← Адаб

Адаб · id 120922

أمالي ابن الشجري ت الطناحي

ابن الشجري

Полный текст (1 931 стр.). Показаны 1331–1370 · переход к 1336.

стр. 1331

سئلت عن قول أبى الطّيّب وما الخيل إلاّ كالصّديق قليلة ... وإن كثرت فى عين من لا يجرّب (١) فقلت: هذا البيت مضمّن تشبيه قلّة الخيل بقلّة الصّديق، وإن كانت الخيل فى مرآة العين كثيرة، والأصدقاء كذلك، كثير عددهم، إلاّ أنّهم عند التحصيل والتحقيق قليلون؛ لأنّ الصّديق الذى يركن صديقه إليه، ويعتمد فى الشّدائد عليه قليل جدّا، وكذلك الخيل التى تلحق فرسانها بالطّلبات وتنجيهم من الغمرات قليلة، ومن لم يجرّب الخيل ويعرفها حقّ معرفتها يراها فى الدنيا كثيرة، وكذلك من لم يجرّب الأصدقاء ويختبرهم عند شدّته يراهم كثيرين. والذى أراد الشاعر أنّ الخيل الأصيلة (٢) المجرّبة قليلة، كما أنّ الصديق الصادق فى مودّته الذى يصلح لصديقه فى شدّته قليل. ... قوله فى قصيدته التى أولها: فى الخدّ أن عزم الخليط رحيلا لو كان ما تعطيهم من قبل أن ... تعطيهم لم يعرفوا التّأميلا (٣) فى معناه وإعرابه إشكال. وأقول: إنّ خبر «كان» ومفعول «تعطيهم» الثانى محذوفان، وتقدير خبر كان: لهم، وكذلك العائد إلى الموصول من «تعطيهم» الأول محذوف، فالمعنى

стр. 1332

والتقدير: /لو كان لهم الذى تعطيهموه من قبل أن تعطيهم إيّاه لم يعرفوا التأميل؛ لأنّ ذلك كان يغنيهم عن التأميل، وقد كشف أبو نصر بن نباتة هذا المعنى، وجاء به فى أحسن لفظ فى قوله: لم يبق جودك لى شيئا أؤمّله ... تركتنى أصحب الدّنيا بلا أمل (١) ومثله لأبى الفرج الببّغاء. لم يبق جودك لى شيئا أؤمّله ... دهرى لأنّك قد أفنيت آمالى (٢) وكان أبو الفرج وابن نباتة متعاصرين، فلست أعلم أيّهما أخذ من (٣) صاحبه. ...

стр. 1333

المجلس الخامس والسبعون ذكر معانى «أو» ومواضعها «أو» مع لزومها للعطف تدلّ على معان مختلفة، وإنما قلت مع لزومها للعطف؛ لأنّ الواو تدلّ على معان مختلفة إذا فارقت العطف، نحو كونها للحال، وكونها للقسم، وكونها بمعنى «مع» فى نحو: «استوى الماء والخشبة». فمن معانى «أو» كونها للشّكّ فى نحو: جاءنى زيد أو عمرو، يجوز أن يكون المتكلّم بهذا شاكّا، ويجوز أن يكون قاصدا بذلك تشكيك مخاطبه. والثانى: أن تكون للتّخيير بين الشيئين، وقصد أحدهما دون الآخر، كقولك: كل سمكا أو اشرب لبنا، أمرته بأن لا يجمعهما، بل يختار أحدهما، وكقولك: تزوّج هندا أو بنتها، خيّرته فيهما، ولا يجوز أن يجمعهما، ومنه فى التنزيل قوله تعالى: ﴿إِطْعامُ عَشَرَةِ مَساكِينَ مِنْ أَوْسَطِ ما تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ (١) ومثله: ﴿فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾ (٢) أنت مخيّر فى جميع هذا، أيّ ذلك فعلت أجزأك. والثالث: أن تكون للإباحة، كقولك: تعلّم الفقه أو النّحو، وجالس الحسن/أو ابن سيرين، واصحب الفقهاء أو النحويّين، أى هذا مباح لك، تفعل

стр. 1334

فيه ما شئت على الانفراد والاجتماع، وكذلك إذا نهيته كانت «أو» حظرا للجميع، كما كان فى الأمر إطلاقا، تقول: لا تجالس مغتابا أو كذّابا، ومنه فى التنزيل: ﴿وَلا تُطِعْ مِنْهُمْ آثِماً أَوْ كَفُوراً﴾ (١). والفرق بين التّخيير والإباحة: أنك إذا قلت: جالس فقيها أو نحويّا، فجالسهما أو جالس أحدهما، لم يكن عاصيا، وإذا قلت له: كل سمكا أو اشرب لبنا، فجمعهما، كان عاصيا، وكذلك إذا خيّرته فى مالك، فقلت: خذ ثوبا أو دينارا، فأخذهما. فقد فعل محظورا، كما لو جمع بين هند وبنتها فى التزوّج كان مرتكبا محرّما. ولا يجوز أن تقع «أو» مع الأفعال التى تقتضى فاعلين أو أكثر، وكذلك الأسماء التى تقتضى اثنين فما زاد، لا يجوز: تخاصم زيد أو عمرو، ولا: جلست بين زيد أو عمرو، وكذلك لا تقول: سيّان زيد أو بكر، فأمّا قول الشاعر: فكان سيّان أن لا يسرحوا نعما ... أو يسرحوه بها واغبرّت السّوح (٢) فقال أبو علي: «إنّما أنّسه (٣) بذلك أنك تقول: جالس الحسن أو ابن سيرين، فيستقيم له أن يجالسهما جميعا». السّىّ: المثل. والسّوح: جمع ساحة، ومثله ناقة ونوق، ولابة ولوب، واللاّبة: الحرّة، وهى أرض ذات حجارة سود.

стр. 1335

وقوله: «أن لا يسرحوا نعما» معناه: أن لا يرعوا إبلا. وصف سنة ذات جدب، فرعي النّعم وترك رعيها سواء. وإنما قال: «سيّان» فرفعه وهو نكرة، وقوله: «أن لا يسرحوا» معرفة (١)؛ لأنه أضمر فى «كان» ضمير الشأن. والرابع: أن تكون «أو» للإبهام، كقول القائل لمن يعلم سامعو لفظه أنه مبطل: أحدنا مبطل أو محق. وقال أبو إسحاق الزّجّاج فى قول الله تعالى: ﴿وَإِنّا أَوْ إِيّاكُمْ لَعَلى هُدىً أَوْ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ (٢) روي فى التفسير: وإنّا لعلى هدى وإنّكم لفى ضلال/مبين. قال: وهذا فى اللّغة غير جائز، ولكنه يؤول تفسيره إلى هذا المعنى، والمعنى: إنّا لعلى هدى أو فى ضلال مبين، وإنكم لعلى هدى أو فى ضلال مبين، وهذا كما يقول القائل، إذا كانت الحال تدلّ على أنه صادق: أحدنا صادق أو كاذب، ويؤول معنى الآية: وإنّا (٣) لما أقمنا من البرهان لعلى هدى وإنكم لفى ضلال مبين. وقال أبو زكريا يحيى بن زياد الفراء (٤): قوله: ﴿وَإِنّا أَوْ إِيّاكُمْ لَعَلى هُدىً﴾ قال المفسّرون: معناه: وإنّا لعلى هدى وأنتم فى ضلال مبين (٥)، قال: وكذلك هو فى المعنى، غير أنّ العربيّة على غير ذلك، والمعنى: وإنّا لضالّون أو مهتدون، وإنّكم أيضا لضالّون أو مهتدون، والله يعلم أنّ رسوله المهتدى، وأنّ غيره الضّالّ، وأنت

