاسم، تعالى مسمّاه.
فأجبت بأنّ انتصابه بوقوع الفعل عليه، بتقدير حذف مضاف، أى بما حفظ أمر الله (٢)، كما جاء فى الأخرى: ﴿فَأَتاهُمُ اللهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا﴾ (٣) أى فأتاهم أمر الله.
ومعنى «ما» فى هذه القراءة معنى «الذى» فالمضمر فى ﴿حَفِظَ﴾ عائد على «ما» والتقدير: حافظات للغيب، أى لغيب أزواجهنّ بالصلاح الذى حفظ أمر الله.
وأمّا من قرأ/بالرفع، فإنّ «ما» فى قراءته مصدريّة، ومفعول ﴿حَفِظَ﴾ محذوف، أى حافظات لغيب أزواجهنّ بما حفظهنّ الله فى مهورهنّ، وإلزام أزواجهنّ الإنفاق عليهنّ.
قال أبو علىّ: من نصب فقال: ﴿بِما حَفِظَ اللهُ﴾ لم يجز أن يجعل «ما» مع الفعل بمنزلة المصدر؛ لأنه يبقى الفعل بغير فاعل، يعنى أن التقدير فى كونها مصدرية: بحفظهنّ الله، وهذا يصحّ لو كان لفظ التلاوة: بما حفظن الله، وصحّ هذا مع الرفع؛ لأن التقدير: يحفظهنّ الله، فحذف المفعول؛ لأنّ حذف المفعول جائز، ولم يجز ذلك مع النصب؛ لأن حذف فاعل الفعل لا يجوز.
... وممّا سأل عنه قول ثعلب: «وإذا أمرت من هذا الباب كلّه كان باللام،
стр. 1171
كقولك: لتعن بحاجتى» (١) فقال: إنّ اللام موضوعة لأمر الغائب، فكيف دخلت على أمر المواجه؟.
فأجبت بأنه أراد فى قول ابن درستويه، فى تصحيحه للفصيح (٢): أن لا يؤمر بهذا اللفظ مواجه، وإنما يؤمر به غائب، مكاتبة أو مراسلة.
وأقول بعد هذا: إن الأصل فى أمر المواجه أن يستعمل بلام الأمر مع تاء الخطاب، فقد روي عن النبيّ ﵇ أنه قال فى بعض مغازيه: «لتأخذوا مصافّكم» (٣) وفى قراءة أبيّ: «فبذلك فلتفرحوا» (٤) وقيل: إنّ رسول الله ﵌ كذلك قرأها، فالأصل فى أمر المواجه: لتقم، لتنطلق، كما يقال للمنهيّ المواجه: لا تقم، ولا تنطلق، ولكنهم استثقلوا استعمال أمر المواجه باللام مع حرف المضارعة؛ لأنه كثر فى كلامهم، فخفّفوه بحذف اللام وحذف التاء، واستدلّوا (٥) بالصّيغة على المعنى الذى أرادوه، واستغنوا بقولهم: قم وانطلق عن قوله:
لتقم ولتنطلق، ويجوز عندى استعمال الأصل فى قولك: لتعن بحاجتى، ولتوضع (٦) فى تجارتك، مخاطبا به حاضرا (٧)، وهذا الذى أراده ثعلب.
... وممّا سأل عنه نصر بن عيسى الموصلى، عامل الجزم فى «يؤخّر» من قول زهير (٨):
стр. 1172
/فلا تكتمنّ الله ما فى نفوسكم ... ليخفى ومهما يكتم الله يعلم
يؤخّر فيوضع فى كتاب فيدّخر ... ليوم الحساب أو يعجّل فينقم
فأجبت بأنه انجزم على جواب النّهى الذى هو «لا تكتمنّ» لأن النّهي وما أشبهه ممّا ليس بواجب، ينوب عن الشرط فينجزم جوابه، إذا لم تكن فيه الفاء، فأراد: لا تكتمنّ الله ما فى نفوسكم من الغدر يؤخّر، أى فإنكم إن تكتموه (١) يؤخّر، أى يؤخّر جزاؤه، فحذف المضاف وأقام المضاف إليه مقامه، فارتفع الضمير لقيامه مقام مرفوع، واستتر، ثم قال: «فيوضع فى كتاب فيدّخر ليوم الحساب» أى إلى يوم الحساب، «أو يعجّل» أى يعجّل جزاؤه، وقامت اللام مقام إلى، كما جاء فى التنزيل: ﴿بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحى لَها﴾ (٢).
...
стр. 1173
المجلس السابع والستون
قال أبو علىّ، فى قول الله تعالى جدّه: ﴿لا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيامَةِ﴾ (١) من قال:
إن «لا» صلة (٢) كانت كالتى فى قوله: ﴿لِئَلاّ يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتابِ﴾ (٣) فإن قلت: إنّ «لا وما» والحروف التى تكون زوائد إنما تكون بين كلامين، كقوله: ﴿فَبِما رَحْمَةٍ مِنَ اللهِ﴾ (٤) و «ممّا خطاياهم» (٥) و ﴿فَبِما نَقْضِهِمْ مِيثاقَهُمْ﴾ (٦) ولا تكاد تزاد أولا.
