← Адаб

Адаб · id 120922

أمالي ابن الشجري ت الطناحي

ابن الشجري

Полный текст (1 931 стр.). Показаны 1226–1265 · переход к 1231.

стр. 1226

وكرّار خلف المجحرين جواده ويروى: طباخ ساعات الكرى زاد الكسل و: خلف المجحرين جواده فمن جرّ الساعات وخلف المجحرين، فقد أخرجهما من باب الظرفيّة بالإضافة إليهما، ونصب الزاد والجواد بطبّاخ وكرّار، على أنهما مفعولان، ومن جرّ الزاد والجواد نصب ساعات الكرى وخلف المجحرين، على أنهما ظرفان فاصلان بين المضاف والمضاف إليه، ومثل هذا فى الشعر جائز؛ قال: يا سارق الليلة أهل الدار (١) يريد: يا سارق أهل الدار الليلة، وقال آخر (٢): كما خطّ الكتاب بكفّ يوما ... يهوديّ يقارب أو يزيل المجحر: الذى ألجأه الزمان إلى مكان. وأما مالا ينصرف ولا يتصرّف (٣): فسحر إذا أردت به سحر يوم بعينه، وإنما لم ينصرف لأنه معرفة معدول عن الألف واللام، وحقيقة عدله أنهم عدلوا عن أن

стр. 1227

يقولوا: السّحر، إلى قولهم: سحر، ووجه تعريفه أن المراد به سحر يوم معيّن؛ وشبيه به سبحان، في قول الأعشى: أقول لمّا جاءنى فخره ... سبحان من علقمة الفاخر (١) لم يصرفه لأن فيه الألف والنون زائدين، وأنه علم للتسبيح، فإن نكّرته صرفته، كما قال أمية بن أبى الصّلت: سبحانه ثم سبحانا يعود له ... وقبلنا سبّح الجوديّ والجمد (٢) وكذلك إن أردت سحرا من الأسحار صرفته، كما جاء فى التنزيل: ﴿إِلاّ آلَ لُوطٍ نَجَّيْناهُمْ بِسَحَرٍ﴾ (٣). وأمّا امتناعه من التصرّف فلأنه عدل من غير جهة العدل، فألزم النصب على الظرف، وذلك أن جهة العدل أن تعدل صيغة/عن صيغة مخالفة لها فى الزّنة، كعدل عمر عن عامر، وحذام وقطام عن حاذمة وقاطمة، وأحاد وثناء عن واحد واثنين، وأخر عن آخر من كذا. والقسم الثالث: وهو الذى ينصرف ولا يتصرّف: أسماء (٤) أوقات ألزموها الظرفيّة فلم يرفعوها ولم يجرّوها، وهى: صباح وعشاء وضحوة وعتمة، تقول: خرجت عتمة، وخرج زيد ضحوة وعشاء، إذا أردت ضحوة يومك أو يوم غيره بعينه، وكذلك تريد عتمة ليلتك أو ليلة بعينها، فلو رفعت شيئا من هذا أو خفضته فقلت: سير عليه عتمة أو ضحوة، أو خرجت فى عتمة، لم يجز؛ لأنهم لم يرفعوه ولم يجرّوه.

стр. 1228

قال أبو بكر بن السرّاج: ما يكون ظرفا ولا يكون اسما، نحو: ذات مرّة، وبعيدات بين، وبكرا، وسحر، إذا أردت سحر يوم بعينه، ولم تصرفه، وضحى، وضحيّا، إذا أردت ضحى يومك، وعشيّة وعتمة، إذا أردت عشيّة يومك وعتمة ليلتك، لم يستعمل كلّ هذا إلاّ ظروفا (١). قال أبو عبيد القاسم بن سلاّم، فى الغريب المصنّف (٢): لقيته بعيدات بين، إذا لقيته بعد حين، ثم أمسكت عنه ثم أتيته، ولقيته صكّة عميّ (٣)، إذا لقيته فى أشدّ الهاجرة. والقسم الرابع: وهو ما يتصرّف ولا ينصرف قولهم: غدوة وبكرة، إذا أردت غدوة يومك وبكرته، أو غيره مما تعيّنه، فهذان لم ينصرفا للتأنيث وأنهما علمان لوقت بعينه، والفرق بينهما وبين ضحوة وعتمة أنهما لوقت محصور، وأنّ ضحوة وعتمة لوقتين متّسعين، فتقول على هذا: سير عليه يوم السبت بكرة، وجئتك [فى] (٤) يوم الجمعة غدوة، فلا تصرفهما، فإن أردت غدوة من الغدوات وبكرة من البكرات، صرفت، كما جاء فى التنزيل: ﴿وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ/فِيها بُكْرَةً وَعَشِيًّا﴾ (٥) وعلى هذا تتأوّل قراءة ابن عامر: ﴿بِالْغَداةِ وَالْعَشِيِّ﴾ (٦) كأنه أدخل الألف واللام على غدوة، لأنه نكّرها كما ينكّر زيد إذا أريد تثنيته أو جمعه، ثم تدخل عليه الألف

стр. 1229

واللام، ويجوز أن تكون الألف واللام فى الغدوة زيادة، كما زيدا فى عمرو، من قوله (١): باعد أمّ العمر من أسيرها وفى «يزيد» من قول الآخر: وجدنا الوليد بن اليزيد مباركا ... مطيقا لأعباء الخلافة كاهله (٢) وقد حكى الخليل (٣) فى غدوة وبكرة الصّرف، فروى: جئتك اليوم غدوة، وجئتنى أمس بكرة، وحكى أيضا فى ضحوة وعتمة ترك الصّرف، فروى: جئتك يوم الجمعة ضحوة، وليلة الأربعاء عتمة، بغير تنوين، والأجود ما بدأت به. وإذا عرفت هذا فليس يخلو اسم من أسماء الزمان أن يكون أحد هذه الأقسام. وممّا ينتصب ظرفا من الزمان «ألفا» من قولهم فى المثل: «سكت ألفا ونطق خلفا» (٤) أى مقدار ألف كلمة، أى سكت حينا يتكلّم فيه متكلّم بألف كلمة،

стр. 1230

ولمّا نطق نطق بمحال، ومثله فى انتصابه على أنه ظرف زمانيّ «غبّا» فى قوله ﵇: «زر غبّا تزدد حبّا» (١) يقال: أغببت القوم، إذا جئتهم يوما وتركتهم يوما. وأمّا ظروف المكان: فمنها أيضا ما ينصرف ويتصرف، كخلف وأمام ووراء وقدّام، قال لبيد بن ربيعة:

стр. 1231

فغدت، كلا الفرجين تحسب أنّه ... مولى المخافة خلفها وأمامها (١) الفرج: موضع المخافة، وكذلك الثّغر والثّغرة، والعورة، يصف بقرة وحشيّة، يقول: فغدت البقرة وكلا الطّريقين المخوفين اللّذين بين يديها تظنّ أنه أولى بالمخافة، والهاء التى فى «أنه» عائدة على «كلا» وخلفها وأمامها بدل منه، وهو/مبتدأ، وقوله: «تحسب أنه مولى المخافة» خبره، والجملة من المبتدأ والخبر فى موضع الحال من المضمر فى «غدت». وقالوا: جلس زيد دونك، وأخرجوه من الظرفيّة فصرّفوه فرفعوه فى قولهم: «ثوب دون» (٢). ومن ظروف المكان ما يلزم الظرفيّة، فلا ينتقل عنها، كعند ولدن وسواء ومع وحيث، لا يجوز أن ترفع عندك (٣)، فإن دخل عليها حرف جرّ لم يكن إلاّ «من» خاصّة، لا يجوز: إلى عندك، وجاء فى التنزيل: ﴿فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْراً فَمِنْ عِنْدِكَ﴾ (٤). وسوى (٥) مكسورة السين مقصورة، ومفتوحة السين ممدودة، وتكون ظرفا فى كلّ موضع، ولا يدخل عليها حرف جر، إلاّ فى الشّعر نحو قوله: تجانف عن جلّ اليمامة ناقتى ... وما قصدت من أهلها لسوائكا (٦)

стр. 1232

تجانف: من الجنف، وهو الميل فى قوله تعالى: ﴿فَمَنْ خافَ مِنْ مُوصٍ جَنَفاً﴾ (١). وقوله: «عن جلّ اليمامة» جلّ: بمعنى أكثر، وفيه تقدير مضاف، أى عن أكثر أهل اليمامة. ولدن (٢) كعند فى المعنى، إلاّ أنّها مبنيّة، وفيها لغات: لدن هو (٣) الأصل، ولدن، بسكون الدال وفتح النون، ولد ساكنة، ولد (٤)، ولدن مثل قفل، فمن قال: لدن، فهى كعضد، ومن قال: لدن، فسكّن، كما سكّنوا الضاد من عضد، والجيم من رجل، فتح النون، ومن قال: لد، شبّه النون بالتنوين فحذفها لسكونها وسكون الدال. ولتشبيههم إيّاها بالتنوين، قال بعضهم: «لدن غدوة» فنصب «غدوة» على التمييز (٥)، كما تقول: قفيز حنطة. ومن قال: لدن، نقل حركة الدال إلى اللام، بعد أن سلب اللام حركتها، وهى فى جميع أحوالها مبنيّة، كما جاء فى التنزيل: ﴿مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ عَلِيمٍ﴾ (٦). وأما «مع» ففتحتها إعراب، وكان أبو عليّ يحكم عليها بالحرفيّة إذا أسكنت (٧)، وأنشد فى إسكانها قول الشاعر:

стр. 1233

فريشى منكم وهواى معكم ... وإن كانت زيارتكم لماما (١) وإنّما حكم عليها بالحرفيّة؛ لأنها على حرفين، وانضم إلى ذلك فيها السكون، فنزّلها منزلة هل وبل وقد. واحتجّ من دفع هذا القول بلحاق التنوين لها، ودخول «من» عليها فى قولهم: كان معها فانتزعته من معها (٢)، وقال: إن السكون لحقها للضّرورة. وأقول: إنهم قد استعملوا «عن» اسما بمعنى الناحية، إذا أدخلوا عليها «من» كقوله (٣): جرت عليها كلّ ريح سيهوج ... من عن يمين الخطّ أو سماهيج (٤) أراد: من ناحية يمين الخطّ. يقال: ريح سيهوج: شديدة، وسماهيج: ضعيفة (٥)، ومثل (٦) قول قطرىّ بن الفجاءة: ولقد أرانى للرّماح دريئة ... من عن يمينى مرّة وأمامى (٧) أى من ناحية يمينى. وهى مع استعمالهم إيّاها اسما، على حرفين ساكنة

стр. 1234

الآخر، وقد بسطت الكلام على «مع» فى الجزء الثانى من هذه الأمالى (١). وممّا استعملوه من الأسماء المخصوصة استعمال الظروف (٢)، قولهم: زيد مناط الثّريّا، المناط: موضع النّوط، مصدر نطت الشىء بالشىء، إذا علّقته به، أى هو بالمكان الذى نيطت به الثّريّا، شبّهوا ارتفاع منزلته بارتفاع مكان الثّريّا، وقالوا: هو منّا مزجر الكلب، وذلك إذا كان مباعدا مهانا، وتقديره (٣): مكان مزجر الكلب، وهو منّى معقد الإزار، يريدون قرب المنزلة، وقعد منّى مقعد القابلة، وذلك إذا لصق به من بين يديه، وأما قول عبد الرحمن بن حسّان بن ثابت (٤): وإنّ بنى حرب كما قد علمتم ... مناط الثّريّا قد تعلّت نجومها فيحتمل أن يكون «كما قد علمتم» خبر اسم إنّ، و «مناط الثريّا» خبرا ثانيا، و «قد تعلّت/نجومها» خبرا ثالثا، على أن تعود الهاء إلى «بنى حرب» جاء بثلاثة أخبار، كقول القائل (٥):

стр. 1235

من يك ذا بتّ فهذا بتّى ... مقيّظ مصيّف مشتّى ويجوز أن يكون «كما قد علمتم» و «مناط الثريا» خبرين، و «قد تعلّت نجومها» حالا من الثّريّا. ويجوز أن يكون «مناط الثّريّا» حالا من الضمير المحذوف من «علمتم» وعلمتم بمعنى عرفتم، أى كما عرفتموهم حالّين فى مناط الثّريّا. وقالوا: هو منّى فرسخان وميلان وقيد رمح، التقدير: بعده منّى فرسخان، ثم حذف البعد فانفصل المضمر وارتفع بالابتداء، وفرسخان خبر البعد، لأنّ الفرسخين هما البعد، ويجوز أن تقدّر المحذوف من الخبر، فيكون التقدير: هو منّى ذو مسافة فرسخين، ثم حذف «ذو» وأعرب ما بعده بإعرابه، فصار: هو منّى مسافة فرسخين، ثم حذفت المسافة، وأعرب الفرسخان بإعرابها. قال سيبويه: لا يقاس على هذا، لو قلت: هو منى عدوة الفرس، أو غلوة السّهم، لم يجز (١). ...