стр. 1336

تقول للرجل يكذّبك: والله إنّ أحدنا لكاذب، وأنت تعنيه (١)، فكذّبته تكذيبا غير مكشوف، وهذا فى القرآن وكلام العرب كثير؛ أن يوجّه الكلام إلى أحسن مذاهبه إذا عرف. وقال قتادة بن دعامة فى تفسير الآية: قد قال أصحاب محمد ﵌ للمشركين: والله ما نحن وأنتم على أمر واحد، وإنّ أحد الفريقين لمهتد (٢). وأقول: إنّ هذا اللفظ جاء على الإبهام؛ لأنّ المشركين إذا أفكروا فيما هم عليه عند سماع هذا الكلام الباعث لهم على الفكر، فأجالوا أفكارهم فى إغارات بعضهم على بعض، وسبى ذراريّهم، واستباحة أموالهم، وقطع الأرحام، وركوب الفروج الحرام، وقتل النفوس التى حرّم الله قتلها، وشرب الخمر الذى يذهب العقول ويحسّن ارتكاب الفواحش، وأفكروا فيما النبىّ ﵌ والمسلمون عليه، من صلة الأرحام، واجتناب/الآثام، والأمر بالمعروف والنهى عن المنكر، وإطعام المسكين، وبرّ الوالدين، والمواظبة على عبادة الله، علموا أن النبيّ والمسلمين على الهدى، وأنّهم هم على الضلال، فبعثهم ذلك على الإسلام. فهذه الفائدة العظيمة هى الداعية إلى الإبهام فى هذا الكلام. والخامس: أن تكون «أو» بمعنى واو العطف، وهو من أقوال الكوفيّين، ولهم فيه احتجاجات من القرآن، ومن الشّعر القديم. فممّا احتجّوا به من القرآن قوله: ﴿لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشى﴾ (٣) و ﴿عُذْراً أَوْ نُذْراً﴾ (٤) و ﴿لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ أَوْ يُحْدِثُ لَهُمْ ذِكْراً﴾ (٥) ومن الشّعر القديم قول توبة بن الحميّر:

стр. 1337

وقد زعمت ليلى بأنّى فاجر ... لنفسى تقاها أو عليها فجورها (١) وقول جرير: أثعلبة الفوارس أو رياحا ... عدلت بهم طهيّة والخشابا (٢) أى عدلت هاتين القبيلتين بهاتين القبيلتين، وقول جرير أيضا: نال الخلافة أو كانت له قدرا ... كما أتى ربّه موسى على قدر (٣) وقول آخر: قفا نسأل منازل من لبينى ... خلاء بين فردة أو عرادا (٤)

стр. 1338

وقول ابن أحمر (١). ألا فالبثا شهرين أو نصف ثالث ... إلى ذاكما ما غيّبتنى غيابيا أراد: ونصف ثالث؛ لأن لبث (٢) نصف الثالث لا يكون إلاّ بعد لبث الشهرين. وقول لبيد (٣): تمنّى ابنتاى أن يعيش أبوهما ... وهل أنا إلاّ من ربيعة أو مضر

стр. 1339

قالوا: «أو» هاهنا بمعنى الواو؛ لأنه لا يشكّ فى نسبه حتى أنه لا يدرى أمن ربيعة/هو أم من مضر، ولكنه أراد بربيعة أباه الذى ولده؛ لأنه لبيد بن ربيعة، ثم قال: أو مضر (١)، يريد: ومضر، يعنى مضر بن نزار بن معدّ بن عدنان، واحتجّوا بقول متمّم بن نويرة (٢). فلو أنّ البكاء يردّ شيئا ... بكيت على بجير أو عفاق على المرأين إذ هلكا جميعا ... لشأنهما بشجو واشتياق قال: على المرأين؛ لأنه أراد: على بجير وعفاق، فأبدل اثنين من اثنين، واحتجّوا بقول الراجز: خلّ الطريق واجتنب أرماما ... إنّ بها أكتل أو رزاما (٣) خويربين ينقفان الهاما ... لم يدعا لسارج مقاما قالوا: أراد أكتل ورزاما، فلذلك قال: خويربين، ولو كانت «أو» على بابها لقال: خويربا، كما تقول: زيد فى الدار أو عمرو جالس، ولا تقول: جالسان. وأبطل البصريّون الاحتجاج بهذا الشّعر بقول الخليل: إنّ «خويربين» نصب على الشّتم، قال سيبويه: «وسألت الخليل عن قول الأسدىّ: إنّ بها أكتل أو رزاما ... خويربين ينقفان الهاما فزعم أن «خويربين» نصب على الشّتم، كما انتصب «﴿حَمّالَةَ الْحَطَبِ﴾ (٤) على الشّتم، و:

стр. 1340

النّازلين بكلّ معترك (١) على التعظيم». أكتل ورزام: لصّان كانا يقطعان الطريق بأرمام (٢)، وينقفان هام من يمرّ بها. وخويرب: تحقير خارب، والخارب لصّ الإبل. واختلفوا فى قوله تعالى: ﴿وَأَرْسَلْناهُ إِلى مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ﴾ (٣) فقال بعض الكوفيّين: أو بمعنى الواو، وقال آخرون منهم: المعنى: بل يزيدون، وهذا القول ليس بشىء عند البصريّين. وللبصريّين فى «أو» هذه ثلاثة أقوال: أحدها قول سيبويه (٤)، /وهو أن «أو» هاهنا للتخيير، والمعنى: أنه إذا رآهم الرائى يخيّر فى أن يقول: هم مائة ألف، وأن يقول: أو يزيدون. والقول الثانى: عن بعض البصريّين: أنّ «أو» هاهنا لأحد الأمرين، على الإبهام. والثالث: ذكره ابن جنّى (٥)، وهو أنّ «أو» هاهنا للشّكّ، والمعنى: أنّ الرائى إذا رآهم شكّ فى عدّتهم لكثرتهم.