فقد قالوا: إنّ مجاز القرآن مجاز الكلام الواحد والسورة الواحدة، قالوا:
والذى يدلّ على ذلك أنه قد يذكر الشىء فى سورة فيجىء جوابه فى سورة أخرى، كقوله: ﴿وَقالُوا يا أَيُّهَا الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ﴾ (٧) جاء جوابه فى سورة أخرى/ ﴿ما أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ﴾ (٨) فلا فصل على هذا بين قوله: ﴿لِئَلاّ يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتابِ﴾ وبين قوله: ﴿لا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيامَةِ﴾ وقد حملت «ما» على الزيادة فيما أنشده أبو زيد:
ما مع أنّك يوم الورد ذو جزر ... ضخم الدّسيعة بالسّلمين وكّار (٩)
стр. 1174
جاءت «ما» زائدة فى أول البيت كما ترى. انتهى كلامه.
وأقول: إنّ بعض النحويّين أنكر أن تكون «لا» زائدة فى قوله: ﴿لا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيامَةِ﴾ قال: لأنّ زيادة الحرف تدلّ على اطّراحه، وكونه فى أول الكلام يدلّ على قوّة العناية به، فلا يجوز أن يكون مطّرحا معنيّا به فى حال واحدة، وإذا قبح الجمع بين اطّراحه والعناية به، لم يجز أن نجعل «لا» فى هذه الآية زائدة، وجعلناها نافية، ردّا على من جحد البعث، وأنكر القيامة، وقد حكى الله أقوالهم فى مواضع من الكتاب، فكأنه قيل: لا، ليس الأمر على ما تقوّلتموه من إنكاركم ليوم القيامة، ثم قال: ﴿أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيامَةِ. وَلا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوّامَةِ﴾ فلا: جواب لما حكى من جحدهم للبعث، كما كان قوله: ﴿ما أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ﴾ جوابا لقولهم: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ﴾ لأنّ القرآن يجرى مجرى السورة الواحدة.
ومثل قوله: ﴿ما أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ﴾ جوابا لما قذفوه به من الجنون قوله تعالى: ﴿يَحْلِفُونَ بِاللهِ ما قالُوا وَلَقَدْ قالُوا كَلِمَةَ الْكُفْرِ وَكَفَرُوا بَعْدَ إِسْلامِهِمْ وَهَمُّوا بِما لَمْ يَنالُوا﴾ (١) المراد بذلك قول عبد الله بن أبيّ بن سلول، ومن كان معه من المنافقين: ﴿لَئِنْ رَجَعْنا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ﴾ (٢).
فاحتجّ من قال إن «لا» فى قوله: ﴿لا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيامَةِ﴾ ردّ على من أنكر البعث بما احتجّ به أبو علىّ، على زيادتها، ثم إنه قال بعد ما حكيته عنه: فقد (٣) يجوز أن تكون «لا» ردّا لكلام. ثم ذكر بعد هذا قراءة ابن كثير، فقال: وأمّا قول (٤)
стр. 1175
ابن كثير: «لأقسم/بيوم القيامة» فإنّ اللام يجوز أن تكون التى تصحبها إحدى النّونين فى أكثر الأمر، وقد حكى ذلك سيبويه (١) وأجازه، وكما لم تلحق النون مع الفعل الذى للآتى، كذلك لم تلحق اللام مع النون فى نحو قول الشاعر:
وقتيل مرّة أثأرنّ فإنّه ... فرغ وإنّ أخاهم لم يثأر (٢)
ويجوز أن تكون اللام لحقت فعل الحال، فإذا كان للحال لم تتبعه النون؛ لأن هذه النون التى تلحق الفعل فى أكثر الأمر، إنما هى للفصل بين فعل الحال والفعل الآتى، وزعموا أن الحسن قرأ: «لأقسم» وقرأ ﴿وَلا أُقْسِمُ﴾ وأنه قال:
أقسم الله بالأولى، ولم يقسم بالثانية، قال أبو علي: وقد حكى ذلك عن ابن أبى إسحاق. انتهى كلامه (٣).
وأقول: إنّ كون «أقسم» فى قراءة ابن كثير للحال أولى من كونه للاستقبال؛ لأنه إذا أريد أقسم بيوم القيامة الآن، فهو أولى من أن يراد أقسم بيوم القيامة فيما يستقبل من الزمان، فكأنه قيل: سأقسم بيوم القيامة.
ومثل ﴿لا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيامَةِ﴾ ﴿لا أُقْسِمُ بِهذَا الْبَلَدِ﴾ (٤) قال الزجّاج:
المعنى: أقسم بهذا البلد، و «لا» دخلت توكيدا، كما قال: ﴿لِئَلاّ يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتابِ﴾ قال: وقرئت: «لأقسم بهذا البلد»، تكون اللام لام القسم، قال:
وهذه القراءة قليلة بعيدة؛ لأن لام القسم لا تدخل على الفعل المستقبل إلاّ مع النون، تقول: لأضربنّ زيدا، ولا يجوز: لأضرب زيدا، تريد الحال. انتهى كلامه (٥).