стр. 1236

فصل تقول: إنّ زيدا قريب منك، إذا جعلت القريب زيدا، فإن نصبت «قريبا» جعلته ظرفا، وقدّرت موصوفا محذوفا، فأردت: إنّ زيدا مكانا قريبا منك. قال سيبويه (١): «وتقول: إن قريبا منك زيدا، إذا جعلت قريبا منك موضعا (٢)، وإذا جعلت الأول هو الآخر، قلت: إن قريبا منك زيد. وتقول: إنّ بعيدا منك زيد». أراد أنك تنصب قريبا منك بأنّ، وزيد خبرها، وكذلك: إنّ بعيدا منك زيد. ثم قال: «والوجه إذا أردت هذا أن تقول: إنّ زيدا قريب منك، أو بعيد منك؛ لأنه اجتمع معرفة ونكرة». انتهى كلامه. وأقول: إنه أجاز قولك: إنّ قريبا منك زيد، على أنك جعلت قريبا هو زيدا /واستضعفه؛ لأنك جعلت اسم إنّ نكرة، وخبرها معرفة، فلهذا قال: والوجه إذا أردت هذا أن تقول: إنّ زيدا قريب منك، وإنما استجاز إن قريبا منك زيد، لاتصال «منك» بقريب، فقد حصل له باتّصال «منك» به شيء من التخصيص، فقرب بذلك من المعرفة. قال: «وإن شئت قلت: إنّ بعيدا منك زيدا، وقلّما يكون «بعيدا منك» ظرفا، وإنما قلّ هذا؛ لأنك لا تقول: إنّ بعدك زيدا، وتقول: إنّ قربك زيدا، فالدّنوّ أشدّ تمكّنا فى الظّرف من البعد» (٣). انتهى كلامه.

стр. 1237

وأقول: إنّ قربك زيدا، تقديره: فى قربك، ولم يجز: إنّ بعدك زيدا، لأنهم لم يصرّفوا البعد تصريف القرب، فيقولوا: إن فى بعدك زيدا؛ لعلّة أذكرها لك: قال النحويّون: إنما صار الدّنوّ أشدّ تمكّنا؛ لأن الظروف موضوعة على القرب، أو على أن يكون ابتداؤها من قرب، فالموضوع على القرب: عند ولدن، وما كان فى معناهما، يريدون بما كان فى معناهما: صددك وصقبك (١) وتجاهك وإزاءك وحذاءك وتلقاءك وقبلك (٢) وقبالتك، ونحو ذلك. وأمّا ما يكون ابتداؤه من قرب: فالجهات المحيطة بالأشياء، كقدّام وخلف ويمنة ويسرة وفوق وتحت، فإذا قلت: زيد خلف عمرو، فهو مطلوب خلفه من أقرب ما يليه؛ لأنّ للقرب حدّا، والبعد لا نهاية له ولا حدّ. ويكشف هذا أننا إذا قلنا: قربك زيد، طلبه المخاطب فيما قرب منه، وذلك ممكن مفهوم، وإذا قلنا: بعدك زيد، لم يمكن ذلك فيه. ونذكر ما قاله المفسّرون فى تذكير ﴿قَرِيبٌ﴾ مع تأنيث الرحمة، من قوله تعالى: ﴿إِنَّ رَحْمَتَ اللهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾ (٣) قال أبو إسحاق الزجّاج: إنما قيل

стр. 1238

قريب؛ لأن الرحمة والغفران فى معنى واحد، وكذلك كلّ تأنيث ليس بحقيقيّ (١). وقال/غيره: إنّما ذكّر قريب لأن الرحمة والرّحم سواء، وهذا نظير قول الزّجّاج؛ إلاّ أنه أوفق؛ لأنه ذكر ما هو من لفظ الرحمة، فأراد أن الرّحم فى قوله تعالى: ﴿وَأَقْرَبَ رُحْماً﴾ (٢) بمعنى الرحمة، فقد وافقها لفظا ومعنى، فحملت الرحمة عليه. وقال الأخفش: المراد بالرحمة هاهنا المطر، لأنه قد تقدّم ما يقتضى ذلك، فحمل قريب عليه (٣). وقال أبو عبيدة: ذكّر ﴿قَرِيبٌ﴾ لتذكير المكان، أى مكانا قريبا (٤). وأقول: إنه لو أريد (٥) هذا لنصب قريب على الظرف، فإن حملناه على ما قاله، فالتقدير: إنّ رحمة الله ذات مكان قريب، فحذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه، فصار: إن رحمة الله مكان قريب، فحذف الموصوف كما حذف فى قوله تعالى: ﴿أَنِ اِعْمَلْ سابِغاتٍ﴾ (٦) أراد دروعا سابغات وقال الفرّاء: إنما أتى قريب بغير هاء، ليفرق بين قريب من النّسب وقريب من القرب (٧). قال الزجّاج: وهذا غلط؛ لأنّ كلّ ما قرب؛ من مكان أو نسب، فهو جار

стр. 1239

على ما يقتضيه (١) من التذكير والتأنيث. يريد أنك إذا أردت القرب فى المكان قلت: زيد قريب من عمرو، وهند قريبة من العباس، وكذلك إذا أردت قربهما فى النّسب قلت للرجل: قريب، وللمرأة: قريبة. ...

стр. 1240

فصل اختلف القرّاء فى رفع النّون ونصبها، من قوله تعالى: ﴿لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ﴾ (١) فقرأ نافع والكسائىّ، وحفص عن عاصم ﴿بَيْنَكُمْ﴾ نصبا، وقرأه الباقون رفعا (٢). قال أبو علي: البين: مصدر بان يبين، إذا فارق، واستعمل هذا الاسم على ضربين، أحدهما: أن يكون اسما متصرّفا كالافتراق. والآخر: أن يكون ظرفا ثم استعمل اسما، والدليل على جواز كونه اسما قوله: ﴿وَمِنْ بَيْنِنا وَبَيْنِكَ حِجابٌ﴾ (٣) و ﴿هذا فِراقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ﴾ (٤) فلمّا استعمل اسما فى هذه المواضع، جاز أن/يسند إليه الفعل الذى هو ﴿تَقَطَّعَ﴾ فى قول من رفع. ويدلّ على أن هذا المرفوع هو الذى استعمل ظرفا: أنه لا يخلو من أن يكون الذى هو ظرف اتّسع فيه، أو يكون الذى هو مصدر، فلا يجوز أن يكون هذا القسم؛ لأن التقدير يصير: لقد تقطّع افتراقكم، وهذا خلاف المعنى المراد، ألا ترى أن المراد لقد تقطّع وصلكم وما كنتم تتألّفون عليه. فإن قلت: كيف جاز أن يكون بمعنى الوصل، وأصله الافتراق والتباين، وعلى هذا قالوا: بان الخليط، إذا فارق، وفى الحديث «ما بان من الحيّ فهو ميتة» (٥).

