← Адаб

Адаб · id 120922

أمالي ابن الشجري ت الطناحي

ابن الشجري

Полный текст (1 931 стр.). Показаны 1401–1440 · переход к 1406.

стр. 1401

ثم النابغة الذّبيانىّ فى قوله (١): إذا ما غزوا بالجيش حلّق فوقهم ... عصائب طير تهتدى بعصائب لهنّ عليهم عادة قد عرفنها ... إذا عرّضوا الخطّىّ فوق الكواثب الكاثبة: ما ارتفع من منسج الفرس، والمنسج أمام القربوس (٢). ثم حميد بن ثور، فى وصف الذّئب: إذا ما عدا يوما رأيت غياية ... من الطّير ينظرن الذى هو صانع (٣) /أصل الغياية: الظّلمة والغبرة، واستعارها للطير المصطفّة فى الجوّ، لأنها تغطّى عين الشمس. ثم أبو نواس يمدح العبّاس بن عبد الله بن جعفر بن المنصور: تتأيّا الطير غدوته ... ثقة بالشّبع من جزره (٤) تأيّيت: تمكّثت، أى تنتظر الطير غدوته للحرب. والجزر: الشاء المذبوحة، واحدتها جزرة، شبّه بها القتلى. ثم مسلم بن الوليد الأنصاريّ، يمدح يزيد بن مزيد الشّيبانىّ، فى قوله (٥): قد عوّد الطّير عادات وثقن بها ... فهنّ يصحبنه فى كلّ مرتحل

стр. 1402

ثم أبو تمّام حبيب بن أوس، فى قوله (١): وقد ظلّلت عقبان أعلامه ضحى ... بعقبان طير فى الدّماء نواهل أقامت مع الرّايات حتّى كأنّها ... من الجيش إلاّ أنها لم تقاتل زعم قوم من نقّاد الشّعر (٢) أن أبا تمّام زاد عليهم بقوله: «إلا أنها لم تقاتل» وأحسن من هذه الزيادة عندى (٣) قوله: «فى الدماء نواهل»، وقوله: «أقامت مع الرايات»، وبذلك يتمّ حسن قوله: «إلاّ أنها لم تقاتل» على أنّ الأفوه قد فضل الجماعة بأمور، منها: السّبق، وهى الفضيلة العظمى. والثانى: أنه قال: «رأي عين» فخبّر عن قربها، لأنّها إذا بعدت تخيّلت تخيّلا، وإنما يكون قربها توقّعا لما تصيبه من القتلى، وهذا يؤكّد المعنى. والثالث: أنه قال: «ثقة أن ستمار» فجعلها واثقة بالميرة، ولم يجمع هذه الأوصاف غيره. وأما أبو نواس، فإنّه نقل اللّفظة فى قوله: «ثقة بالشّبع»، ولم يزد فيفضّل، وكذلك مسلم أخذ قوله: «قد عوّد الطّير عادات» من قول النابغة: لهنّ عليهم عادة قد عرفتها وأخذ قوله: «وثقن بها» من قول الأفوه: «ثقة أن ستمار». وقال المتنبّى (٤): سحاب من العقبان يزحف تحته ... سحاب إذا استسقت سقتها صوارمه

