← Адаб

Адаб · id 120922

أمالي ابن الشجري ت الطناحي

ابن الشجري

Полный текст (1 931 стр.). Показаны 1366–1405 · переход к 1371.

стр. 1366

قول أبى الطيب فمن كان يرضى اللّؤم والكفر ملكه ... فهذا الذى يرضى المكارم والرّبّا (١) الإشارة بهذا، فى نقدى واستخراجى، موجّهة إلى ملك الممدوح، لا إلى الممدوح؛ لأمرين، أحدهما: أنه لو أراد الممدوح لقال: فأنت الذى ترضى المكارم والرّبّا لأنّ اللفظ بالخطاب فى مثل هذا أمدح. والآخر: أنه أشار إلى الملك، فجعل الإرضاء له؛ لأنّ الإرضاء فى قوله: فمن كان يرضى اللؤم والكفر ملكه مسند إلى الملك، كما ترى، فوجب أن يكون الإرضاء الثانى كذلك، فوجّه (٢) الإشارة إليه؛ لأنّ قوله: «ملكه» قد دلّ عليه، كما توجّهت الإشارة إلى الصّبر، فى قوله الله تعالى جدّه: ﴿وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ﴾ (٣) لدلالة ﴿صَبَرَ﴾ عليه، وكما عاد الضمير فى «به» إلى «الملك» فى قول القطامىّ: /هم الملوك وأبناء الملوك لهم ... والآخذون به والسّاسة الأول (٤) وكانت المقابلة تقتضى أن يقول: يرضى المكارم والإيمان، ليقابل بالإيمان الكفر، كما قابل بالمكارم اللّؤم، ولكنّه لمّا اضطرّه الوزن والقافية إلى وضع لفظة

стр. 1367

«الرّبّ» فى موضع الإيمان، كان ذلك فى غاية الحسن؛ لأن المراد في الحقيقة إرضاء أهل اللؤم وأهل الكفر، وكذلك إرضاء الإيمان إنما يراد به إرضاء أهله، وإرضاء أهله تابع لإرضاء الله جلّت عظمته. ... وقوله: وخصر تثبت الأبصار فيه ... كأنّ عليه من حدق نطاقا (١) أى الأبصار تثبت فى خصرها استحسانا له، وتكثر عليه من جوانبه حتّى تصير كالنّطاق، وهذا منقول من قول بشّار بن برد (٢): ومكلّلات بالعيو ... ن طرقننا ورجعن ملسا أراد أنهنّ لحسنهنّ تعلو الأبصار إلى وجوههنّ ورءوسهنّ، حتى كأنّ لهنّ من العيون أكاليل، فنقل أبو الطيّب المعنى من الأعالى والأكاليل، إلى الخصر والنّطاق، وكشف السرىّ الموصلىّ عن هذا المعنى فى قوله (٣): أحاطت عيون العاشقين بخصره ... فهنّ له دون النّطاق نطاق ... وله وقد وصف سيفا، ثم قال فى وصف يد منتضية: ومحلّ قائمه يسيل مواهبا ... لو كنّ سيلا ما وجدن مسيلا (٤)

стр. 1368

قال يحيى بن عليّ التّبريزيّ: «مواهبا» منصوبة؛ لأنها مفعول. فقلت: لا يجوز أن تكون مفعولا؛ لأنّ «يسيل» لا يتعدّى إلى مفعول به، بدلالة أنه لا ينصب المعرفة، تقول: سال الوادى رجالا، ولا تقول: سال الوادى الرجال، وسالت الطّرق خيلا، ولا تقول: سالت الطرق الخيل، فلما لزمه نصب النكرة خاصّة، والمفعول يكون معرفة ويكون نكرة، والمميّز لا يكون إلا نكرة، ثبت أن قوله: «مواهبا» /مميّز، ويوضّح هذا لك أنك إذا أدخلت همزة النّقل على «سال» تعدّى إلى مفعول واحد، تقول: أسال الوادى الماء المعين، فلو كان قبل النّقل بالهمزة يتعدّى إلى مفعول لتعدّى بعد النّقل إلى مفعولين. فإن قيل: إنّ المميّز من شأنه أن يكون واحدا. قلنا: لعمرى إنّ هذا هو الأغلب، وقد يكون جمعا، كقوله تعالى: ﴿قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمالاً﴾ (١)، وكقوله: ﴿نَحْنُ أَكْثَرُ أَمْوالاً وَأَوْلاداً﴾ (٢). ...

стр. 1369

المجلس السابع والسبعون ذكر معانى «أم» ومواضعها فمن ذلك أنها تكون عاطفة بعد ألف الاستفهام، معادلة لها، فتكون معها بمعنى أيّهما وأيّهم وأيّهنّ، كقولك: أزيد عندك أم بكر؟ معناه أيّهما عندك؟ جعلت «الهمزة» مع أحد الاسمين المسئول عنهما، وجعلت «أم» مع الآخر، فهذا (١) هو المعادلة، وجواب هذا القول بالتّعيين، وذلك أن يقول: زيد، إن كان عنده زيد، أو بكر، إن كان عنده بكر، ومثله: أزيد فى الدار أم بشر أم خالد؟ بمعنى: أيّهم فى الدار؟ وكذلك: أهند حاضرة أم زينب أم سعاد؟ بمعنى أيّهن. فإذا (٢) كانت المعادلة بين اسمين ومعهما فعل فالأحسن تقديم الاسم، كقولك: أزيد خرج أم محمد؟ ويجوز: أخرج زيد أم محمد؟ فإن كانت المعادلة بين فعلين، فالأحسن تقديم الفعل، كقولك: أضربت زيدا أم شتمته؟ ويجوز (٣): أزيدا ضربت أم شتمته؟ والمعنى الثانى: أن تكون «أم» عاطفة بعد ألف التسوية، كقولك: سواء عليّ أقمت أم قعدت، وما أدرى أزيد فى الدار أم بشر، وما أبالى أسافر زيد أم أقام، فاللفظ على الاستفهام والمراد به الخبر، /وإنما تريد تسوية الأمرين عندك، قال الله سبحانه: ﴿سَواءٌ عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ﴾ (٤) أى سواء عليهم

стр. 1370

استغفارك لهم وترك استغفارك، ومثله: ﴿سَواءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ﴾ (١) ﴿سَواءٌ عَلَيْنا أَجَزِعْنا أَمْ صَبَرْنا﴾ (٢) ومن ذلك قول زهير: وما أدري وسوف أخال أدرى ... أقوم آل حصن أم نساء (٣) وقال الحارث بن كلدة الثّقفىّ: فما أدرى أغيّرهم تناء ... وطول العهد أم مال أصابوا (٤) وقال حسّان (٥): ما أبالى أنبّ بالحزن تيس ... أم لحانى بظهر غيب لئيم النّبيب: صوت التّيس عند النّزو. والثالث: أن تكون مقدّرة ببل مع همزة الاستفهام، فتسمّى منقطعة، ومن شرائطها أن يقع بعدها الجملة دون المفرد، وأن تأتى بعد الاستفهام بهل وبعدها الخبر، وقد تأتى بعد الهمزة، فمجيئها بعد «هل» كقوله (٦): هل ما علمت وما استودعت مكتوم ... أم حبلها إذ نأتك اليوم مصروم التقدير: بل أحبلها مصروم؟ ثم قال بعد هذا: أم هل كبير بكى لم يقض عبرته ... إثر الأحبّة يوم البين مشكوم جمع بين أم وهل، ولا يجوز الجمع بين استفهامين، ولا يجوز تقدير «هل» هاهنا بقد، كما قدّرت بها فى قوا، الآخر:

