← Адаб

Адаб · id 120922

أمالي ابن الشجري ت الطناحي

ابن الشجري

Полный текст (1 931 стр.). Показаны 1261–1300 · переход к 1266.

стр. 1261

ومنهل وردته عن منهل /أراد بعد منهل، ومثله فى التنزيل: ﴿لَتَرْكَبُنَّ طَبَقاً عَنْ طَبَقٍ﴾ (١) أى حالا بعد حال، ومنه قولهم: «سادوك كابرا عن كابر (٢)»، أى كبيرا بعد كبير، وقد أظهر الشاعر «بعد» فى قوله (٣): بقيّة قدر من قدور توورثت ... لآل الجلاح كابرا بعد كابر وقال الحارث بن عبّاد: قرّبا مربط النّعامة منّى ... لقحت حرب وائل عن حيال (٤) أى بعد حيال، أراد: هاجت بعد سكونها، فاستعار لها اللّقاح والحيال. يروى مربط ومربط، بفتح الباء وكسرها، فمن فتح أراد المصدر، ومن كسر أراد موضع الرّبط، والمربط، بكسر الميم وفتح الباء: الحبل.

стр. 1262

«من» تقع مكان «على» قال الله تعالى: ﴿وَنَصَرْناهُ مِنَ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا﴾ (١) أى على القوم. وتكون مكان الباء، كقوله: ﴿يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللهِ﴾ (٢) أى بأمر الله، ومثله ﴿يُلْقِي الرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِ عَلى مَنْ يَشاءُ﴾ (٣) أى بأمره، ومثله: ﴿تَنَزَّلُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيها بِإِذْنِ رَبِّهِمْ مِنْ كُلِّ أَمْرٍ﴾ (٤) أى بكلّ أمر. «الباء» قد استعملت الباء مكان «من» فى قوله: ﴿عَيْناً يَشْرَبُ بِها عِبادُ اللهِ﴾ (٥) أى يشرب منها، وقال عنترة (٦): شربت بماء الدّحرضين فأصبحت ... زوراء تنفر عن حياض الدّيلم وقال أبو ذؤيب (٧): شربن بماء البحر ثمّ ترفّعت ... متى لجج خضر لهنّ نئيج

стр. 1263

متى لجج: أى وسط لجج، حكى الكسائىّ عن العرب: «أخرجه من متى كمّه» (١)، أى من وسط كمّه، وهى لغة هذيل. والنّئيج: الصّوت، يصف سحبا. وتقع الباء موقع «عن» كقوله تعالى: ﴿سَأَلَ سائِلٌ بِعَذابٍ واقِعٍ﴾ (٢) أى عن عذاب، ومثله: ﴿فَسْئَلْ بِهِ خَبِيراً﴾ (٣) أى عنه، وقال عنترة: /هلاّ سألت الخيل يا ابنة مالك ... إن كنت جاهلة بما لم تعلمى (٤) أى سألت الخيل عمّا لم تعلمى، وقال النابغة (٥): كأنّ رحلى وقد زال النهار بنا ... بذى الجليل على مستأنس وحد أراد زال النهار عنّا (٦).

стр. 1264

وقد كثر استعمالها مكان «فى» كقوله: إن الرّزيّة لا رزيّة مثلها ... أخواى إذ قتلا بيوم واحد (١) أراد: فى يوم واحد، ومنه: ﴿السَّماءُ مُنْفَطِرٌ بِهِ﴾ (٢) أى فيه، أى فى يوم القيامة، ومثله: ﴿لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبارَكاً﴾ (٣). واستعملت فى موضع «على» كقول الشاعر (٤): أربّ يبول الثّعلبان برأسه ... لقد ذلّ من بالت عليه الثّعالب أى على رأسه. «اللام» قد جاءت (٥) فى مكان «إلى» فى مواضع من التنزيل، منها قوله: ﴿بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحى لَها﴾ (٦) ومنها: ﴿الْحَمْدُ لِلّهِ الَّذِي هَدانا لِهذا﴾ (٧) ومنها:

стр. 1265

﴿رَبَّنا إِنَّنا سَمِعْنا مُنادِياً يُنادِي لِلْإِيمانِ﴾ (١) أي إلى الإيمان، وجاءتا متواليتين فى قوله: ﴿قُلِ اللهُ يَهْدِي لِلْحَقِّ أَفَمَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ﴾ (٢). واستعملوها مكان «على» فى قولهم: سقط لوجهه، أى على وجهه، ومثله. فخرّ صريعا لليدين وللفم (٣) ومثله فى التنزيل ﴿وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ﴾ (٤) أى على الجبين. و ﴿يَخِرُّونَ لِلْأَذْقانِ سُجَّداً﴾ (٥). واستعملوها فى مكان «بعد» قال متمّم بن نويرة (٦). فلمّا تفرّقنا كأنّى ومالكا ... لطول اجتماع لم نبت ليلة معا أى بعد طول اجتماع، ومثله فى التنزيل ﴿أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ﴾ (٧)

стр. 1266

[الجزء الثالث] المجلس الحادى والسبعون يتضمّن الكلام فى الحال الحال فضلة فى الخبر (١)، والخبر على ضربين: خبر المبتدأ، وخبر الفاعل، وما قام مقام الفاعل، فمثال خبر المبتدأ: زيد جالس، وأخوك فى الدار، ومثال خبر الفاعل: خرج بكر وسيقوم بشر، ومثال خبر ما أقيم مقام الفاعل: ضرب عمرو، ويكرم جعفر. تقول: زيد جالس متّكئا، وأخوك فى الدار مضطجعا، وأقبل محمد مسرعا، وسيقوم بشر ضاحكا، وضرب عمرو مشدودا، ويكرم جعفر قادما. ومن الأفعال مالا يسمّى خبرا لفاعله، ولكن مسندا إليه، وذلك أفعال الأمر والنهى، كقولك: ليخرج بكر، ولا يخرج أخوك. فالحال إذن (٢) فضلة على المسند، كما أنها فضلة على الخبر. والضّرب الأول يطلق عليه الإسناد، كما يطلق عليه الإخبار، فالإسناد أعمّ إذن؛ لأن كلّ إخبار إسناد، وليس كلّ إسناد إخبارا، وذلك أن الإخبار ما جاز أن يقابل بصدق أو كذب. ولمّا كانت الحال فضلة على الخبر، والخبر فى الأمر العامّ إنما يستفاد إذا كان نكرة، لزم الأحوال أن يكن نكرات، حملا على الأضل؛ لأن الأصل التنكير، قال

стр. 1267

الرّبعىّ: الحال زيادة فى الخبر، والخبر فى الأمر العامّ يكون نكرة، فوجب أن تكون الحال نكرة؛ لأنها مستفادة مع الجملة، كما يستفاد الخبر مع الواحد. انتهى كلامه. ... والحال تشبه المفعول به من وجه، وتخالفه من وجوه، فوجه الشبه بينهما أن النصب يجمعهما، ومن وجوه الخلاف (١) بينهما ما ذكرناه من لزومها التنكير، والمفعول يكون معرفة ويكون نكرة. والثانى: أن الحال فى الأغلب/هى ذو الحال، وليس المفعول هو الفاعل. والثالث: أن الحال يعمل فيها الفعل ومعنى الفعل، والمفعول لا يعمل فيه المعنى. والرابع: أن المفعول يبنى له الفعل فيرفع رفع الفاعل، والحال لا يبنى لها الفعل. ... والحال تشبه التمييز من ثلاثة أوجه، وتخالفه من وجه (٢). فأحد وجوه المشابهة: أنك إذا قلت: جاء زيد، احتمل أن يكون مجيئه على صفة تخالف صفة، كالركوب والمشي، والسّرور والحزن، والبكاء والضحك، فإذا قلت: راكبا أو ماشيا أو مسرورا أو محزونا، فقد بيّنت الحال التى جاء عليها، كما أنك إذا قلت: عندى عشرون، احتمل أن يكون المميّز درهما، وأن يكون ثوبا، وأن