стр. 1403

فزاد أن جعل الطّير والجيش سحابين، وجعل السّحاب الأسفل يسقى السّحاب الأعلى، فغرّب فى هذا، وقد تعنّته فى هذا البيت مقصّر (١) فى معرفة التّدقيق فى المعانى بأمرين، أحدهما: أنّ السحاب لا يسقى ما فوقه، والآخر: أنّ الطير لا تستسقى، وإنما تستطعم. وأقول (٢): أمّا إسقاء السّحاب ما فوقه، وهو الذى غرّب به، فإنه لم يجعل الجيش سحابا فى الحقيقة فيمتنع إسقاؤه لما فوقه، وإنما أقامه مقام السّحاب؛ لأنه طبّق الأرض لكثرته وتزاحمه (٣)، وغطّاها كما يغطّى السحاب السماء، وقد فعلت العرب ذلك فى أشعارها، ولمّا سمّاه لذلك سحابا جعله يستسقى فيسقى، مع أن الطير لا تصيب من القتلى ما تصيبه وهى فى الجوّ، وإذا كانت تهبط إلى الأرض حتى تقع على القتيل فالسّحاب السّاقى عال عليها. فأمّا استسقاء الطير فجار على عادة العرب فى استعارة هذه اللفظة تعظيما لقدر الماء. قال علقمة بن عبدة، يطلب أن يفكّ أخوه شأس من الأسر، يخاطب بذلك ملك الشام: وفى كلّ حىّ قد خبطت بنعمة ... وحقّ لشأس من نداك ذنوب (٤) وأصل الذّنوب الدّلو العظيمة، وقيل للنّصيب: ذنوب، فى قوله تعالى: ﴿فَإِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ذَنُوباً مِثْلَ ذَنُوبِ أَصْحابِهِمْ﴾ (٥) لأنهم كانوا يقتسمون الماء فيأخذ هذا ذنوبا وهذا ذنوبا. وقال رؤبة (٦): يا أيّها المائح دلوى دونكا ... إنى رأيت الناس يحمدونكا

стр. 1404

وهما لم يستسقيا فى الحقيقة ماء، وإنما استطلق أحدهما أسيرا، وطلب الآخر عطاء؛ ولذلك سمّوا السّائل والمجتدى مستميحا، أخذوه من الميح، وهو أن يجمع المائح الماء فى الدّلو، والمائح: الذى ينزل إلى البئر فيملأ الدّلاء. ثم إن سباع الطير قد تلغ فى الدّماء، ولذلك قال أبو تمام: بعقبان طير فى الدّماء نواهل والنّهل لا يكون إلاّ من المشروب دون المطعوم. وقد كرّر أبو الطيّب هذا المعنى فغيّره وألطف، فجاء كالمعنى المخترع، قال (١): تفدّى أتمّ الطير عمرا سلاحه ... نسور الملا أحداثها والقشاعم وما ضرّها خلق بغير مخالب ... وقد خلقت أسيافه والقوائم وذكر الطير فى موضع آخر، فأحسن وجاء بما لم يسبق إليه فقال (٢): يطمّع الطّير فيهم طول أكلهم ... حتى تكاد على أحيائهم تقع ومن مستحسن ما قيل فى هذا المعنى قوله أيضا فى وصف جيش: وذى لجب لا ذو الجناح أمامه ... بناج ولا الوحش المثار بسالم (٣) قال أبو الفتح: أراد أن الجيش يصيد الوحش، والعقبان فوقه تسايره فتخطف الطير أمامه.

стр. 1405

وقال أبو العلاء المعرّىّ: يقول: إذا طار ذو الجناح أمامه فليس بناج؛ لأنّ الرّماة كثيرة فى الجيش، وإن ثار وحش أدركوه فأخذوه. وقول أبى العلاء إن ذا الجناح تصيبه الرّماة أوجه؛ لأن الشاعر أراد تفخيم الجيش وتعظيمه فلا يفوته طائر ولا وحشىّ. ثم قال: تمرّ عليه الشمس وهى ضعيفة ... تطالعه من بين ريش القشاعم (١) أراد أن الجيش ارتفع غباره، فالشمس تصل إليه ضعيفة داخلة بين ريش الطير التى تتبعه لتصيب من لحوم القتلى. ثم قال: إذا ضوؤها لاقى من الطير فرجة ... تدوّر فوق البيض مثل الدراهم (٢) وذكر أبو نصر بن نباتة الطير، فزاد زيادة أبدع فيها، فقال (٣): ويوماك يوم للعفاة مذلّل ... ويوم إلى الأعداء منك عصبصب إذا حوّمت فوق الرّماح نسوره ... أطار إليها الضّرب ما تترقّب وقال: وإنّك لا تنفكّ تحت عجاجة ... تقطّع فيها المشرفيّة بالطّلا إذا يئست عقبانها من خصيلة ... رفعت إليها الدّارعين على القنا الخصيلة: كلّ لحمة فيها عصب. والطّلا: الأعناق. وقول أبى تمام: إذا ظلّلت عقبان أعلامه يقال للراية: عقاب، وتجمع عقبانا. ... آخر المجلس