стр. 1371

سائل فوارس يربوع بشدّتنا ... أهل رأونا بسفح القفّ ذى الأكم (١) وكما قدّرت بها فى ﴿هَلْ أَتى عَلَى الْإِنْسانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ﴾ (٢) و ﴿هَلْ أَتاكَ حَدِيثُ الْغاشِيَةِ﴾ (٣) وإنما لم تقدّر فى البيت بقد؛ لوقوع الجملة المبتدئيّة بعدها. /وإذا لم يجز تقديرها بقد، ولم يجز الجمع بين استفهامين، وجب حمل اجتماعهما على ما يصحّ، وفى ذلك قولان: أحدهما للكوفيّين، وهو أنهم يحكمون على «أم» المنقطعة بأنها تكون بمعنى «بل» مجرّدة من الاستفهام، فالتقدير على هذا: بل هل كبير بكى؟ والبصريّون مجمعون على أنها لا تكون بمعنى «بل» إلاّ بتقدير همزة الاستفهام معها (٤). والقول الآخر: أن يكون أحد الحرفين زائدا، دخوله كخروجه، وإذا حكمنا بزيادة أحدهما، فالأولى أن نحكم بزيادة «هل» لوقوعها حشوا؛ لأن الأغلب أن لا يكون الزائد أوّلا، فالتقدير: بل أكبير بكى؟ ومعنى «لم يقض عبرته»: لم ينفد ماء شئونه. ومعنى «مشكوم» مثاب مجازى. وأما مجىء المنقطعة بعد الهمزة فكقولك: أزيد فى الدار أم جعفر حاضر؟ فالجواب: لا، أو نعم، لأنّ المعنى: بل أجعفر حاضر؟ ووقوعها بعد الخبر، كقولك: قام أخوك أم محمد جالس؟ ومن كلامهم: إنها لإبل أم شاء؟ كأنه رأى أشخاصا من البعد فقال متيقّنا: إنها لإبل، ثم أدركه

стр. 1372

الشكّ فأضرب عن ذلك، فقال: أم شاء، على معنى: بل أهى شاء؟ وإذا ورد فى التنزيل شيء من هذا سمّى تركا لكلام وأخذا فى كلام آخر، فمن ذلك قوله تعالى: ﴿الم. تَنْزِيلُ الْكِتابِ لا رَيْبَ فِيهِ مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ. أَمْ يَقُولُونَ اِفْتَراهُ (١)﴾ المعنى: بل أيقولون افتراه؟ فهو استفهام أريد به تعنيف المشركين، فأمّا قول الأخطل (٢): كذبتك عينك أم رأيت بواسط ... غلس الظّلام من الرّباب خيالا فإنه أراد: أكذبتك؟ فحذف الهمزة وهو ينويها، ومثله قول عمر بن أبى ربيعة: لعمرك ما أدرى وإن كنت داريا ... بسبع رمين الجمر أم بثمان (٣) أراد: أبسبع؟ والرابع: أن تكون «أم» زائدة، واستشهدوا على هذا بقول ساعدة بن جؤيّة (٤): /يا ليت شعرى ولا منجا من الهرم ... أم هل على العيش بعد الشّيب من ندم التقدير: ليت شعرى! هل على العيش من ندم؟ وقال أبو زيد، فى قوله تعالى جدّه:

стр. 1373

﴿أَمْ أَنَا خَيْرٌ مِنْ هذَا الَّذِي هُوَ مَهِينٌ﴾ (١): أم زائدة، قال: والتقدير: أفلا تبصرون، أنا خير من هذا الذى هو مهين، وأنشد قول الراجز: يا دهن أم ما كان مشيى رقصا ... بل قد تكون مشيتى توقّصا (٢) قال: المعنى: ما كان مشيى. وقول سيبويه في الآية: أنّ «أم» منقطعة، قال: «كأنّ فرعون قال: أفلا تبصرون أم أنتم بصراء، فقوله: أم أنا خير، بمنزلة قوله: أم أنتم بصراء، لأنهم لو قالوا: أنت خير منه، كان بمنزلة قولهم: نحن بصراء، فكذلك أم أنا خير بمنزلة قوله لو قال: أم أنتم بصراء (٣)»، وهذا التأويل فى «أم» هاهنا أحسن من الحكم بزيادتها. قول الراجز: «يا دهن» ترخيم دهناء (٤). والرّقص (٥): الخبب، عن ابن فارس (٦). وقال ابن دريد: الرّقص: شبيه بالنّقزان من النّشاط، والقولان متقاربان. والتّوقّص: تقارب الخطو، وقيل: شدّة الوطء، وكلاهما من فعل الهرم. ومن مسائل الفرق بين «أم» و «أو» أنه إذا قال: أخرج زيد أو عمرو؟ فمعناه: أخرج أحدهما؟ فجوابه: لا أو نعم، فإن قلت: نعم، فقد أخبرته

стр. 1374

بخروج أحدهما من غير تعيين، فإذا أراد التعيين سأل بأم فقال: أزيد الخارج أم عمرو؟ فالجواب: زيد، إن كان زيد هو الخارج، أو عمرو، إن كان عمرو هو الخارج؛ لأنّ المعنى: أيّهما خرج؟ وكذلك إذا قال: أتصدّقت بدرهم أو دينار؟ فجوابه: لا أو نعم، لأن المعنى: أتصدّقت بأحدهما؟ فإن قلت: نعم، وطلب منك التعيين قال: أبدرهم تصدقت أم دينار؟ أراد بأيّهما تصدّقت؟ ومن مسائل الإيضاح (١): آلحسن أو الحسين أفضل أم ابن الحنفيّة؟ /فالجواب: أحدهما، بهذا اللفظ؛ لأنه أراد: أأحد هذين أفضل أم ابن الحنفيّة؟ ومن هذا قول صفيّة بنت عبد المطّلب، وقد جاءها صبيّ يطلب الزّبير ليصارعه فصرعه الزّبير، فقالت له: كيف رأيت زبرا ... أأقطا أو تمرا أم قرشيّا صارما هزبرا (٢) هذه رواية سيبويه (٣)، وروى غيره: أم قرشيّا صقرا

стр. 1375

وإنما أدخلت «أو» بين الأقط والتمر؛ لأنها لم ترد أن تجعل التمر عديلا للأقط، بمعنى أيّهما؟ ولكنها جعلتهما كاسم واحد، وعادلت بينه وبين قرشىّ، أى: أحد هذين رأيته أم قرشيّا؟ و «زبر» مكبّر الزّبير، ويحتمل أن يكون مصدر زبرت الكتاب: إذا كتبته، وأن يكون مصدر زبرت الرجل: إذا انتهرته، وأن يكون مصدر زبرت البئر: إذا طويتها (١)، وأن يكون الزّبر الذى هو العقل، يقال: ما لفلان زبر: أى عقل. والأقط: اللّبن الرائب يطبخ حتى ينعقد، ثم يجعل أقراصا ثم يجفّف فى الشمس. ...