стр. 1241

قيل: إنه لما استعمل مع الشيئين المتلابسين فى نحو: بينى وبينك شركة، وبينى وبينه رحم وصداقة، صارت لاستعمالها في هذه المواضع بمنزلة الوصلة، وعلى خلاف الفرقة، فلهذا جاء ﴿لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ﴾ بمعنى: لقد تقطّع وصلكم (١). ومثل «بين» فى أنه يجرى فى الكلام ظرفا، ثم يستعمل اسما، قولهم: «وسط» الساكن العين (٢)، ألا ترى أنك تقول: جلست وسط الدار، فتجعله ظرفا، لا يكون إلاّ كذلك، ثم استعملوه اسما فى نحو قول القتّال (٣): من وسط جمع بنى قريط بعد ما ... هتفت ربيعة يا بنى جوّاب وقال آخر (٤): أتته بمجلوم كأنّ جبينه ... صلاية ورس وسطها قد تفلّقا فجعله مبتدأ وأخبر عنه، كما جرّه الآخر بالحرف الجارّ، وحكى سيبويه: «هو أحمر بين العينين» (٥).

стр. 1242

فأمّا من قال: ﴿لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ﴾ بالنصب، ففيه وجهان، أحدهما. أنه أضمر الفاعل فى الفعل، ودلّ عليه ما تقدّم من قوله: ﴿وَما نَرى مَعَكُمْ شُفَعاءَكُمُ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أَنَّهُمْ فِيكُمْ شُرَكاءُ﴾ (١) ألا ترى أنّ هذا الكلام فيه دلالة على التقاطع والتهاجر، وذلك المضمر هو الوصل كأنه قال: لقد تقطّع وصلكم بينكم، وحكى/سيبويه أنهم قالوا: «إذا كان غدا فأتنى» (٢) فأضمر ما كانوا فيه من رخاء أو بلاء، لدلالة الحال عليه، وصارت دلالة الحال بمنزلة جرى الذّكر. والمذهب الآخر: أن انتصاب البين من قوله: ﴿لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ﴾ على شيء رآه أبو الحسن، وهو أنه كان يذهب إلى أن قوله: ﴿لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ﴾ إذا نصب يكون معناه معنى المرفوع؛ لأنه لمّا جرى فى كلامهم منصوبا ظرفا، وكثر استعماله، تركوه على ما يكون عليه فى أكثر الكلام، وكذلك قال فى قوله: ﴿يَوْمَ الْقِيامَةِ يَفْصِلُ بَيْنَكُمْ﴾ (٣) وكذلك قال فى قوله: ﴿وَأَنّا مِنَّا الصّالِحُونَ وَمِنّا دُونَ ذلِكَ﴾ (٤) فدون فى موضع رفع عنده، وإن كان منصوب اللفظ، ألا ترى أنك تقول: منّا الصالح ومنّا الطالح. انتهى كلامه. وقال أبو إسحاق الزجّاج: ﴿لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ﴾: «الرفع أجود، ومعناه: لقد تقطّع وصلكم، والنصب جائز، والمعنى: لقد تقطّع ما كنتم فيه من الشّركة بينكم» (٥) وإنما قال: ما كنتم فيه من الشّركة، لقول الله تعالى: ﴿وَما نَرى مَعَكُمْ﴾

стр. 1243

﴿شُفَعاءَكُمُ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أَنَّهُمْ فِيكُمْ شُرَكاءُ﴾. انقضى ذكر أقسام الظروف المعربة، الزّمانىّ منها والمكانىّ، والمبهم منها والمختصّ، والمعرفة والنكرة، والمنصرف وغير المنصرف، والمتصرّف وغير المتصرّف. ونتبعه الآن بذكر مبنيّاتها الزّمانيّة والمكانيّة، بتوفيق الله ومشيئته وحسن تسديده وإعانته. الصّلاية للطّيب فى قوله: «صلاية ورس» وبعض العرب يهمزونها. والورس: صبغ أصفر. ... [(١) طرفة. ديوانه ص ٨٠، وكتاب الشعر ص ١٨٢، وحواشيه. ومن هذا البيت يبدأ الموجود من النسخة ط، بعد ذلك السقط الكبير الذى بدأ فى أثناء المجلس السادس والخمسين.] [(٢) فى ط «حركات» وتقدّم مثلها قريبا.] [(٣) سورة آل عمران ٣٨.]

стр. 1244

المجلس الموفى السّبعين [أضرب الظّروف المبنيّة:] الظّروف المبنيّة ثلاثة أضرب: ضرب زمانيّ، وضرب مكانيّ، وضرب يتجاذبه الزمان والمكان. فالزمانيّ: أمس والآن، ومتى وأيّان، وقطّ المشدّدة، وإذ وإذا/ المقتضية جوابا. والمكانيّ: لدن، وحيث، وأين وهنا وثمّ، وإذا المستعملة بمعنى ثمّ. والضرب الذى يتجاذبه الزمان والمكان: قبل وبعد، يبنيان على الضّمّة إذا قطعا عن الإضافة إلى معرفة، يريدها الحاذف ويقدّرها، فكانا حينئذ غايتين، كقوله تعالى: ﴿لِلّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ﴾ (١) أراد: من قبل غلبهم ومن بعد غلبهم، ألا ترى أنّ ذكر هذا المضاف إليه قد تقدّم فى قوله: ﴿وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ﴾ وبنيا على الضمّة لأنها (٢) لا تكون لهما إعرابا إذا أضيفا. فأمّا «أمس» (٣) فأكثر العرب ضمّنوه معنى لام التعريف، فصار معرفة، بدلالة وصفهم إيّاه بالمعرفة، فى قولهم: خرجت أمس الأحدث، وبنوه على حركة لسكون ميمه، وأعطى الكسرة لأنها أصل حركات التقاء الساكنين، ومنهم من عدله عن الألف واللام، وحقيقة عدله أنهم عدلوا أمس عن الأمس، كما عدلوا سحر عن السّحر، فأعربوه ومنعوه الصّرف للتعريف والعدل، فقالوا: خرجت أمس، وفى

стр. 1245

أمس، وأعجبنى أمس، وأنشدوا على هذه اللغة: لقد رأيت عجبا مذ أمسا ... عجائزا مثل السّعالى قعسا (١) القعس: دخول العنق فى الصّدر (٢). ومن بناه من العرب فنكّره أو أضافه أو أدخل عليه الألف واللام، أعربه، فقال: ربّ أمس معجب لنا، وما كان أطيب أمسنا، وأمسنا أعجبنى، وإن الأمس راقنى، قال نصيب (٣): وأنّى ظللت اليوم والأمس (٤) ... قبله ببابك حتّى كادت الشمس تغرب وإنما استحقّ الإعراب فى هذه الأحوال الثّلاث لزوال تضمّنه معنى لام التعريف. وأما «الآن» فقد اختلف فيه، فقال سيبويه وأبو الحسن الأخفش وأبو عمر