стр. 1341

ومن زعم أن المعنى: بل يزيدون، قال مثل ذلك فى قوله: ﴿فَهِيَ كَالْحِجارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً﴾ (١) وفى قوله: ﴿وَما أَمْرُ السّاعَةِ إِلاّ كَلَمْحِ الْبَصَرِ أَوْ هُوَ أَقْرَبُ﴾ (٢) وقوله: ﴿فَكانَ قابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنى﴾ (٣) ومن قال: إنّ المعنى: ويزيدون (٤)، قال مثل ذلك فى هذه الآي. والوجه: أن تكون «أو» فيهنّ للتخيير، أى: إن قلت: إنّ قلوبهم كالحجارة جاز، وإن قلت: إنها أشدّ قسوة جاز، وعلى هذا تقدير الآيتين الأخريين (٥)، ويجوز أن تكون «أو» فيهنّ للإبهام. والسادس من معانى «أو»: أن تكون بمعنى إلاّ أن، كقولهم: لألزمنّه أو يتّقينى بحقّى، معناه: إلاّ أن يتّقينى، وقال الكوفيّون: حتى يتّقينى، ومنه قول امرئ القيس (٦): بكى صاحبى لمّا رأى الدّرب دونه ... وأيقن أنّا لاحقان بقيصرا فقلت له لا تبك عينك إنّما ... نحاول ملكا أو نموت فنعذرا ومثله قول زياد الأعجم: وكنت إذا غمزت قناة قوم ... كسرت كعوبها أو تستقيما (٧)

стр. 1342

والسابع: استعمالها بمعنى «إن» الشرطية مع الواو، كقولك: لأضربنّك عشت أو متّ (١)، معناه: إن عشت بعد الضرب وإن متّ، ومثله: لآتينّك إن أعطيتنى أو حرمتنى، معناه: وإن حرمتنى. والثامن: أن يعطف بها بعد ألف الاستفهام وهل، فتكون لأحد الشيئين/أو الأشياء، كقولك: أقام زيد أو عمرو؟ معناه: أقام أحدهما؟ وهل تعفو عن زيد أو تحسن إلى أخيه؟ أى هل يكون منك أحد هذين؟ قال الله سبحانه: ﴿هَلْ يَسْمَعُونَكُمْ إِذْ تَدْعُونَ. أَوْ يَنْفَعُونَكُمْ أَوْ يَضُرُّونَ﴾ (٢) أى هل يكون منهم أخذ هذه الأشياء؟ ومثله: ﴿هَلْ تُحِسُّ مِنْهُمْ مِنْ أَحَدٍ أَوْ تَسْمَعُ لَهُمْ رِكْزاً﴾ (٣) ﴿أَفَأَنْتَ تُسْمِعُ الصُّمَّ أَوْ تَهْدِي الْعُمْيَ﴾ (٤) وإنّما عدّ هذا قسما على حياله،؛ لأن الاستفهام أخرجه من الشّكّ والتخيير والإباحة. والتاسع: أن تكون للتبعيض، فى قول بعض الكوفيّين، وإنّما جعلها للتبعيض؛ لأنها لأحد الشّيئين، وذلك فى قول الله سبحانه: ﴿وَقالُوا كُونُوا هُوداً أَوْ نَصارى تَهْتَدُوا﴾ (٥) وهذا القول إنما هو إخبار من الله عن الفريقين، وفى الكلام حذوف، أوّلها: حذف مضاف من أوّله، ثم حذف واو العطف، وجملتين

стр. 1343

فعليّتين من آخره، وهما قال وفاعله، وكان واسمها (١). فأمّا تقدير المضاف، فإنّ قوله: ﴿وَقالُوا﴾ معناه: وقال بعضهم-يعنى اليهود -كونوا هودا، وتقدير الواو والجملتين: وقال بعضهم: كونوا نصارى، فقام قوله: ﴿أَوْ نَصارى﴾ مقام هذا الكلام. وهذا يدلّك على شرف هذا الحرف. ولا يجوز أن تكون «أو» هاهنا للتخيير؛ لأنّ جملتهم لا يخيّرون بين اليهوديّة والنصرانيّة. ...

стр. 1344

من شعر كتاب سيبويه قول خزز (١) بن لوذان السّدوسىّ يا صاح يا ذا الضّامر العنس (٢) وقول عبيد بن الأبرص الأسدىّ (٣): يا ذا المخوّفنا بمقتل شيخه ... حجر تمنّى صاحب الأحلام قال (٤) أبو سعيد: ذا، فى البيتين للإشارة، وما بعدهما نعت لهما، وهو رفع وإن كان مضافا؛ لأن الأصل فيه غير (٥) الإضافة. أمّا البيت الأول فتقديره: يا ذا الضامر عنسه، كما تقول: أيّها الضامر عنسه، والبيت الثاني تقديره: يا ذا المخوّف لنا، كما/تقول: أيّها المخوّف لنا، ومثله: يا ذا الحسن الوجه، وتقديره: يا ذا الحسن وجهه، وليس «ذا» بمنزلة يا ذا المال، ويا ذا الجمّة، تريد: يا صاحب المال، ويا صاحب الجمّة، وهو الذى يكون فى الرفع بالواو وفى الخفض بالياء وفى النّصب بالألف، تقول: جاءنى ذو المال، ومررت بذى المال، ورأيت ذا المال، وهو معرفة بإضافته إلى ما بعده، وتقول فى الآخر: جاءنى ذا الحسن الوجه، ومررت بذا الحسن الوجه، ورأيت ذا الحسن الوجه.

стр. 1345

والكوفيون ينشدون: يا صاح يا ذا الضّامر العنس بخفض «الضامر»؛ لأنهم يضيفون «ذا» إلى الضامر، ويجعلونه بمنزلة: يا ذا الجمّة، ويا ذا المال، ويحتجّون لصحّة روايتهم بقوله بعد: والرّحل والأقتاد والحلس (١) بخفض الرّحل والأقتاد، ويقدّرون: يا ذا العنس الضامر والرّحل، بمعنى: يا صاحب العنس، وقالوا: لو كان على ما قاله سيبويه لم يستقم خفض «الرّحل»، لأن إنشاد سيبويه برفع «الضامر» إنما يكون بمعنى: يا ذا الضامر عنسه، كقولنا: يا ذا الحسن الوجه، بمعنى الحسن وجهه، ولا يستقيم فى الرّحل إذا عطفناه على العنس، أن تقول: الذى ضمر رحله. قال أبو سعيد: والذى أنكروه ليس بمنكر؛ لأن هذا من باب قوله: علفتها تبنا وماء باردا (٢) وقوله (٣): يا ليت زوجك قد غدا ... متقلّدا سيفا ورمحا على أن تجعل الثانى على ما يليق به، ولا يخرج عن مقصد الأوّل، فيكون معنى الضامر المتغيّر، والرحل محمول عليه، كأنه قال: المتغيّر العنس والرّحل، ويدخل الرّحل فى لفظ الضامر، لإرادة معنى التغيّر به. انتهى كلامه.

стр. 1346

وأقول: إنّ هذا الفنّ متّسع فى كلام العرب، يقدّرون للثانى ما يصلح حمله عليه، ولا يخرج به عن المراد بالأوّل، فيقدّرون فى قوله: يا ليت زوجك قد غدا ... متقلّدا سيفا ورمحا /وحاملا رمحا، كما قدّروا (١) فى قوله: علفتها تبنا وماء باردا وسقيتها. وقد قيل فى قول الله سبحانه: ﴿وَالَّذِينَ تَبَوَّؤُا الدّارَ وَالْإِيمانَ﴾ (٢) إنّ المعنى: وأحبّوا الإيمان، وكذلك يقدّر فى قول المتنبّى (٣): ذات فرع كأنّما ضرب العن ... بر فيه بماء ورد وعود ودخان عود؛ لأن العود لا ماء له، وكذلك قوله (٤): وقد كان يدنى مجلسى من سمائه ... أحادث فيها (٥) بدرها والكواكبا من قال: إنه أراد بالكواكب خصال سيف الدولة، كما قال (٦): أقلّب منه طرفى فى سماء ... وإن طلعت كواكبها خصالا فلا بدّ من تقدير فعل ينصب الكواكب؛ لأنّ الخصال لا توصف بالمحادثة، وتقديره: وأستضىء الكواكب، أى أستفيد من فضائله، وأقتبس من محاسنه.