стр. 1376

مسألة (١) سأل سائل عن قراءة من قرأ: ﴿إِنَّ اللهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ﴾ (٢) برفع «الملائكة»، فقال: ما وجه ذلك؟ فأجبت بأنّ رفع «الملائكة» بالابتداء، و ﴿يُصَلُّونَ﴾ خبر عنها، وخبر «إنّ» محذوف، لدلالة الخبر المذكور عليه (٣)، فالتقدير: إنّ الله يصلّى على النبىّ، وملائكته يصلّون على النبىّ، فحذف الخبر الأوّل لدلالة الثانى عليه، ونظير ذلك قول الشاعر: نحن بما عندنا وأنت بما ... عندك راض والرأى مختلف (٤) أراد: نحن بما عندنا راضون، فاجتزأ بذكر «راض» عنه، ومثله حذف أحد الخبرين من قول الله جلّ ثناؤه: ﴿وَاللهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ﴾ (٥) ولو كان ﴿أَحَقُّ﴾ خبرا عنهما لقيل «يرضوهما». ويجوز أن يكون قوله: ﴿وَمَلائِكَتَهُ﴾ معطوفا على موضع «إنّ» واسمها؛

стр. 1377

لأنّ «إنّ» من الحروف التى تدخل على الكلام فلا تغيّر معناه، فموضعها مع اسمها رفع بالابتداء، فالتقدير: الله وملائكته يصلّون على النبىّ. وأجاز أبو علىّ الحسن بن أحمد الفارسىّ أن يكون ﴿يُصَلُّونَ﴾ خبرا عن الله تعالى، والخبر عن الملائكة محذوف، والتقدير: إنّ الله يصلّون (١) على النبىّ وملائكته كذلك، وحسن الإخبار عن الله سبحانه بلفظ الجميع تفخيما وتعظيما، كما جاء خطابه بلفظ الجمع فى قوله: ﴿رَبِّ اِرْجِعُونِ﴾ (٢)، وكما جاء إخباره عن نفسه بلفظ الجميع فى كثير من القرآن، كقوله: ﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ﴾ (٣) و ﴿نَحْنُ نَرْزُقُكَ﴾ (٤) و ﴿إِنّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ﴾ (٥). ... روت الرّواة بإسناد جمعوه، إلى خريم بن أوس بن حارثة بن لأم الطائىّ: أنه قال: هاجرت إلى رسول الله ﵌ منصرفه من تبوك، فأسلمت وعنده يومئذ عمّه العبّاس، فسمعته يقول: إنى أريد أن أقول قولا أثنى عليك به، فقال له: قل يا عمّ، لا يفضض الله فاك، فأنشأ يقول: من قبلها طبت فى الظّلال وفي ... مستودع حيث يخصف الورق (٦)

стр. 1378

ثم هبطت البلاد لا بشر ... أنت ولا مضغة ولا علق بل نطفة تركب السّفين وقد ... ألجم نسرا وأهله الغرق (١) تنقل من صالب إلى رحم ... إذا مضى عالم بدا طبق /حتّى احتوى بيتك المهيمن من ... خندف علياء تحتها النّطق وأنت لمّا ولدت أشرقت ال ... أرض وضاءت بنورك الأفق فنحن فى ذلك الضّياء وفى النّ ... ور وسبل الرّشاد نخترق قوله: «من قبلها»: أى من قبل الخليقة، كنى عن غير مذكور، والعرب تفعل ذلك توسّعا واختصارا، وثقة بفهم السامع. وأقول: إنّ ضمير الغيبة ينقسم إلى أربعة أضرب، أحدها، وهو الأصل: أن يعود إلى شيء قد تقدّم ذكره، كقولك: زيد لقيته، وهند خرجت، وأخواك أكرمتهما، والقوم انطلقوا، وضرب زيد غلامه، ومثله فى التنزيل: ﴿وَعَصى آدَمُ رَبَّهُ﴾ (٢) ﴿وَنادى نُوحٌ اِبْنَهُ﴾ (٣). والثانى: أن يعود إلى مذكور في سياقة الكلام، مؤخّر فى اللفظ، مقدّم فى النيّة؛ لأنّ رتبته التقديم، كقولك: ضرب غلامه زيد، وكقولهم: «فى بيته يؤتى الحكم (٤)»، ومثله فى التنزيل: ﴿فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً مُوسى﴾ (٥) وقوله: ﴿فَيَوْمَئِذٍ لا يُسْئَلُ عَنْ ذَنْبِهِ إِنْسٌ﴾ (٦). والثالث: أن لا يعود على مذكور، ويلزمه أن يفسّر بنكرة منصوبة،

стр. 1379

أو بجملة، فالمفسّر بالمنصوب المنكور المضمر فى نعم وبئس وربّ، كقولك: نعم رجلا زيد، وبئس غلاما بكر، وربّه رجلا أكرمته. والمفسّر بالجملة ضمير الشأن وضمير القصّة، وهو على ضربين: مرفوع ومنصوب، فالمرفوع على ضربين: منفصل ومتّصل مستتر، فمثال المنفصل: هو زيد منطلق، و ﴿قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ﴾ (١) التقدير: الشأن: زيد منطلق، والشأن: الله أحد، وأما المستتر فيضمر فى «كان» كقولك: كان زيد جالس، تريد: كان الشأن: زيد جالس، ومنه قول الشاعر (٢): فلا أنبأنّ أنّ وجهك شانه ... خموش وإن كان الحميم حميم /ومثله: إذا متّ كان الناس نصفان شامت ... وآخر مثن بالّذى كنت أصنع (٣) أراد كان الشأن: الناس نصفان [والمنصوب (٤)]، كقولك: إنه زيد شاخص. ويكون ضمير القصّة إذا كان الاسم مؤنّثا، كقولك: إنها هند شاخصة،

стр. 1380

هذا هو الأحسن، ويجوز: إنه هند شاخصة، فضمير الشّأن فى التنزيل: ﴿إِنَّهُ أَنَا اللهُ﴾ (١) وضمير القصّة: ﴿فَإِنَّها لا تَعْمَى الْأَبْصارُ﴾ (٢). وقد جاء ضمير الفاعل مستترا مفسّرا بمفعول؛ لأنه لم يعد إلى مذكور، وذلك على مذهب البصريّين فى باب إعمال الفعلين، فى نحو: أكرمنى وأكرمت زيدا، أردت: أكرمنى زيد، فأضمرت زيدا ولم تحذفه، كما رأى حذفه الكسائىّ، وحسن إضماره لدلالة ما بعده عليه. والضّرب الرابع: أن يعود الضمير إلى معلوم قد تقرّر فى النّفوس، فقام قوّة العلم به وارتفاع اللّبس فيه مقام تقدّم الذّكر له، كقوله تعالى: ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْها فانٍ﴾ (٣) و ﴿ما تَرَكَ عَلى ظَهْرِها مِنْ دَابَّةٍ﴾ (٤) أضمر الأرض، وكقوله: ﴿فَلَوْلا إِذا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ﴾ (٥)، و ﴿كَلاّ إِذا بَلَغَتِ التَّراقِيَ﴾ (٦)، أضمر النّفس والرّوح، وكقوله: ﴿إِنّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ﴾ (٧)، و ﴿مُسْتَكْبِرِينَ بِهِ سامِراً تَهْجُرُونَ﴾ (٨) أضمر القرآن (٩) والمسجد الحرام، وقال حاتم الطائىّ: لعمرك ما يغنى الثّراء عن الفتى ... إذا حشرجت يوما وضاق بها الصّدر (١٠)

стр. 1381

أراد: حشرجت النّفس، أى تردّدت، ومنه قول الأخطل: أخالد هاتى خبّرينى وأعلنى ... حديثك إنّى لا أسرّ التّناجيا (١) حديث أبى سفيان لمّا سما بها ... إلى أحد حتّى أقام البواكيا أراد سما بالخيل. ومن هذا الفنّ فى أشعار المحدثين قول دعبل بن علىّ، فى إبراهيم بن المهدىّ/وقد بويع فى العراق: نفر ابن شكلة بالعراق وأهله ... فهفا إليه كلّ أطلس مائق (٢) إن كان إبراهيم مضطلعا بها ... فلتصلحن من بعده لمخارق أراد: مضطلعا بالخلافة، يقال: اضطلع فلان بالأمر: إذا قام به. وشكلة: اسم أمّه. والأطلس: الذئب الأغبر، شبّههم بالذّئاب الطّلس. والمائق: الأحمق. ومخارق: مغنّ كان أوحد فى الغناء. ومن هذا إضمار الخمر فى قول عبد الله بن المعتزّ: وندمان دعوت فهبّ نحوى ... وسلسلها كما انخرط العقيق (٣) ...