стр. 1268

يكون غيرهما من الأجناس، فإذا قلت: درهما أو دينارا أو غير ذلك، بيّنت ما أردت. والثانى: أن التنكير يلزم المميّز كما يلزم الحال. والثالث: أنهما لا يجيئان إلاّ بعد التمام، فالمميّز يجيء بعد تمام الجملة، كقولك: امتلأ الإناء، أو بعد تمام الاسم بالنون كقولك: عشرون، أو بالتنوين كقولك: راقود، أو بالمضاف إليه كقولك: لى مثله، كما تجيء الحال بعد الجملة المبتدئيّة أو الفعليّة. ووجه المخالفة بينهما أن الحال فى الأغلب يلزمها الاشتقاق، والمميّز يلزمه أن يكون اسم جنس، فإن جاء صفة فقدّر له موصوفا محذوفا، كقولك: عشرون ظريفا. ... وبين الحال والظّرف مشابهة (١) ومخالفة، فوجه المشابهة أنّ الحال مفعول فيها، كما أن الظرف مفعول فيه. والمخالفة: أن الحال لا يعمل فيها المعنى إذا تقدّم عليها، لا يجوز: زيد قائما فى الدار، وليس كذلك الظرف؛ لأنك تقول: كلّ يوم لك ثوب، فتنصب كلّ يوم بلك، وإنما لم يعمل المعنى فى الحال إذا تقدّمت عليه؛ لشبه الحال (٢) بالمفعول به، من حيث كان المفعول به لا يعمل فيه المعنى، وإنما جاز إذا/تأخّرت الحال أن يعمل فيها المعنى، لأن الشىء إذا وقع فى موضعه جاز فيه مالا يجوز إذا وقع فى غير موضعه، تقول: ما جاءنى أحد إلا زيد، ترفع زيدا على الإبدال من أحد، فإن

стр. 1269

قدّمته لم يجز فيه الرفع، لأن البدل تابع فلا يكون من قبل المتبوع. وإنما جاز للحال أن تجيء غير مشتقّة؛ لأن الخبر نفسه قد جاء غير مشتقّ، فى نحو: زيد غلامنا، وبكر أخو جعفر، وإذا جاز ذلك فى الخبر جاز فى الفضلة على الخبر، فمن ذلك فى التنزيل: ﴿هذِهِ ناقَةُ اللهِ لَكُمْ آيَةً﴾ (١) أى علامة لصدقي، وجاء فى الشعر لأبى الصّلت الثقفىّ: اشرب هنيئا عليك التاج مرتفقا ... فى رأس غمدان ذارا منك محلالا (٢) نصب «دارا» على الحال من رأس غمدان، قصر بصنعاء، وجاز ذلك لأن الدار منزل، ومن هذا قول المتنبّى (٣). بدت قمرا وماست خوط بان ... وفاحت عنبرا وزنت غزالا الميس والميسان: مشي فيه تبختر وتهاد. والخوط: الغصن. والرّنوّ: النّظر، يقال: رنا، إذا مدّ بصره. ونصب «قمرا وخوط بان وعنبرا وغزالا» على الحال، ويتأوّل فيهنّ الاشتقاق، فيحملن على قولنا: بدت مشرقة، وماست متثنّية، وفاحت طيّبة، ورنت مليحة، ونظير هذا البيت قول آخر (٤):

стр. 1270

سفرن بدورا وانتقبن أهلّة ... ومسن غصونا والتفتن جآذرا واحد الجآذر: جؤذر، ولد البقرة الوحشيّة، ومن هذا الضّرب قولهم: «هذا بسرا أطيب منه رطبا (١)» التقدير: هذا إذا وجد صلبا أطيب منه إذا وجد ليّنا، فهذا يقال فيه إذا كان بلحا. وممّا جاءت فيه الحال بمعنى المشتقّ قوله تعالى: ﴿فَما لَكُمْ فِي الْمُنافِقِينَ فِئَتَيْنِ﴾ (٢) انتصاب ﴿فِئَتَيْنِ﴾ على الحال؛ لأن المعنى: ما لكم منقسمين فى شأنهم فرقتين، فرقة/تمدحهم، وفرقة تذمّهم. وحقيقة المعنى عندى (٣) أن «فئتين» فى معنى مختلفين، فحرف الجرّ الذى هو «فى» متعلّق بهذا المعنى، أى ما لكم مختلفين فى أمرهم، فانتصابه كانتصاب ﴿مُعْرِضِينَ﴾ فى قوله: ﴿فَما لَهُمْ عَنِ التَّذْكِرَةِ مُعْرِضِينَ﴾ (٤). واختلف فى هؤلاء المنافقين (٥)، فقيل: هم قوم تخلّفوا يوم أحد، و ﴿قالُوا لَوْ نَعْلَمُ قِتالاً لاتَّبَعْناكُمْ﴾ (٦) وقيل: هم قوم قدموا المدينة وأظهروا الإسلام، ورجعوا إلى مكة فأظهروا الكفر، وقيل: هم قوم أسلموا بمكة، وكانوا يعينون المشركين، والدليل على أنهم من أهل مكة قوله: ﴿فَلا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ أَوْلِياءَ حَتّى يُهاجِرُوا فِي سَبِيلِ اللهِ﴾ (٧).

стр. 1271

وقوله: ﴿وَاللهُ أَرْكَسَهُمْ بِما كَسَبُوا﴾ أى نكسهم؛ والمعنى ردّهم فى حكم الكفر، قال الكسائىّ: يقال: أركسه وركسه. وتقول: زيد فى الدار قائما وقائم، فالظرف فى النصب يتعلّق بالاستقرار، وفى الرفع يتعلّق بقائم، وإن لم يكن الظرف تامّا (١) لم يجز فيما بعد المبتدأ إلاّ الرفع تقول: زيد فيك راغب، وأخوك منك متعجّب؛ لأن الكلام لا يتمّ بقولك: زيد فيك، ولا بقولك: أخوك من زيد، وتقول: إنّ القوم فى الدار مقيمين ومقيمون، على ما قدّمناه من نصبك «مقيمين» بالاستقرار، ورفعك له بأنه الخبر، فمثال النصب فى التنزيل ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنّاتٍ وَنَعِيمٍ. فاكِهِينَ﴾ (٢) ومثال الرفع: ﴿إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِي عَذابِ جَهَنَّمَ خالِدُونَ﴾ (٣) وتقول: أقبل رجل راكب وراكبا، والنصب ضعيف، وإنما قوي الرفع؛ لأنهما نكرتان، فوصف النكرة بالنكرة أولى من مخالفتها لها فى إعرابها، وجاز نصبها على الحال؛ لأن الكلام قد تمّ بالنكرة، كما يتمّ بالمعرفة لو قلت: أقبل زيد، وعلى هذا جاء ﴿فِيها يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ. أَمْراً مِنْ عِنْدِنا﴾ (٤) فقوله: ﴿أَمْراً﴾ حال (٥) من ﴿كُلُّ أَمْرٍ﴾ والأمران مختلفان فى المعنى، فالأول واحد الأمور، والثانى نقيض النهي، فالتقدير: مأمورا به من عندنا. /وأقول: إنما حسن مجىء الحال من النكرة فى الآية؛ لأن قوله: ﴿كُلُّ أَمْرٍ﴾ معناه كلّ الأمور، كما تقول: جاءنى كلّ رجل فى الدار، والمعنى: كلّ الرجال الذين فى الدار، فلمّا تضمّن هذا المعنى كان حكمه حكم المعرفة.