стр. 1347

الأقتاد: خشب الرّحل، واحدها قتد، وقالوا أيضا فى جمعه: قتود. والعنس من النّوق: الصّلبة الشّديدة. لك على مذهب سيبويه فى قوله: «يا ذا الضّامر العنس» أن تقول: يا زيد الحسن الوجه، برفع الحسن، والحسن الوجه، بنصبه، كما تقول: يا زيد الحسن والحسن، لأنّ الإضافة فى هذا الباب كالإفراد، من حيث كان التقدير: الحسن وجهه. قول أبى سعيد: إن «الضامر» مضاف إلى «العنس»، صحيح؛ لأن الضامر غير متعدّ، والاسم الذى بعده فيه ألف ولام، وقوله: إنّ «المخوّف» مضاف إلى ما بعده، سهو؛ لأنّ المخوّف متعدّ، وليس بعده اسم فيه ألف ولام، وأنت لا تقول: المخوّف زيد، فالضمير فى قوله «المخوّفنا» منصوب لا مجرور. ...

стр. 1348

قول أبى الطيّب فى سيف الدّولة إذا نحن سمّيناك خلنا سيوفنا ... من التّيه فى أغمادها تتبسّم (١) /معدود فى أبياته النادرة، وقد عاب بعض نقّاد الشّعر قوله: من التّيه فى أغمادها تتبسّم وقال: أخطأ فى هذا، ووضع الشىء فى غير موضعه، وعند من لا ينقد الشعر حقّ نقده، ولا يلطف فكره للغوامض أنّ هذا البيت أحسن بيت له، ووجه الأخطاء أنه قال: تتبسّم من التّيه، وإنما يكون من التّيه العبوس، وأن يشمخ الإنسان بأنفه، كذلك يكون التائه المتكبّر، وإنما يكون التبسّم من المرح والفرح. انتهى كلامه. وأقول: إنّ التبسّم قد يكون من المعجب بنفسه، التائه على أضرابه؛ استكثارا لما عنده، واستقلالا لما عندهم، فليس ينكر أن يكون التبسّم من الإعجاب، فكأنّ السّيوف تبسّمت إعجابا بأنفسها، لمشاركة الممدوح لها فى التسمية، فحقرت بذلك الرّماح وغيرها من السّلاح. ...

стр. 1349

وأقول في بيت آخر [له (١)] وهو قوله: فيوما بخيل تطرد الرّوم عنهم ... ويوما بجود تطرد الفقر والجدبا (٢) أنشد أبو زكريا يحيى بن علىّ التّبريزيّ: «بجود يطرد» بالياء، وقال: التاء فى «تطرد» للخيل، والياء فى «يطرد» الثانى للجود. والصواب عندى إنشاد الثانى بالتاء كالأول، وتكون التاءان لخطاب الممدوح؛ لأمرين: أحدهما: أن خطابه قد جاء قبل هذا البيت وبعده، فمجيئه قبله فى قوله: هنيئا لأهل الثّغر رأيك فيهم ... وأنّك حزب (٣) الله صرت لهم حزبا وأنّك رعت الدّهر فيها وريبه ... فإن شكّ فليحدث بساحتها خطبا ومجيئه بعده فى قوله: سراياك تترى والدّمستق هارب ... وأصحابه قتلى وأمواله نهبى والأمر الآخر: أنك إذا جعلت التاءين للخطاب علّقت الجارّين بالفعلين /اللّذين بعدهما، ولم تحتج إلى تقدير ما تعلّقهما به، فكأنك قلت: فيوما تطرد الرّوم عنهم بخيل، ويوما تطرد الفقر عنهم بجود، وإذا جعلت «تطرد» للخيل، و «يطرد» للجود كان الفعلان وصفين لخيل وجود، أى فيوما بخيل طاردة عنهم الروم، ويوما بجود طارد عنهم الفقر، فلا بدّ من تقدير ما يتعلّق به الباءان على هذا القول، فكأنك قلت: فيوما تحوطهم بخيل تطرد الروم عنهم، ويوما تنعشهم بجود يطرد الفقر عنهم، فالذى ذهبت إليه هو الصحيح الذى لا يخفى إلاّ على موغل فى التقصير. ...

стр. 1350

المجلس السادس والسبعون الكلام فى قول الله : ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ. وَوَضَعْنا﴾ (١) يتوجّه فى قوله ﴿لَكَ﴾ سؤال، فيقال: لو قيل: ألم نشرح صدرك، كان الكلام مكتفيا، ومثله: ﴿وَرَفَعْنا لَكَ ذِكْرَكَ﴾ فلأىّ معنى ذكر ﴿لَكَ﴾؟ والجواب عن هذا السؤال: أن اللام فى ﴿لَكَ﴾ لام العلّة التى تدخل على المفعول من أجله، فى نحو قولك: فعلت ذاك لإكرامك، فإن حذفتها قلت: فعلته إكرامك، كما قال: متى تفخر ببيتك فى معدّ ... يقل تصديقك العلماء جير (٢) الأصل: لتصديقك، فلما حذف اللام نصب، فإن حذفت المصدر رددت اللام فقلت: فعلت ذاك لك، ومثله: جئت لمحبّة زيد، ومحبّة زيد، ولزيد، ومنه قول عمر بن أبى ربيعة (٣): وقمير بدا ابن خمس وعش ... رين له قالت الفتاتان قوما أراد: لأجله قالت الفتاتان: قوما. وإذا عرفت هذا فالمعنى: ألم نشرح لهداك (٤) صدرك؟ كما قال تعالى: ﴿فَمَنْ﴾

стр. 1351

﴿يُرِدِ اللهُ/أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلامِ﴾ (١) فلمّا حذف المصدر وجب إثبات اللام، وكذلك قوله: ﴿وَرَفَعْنا لَكَ ذِكْرَكَ﴾ أراد: رفعنا لتشريفك ذكرك. وقوله: ﴿فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً. إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً﴾ إنّما كرّرت الجملة توكيدا كقول الشاعر: وكلّ حظّ امرئ دونى سيأخذه ... لا بدّ لا بدّ أن يحتازه دونى (٢) وكقول الخنساء: هممت بنفسى بعض الهموم ... فأولى لنفسى أولى لها (٣) وقد جاءت الجملة مكرّرة فى القرآن بالعاطف، فى قوله تعالى: ﴿أَوْلى لَكَ فَأَوْلى. ثُمَّ أَوْلى لَكَ فَأَوْلى﴾ (٤). وإنما كان «العسر» معرّفا و «اليسر» منكّرا؛ لأنّ الاسم إذا تكرّر منكّرا فالثانى غير الأوّل (٥)، كقولك: جاءنى رجل فقلت لرجل جاء بعده: كذا وكذا، وكذلك إن كان الأوّل معرفة والثانى نكرة، كقولك: حضر الرجل فقلت لرجل: كيت وكيت، فإن كان الأوّل نكرة والثانى معرفة، فالثانى هو الأول، كقولك: مررت برجل فقلت للرجل: افعل كذا، ومثله فى التنزيل: ﴿كَما أَرْسَلْنا إِلى فِرْعَوْنَ رَسُولاً. فَعَصى فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ﴾ (٦) ومثله: ﴿مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكاةٍ فِيها﴾

