والأشعر (١)، جمعوا المهلّبىّ والأزرقىّ والأشعريّ والأشعثىّ والمنذرىّ والمسمعىّ، بحذف ياء النسب، وعوّضوا منها تاء التأنيث، وقد فعلوا ذلك فى جمع التصحيح، فقالوا: الأشعرون والأشعثون، ونحو ذلك، وعليه جاء فى التنزيل:
﴿وَلَوْ نَزَّلْناهُ عَلى بَعْضِ الْأَعْجَمِينَ﴾ (٢) قيل: أراد الأعجميّين.
والتاسع: لحاقها ما كان على هذا المثال من الأعجميّة المعرّبة للدّلالة على العجمة، نحو الجواربة والموازجة، جمع الجورب والموزج، وهو الخفّ، وكذلك الطّيالسة والصّوالجة، والكرابجة، جمع الكربج، وهو الحانوت، وأصله بالفارسيّة كربه، كما أنّ الموزج أصله موزه.
وقد جاء فى هذا الضّرب اسمان، اجتمع فيهما ما افترق فى المهالبة والكرابجة من النّسب والعجمة، وهما السّبابجة (٣) والبرابرة، فأفادا معنى السّبيجيّين والبربريّين، واحدهم سبيجىّ وبربرىّ، فلحاق تاء التأنيث لهما أوكد من لحاقها لما لم يجتمع فيه المعنيان.
والسّبابجة: قوم من السّند يستأجرون ليكونوا فى السفينة كالبذرقة (٤).
وإنما اجتمع التعريف والنّسب فيما ذكرناه من لحاق تاء التأنيث؛ لاتّفاقهما فى النّقل من حال إلى حال، فالنّسب يصير به الاسم وصفا بعد أن لم يكن كذلك، ويصير به بعد تعريف العلميّة نكرة، والتعريف ينقل الأعجمىّ إلى حيّز العربىّ.
стр. 1297
ونقول بعبارة أخرى: لحقت تاء التأنيث مفاعل دالّة على النّسب، نحو المهالبة، ولحقت الأعجميّ المعرّب، نحو الموازجة؛ لمشابهة العجمة للنّسب، من حيث كان/النّسب ينقل الاسم من العلميّة إلى الوصفيّة، والعجمىّ منقول بالتعريف إلى العربيّة.
والعاشر: ما دخلته التاء من الجمع الذى جاء على مثال من هذه الأمثلة، عوضا من يائه، كقولهم فى جمع زنديق وفرزان وجحجاح، وهو السيّد، وتنبال، وهو القصير: زنادقة وفرازنة (١) وجحاجحة وتنابلة، فالتاء فى هذا الضرب معاقبة للياء التى فى زناديق وفرازين وجحاجيح وتنابيل، فهى عوض منها، فلا يجوز إخلاؤه منهما معا، ومنه قولهم فى جمع إنسان: أناسية، التاء بدل من ياء أناسىّ، هذا أصله، كما جاء فى التنزيل: ﴿وَأَناسِيَّ كَثِيراً﴾ (٢).
والحادى عشر: ضرب من الجمع جاء على مثال مفاعل كيلا (٣)، ودخلته التاء تغليبا لمعنى الجماعة، ولم تلزمه، وذلك قولهم فى جمع صيقل وصيرف وقشعم:
صياقلة وصيارفة وقشاعمة، والصّياقل والصّيارف والقشاعم أكثر. والقشعم:
المسنّ، وأكثر ما يستعمل فى النّسور.
وهذا الضّرب نظير فعال وفعول، فى قولهم: جمالة وبعولة، إلاّ أنّى أفردته لمقاربته للأمثلة التى جاءت على مثال مفاعيل، ومنه الملائكة والملائك، والملائكة أكثر، قال أميّة بن أبى الصّلت (٤).
стр. 1298
وكأنّ أجنحة الملائك حوله
وللنّحويّين فى أصل «ملك» قولان، قال بعضهم: أصله ملأك، واحتجّ بقول الشاعر:
فلست لإنسيّ ولكن لملأك ... تنزّل من جوّ السّماء يصوب (١)
وقال آخرون: أصله مألك، مأخوذ من الألوك والمألكة [والمألكة (٢)] وهى الرّسالة، وقول الشاعر: «لملأك» كان الوجه أن يقول: لمألك، ولكنّه قلب فقدّم اللام وأخّر الهمزة، فوزنه معفل.
والثانى عشر: أربعة أمثلة من المصادر، لحقتها تاء التأنيث عوضا من محذوف:
/فالأوّل: مصدر وعد يعد، ووزن يزن ونظائرهما، فهذا الضّرب له مصدران، الأصل منهما وزنه فعل: وعد ووزن، والآخر وزنه فى الأصل فعل، مثل جذع، وعد ووزن، فأعلّوه بحذف فائه لأمرين، أحدهما كسر واوه، والآخر كونه مصدر فعل معتلّ محذوف الفاء، فصار إلى عل: عد وزن، فعوّضوه من فائه التاء، فقالوا: عدة وزنة.
والمصدر الثانى: مصدر أفعل المعتلّ العين، نحو أقام وأعان، وأباع فرسه: إذا عرّضه للبيع، أصل مصدر هذا الضّرب البناء على إفعال، قياسا على الصحيح:
إقوام وإعوان وإبياع، كإكرام وإحسان، فحملوه على فعله فى الإعلال؛ لأنّ من شأن المصادر أن تتبع أفعالها فى التصحيح والإعلال، فألقوا فتحة عينه على فائه، ثم قلبوا العين ألفا لتحرّكها فى الأصل وانفتاح ما قبلها الآن، فاجتمع ألفان؛ المنقلبة عن العين، وألف إفعال، فحذفوا ألف إفعال؛ لأنها زائدة، فصار إلى إقام وإعان وإباع،
стр. 1299
فألحقوه تاء التأنيث عوضا من المحذوف، فقالوا: إقامة وإعانة وإباعة، وربّما أسقطوا هذه التاء إذا أضافوه، كما جاء فى التنزيل: ﴿وَأَقامَ الصَّلاةَ﴾ (١).
والمصدر الثالث: مصدر استفعل، المعتلّ العين، نحو استقام واستعان واستبان، كان قياسه: استقوام واستعوان واستبيان، فأتبعوه فعله فى الإعلال، فألقوا فتحة العين على الفاء، ثم قلبوا العين ألفا لتحرّكها فى الأصل وانفتاح ما قبلها الآن، فاجتمع ألفان، المنقلبة عن العين وألف استفعال، فحذفوا الزائدة وعوّضوه منها التاء، فقالوا: استقامة واستعانة واستبانة.
والمصدر الرابع: مصدر فعّلت المعتلّ اللام، يجيء على التّفعلة، نحو غطّيته تغطية، وعدّيته تعدية، وفدّيته تفدية، جاءوا به على هذا المثال مخالفة لمصدر فعّلت الصحيح اللام؛ لأنه جاء على التفعيل، نحو قطّعته تقطيعا، وكسّرته تكسيرا، / ﴿وَكَلَّمَ اللهُ مُوسى تَكْلِيماً﴾ (٢) وكذلك المعتلّ الفاء، نحو وجّهته توجيها، والمعتلّ العين نحو عوّدته تعويدا، وغيّبته تغييبا (٣)، فكرهوا التفعيل فى المعتلّ اللام فلم يقولوا: التّغطّى والتعدّى، استثقالا لتضعيف الياء، فحذفوا ياء التفعيل وعوّضوا منها تاء التأنيث، كما عوّضوها فى باب الإقامة والاستقامة.