стр. 1272

فإن قدّمت صفة النّكرة عليها صار ما كان ضعيفا فى التأخير لا يجوز غيره، تقول: فى الدار قائما رجل، كما قال: لعزّة موحشا طلل (١) بطل (٢) كونه صفة لما تقدّم؛ لأنّ الصفة لا تكون إلاّ تابعة، والتابع لا يقع قبل المتبوع. ... قد ذكرنا من المعانى التى تعمل فى الحال الظروف، وتعمل فيها أيضا أسماء الإشارة وحرف التنبيه، تقول: ذا زيد مقبلا، وها زيد مقبلا، وهذا زيد مقبلا، وفى التنزيل: ﴿وَهذا صِراطُ رَبِّكَ مُسْتَقِيماً﴾ (٣) وفيه ﴿وَهذا بَعْلِي شَيْخاً﴾ (٤) وتقول: هاتا أمتك سافرة، وتلك هند جالسة، كما قال تعالى: ﴿فَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ خاوِيَةً﴾ (٥) وتقول: هذا أبوك مقبلا ومقبل، فرفعه من أربعة أوجه: أحدها: أن يكون خبرا بعد خبر. والثاني: أن يكون خبر مبتدأ محذوف، فيكون الكلام فى تقدير جملتين، أى هو مقبل. والثالث: أن تبدله من الأب، فكأنك قلت: هذا مقبل. والرابع: أن تبدل الأب من هذا، فكأنك قلت: أبوك مقبل، وفى مصحف

стр. 1273

ابن مسعود: «وهذا بعلى شيخ» ورفعه من الأوجه الأربعة (١). وقال جرير (٢): هذا ابن عمّي فى دمشق خليفة ... لو شئت ساقكم إليّ قطينا يجوز أن تنصب «خليفة» باسم الإشارة، فيكون حالا منه، ويحوز أن تعمل فيه الظرف، فيكون حالا من الذّكر (٣) الذى فيه، ويجوز أن ترفعه من وجهين، أحدهما: أن يكون خبرا ثالثا، ابن عمى: الأوّل، وفى دمشق: الثانى، وخليفة الثالث. ويجوز أن يكون خبر مبتدأ محذوف، على ما قدّمنا ذكره. القطين: الأتباع. /وقد أعملوا فى الحال من حروف المعانى ثلاثة: كأنّ وليت ولعلّ، وذلك لقوّة شبههنّ بالفعل، تقول: كأنّ زيدا راكبا أسد، وليت زيدا مقيما عندنا، ولعلّ بكرا جالسا فى الدار، قال النابغة: كأنّه خارجا من جنب صفحته ... سفّود شرب نسوه عند مفتأد (٤) شبّه قرن ثور وحشيّ طعن به كلبا، فأخرجه من صفحة عنقه، بسفّود قوم يشربون الخمر نسوه عند مفتأد، والمفتأد: المشتوى والمطبخ، مكان الشّيّ والطّبخ، يقال: فأدت اللحم: إذا شويته، ويقال للسّفود: المفأد. ...

стр. 1274

وقد تقع الجمل أحوالا، كما تقع أخبارا وأوصافا، ولا بدّ فى الجملة من ضمير إذا وقعت خبرا أو صفة، يعود إلى المخبر عنه وإلى الموصوف، ولمّا وجب هذا فى الخبر والصّفة وجب فى الحال؛ لأنها صفة ذى الحال، وأنّها زيادة فى الخبر، فقد أخذت شبها منهما. وكلتا الجملتين المبتدئية والفعلية تقع حالا. وإذا كانت الجملة مبتدئية ووقعت (١) حالا، جاز أن تأتى فيها بواو، وليست الواو العاطفة، ولكنّها التى شبّهها سيبويه بإذ، وإنما شبّهها بإذ، لأنها تتعلّق بما قبلها من الكلام، كما تتعلّق «إذ، وذلك فى قوله تعالى: ﴿وَطائِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ﴾ (٢) بعد قوله: ﴿ثُمَّ أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ بَعْدِ الْغَمِّ أَمَنَةً نُعاساً يَغْشى طائِفَةً مِنْكُمْ﴾ وكذلك الواو فى قوله: ﴿وَلَوْ أَنَّما فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ﴾ (٣) فموضع ﴿وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ﴾ نصب على الحال، قال (٤) سيبويه: «والبحر هذه حاله»، والعامل فى هذه الحال الفعل الذى عمل فى «أنّ»، وتقديره: ولو كان، أو ولو وقع، أو ولو وجد أنّ ما فى الأرض من الشجر أقلام. وقد جاءت الواو فى الجملة الفعليّة إذا كان الفعل ماضيا معه «قد»، كقولك: جاء زيد وقد وضع يده على وجهه. فمن الجمل التى وقعت فى موضع الحال قول الهزّانيّة (٥):

стр. 1275

/ ربّيته وهو مثل الفرخ أعظمه ... أمّ الطّعام ترى فى ريشه زغبا قولها: «أعظمه أمّ الطعام» حال من الفرخ، والعامل فيها ما فى «مثل» من معنى التشبيه، فالمعنى، مثل الفرخ صغيرا، لأنها أرادت بأمّ الطعام حوصلته، ولا تكون حوصلته أعظمه إلاّ وهو صغير. ولو حذفت الضمير من جملة الحال المبتدئيّة واكتفيت بالواو، جاز، كقولك: جاء زيد وعمرو حاضر، ولو حذفت الواو اكتفاء بالضمير، فقلت: خرج أخوك يده على وجهه، جاز، كما قال المسيّب بن علس، يصف غوّاصا: نصف النّهار الماء غامره ... ورفيقه بالغيب ما يدرى (١) أى ما يدرى ما حاله. وأما الجملة الفعليّة فلا يخلو الفعل أن يكون حاضرا أو مستقبلا أو ماضيا، فإن كان حاضرا حسن وقوعه فى موضع الحال، كقولك: جاء زيد يسرع، ومنه قول الحطيئا (٢): متى تأته تعشو إلى ضوء ناره ... تجد خير نار عندها خير موقد وإن كان ماضيا لم يحسن وقوعه فى موضع الحال إلاّ ومعه «قد» كقولك: جاء زيد قد عرق، وذلك أنّ «قد» تقرّبه إلى الوقت الحاضر، وكان أبو الحسن الأخفش يجيز إيقاعه حالا و «قد» مقدّرة (٣) فيه، واحتجّ بقول الله تعالى: ﴿أَوْ جاؤُكُمْ﴾

стр. 1276

﴿حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ﴾ (١) قال: أراد قد حصرت، وهذا لا يجيزه سيبويه، وحمل الآية (٢) على غير هذا، فقال: ﴿حَصِرَتْ﴾ صفة لمحذوف، تقديره: قوما حصرت صدورهم، فقوما نصب على الحال، وحصرت صفتهم، وحذف الموصوف وأبقيت صفته. وكان أبو العباس المبرّد يقول فى قوله: ﴿حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ﴾. قولا ثالثا، وهو أنه خرج مخرج الدعاء عليهم (٣)، كما قال تعالى: ﴿قاتَلَهُمُ اللهُ﴾ (٤) فالمعنى: ضاقت صدورهم عن/قتالكم. والذى قاله جائز، لولا ما جاء بعده من قوله: ﴿أَوْ يُقاتِلُوا قَوْمَهُمْ﴾ ونحن لا ندعو بأن تضيق صدورهم عن قتال قومهم، بل نقول: اللهمّ ألق بأسهم بينهم، فلمّا عطف على الأول ما لا يصحّ أن يقع موقع الأوّل لم يصحّ الذى تأوّله (٥). وقد جاء الفعل الماضى فى موضع الحال مقدّرة معه «قد» فى قوله تعالى: ﴿كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللهِ وَكُنْتُمْ أَمْواتاً فَأَحْياكُمْ﴾ (٦) المراد: وقد كنتم، ومثله ﴿أَنُؤْمِنُ لَكَ وَاِتَّبَعَكَ الْأَرْذَلُونَ﴾ (٧) أراد: وقد اتّبعك. فإن كان الفعل مستقبلا لم يقع حالا، لا تقول: جاء زيد سيضحك، أو جاء زيد يضحك غدا؛ لأنّ الحال إنما تكون لما أنت فيه. فإن قيل: فقد جاء فى كتاب سيبويه: «مررت برجل معه صقر صائدا به