стр. 1352

﴿مِصْباحٌ الْمِصْباحُ فِي زُجاجَةٍ الزُّجاجَةُ كَأَنَّها كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ﴾ (١) فذكر المعرفة بعد النّكرة يجرى مجرى ذكر المعرفة بعد المعرفة، كقولك: حضر الرجل فأكرمت الرجل، ولذلك قال ابن عباس رضوان الله عليه: «لن يغلب عسر يسرين» وقد روى هذا الكلام عن رسول الله ﷺ (٢). وقوله: ﴿وَإِلى رَبِّكَ فَارْغَبْ﴾ جامعت الفاء الواو، متعلقة بما بعد الفاء، ولو وضعت ﴿إِلى﴾ فى محلّها الذى تستحقّه لقيل: وفارغب إلى ربّك، ومثله: ﴿وَثِيابَكَ فَطَهِّرْ. وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ﴾ (٣) انتصب ما قبل الفاء بما بعدها، وهذا من عجيب كلام العرب؛ /لأنّ الفاء إنما تعطف، أو تدخل فى الجواب وما أشبه الجواب، كخبر الاسم الناقص، نحو ﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهارِ سِرًّا وَعَلانِيَةً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ﴾ (٤) وهى هاهنا خارجة عمّا وضعت له، ومثل ذلك دخولها فى الأمر المصوغ من «كان» مع تقدّم الخبر، كقول أبى الطيّب (٥): ومثل سراك فليكن الطّلاب وإنما جاءوا بها فى هذا النحو ليعلموا أن المفعول أو الخبر وقع فى غير موقعه، فإذا لم يكن فى الكلام الواو ولا غيرها من حروف العطف، كقولك: زيدا فاضرب، فقد قال أبو عليّ: زيد منصوب بهذا الفعل، وليس تمنع الفاء من العمل، وقال:

стр. 1353

وتسمّى هذه الفاء معلّقة، كأنها تعلّق الفعل المؤخّر بالاسم المقدّم، وكأنها هنا شبيهة بالزائد، ويدلّ على أن العامل هو هذا الفعل قولك: بزيد فامرر، لو لم تكن معلّقة بامرر هذا لم يجز؛ لأنه لا بدّ للباء من شيء تتعلّق به، ولو علّقتها بفعل آخر لاحتجت لهذا الفعل إلى باء أخرى (١). انتهى كلامه. وأقول: إنها زائدة لا محالة فى قوله تعالى: ﴿وَثِيابَكَ فَطَهِّرْ. وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ﴾ (٢)؛ لأنك إن لم تحكم بزيادتها أدّى ذلك إلى دخول الواو العاطفة عليها وهى عاطفة، وكذلك «ثمّ» زائدة فى قول زهير (٣): أرانى إذا ما بتّ بتّ على هوى ... فثمّ إذا أصبحت أصبحت غاديا قال الفراء: ألم نشرح (٤) صدرك: ألم نليّن قلبك، ﴿وَوَضَعْنا عَنْكَ﴾

стр. 1354

﴿وِزْرَكَ﴾ قال: إثم الجاهليّة. وقال الزجّاج: غفر الله لك ما تقدّم من ذنبك وما تأخّر (١). ﴿الَّذِي أَنْقَضَ ظَهْرَكَ﴾ فى كلّ التفاسير: أثقل ظهرك، وزاد بعضهم: فتنقّضت له العظام، كما يتنقّض البيت إذا صوّت للوقوع، وزاد آخر فقال: نقص من لحمه، وهو من قولهم للبعير الذى أتعبه السفر والعمل فنقص لحمه: بعير نقض. ﴿وَرَفَعْنا لَكَ ذِكْرَكَ﴾ قال الفراء: لا أذكر إلاّ ذكرت معى (٢). وقال الزجّاج: جعل ذكره عليه/السلام مقرونا بذكر توحيد الله فى الأذان، وفى كثير مما يذكر الله فيه. وقال قتادة بن دعامة: رفع الله ذكره، فليس خطيب ولا متشهّد إلاّ يبدأ «بأشهد أن لا إله إلاّ الله» وبعده «وأشهد أنّ محمدا رسول الله (٣)». ﴿فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً﴾ قال الزّجاج: كان أصحاب النبيّ ﵇ فى ضيق شديد، فأعلمهم الله أنّهم سيوسرون، وأنهم سيفتح عليهم، ففتح الله عليهم، وأبدلهم بالعسر يسرا. ﴿فَإِذا فَرَغْتَ فَانْصَبْ﴾ قال الزّجاج: معناه: إذا فرغت من صلاتك فانصب فى الدعاء إلى ربّك. ﴿وَإِلى رَبِّكَ فَارْغَبْ﴾ أى اجعل رغبتك إلى الله وحده، وكذلك قال قتادة، ثم قال: وقال الحسن: أمره الله بأنّه إذا فرغ من غزوة أن يجتهد فى العبادة.

стр. 1355

قول (١) المتنبّى: يا من لجود يديه فى أمواله ... نقم تعود على اليتامى أنعما (٢) حتى يقول الناس ماذا عاقلا ... ويقول بيت المال ماذا مسلما قال فيه أبو زكريّا يحيى بن علىّ التّبريزيّ: عظّم الممدوح تعظيما وجب معه ألاّ يكون خاطبه بقوله: حتى يقول الناس ماذا عاقلا وإنما تبع فى ذلك قول أبى نواس (٣): جاد بالأموال حتّى ... قيل ما هذا صحيح فظنّ أنه أراد: ما هذا صحيح العقل، ولعلّ أبا نواس لم يرد ما ظنّه أبو الطيّب، وإنما أراد: ما هذا الفعل صحيح. انتهى كلامه. وأقول: إن أبا نواس لم يرد بقوله: «ما هذا صحيح» إلاّ ما ذهب إليه أبو الطيّب؛ وإنما أراد: ما هذا الفعل صحيح. انتهى كلامه. وأقول: إن أبا نواس لم يرد بقوله: «ما هذا صحيح» إلاّ ما ذهب إليه أبو الطيّب؛ لأن أبا نواس قد صرّح بهذا المعنى فى قصيدة أخرى، وأتى بلفظة أقبح من اللفظة التى فى البيت الأول، فقال: جاد بالأموال حتّى ... حسبوه الناس حمقا (٤)