وقد جاء لبعض أبنية الأفعال مصدران، مذكّر، ومؤنّث، ولم تدخله التاء عوضا من محذوف، وذلك مثالان: فعللت وفاعلت، ففعللت نحو دحرجته دحرجة، وسرهفته سرهفة، والمصدر الآخر: الدّحراج والسّرهاف، قال (٤):
стр. 1300
سرهفته ما شئت من سرهاف
ومعنى سرهفته: حسّنت غذاءه.
ومصدر فاعلت المذكّر: الفعال، والمؤنّث: المفاعلة، نحو خاصمته خصاما ومخاصمة، وسابقته سباقا ومسابقة، وكذلك المعتلّ الفاء، نحو واجهته مواجهة، وواعدته مواعدة. والمعتلّ العين، نحو غاورته مغاورة، وحاورته محاورة، والمعتلّ اللام، نحو راميته مراماة، وساميته مساماة. والمضاعف نحو راددته مرادّة، وعاززته معازّة.
وقال بعض التّصريفيّين: إنّ (١) تاء التأنيث المزيدة فى نحو الدّحرجة والسّرهفة زيدت عوضا من ألف الدّحراج والسّرهاف؛ لأنّ التذكير هو الأصل.
والضّرب الثالث عشر: كلّ مصدر دخلته التاء لتبيين عدد المرّات، فجاء على مثال فعلة، نحو جلست جلسة، وضربت ضربة، وأكلت أكلة، ولبست الثوب لبسة، وركبت فرسك ركبة، كلّ هذا يراد به المرّة الواحدة، فإن كسرت أوّل شيء منه، فقلت: هو حسن الجلسة والرّكبة، فإنّما تريد الهيئة التى هو عليها فى الجلوس والرّكوب، وكذلك إذا قلت: خطوت خطوة، وغرفت غرفة، بفتح أوله، أردت المرّة، كما جاء فى التنزيل: ﴿إِلاّ مَنِ اِغْتَرَفَ غُرْفَةً/بِيَدِهِ﴾ (٢) فإن
стр. 1301
ضممت فقلت: الخطوة والغرفة، فالخطوة: ما بين القدمين، والغرفة: ما تأخذه المغرفة (١).
والرابع عشر: ما دخلته التاء للازدواج، وذلك فى قولهم: «لكلّ ساقطة لاقطة» قال أبو بكر محمد بن بشّار الأنبارىّ: معناه: لكلّ كلمة تسقط من متكلّم لا قط لها، يتحفّظها، فقيل: لاقطة، لتزدوج الكلمة الثانية مع الأولى، كما قالوا: «إنّ فلانا يأتينا بالعشايا والغدايا» فجمعوا الغداة غدايا، لتزدوج مع العشايا (٢).
...
стр. 1302
المجلس الثالث والسبعون
ذكر أقسام أيّ
أىّ منقسمة فى المعانى إلى ضروب:
أحدها: أن تكون شرطيّة، كقولك: أيّهم يكرمنى أكرمه، وأيّهم تكرم أكرمه، نصبت «أيّهم» بالشّرط، كما جاء فى التنزيل: ﴿أَيًّا ما تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْماءُ الْحُسْنى﴾ (١) ما هذه زائدة للتوكيد، زيدت بين منصوب وناصب، ومجزوم وجازم، ومثل ذلك فى انتصاب «أىّ» بما بعدها وكونها شرطا قوله: ﴿أَيَّمَا الْأَجَلَيْنِ قَضَيْتُ فَلا عُدْوانَ عَلَيَّ﴾ (٢) وتقول: على أيّهم تنزل أنزل، تريد: أنزل عليه، فتحذف «عليه» استخفافا، وإن شئت ذكرته.
والقسم الثانى: أن تكون استفهاميّة، كقولك: أيّهم عندك؟ وأيّ القوم لقيت، وبأيّهم مررت، ويعلّقون عنها العلم، فيقولون: قد علمت أيّهم أخوك؟ ومعنى التعليق: أنّ الفعل يعمل فى الموضع دون اللفظ، ومنه فى التنزيل:
﴿وَلَتَعْلَمُنَّ أَيُّنا أَشَدُّ عَذاباً﴾ (٣) و ﴿لِنَعْلَمَ أَيُّ الْحِزْبَيْنِ أَحْصى﴾ (٤) وتقول: أيّهم تظنّ منطلقا؟ فتعمل فيها الظّنّ لوقوعه بعدها، وإن شئت ألغيته، فقلت: أيّهم تظنّ منطلق؟ وإنما لم يعمل فيها ما قبلها من الأفعال إذا كانت استفهاما، لأن الاستفهام
стр. 1303
له صدر الكلام، /وإعمال الفعل الذى قبلها فيها يخرجها من الصّدر، وكذلك إذا كانت شرطيّة، حكمها فى التصدير حكم الاستفهامية.
ولأيّ فى الاستفهام إذا أضيفت أحكام، فمنها: إذا أضيفت إلى معرفة كانت سؤالا عن الاسم دون الصفة، وهى بعض المعرفة التى تضاف إليها، كقولك:
أيّ الرجلين أخوك؟ وأيّ الرجال قام؟ فأيّ واحد من الاثنين، ومن الجماعة، فالجواب أن تقول: زيد أو عمرو، أو نحو ذلك، فتجيب بأحد الاسمين أو الأسماء.
وإذا أضيفت إلى النكرة فإنها تكون سؤالا عن الصفة، وتكون بعدد النكرة كلّها، فإذا قال: أيّ رجل أخوك؟ وأيّ رجل زيد؟ قلت: طويل أو قصير، أو بزّاز أو صائغ، أو نحو ذلك، فأجبت بصفة الاسم.
فإذا (١) أضيفت إلى نكرتين فقيل: أىّ رجلين أخواك؟ قلت: سمينان أو هزيلان، أو سمين وهزيل، أو نحو ذلك.
فإذا أضيفت إلى جماعة، فقيل: أيّ رجال إخوتك؟ قلت: طوال أو قصار، أو بعضهم طوال وبعضهم قصار، ولا يجوز أن تضيف «أيّا» إلى معرفة واحدة، لا تقول: أيّ الرجل أخوك؟ ولا أيّ زيد خرج؟ لأنها سؤال عن البعض، والواحد لا يتبعّض، وأمّا فى النكرة فإنها سؤال عن الكلّ؛ لأن التنكير يقتضى العموم، فلذلك جاز إضافتها إلى نكرة واحدة، فى نحو: أيّ رجل أخوك؟
والثالث من أقسامها: أن تكون اسما ناقصا بمعنى الذى أو التى أو الذين أو اللاّتى، يلزمه أن يوصل بما يوصل به أحد هذه الأسماء النّواقص، من الجمل أو الظّروف، كقولك: أيّ القوم قامت أخته زيد، أى الذى قامت أخته زيد، وأيّ النّسوة خرج أخوها زينب، أى التى خرج أخوها زينب.
стр. 1304
و «أيّ» معربة فى جميع أحوالها، بخلاف نظائرها من الأسماء التى ضمّنت معانى الحروف، كمن وما وأين ومتى، وكم وكيف وأيّان وأنّى، وإنما أعربوها/حملا على نظيرها، وهو بعض، وعلى نقيضها وهو كلّ، وسيبويه (١) يحكم ببنائها على الضمّ إذا كانت اسما ناقصا موصولا بجملة ابتداء، والمبتدأ من الجملة محذوف، وهو العائد منها إلى أيّ، كقولك: أكرمت أيّهم صاحبك.
فإن قلت: أكرمت أيّهم هو صاحبك، نصبتها وفاقا، وذلك لتمام صلتها.