стр. 1246

الجرمىّ وأبو عثمان المازنىّ، وبقولهم قال أبو إسحاق الزجّاج (١): إنما بنى «الآن» /وفيه الألف واللام، وسبيلهما أن يمكّنا ما دخلا عليه؛ لأنه ضارع المبهم المشار به؛ لأن سبيل الألف واللام أن يدخلا لتعريف العهد، فى نحو: خرج الرجل ودخلت المرأة، يريدون رجلا وامرأة معيّنين، أو لتعريف الجنس، كقولهم: عزّ الدّرهم والدّينار (٢)، والمؤمن خير من الكافر، والأسد أقوى من الإنسان، أو يدخلا على علم مستغن عن التعريف بهما، نحو الحارث والعباس، فلمّا دخلا فى «الآن» لغير هذه المعانى، وكانا بمعنى الإشارة إلى الوقت الحاضر، وأدّى قولك «الآن» معنى: هذا الوقت، وجب بناؤه لمضارعته لأسماء الإشارة. وقال أبو العباس المبرّد، وبقوله قال أبو بكر بن السراج: إنّما وجب بناء «الآن» لأنه وقع من أول وهلة معرّفا بالألف واللام، وسبيل ما دخلا عليه أن يكون منكورا أوّلا ثم يعرّف بهما، فلما جاء على غير بابه بنى. وقال أبو عليّ: حذفت لام التعريف منه، وضمّن معناها، ثم زيد فيه لام أخرى. وقال الفرّاء: هو منقول من قولهم: آن لك أن تفعل، ثم أدخل عليه الألف واللام، وترك على فتحه محكيّا كما جاء: «أنهاكم عن قيل وقال (٣)» على الحكاية. وأجود الأقوال القول الأوّل، وأبعدها قول أبى عليّ، ويليه فى البعد قول الفرّاء.

стр. 1247

وقيل: إن أصله: أوان، فحذفت منه الألف فصار فى التقدير: أون، فقلبت الواو ألفا لتحرّكها وانفتاح ما قبلها، فقيل: آن، وإنما حكموا بحذف الألف دون الواو؛ لأن الألف زائدة والواو أصليّة. وأمّا «متى» فاستفهموا بها، وشرطوا، فاستحقّت البناء لتضمّنها معنى الحرف الاستفهاميّ أو الشّرطيّ. وأيّان بمعنى «متى» فى الاستفهام، ولم يشرطوا بها، وبنوها والآن على الفتح إتباعا للألف. /وأمّا «قطّ» فإنّهم ضمّنوه معنى حرفين: معنى مذ وإلى؛ لأنهم أرادوا بقولهم: ما رأيته قطّ: ما رأيته مذ أوّل عمرى إلى الآن، فلقوّته بتضمّنه معنى حرف الابتداء فى الزّمان وحرف الانتهاء، حرّكوه بأقوى الحركات (١). وأمّا «إذ وإذا» فلبنائهما علّتان، إحداهما: أنهما احتاجا إلى إضافة توضّح معنييهما، فأشبها بذلك بعض كلمة، وبعض كلمة لا يستحقّ إعرابا. والعلّة الأخرى: أنهما افتقرا إلى إضافة إلى جملة، فأشبها بذلك حروف المعانى؛ لأن حرف المعنى لا يفيد حتى ينضمّ إلى جملة. ول «إذا» علّة أخرى، وذلك أنها ضمّنت معنى حرف الشّرط. وأمّا الظّروف المكانيّة، فمنها «لدن»: وقد تقدّم ذكرها (٢). ومنها «حيث» وهو من الظروف التى لزمتها الإضافة إلى جملة، فأشبه بذلك «إذ» تقول: جلست حيث زيد جالس، وحيث جلس زيد، كما تقول: خرجت إذ زيد جالس، ودخلت إذ جلس زيد، ويدلّك على أنها للمكان قولك: زيد حيث

стр. 1248

عمرو جالس، أخبرت بها عن شخص، وقد استعملوها للزّمان، وهو قليل، كقوله: للفتى عقل يعيش به ... حيث تهدى ساقه قدمه وفيها لغات، منهم من بناها على الفتح؛ لمكان الياء، وهو القياس، حملا على أين وكيف وليت وكيت وذيت. ومنهم من بناها على الضّمّ، وهى لغة التنزيل؛ وذلك أنّ إضافتها إلى الجملة لا اعتداد بها؛ لأن حقّ الظّرف المكانيّ أن يضاف إلى المفرد، فلما عدمت الإضافة التى يستحقّها ظرف المكان، صارت إضافتها كلا إضافة، فأشبهت الغايات التى استحقّت البناء على الضمّ، لقطعها عن الإضافة. ومن قال: «حيث» فكسرها، فلأنّ الكسرة أصل حركة التقاء الساكنين، ونظيرها فى ذلك «جير». وقد استعملوها فى الأحوال الثلاثة بالواو، فقالوا: حوث/وحوث وحوث. وأمّا «أين» فقد استفهموا بها وشرطوا، فاستحقّت البناء؛ لتضمّنها معنى الحرفين، واستحقّت البناء على الفتح لمكان الياء. وأمّا «هنا» فيشار به إلى مكان قريب، فإن ألحقته الكاف أشرت به إلى ما بين القريب والبعيد، فإن زدت اللام مع الكاف، دلّ «هنالك» على المكان المتراخى، وقد استعمل للزمان فى قوله تعالى: ﴿هُنالِكَ دَعا زَكَرِيّا رَبَّهُ﴾ (١).

стр. 1249

و «ثمّ» يشار به إلى ما توسّط بين القريب والمتراخى. و «إذا» بمعناه، تقول: خرجت فإذا زيد، معناه فثمّ زيد، وإن شئت: فهناك زيد. وخصّوا «ثمّ» بالبناء على الفتح؛ لثقل التضعيف، فأعطوه أخفّ الحركات، كما فعلوا ذلك في إنّ وأنّ وكأنّ وثمّ وربّ ولعلّ. وقد استعملوا «إذا» هذه بمعنى الفاء فى جواب الشرط، كقوله تعالى: ﴿وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ إِذا هُمْ يَقْنَطُونَ﴾ (١). وقد قدّمت ذكر العلّة التى استحقّ بها «قبل وبعد» البناء، والعلّة التى استحقّا بها الضمّة دون غيرها. ويدلّ على استعمالهما للمكان إخبارك بهما عن الأشخاص، فى نحو قولك: الجبل قبل الوادى، والوادى بعد الجبل، وتقول إذا استعملتهما للزمان: جئت قبلك وبعد زيد، أى جئت وقتا قبل الوقت الذى جئت فيه، وجئت وقتا بعد الوقت الذى جاء فيه زيد. وممّا شبّهوه بهذا الضّرب قولهم: جئت من عل، يريدون: من عليه، وابدأ بهذا أوّل، أى أوّل الأشياء، قال: لعمرك ما أدرى وإنّى لأوجل ... على أيّنا تعدو المنيّة أوّل (٢) ومن الظّروف المكانيّة المشبّهة بقبل وبعد: خلف وقدّام، يقولون: أتيت زيدا