стр. 1406

المجلس التاسع والسبعون ذكر معانى «إن» الخفيفة المكسورة قد تصرّفت العرب فيها، فاستعملتها شرطيّة، ونافية، ومخفّفة من الثقيلة وزائدة مؤكّدة. فإذا كانت نافية، فسيبويه (١) لا يرى فيها إلاّ رفع الخبر، يقول: إن زيد قائم، كما تقول (٢) فى اللغة التّميميّة: ما زيد قائم، وإنّما حكم سيبويه بالرفع بعدها؛ لأنها حرف (٣) يحدث معنى فى الاسم والفعل، كألف الاستفهام، فوجب لذلك ألاّ يعمل، كما لم يعمل ألف الاستفهام، وكما لم تعمل «ما» النافية فى اللغة التّميميّة، وهو وفاق للقياس، ولمّا خالف بعض العرب القياس فأعملوا «ما» لم يكن لنا أن نتعدّى القياس فى غير «ما». وغير سيبويه أعمل «إن» على تشبيهها بليس، كما استحسن بعض العرب ذلك فى «ما»، واحتجّ بأنه لا فرق بين «إن» و «ما» فى المعنى؛ إذ هما لنفى ما فى الحال، وتقع بعدهما جملة الابتداء، كما تقع بعد «ليس»، وأنشد: إن هو مستوليا على أحد ... إلاّ على جزبه الملاعين (٤)

стр. 1407

وهو قول الكسائىّ، وأبى العباس المبرّد، ووافق الفرّاء (١) فى قوله سيبويه. ولك فى «إن» إذا كانت نافية ثلاثة أوجه: أحدها ألاّ تأتى بعدها بحرف إيجاب، كقولك: إن زيد قائم، إن أقوم معك، كما قال تعالى: ﴿إِنْ عِنْدَكُمْ مِنْ سُلْطانٍ بِهذا﴾ (٢)، وقال: ﴿وَلَئِنْ زالَتا إِنْ أَمْسَكَهُما مِنْ أَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ﴾ (٣) اللام فى ﴿لَئِنْ﴾ مؤذنة بالقسم، وقوله: ﴿إِنْ أَمْسَكَهُما مِنْ أَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ﴾ جواب القسم المقدّر. وقال تعالى: ﴿قُلْ إِنْ أَدْرِي أَقَرِيبٌ ما تُوعَدُونَ﴾ (٤) أى ما أدرى. فأمّا قوله: ﴿وَلَقَدْ مَكَّنّاهُمْ فِيما إِنْ مَكَّنّاكُمْ فِيهِ﴾ (٥) ففى «إن» قولان، أحدهما أنها نافية، و «ما» بمعنى الذى، فالتقدير: مكّنّاهم فى الذى ما مكّنّاكم فيه. والقول الآخر: أنّ «إن» زائدة، فالتقدير: مكّنّاهم فى الذى مكّنّاكم فيه، والوجه هو القول الأوّل، بدلالة قوله تعالى: ﴿أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ مَكَّنّاهُمْ فِي الْأَرْضِ ما لَمْ نُمَكِّنْ لَكُمْ﴾ (٦). والثانى من أوجهها الثلاثة: أن تأتى بعدها بإلاّ فاصلة بين الجز أين فتجعل الكلام موجبا، كقولك: إن زيد إلاّ قائم، وإن خرج إلاّ أخوك، وإن لقيت إلاّ زيدا، كما قال تعالى: ﴿إِنِ الْكافِرُونَ إِلاّ فِي غُرُورٍ﴾ (٧) و ﴿إِنْ أُمَّهاتُهُمْ إِلاَّ اللاّئِي وَلَدْنَهُمْ﴾ (٨) و ﴿إِنْ هُوَ إِلاّ نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ (٩) و ﴿إِنْ يَقُولُونَ إِلاّ﴾