стр. 1277

غدا (١)» فقوله: «معه صقر»، لا يخلو «صقر أن يكون مبتدأ والظرف الذى هو «معه» خبره، فيكون إذن فى الظرف ذكر (٢) مقدّر يعود على رجل، من الجملة التى هى وصف له، أو يكون «صقر» مرتفعا بالظرف ارتفاع الفاعل بفعله، فالقول أنه مرتفع بالظرف (٣)، على قول سيبويه فى هذه المسألة، وإن كان سيبويه ليس مذهبه أن يرفع بالظرف، وإنما رفع بالظرف هاهنا لوقوع الظرف صفة، فأشبه بذلك الفعل، فعمل عمله، وكذلك يرفع بالظرف إذا وقع صلة، ووقوعه صلة أشدّ تقريبا له من الفعل؛ لأنه إذا وقع صلة لم يتعلّق إلاّ بفعل، وذلك فى نحو قوله تعالى: ﴿وَمَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتابِ﴾ (٤) لا يكون ﴿عِلْمُ الْكِتابِ﴾ فى التحقيق إلاّ مرتفعا بالظرف، وإنما جاز «صائدا به غدا» لأنها حال مقدّرة، فالمعنى: معه صقر مقدّرا به الصيد، وهى حال من الهاء التى فى «معه»، ومن الحال المقدّرة فى التنزيل قوله: ﴿طِبْتُمْ فَادْخُلُوها خالِدِينَ﴾ (٥) أراد: مقدّرين الخلود، ومثله: ﴿لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرامَ/إِنْ شاءَ اللهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُؤُسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ﴾ (٦) أى مقدّرين التحليق والتقصير، فأمّا قوله: ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبادِهِ وَالطَّيِّباتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَياةِ الدُّنْيا خالِصَةً يَوْمَ الْقِيامَةِ﴾ (٧) فقرأ نافع وحده ﴿خالِصَةً﴾ رفعا (٨)، فمن نصبها جعلها حالا من الذّكر (٩) الذى فى خبر ﴿هِيَ﴾

стр. 1278

لأن التقدير: هي ثابتة للذين آمنوا [فى الحياة الدنيا (١)] فى حال خلوصها لهم يوم القيامة. ... قال أبو الفتح عثمان: «تقول: مررت بهند جالسة، ولا يجوز: مررت جالسة بهند، لأنّ حال المجرور لا يتقدّم عليه (٢)»، وهذا قول جميع النحويّين إلاّ ابن كيسان (٣)، فإنه أجاز تقديم حال المجرور عليه، واحتجّ بأن قال: العامل فى الحال على الحقيقة هو مررت، وإذا كان العامل هو الفعل لم يمتنع تقديم الحال، واحتجّ أيضا بقوله جلّ وعز: ﴿وَما أَرْسَلْناكَ إِلاّ كَافَّةً لِلنّاسِ﴾ (٤) قال: أراد إلاّ للناس كافّة، أى إلى الناس، يقال: خرج القوم كافّة، ولقيتهم كافّة، كما قال تعالى: ﴿اُدْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً﴾ (٥). وعلّة النحويّين فى امتناعهم من هذا أن العامل فى الحال هو العامل فى ذى الحال فى الأكثر، فالعامل فى الحال هاهنا هو الجارّ؛ لأنه عمل فى لفظ ذى الحال، ولم يكن كالفعل الذى عمل فى الموضع، وقاس النحويّون الخافض على الرافع والناصب، فلمّا خالفهما ألزموا حال المخفوض التأخير، وذلك أن الرافع والناصب يتقدّم الحال عليهما؛ لأن المرفوع والمنصوب يجوز تقديمه عليهما، تقول: خرج زيد مسرعا، وزيد خرج مسرعا، فلما جاز تقديم زيد على خرج، جاز تقديم الحال عليه، فقيل: مسرعا خرج زيد، وتقول فى عامل النصب فى ذى الحال: ضربت

стр. 1279

زيدا مشدودا، وزيدا ضربت مشدودا، فجاز لذلك: مشدودا ضربت زيدا، فقد رأيت كيف جاز تقديم ذى الحال المرفوع على الرافع، وذى الحال المنصوب/على الناصب، ولا يمكن تقديم المخفوض على الخافض، فامتنع لذلك تقديم الحال على ذى الحال المخفوض. وقال أبو القاسم الثّمانينيّ: قد أجاز بعض النحويّين تقديم حال المجرور عليه، وقال: إنّ العامل فى الحال هو الفعل، والفعل متصرّف فى نفسه، فينبغى أن يتصرّف معموله، فيجوز تقديم الحال على صاحبها، قال: وهذا الذى ذكره ليس بصحيح؛ لأن الفعل عمل فى الجارّ والمجرور جميعا، وقد صارا كالشيء الواحد، فإن جاز أن يتقدّم الحال عليهما وجب أن تكون لهما معا، ومحال أن يكون للحرف حال. انتهى كلامه. وأمّا ما تعلّق به ابن كيسان من قوله تعالى: ﴿وَما أَرْسَلْناكَ إِلاّ كَافَّةً لِلنّاسِ﴾ فإن ﴿كَافَّةً﴾ ليس بحال من الناس، كما توهّم، وإنما هو على ما قاله أبو إسحاق الزجّاج: حال من الكاف فى ﴿أَرْسَلْناكَ﴾ والمراد (١) كافّا، وإنما دخلته الهاء للمبالغة فى الوصف، كدخولها فى علاّمة ونسّابة وراوية، أى أرسلناك لتكفّ الناس عن الشّرك وارتكاب الكبائر. ... ومن مسائل الحال: ضربى زيدا قائما، التقدير: إذ كان قائما، إن قيل هذا وقد مضى ضربه، وإذا كان قائما، إن قيل هذا وضربه متوقّع (٢).

стр. 1280

وقول المتنبّى: بحبّ قاتلتى والشّيب تغذيتى ... هواى طفلا وشيبى بالغ الحلم (١) في موضع «هواى وشيبى» من الإعراب قولان، الأول: أنهما مبتدءان، وطفلا وبالغ الحلم، حالان سدّا مسدّ الخبرين، والتقدير: هواى إذ كنت طفلا، وشيبي إذ كنت بالغ الحلم، كما تقول: انطلاقك مسرورا، وشربك السّويق ملتوتا، أى إذ كنت مسرورا، وإذا كان ملتوتا، وإنما يقدّر «إذ وإذا» على ما قرّرته بحسب ما يقتضيه الكلام من المضىّ والاستقبال، و «كان» المضمرة هاهنا هى/ المكتفية بمرفوعها (٢). والقول الثانى: أنّ «هواى وشيبى» مجروران على البدل من «حبّ قاتلتى» و «الشّيب»، كما تقول: مررت بأخيك وغلامك زيد وخالد، فالتقدير: تغذيتى بحبّ قاتلتى والشّيب (٣)، بهواى طفلا، وبشيبي بالغ الحلم، ويعمل فى الحالين على هذا القول المصدران، كأنك قلت: بأن هويت طفلا، وبأن شبت بالغ الحلم، وهذا قول عليّ بن عيسى الرّبعىّ، والأول قول ابن (٤) جنّى، وكلا القولين سديد. وإضافة «بالغ» إلى «الحلم» كإضافته فى قول الله جلّ ثناؤه: ﴿هَدْياً بالِغَ الْكَعْبَةِ﴾ (٥). ...