وإنما حكم ببنائها إذا نقصت صلتها؛ لأنه جعل لتضمّنها معنى الحرف تأثيرا فيها، وخصّ بذلك حال النّقص الذى دخلها، كأنها لمّا حذف المبتدأ العائد عليها من صلتها ضعفت فرجعت إلى البناء الذى استحقّه الذى ومن وما، وبقوله قال المازنيّ وجماعة من البصريّين، وإلى بنائها ذهب فى قول الله تعالى: ﴿ثُمَّ لَنَنْزِعَنَّ مِنْ كُلِّ شِيعَةٍ أَيُّهُمْ أَشَدُّ عَلَى الرَّحْمنِ عِتِيًّا﴾ (٢) لأن التقدير عنده: الذى هو أشدّ على الرحمن عتيّا، أو الذين هم أشدّ، فالضّمة على قوله بناء، وقد حكى مع ذلك أنّ هارون الأعور القارئ قرأها بالنّصب (٣).
стр. 1305
وفى رفعها قولان آخران، حكاهما سيبويه، أحدهما عن يونس: وهو أنه علّق عنها ﴿لَنَنْزِعَنَّ﴾ فرفعها بالابتداء، و ﴿أَشَدُّ﴾ خبرها، كما ارتفعت فى قوله تعالى:
﴿وَلَتَعْلَمُنَّ أَيُّنا أَشَدُّ عَذاباً﴾ (١) والخليل وسيبويه منعا من تعليق ﴿لَنَنْزِعَنَّ﴾ لأنّ النّزع فعل علاجىّ، وإنما يعلّق أفعال العلم والشّكّ، واعتذر بعضهم ليونس، فقال: إنّ النّزع قد يكون بالقول.
والقول الآخر فى رفعها قول الخليل، وهو ارتفاعها على الحكاية، فأيّهم مبتدأ وأشدّ خبره، وتقديره عنده: ثمّ لننزعنّ من كلّ شيعة الذى من أجل عتوّه يقال:
أيّ هؤلاء أشدّ عتيّا، ومثل ذلك عنده قول الشاعر (٢):
ولقد أبيت من الفتاة بمنزل ... فأبيت لا حرج ولا محروم
وهذا عند سيبويه مرفوع بلا، وهى المشبّهة بليس، وخبرها محذوف تقديره:
/لا حرج ولا محروم فى مكاني، والجملة خبر أبيت، والياء التى فى مكانى هى العائد من الجملة إلى اسم أبيت، ومن جعله حكاية فخبر أبيت محذوف عنده، وهو المقدّر فى قوله: فأبيت بمنزلة الذى يقال له: لا حرج ولا محروم، قال أبو بكر بن السّرّاج، وذكر المذاهب الثلاثة فى الآية: «وأنا أستبعد بناء «أيّ» مضافة، وكانت مفردة أحقّ بالبناء، وما أحسب الذين رفعوا أرادوا إلاّ الحكاية (٣)»، يعنى من رفعها من العرب إذا حذف المبتدأ من صلتها.
وممّا خالفت (٤) فيه «أيّ» أخواتها الموصولات حسن حذف المبتدأ من صلتها
стр. 1306
حتّى كثر ذلك فى الاستعمال، تقول: أكرم أيّهم أفضل، ولا يحسن: أكرم من أفضل، حتى تقول: من هو أفضل، ولا تقول: كل ما أطيب، حتى تقول: ما هو أطيب، ولا يحسن: أكرم الذى أفضل، وإن كان قد قرئ فى الشّذوذ: ﴿تَماماً عَلَى الَّذِي أَحْسَنَ﴾ (١).
وفى قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ﴾ (٢) قولان: أحدهما: أن يكون ﴿أَيُّهُمْ﴾ مبتدأ، و ﴿أَقْرَبُ﴾ خبره، والمعنى: يبتغون الوسيلة إلى ربّهم، ينظرون أيّهم أقرب فيتوسّلون به.
والثانى: أن يكون ﴿أَيُّهُمْ﴾ اسما موصولا، والمبتدأ محذوف من صلته، وهو بدل من الواو التى فى ﴿يَبْتَغُونَ﴾ فالتقدير بإيقاعه موقع الواو: يبتغى إلى ربّهم الوسيلة الذى هو أقرب، أو الذين هم أقرب، فالضمّة فى ﴿أَيُّهُمْ﴾ إعراب، إلاّ على مذهب سيبويه، والذى ذهب إليه من بناء «أيّ» إذا حذف المبتدأ من صلتها، رواه عن العرب باجتماع شرطين، أحدهما: اختصاص ذلك بحال الإضافة، فإن نوّنوها أعربوها، فقالوا: لقيت أيّا أفضل.
والثانى: أنهم لا يبنونها إذا كان العامل فيها جارّا، بل يقولون: مررت بأيّهم أفضل. هذا قول بعض النحويّين الأوائل، وخصّ سيبويه بالجارّ الباء دون غيرها.
ومن العرب من يعربها فى كلّ أحوالها، يحملونها على القياس، فيقولون:
كلّم/أيّهم أفضل، يعملون فيها الناصب، ويرفعون الاسم بعدها، على أنه خبر مبتدأ محذوف.
قال سيبويه: وهى لغة جيّدة، نصبوها كما جرّوها، وعلى هذه اللغة قرأ هارون الأعور ﴿ثُمَّ لَنَنْزِعَنَّ مِنْ كُلِّ شِيعَةٍ أَيُّهُمْ أَشَدُّ﴾.
стр. 1307
والرابع من أقسامها: أن تكون تعجّبا، فلا تضاف إلاّ إلى النّكرات، تقول:
أيّ رجل زيد! وأيّ رجلين أخواك! وأيّ رجال إخوتك! وإن شئت أدخلت قبلها سبحان الله؛ لئلاّ يلتبس التعجّب بالاستفهام، فقلت: سبحان الله، أيّ رجل زيد!
والخامس: أن تكون مناداة، فيلزمها حرف التنبيه، والوصف بما فيه الألف واللام، تقول: يا أيّها الرجل، وإنما جعلوها وصلة إلى نداء ما فيه الألف واللام؛ لأنهم كرهوا الجمع بين التخصيص بالنداء والألف واللام، ولا يجوز فى صفتها إلاّ الرفع؛ لأنها صفة لا يجوز الوقف دونها، فهى المناداة فى المعنى، بخلاف الصّفة فى قولك: يا زيد الظريف، وفى قوله (١):
يا حكم الوارث عن عبد الملك
وأجاز المازنىّ نصب صفتها حملا على نصب «الظريف» و «الجواد» فى قول جرير (٢):
فما كعب بن مامة وابن سعدى ... بأجود منك يا عمر الجوادا
والقياس ما أجمع عليه النحويّون، وقد أوضح ما قلته سيبويه، فى قوله:
«وإنما صار وصفه، لا يجوز فيه إلاّ الرفع؛ لأنك لا تستطيع أن تقول: يا أيّ، ولا: يا أيّها، وتسكت؛ لأنه مبهم يلزمه التفسير، فصار هو والرجل بمنزلة اسم واحد، فكأنك قلت: يا رجل (٣)». انتهى كلامه.
فإن جئت بعد صفتها بمضاف، فلك فيه الرفع والنصب، تقول: يا أيّها الرجل ذو الجمّة، على الوصف للرجل، وذا الجمّة على البدل من «أيّ» كأنك
стр. 1308
قلت: يا ذا/الجمّة، ويجوز نصبه على استئناف نداء، وعلى هذا يحمل قوله (١):
يا أيّها الجاهل ذا التّنزّى ... لا توعدنّى حيّة بالنّكز
[ويروى: لا توعدنّ حيّة (٢)].
التّنزّى: تسرّع الإنسان إلى الشّرّ، ويقال: نكزته الحيّة نكزا: إذا ضربته بفيها ولم تنهشه.