стр. 1356

وتبعه فى ذلك أبو تمّام فقال: ما زال يهذر بالمكارم والنّدى ... حتى ظننّا أنه محموم (١) الهذر: الهذيان، يقال: رجل مهذار. فعلى هذا المنوال نسج أبو الطيّب بيته، فأراد أنه يفرط فى الجود حتى ينسبه الناس إلى الجنون، ولو كان بيت المال ممّا يصحّ منه الكلام لقال: ماذا مسلما؛ لأنه فرّق أموال المسلمين، ويجوز أن يكون أراد: ويقول خزّان بيت المال، فحذف المضاف، كما حذف فى قوله تعالى: ﴿وَسْئَلِ الْقَرْيَةَ﴾ (٢). والأصل فى هذا قول أعرابىّ، فيما أنشده الجاحظ فى كتاب الحيوان (٣): حمراء تامكة السّنام كأنّها ... جمل بهودج أهله مظعون جادت بها عند الوداع يمينه ... كلتا يدى عمر الغداة يمين ما كان يعطى مثلها فى مثله ... إلاّ كريم الخيم أو مجنون الخيم: السّجيّة. والهاء فى «مثله» تعود على الوداع، أى فى مثل ذلك الوقت. ... من العرب من يذكّر السّماء، وفى تذكيرها وجهان: أحدهما أنها جمع سماوة، كسحاب وسحابة، ونخل ونخلة. وهذا الضّرب من الجمع قد ورد فيه التذكير والتأنيث، فالتذكير فى قوله تعالى: ﴿وَالسَّحابِ الْمُسَخَّرِ﴾ (٤) و ﴿أَعْجازُ نَخْلٍ﴾

стр. 1357

﴿مُنْقَعِرٍ﴾ (١)، والتأنيث فى قوله: ﴿أَعْجازُ نَخْلٍ خاوِيَةٍ﴾ (٢). ويدلّ على أن السماء جمع إعادة ضمير الجمع إليها فى قوله: ﴿ثُمَّ اِسْتَوى إِلَى السَّماءِ فَسَوّاهُنَّ﴾ (٣) كما دلّ وصف السحاب بالجمع فى قوله: ﴿وَيُنْشِئُ السَّحابَ الثِّقالَ﴾ (٤) على أنه جمع. والوجه الآخر أن السماء سقف الدّنيا، كما قال تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا السَّماءَ سَقْفاً مَحْفُوظاً﴾ (٥) فمن ذكّرها، لأنه ذهب بها هذا المذهب، فهو قول حسن كالأوّل، وعليهما يحمل قوله تعالى: ﴿السَّماءُ مُنْفَطِرٌ بِهِ﴾ (٦) وقول الشاعر: فلو رفع السماء إليه قوما ... لحقنا بالسماء مع السّحاب (٧) ... ممّا أوقعته العرب موقع غيره لاتّفاقهما فى المعنى، الحوادث فى قول الشاعر: فإمّا ترينى ولى لمّة ... فإن الحوادث أودى بها (٨) أعاد إلى الحوادث ضميرا مذكّرا؛ لأنه حمله على الحدثان، من حيث وافقه فى المعنى، كما حمل الآخر الحدثان على الحوادث فى قوله: ألا هلك الشّهاب المستنير ... ومدرهنا الكمىّ إذا نغير

стр. 1358

وحمّال المئين إذا ألمّت ... بنا الحدثان والأنف النّصور (١) إنما منع الأول أن يقول: «فإن الحوادث أودت» كراهية إفساد القافية؛ لأن ألف «أودى» تأسيس، والتأسيس يلزم أبيات القصيدة كلّها، والحرف الذى بعده يسمّى الدّخيل، والذى بعد الدّخيل هو الروىّ، والألف المتطرّفة حرف إطلاق القافية. وقال آخر: بال سهيل فى الفضيخ ففسد ... وطاب ألبان اللّقاح وبرد (٢) ذكّر الضمير الذى فى «برد» لأنه أعاده إلى اللّبن، فأمّا ما جاء فى التنزيل من عود الضمير مذكّرا بعد جمع فى قوله تعالى: ﴿وَإِنَّ لَكُمْ فِي الْأَنْعامِ لَعِبْرَةً نُسْقِيكُمْ مِمّا فِي بُطُونِهِ﴾ (٣) فإن الضمير أعيد إلى النّعم وهو واحد الأنعام، وهو مع تذكيره يوقع على جماعة من الإبل، فيقال: لمن هذا النّعم؟ كما يقال: لمن هذا القطيع؟ قال ابن فارس: الفضيخ: أن يشدخ الرّطب ثم ينبذ (٤). والمدرة: السّيّد.

стр. 1359

وقال المتنبّى فى وصف أسد ما قوبلت عيناه إلاّ ظنّتا ... تحت الدّجى نار الفريق حلولا (١) نصب «حلولا» على الحال، والظاهر أنه حال من «الفريق» والحال من المضاف (٢) إليه قليل مستضعف، وإن كان قد جاء فى الشعر القديم، كقول تأبّط شرّا: سلبت سلاحى بائسا وشتمتنى ... فيا خير مسلوب ويا شرّ سالب (٣) وكقول الجعديّ فى وصف فرس: كأنّ حواميه مدبرا ... خضبن وإن كان لم يخضب (٤) وقال أبو عليّ فى المسائل الشّيرازيّات: قد جاء الحال من المضاف إليه، فى نحو ما أنشده أبو زيد: عوذ وبهثة حاشدون عليهم ... حلق الحديد مضاعفا يتلهّب (٥) انتهى كلامه. /والوجه فى هذا البيت فيما أراه: أن «مضاعفا» حال من «الحلق» لا من «الحديد»؛ لأمرين، أحدهما: أنه إذا أمكن مجىء الحال من المضاف كان أولى

стр. 1360

من مجيئها من المضاف إليه، ولا مانع فى البيت من كون «مضاعفا» حالا من «الحلق»؛ لأننا نقول: حلق محكم ومحكمة. والآخر: أنّ وصف «الحلق» بالمضاعف أشبه، كما قال (١): يخببن بالحلق المضاعف والقنا ويجوز أن تجعل «مضاعفا» حالا من المضمر فى «يتلهّب» و «يتلهّب» فى موضع الحال من «الحلق»، فكأنه قال: عليهم حلق الحديد يتلهّب مضاعفا (٢). ... وذكر أبو عليّ فى المسائل الشّيرازيات، فى قول أبى الصّلت الثّقفىّ: اشرب هنيئا عليك التاج مرتفقا ... فى رأس غمدان دارا منك محلالا (٣) أنّ «دارا» يجوز أن تكون حالا من المضاف، ويجوز أن تكون حالا من المضاف إليه، فإن جعلتها حالا من «الرأس» أعملت فيها «مرتفقا» وإن شئت أعملت فيها «اشرب» وإن جعلتها حالا من «غمدان» أعملت فيها ما فى الكلام من معنى الفعل. قال: ألا ترى أنه لا تخلو الإضافة فى الأمر العامّ من أن تكون بمعنى اللام أو بمعنى من، يعنى أنك تعمل فى الحال ما تتضمّنه الإضافة من معنى الاستقرار أو الكون، وإنما قال: فى الأمر العامّ، لخروج باب الحسن الوجه، من التقديرين؛ من حيث لا يصحّ: الحسن للوجه، ولا الحسن من الوجه. والحال فى قول الجعديّ: «كأنّ حواميه مدبرا» أقرب إلى الصواب من قول تأبّط: «سلبت سلاحى بائسا» لأن الحوامى ما عن أيمان حوافره وشمائلها، فهى بعض المضاف إليه، وليس السلاح بعض ما أضيف إليه.