стр. 1281

وتقول: «لقيت زيدا مصعدا منحدرا (١)، فتجعل «مصعدا» حالا من زيد، لأنه ملاصق له، و «منحدرا» حالا من ضميرك؛ ليكون في الكلام فصل واحد، وهو فصلك بزيد وحاله بين التاء وحالها، ولو جعلت «مصعدا» حالا من التاء، و «منحدرا» حالا من زيد، كان فى الكلام فصلان: فصلك بزيد بين التاء وحالها، وهو «مصعدا» وفصلك بمصعدا بين زيد وحاله، التى هى «منحدرا». ... وتقول: أحسن ما يكون زيد قائما «ما» هذه هى المصدريّة، فقولك: «ما يكون» بمعنى الكون، و «كان» هى التامّة، ولمّا أضفت «أحسن» إلى المصدر صار مصدرا، وقد ذكرت فيما تقدّم (٢) أن «أفعل» هذا لا يضاف إلاّ إلى ما هو بعض له، وخبر هذا المبتدأ محذوف، و «قائما» نصب على الحال، وسدّت الحال مسدّ الخبر، وجاز ذلك؛ لأنها بعض الخبر وأنت قد تحذف الخبر بأسره، فحذف بعضه أسهل، والتقدير: أحسن ما يكون زيد إذا كان قائما، والعامل فى الظرف اسم فاعل محذوف، تقديره ثابت إذا كان قائما، وقد ذكرت أنّ «كان» المقدّرة هى التامّة، فالمعنى: إذا وجد قائما، ولو كانت الناقصة، لسمع فى هذا المنصوب التعريف، فهذا يبطل قول من قال (٣) إنّ خبر «كان» والمفعول الثانى من باب «ظننت» ينتصب على الحال، ألا ترى أنك/تقول: ظننته إيّاك، وتقول: رأيت رجلا يعدو، فتقول: كنته. ...

стр. 1282

وتقول: أرخص ما يكون البرّ مدّان بدرهم، الرفع في هذا أجود، والنصب جائز، مدّان مبتدأ، وبدرهم خبره، والعائد محذوف، تقديره: منه، والجملة من المبتدأ والخبر فى موضع نصب على الحال، والنصب على تقدير: إذا كان، أى إذا وجد مسعّرا، مدّين بدرهم، حذفت الحال وبقى معمولها. وتقول: «سادوك كابرا عن كابر (١)» والمعنى كبيرا بعد كبير، فعن فى هذا الموضع بمعنى «بعد»، التى ظهرت فى. قول القائل: بقيّة قدر من قدور توورثت ... لآل الجلاح كابرا بعد كابر (٢) وتقول: بيّنت له حسابه بابا بابا، أى مفصّلا، لا بدّ من تكرير «بابا» لئلاّ يظنّ أن حسابه كلّه باب واحد، وتقول: بعته ناجزا بناجز، ويدا بيد، والمعنى: بعته نقدا لا بنسيئة (٣)، وكلّمته فاه إلى فىّ، أى جاعلا فاه إلى فىّ، فحذفوا الحال، وبقى معمولها، كما جاء فى التنزيل: ﴿وَأَدْخِلْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ فِي تِسْعِ آياتٍ إِلى فِرْعَوْنَ وَقَوْمِهِ﴾ (٤) أى مرسلا إلى فرعون، والمعنى: كلّمته مشافها، ويجوز: كلّمته فوه إلى فيّ، أى كلّمته وهذه حاله (٥)، ولا يجوز على هذا: بعته يد بيد، لأنك لا تريد: بعته ويده بيدى، وإنما تريد: أعطيته وأخذت منه، وأنت تريد في المسألة الأولى المشافهة والقرب، فإذا قلت: وفوه إلى فيّ، فإنما تريد: كلّمته وأنا قريب منه. وتقول: أخذته بدرهم فصاعدا، المعنى: فذهب الثّمن صاعدا إلى أثمان شتّى، فالعامل في هذه الحال هذا الفعل المقدّر، ومعنى هذا أنك ابتعته أوّلا بدرهم

стр. 1283

ثم زاد الثمن فأخذته بأكثر من ذلك، ولا بدّ من الفاء لهذا المعنى، ولو جئت مكانها بثمّ لجاز، ولو جئت بالواو لم يجز؛ لأنك كنت توجب أنك أخذته بدرهم وزيادة من أول شيء (١). وقالوا: جاء القوم الجمّاء الغفير، بمعنى: جاءوا بأجمعهم، فنصبوهما على الحال، بتقدير زيادة الألف واللام، /وقالوا أيضا: جاءوا جمّاء الغفير، وجمّ الغفير، وجمّا غفيرا، وهذا مؤذن بزيادة الألف واللام فيهما. والجمّاء من الجمّ، وهو الكثير فى قوله تعالى: ﴿وَتُحِبُّونَ الْمالَ حُبًّا جَمًّا﴾ (٢). والغفير: من قولهم: غفرت الشىء: إذا غطّيته، ومنه الغفر والغفران؛ لأنه تغطية الذّنوب، ومنه قيل للكمّة من الزّرد التى يغطّى بها الرّأس فى الحرب: مغفر، فأرادوا أنهم جاءوا يغطّون الأرض لكثرتهم. وتأنيث الجمّاء لتأنيث الجماعة، وتذكير الغفير لتذكير الجمع. وممّا جاء بلفظ التعريف وظاهره أنه حال، وإنما انتصابه انتصاب المصادر قولهم: طلبته جهدك، ورجع عوده على بدئه، أى رجع من حيث جاء، وأرسلها العراك، والتقدير: طلبته تجهد جهدك، ورجع يعود عوده، وأرسلها تعارك العراك (٣)، فالحال فى الحقيقة الفعل الناصب للمصدر، قال لبيد، يصف حمارا وحشيّا وآتنا:

стр. 1284

فأوردها العراك ولم يذدها ... ولم يشفق على نغص الدّخال (١) أراد: أوردها يعارك بعضها بعضا عند ورودها؛ لتزاحمها على الماء. وقوله: ولم يشفق على نغص الدّخال أصل الدّخال: أن يدخل بعير قد شرب بين بعيرين لم يشربا، يفعل به ذلك لضعفه، كأنّ ضعفه منعه من الرّىّ فى الشّرب الأوّل، فينغّص عليهما شربهما بإدخاله بينهما. وروى: على نغض الدّخال، والنّغض: كثرة الحركة، ومن هذا المعنى قول المتنبّى (٢). فلا غيضت بحارك يا جموما ... على علل الغرائب والدّخال غيضت: نقصت، يقال: غاض الماء وغضته. والجموم: من الجمّ، وقد تقدّم ذكره. والعلل: الشّرب الثانى والغرائب: الإبل الغريبة ترد على الحوض، وليست من إبل أهله، ضرب له هذا مثلا، فأراد: أنت كثير العطاء ومعاود له لمن هو مقيم عندك، ولمن يرد عليك غريبا قد ناله قبل ذلك برّك، فكان له كالشّرب/الأول، وهو النّهل، والبرّ الثانى كالعلل. ...

стр. 1285

ومن الحال قولهم: هو زيد معروفا، وفى التنزيل: ﴿وَهُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقاً﴾ (١) فهذه حال مؤكّدة (٢)؛ لأن الحقّ لا يكون إلاّ مصدّقا، ومثله: ﴿وَهذا صِراطُ رَبِّكَ مُسْتَقِيماً﴾ (٣) لأنّ الاستقامة لزم (٤) صراط الله؛ ولأنّ قولك: هو زيد، قد دلّ على أنه معروف عندك، فجئت بقولك «معروفا» مؤكّدا به، قال (٥): أنا ابن دارة معروفا بها (٦) ... نسبى فهل بدارة يا للنّاس من عار ولو قلت: هو زيد قائما، لم يجز؛ لأنه ليس فى «قائم» ما يدلّ على الأوّل. والعامل فى «معروفا ومصدّقا» وما أشبهه معنى الجملة، ولهذا لا يجيز النحويّون: معروفا هو زيد. ... ومن الحال-وقد تقدّم (٧) هذا الضّرب-قولهم: هذا بسرا أطيب منه رطبا. فإن قلت: هذا رطب أطيب منه بسر، فقولك: «أطيب منه بسر» جملة فى موضع الصفة لرطب، ولو قلت: هذا رطب أطيب منه عنب، لم يجز فيه إلاّ الرفع، لأنّ