والسادس: أن تكون «أيّ» نعتا للنكرة، يراد به المدح، كقولك: مررت برجل أيّ رجل، ورأيت رجلا أيّ رجل، وجاءنى رجل أيّ رجل، وجاءنى رجلان أيّ رجلين، ورأيت رجالا أيّ رجال، وإن شئت أظهرت المبتدأ فقلت: وأيّ رجل هو، وتقول: مررت برجل أيّ رجل أبوه، ترفع «أيّا» بأنها خبر مقدّم، وكذلك تقول فى المعرفة: مررت بزيد أيّ رجل أبوه، وتقول فى المؤنّث: مررت بجارية أيّة جارية، كما جاء التأنيث فى التنزيل: ﴿يا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ﴾ (٣) وإن شئت اكتفيت بتأنيث الجارية، فقلت: بجارية أيّ جارية، كما جاء فى التنزيل: ﴿فِي أَيِّ صُورَةٍ ما شاءَ رَكَّبَكَ﴾ (٤) و ﴿بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ﴾ (٥).
...
стр. 1309
فصل
يتضمّن ذكر أحكام «ربّ»
فمن أحكامها: أنها وضعت للتقليل، ومن أحكامها أنّ لها صدر الكلام، بمنزلة ألف الاستفهام، و «ما» النافية؛ لأنّ تقليل الشىء مضارع لنفيه، وقد استعملوا قلّ وأقلّ نفيا، فقالوا: قلّ رجل يقول ذاك إلاّ زيد، وأقلّ رجل يقول ذاك إلاّ عمرو (١)، كما تقول: ما رجل يقول ذاك إلاّ عمرو، فلذلك ألزموها صدر الكلام، فقالوا: ربّ رجل جاءنى، ولم يقولوا: جاءنى ربّ رجل.
ومن أحكامها: دخولها على النكرة دون المعرفة، وأجاز النحويّون: ربّ رجل وأخيه منطلقين، ولم يجيزوا: ربّ رجل وزيد منطلقين، وإنما أجازوا الأول؛ لأنّ/ قولك: وأخيه، يقدّر: وأخ له.
ومن أحكامها: أنه لا بدّ للنكرة التى تدخل عليها من صفة، إمّا اسم، وإمّا فعل، وإمّا ظرف، وإمّا جملة من مبتدأ وخبر، ولا يجوز أن تقول: ربّ رجل وتسكت، حتى تقول: ربّ رجل صالح، أو ربّ رجل يعلم ذاك، أو ربّ رجل عندك، أو ربّ رجل أبوه عالم، فأمّا قول الشاعر (٢):
إن يقتلوك فإنّ قتلك لم يكن ... عارا عليك وربّ قتل عار
стр. 1310
فإنما أراد: هو عار، فحذف المبتدأ من الجملة التى هى صفة لمعمول ربّ.
ومن أحكامها: أنها تكون لتقليل ما مضى، وما هو حاضر، دون المستقبل، تقول: ربّ رجل أخبرنا بحاله، وربّ رجل يخبرنا الآن، ولا تقول: ربّ رجل سيخبرنا، ولا: ربّ رجل ليخبرنّنا غدا؛ لأن ما لم يقع لا يعرف كمّيّته فيقلّل ولا يكثّر.
ومن أحكامها: أنها تدخل على الضمير قبل الذّكر، على شريطة التفسير بنكرة منصوبة، كقولهم: ربّه رجلا جاءنى، ومعنى ربّه رجلا: ربّ رجل، وليست الهاء بضمير شيء جرى ذكره، ولو كانت ضمير شيء جرى ذكره لكانت معرفة، ولم يجز أن تلي ربّ، ولكنها ضمير مبهم، فأشبه بإبهامه النّكرات؛ لأنّك إذا قلت: ربّه، احتاج إلى أن تفسّره، فضارع النّكرات؛ إذ كان لا يخصّ، كما أنّ النكرة لا تخصّ، وهذا الضمير لا يثنّى عند البصريّين ولا يجمع، ولا يؤنّث؛ لأنه ضمير مجهول، يعتمد فيه على التفسير، فيغنى تفسيره عن تثنيته وجمعه، وأجاز فيه الكوفيّون التثنية والجمع والتأنيث.
قال أبو سعيد السّيرافىّ: وممّا قدّم من الضمائر على شرط التفسير: إنّه كرام قومك، وإنّه ذاهبة فلانة (١)، وربّه رجلا، وليست الهاء بضمير شيء جرى ذكره، ولكنها ضمير مبهم، أشبه بإبهامه النّكرات.
/قال: وقال أبو إسحاق الزّجّاج: معنى ربّه رجلا: أقلل به فى الرّجال:
انتهى كلامه.
ومن أحكامها: أن تلحق بها تاء التأنيث، فيقال: ربّت، كما ألحقت بثمّ،
стр. 1311
ولا، قال ابن أحمر (١):
وربّت سائل عنّى حفىّ ... أعارت عينه أم لم تعارا
عارت: من العور، أصله عورت، وأراد تعارن، فأبدل من نون التوكيد الخفيفة ألفا فى الوقف، قياسا على التنوين إذا انفتح ما قبله، فى نحو: رأيت زيدا، وقال آخر فى ثمّ:
ولقد أمرّ على اللئيم يسبّنى ... فمضيت ثمّت قلت لا يعنينى (٢)
وجاء فى التنزيل: ﴿وَلاتَ حِينَ مَناصٍ﴾ (٣) أى وليس حين مهرب.
ومن أحكام «ربّ» تخفيفها فى لغة بعض العرب، قال أبو كبير الهذلىّ:
أزهير إن يشب القذال فإنّه ... رب هيضل لجب لففت بهيضل (٤)
الهيضل: جمع هيضلة، وهى الجماعة.
واللّجب: الكثير الأصوات.
ومن أحكامها: أنها توصل ب «ما»، فيقع بعدها المعرفة والفعل، وقد قدّمت ذكر ذلك (٥)، وحقّ الفعل بعدها أن يكون ماضيا أو حالا، على ما قرّرته قبل، وقد ذكرت
стр. 1312
ما قاله النحويّون فى قوله تعالى: ﴿رُبَما يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كانُوا مُسْلِمِينَ﴾ (١).
فمن أقوالهم: أنه حكاية حال قد مضت، ومنها إضمار «كان» بعد ربما، وهو أردأ ما قيل فيه، وأجودها أنّ ربما فى الآية دخلت على الفعل المستقبل لصدق المخبر سبحانه وعلمه بما سيكون كعلمه بما كان، فإخباره بما لم يكن كإخباره بالكائن، ألا ترى أنّ قوله تعالى: ﴿وَلَوْ تَرى إِذْ فَزِعُوا فَلا فَوْتَ﴾ (٢) جاء فى اللفظ كأنه قد كان، وهو لصدقه كائن لا محالة، ومثله قوله: ﴿وَلَوْ تَرى إِذِ الْمُجْرِمُونَ ناكِسُوا رُؤُسِهِمْ﴾ (٣)، وقوله: ﴿وَلَوْ تَرى إِذِ الظّالِمُونَ مَوْقُوفُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ (٤).
...
стр. 1313
سئلت عن معنى قول المتنبّي (١)
وأنّك لا تجود على جواد ... هباتك أن يلقّب بالجواد
فأجبت بأنه استعار الجود للهبات، فأسند «لا تجود» إليها، والمعنى أنّ هباتك عظمت وتوالت، واحتقر فى جنبها هبات غيرك، فمنعت أن يسمّى جواد غيرك جوادا.
...
وسئلت عن قوله (٢)
كتمت حبّك حتّى منك تكرمة ... ثم استوى فيك إسرارى وإعلانى
كأنه زاد حتى فاض عن جسدى ... فصار سقمى به فى جسم كتمانى
فأجبت بأنه أراد: بالغت فى كتمانى حبّك، حتى أنّى كتمته منك تكرمة لك.