وقوله هذا يقوّى ما ذكرته من حمل ﴿أُقْسِمُ﴾ فى قراءة ابن كثير، على أنه
стр. 1176
فعل حال لا مستقبل. وقال: المراد بالبلد مكّة، وبوالد وما ولد: آدم وذريّته.
وقال من ضعّف قراءة ابن كثير: فى قراءة ابن كثير نظر؛ لأن ألف (١) ﴿أُقْسِمُ﴾ ثابتة فى الإمام، يعنى المصحف الأقدم.
وأقول: إنه ليست «لا» فى قوله تعالى: ﴿فَلا أُقْسِمُ بِمَواقِعِ النُّجُومِ﴾ (٢) وقوله: ﴿فَلا أُقْسِمُ/بِرَبِّ الْمَشارِقِ وَالْمَغارِبِ﴾ (٣) ونحو ذلك بمنزلتها فى قوله:
﴿لا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيامَةِ﴾ كما زعم بعض النحويين؛ لأنها ليست فى أول السورة، فمجيئها بعد الفاء، والفاء عاطفة جملة على جملة، يخرجها عن كونها بمنزلتها فى ﴿لا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيامَةِ﴾ فهى إذا زائدة للتوكيد، وسنذكر وجوه «لا» بعد تفسير غريب قول الشاعر:
ما مع أنك يوم الورد ذو جزر ... ضخم الدّسيعة بالسّلمين وكّار
الجزر: جمع جزرة، وهى الشاة المذبوحة (٤).
والدّسيعة هاهنا: الجفنة، والدّسيعة فى غير هذا: العطيّة الضّخمة، والدّسيعة أيضا: مركّب العنق فى الكاهل، وهو أعلى الظّهر.
والسّلم: الدّلو، ووكّار: عدّاء.
وقول الآخر:
وقتيل مرّة أثأرنّ فإنه. . . فرغ.
أراد: فإنّ دمه فرغ، يقال: ذهب دم فلان فرغا، أى باطلا لم يطلب به.
وأقول: إن «لا» تنقسم فى تصاريفها عملا ومعنى إلى ضروب، أحدها: أن تكون تبرئة، وذلك إذا ركّبتها مع النكرة، فتناولت نفى الجنس، فى نحو: لا مال
стр. 1177
لزيد، ولا رجل فى الدار، و ﴿لا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ﴾ (١) فهى فى هذا الوجه مشبّهة بإنّ، من حيث هى نقيضتها، ومعنى تناقضهما: أنه إذا قيل: إنّ فى الدار رجلا، قيل فى نفيه: لا رجل فى الدار، والعرب يحملون الشىء على نقضيه (٢)، كما يحملونه على نظيره، كما حملوا «كم» على «ربّ» فى الخبر، فبنوها من حيث ناقضتها، فكانت للتكثير، وربّ للتقليل، فالفتحة فى نحو لا رجل فى الدار فى قول البصريّين بناء يشبه الإعراب، وهى فى قول الكوفيّين إعراب، والصحيح ما ذهب إليه البصريّون، وذلك لعدم التنوين، فتنزّل لا رجل منزلة خمسة عشر (٣).
/فإن وليها المضاف أو الطّويل (٤)، وهو الذى يعمل فيما بعده نصبا أو رفعا، فالفتحة نصب صريح؛ لأن التركيب لا يكون فيما جاوز جزئين، فمثال المضاف:
لا صاحب حقّ فى الدار، ولا طالب رفد هنا، ومنه قول المتنبى (٥):
فلا ثوب مجد غير ثوب ابن أحمد ... على أحد إلاّ بلؤم مرقّع
ومثال الطويل الناصب، قولك: لا ضاربا زيدا هنا، والرافع: لا كريما أبوه عندك، ولا حسنا وجهه حاضر، ومن الطويل الناصب: أفعل، فى نحو: لا أفضل من زيد فى الدار، وإنما حكموا بطول أفضل؛ لتعلّق «من» به، ألا ترى أنه لمّا زال عن أفعل وزن الفعل فوجب صرفه، لحقه التنوين، فقيل: لا خيرا من زيد عندنا، ولا شرّا من بكر عندك.
стр. 1178
فالفتحة فى قولك: لا صاحب حقّ، وفى قوله: «لا ثوب مجد» نصب صريح، فأما قوله، أعنى أبا الطيّب (١).
قفا قليلا بها علىّ فلا ... أقلّ من نظرة أزوّدها
فيجوز فى «أقلّ» الرفع والنصب، فالرفع على تشبيه «لا» بليس، والنصب على تشبيه «لا» بإنّ، والفتحة فى «أقلّ» إعراب، لطوله بمن.
فإن قيل: ما الذى أوجب بناء الاسم المنكور، فى نحو: لا رجل فى الدار؟
قيل: الذى أوجب بناءه تضمّنه معنى الحرف الذى هو «من» وذلك أنّ «من» فى قولك: هل من رجل فى الدار؟ موضوعة لاستغراق الجنس، وكذلك إذا قلت: ما جاءنى من رجل، استغرق النّفى الجنس، فإذا قلت: ما جاءنى رجل، جاز أن تكون نفيت رجلا (٢)، فأردت: ما جاءنى رجل بل رجلان، ولا يجوز أن تقول:
ما جاءنى من رجل بل رجلان.