стр. 1361

فإن قيل: قد جاءت الحال من المضاف إليه فى القرآن، فى قوله : ﴿قُلْ بَلْ مِلَّةَ إِبْراهِيمَ حَنِيفاً﴾ (١). فالقول عندى أن الوجه أن تجعل ﴿حَنِيفاً﴾ حالا من الملّة/وإن خالفها بالتذكير؛ لأن الملّة بمعنى الدّين، فجاءت الحال على المعنى؛ ألا ترى أن الملّة قد أبدلت من الدّين فى قوله: ﴿دِيناً قِيَماً مِلَّةَ إِبْراهِيمَ حَنِيفاً﴾ (٢). وقوله هاهنا: ﴿يُظْلَمُونَ﴾ يحتمل ان يكون وصفا لقوله: ﴿حَنِيفاً﴾ ويحتمل أن يكون بدلا من الملّة، ويحتمل أن يكون حالا من ﴿إِبْراهِيمَ﴾ والعامل فيه ما فى الكلام من معنى الفعل، على ما قرّره أبو عليّ. والصواب أن تجعل «حلولا (٣)» حالا من المضمر فى «الفريق» لأن الفريق الجماعة التى تفارق عشيرتها أو غيرهم من الناس. وقال أبو عليّ فى مجىء الاسم (٤) حالا فى قول أبى الصّلت: «دارا منك محلالا»: إنّ مجىء الاسم حالا كثير، فمنه فى التنزيل: ﴿هذِهِ ناقَةُ اللهِ لَكُمْ آيَةً﴾ (٥). ومنه قولهم: هذا بسرا أطيب منه رطبا (٦)، وقولهم: «العجب من برّ مررنا به قفيزا بدرهم»، وقولهم: مررت بزيد رجلا صالحا. قال: وهذا من طريق القياس بيّن أيضا؛ لأنّ الحال إنما هى زيادة فى الخبر، فكما (٧) أنّ الخبر يكون تارة اسما وتارة وصفا، كذلك الزيادة عليه.

стр. 1362

وأما انتصاب الملّة، فى قوله: ﴿بَلْ مِلَّةَ إِبْراهِيمَ﴾ فبفعل مقدّر، دلّ عليه ما قبله؛ لأنّ قوله: ﴿وَقالُوا كُونُوا هُوداً أَوْ نَصارى﴾ يدلّ على: اتّبعوا اليهوديّة أو النّصرانيّة، فنصب ﴿بَلْ مِلَّةَ إِبْراهِيمَ﴾ بتقدير: بل نتّبع ملّة إبراهيم. ...

стр. 1363

مسألة قال أبو عليّ فى كتابه الذى سماه التذكرة: قيل لنا: علام عطف قول الله : ﴿فَكَرِهْتُمُوهُ﴾ من قوله: ﴿أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتاً فَكَرِهْتُمُوهُ﴾ (١). فقلنا: المعنى: فكما كرهتموه فاكرهوا الغيبة واتّقوا الله، فقوله: ﴿وَاِتَّقُوا اللهَ﴾ عطف على قوله: «فاكرهوا» وإن لم يذكر لدلالة الكلام عليه، كقوله: ﴿اِضْرِبْ بِعَصاكَ/الْحَجَرَ فَانْفَجَرَتْ﴾ (٢) أى فضرب فانفجرت، وقوله: ﴿فَكَرِهْتُمُوهُ﴾ كلام مستأنف، وإنما دخلت الفاء لما فى الكلام من معنى الجواب؛ لأن قوله: ﴿أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ﴾ كأنهم قالوا فى جوابه: لا، فقال: ﴿فَكَرِهْتُمُوهُ﴾ أى: فكما كرهتموه فاكرهوا الغيبة، فهو جواب لما يدلّ عليه الكلام، من قولهم: لا، فالفاء هاهنا بمنزلتها فى الجزاء، والمعنى على: فكما كرهتموه، وإن لم تكن «كما» مذكورة، كما أن قولهم: ما تأتينى فتحدّثنى، المعنى: ما تأتينى فكيف تحدّثنى؟ وإن لم تكن «كيف» مذكورة، وإنما هى مقدّرة. والقول عندى (٣) أن الذى قدّره أبو عليّ هاهنا بعيد، لأنه قدّر المحذوف موصولا، وهو «ما» المصدريّة، وحذف الموصول وإبقاء صلته رديء ضعيف، ولو قدّر المحذوف مبتدأ كان جيّدا؛ لأنّ حذف المبتدأ كثير فى القرآن، والتقدير عندى: فهذا كرهتموه، والجملة المقدّرة المحذوفة مبتدئيّة لا أمريّة، كما قدّرها،

стр. 1364

فكأنه قيل: فهذا كرهتموه والغيبة مثله، وإنما قدّرها أمريّة ليعطف عليها الجملة الأمريّة التى هى ﴿اِتَّقُوا اللهَ﴾ ولا حاجة بالكلام إلى تقدير جملة أمريّة لتعطف عليها الجملة الأمريّة؛ لأنّ قوله: ﴿وَاِتَّقُوا اللهَ﴾ عطف على الجملة النّهييّة التى هى قوله: ﴿وَلا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضاً﴾ وعطف الجملة على جملة مذكورة أولى من عطفها على جملة مقدّرة، والإشارة فى المبتدأ الذى قدّرته، وهو «هذا» موجّهة إلى الأكل الذى وصفه الله، كأنه لما قدّر أنهم قالوا: لا، فى جواب قوله: ﴿أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتاً﴾ قيل: فهذا كرهتموه، أى فأكل لحم الأخ الميّت كرهتموه، والغيبة مثله. فتأمّل ما ذكرته تجده أصوب الكلامين، وقد ذكر أبو عليّ هذه المسألة فى الحجّة أيضا. ...

стр. 1365

/ مسألة إن قيل: لم استتر ضمير الواحد المذكّر فى قم ونحوه، وبرز ضمير الأنثى والاثنين والجماعة؟ فالجواب: أنّ الفعل لا بدّله بقضيّة العقل من فاعل، ولا يقتضى العقل أن الفاعل لا بدّ أن يكون مؤنّثا، أو لا بدّ أن يكون مثنّى، أو لا بدّ أن يكون مجموعا، كما أنه لا يقتضى وجوب تذكير الفاعل مع كونه واحدا، فوجب لذلك الفرق بين هذه المعانى بعلامات تختصّ كلّ علامة منها بمعنى، ولمّا لزمهم الفرق، وكان التذكير أصلا للتأنيث، والواحد أصلا لجميع الأعداد، جعلت العلامة للمعنى الطارئ، ليدلّ تغيّر اللفظ على تغيّر المعنى، ولمّا تميّزت الفروع بعلامات، فقيل: قومى وقوما، وقوموا، وقمن، تميّز الأصل بقوله: قم؛ لأنّ عدم العلامة فى الأصل علامة له. ...