ويجوز (٣) أن يكون المعنى: إكراما للحبّ وإعظاما له، حتى لا يطّلع عليه، ثم
стр. 1314
إنّ إسرارى وإعلانى تساويا، وسبب مساواة الإعلان للإسرار أن الحبّ أسقمه، فذلّ نحول جسمه على الحبّ، ثم قال: كأنه زاد حتى فاض عن جسدى، فشبّه حبّه بأحد الأشياء المائعات، فوصفه بالفيض، ثم قال: فصار سقمى به فى جسم كتمانى، أى لمّا أفرط الحبّ فى الزّيادة فصار كالشيء الفائض تعدّى سقمى به إلى جسم كتمانى، فأذابه وأضعفه، فلما ضعف الكتمان ظهر الحبّ؛ لضعف مخفيه.
مخفيه.
وقال أبو الفتح عثمان بن جنّى فى تفسير البيت الثانى: كأنه، أى كأنّ/ الكتمان، فأضمره وإن لم يجر ذكره، لأنه لمّا قال: كتمت، دلّ على الكتمان (١).
قال: وما علمت أن أحدا ذكر استتار سقمه وأنّ الكتمان أخفاه، غير هذا الرجل، وهو من بدائعه.
وفى هذا القول اختلال فى الإعراب، وفساد فى المعنى، وتناقض فى اللفظ لو كان الشاعر أراده، وذلك أنه إذا أعدنا الهاء من «كأنه» إلى الكتمان كما زعم، وجب إعادة الضمائر التى بعدها إلى الكتمان أيضا، فصار التقدير: كأن/الكتمان زاد حتى فاض، فصار سقمى به، أى بالكتمان فى جسم كتمانى، ففى هذا من اختلال الإعراب ما ترى، وفيه أنه جعل الكتمان هو الذى أسقمه، والصحيح أن الحبّ هو المسقم (٢) له، ثم إن قوله: ذكر استتار سقمه وأنّ الكتمان أخفاه، متناقض؛ لمساواة إعلانه لإسراره، فى قوله:
ثم استوى فيك إسرارى وإعلانى
...
стр. 1315
المجلس الرابع والسبعون
ذكر ما جاء فى الذى والتى و [فى (١)] تثنيتهما وجمعهما من اللّغات
اختلف النحويّون فى أصل «الذى»، فقال البصريّون: أصله لذ، بوزن شج وعم (٢)، وقال بعضهم: إنّ الألف واللام دخلتا عليه للتعريف، وقال آخرون، وهو الصحيح: بل دخلتا زائدتين لتحسين اللفظ، ولوصف الذى بما فيه الألف واللام، كقولك: مررت بالذى أكرمته الظريف، وجاءنى الذى عندك الطويل، ولم يفعلوا هذا فى «من» إذا كانت موصولة، لم يقولوا: مررت بمن أكرمته الظريف، قالوا: وإنّما تعرّف «الذى» بصلته كما تعرّف «من» و «ما» بصلتهما، وكما تعرّف «ذو» فى قول الشاعر:
لأنتحين للعظم ذو أنا عارقه (٣)
أى الذى أنا عارقه، بصلته.
وقال الفرّاء: أصل الذى: ذا، المشار به إلى الحاضر، أرادوا نقله من الحضرة إلى الغيبة، فأدخلوا عليه الألف واللام للتعريف، وحطّوا ألفه إلى الياء،
стр. 1316
للفرق بين الإشارة إلى الحاضر والغائب، وهذا قول ظاهر الفساد، وهو من دعاوى الكوفيّين، فمن فساده أنّ «ذا» معرفة بما فيه من الإشارة، فلا حاجة به إلى التعريف بالألف واللام، ثم قوله: «حطّوا ألفه إلى الياء، للفرق بين الإشارة إلى الحاضر والغائب» فاسد أيضا؛ لأنّنا لسنا نجد فى «الذى» إشارة إلى غائب، كما نجد فى «ذلك» وفى «تلك وذانك وأولئك» إشارة إلى غائب، وأقوى وجوه فساده أنه إذا كان أصل «الذى» ذا، بزعمه، فما وجه هذه/اللام المدغمة فيها لام التعريف؟ فقد وضح لك بما ذكرته أن أصل الذى والتى: لذ ولت، كما قال البصريّون.
وأمّا اللّغات فيها، فأوّلها الّذى، وهى اللغة العليا. والثانية: الّذ، بحذف الياء وإبقاء الكسرة، قال الشاعر:
والّذ لو شاء لكانت برّا ... أو جبلا أصمّ مشمخرّا (١)
والثالثة: اللّذّ، بإسكان الذال، قال (٢):
فظلت فى شرّ من اللّذّ كيدا ... كاللّذ تزبّى زبية فاصطيدا
الزّبية: حفيرة يستتر فيها الرجل للصيّد.
والرابعة: الّذىّ، بتشديد الياء، قال:
стр. 1317
وليس المال فاعلمه بمال ... وإن أغناك إلاّ للّذىّ
يريد به العلاء ويصطفيه ... لأقرب أقربيه وللقصبىّ
والخامسة: استعمالهم «ذا» بمعنى «الذى» (١)، وذلك إذا أوقعوه بعد «ما» الاستفهامية، كقولك: ماذا صنعت؟ وماذا معك؟ تريد: ما الذى صنعت؟ وما الذى معك؟ هذا مذهب سيبويه، وفاقا للكوفيين، ومنه فى الشّعر قول لبيد:
ألا تسألان المرء ماذا يحاول ... أنحب فيقضى أم ضلال وباطل (٢)
ومثله فى التنزيل: ﴿ماذا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ﴾ (٣) قال: معناه: ما الذى أنزل ربّكم؟
والسادسة: أنّ منهم من يقيم مقام الذى: ذو، ومقام التى: ذات، وهى لغة طيّىء، يقولون: زيد ذو قام، وهند ذات قامت، بمعنى التى قامت، قال (٤):
فإنّ بيت تميم ذو سمعت به ... فيه تنمّت وأرست عزّها مضر
و «ذو» موحّدة على كلّ حال، فى التثنية والجمع، وكذلك «ذات»، موحّدة مضمومة في كلّ حال، قال الفراء: سمعت بعضهم يقول: «بالفضل ذو فضّلكم الله به، /وبالكرامة ذات أكرمكم الله بها (٥)».
стр. 1318
ومنهم من يجعل ذو بمعنى الذى والتى، فيقول: هذه هند ذو سمعت بها، ومررت بهند ذو سمعت بها، ورأيت أخويك ذو مررت بهما، ومررت بالقوم ذو سمعت بهم، كما جعلوا «من» للذكر والأنثى وللاثنين والجميع، قال سنان بن الفحل الطائىّ (١):
فإنّ الماء ماء أبى وجدّى ... وبئرى ذو حفرت وذو طويت
قال بعض النّحويّين (٢): وربّما ثنّوا وجمعوا، فقالوا: هذان ذوا تعرف، وهؤلاء ذوو تعرف، وهاتان ذواتا تعرف، وهؤلاء ذوات تعرف، ويضمّون التاء على كلّ حال، قال الفرّاء: أنشدنى بعضهم:
جمعتها من إبل موارق ... ذوات ينهضن بغير سائق (٣)
موارق، من قولهم: مرق السّهم: إذا نفذ.
فإن ثنّيت الذى، ففيه ثلاث لغات: اللّذان بتخفيف النون، واللّذانّ بتشديدها، والتشديد لغة قريش، واللّذا بحذف النون، قال الأخطل (٤):
أبني كليب إنّ عمّيّ اللّذا ... قتلا الملوك وفكّكا الأغلالا
هذا قول الكوفيّين، وقال البصريّون: إنما حذف النون لطول الاسم بالصّلة،
стр. 1319
وقد قرئ ﴿وَالَّذانِ يَأْتِيانِها﴾ (١) بتخفيف النون وتشديدها، فمن شدّد جعل التشديد عوضا من ياء الذى، وكذلك من قرأ ﴿فَذانِكَ﴾ (٢) و ﴿هاتَيْنِ﴾ (٣) و ﴿هذانِ﴾ (٤) بالتشديد، جعله عوضا من الحرف المحذوف فى التثنية، وإنما حذفوا ياء الذى، فلم يقولوا: الّذيان، وقالوا فى الشّجى ونحوه: الشّجيان، للفرق بين المعرب وغير المعرب، وكذلك حذفوا ألف «ذا» فقالوا: ذان، وقلبوا ألف المعرب، فقالوا عصوان (٥)؛ لما ذكرنا من الفرق.