стр. 1408

﴿كَذِباً﴾ (١) و ﴿إِنْ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ إِلاّ إِناثاً﴾ (٢) ﴿وَتَظُنُّونَ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلاّ قَلِيلاً﴾ (٣). فأمّا قوله: ﴿وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ إِلاّ لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ﴾ (٤) فالتقدير فيه: وإن أحد من أهل الكتاب، وحذف الموصوف وأقيمت صفته مقامه، ومثله: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلاّ وارِدُها﴾ (٥) التقدير: وإن أحد منكم. والوجه الثالث: أن تدخل «لمّا» التى بمعنى «إلاّ» موضع «إلاّ»، وهى التى فى قولهم: «بالله لمّا فعلت»، وحكى سيبويه: «نشدتك الله لمّا فعلت» (٦) أى إلاّ فعلت، تقول: إن زيد لمّا قائم، تريد: ما زيد إلاّ قائم، قال الله تعالى: ﴿إِنْ كُلُّ نَفْسٍ لَمّا عَلَيْها حافِظٌ﴾ (٧)، وقال: ﴿وَإِنْ كُلٌّ لَمّا جَمِيعٌ لَدَيْنا مُحْضَرُونَ﴾ (٨)، ﴿وَإِنْ كُلُّ ذلِكَ لَمّا مَتاعُ الْحَياةِ الدُّنْيا﴾ (٩). وقد قرئت هذه الآيات بتخفيف الميم (١٠)، فمن شدّد جعل «لمّا» بمعنى «إلاّ»، و «إن» نافية، فالمعنى: ما كلّ نفس إلاّ عليها حافظ، وكذلك الآيتان الأخريان. ومن خفّف الميم جعل «ما» زائدة، و «إن» مخفّفة من الثقيلة، واللام

стр. 1409

للتوكيد، فارقة بين النافية والموجبة، والمعنى: إنّ كلّ نفس لعليها حافظ، والكوفيّون يقولون فى هذا النّحو: إن نافية، واللام بمعنى «إلاّ»، وهو من الأقوال البعيدة. والمخفّفة من الثقيلة لك فيها وجهان: إن شئت رفعت ما بعدها بالابتداء، وألزمت خبرها لام التوكيد، فقلت: إن زيد لقائم، تريد: إنّ زيدا لقائم. هذا هو الوجه؛ لأنها إنّما كانت تعمل بلفظها وفتح آخرها، على التشبيه بالفعل الماضى، فلما نقص اللفظ وسكن الآخر بطل الإعمال، فمن ذلك قول النابغة (١): وإن مالك للمرتجى إن تقعقعت ... رحى الحرب أو دارت علىّ خطوب وقول آخر: إن القوم والحىّ الذى أنا منهم ... لأهل مقامات وشاء وجامل (٢) الجامل: الجمال، وكذلك الباقر: البقر، وإنما ألزمت خبرها اللام إذا رفعت؛ لئلاّ تلتبس بالنافية لو قلت: إن زيد قائم. وإن شئت نصبت فقلت: إن زيدا قائم، وإن أخاك خارج، وتستغنى عن اللام إذا نصبت؛ لأنّ النصب قد أبان للسامع أنّ الكلام إيجاب، وإن استعملت اللام مع النصب جاز، وأنشدوا بالنصب قول الشاعر: كليب إن الناس الذين عهدتهم بجمهور حزوى فالرياض لدى النّخل (٣) نصب «الناس» على نيّة تثقيل «إن»، وعلى هذا قراءة من قرأ: ﴿وَإِنَّ﴾