وإذا عرفت هذا، فإنّ الاستفهام فى قولك: هل من رجل فى الدار؟ مستغرق للجنس كلّه، فجوابه المستحقّ: لا من رجل فى الدار؛ لأن الجواب حقّه أن يكون/وفق السّؤال، فحذفوا «من» وضمّنوا الاسم معناها فبنوه؛ لأن الاسم إذا تضمّن معنى الحرف استحقّ البناء، ولو أنه قال مستفهما: هل رجل فى الدار؟ قلت نافيا: لا رجل فى الدار، فأعربت المنفىّ (٣)؛ لأنه لم يتضمّن معنى الحرف.
واختلف فى قوله جلّ وعز: ﴿لا جَرَمَ أَنَّ لَهُمُ النّارَ﴾ (٤) فقال الفراء: معناه لا بدّ ولا محالة أنّ لهم النار (٥).
стр. 1179
وقال الزجّاج: إن «لا» ردّ، أى لا، ليس الأمر كما وصفوا، جرم أن لهم النار، أى وجب، حكى ذلك عن قطرب (١).
وقال غيرهما: إنّ «لا» زائدة، وجرم فعل ماض معناه: ثبت وحقّ، والفرّاء لا يرى زيادة «لا» فى أول الكلام، فجرم على قوله اسم منصوب بلا، على التّبرئة.
وقال أبو العباس المبرّد: إذا قلت: لا محالة أنك ذاهب، ولا بدّ أنك ذاهب، فأنّك: فى موضع رفع، بمنزلة «أفضل» فى قولك: لا رجل أفضل منك (٢).
وأقول: إن قوله: لا جرم إذا كان بمعنى لا بدّ ولا محالة [فإنّ حرف الجرّ مقدّر فى الخبر، فالتقدير: لا بدّ من أنّ لهم النار ولا محالة (٣)] في أنّ لهم النار، كما تقول:
لا بدّ من هذا، ولا محالة فى هذا.
والضّرب الثانى من ضروب «لا»: أنّ من العرب من شبّهوها بليس، فرفعوا بها الاسم، ونصبوا بها الخبر، وألزموا اسمها التنكير، فقالوا: لا رجل حاضرا، ولا غلام عندى، قال الشاعر:
من صدّ عن نيرانها ... فأنا ابن قيس لا براح (٤)
أراد: لا براح لى، وقد بسطت الكلام فى هذا النحو فيما تقدّم (٥)، وذكرت أن أبا الفتح عثمان لمّا ذكر فى تفسيره لشعر المتنبى قوله:
إذا الجود لم يرزق خلاصا من الأذى ... فلا الحمد مكسوبا ولا المال باقيا
стр. 1180
لم يذكر فى رفع (١) «لا» للمعرفة شيئا.
ومتى دخلت «لا» على معرفة كرّرت وارتفع الاسم بالابتداء، كقولك:
لا زيد عندى ولا بكر، ومثله فى التنزيل: ﴿لا الشَّمْسُ/يَنْبَغِي لَها أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلا اللَّيْلُ سابِقُ النَّهارِ﴾ (٢) وإنما وجب فى هذا النحو تكريرها؛ لأنها جواب لمن قال: أزيد عندك أم بكر؟ فوافق الجواب السؤال، فإن قال السائل: أزيد عندك؟ فاقتصر على الواحد، قال المجيب: لا، فاقتصر على لا أو نعم، إن كان زيد عنده، قال أبو علي: ويقبح أن تقول: لا زيد عندى حتّى تتبعه بشىء، فتقول:
ولا عمرو، وقالوا: «لا نولك أن تفعل» فلم يكرّروا لأنّه صار بمنزلة لا ينبغى لك، فأجروها مجراها، حيث كانت بمعناها، كما أجروا يذر مجرى يدع، لاتفاقهما فى المعنى. انتهى كلامه (٣).
وقال سيبويه: قد يجوز فى الشعر رفع المعرفة، ولا تثنّى «لا»، قال الشاعر (٤):
بكت جزعا فاستعبرت ثم آذنت ... ركائبها أن لا إلينا رجوعها
стр. 1181
وأقول: إن قولهم: «لا نولك أن تفعل كذا» لمّا كان «نولك» بمعنى الفعل الذى هو ينبغى، لم يكرّروه وإن كان معرفة، كما لم يكرّروا الفعل فى:
لا ينبغى لك أن تفعل، وكذلك كلّ فعل تنفيه لا يلزم تكريره، كقولك: لا يخرج زيد اليوم، وكقوله تعالى: ﴿لا يُحِبُّ اللهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ﴾ (١) و ﴿قُلْ لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً﴾ (٢).
وقوله: كما حمل يذر على يدع لاتفاقهما فى المعنى، أراد: أنّ يدع أصله يودع، مكسور الدال، فحذفوا واوه لوقوعها بين ياء وكسرة، كما حذفوها فى يعد، فصار فى التقدير: يدع مثل يعد، ثم فتحوا عينه التى هى الدال؛ لأنّ لامه وهى العين، حرف حلقيّ، ومتى كانت لام الفعل أو عينه حرفا من حروف الحلق، وهى الغين والخاء والعين والحاء والهمزة والهاء، فإنه يجيء فى الأغلب على فعل يفعل، بفتح العين فى الماضى والمستقبل، كقولهم: صنع يصنع ومنع يمنع ورفع يرفع وجبه يجبه وسلخ يسلخ وسلح يسلح، فهذا مثال ما لامه حرف حلق.