وزعم الفراء أن ألف ذان، هى ألف ذا، قال: لأنه لا يجوز أن يبقى الاسم غير/المضمر على حرف. والدليل على أنها ألف التثنية انقلابها فى الجرّ والنّصب، وإنما جاز أن يبقى الاسم على حرف؛ لأنّه تكثّر بألف التثنية ونونها.
وفى جمع «الذى» لغات، أوجهها قول من قالوا: الّذين، فى الأحوال الثلاث، هى (٦) اللغة العليا، لأنّ القرآن نزل بها، ومنهم من يقول فى الرفع: الّذون، وهى لغة هذيل، وعلى هذا أنشد من سمعهم ينشدون هذا البيت:
وبنو نويجية الّذون كأنّهم ... معط مخدّمة من الخزّان (٧)
الخزّان: جمع الخزز، وهو ذكر الأرانب.
والمعط: جمع الأمعط، وهو الذى سقط شعره.
стр. 1320
والمخدّم: الأبيض الأطراف.
ومنهم من يأتى بالجمع بلفظ الواحد، كما قال (١):
وإنّ الذى حانت بفلج دماؤهم ... هم القوم كلّ القوم يا أمّ خالد
وقيل فى قول الله تعالى: ﴿وَالَّذِي جاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ أُولئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ﴾ (٢) إنه بهذه اللغة، وكذلك قوله: ﴿مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اِسْتَوْقَدَ ناراً فَلَمّا أَضاءَتْ ما حَوْلَهُ ذَهَبَ اللهُ بِنُورِهِمْ﴾ (٣) قيل: إنّ المعنى: كمثل الّذين استوقدوا، فلذلك قيل: ﴿ذَهَبَ اللهُ بِنُورِهِمْ﴾ فحمل أوّل الكلام على لفظ الواحد، وآخره على الجمع. وأمّا قوله : ﴿وَخُضْتُمْ كَالَّذِي خاضُوا﴾ (٤) فإنّ «الذى» هاهنا وصف لمصدر محذوف، تقديره: وخضتم كالخوض الذى خاضوه.
ومنهم من قال فى جمع الذى: الألى، وهذه اللغة تلى الّذين فى الفصاحة، قال القطامىّ (٥).
أليسوا بالألى قسطوا جميعا ... على النّعمان وابتدروا السّطاعا
قسطوا: جاروا، ونقيضه: أقسطوا: عدلوا، قال الله تعالى: ﴿وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ (٦)، وقال: ﴿وَأَمَّا الْقاسِطُونَ فَكانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَباً﴾ (٧).
стр. 1321
والسّطاع: عمود الخيمة.
وقال عبيد بن الأبرص:
/نحن الألى فاجمع جمو ... عك ثمّ وجّههم إلينا (١)
أراد نحن الألى عرفتهم، فحذف الصّلة، وهو من الضّرورات البعيدة.
ومنهم من يقول فى الرفع: هم اللاّءون فعلوا كذا، واللاّءين، فى الجرّ والنصب، قال الهذلىّ:
هم اللاّءون فكّوا الغلّ عنّى ... بمرو الشاهجان وهم جناحى (٢)
ومنهم من يقول: اللاءو، بحذف النون، قال الكسائىّ: سمعت هذيل تقول: هم اللاءو فعلوا كذا وكذا.
ومنهم من يقول: هم اللائى فعلوا، بالياء فى الأحوال الثلاث، قال الفرّاء:
وهذه اللغة سواء فى الرجال والنساء، ومنهم من يحذف الياء فى الرجال والنساء، فيقول: هم اللاء فعلوا، وهنّ اللاء فعلن، قال: وأنشدنى رجل من بنى سليم:
فما آباؤنا بأمنّ منه ... علينا اللاّء قد مهدوا الحجورا (٣)
стр. 1322
وأما الّتى ففيها أربع لغات: هذه أعلاها.
والثانية: الّت، بحذف الياء وإبقاء الكسرة.
والثالثة: الّت، بإسكان التاء، أنشد الفرّاء:
فقل للّت تلومك إنّ نفسى ... أراها لا تعوّذ بالتّميم (١)
التّميم: جمع تميمة، وهي التّعويذ.
والرابعة: أنّ منهم من يقيم مقام التى: ذات، كما أنّ منهم من يقيم مقام الذى: ذو، وهى لغة طيئ، وقد تقدّم ذكرها.
وذكر أبو القاسم الثمانينيّ لغة خامسة، وهى التيّ، بتشديد الياء، كما قالوا فى المذكّر: الذىّ.
وفى تثنية «التى» ثلاث لغات: اللّتان، بتخفيف النون، واللّتانّ بتشديدها، واللّتا، بحذفها، أنشد الفرّاء:
هما اللّتا لو ولدت تميم ... لقيل فخر لهم صميم (٢)
وفى جمعها لغات، أحدها: اللاّتى، وفى التنزيل: ﴿وَاللاّتِي يَأْتِينَ الْفاحِشَةَ/مِنْ نِسائِكُمْ﴾ (٣).
والثانية: اللاّت، بحذف الياء وإبقاء الكسرة، قال الأسود بن يعفر (٤):
стр. 1323
اللاّت كالبيض لمّا تعد أن درست ... صفر الأنامل من قرع القواقيز
شبّه النّساء بالبيض، كما جاء فى التنزيل: ﴿كَأَنَّهُنَّ بَيْضٌ مَكْنُونٌ﴾ (١).
ومعنى «درست»: حاضت.
والأنامل: أطراف الأصابع.
والقواقيز: الأقداح التى يشرب بها الخمر وغيرها من الأشربة، واحدها:
قاقوزة وقازوزة، وهو القدح الضّيّق الأسفل.
واللغة الثالثة: اللاّئى، بالهمزة وإثبات الياء.
والرابعة: اللاّء، بكسر الهمزة وحذف الياء، وقد قرئ: ﴿وَاللاّئِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسائِكُمْ﴾ (٢) بهاتين اللّغتين، وقال الشاعر (٣):
من اللاّء لم يحججن يبغين حسبة ... ولكن ليقتلن البريء المغفّلا
وقد قرأ بعض القرّاء (٤) بتخفيف الهمزة من اللاّء، وقياسها أن تجعل بين بين.
والخامسة: اللاّ، بحذف الهمزة، قال الكميت (٥):
стр. 1324
وكانت من اللاّ لا يعيّرها ابنها ... إذا ما الغلام الأحمق الأمّ عيرا
وقال آخر:
فدومى على العهد الذى كان بيننا ... أم أنت من اللاّ ما لهنّ عهود (١)
فإن جمعت الجمع، قلت فى اللاتى: اللّواتى، وفى اللاء: اللّوائى، وقد روى عنهم: اللّوات، بحذف الياء وإبقاء الكسرة.
...