стр. 1382

وقوله: «طبت فى الظّلال»: أى فى ظلال الجنة المذكورة فى قوله تعالى: ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي ظِلالٍ وَعُيُونٍ﴾ (١) والظّلال: جمع ظلّ، وإنما يريد ظلّ شجرها، ويجوز أن يراد أنّ الجنّة كلّها ظلّ لا شمس فيها، كما قال تعالى: ﴿وَظِلٍّ مَمْدُودٍ﴾ (٢) وقال: ﴿لا يَرَوْنَ فِيها شَمْساً﴾ (٣). وقوله: «فى مستودع» أى فى صلب آدم قبل أن يهبط إلى الأرض، كما قال تعالى: ﴿فَمُسْتَقَرٌّ وَمُسْتَوْدَعٌ﴾ (٤) أى مستقرّ فى الأرحام، ومستودع فى الأصلاب. وقوله «حيث يخصف الورق» يعنى حيث خصف آدم وحوّاء عليهما الورق حين بدت سوءاتهما، قال تعالى: ﴿وَطَفِقا يَخْصِفانِ عَلَيْهِما مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ﴾ (٥) والخصف: ضمّ الشىء إلى الشىء وإلصاقه به، ومنه قولهم: خصفت النّعل: أى رقعتها، وصانعها خصّاف، والإشفى مخصف. وقوله: ثم هبطت البلاد لا بشر ... أنت ولا مضغة ولا علق يعنى هبوطه وهو نطفة فى صلب آدم، لم يصر علقا ولا مضغة. والعلق: الدّم الجامد، والمضغة: القطعة من اللّحم. وقوله: «بل نطفة تركب السّفين» يعنى فى صلب نوح، كما جاء فى التنزيل: ﴿وَآيَةٌ لَهُمْ أَنّا حَمَلْنا ذُرِّيَّتَهُمْ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ﴾ (٦).

стр. 1383

/وحذف الهاء من السفينة يحتمل أمرين، أحدهما: أن يكون حذفها ومراده بالسّفين الواحدة، وقد تفعل الشّعراء ذلك، ومنه قول أبى طالب (١): وحيث ينيخ الأشعرون ركابهم ... بمفضى السّيول من إساف ونائل أراد: نائلة، ونائلة وإساف: صنمان. ومنه قول مالك بن حيّان: ولا نجاوركم إلاّ على ناحى (٢) أراد: ناحية. والثانى: أن يكون أراد بالسّفين الجمع، واستعمل الجمع فى موضع الواحد، كقولهم: بعير ذو عثانين (٣)، وشابت مفارقه، وكقول الشاعر: والزّعفران على ترائبها ... شرق به اللّبّات والنّحر (٤) استعمل التّرائب واللّبّات فى موضع التّربية واللّبّة. واللّبّة: موضع القلادة من الصدر، والتّربية والتّريب أيضا: الصّدر، قال (٥):

стр. 1384

أشرف ثدياها على التّريب فقوله: التّرائب واللّبّات، كأنه جمعهما بما حولهما، وكذلك السّفين يكون على تسمية كلّ جزء من السّفينة سفينة. وقوله: وقد ألجم نسرا وأهله الغرق أراد بنسر: الصّنم الذى كان قوم نوح يعبدونه، وقد ذكره الله تعالى فى قوله: ﴿وَلا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلا سُواعاً وَلا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْراً﴾ (١)، وأدخل فيه الشاعر الألف واللام زيادة للضّرورة، فى قوله: أما ودماء مائرات تخالها ... على قنّة العزّى، وبالنّسر عندما (٢) وما سبّح الرّهبان فى كلّ ليلة ... أبيل الأبيلين المسيح بن مريما لقد هزّ منّى عامر يوم لعلع ... حساما إذا ما هزّ بالكفّ صمّما دماء مائرات: متردّدات. مار الدّم على وجه الأرض يمور: إذا تردّد. وقنّة العزّى: أعلاها، وقنّة الجبل: أعلاه. والعندم: البقّم (٣)، والعندم: دم الأخوين. والأبيل: الرّاهب (٤)، فأبيل الأبيلين: راهب الرّهبان. /وصمّم: مضى، يقال: صمّم الرجل فى الأمر: إذا جدّ فيه. ومثل زيادة الألف واللام فى النّسر زيادتها فى اليزيد، من قول الشاعر:

стр. 1385

وجدنا الوليد بن اليزيد مباركا ... شديدا بأعباء الخلافة كاهله (١) أعباء الخلافة: أثقالها، واحدها: عبء، مثل قمع. والكاهل: أعلى الظّهر. وقوله: تنقل من صالب إلى رحم الصّالب والصّلب: الصّلب، ثلاث لغات. وقوله: إذا مضى عالم بدا طبق الطّبق هاهنا: القرن من الناس، سمّوا بذلك؛ لأنهم كالطّبق للأرض، والطّبق فى غير هذا: الحال، ومنه قوله تعالى: ﴿لَتَرْكَبُنَّ طَبَقاً عَنْ طَبَقٍ﴾ (٢) أى حالا بعد حال. وقوله: حتّى احتوى بيتك المهيمن بيت الرّجل: يستعمل بمعنى أصله ومنبته، وبمعنى عترته. والمهيمن: أصله أن يستعمل وصفا لله سبحانه، وهو ممّا جاء لفظه مشبها لفظ المصغّر، وهو مكبّر، كقولهم للمسلّط: مسيطر، وللبيطار: مبيطر. وقد وصف به فى القرآن غير الله، فى قوله: ﴿وَأَنْزَلْنا إِلَيْكَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتابِ وَمُهَيْمِناً عَلَيْهِ﴾ (٣) وقيل فى معنى ﴿وَمُهَيْمِناً عَلَيْهِ﴾ أقوال، قال بعض المفسّرين: وشاهدا عليه، وقال بعضهم: مؤتمنا عليه، وقال آخرون: المهيمن: الحافظ والرّقيب، وأمّا أهل العربيّة، منهم أبو العباس محمد بن يزيد، فقالوا: أصله مؤيمن، وأبدلت من الهمزة (٤) الهاء، كما قالوا فى أرقت الماء:

стр. 1386

هرقت، وفى إيّاك: هيّاك، وهذا القول موافق لقول من قال من المفسّرين إن معناه: مؤتمن وأمين، وعلى هذا يحمل قوله: حتّى احتوى بيتك المهيمن من خندف علياء. . . أى احتوى بيتك الأمين منزلة علياء من مجد خندف، وسامى شرفها. والنّطق: جمع نطاق، وهو ما يشدّ به الرجل وسطه والمرأة، وهذا مثل ضربه؛ لأنّ النّطاق يشدّ تحت محلّ القلب، فشبّه محلّ شرفه فى خندف بمحلّ القلب من الجسد، /وهو أعلى [من (١)] مكان النّطاق. وقوله: ضاءت بنورك الأفق. أنّث الأفق حملا على المعنى؛ لأنّ معناه الناحية. ودليل تذكيره قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ رَآهُ بِالْأُفُقِ الْمُبِينِ﴾ (٢) وأراد بالأفق الآفاق، ولكنّه استعمل الواحد فى موضع الجمع، كما جاء فى التنزيل: ﴿وَالْمَلائِكَةُ بَعْدَ ذلِكَ ظَهِيرٌ﴾ (٣) و ﴿خَلَصُوا نَجِيًّا﴾ (٤) ﴿وَحَسُنَ أُولئِكَ رَفِيقاً﴾ (٥) ومثله فى الشّعر: قد عضّ أعناقهم جلد الجواميس (٦) .... وقول الآخر: كلوا فى نصف بطنكم تعفّوا ... فإنّ زمانكم زمن خميص (٧)

стр. 1387

ويقال: ضاء المكان وأضاء، وضاءت النار وأضاءت، غير متعدّيين، وقد استعملوا أضاء متعدّيا، فقالوا: أضاءت النار المكان، قال الشاعر: حضأت له نارى فأبصر ضوأها ... وما كاد لولا حضأة النار يبصر (١) دعته بغير اسم هلمّ إلى القرى ... فأسرى يبوع الأرض والنار تزهر فلمّا أضاءت شخصة قلت مرحبا ... هلمّ وللصّالين بالنار أبشروا حضأت النار، مهموز، وحضوتها، لغتان: سعرتها. ويبوع الأرض: يقطعها. ...