وأمّا مثال ما عينه الحلقيّ، فنحو: شغل يشغل وفعل يفعل ومحق يمحق وثأر يثأر/وبهر يبهر وفغرفاه يفغره.
وإذا عرفت هذا ولم تجد فى «يذر» حرفا حلقيّا يستحقّ به أن تفتح عينه، وكان قياسه يذر، بكسر الذال، علمت أن ذاله فتحت حملا على دال «يدع» لاتّفاقهما فى المعنى (٣).
ومثل تكرير المعرفة فى قولهم: لا زيد عندى ولا عمرو، تكرير النكرة إذا فصل بينها وبين «لا» فوجب رفعها فى نحو: لا فى الدار رجل ولا امرأة، كما جاء فى التنزيل ﴿لا فِيها غَوْلٌ وَلا هُمْ عَنْها يُنْزَفُونَ﴾ (٤) وذلك أن التكرير لا يلزم إذا ركّبت
стр. 1182
«لا» فى نحو: لا رجل فى الدار؛ لأنك إذا ركّبتها نفيت بها الجنس، فتناولت العموم.
والثالث من ضروبها: استعمالها للنّهي، فينهى بها المواجه والغائب، تقول:
لا تقم، ولا يقم زيد، و ﴿لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِياءَ﴾ (١) و ﴿لا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكافِرِينَ أَوْلِياءَ﴾ (٢).
والرابع: استعمالهم إيّاها دعاء، فأولوها المستقبل والماضى، فالمستقبل كقولك: لا يغفر الله له، وكقول الشاعر (٣):
فلا تشلل يد فتكت بعمرو ... فإنّك لن تذلّ ولن تضاما
وكقول الفرزدق (٤):
إذا ما خرجنا من دمشق فلا نعد ... لها أبدا ما دام فيها الجراضم
الجراضم: العظيم البطن.
стр. 1183
والماضى كقولك: لا فضّ الله فاك، ولا شلّت (١) يداك، ولا غفر الله له، وكقول ابن الرّقيّات (٢):
لا بارك الله فى الغوانى هل ... يصبحن إلاّ لهنّ مطّلب
والخامس: أنهم نفوا بها الأفعال المستقبلة والحاضرة، فإذا قال: سيفعل أو سوف يفعل، قلت: لا يفعل، ومن ذلك قوله: ﴿إِنْ تَدْعُوهُمْ لا يَسْمَعُوا دُعاءَكُمْ﴾ (٣) فهذا مستقبل محض؛ لأنه جزاء، ومثله: ﴿لَئِنْ أُخْرِجُوا لا يَخْرُجُونَ مَعَهُمْ وَلَئِنْ/قُوتِلُوا لا يَنْصُرُونَهُمْ وَلَئِنْ نَصَرُوهُمْ لَيُوَلُّنَّ الْأَدْبارَ ثُمَّ لا يُنْصَرُونَ﴾ (٤) وإذا قال: زيد يكتب الآن، قلت: لا يكتب، فنفيت الحاضر، والنّفي بها يتناول فعل المتكلّم وفعل المخاطب، كما يتناول فعل الغائب، فتناوله لفعل المتكلّم، كقولك:
لا أخرج اليوم، ولا نسافر غدا، ومثله قوله: ﴿قُلْ لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً﴾ (٥).
وفعل المخاطب كقولك: إنك لا تزورنا، ومثله: ﴿سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنْسى﴾ (٦) وقوله: ﴿فَانْفُذُوا لا تَنْفُذُونَ إِلاّ بِسُلْطانٍ﴾ (٧) ومنه قراءة ابن عامر: ﴿وَلا تَتَّبِعانِّ سَبِيلَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾ (٨) بتخفيف النون.
стр. 1184
فإذا نفيت بها فى جواب القسم دخلت على يفعل وعلى فعل، كما كان ذلك فى الدّعاء، تقول؛ والله لا أقوم، وو الله لاقمت، وإنما استعملوا الماضى في هذين الضّربين: الدعاء والقسم، لخفّته، كما استعملوه فى الشّرط.
والسادس: أنها تكون ردّا فى الجواب، مناقضة لنعم وبلى، فإذا قال مقرّرا:
ألم أحسن إليك؟ قلت: لا أو بلى، وإذا قال مستفهما: هل زيد عندك؟ قلت:
لا أو نعم، كما جاء فى التنزيل: ﴿أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قالُوا بَلى﴾ (١) وجاء فيه: ﴿فَهَلْ وَجَدْتُمْ ما وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقًّا قالُوا نَعَمْ﴾ (٢).
وقد استعملوا «نعم» فى جواب الطّلب والخبر، قال سيبويه: «نعم عدة وتصديق» (٣)، فإذا قال: هل تزورنا؟ فقال: نعم، فهذا عدة، وكذلك إن قال:
زرنى، فقلت: نعم، وإذا قال: زيد رجل صالح، فقلت: نعم، فهذا تصديق.