стр. 1325
فصل
يتضمّن أقسام «من»
وهى أربعة، أحدها: أنها تكون شرطيّة، فيحكم عليها بالرفع وبالنصب وبالخفض، فالرفع كقولك: من يكرمنى أكرمه، فمن مبتدأ، والفعلان بعده/ مجزومان بكونهما شرطا وجزاء، والجملة من الشرط والجزاء خبر «من» وقد قيل إنّ الشرط هو الخبر (١)، ومثله: ﴿وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ يَلْقَ أَثاماً﴾ (٢) والنصب كقولك: من تكرم أكرم، فمن مفعول به، والناصب له الشرط دون الجزاء، كما نصب الشرط «أيّا» فى قوله: ﴿أَيًّا ما تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْماءُ الْحُسْنى﴾ (٣) فإن أضفت إلى «من» اسما يظهر فيه الإعراب نصبته إذا لم تشغل الفعل بغيره، كقولك: صاحب من تكرم أكرم، فإن شغلت الفعل عنه رفعته بالابتداء، فقلت: صاحب من تكرمه أكرمه.
فأمّا الجرّ فى «من» ونظائرها فبحرف جرّ أو بإضافة اسم إليها، وإنما جاز للجارّ أن يتقدّم على ما لا يتقدّم عليه الفعل؛ لأنّ الجارّ كالجزء من المجرور.
والقسم الثانى: أن تكون استفهاميّة، فتحكم عليها بالرفع والنصب والخفض، كما حكمت على الشرطيّة، تقول: من جاءك؟ فتحكم عليها بالرفع بالابتداء، فإن قلت: من أكرمت؟ حكمت عليها بالنصب؛ لأنك لم تشغل عنها الفعل، فإن قلت: من أكرمت أخاه؟ حكمت عليها بالرفع؛ لأنك شغلت الفعل عنها.
وتقول فى الجرّ: بمن مررت؟ وصاحب من أكرمت؟ فتعمل أكرمت فى
стр. 1326
المضاف، فإن قلت: صاحب من أكرمت أخاه؟ رفعته بالابتداء، وتقول: من ضرب أخاك إلاّ زيد؟ فمن هاهنا استفهام فى تأويل النّفى، كأنك قلت: ما ضرب أخاك إلاّ زيد، ومثله فى التنزيل: ﴿وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلاَّ اللهُ﴾ (١) كأنه قيل: ليس يغفر الذنوب إلاّ الله، وجاز هذا لما بين الاستفهام والنفى من المضارعة، بإخراجهما الكلام إلى غير الإيجاب، تقول: هل زيد إلاّ صاحبك؟ كما جاء فى التنزيل: ﴿هَلْ جَزاءُ الْإِحْسانِ إِلاَّ الْإِحْسانُ﴾ (٢).
وتقول: أبا من تكنى؟ فتنصب الأب؛ لأنه مفعول مقدّم، ووجب تقديمه لإضافته إلى «من» لأن الاستفهام صدر أبدا، لا يجوز تقدّم الفعل العامل فيه عليه.
والثالث من أقسامها: أن تكون موصولة، فتؤدّى لإبهامها معنى الذى/والتى وتثنيتهما وجمعهما، ويفرق بين هذه المعانى الضّمير العائد إليها من صلتها، تقول:
جاءنى من أكرمته، ومن أكرمتها، ومن أكرمتهما، ومن أكرمتهم، ومن أكرمتهنّ، فمثال المفرد المذكّر فى التنزيل قوله: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ﴾ (٣)، ومثال المجموع قوله: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ﴾ (٤) ومثله: ﴿وَمِنَ الشَّياطِينِ مَنْ يَغُوصُونَ لَهُ﴾ (٥) وجاء فى المثنّى قول الفرزدق، وقد ألقى إلى ذئب طرقه كتف شاة مشويّة:
تعشّ فإن عاهدتنى لا تخوننى ... نكن مثل من يا ذئب يصطحبان (٦)
وقد توقع «من» على جماعة فيعاد عليها ضمير مفرد على لفظها، وضمير
стр. 1327
مجموع على معناها، كقولك: جاءنى من أكرمته ولهم عليّ حقّ، ومثله فى التنزيل: ﴿مَنْ آمَنَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صالِحاً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ (١) وكذلك يعاد إليها ضمير مذكّر، حملا على لفظها، ثم يعاد بعده ضمير مؤنّث حملا على المعنى، كما جاء فى التنزيل: ﴿مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ يُضاعَفْ لَهَا الْعَذابُ﴾ (٢) وقال: ﴿وَمَنْ يَقْنُتْ مِنْكُنَّ لِلّهِ وَرَسُولِهِ وَتَعْمَلْ صالِحاً نُؤْتِها أَجْرَها﴾ (٣) وكذلك حكم الإفراد والتثنية، تقول:
أكرمت من أكرمته وأجزلت عطاءهما.
والقسم الرابع: أن تكون «من» نكرة بمعنى إنسان أو ناس، وتلزمها الصّفة بمفرد أو بجملة، قال عمرو بن قميئة (٤):
يا ربّ من يبغض أذوادنا ... رحن على بغضائه واغتدين
стр. 1328
أراد: يا ربّ إنسان يبغض أذوادنا، وقال حسّان:
فكفى بنا فضلا على من غيرنا ... حبّ النبيّ محمّد إيّانا (١)
ويروى: «غيرنا» بالرفع، فمن فى هذه الرواية معرفة؛ لأنها موصولة، والتقدير: على/الذين هم غيرنا، وقال الفرزدق (٢):
إنّى وإيّاك إذ حلّت بأرحلنا ... كمن بواديه بعد المحل ممطور
فمن هاهنا نكرة؛ لأنه وصفها بممطور، كأنه قال: كإنسان ممطور.
وزاد الكسائىّ فى معانى «من» قسما آخر، فزعم أنها قد جاءت صلة، يعنى زائدة، وأنشد فى ذلك:
إنّ الزّبير سنام المجد قد علمت ... ذاك العشيرة والأثرون من عددا (٣)
قال: أراد: والأثرون عددا، وقال غيره: معناه: والأثرون من يعدّ (٤) عددا، فحذف الفعل واكتفى بالمصدر منه، كما تقول: ما أنت إلاّ سيرا، فمن فى هذا القول نكرة موصوفة بالجملة المحذوفة، فالتقدير: والأثرون إنسانا يعدّ.
وتقول (٥): غلام من تضرب أضرب، فتجزم الفعلين، وتنصب الغلام بالفعل الأوّل، لأنّ الثانى جواب، فإن جعلت «من» استفهاما رفعت الفعل الأول،
стр. 1329
وجزمت الثانى، فقلت: غلام من تضرب أضرب؟ ووجه جزمه أنك جعلته جوابا للاستفهام، كقولك: من الذى أكرمك أحسن إليه؟ فإن جعلت «من» بمعنى الذى، رفعت الفعلين، فقلت: غلام من تضرب أضرب، تنصب الغلام بالفعل الثانى، لأمرين: أحدهما أنّ الموصول لا يتقدّم عليه شيء من صلته، والآخر: أن الفعل الأول واقع على ضمير غيبة يعود على «من».
...
стр. 1330
بيت سأل عنه أبو الرّضا بن صدقة
مكاتبة من الموصل، وهو:
ووحشيّة لسنا نرى من يصدّها ... عن الفتك فضلا أن نرى من يصيدها
أطلق على امرأة هذا الاسم، مبالغة فى تشبيهها بظبية أو مهاة، وهى البقرة الوحشيّة.
ونفس السّؤال أنه قال: علام انتصب «فضلا» وما معناه؟
فأجبت بأنّ انتصابه على المصدر، والتقدير: فضل انتفاء أن نرى إنسانا يصدّها/عن الفتك بنا فضلا عن رؤيتنا إنسانا يصيدها لنا، ففضل هاهنا مصدر فضل من الشىء كذا: إذا بقيت منه بقيّة، كقولك: أنفقت أكثر دراهمك والذى فضل منها ثلاثة، وكقولك لإنسان خلص من أمر عظيم ولحقه منه بعض الضّرر:
معك فضل كثير، وكذلك وجود إنسان يصيد هذه الوحشيّة، وانتفاء من يكفّها عن الفتك، بينهما فضل كبير، فإذا كان من يكفّها عن الفتك معدوما، فكيف يكون من يقدر على صيدها موجودا (١).