стр. 1388

المجلس الثامن والسبعون ذكر أقسام «إمّا» المكسورة و «أمّا» المفتوحة فمن معانى المكسورة أنها تكون للشّكّ، كقولك: جاءنى إمّا زيد وإمّا جعفر، فأنت فى هذا القول متيقّن أنه جاءك أحدهما، وغير عالم به أيّهما هو، وكذلك: لقيت إمّا زيدا وإمّا جعفرا. والثانى: أنها تكون للتخيير، كقولك لمن تخيّره فى مالك: خذ إمّا ثوبا وإمّا دينارا، ومثله قوله تعالى: ﴿إِمّا أَنْ تُعَذِّبَ وَإِمّا أَنْ تَتَّخِذَ فِيهِمْ حُسْناً﴾ (١)، وقوله: ﴿إِمّا يُعَذِّبُهُمْ وَإِمّا يَتُوبُ عَلَيْهِمْ﴾ (٢) وقوله: ﴿إِمّا أَنْ تُلْقِيَ وَإِمّا أَنْ نَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَلْقى﴾ (٣)، /وقوله: ﴿فَإِمّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمّا فِداءً﴾ (٤) هذا كلّه تخيير، إنما هو هذا أو هذا، وانتصاب «منّا وفداء» على تقدير: فإمّا تمنّون منّا، وإمّا تفادون فداء. والثالث: أن تكون للإباحة، كقولك: تعلّم إمّا الفقه وإمّا النّحو، فإن

стр. 1389

تعلّمهما معا فقد أطاع، وإن تعلّم أحدهما فقد أطاع، فهى فى هذه المعانى الثلاثة بمنزلة «أو» والفرق بينهما أنك إذا قلت: جاءنى إمّا زيد وإمّا جعفر، فقد بنيت كلامك على الشكّ، وإذا قلت: جاءنى زيد أو جعفر، فإنّما اعترضك الشكّ بعد أن مضى صدر كلامك على اليقين (١). ومن الفرق بينهما أن «إمّا» ليست من حروف العطف، كما زعم بعض (٢) النحويّين، لأنه لا يخلو أن تكون الأولى منهما عاطفة أو الثانية، فلا يجوز أن تكون الثانية عاطفة؛ لأنّ الواو معها، والواو هى الأصل فى العطف، فإن جعلت «إمّا» عاطفة فقد جمعت بين عاطفين، ولا يجوز أن تكون الأولى عاطفة؛ لأنها تقع بين العامل والمعمول، كقولك: خرج إمّا زيد وإمّا بكر، ولقيت إمّا زيدا وإمّا بكرا، فهل عطفت الفاعل على رافعه، أو المفعول على ناصبه؟ فأمّا قوله تعالى: ﴿حَتّى إِذا رَأَوْا ما يُوعَدُونَ إِمَّا الْعَذابَ وَإِمَّا السّاعَةَ﴾ (٣) فانتصاب ﴿الْعَذابَ﴾ على أنه بدل من قوله: ﴿ما يُوعَدُونَ﴾ وإنما ذكرها من ذكرها من النّحويّين فى حروف العطف تقريبا؛ لأنها بمعنى «أو» ولأنّ إعراب ما بعد الثانية كإعراب ما قبلها. وقد أجازوا أن تأتى بها غير مكرّرة، وذلك إذا كان فى الكلام عوض من تكريرها (٤)، كقولك: إمّا أن تكلّمنى كلاما جميلا وإلاّ فاسكت، المعنى: وإمّا أن تسكت، واستشهدوا بقول المثقّب العبدىّ: فإمّا أن تكون أخى بصدق ... فأعرف منك غثّي من سمينى (٥)

стр. 1390

وإلاّ فاطّرحنى واتّخذنى ... عدوّا أتّقيك وتتّقينى فلو أنّا على حجر ذبحنا ... جرى الدّميان بالخبر اليقين /وقال الفرّاء: قد أفردت العرب «إمّا» من غير أن تذكر «إمّا» سابقة، وهى تعنى بها «أو» وأنشد: تلمّ بدار قد تقادم عهدها ... وإمّا بأموات ألمّ خيالها (١) أراد: أو بأموات. واعلم أن «إمّا» لا تقع فى النّهي، لا تقول: لا تضرب إمّا زيدا وإمّا عمرا؛ لأنها تخيير، فكيف تخيّره وأنت قد نهيته عن الفعل، فالكلام إذن مستحيل (٢). ول «إمّا» وجه رابع: وهو أن تكون مركّبة من «إن» الشرطية و «ما» ويلزمها فى أكثر الأمر نون التوكيد، ولا تكون مكرّرة، كما لا يكون حرف الشرط مكرّرا، كقولك: إمّا تنطلقنّ فإنّى أصحبك، وإمّا تخرجنّ أخرج معك، وفى التنزيل: ﴿وَإِمّا تَخافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيانَةً﴾ (٣) وفيه: ﴿فَإِمّا تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَداً﴾ (٤)، وفيه: ﴿فَإِمّا تَثْقَفَنَّهُمْ فِي الْحَرْبِ﴾ (٥) وقد تطرح نون التوكيد من هذا فى الشّعر، كقول الأعشى: إمّا ترينا حفاة لا نعال لنا ... إنّا كذلك ما نحفى وننتعل (٦)

стр. 1391

وكقوله أيضا: فإمّا ترينى ولى لمّة ... فإنّ الحوادث أودى بها (١) واختلفوا فى قوله تعالى: ﴿إِنّا هَدَيْناهُ السَّبِيلَ إِمّا شاكِراً وَإِمّا كَفُوراً﴾ (٢) فذهب البصريّون إلى أنها للتخيير، فانتصاب «شاكرا وكفورا» على الحال، قال الزجّاج: هديناه الطريق، إمّا طريق السعادة أو الشّقاوة، وقال غيره: التخيير هاهنا إعلام من الله أنه يختار ما يشاء ويفعل ما يشاء، وليس التخيير للإنسان، وقيل: هى حال مقدّرة، والمعنى إمّا أن يحدث منه عند فهمه الشكر، فهو علامة السعادة، وإمّا أن يحدث منه الكفر، فهو علامة الشّقاوة (٣). وأجاز الكوفيّون أن تكون/ «إمّا» هاهنا هى الشرطية، والفرّاء قطع بأنها هى، فقال: معناه: إنّا هديناه السّبيل، إن شكر وإن كفر (٤). وقال مكيّ بن أبى طالب المغربىّ، فى مشكل إعراب القرآن: أجاز الكوفيّون فى قوله تعالى: ﴿إِنّا هَدَيْناهُ السَّبِيلَ إِمّا شاكِراً وَإِمّا كَفُوراً﴾ أن تكون «إمّا» إن الشرطيّة، زيدت عليها «ما» قال: ولا يجوز هذا عند البصريّين؛ لأن «إن» الشرطيّة لا تدخل على الأسماء، إلا أن تضمر بعد «إن» فعلا، وذلك فى نحو: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اِسْتَجارَكَ﴾ (٥) أضمر «استجارك» بعد «إن» ودلّ عليه الثانى، فحسن لذلك حذفه، ولا يحسن إضمار فعل بعد «إن» هاهنا؛ لأنه يلزم رفع «شاكر» بذلك الفعل، وأيضا فإنه لا دليل على ذلك الفعل المضمر فى الكلام. انتهى كلامه (٦).