والسابع: أنها تكون عاطفة، تشرك ما بعدها فى إعراب ما قبلها، وتنفى عن الثانى ما ثبت للأول، كقولك: خرج زيد لا بكر، ولقيت أخاك لا أباك، ومررت بحميك لا أبيك (٤).
فإن قلت: ما قام زيد ولا بكر، وما لقيت الزيدين ولا العمرين، فالعطف للواو دونها، لأمرين، أحدهما: أن الواو أمّ حروف العطف.
والآخر: أن «لا» لا يعطف بها بعد النفى، لا تقول: ما قام زيد لا بكر، وإذا بطل أن تكون/للعطف فهى زائدة لتوكيد النفى، وكذلك حكم «لكن»
стр. 1185
الخفيفة مع الواو، تنفرد الواو دونها بالعطف، وتفيد «لكن» الاستدراك فقط، فى قولك: ما قام زيد ولكن بشر.
والثامن: أنهم استعملوها بمعنى «لم» فألزموها الماضى، كقوله تعالى:
﴿فَلا صَدَّقَ وَلا صَلّى﴾ (١) أى لم يصدّق ولم يصلّ، ومثله: ﴿فَلا اِقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ﴾ (٢) ومثله قول الشاعر (٣):
وأيّ خميس لا أفأنا نهابه ... وأسيافنا يقطرن من كبشه دما
الخميس: الجيش العظيم، وكبش الجيش: رئيسه، ومن ذلك قول الآخر:
لا همّ إن الحارث بن جبله ... زنا على أبيه ثمّ قتله (٤)
وكان فى جاراته لا عهد له ... فأيّ أمر سيّئ لا فعله
قوله: «زنا على أبيه» يروى بتخفيف النون وتشديدها (٥)، فمن رواه مخفّفا فمعناه زنا بامرأته، ومن رواه مشدّدا فأصله: زنّأ، مهموز، ومعناه ضيّق عليه، وهذا القول أوجه، وهى رواية ابن السّكّيت (٦)، وقال أبو خراش الهذلىّ، وهو يطوف بالبيت:
إن تغفر اللهمّ تغفر جمّا ... وأيّ عبد لك لا ألماّ (٧)
стр. 1186
أى لم يلمّ بالذّنوب، وقد ذكرت هذا الفصل فيما تقدّم.
والتاسع: استعمالهم «لا» اسما فى قول القائل (١):
أبى جوده لا البخل واستعجلت به ... نعم من فتى لا يمنع الجود قاتله
فى قول من جرّ «البخل» بإضافة «لا» إليه، لأن «لا» قد تكون للبخل ولضدّه، وسأبيّن هذا فيما بعد.
وقد استعملت العرب بعض الحروف أسماء، وذلك على ضروب، فمنها ما حكته فأقرّته على لفظه، كإقرار «لا ونعم» في هذا البيت على لفظهما، ومنها ما حكته وغيّرت معناه، كعن فى قول قطرىّ بن الفجاءة:
ولقد أرانى للرّماح دريئة ... من عن يمينى مرّة وأمامى (٢)
أراد: من ناحية يمينى، ومثل ذلك «على» فى قولهم: نزلت من على الجبل، يريدون: من فوق الجبل، كما قال (٣):
غدت من عليه تنفض الطّلّ بعد ما ... رأت حاجب الشّمس استوى فترفّعا
وممّا استعملوه اسما بمعناه حرفا، كاف التشبيه، فى نحو قول امرئ القيس، يصف فرسا (٤):
стр. 1187
فرحنا بكابن الماء يجنب وسطنا ... تصوّب فيه العين طورا وترتقى
وجعله الأعشى اسما بإسناد الفعل إليه، فى قوله (١):
أتنتهون ولن ينهى ذوى شطط ... كالطّعن يهلك فيه الزّيت والفتل
واستعمال الحرف اسما بلفظه أقيس؛ لأنك تنزّله منزلة الاسم المبنيّ، كقولك: هل حرف استفهام، ومن حرف تبعيض، ولم حرف نفى، فإن قلت:
هل حرف استفهام، ولم حرف نفى، فنزّلته منزلة دم وغد، فجيّد.
وقد استعملوا حروفا أسماء على ضربين: ضرب أعربوه ونوّنوه، وضرب أعربوه ونوّنوه وشدّدوا آخره، كما قال (٢):
إنّ ليتا وإنّ لوّا عناء
وضرب جمعوا فيه الألف واللام والتشديد، فمن ذلك ما حكاه الخليل، قال:
«قلت لأبى الدّقيش: هل لك فى زبد وتمر؟ فقال: أشدّ الهلّ وأوحاه (٣)» وجاء فى شعر أبى نواس (٤):
стр. 1188
هل لك والهلّ خير
ومن المعرب المنوّن قول المتنبّى (١):
من اقتضى بسوى الهندىّ حاجته ... أجاب كلّ سؤال عن هل بلم
يقول: من اقتضى بسوى السيف حاجته أجاب كلّ سؤال يقال فيه: هل قضيت حاجتك؟ بقوله: لم تقض، وأراد بالحاجة هاهنا ما عظم من المطالب التى/ لا يكاد مثلها يدركه طالبه إلاّ بالسيف.