стр. 1286

الرّطب لا يتحوّل فيصير عنبا. وتقول: ما شأنك قائما، فما مبتدأ، وشأنك خبره، وقائما حال، العامل فيها معنى الكلام؛ لأنّ معنى ما شأنك؟ ما تلابس؟ فإن قلت: فهلاّ جعلت العامل فى الحال ما دلّ عليه الاستفهام (١) من معنى الفعل، فأجزت: هل زيد جالسا فى الدار؟. قيل: هذا لا يجوز؛ لأن هذه الحروف إنما جاءوا بها نائبة عن الأفعال، فلو أعملوها فى الأحوال كان إعمالها بمنزلة إظهار الفعل، وهم إنما جاءوا بها اختصارا، فأمّا ليت وكأنّ ولعلّ، فاستجازوا إعمالهنّ فى الأحوال؛ لأنهنّ أشبهن الأفعال من جهة اللفظ والمعنى، فقوين بهذه المشابهة، فمشابهتهنّ للفعل من جهة اللفظ بناؤهنّ على الفتح كبناء الأفعال الماضية عليه، وأنّ عدّة حروفهنّ كعدّة حروف الفعل/الماضى، ثلاثة فما زاد، ومشابهتهنّ من جهة المعنى أنّ ليت بمعنى أتمنّى، ولعلّ بمعنى أترجّى، وكأنّ بمعنى أشبّه، ولا يجوز فى إنّ ولكنّ ما جاز فيهنّ؛ لأنهما لم يغيّرا معنى الكلام، بل أكّداه. وقد أعملوا فى الحال كاف التشبيه، كما أعملوا فيها كأنّ، فقالوا: زيد كعمرو خاطبا، وبكر كبشر محاربا، وقوّة هذا الحرف بأنّ له حظّا فى الاسميّة بإسنادهم الفعل إليه، وإدخالهم الجارّ عليه، فإسناد الفعل إليه فى قول الأعشى: أتنتهون ولن ينهى ذوى شطط ... كالطّعن يهلك فيه الزّيت والفتل (٢) وإدخال الجارّ عليه فى قول امرئ القيس:

стр. 1287

فرحنا بكابن الماء يجنب وسطنا ... تصوّب فيه العين طورا وترتقى (١) ونصبوا به التمييز، فى نحو: زيد كزهير شعرا، وبشر كحاتم جودا، ونصبوه به محذوفا، كقولك: أخوك حاتم جودا، وأبوك النابغة شعرا. ...

стр. 1288

المجلس الثانى والسبعون ذكر مواضع تاء التأنيث التى تنقلب فى الوقف هاء فمن ذلك دخولها للفرق بين المذكّر والمؤنّث، فى الصّفات وغيرها، فالصّفات كفاضل وفاضلة، ومحبوب ومحبوبة، وظريف وظريفة، ومكّىّ ومكّيّة، وأشر وأشرة، وقتّال وقتّالة، ومطراب ومطرابة. وغير الصفات كمرء ومرأة، وامرئ وامرأة، ألحقوهما ألف الوصل، كما فعلوا ذلك فى ابن وابنة، وأصلهما بنو وبنوة، وقيل: بل بنى وبنية؛ لأنّ الابن مبنيّ على أبيه، فحذفوا لاميهما وأسكنوا فاءيهما واجتلبوا (١) لهما همزة الوصل عوضا ممّا حذف منهما، كما فعلوا ذلك فى اثنين واثنتين واسم واست. فإن قيل: فامرؤ وامرأة لم يدخلهما حذف، فما الذى أوجب اجتلاب/ همزة الوصل لهما؟ قيل: إنّ الهمزة حرف عليل، يحذف لاستثقاله تارة، ويبدل تارة، ويليّن تارة، فهو موجود كمعدوم، والألف واللام لا يدخلان على امرئ وامرأة، استثقالا لكسرة لام التعريف فيهما لو قالوا: الامرؤ والامرأة، ولم يستثقلوا المرء والمرأة، وفى التنزيل: ﴿يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ﴾ (٢) وقد ألحقوا الرّجل الهاء، فقالوا: رجلة، قال:

стр. 1289

خرّقوا جيب فتاتهم ... لم يبالوا حرمة الرّجله (١) وكذلك قالوا: شيخ وشيخة، وغلام وغلامة، قال (٢): ومركضة صريحيّ أبوها ... تهان لها الغلامة والغلام وقال الآخر (٣): كأنّها شيخة رقوب الرّقوب من النّساء: التى لا يعيش لها ولد، ومثلها المقلات، وقالوا فى ذوات الحافر: برذون وبرذونة، وبغل وبغلة، وحمار وحمارة، ومن السّباع: ذئب وذئبة، وكلب وكلبة، وأسد وأسدة، ومن الطير: قمريّ وقمريّة، ومن ذوات.

стр. 1290

الخفّ: بختىّ وبختيّة، ألحقوا فى هذه الأسماء وفيما قدّمته من الصّفات وفى نظائرهما التاء علما للتأنيث، وكان المؤنّث أحقّ بأن تلحقه العلامة؛ لأن المذكّر هو الأصل، والقياس أن الأصل لا يحتاج إلى علامة. والضّرب الثانى: عكس هذا الضّرب، وذلك إلحاقهم تاء التأنيث اسم العدد من الثلاثة إلى العشرة، علامة للتذكير، وحذفهم إياها علامة للتأنيث، كقولهم: ثلاثة رجال، وثلاث نسوة، وأربعة أحمرة، وأربع آتن، وخمسة أبغل، وخمس بغلات، وستّة أثواب، وستّ ملاحف، وعشرة أرطال، وعشر أواق، كما جاء فى التنزيل، فى العدد المضاف إلى جمع الذكور: ﴿لَوْلا جاؤُ عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَداءَ﴾ (١)، وجاء/بعكسه: ﴿فَشَهادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهاداتٍ بِاللهِ﴾ (٢) وقال: ﴿فَصِيامُ ثَلاثَةِ أَيّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كامِلَةٌ﴾ (٣)، وقال فى عدد اللّيالى: ﴿وَواعَدْنا مُوسى ثَلاثِينَ لَيْلَةً وَأَتْمَمْناها بِعَشْرٍ﴾ (٤) وعلّة ذلك أن أسماء العدد الخالية من علامة التأنيث كذوات العلامة فى التأنيث، فثلاث كأتان وعناق، كما أنّ ثلاثة كزرافة وبغاثة. وإذا عرفت هذا فالأصل فى التأنيث أن تكون له علامة، فتأنيث أتان وعناق فرع على تأنيث حمامة وقطاة، ولمّا كان إلحاق علامة التأنيث أصلا، والتذكير أصلا

стр. 1291

للتأنيث، أعطوا المذكّر الذى هو الأصل إلحاق علامة التأنيث الذى هو أصل، فأثبتوها علما للتذكير فى هذا الضّرب من العدد. الزّرافة: الجماعة (١)؛ قال: طاروا إليه زرافات ووحدانا (٢) والبغاثة (٣): واحدة البغاث، وهو ما لا يصيد من الطير، ولا يمتنع أن يصاد، قال: بغاث الطّير أكثرها فراخا ... وأمّ الصّقر مقلات نزور (٤) قد تقدّم تفسير المقلات، والنّزور: فعول من الشىء النّزر، وهو القليل. والثالث من ضروب التاء: أن تلحق الواحد للفرق بينه وبين الجمع، نحو تمرة وتمر، وشعرة، وشعر، وحمامة، وحمام، وجرادة وجراد، وسحابة وسحاب، وشجرة وشجر، وبقرة وبقر، ونخلة ونخل، ونبلة ونبل، وهذا الضرب إنما هو فى الحقيقة اسم للجمع يدلّ على الجنس، يجوز تذكيره وتأنيثه، فقد وصفوه بالواحد المذكّر،

стр. 1292

وبالواحد المؤنّث، ووصفوه بالجمع، فمثال وصفه بالواحد المذكّر قوله تعالى: ﴿وَالسَّحابِ الْمُسَخَّرِ﴾ (١)، ومثال وصفه بالجمع قوله: ﴿وَيُنْشِئُ السَّحابَ الثِّقالَ﴾ (٢) وقال تعالى فى وصفه بالواحد المؤنّث: ﴿أَعْجازُ نَخْلٍ خاوِيَةٍ﴾ (٣)، وبالمذكّر: ﴿أَعْجازُ نَخْلٍ مُنْقَعِرٍ﴾ (٤) و ﴿جَرادٌ مُنْتَشِرٌ﴾ (٥)، و ﴿مِنَ الشَّجَرِ الْأَخْضَرِ﴾ (٦) /وجاء فى وصفه بالجمع، وبالواحد المذكّر قول النابغة (٧): واحكم كحكم فتاة الحىّ إذ نظرت ... إلى حمام شراع وارد الثّمد قوم يغلطون فيكتبون «واردى الثّمد» بالياء، يريدون: واردين. الثّمد: الماء القليل الذى لا مادّة له. وإنما وصفوا هذا الضّرب بالمذكّر؛ لأنه اسم جنس، لا جمع تكسير، ووصفوه بالمؤنّث حملا على معنى الجماعة.