стр. 1392

وهذا القول منه ليس بصحيح؛ لأن (١) النحويّين يضمرون بعد «إن» الشرطيّة فعلا يفسّره ما بعده؛ لأنه من لفظه، فيرتفع الاسم بعد «إن» بكونه فاعلا لذلك المضمر، كقولك: إن زيد زارنى أكرمته، تريد: إن زارنى زيد، وكذلك: إن زيد حضر حادثته، تريد: إن حضر زيد، وكقوله تعالى: ﴿إِنِ اِمْرُؤٌ هَلَكَ﴾ (٢)، ﴿وَإِنِ اِمْرَأَةٌ خافَتْ﴾ (٣) ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اِسْتَجارَكَ﴾ هذه الأسماء ترتفع بأفعال مقدّرة، وهذه الظاهرة مفسّرة لها، وكما يضمرون بعد حرف الشرط أفعالا ترفع الاسم بأنه فاعل كذلك يضمرون بعده أفعالا تنصب الاسم بأنه مفعول، كقولك: إن زيدا أكرمته نفعك، تريد: إن أكرمت زيدا، ومنه قول النّمر بن تولب: لا تجزعى إن منفسا أهلكته ... وإذا هلكت فعند ذلك فاجزعى (٤) أراد: إن أهلكت منفسا. وإذا عرفت هذا فليس يلزم ﴿شاكِراً﴾ أن يرتفع فى قول من قال إنّ «إمّا» شرطيّة. وقوله: لا دليل على الفعل المضمر فى الكلام، يعنى/فى قوله: ﴿إِمّا شاكِراً وَإِمّا كَفُوراً﴾ قول بعيد من معرفة الإضمار فى مثل هذا الكلام؛ لأنّ المضمر هاهنا فعل تشهد بإضماره القلوب، وهو «كان» وذلك أنّ سيبويه (٥) لا يرى إضمار «كان» إلاّ فى مثل هذا المكان، كقولك: أنا أزورك إن قريبا وإن بعيدا، تريد: إن كنت قريبا وإن كنت بعيدا، ومن ذلك البيت المشهور، وهو للنّعمان بن المنذر:

стр. 1393

قد قيل ذلك إن حقّا وإن كذبا ... فما اعتذارك من شيء إذا قيلا (١) وقول ليلى الأخيليّة: لا تقربنّ الدّهر آل مطرّف ... إن ظالما فيهم وإن مظلوما (٢) أي إن كنت ظالما وإن كنت مظلوما، وكذلك التقدير: هديناه السّبيل إن كان شاكرا، وإن كان كفورا، وإضمار الفعل بعد حرف الشرط مخصوص به «إن»، وربّما استعمله الشاعر مع غيرها، كقوله: صعدة نابتة فى حائر ... أينما الرّيح تميّلها تمل (٣) الصّعدة: القناة التى تنبت مستوية فلا تحتاج إلى تثقيف، وامرأة صعدة: مستوية القامة، شبّهوها بالقناة. والحائر: المكان الذى يتحيّر (٤) فيه الماء. ولمكّىّ فى تأليفه مشكل إعراب القرآن، زلاّت سأذكر فيما بعد (٥) طرفا منها إن شاء الله. ... وأمّا «أمّا» المفتوحة فلها ثلاثة مواضع، أحدها: أن تكون لتفصيل ما أجمله المتكلّم واستئناف (٦) كلام، كقولك: جاءنى إخوتك، فأمّا زيد فأكرمته، وأمّا خالد فأهنته، وأمّا بكر فأعرضت عنه، قال الله تعالى بعد ذكر السفينة والغلام والجدار:

стр. 1394

﴿أَمَّا السَّفِينَةُ فَكانَتْ لِمَساكِينَ﴾ ﴿وَأَمَّا الْغُلامُ فَكانَ أَبَواهُ مُؤْمِنَيْنِ﴾ ﴿وَأَمَّا الْجِدارُ فَكانَ لِغُلامَيْنِ يَتِيمَيْنِ﴾ (١). /ومن أحكامها أنها لا يليها إلاّ الاسم، مرفوعا بالابتداء، أو منصوبا بفعل بعده، غير مشغول عنه، وأنّ الفاء تقع بعدها جوابا لها، لتضمّنها معنى الفعل الشّرطىّ، ولتضمّنها معنى الفعل لم يلاصقها فعل. فمثال ارتفاع الاسم بعدها قولك: أمّا زيد فعالم، وأمّا بكر فجاهل، التقدير عند النحويين: مهما يكن من شيء فزيد عالم ومهما يكن من شيء فبكر جاهل. وإذا أوليتها الاسم المنصوب بما بعده قلت مخبرا: أمّا بكرا فأهنت، وأمّا عمرا فأكرمت، وقلت آمرا: أمّا بكرا فحارب، وأمّا عمرا فعاتب، وقلت ناهيا: أمّا عمرا فلا تحارب، وأمّا بكرا فلا تعاتب، قال الله جلّ اسمه: ﴿فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلا تَقْهَرْ. وَأَمَّا السّائِلَ فَلا تَنْهَرْ﴾ (٢). فإن شغلت الفعل عن الاسم رفعته فقلت: أمّا زيد فأكرمته، وأما خالد فأهنته، كما جاء فى التنزيل: ﴿وَأَمّا ثَمُودُ فَهَدَيْناهُمْ﴾ (٣) وقد نصب بعض القرّاء «ثمود» بفعل مضمر مفسّر بالفعل الذى بعده، تقديره: وأمّا ثمود فهدينا، وينشدون بيت بشر بن أبى خازم رفعا ونصبا: فأمّا تميم تميم بن مرّ ... فألفاهم القوم روبى نياما (٤)

стр. 1395

الرّوبى: الذين استثقلوا نوما، الواحد روبان، وقال بعد هذا: وأمّا بنو عامر بالنّسار ... غداة لقوا القوم كانوا نعاما (١) حذف الفاء من جواب «أمّا» ولا يجوز حذفها فى حال السّعة؛ إلاّ أنها قد جاءت محذوفة فى القرآن مع جملة القول، فكان حذفها أحسن من إثباتها؛ لكثرة حذف القول، وذلك فى قوله تعالى: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ اِسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَكَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمانِكُمْ﴾ (٢) أى فيقال لهم: أكفرتم؟ ومثل بيت بشر فى حذفها قول الآخر: فأمّا القتال لا قتال لديكم ... ولكنّ سيرا فى عراض المواكب (٣) والثانى من مواضع «أمّا» أن تكون أخذا فى كلام مستأنف من غير أن يتقدّمها كلام، وعلى هذا يرد ما يأتى فى أوائل الكتب، كقولك: أمّا بعد كذا، فإنّى/فعلت، وأمّا على أثر (٤) ذلك فإنّى صنعت، واستفتح أبو عليّ كتابه الذى سماه الإيضاح بقوله: «أمّا على إثر ذلك فإنّى جمعت». فالعامل فى الظرف الذى هو «على» عند سيبويه وجميع النحويين «أمّا» لأنّها لنيابتها عن الفعل تعمل فى الظّروف خاصّة، فعلى هذا تقول: أمّا اليوم فإنى خارج، فتعمل «أمّا» فى «اليوم» ولا تعمل فيه «خارجا» لأنّ «إنّ» تقطع ما بعدها عن العمل فيما قبلها؛ فإن قلت: أمّا اليوم فأنا خارج، جاز أن تعمل فى اليوم «أمّا» وجاز أن تعمل «خارجا»، فإن قلت: أمّا زيدا فأنا ضارب، لم يعمل فى «زيد» إلاّ ضارب؛ لأنّ «أمّا» لا تعمل فى المفعول الصريح، وإن قلت: أمّا زيدا فإنّى ضارب، فهذه غير جائزة عند جميع النحويّين إلا أبا العبّاس المبرّد، فإنه أجاز