وذهب بعض الكوفيّين فى قولهم: غضبت من لا شيء، وخرجت بلا زاد (٢)، يريدون: من غير شيء، وبغير زاد، إلى أن «لا» فى هذا النحو اسم لدخول الخافض عليها، وقيامها مقام «غير» قال: وكذلك إذا استعملت فى وصف النكرة، كما جاء فى التنزيل: ﴿إِنَّها بَقَرَةٌ لا فارِضٌ وَلا بِكْرٌ﴾ (٣) وكما جاء: ﴿وَظِلٍّ مِنْ يَحْمُومٍ. لا بارِدٍ وَلا كَرِيمٍ﴾ (٤) ومثله: ﴿وَفاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ. لا مَقْطُوعَةٍ وَلا مَمْنُوعَةٍ﴾ (٥) وأنشد للأسود بن يعفر (٦):
تحيّة من لا قاطع حبل واصل ... ولا صارم قبل الفراق قرينا
بخفض «قاطع وصارم» قال: أراد تحيّة إنسان غير قاطع حبل من يصله، قال: وتقول: مررت برجل لا كريم ولا شجاع، بالخفض على ما تقدّم، ولا كريم
стр. 1189
ولا شجاع، بالرفع على إضمار «هو» قال: وقبيح أن تقول: لا كريم أو لا كريم، وتسكت، وربّما جاء فى الشعر بغير تكرير، وأنشد:
وأنت امرؤ منّا خلقت لغيرنا ... حياتك لا نفع وموتك فاجع (١)
ومذهب البصريّين أنّ العامل فى المجرور من قولهم: غضبت من لا شيء ونحوه هو الجارّ، تخطّى «لا» إلى العمل فيما بعدها، وأنّ «لا» حرف وإن أدّت معنى «غير».
قال أبو سعيد، فى شرح الكتاب: دخلت «لا» مكان «غير» فى قولك غضبت من لا شيء، و «لا» حرف فلا يقع عليه حرف الخفض، فوقع حرف الخفض على ما بعد «لا» وعلى هذا: «ما كان إلاّ كلا شيء» أى كغير شيء، وقال سيبويه فى قول جرير:
ما بال جهلك بعد الحلم والدّين ... وقد علاك مشيب حين لا حين (٢)
إنما هو: حين حين، و «لا» بمنزلة «ما» إذا ألغيت.
والعاشر: أنهم زادوها توكيدا للكلام، كزيادتها (٣) فى قوله تعالى: ﴿لِئَلاّ يَعْلَمَ﴾
стр. 1190
﴿أَهْلُ الْكِتابِ﴾ (١) المراد: لأن يعلم أهل الكتاب أنهم لا يقدرون على شيء من فضل الله، وممّا زيدت فيه قوله تعالى: ﴿ما مَنَعَكَ أَلاّ تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ﴾ (٢) أراد:
ما منعك أن تسجد، كما قال فى الأخرى: ﴿ما مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِما خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ (٣).
ومن مواضع زيادتها المطّردة مجيئها بعد النفى، مؤكّدة له فى نحو قوله تعالى:
﴿ما جَعَلَ اللهُ مِنْ بَحِيرَةٍ وَلا سائِبَةٍ وَلا وَصِيلَةٍ وَلا حامٍ﴾ (٤) وقد تجيء مؤكّدة للنفى فى غير موضعها الذى تستحقّه، كقوله: ﴿وَما يَسْتَوِي الْأَعْمى وَالْبَصِيرُ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ وَلا الْمُسِيءُ﴾ (٥) المعنى: وما يستوى الذين آمنوا وعملوا الصالحات والمسيء؛ لأنك تقول: ما يستوى زيد وعمرو، ولا تقول: ما يستوى زيد، فتقتصر على واحد، ومثله: ﴿وَلا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلا السَّيِّئَةُ﴾ (٦).
وممّا زيدت فيه قوله تعالى: ﴿وَحَرامٌ عَلى قَرْيَةٍ أَهْلَكْناها أَنَّهُمْ لا يَرْجِعُونَ﴾ (٧) المعنى: حرام على قرية أهلكناها رجوعهم إلى الدنيا.
وقد تزاد لإزالة الاحتمال، فى نحو قولك: ما قام زيد ولا عمرو، وذلك أنك إذا قلت: ما قام زيد وعمرو، احتمل أنهما لم يقوما معا، ولكن قام كلّ واحد منهما منفردا، فإذا زدت «لا» زال هذا الاحتمال، وصار إعلاما بأنهما لم يقوما ألبتّة.