стр. 1410

﴿كُلاًّ لَمّا لَيُوَفِّيَنَّهُمْ رَبُّكَ أَعْمالَهُمْ﴾ (١). وإذا بطل عمل المخفّفة جاز أن يقع بعدها الفعل، فلم يكن بينها وبين النافية فرق فى ذلك إلاّ باللام، تقول فى النافية: إن قام زيد، وإن ضربت زيدا، وتقول فى المؤكّدة: إن قام لزيد، وإن ضربت لزيدا، تدخل اللام على الفاعل وعلى المفعول، للفرق بين الإيجاب والنفى، قال: شلّت يمينك إن قتلت لمسلما ... وجبت عليك عقوبة المتعمّد (٢) وكذلك تقول: إن كان زيد منطلقا، تريد: ما كان زيد منطلقا، وتقول: إن كان زيد لمنطلقا، تريد: إنه كان زيد منطلقا، فتدخلها على خبر «كان»، كما جاء فى التنزيل: ﴿وَإِنْ كُنْتَ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الْغافِلِينَ﴾ (٣)، ﴿إِنْ كانَ وَعْدُ رَبِّنا لَمَفْعُولاً﴾ (٤) وعلى خبر كاد: ﴿وَإِنْ كادُوا لَيَفْتِنُونَكَ﴾ (٥)، وعلى المفعول الثانى من باب الظّنّ: ﴿وَإِنْ نَظُنُّكَ لَمِنَ الْكاذِبِينَ﴾ (٦)، ﴿وَإِنْ وَجَدْنا أَكْثَرَهُمْ لَفاسِقِينَ﴾ (٧) «إن» فى هذه المواضع مخفّفة من الثقيلة بإجماع البصريّين، واللام لام التوكيد (٨)، والكوفيون يجعلونها النافية، ويزعمون أنّ اللام بمعنى «إلاّ»، وقد ذكرت أنه قول ضعيف بعيد.

стр. 1411

وأمّا الزائدة فقد زادوها بعد «ما» النافية، كافّة لها عن عملها، فى لغة أهل الحجاز، فيقع بعدها المبتدأ والخبر، والفعل والفاعل، تقول: ما إن زيد قائم، وما إن يقوم زيد، وما إن رأيت مثله. قال فروة بن مسيك (١): فما إن طبّنا جبن ولكن ... منايانا ودولة آخرينا طبّنا: شأننا. وقال النابغة (٢): ما إن أتيت بشىء أنت تكرهه ... إذن فلا رفعت سوطى إلىّ يدى وقال امرؤ القيس (٣): حلفت لها بالله حلفة فاجر ... لناموا فما إن من حديث ولا صال أراد: فما حديث، فزاد «إن» و «من» وقد زادها آخر بعد «ما» المصدريّة فى قوله (٤): ورجّ الفتى للخير ما إن رأيته ... على السّنّ خيرا لا يزال يزيد أراد: لا يزال يزيد خيرا.

стр. 1412

وقد ذكروا لهذا الحرف معنى خامسا، فقالوا: إنه بمعنى «إمّا» فى قول النّمر ابن تولب (١): سقته الرّواعد من صيّف ... وإن من خريف فلن يعدما قال سيبويه (٢): أراد: وإمّا من خريف، وحذف «ما» لضرورة الشّعر، وإنما يصف وعلا، وقبل هذا البيت: فلو أنّ من حتفه ناجيا ... لكان هو الصّدع الأعصما والمعنى: سقته الرّواعد من مطر الصيف، وإمّا فى الخريف فلن يعدم السّقى. وقال الأصمعىّ: «إن» هاهنا للشّرط، أراد: وإن سقته من خريف فلن يعدم الرّىّ. وبقول الأصمعىّ أخذ أبو العباس المبرّد (٣)؛ لأنّ «إمّا» تكون مكرّرة، وهى هاهنا غير مكرّرة، واحتجّ من قال بقول سيبويه أنه وصفه بالخصب، وأنه لا يعدم الرّىّ، ويجب فى قول الأصمعىّ أن لا يقطع له بالرّىّ؛ لأنه إذا كانت «إن» للشّرط لم يقطع له بأنّ الخريف يسقيه، كما تقول: إن حضر زيد أكرمته، فلا يقطع له بالحضور، كما يقطع له به فى قولك: إذا حضر زيد أكرمته، ولذلك تقول: أسافر إذا جاء الصّيف، ولا تقول: أسافر إن جاء الصيف؛ لأن الصيف لا بدّ من مجيئه، فكأنه قال: وإن سقاه الخريف فلن يعدم الرّىّ، فدلّ هذا على أنه يعدم الرّىّ إن لم يسقه الخريف. وقول الأصمعىّ قوىّ من وجهين، أحدهما أنّ «إمّا» لا تستعمل