стр. 1293

والضّرب الرابع: نقيض هذا الضّرب، وهو أن يدلّ لحاق التاء على الجمع، كقولهم: رجل جمّال ورجال جمّالة، وبغّال وبغّالة، وحمّار وحمّارة، وسيّار وسيّارة، قال الهذلىّ: حتّى إذا أسلكوهم فى قتائدة ... شلاّ كما تطرد الجمّالة الشّردا (١) قتائدة: اسم مكان، والبيت آخر القصيدة، فلا يجوز أن تنصب «شلاّ» بأسلكوهم لئلاّ تبقى «إذا» بغير جواب ظاهر ولا مقدّر، ولكن تنصبه بفعل تضمره، فيكون جواب «إذا» فكأنك قلت: حتى إذا أسلكوهم شلّوهم شلاّ (٢)، ومثله فى التنزيل: ﴿إِنّا زَيَّنَّا السَّماءَ الدُّنْيا بِزِينَةٍ الْكَواكِبِ. وَحِفْظاً مِنْ كُلِّ شَيْطانٍ مارِدٍ﴾ (٣) أراد: وحفظناها حفظا، ومثله: ﴿وَزَيَّنَّا السَّماءَ الدُّنْيا بِمَصابِيحَ وَحِفْظاً﴾ (٤). ومن هذا الضّرب فى أحد القولين قولهم: كمء للواحد، فإذا أرادوا الجمع قالوا: كمأة، وهو الذى حكاه أبو زيد عن منتجع ورؤية بن العجّاج، والقول الآخر نقيضه، وهو يروى عن أبى خيرة الأعرابىّ، قال: الكمأة للواحدة، والكمء للجمع، فكمأة إذن وكمء كنخلة ونخل. والخامس: لحاق التاء لغير فرق (٥)، بل لتكثير الكلمة، وذلك نحو غرفة وبرمة وعمامة وإداوة وقرية وكلية وبهيمة ومدينة وبرّيّة وعلّيّة (٦) وموماة ومرضاة.

стр. 1294

/والسادس: أن تلحق الكلمة للمبالغة فى المدح والذمّ، كقولهم فى المدح: رجل علاّمة ونسّابة وراوية للأخبار، وكقولهم فى الذمّ: رجل لحّانة وهلباجة، وهو الأحمق، ومثله جخابة، بوزن غزالة، وكذلك فقاقة، على زنته، وهو الأحمق المخلّط فى كلامه، وقيل فى قوله تعالى: ﴿بَلِ الْإِنْسانُ عَلى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ﴾ (١) وفى قوله: ﴿ما فِي بُطُونِ هذِهِ الْأَنْعامِ خالِصَةٌ لِذُكُورِنا﴾ (٢) إنّ المراد بالتاء فيهما المبالغة، وكذلك قالوا فى قولهم: خليفة، إن الأصل خليف، والهاء للمبالغة، وقد أشبعت الكلام فى هذا الفنّ فيما قدّمته (٣). والسابع: إلحاقها لفظ الجمع توكيدا لتأنيثه، وتغليبا للحمل على الجماعة، كما ألحقت نحو ناقة ونعجة، وذلك على ضربين: ضرب تطّرد فيه فتلزمه، وضرب لا تلزمه، فلزومها جاء فى مثالين: أفعلة وفعلة، فأفعلة كأجربة وأقفزة (٤) وأرغفة وأغربة، قال (٥): من فوقه أنسر سود وأغربة ... وتحته أعنز كلف وأتياس وفعلة كإخوة وغلمة وصبية وخصية وعلية، جمع خصيّ وعليّ، ومنه نيرة وجيرة، وقيعة، فى جمع نار وجار وقاع، كما جاء فى التنزيل: ﴿كَسَرابٍ بِقِيعَةٍ﴾ (٦) وقالوا فى جمع شيخ: شيخة.

стр. 1295

والضّرب الذى لا تلزمه مثالان أيضا: فعال وفعول، فدخولها فى فعال نحو قولهم: حجارة وجمالة وذكارة وفحالة، وفى التنزيل: ﴿تَرْمِيهِمْ بِحِجارَةٍ مِنْ سِجِّيلٍ﴾ (١) وفيه: «كأنّه جمالات صفر» (٢) ودخولها فى فعول نحو قولهم فى جمع عمّ وخال وبعل: عمومة وخئولة وبعولة، وفى جمع صقر: صقورة، وقالوا أيضا: فحولة وذكورة، وفى التنزيل: ﴿وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ﴾ (٣) وقال الشاعر: يدفّنّ البعولة والأبينا (٤) وهى فى بعض هذه الكلم أكثر استعمالا، فاستعمالها فى العمومة والخؤولة والبعولة أكثر، وكذلك الحجارة والذّكارة. /والضّرب الثامن: لحاقها على ما كان من الجمع على مثال مفاعل كيلا (٥) للدّلالة على معنى النّسب، كقولهم: المهالبة والأزارقة والأشاعثة والمناذرة، فى النّسب إلى المهلّب بن أبى صفرة، ونافع بن الأزرق، ومحمد بن عبد الرحمن بن الأشعث بن قيس، والمنذر بن الجارود، وكذلك المسامعة والأشاعرة، فى النّسب إلى مسمع (٦)

стр. 1296

والأشعر (١)، جمعوا المهلّبىّ والأزرقىّ والأشعريّ والأشعثىّ والمنذرىّ والمسمعىّ، بحذف ياء النسب، وعوّضوا منها تاء التأنيث، وقد فعلوا ذلك فى جمع التصحيح، فقالوا: الأشعرون والأشعثون، ونحو ذلك، وعليه جاء فى التنزيل: ﴿وَلَوْ نَزَّلْناهُ عَلى بَعْضِ الْأَعْجَمِينَ﴾ (٢) قيل: أراد الأعجميّين. والتاسع: لحاقها ما كان على هذا المثال من الأعجميّة المعرّبة للدّلالة على العجمة، نحو الجواربة والموازجة، جمع الجورب والموزج، وهو الخفّ، وكذلك الطّيالسة والصّوالجة، والكرابجة، جمع الكربج، وهو الحانوت، وأصله بالفارسيّة كربه، كما أنّ الموزج أصله موزه. وقد جاء فى هذا الضّرب اسمان، اجتمع فيهما ما افترق فى المهالبة والكرابجة من النّسب والعجمة، وهما السّبابجة (٣) والبرابرة، فأفادا معنى السّبيجيّين والبربريّين، واحدهم سبيجىّ وبربرىّ، فلحاق تاء التأنيث لهما أوكد من لحاقها لما لم يجتمع فيه المعنيان. والسّبابجة: قوم من السّند يستأجرون ليكونوا فى السفينة كالبذرقة (٤). وإنما اجتمع التعريف والنّسب فيما ذكرناه من لحاق تاء التأنيث؛ لاتّفاقهما فى النّقل من حال إلى حال، فالنّسب يصير به الاسم وصفا بعد أن لم يكن كذلك، ويصير به بعد تعريف العلميّة نكرة، والتعريف ينقل الأعجمىّ إلى حيّز العربىّ.