وممّا زيدت فيه «لا» قول العجّاج (٨):
стр. 1191
فى بئر لا حور سرى وما شعر
معناه: فى بئر حور، أى فى بئر هلاك، وكذلك هى فى قول الآخر (١):
وما ألوم البيض أن لا تسخرا ... إذا رأين الشّعر القفندرا
القفندر: القبيح المنظر، وقال آخر:
مخافة أن لا يجمع الله بيننا ... ولا بينها أخرى اللّيالى الغوابر (٢)
الغوابر: البواقى (٣)، فأما قوله:
أبى جوده لا البخل واستعجلت به ... نعم من فتى لا يمنع الجود قاتله (٤)
/فقد روى بنصب «البخل (٥)» وجرّه، فنصبه على أن تكون «لا» زائدة، فالمعنى: أبى جوده البخل، وجرّه على إخراج «لا» من الحرفية إلى الاسميّة، وإضافتها إليه، لأن «لا» تكون للبخل ولغير البخل، فأراد أنه يمتنع من «لا» التى للبخل خاصّة، فمثال التى للبخل أن يقول له: هل تجود عليّ بدرهم؟ فيقول: لا، ومثال التى لغير البخل: أن يقول له: هل تمنعنى عطاءك؟ فيقول: لا.
стр. 1192
والحادى عشر: أنهم غيّروا بلا أربعة أحرف، فنقلوهنّ عمّا وضعن له إلى غيره، وهنّ: لو وهل وأن وهمزة الاستفهام، فقالوا: لولا وهلاّ وألاّ وأ لا، خفيفة اللام.
فأما «لو» فنقلوها من امتناع الشىء لامتناع غيره، إلى معنيين، أحدهما (١):
التّحضيض فى نحو: لولا تكرم زيدا.
والثانى: امتناع الشىء لوجود غيره فى نحو: لولا زيد لجئتك.
وأما «هل» فنقلوها من الاستفهام إلى التحضيض، فى قول عنترة:
هلاّ سألت الخيل يا ابنة مالك ... إن كنت جاهلة بما لم تعلمى (٢)
الباء هاهنا بمعنى «عن» فهى متعلّقة بسألت، كما جاء فى التنزيل:
﴿فَسْئَلْ بِهِ خَبِيراً﴾ (٣) أى فاسأل عنه.
وأما «أن» فهى المصدريّة أو المفسّرة التى بمعنى «أى» فى قوله تعالى:
﴿وَاِنْطَلَقَ الْمَلَأُ مِنْهُمْ أَنِ اِمْشُوا﴾ (٤) معناه: أى امشوا، أفادت بتركيبها مع «لا» التحضيض فى نحو: ألاّ تعطى بكرا.
وأمّا الهمزة فإنهم لمّا ركّبوها مع «لا» صلحت للتحضيض، فى نحو: ألا تكرم أخاك! وللتمنّى فى نحو: ألا ماء أشربه (٥)! ولاستفتاح الكلام فى نحو: ﴿أَلا﴾
стр. 1193
﴿إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ﴾ (١).
فهذه وجوه «لا» لم أخلّ منها بشيء، وسأذكر وجوه «ما» موضّحة بتوفيق الله وحسن إعانته.
...
стр. 1194
المجلس الثامن والستون
تصرّف «ما» فى المعانى كتصرّف «لا»
وهي (١) تنقسم إلى ضربين: اسم وحرف.
/فالاسميّة تنقسم إلى ستّة أضرب، وكذلك الحرفيّة.
فالضّرب الأوّل من ضروب الاسميّة: كونها شرطيّة، كقولك: ما تولنى من صنيع أشكرك عليه، فما فى موضع نصب، بوقوع الفعل الشّرطيّ عليها، ومثله فى التنزيل: ﴿وَما تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللهُ﴾ (٢).
فإن قلت: ما تسده إليّ من جميل أعترف لك به، فما فى موضع رفع بالابتداء، لأنك شغلت الفعل عنها بالهاء.
والثانى: كونها استفهاميّة، كقولك: ما معك؟ ف «ما» فى موضع رفع بالابتداء، ومثله: ﴿وَما تِلْكَ بِيَمِينِكَ يا مُوسى﴾ (٣) فإن قلت: ما أخذت؟ كانت فى موضع نصب؛ لأن الفعل غير مشغول عنها.
فإن أدخلت عليها حرف خفض لزمك فى الأغلب حذف ألفها فى اللفظ والخطّ، تقول: عمّ سألت؟ وفيم جئت؟ فرّقوا بهذا بينها وبين الخبريّة التى بمعنى
стр. 1195
الذى، كما جاء فى التنزيل: ﴿عَمَّ يَتَساءَلُونَ﴾ (١) ﴿وَما رَبُّكَ بِغافِلٍ عَمّا يَعْمَلُونَ﴾ (٢)، وقال فى الاستفهامية: ﴿فَبِمَ تُبَشِّرُونَ﴾ (٣) وفي الخبريّة ﴿بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ﴾ (٤)، وقال جرير:
يا آل بارق فيم سبّ جرير (٥)
ومن المجرور بمن قوله تعالى: ﴿فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسانُ مِمَّ خُلِقَ﴾ (٦) وباللام: ﴿فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنْبِياءَ اللهِ﴾ (٧) ومن العرب من يقول: لم فعلت، بإسكان الميم، قال ابن مقبل (٨):
أأخطل لم ذكرت نساء قيس ... فما روّعن منك ولا سبينا
وقال آخر:
يا أبا الأسود لم خلّيتنى ... لهموم طارقات وذكر (٩)
ومن العرب من يثبت الألف فيقول: لما تفعل كذا؟ وفيما جئت؟ وعلى ما تسبّني؟