...
стр. 1331
سئلت عن قول أبى الطّيّب
وما الخيل إلاّ كالصّديق قليلة ... وإن كثرت فى عين من لا يجرّب (١)
فقلت: هذا البيت مضمّن تشبيه قلّة الخيل بقلّة الصّديق، وإن كانت الخيل فى مرآة العين كثيرة، والأصدقاء كذلك، كثير عددهم، إلاّ أنّهم عند التحصيل والتحقيق قليلون؛ لأنّ الصّديق الذى يركن صديقه إليه، ويعتمد فى الشّدائد عليه قليل جدّا، وكذلك الخيل التى تلحق فرسانها بالطّلبات وتنجيهم من الغمرات قليلة، ومن لم يجرّب الخيل ويعرفها حقّ معرفتها يراها فى الدنيا كثيرة، وكذلك من لم يجرّب الأصدقاء ويختبرهم عند شدّته يراهم كثيرين.
والذى أراد الشاعر أنّ الخيل الأصيلة (٢) المجرّبة قليلة، كما أنّ الصديق الصادق فى مودّته الذى يصلح لصديقه فى شدّته قليل.
... قوله فى قصيدته التى أولها:
فى الخدّ أن عزم الخليط رحيلا
لو كان ما تعطيهم من قبل أن ... تعطيهم لم يعرفوا التّأميلا (٣)
فى معناه وإعرابه إشكال.
وأقول: إنّ خبر «كان» ومفعول «تعطيهم» الثانى محذوفان، وتقدير خبر كان: لهم، وكذلك العائد إلى الموصول من «تعطيهم» الأول محذوف، فالمعنى
стр. 1332
والتقدير: /لو كان لهم الذى تعطيهموه من قبل أن تعطيهم إيّاه لم يعرفوا التأميل؛ لأنّ ذلك كان يغنيهم عن التأميل، وقد كشف أبو نصر بن نباتة هذا المعنى، وجاء به فى أحسن لفظ فى قوله:
لم يبق جودك لى شيئا أؤمّله ... تركتنى أصحب الدّنيا بلا أمل (١)
ومثله لأبى الفرج الببّغاء.
لم يبق جودك لى شيئا أؤمّله ... دهرى لأنّك قد أفنيت آمالى (٢)
وكان أبو الفرج وابن نباتة متعاصرين، فلست أعلم أيّهما أخذ من (٣) صاحبه.
...
стр. 1333
المجلس الخامس والسبعون
ذكر معانى «أو» ومواضعها
«أو» مع لزومها للعطف تدلّ على معان مختلفة، وإنما قلت مع لزومها للعطف؛ لأنّ الواو تدلّ على معان مختلفة إذا فارقت العطف، نحو كونها للحال، وكونها للقسم، وكونها بمعنى «مع» فى نحو: «استوى الماء والخشبة».
فمن معانى «أو» كونها للشّكّ فى نحو: جاءنى زيد أو عمرو، يجوز أن يكون المتكلّم بهذا شاكّا، ويجوز أن يكون قاصدا بذلك تشكيك مخاطبه.
والثانى: أن تكون للتّخيير بين الشيئين، وقصد أحدهما دون الآخر، كقولك: كل سمكا أو اشرب لبنا، أمرته بأن لا يجمعهما، بل يختار أحدهما، وكقولك: تزوّج هندا أو بنتها، خيّرته فيهما، ولا يجوز أن يجمعهما، ومنه فى التنزيل قوله تعالى: ﴿إِطْعامُ عَشَرَةِ مَساكِينَ مِنْ أَوْسَطِ ما تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ (١) ومثله: ﴿فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾ (٢) أنت مخيّر فى جميع هذا، أيّ ذلك فعلت أجزأك.
والثالث: أن تكون للإباحة، كقولك: تعلّم الفقه أو النّحو، وجالس الحسن/أو ابن سيرين، واصحب الفقهاء أو النحويّين، أى هذا مباح لك، تفعل
стр. 1334
فيه ما شئت على الانفراد والاجتماع، وكذلك إذا نهيته كانت «أو» حظرا للجميع، كما كان فى الأمر إطلاقا، تقول: لا تجالس مغتابا أو كذّابا، ومنه فى التنزيل: ﴿وَلا تُطِعْ مِنْهُمْ آثِماً أَوْ كَفُوراً﴾ (١).
والفرق بين التّخيير والإباحة: أنك إذا قلت: جالس فقيها أو نحويّا، فجالسهما أو جالس أحدهما، لم يكن عاصيا، وإذا قلت له: كل سمكا أو اشرب لبنا، فجمعهما، كان عاصيا، وكذلك إذا خيّرته فى مالك، فقلت: خذ ثوبا أو دينارا، فأخذهما. فقد فعل محظورا، كما لو جمع بين هند وبنتها فى التزوّج كان مرتكبا محرّما.
ولا يجوز أن تقع «أو» مع الأفعال التى تقتضى فاعلين أو أكثر، وكذلك الأسماء التى تقتضى اثنين فما زاد، لا يجوز: تخاصم زيد أو عمرو، ولا: جلست بين زيد أو عمرو، وكذلك لا تقول: سيّان زيد أو بكر، فأمّا قول الشاعر:
فكان سيّان أن لا يسرحوا نعما ... أو يسرحوه بها واغبرّت السّوح (٢)
فقال أبو علي: «إنّما أنّسه (٣) بذلك أنك تقول: جالس الحسن أو ابن سيرين، فيستقيم له أن يجالسهما جميعا».
السّىّ: المثل.
والسّوح: جمع ساحة، ومثله ناقة ونوق، ولابة ولوب، واللاّبة: الحرّة، وهى أرض ذات حجارة سود.
стр. 1335
وقوله: «أن لا يسرحوا نعما» معناه: أن لا يرعوا إبلا. وصف سنة ذات جدب، فرعي النّعم وترك رعيها سواء.
وإنما قال: «سيّان» فرفعه وهو نكرة، وقوله: «أن لا يسرحوا» معرفة (١)؛ لأنه أضمر فى «كان» ضمير الشأن.
والرابع: أن تكون «أو» للإبهام، كقول القائل لمن يعلم سامعو لفظه أنه مبطل: أحدنا مبطل أو محق. وقال أبو إسحاق الزّجّاج فى قول الله تعالى: ﴿وَإِنّا أَوْ إِيّاكُمْ لَعَلى هُدىً أَوْ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ (٢) روي فى التفسير: وإنّا لعلى هدى وإنّكم لفى ضلال/مبين. قال: وهذا فى اللّغة غير جائز، ولكنه يؤول تفسيره إلى هذا المعنى، والمعنى: إنّا لعلى هدى أو فى ضلال مبين، وإنكم لعلى هدى أو فى ضلال مبين، وهذا كما يقول القائل، إذا كانت الحال تدلّ على أنه صادق: أحدنا صادق أو كاذب، ويؤول معنى الآية: وإنّا (٣) لما أقمنا من البرهان لعلى هدى وإنكم لفى ضلال مبين.
وقال أبو زكريا يحيى بن زياد الفراء (٤): قوله: ﴿وَإِنّا أَوْ إِيّاكُمْ لَعَلى هُدىً﴾ قال المفسّرون: معناه: وإنّا لعلى هدى وأنتم فى ضلال مبين (٥)، قال: وكذلك هو فى المعنى، غير أنّ العربيّة على غير ذلك، والمعنى: وإنّا لضالّون أو مهتدون، وإنّكم أيضا لضالّون أو مهتدون، والله يعلم أنّ رسوله المهتدى، وأنّ غيره الضّالّ، وأنت