стр. 1250

من خلف، وعمرا من قدّام، يريدون: من خلفه ومن قدّامه، أنشد أبو عمر الزاهد: ألبان إبل تعلّة بن مسافر ... ما دام يملكها عليّ حرام (١) /لعن الإله تعلّة بن مسافر ... لعنا يشنّ عليه من قدّام أراد: من قدّامه. إنّ الذين يسوغ فى أحلاقهم ... زاد يمنّ عليهم للئام وقد بسطت فيما مضى من هذه الأمالى الكلام فى هذا الضّرب (٢). وممّا استعملته العرب تارة بالبناء وتارة بالإعراب، من اسم وصفيّ أو اسم زمانيّ: مثل وغير وحين ويوم، وذلك إذا أضيف منهما شيء إلى فعل ماض أو حرف موصول، أو «إذ» فمتى أضفته إلى أحد هذه الثلاثة أعداه داؤه، فجاز بناؤه على الفتح، كقول النابغة: على حين عاتبت المشيب على الصّبا ... وقلت ألمّا تصح والشّيب وازع (٣) يروى: على حين، وعلى حين، وكقول آخر: لم يمنع الشّرب منها غير أن هتفت ... حمامة فى غصون ذات أو قال (٤) يروى: «غير أن هتفت»، بالفتح، و «غير أن هتفت» بالرفع. وتقول: خرجت منذ حين أن جاء زيد، ومنذ حين، ومنذ حينئذ وحينئذ،

стр. 1251

ومذ يومئذ ويومئذ، وساعتئذ وساعتئذ، وقد قرئ ﴿مِنْ عَذابِ يَوْمِئِذٍ﴾ و ﴿عَذابِ يَوْمِئِذٍ﴾ (١)، ﴿وَمِنْ خِزْيِ يَوْمِئِذٍ﴾ و ﴿خِزْيِ يَوْمِئِذٍ﴾ (٢). ولم يأت فى ﴿يَوْمَئِذٍ﴾ من قوله تعالى: ﴿فَإِذا نُقِرَ فِي النّاقُورِ. فَذلِكَ يَوْمَئِذٍ يَوْمٌ عَسِيرٌ﴾ (٣) إلاّ الفتح، وفيه قولان، قيل: الفتحة فيه إعراب، بتقدير: أعنى يومئذ، وقيل: هى بناء، على أنه فى محلّ رفع، بدل من ﴿فَذلِكَ﴾ و «ذلك» مبتدأ، إشارة إلى وقت دلّ عليه «إذا» فالتقدير: فإذا نقر فى الناقور، أى نفخ فى الصّور، فذلك الوقت، أو فذلك اليوم يوم عسير. واختلف القرّاء فى رفع ﴿مِثْلَ﴾ ونصبه، من قوله تعالى: ﴿إِنَّهُ لَحَقٌّ مِثْلَ ما أَنَّكُمْ تَنْطِقُونَ﴾ (٤) فقرأ عاصم فى رواية أبى بكر، وحمزة والكسائىّ ﴿مِثْلَ ما﴾ برفع اللام، وقرأ الباقون: / ﴿مِثْلَ ما﴾ بنصب (٥) اللام، قال أبو على (٦): من رفع «مثلا» جعله وصفا لحقّ، وجاز أن يكون «مثل» وإن كان مضافا إلى معرفة وصفا لنكرة؛ لأن «مثلا» لا يختصّ بالإضافة، لكثرة الأشياء التى يقع التماثل بها من المتماثلين، فلمّا لم تخصّصه (٧) الإضافة ولم تزل عنه الإبهام والشّياع الذى كان فيه قبل الإضافة، بقى على تنكيره، فقالوا: مررت برجل مثلك، فكذلك (٨) فى الآية، لم يتعرّف بالإضافة إلى

стр. 1252

﴿أَنَّكُمْ تَنْطِقُونَ﴾ وإن كان قوله: ﴿أَنَّكُمْ تَنْطِقُونَ﴾ بمنزلة نطقكم. و ﴿ما﴾ فى قوله: ﴿مِثْلَ ما أَنَّكُمْ تَنْطِقُونَ﴾ زائدة كزيادتها فى قوله: «ممّا خطاياهم» (١) وقوله: ﴿فَبِما رَحْمَةٍ مِنَ اللهِ﴾ (٢) و ﴿عَمّا قَلِيلٍ لَيُصْبِحُنَّ نادِمِينَ﴾ (٣). ومن نصب فقال: ﴿مِثْلَ ما أَنَّكُمْ تَنْطِقُونَ﴾ فيحتمل ثلاثة أوجه، أحدها: أنه لمّا أضاف ﴿مِثْلَ ما﴾ إلى مبنيّ، وهو قوله: ﴿أَنَّكُمْ﴾ بناه كما بنى ﴿يَوْمِئِذٍ﴾ فى قوله: ﴿وَمِنْ خِزْيِ يَوْمِئِذٍ﴾ و ﴿مِنْ عَذابِ يَوْمِئِذٍ﴾. وكما بنى النابغة الجعديّ «الحين» فى قوله: على حين عاتبت المشيب على الصّبا وكما بنى الآخر «غير» فى قوله: لم يمنع الشّرب منها غير أن هتفت فغير فى موضع رفع بأنه فاعل يمنع. وإنّما بنيت هذه الأسماء المبهمة، نحو: مثل وحين وغير ويوم، إذا أضيفت إلى المبنيّ، لأنها تكتسى منه البناء؛ لأنّ المضاف يكتسى من المضاف إليه ما فيه من التعريف والتنكير، والجزاء والاستفهام، تقول: هذا غلام زيد، فيتعرّف الاسم بالإضافة إلى المعرفة، وتقول: غلام من تضرب؟ فيكون استفهاما، وكما تقول: صاحب من تضرب أضرب، فيكون جزاء، فمن بنى هذه المبهمة إذا أضافها إلى مبنىّ جعل البناء أحد ما يكتسيه من المضاف إليه، ولا (٤) يجوز على هذا: جاءنى