стр. 1366

قول أبى الطيب فمن كان يرضى اللّؤم والكفر ملكه ... فهذا الذى يرضى المكارم والرّبّا (١) الإشارة بهذا، فى نقدى واستخراجى، موجّهة إلى ملك الممدوح، لا إلى الممدوح؛ لأمرين، أحدهما: أنه لو أراد الممدوح لقال: فأنت الذى ترضى المكارم والرّبّا لأنّ اللفظ بالخطاب فى مثل هذا أمدح. والآخر: أنه أشار إلى الملك، فجعل الإرضاء له؛ لأنّ الإرضاء فى قوله: فمن كان يرضى اللؤم والكفر ملكه مسند إلى الملك، كما ترى، فوجب أن يكون الإرضاء الثانى كذلك، فوجّه (٢) الإشارة إليه؛ لأنّ قوله: «ملكه» قد دلّ عليه، كما توجّهت الإشارة إلى الصّبر، فى قوله الله تعالى جدّه: ﴿وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ﴾ (٣) لدلالة ﴿صَبَرَ﴾ عليه، وكما عاد الضمير فى «به» إلى «الملك» فى قول القطامىّ: /هم الملوك وأبناء الملوك لهم ... والآخذون به والسّاسة الأول (٤) وكانت المقابلة تقتضى أن يقول: يرضى المكارم والإيمان، ليقابل بالإيمان الكفر، كما قابل بالمكارم اللّؤم، ولكنّه لمّا اضطرّه الوزن والقافية إلى وضع لفظة

стр. 1367

«الرّبّ» فى موضع الإيمان، كان ذلك فى غاية الحسن؛ لأن المراد في الحقيقة إرضاء أهل اللؤم وأهل الكفر، وكذلك إرضاء الإيمان إنما يراد به إرضاء أهله، وإرضاء أهله تابع لإرضاء الله جلّت عظمته. ... وقوله: وخصر تثبت الأبصار فيه ... كأنّ عليه من حدق نطاقا (١) أى الأبصار تثبت فى خصرها استحسانا له، وتكثر عليه من جوانبه حتّى تصير كالنّطاق، وهذا منقول من قول بشّار بن برد (٢): ومكلّلات بالعيو ... ن طرقننا ورجعن ملسا أراد أنهنّ لحسنهنّ تعلو الأبصار إلى وجوههنّ ورءوسهنّ، حتى كأنّ لهنّ من العيون أكاليل، فنقل أبو الطيّب المعنى من الأعالى والأكاليل، إلى الخصر والنّطاق، وكشف السرىّ الموصلىّ عن هذا المعنى فى قوله (٣): أحاطت عيون العاشقين بخصره ... فهنّ له دون النّطاق نطاق ... وله وقد وصف سيفا، ثم قال فى وصف يد منتضية: ومحلّ قائمه يسيل مواهبا ... لو كنّ سيلا ما وجدن مسيلا (٤)

стр. 1368

قال يحيى بن عليّ التّبريزيّ: «مواهبا» منصوبة؛ لأنها مفعول. فقلت: لا يجوز أن تكون مفعولا؛ لأنّ «يسيل» لا يتعدّى إلى مفعول به، بدلالة أنه لا ينصب المعرفة، تقول: سال الوادى رجالا، ولا تقول: سال الوادى الرجال، وسالت الطّرق خيلا، ولا تقول: سالت الطرق الخيل، فلما لزمه نصب النكرة خاصّة، والمفعول يكون معرفة ويكون نكرة، والمميّز لا يكون إلا نكرة، ثبت أن قوله: «مواهبا» /مميّز، ويوضّح هذا لك أنك إذا أدخلت همزة النّقل على «سال» تعدّى إلى مفعول واحد، تقول: أسال الوادى الماء المعين، فلو كان قبل النّقل بالهمزة يتعدّى إلى مفعول لتعدّى بعد النّقل إلى مفعولين. فإن قيل: إنّ المميّز من شأنه أن يكون واحدا. قلنا: لعمرى إنّ هذا هو الأغلب، وقد يكون جمعا، كقوله تعالى: ﴿قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمالاً﴾ (١)، وكقوله: ﴿نَحْنُ أَكْثَرُ أَمْوالاً وَأَوْلاداً﴾ (٢). ...

стр. 1369

المجلس السابع والسبعون ذكر معانى «أم» ومواضعها فمن ذلك أنها تكون عاطفة بعد ألف الاستفهام، معادلة لها، فتكون معها بمعنى أيّهما وأيّهم وأيّهنّ، كقولك: أزيد عندك أم بكر؟ معناه أيّهما عندك؟ جعلت «الهمزة» مع أحد الاسمين المسئول عنهما، وجعلت «أم» مع الآخر، فهذا (١) هو المعادلة، وجواب هذا القول بالتّعيين، وذلك أن يقول: زيد، إن كان عنده زيد، أو بكر، إن كان عنده بكر، ومثله: أزيد فى الدار أم بشر أم خالد؟ بمعنى: أيّهم فى الدار؟ وكذلك: أهند حاضرة أم زينب أم سعاد؟ بمعنى أيّهن. فإذا (٢) كانت المعادلة بين اسمين ومعهما فعل فالأحسن تقديم الاسم، كقولك: أزيد خرج أم محمد؟ ويجوز: أخرج زيد أم محمد؟ فإن كانت المعادلة بين فعلين، فالأحسن تقديم الفعل، كقولك: أضربت زيدا أم شتمته؟ ويجوز (٣): أزيدا ضربت أم شتمته؟ والمعنى الثانى: أن تكون «أم» عاطفة بعد ألف التسوية، كقولك: سواء عليّ أقمت أم قعدت، وما أدرى أزيد فى الدار أم بشر، وما أبالى أسافر زيد أم أقام، فاللفظ على الاستفهام والمراد به الخبر، /وإنما تريد تسوية الأمرين عندك، قال الله سبحانه: ﴿سَواءٌ عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ﴾ (٤) أى سواء عليهم

стр. 1370

استغفارك لهم وترك استغفارك، ومثله: ﴿سَواءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ﴾ (١) ﴿سَواءٌ عَلَيْنا أَجَزِعْنا أَمْ صَبَرْنا﴾ (٢) ومن ذلك قول زهير: وما أدري وسوف أخال أدرى ... أقوم آل حصن أم نساء (٣) وقال الحارث بن كلدة الثّقفىّ: فما أدرى أغيّرهم تناء ... وطول العهد أم مال أصابوا (٤) وقال حسّان (٥): ما أبالى أنبّ بالحزن تيس ... أم لحانى بظهر غيب لئيم النّبيب: صوت التّيس عند النّزو. والثالث: أن تكون مقدّرة ببل مع همزة الاستفهام، فتسمّى منقطعة، ومن شرائطها أن يقع بعدها الجملة دون المفرد، وأن تأتى بعد الاستفهام بهل وبعدها الخبر، وقد تأتى بعد الهمزة، فمجيئها بعد «هل» كقوله (٦): هل ما علمت وما استودعت مكتوم ... أم حبلها إذ نأتك اليوم مصروم التقدير: بل أحبلها مصروم؟ ثم قال بعد هذا: أم هل كبير بكى لم يقض عبرته ... إثر الأحبّة يوم البين مشكوم جمع بين أم وهل، ولا يجوز الجمع بين استفهامين، ولا يجوز تقدير «هل» هاهنا بقد، كما قدّرت بها فى قوا، الآخر:
следующие страницы →