стр. 1396

نصب «زيد» بضارب (١)، وممّا أنشده سيبويه قول ابن ميّادة، ولقبه الرّمّاح: ألا ليت شعرى هل إلى أمّ معمر ... سبيل فأمّا الصبر عنها فلا صبرا (٢) ويروى «إلى أمّ جحدر»، فالصبر مبتدأ، والجملة من لا واسمها وخبرها خبر عنه، وخبر «لا» محذوف، أراد: فلا صبر لى، ولا عائد من الجملة على المبتدأ الذى هو «الصبر» لدخوله تحت «الصبر» الثانى، من حيث كان عامّا مستغرقا للجنس، كما دخل «القتال» الأول تحت الثانى فى قوله: فأمّا القتال لا قتال لديكم وكما دخل «زيد» تحت «الرجل» فى قولهم: زيد نعم الرّجل. واعترض بيت ابن ميّادة، وقد كنت ذكرته فيما تقدّم من الأمالى، جويهل (٣)، فزعم أنّ قافيته مرفوعة، وإنما صغّرته بقولى: جويهل؛ لأنه شويّب (٤) /استولى الجهل عليه (٥)، فعدا طوره، وجاوز حدّه، مع حقارة علمه، ورداءة فهمه. وهذا البيت من مقطوعة منصوبة القوافى، وكذلك أورده سيبويه، وقد أوردتها لتعرفها: ألا ليت شعرى هل إلى أمّ معمر ... سبيل فأمّا الصبر عنها فلا صبرا (٦) فأعجب دار دارها غير أنّنى ... إذا ما أتيت الدار فارقتها صفرا

стр. 1397

عشيّة أثنى بالرّداء على الحشا ... كأنّ الحشا من دونه أشعرت جمرا وإنّى لأستنشى (١) ... الحديث من اجلها لأسمع عنها وهى نازحة ذكرا وإنّى لأستحيي من الله أن أرى ... إذا غدر الخلاّن أنوى لها غدرا قوله: «فارقتها صفرا» أى خاليا ممّا أشتهيه، يقال: صفر المنزل وغيره: إذا خلا، ويقولون فى الدعاء على الرجل: ما له؟ صفر إناؤه! أى ماتت ماشيته. والحشا: واحدة أحشاء الجوف، وهى نواحيه. وقوله: «أشعرت (٢) جمرا» أى صار لها الجمر كالشّعار، وهو الثوب الذى يلى الجسد. والثالث: من مواضع «أمّا» استعمالها مركّبة من «أن وما» فى قولهم: أمّا أنت منطلقا انطلقت معك، وهى من مسائل سيبويه، وقد ذكرتها فى موضعين (٣)، وأصلها: أن كنت منطلقا، فحذفوا «كان» وعوّضوا منها «ما» وأدغموا نون «أن» فى ميم «ما» ووضعوا «أنت» في موضع التاء، وأعملوا «كان» محذوفة، وموضع «أن» مع صلتها نصب؛ لأنه مفعول له، والتقدير: لأجل أن كنت منطلقا انطلقت معك، وعلى هذا أنشد سيبويه: أبا خراشة أمّا أنت ذا نفر ... فإنّ قومى لم تأكلهم الضّبع (٤) قال سيبويه: إن أظهرت الفعل كسرت، فقلت: إن كنت منطلقا انطلقت معك. انتهى الكلام فى «أمّا».

стр. 1398

/معنى الضبّع، فى قوله: «لم تأكلهم الضبّع» السّنة المجدبة، وروى أنّ رجلا جاء إلى النبىّ ﵇، فقال: «يا رسول الله، أكلتنا الضبّع (١)» يريد السّنة. ... روى عن أبى الحسن بن كيسان أنه قال: حضرت مجلس إسماعيل القاضى (٢)، وحضر أبو العباس المبرّد، فقال لى أبو العباس: ما معنى قول سيبويه: «هذا باب ما يعمل فيه ما قبله وما بعده (٣)» قال: فقلت: هذا باب ذكر فيه سيبويه مسائل مجموعة، منها ما يعمل فيه ما قبله، نحو قولهم: «أنت الرجل دينا، نصبوه على الحال، أى أنت الرجل المستحقّ الرّجوليّة فى حال دين، ومنها ما يعمل فيه ما بعده نحو قولهم: أمّا زيدا فأنا ضارب، فالعامل فى «زيد» هاهنا «ضارب» لأن «أمّا» لا تعمل فى صريح المفعول. ولم يرد سيبويه بقوله هذا أنّ شيئا واحدا يعمل فيه ما قبله وما بعده، هذا لا يكون. فقال لى أبو العباس: هذا لا يوصل إليه إلاّ بعد فكر طويل، ولا يفهمه إلاّ من أتعب نفسه، فقلت له: منك سمعت هذا، وأنت فسّرته لى، فقال: إنّى من كثرة فضولى فى جهد. ...

стр. 1399

كان الصاحب أبو القاسم إسماعيل بن عبّاد منحرفا عن المتنبي؛ لأنه طلب منه أن يمدحه فأبى، فأظهر لشعره معايب (١)، ونسبه إلى أنّ معانيه مسترقة، ثم عمد بعد هذا إلى استراق معنى منه بلفظه ووزنه وقافيته، وهو قوله: وأخلاق كافور إذا شئت مدحه ... وإن لم أشأ تملى علىّ وأكتب (٢) فقال الصاحب فى وصف قصيدة مدح بها سيف الدّولة: وما هذه إلاّ وليدة ليلة ... يغور لها شعر الوليد وينضب (٣) على أنها إملاء مجدك ليس لى ... سوى أنّه يملى عليّ وأكتب أراد بالوليد: أبا عبادة البحترىّ. ... /قول أبى الطيّب (٤). نهبت من الأعمار ما لو حويته ... لهنّئت الدّنيا بأنّك خالد

стр. 1400

هذا من أحسن ما مدح به ملك، وهو مدح موجّه، أى ذو وجهين، كالثوب الموجّه، وذلك أنه مدحه فى النّصف الأول بالشجاعة وبالقدرة على نهب الأعمار، وفى النصف الثانى، بأنه لو عاش مقدار ما نهبه من الأعمار كانت الدنيا مهنّأة ببقائه، ولو قال: لبقيت خالدا، لم يكن المدح موجّها. قال عليّ بن عيسى الرّبعىّ: المدح فى هذا البيت من وجوه، أحدها: أنه وصفه بنهب النّفوس دون الأموال. والثانى: أنه كثّر قتلاه، بحيث لو ورث أعمارهم خلد فى الدنيا. والثالث: أنه جعل خلوده صلاحا لأهل الدنيا، بقوله: لهنّئت الدّنيا بأنك خالد والرابع: أنّ جميع مقتوليه لم يكن ظالما فى قتلهم؛ لأنّه لم يقصد بذلك إلاّ صلاح الدّنيا وأهلها، فهم مسرورون ببقائه، فلذلك. قال: لهنّئت الدنيا بأنّك خالد أى هنّىء أهل الدنيا. ... أوّل من ذكر الطير التى تتبع الجيش لتصيب من لحوم القتلى، الأفوه الأودىّ فى قوله (١): وترى الطير على آثارنا ... رأي عين ثقة أن ستمار