стр. 1297

ونقول بعبارة أخرى: لحقت تاء التأنيث مفاعل دالّة على النّسب، نحو المهالبة، ولحقت الأعجميّ المعرّب، نحو الموازجة؛ لمشابهة العجمة للنّسب، من حيث كان/النّسب ينقل الاسم من العلميّة إلى الوصفيّة، والعجمىّ منقول بالتعريف إلى العربيّة. والعاشر: ما دخلته التاء من الجمع الذى جاء على مثال من هذه الأمثلة، عوضا من يائه، كقولهم فى جمع زنديق وفرزان وجحجاح، وهو السيّد، وتنبال، وهو القصير: زنادقة وفرازنة (١) وجحاجحة وتنابلة، فالتاء فى هذا الضرب معاقبة للياء التى فى زناديق وفرازين وجحاجيح وتنابيل، فهى عوض منها، فلا يجوز إخلاؤه منهما معا، ومنه قولهم فى جمع إنسان: أناسية، التاء بدل من ياء أناسىّ، هذا أصله، كما جاء فى التنزيل: ﴿وَأَناسِيَّ كَثِيراً﴾ (٢). والحادى عشر: ضرب من الجمع جاء على مثال مفاعل كيلا (٣)، ودخلته التاء تغليبا لمعنى الجماعة، ولم تلزمه، وذلك قولهم فى جمع صيقل وصيرف وقشعم: صياقلة وصيارفة وقشاعمة، والصّياقل والصّيارف والقشاعم أكثر. والقشعم: المسنّ، وأكثر ما يستعمل فى النّسور. وهذا الضّرب نظير فعال وفعول، فى قولهم: جمالة وبعولة، إلاّ أنّى أفردته لمقاربته للأمثلة التى جاءت على مثال مفاعيل، ومنه الملائكة والملائك، والملائكة أكثر، قال أميّة بن أبى الصّلت (٤).

стр. 1298

وكأنّ أجنحة الملائك حوله وللنّحويّين فى أصل «ملك» قولان، قال بعضهم: أصله ملأك، واحتجّ بقول الشاعر: فلست لإنسيّ ولكن لملأك ... تنزّل من جوّ السّماء يصوب (١) وقال آخرون: أصله مألك، مأخوذ من الألوك والمألكة [والمألكة (٢)] وهى الرّسالة، وقول الشاعر: «لملأك» كان الوجه أن يقول: لمألك، ولكنّه قلب فقدّم اللام وأخّر الهمزة، فوزنه معفل. والثانى عشر: أربعة أمثلة من المصادر، لحقتها تاء التأنيث عوضا من محذوف: /فالأوّل: مصدر وعد يعد، ووزن يزن ونظائرهما، فهذا الضّرب له مصدران، الأصل منهما وزنه فعل: وعد ووزن، والآخر وزنه فى الأصل فعل، مثل جذع، وعد ووزن، فأعلّوه بحذف فائه لأمرين، أحدهما كسر واوه، والآخر كونه مصدر فعل معتلّ محذوف الفاء، فصار إلى عل: عد وزن، فعوّضوه من فائه التاء، فقالوا: عدة وزنة. والمصدر الثانى: مصدر أفعل المعتلّ العين، نحو أقام وأعان، وأباع فرسه: إذا عرّضه للبيع، أصل مصدر هذا الضّرب البناء على إفعال، قياسا على الصحيح: إقوام وإعوان وإبياع، كإكرام وإحسان، فحملوه على فعله فى الإعلال؛ لأنّ من شأن المصادر أن تتبع أفعالها فى التصحيح والإعلال، فألقوا فتحة عينه على فائه، ثم قلبوا العين ألفا لتحرّكها فى الأصل وانفتاح ما قبلها الآن، فاجتمع ألفان؛ المنقلبة عن العين، وألف إفعال، فحذفوا ألف إفعال؛ لأنها زائدة، فصار إلى إقام وإعان وإباع،

стр. 1299

فألحقوه تاء التأنيث عوضا من المحذوف، فقالوا: إقامة وإعانة وإباعة، وربّما أسقطوا هذه التاء إذا أضافوه، كما جاء فى التنزيل: ﴿وَأَقامَ الصَّلاةَ﴾ (١). والمصدر الثالث: مصدر استفعل، المعتلّ العين، نحو استقام واستعان واستبان، كان قياسه: استقوام واستعوان واستبيان، فأتبعوه فعله فى الإعلال، فألقوا فتحة العين على الفاء، ثم قلبوا العين ألفا لتحرّكها فى الأصل وانفتاح ما قبلها الآن، فاجتمع ألفان، المنقلبة عن العين وألف استفعال، فحذفوا الزائدة وعوّضوه منها التاء، فقالوا: استقامة واستعانة واستبانة. والمصدر الرابع: مصدر فعّلت المعتلّ اللام، يجيء على التّفعلة، نحو غطّيته تغطية، وعدّيته تعدية، وفدّيته تفدية، جاءوا به على هذا المثال مخالفة لمصدر فعّلت الصحيح اللام؛ لأنه جاء على التفعيل، نحو قطّعته تقطيعا، وكسّرته تكسيرا، / ﴿وَكَلَّمَ اللهُ مُوسى تَكْلِيماً﴾ (٢) وكذلك المعتلّ الفاء، نحو وجّهته توجيها، والمعتلّ العين نحو عوّدته تعويدا، وغيّبته تغييبا (٣)، فكرهوا التفعيل فى المعتلّ اللام فلم يقولوا: التّغطّى والتعدّى، استثقالا لتضعيف الياء، فحذفوا ياء التفعيل وعوّضوا منها تاء التأنيث، كما عوّضوها فى باب الإقامة والاستقامة. وقد جاء لبعض أبنية الأفعال مصدران، مذكّر، ومؤنّث، ولم تدخله التاء عوضا من محذوف، وذلك مثالان: فعللت وفاعلت، ففعللت نحو دحرجته دحرجة، وسرهفته سرهفة، والمصدر الآخر: الدّحراج والسّرهاف، قال (٤):

стр. 1300

سرهفته ما شئت من سرهاف ومعنى سرهفته: حسّنت غذاءه. ومصدر فاعلت المذكّر: الفعال، والمؤنّث: المفاعلة، نحو خاصمته خصاما ومخاصمة، وسابقته سباقا ومسابقة، وكذلك المعتلّ الفاء، نحو واجهته مواجهة، وواعدته مواعدة. والمعتلّ العين، نحو غاورته مغاورة، وحاورته محاورة، والمعتلّ اللام، نحو راميته مراماة، وساميته مساماة. والمضاعف نحو راددته مرادّة، وعاززته معازّة. وقال بعض التّصريفيّين: إنّ (١) تاء التأنيث المزيدة فى نحو الدّحرجة والسّرهفة زيدت عوضا من ألف الدّحراج والسّرهاف؛ لأنّ التذكير هو الأصل. والضّرب الثالث عشر: كلّ مصدر دخلته التاء لتبيين عدد المرّات، فجاء على مثال فعلة، نحو جلست جلسة، وضربت ضربة، وأكلت أكلة، ولبست الثوب لبسة، وركبت فرسك ركبة، كلّ هذا يراد به المرّة الواحدة، فإن كسرت أوّل شيء منه، فقلت: هو حسن الجلسة والرّكبة، فإنّما تريد الهيئة التى هو عليها فى الجلوس والرّكوب، وكذلك إذا قلت: خطوت خطوة، وغرفت غرفة، بفتح أوله، أردت المرّة، كما جاء فى التنزيل: ﴿إِلاّ مَنِ اِغْتَرَفَ غُرْفَةً/بِيَدِهِ﴾ (٢) فإن
следующие страницы →