стр. 1253

صاحب خمسة عشر، ولا غلام هذا؛ لأنّ هذين من الأسماء غير المبهمة، والمبهمة فى إبهامها وبعدها من الاختصاص كالحروف التى تدلّ على/أمور مبهمة، فلما أضيفت إلى المبنيّة جاز ذلك فيها، والبناء على الفتح فى مثل قول سيبويه (١). أراد أبو علىّ أنك إذا أضفت صاحبا إلى خمسة عشر، وغلاما إلى هذا، لم يجز فيهما، لإضافتهما إلى هذين المبنيين، البناء، كما جاز فى «مثل» لإضافتك إيّاه إلى ﴿أَنَّكُمْ تَنْطِقُونَ﴾ لأن هذين الاسمين لا إبهام فيهما يتقضى بناءهما لإضافتهما إلى مبنىّ، كما فى «مثل» ونحوه من الإبهام والشّياع. ثم قال أبو على: والقول الثانى: أن تجعل «ما» مع «مثل» بمنزلة شيء واحد وتبنيه على الفتح، وإن كانت «ما» زائدة، وهذا قول أبى عثمان المازنىّ، وأنشد أبو عثمان فى ذلك: وتداعى منخراه بدم ... مثل ما أثمر حماض الجبل (٢) فذهب إلى أنّ «ما» مع «مثل» جعلا بمنزلة شيء واحد، وقد يجوز أن لا يقدّر «مثل» مع «ما» كشىء واحد، ولكن يجعل مضافا إلى «ما» ويكون التقدير: مثل شيء أثمره حماض الجبل، فبناء «مثل» على الفتح لإضافتها إلى «ما» وهى غير متمكّن، ولا يكون لأبى عثمان حينئذ فى البيت حجّة على كون «مثل» مع «ما» بمنزلة شيء واحد، ويجوز أن لا يكون له فيه حجّة من وجه آخر، وهو أن يجعل «ما» مع الفعل بمنزلة المصدر، فيكون مثل إثمار الحمّاض، فيكون كقوله تعالى: ﴿وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ بِما كانُوا يَكْذِبُونَ﴾ (٣).

стр. 1254

والقول الثالث: فى قوله: ﴿مِثْلَ ما أَنَّكُمْ تَنْطِقُونَ﴾ أن ينصب على الحال، وهو قول أبى عمر الجرميّ، وذو الحال الذّكر (١) المرفوع فى قوله: ﴿لَحَقٌّ﴾ والعامل فيه هو الحقّ، لأنه من المصادر التى يوصف بها. قال: ويجوز أن تكون الحال من النكرة الذى هو «حق»، وإلى هذا ذهب أبو عمر، ولم يعلم عنه أنه جعله حالا/من الذّكر الذى فى «حق» وهذا لا خلاف فى جوازه. وقد حمل أبو الحسن قوله: ﴿فِيها يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ. أَمْراً مِنْ عِنْدِنا﴾ (٢) على الحال، وذو الحال قوله: ﴿كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ﴾ وهو نكرة (٣). انتهى كلام أبى على. وأقول: إننا إذا نصبنا ﴿مِثْلَ ما﴾ على الحال من الذّكر الذي فى «حق» فالعامل فيه حقّ، فهذا لا مانع منه، وإن جعلناه حالا من «حق» فما العامل فيه؟ فهذا ممّا أرى القياس يدفعه. ...

стр. 1255

فصل فى دخول حروف الخفض بعضها مكان بعض (١) فمن ذلك دخول «فى» مكان «على» فى قوله تعالى: ﴿وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ﴾ (٢) أى على جذوع النخل، وقال سويد بن أبى كاهل: هم صلبوا العبديّ فى جذع نخلة ... فلا عطست شيبان إلاّ بأجدعا (٣) دعا على شيبان، ومعنى «بأجدع» أى بأنف مقطوع. ومن ذلك ﴿أَمْ لَهُمْ سُلَّمٌ يَسْتَمِعُونَ فِيهِ﴾ (٤) أى عليه. وقد استعملوا «فى» مكان «مع» كقول الشاعر (٥):

стр. 1256

إذا أمّ سرباح غدت فى ظعائن ... جوالس نجدا فاضت العين تدمع (١) أى مع ظعائن، يقال: جلس فلان، إذا أتى نجدا، ويقال لنجد: الجلس. ويقال: فلان عاقل فى حلم، أى مع حلم، ومنه قوله تعالى: ﴿أُولئِكَ الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ (٢) أى مع أمم. وقد أوقعت مكان «بعد» فى قوله: ﴿وَفِصالُهُ فِي عامَيْنِ﴾ (٣) أى بعد عامين، ومكان «إلى» فى قوله: ﴿فَرَدُّوا أَيْدِيَهُمْ فِي أَفْواهِهِمْ﴾ (٤) أى إلى أفواههم، وقال علقمة بن عبدة (٥): طحا بك قلب فى الحسان طروب ... بعيد الشّباب عصرحان مشيب أى إلى الحسان. وطحا بك: ذهب بك. وأوقعوها مكان الباء، قال زيد الخيل (٦): ويركب يوم الرّوع فيها فوارس ... بصيرون فى طعن الأباهر والكلى (٧)

стр. 1257

أى بصيرون بطعن الأباهر. والأباهر: جمع الأبهر، وهو عرق مستبطن الصّلب، متّصل بالقلب، وقال آخر: وخضخضن فينا (١) ... البحر حتّى قطعنه على كلّ حال من غمار ومن وحل (٢) أراد: خضخضن بنا البحر. «إلى» قد استعملوا «إلى» مكان «مع» كقوله تعالى: ﴿مَنْ أَنْصارِي إِلَى اللهِ﴾ (٣) أى مع الله، ومثله: ﴿وَإِذا خَلَوْا إِلى شَياطِينِهِمْ﴾ (٤) أى مع شياطينهم. واستعملوها مكان «فى» كقول النابغة (٥): فلا تتركنّى بالوعيد كأنّنى ... إلى الناس مطلىّ به القار أجرب أى فى الناس، وقال طرفة (٦): وإن يلتق الحيّ الجميع تلاقنى ... إلى ذروة البيت الكريم المصمّد أى فى ذروة البيت الذى يصمد إليه، أى يقصد. وتوقع مكان (٧) «مع» كقولهم: جلست إلى القوم: أى معهم.

стр. 1258

وتكون مكان الباء، قال كثير (١): ولقد لهوت إلى الكواعب كالدّمى ... بيض الوجوه حديثهنّ رخيم أراد: لهوت بكواعب. «على» استعملوها مكان «فى» يقولون: أتيته على عهد فلان، أى فى عهده، ومنه ﴿وَاِتَّبَعُوا ما تَتْلُوا الشَّياطِينُ عَلى مُلْكِ سُلَيْمانَ﴾ (٢) أى فى ملك سليمان، وقال الأعشى: وصلّ على حين العشيّات والضّحى ... ولا تعبد الشّيطان والله فاعبدا (٣) وتكون مكان «من» كقوله: ﴿إِذَا اِكْتالُوا عَلَى النّاسِ يَسْتَوْفُونَ﴾ (٤) أى من /الناس. وتكون مكان «عن» كقوله: أرمى عليها وهى فرع أجمع (٥)

стр. 1259

أى أرمى عنها، وقال القحيف العقيلىّ (١): إذا رضيت عليّ بنو قشير ... لعمر الله أعجبنى رضاها وتكون مكان الباء، قال أبو ذؤيب (٢): وكأنّهنّ ربابة وكأنّه ... يسر يفيض على القداح ويصدع أى يفيض بالقداح، أى يضرب بها. والرّبابة: خرقة تجمع فيها قداح الميسر، إلا أنه أراد بالرّبابة فى هذا البيت القداح أنفسها؛ لأنه يصف آتنا (٣) وحمارا، فشبّه الأتن بالقداح؛ لاجتماعهنّ، وشبّه الحمار باليسر صاحب الميسر، وجمعه أيسار. ويصدع: يفرّق. ويقولون: اركب على اسم الله، أى باسم الله. «عن» تكون مكان «من» كقوله: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبادِهِ﴾ (٤) أى من عباده.