стр. 1401

ثم النابغة الذّبيانىّ فى قوله (١): إذا ما غزوا بالجيش حلّق فوقهم ... عصائب طير تهتدى بعصائب لهنّ عليهم عادة قد عرفنها ... إذا عرّضوا الخطّىّ فوق الكواثب الكاثبة: ما ارتفع من منسج الفرس، والمنسج أمام القربوس (٢). ثم حميد بن ثور، فى وصف الذّئب: إذا ما عدا يوما رأيت غياية ... من الطّير ينظرن الذى هو صانع (٣) /أصل الغياية: الظّلمة والغبرة، واستعارها للطير المصطفّة فى الجوّ، لأنها تغطّى عين الشمس. ثم أبو نواس يمدح العبّاس بن عبد الله بن جعفر بن المنصور: تتأيّا الطير غدوته ... ثقة بالشّبع من جزره (٤) تأيّيت: تمكّثت، أى تنتظر الطير غدوته للحرب. والجزر: الشاء المذبوحة، واحدتها جزرة، شبّه بها القتلى. ثم مسلم بن الوليد الأنصاريّ، يمدح يزيد بن مزيد الشّيبانىّ، فى قوله (٥): قد عوّد الطّير عادات وثقن بها ... فهنّ يصحبنه فى كلّ مرتحل

стр. 1402

ثم أبو تمّام حبيب بن أوس، فى قوله (١): وقد ظلّلت عقبان أعلامه ضحى ... بعقبان طير فى الدّماء نواهل أقامت مع الرّايات حتّى كأنّها ... من الجيش إلاّ أنها لم تقاتل زعم قوم من نقّاد الشّعر (٢) أن أبا تمّام زاد عليهم بقوله: «إلا أنها لم تقاتل» وأحسن من هذه الزيادة عندى (٣) قوله: «فى الدماء نواهل»، وقوله: «أقامت مع الرايات»، وبذلك يتمّ حسن قوله: «إلاّ أنها لم تقاتل» على أنّ الأفوه قد فضل الجماعة بأمور، منها: السّبق، وهى الفضيلة العظمى. والثانى: أنه قال: «رأي عين» فخبّر عن قربها، لأنّها إذا بعدت تخيّلت تخيّلا، وإنما يكون قربها توقّعا لما تصيبه من القتلى، وهذا يؤكّد المعنى. والثالث: أنه قال: «ثقة أن ستمار» فجعلها واثقة بالميرة، ولم يجمع هذه الأوصاف غيره. وأما أبو نواس، فإنّه نقل اللّفظة فى قوله: «ثقة بالشّبع»، ولم يزد فيفضّل، وكذلك مسلم أخذ قوله: «قد عوّد الطّير عادات» من قول النابغة: لهنّ عليهم عادة قد عرفتها وأخذ قوله: «وثقن بها» من قول الأفوه: «ثقة أن ستمار». وقال المتنبّى (٤): سحاب من العقبان يزحف تحته ... سحاب إذا استسقت سقتها صوارمه

стр. 1403

فزاد أن جعل الطّير والجيش سحابين، وجعل السّحاب الأسفل يسقى السّحاب الأعلى، فغرّب فى هذا، وقد تعنّته فى هذا البيت مقصّر (١) فى معرفة التّدقيق فى المعانى بأمرين، أحدهما: أنّ السحاب لا يسقى ما فوقه، والآخر: أنّ الطير لا تستسقى، وإنما تستطعم. وأقول (٢): أمّا إسقاء السّحاب ما فوقه، وهو الذى غرّب به، فإنه لم يجعل الجيش سحابا فى الحقيقة فيمتنع إسقاؤه لما فوقه، وإنما أقامه مقام السّحاب؛ لأنه طبّق الأرض لكثرته وتزاحمه (٣)، وغطّاها كما يغطّى السحاب السماء، وقد فعلت العرب ذلك فى أشعارها، ولمّا سمّاه لذلك سحابا جعله يستسقى فيسقى، مع أن الطير لا تصيب من القتلى ما تصيبه وهى فى الجوّ، وإذا كانت تهبط إلى الأرض حتى تقع على القتيل فالسّحاب السّاقى عال عليها. فأمّا استسقاء الطير فجار على عادة العرب فى استعارة هذه اللفظة تعظيما لقدر الماء. قال علقمة بن عبدة، يطلب أن يفكّ أخوه شأس من الأسر، يخاطب بذلك ملك الشام: وفى كلّ حىّ قد خبطت بنعمة ... وحقّ لشأس من نداك ذنوب (٤) وأصل الذّنوب الدّلو العظيمة، وقيل للنّصيب: ذنوب، فى قوله تعالى: ﴿فَإِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ذَنُوباً مِثْلَ ذَنُوبِ أَصْحابِهِمْ﴾ (٥) لأنهم كانوا يقتسمون الماء فيأخذ هذا ذنوبا وهذا ذنوبا. وقال رؤبة (٦): يا أيّها المائح دلوى دونكا ... إنى رأيت الناس يحمدونكا

стр. 1404

وهما لم يستسقيا فى الحقيقة ماء، وإنما استطلق أحدهما أسيرا، وطلب الآخر عطاء؛ ولذلك سمّوا السّائل والمجتدى مستميحا، أخذوه من الميح، وهو أن يجمع المائح الماء فى الدّلو، والمائح: الذى ينزل إلى البئر فيملأ الدّلاء. ثم إن سباع الطير قد تلغ فى الدّماء، ولذلك قال أبو تمام: بعقبان طير فى الدّماء نواهل والنّهل لا يكون إلاّ من المشروب دون المطعوم. وقد كرّر أبو الطيّب هذا المعنى فغيّره وألطف، فجاء كالمعنى المخترع، قال (١): تفدّى أتمّ الطير عمرا سلاحه ... نسور الملا أحداثها والقشاعم وما ضرّها خلق بغير مخالب ... وقد خلقت أسيافه والقوائم وذكر الطير فى موضع آخر، فأحسن وجاء بما لم يسبق إليه فقال (٢): يطمّع الطّير فيهم طول أكلهم ... حتى تكاد على أحيائهم تقع ومن مستحسن ما قيل فى هذا المعنى قوله أيضا فى وصف جيش: وذى لجب لا ذو الجناح أمامه ... بناج ولا الوحش المثار بسالم (٣) قال أبو الفتح: أراد أن الجيش يصيد الوحش، والعقبان فوقه تسايره فتخطف الطير أمامه.

стр. 1405

وقال أبو العلاء المعرّىّ: يقول: إذا طار ذو الجناح أمامه فليس بناج؛ لأنّ الرّماة كثيرة فى الجيش، وإن ثار وحش أدركوه فأخذوه. وقول أبى العلاء إن ذا الجناح تصيبه الرّماة أوجه؛ لأن الشاعر أراد تفخيم الجيش وتعظيمه فلا يفوته طائر ولا وحشىّ. ثم قال: تمرّ عليه الشمس وهى ضعيفة ... تطالعه من بين ريش القشاعم (١) أراد أن الجيش ارتفع غباره، فالشمس تصل إليه ضعيفة داخلة بين ريش الطير التى تتبعه لتصيب من لحوم القتلى. ثم قال: إذا ضوؤها لاقى من الطير فرجة ... تدوّر فوق البيض مثل الدراهم (٢) وذكر أبو نصر بن نباتة الطير، فزاد زيادة أبدع فيها، فقال (٣): ويوماك يوم للعفاة مذلّل ... ويوم إلى الأعداء منك عصبصب إذا حوّمت فوق الرّماح نسوره ... أطار إليها الضّرب ما تترقّب وقال: وإنّك لا تنفكّ تحت عجاجة ... تقطّع فيها المشرفيّة بالطّلا إذا يئست عقبانها من خصيلة ... رفعت إليها الدّارعين على القنا الخصيلة: كلّ لحمة فيها عصب. والطّلا: الأعناق. وقول أبى تمام: إذا ظلّلت عقبان أعلامه يقال للراية: عقاب، وتجمع عقبانا. ... آخر المجلس
следующие страницы →