стр. 1260

وتكون مكان الباء، كقوله: ﴿وَما يَنْطِقُ عَنِ الْهَوى﴾ (١) أى بالهوى. وتكون مكان «على» كقوله: ﴿وَمَنْ يَبْخَلْ فَإِنَّما يَبْخَلُ عَنْ نَفْسِهِ﴾ (٢) أى على نفسه، وقال ذو الإصبع: لاه ابن عمّك لا أفضلت فى حسب ... عنّى ولا أنت ديّانى فتخزونى (٣) أى لم تفضل فى حسب عليّ، ولا أنت ديّانى: أى مالك أمرى. وتخزونى: أى تسوسنى وتقهرنى. وقوله: «لاه» أراد: لله، فحذف لام الجر ولام التعريف، قال الخليل: وكانت العرب [فى الجهلاء (٤)] تقول: لاه أنت، فى معنى: لله أنت، وكره ذلك فى الإسلام، وأنشد: لاه درّ الشّباب والشّعر الأس ... ود والرّاتكات تحت الرّحال (٥) الرّتكان: ضرب من السّير فيه اهتزاز، قال الخليل: ولا يكاد يقال إلاّ للإبل (٦). وتكون «عن» مكان «بعد» قال العجّاج (٧):

стр. 1261

ومنهل وردته عن منهل /أراد بعد منهل، ومثله فى التنزيل: ﴿لَتَرْكَبُنَّ طَبَقاً عَنْ طَبَقٍ﴾ (١) أى حالا بعد حال، ومنه قولهم: «سادوك كابرا عن كابر (٢)»، أى كبيرا بعد كبير، وقد أظهر الشاعر «بعد» فى قوله (٣): بقيّة قدر من قدور توورثت ... لآل الجلاح كابرا بعد كابر وقال الحارث بن عبّاد: قرّبا مربط النّعامة منّى ... لقحت حرب وائل عن حيال (٤) أى بعد حيال، أراد: هاجت بعد سكونها، فاستعار لها اللّقاح والحيال. يروى مربط ومربط، بفتح الباء وكسرها، فمن فتح أراد المصدر، ومن كسر أراد موضع الرّبط، والمربط، بكسر الميم وفتح الباء: الحبل.

стр. 1262

«من» تقع مكان «على» قال الله تعالى: ﴿وَنَصَرْناهُ مِنَ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا﴾ (١) أى على القوم. وتكون مكان الباء، كقوله: ﴿يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللهِ﴾ (٢) أى بأمر الله، ومثله ﴿يُلْقِي الرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِ عَلى مَنْ يَشاءُ﴾ (٣) أى بأمره، ومثله: ﴿تَنَزَّلُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيها بِإِذْنِ رَبِّهِمْ مِنْ كُلِّ أَمْرٍ﴾ (٤) أى بكلّ أمر. «الباء» قد استعملت الباء مكان «من» فى قوله: ﴿عَيْناً يَشْرَبُ بِها عِبادُ اللهِ﴾ (٥) أى يشرب منها، وقال عنترة (٦): شربت بماء الدّحرضين فأصبحت ... زوراء تنفر عن حياض الدّيلم وقال أبو ذؤيب (٧): شربن بماء البحر ثمّ ترفّعت ... متى لجج خضر لهنّ نئيج

стр. 1263

متى لجج: أى وسط لجج، حكى الكسائىّ عن العرب: «أخرجه من متى كمّه» (١)، أى من وسط كمّه، وهى لغة هذيل. والنّئيج: الصّوت، يصف سحبا. وتقع الباء موقع «عن» كقوله تعالى: ﴿سَأَلَ سائِلٌ بِعَذابٍ واقِعٍ﴾ (٢) أى عن عذاب، ومثله: ﴿فَسْئَلْ بِهِ خَبِيراً﴾ (٣) أى عنه، وقال عنترة: /هلاّ سألت الخيل يا ابنة مالك ... إن كنت جاهلة بما لم تعلمى (٤) أى سألت الخيل عمّا لم تعلمى، وقال النابغة (٥): كأنّ رحلى وقد زال النهار بنا ... بذى الجليل على مستأنس وحد أراد زال النهار عنّا (٦).

стр. 1264

وقد كثر استعمالها مكان «فى» كقوله: إن الرّزيّة لا رزيّة مثلها ... أخواى إذ قتلا بيوم واحد (١) أراد: فى يوم واحد، ومنه: ﴿السَّماءُ مُنْفَطِرٌ بِهِ﴾ (٢) أى فيه، أى فى يوم القيامة، ومثله: ﴿لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبارَكاً﴾ (٣). واستعملت فى موضع «على» كقول الشاعر (٤): أربّ يبول الثّعلبان برأسه ... لقد ذلّ من بالت عليه الثّعالب أى على رأسه. «اللام» قد جاءت (٥) فى مكان «إلى» فى مواضع من التنزيل، منها قوله: ﴿بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحى لَها﴾ (٦) ومنها: ﴿الْحَمْدُ لِلّهِ الَّذِي هَدانا لِهذا﴾ (٧) ومنها:

стр. 1265

﴿رَبَّنا إِنَّنا سَمِعْنا مُنادِياً يُنادِي لِلْإِيمانِ﴾ (١) أي إلى الإيمان، وجاءتا متواليتين فى قوله: ﴿قُلِ اللهُ يَهْدِي لِلْحَقِّ أَفَمَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ﴾ (٢). واستعملوها مكان «على» فى قولهم: سقط لوجهه، أى على وجهه، ومثله. فخرّ صريعا لليدين وللفم (٣) ومثله فى التنزيل ﴿وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ﴾ (٤) أى على الجبين. و ﴿يَخِرُّونَ لِلْأَذْقانِ سُجَّداً﴾ (٥). واستعملوها فى مكان «بعد» قال متمّم بن نويرة (٦). فلمّا تفرّقنا كأنّى ومالكا ... لطول اجتماع لم نبت ليلة معا أى بعد طول اجتماع، ومثله فى التنزيل ﴿أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ﴾ (٧)
следующие страницы →