стр. 1413

إلاّ مكرّرة، أو يكون معها ما يقوم مقام التكرير، كقولك: إما أن تتحدّث بالصّدق وإلاّ فاسكت، وإمّا أن تزورنى أو أزورك، وهذا معدوم فى البيت. والثانى: أنّ مجىء الفاء فى قوله: «فلن يعدما» يدلّ على أنّ «إن» شرطيّة؛ لأنّ الشرطيّة تجاب بالفاء. و «إمّا» لا تقتضى وقوع الفاء بعدها، ولا يجوز ذلك فيها، تقول: إمّا تزورنى وإما أزورك، ولا يجوز: وإمّا فأزورك، فبهذين كان قول الأصمعىّ عندى أصوب القولين. وكذلك اختلفوا فى قول دريد بن الصّمّة (١): لقد كذبتك عينك فاكذبنها ... فإن جزعا وإن إجمال صبر قال سيبويه (٢): فهذا على «إمّا» ولا يكون على «إن» التى للشّرط؛ لأنها لو كانت للشّرط لاحتيج إلى جواب؛ لأنّ جواب «إن» إذا لحقتها الفاء لا يكون إلاّ بعدها، فإن لم تلحقها الفاء فقلت: أكرمك إن زرتنى، سدّ ما تقدّم على حرف الشّرط مسدّ الجواب، ولو ألحقت الفاء فقلت: أكرمك فإن زرتنى، لم يسدّ أكرمك مسدّ جواب الشّرط، فلا بدّ أن تقول: أكرمك فإن زرتنى زدت فى إكرامك، أو ما أشبه هذا، فلذلك بطل أن يكون قوله: «فإن جزعا» على معنى الشّرط، وحملت «إن» على معنى «إمّا»، وحذفت «ما» للضرورة، والمعنى: فإن ما جزعت جزعا، وإمّا أجملت إجمال صبر. وقال غير سيبويه: هو على «إن» التى للشّرط، والجواب محذوف، فكأنه

стр. 1414

قال: إن كان شأنك جزعا شقيت به، وإن كان إجمال صبر سعدت به. وقول سيبويه هو القول المعوّل عليه؛ لأنه غير مفتقر إلى هذا الحذف، الذى هو حذف كان ومرفوعها، وحذف جوابين لا دليل عليهما. الصّدع: الفتىّ من الأوعال. وواحد الأوعال وعل، وهو تيس الجبل. وفى الأعصم قولان، قيل: هو الذى فى رسغه بياض، والرّسغ: موصل الكفّ فى الذّراع، وموصل القدم فى السّاق، ويقال لموصل الكفّ فى الذّراع: المعصم. وقيل: إنه سمّى أعصم؛ لاعتصامه فى قلّة الجبل. وزعم قوم أنّ «إن» قد وردت بمعنى «إذ»، واستشهدوا بقوله تعالى: ﴿وَذَرُوا ما بَقِيَ مِنَ الرِّبا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ (١) فقالوا: المعنى: إذ كنتم مؤمنين؛ لأنّ الخطاب للمؤمنين، ولو كانت «إن» للشرط لوجب أن يكون الخطاب لغير المؤمنين، ومثله: ﴿وَلا تَهِنُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ (٢)، ومثله أيضا: ﴿فَاللهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَوْهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ (٣). وقال من ردّ هذا القول: إن للشّرط، والمعنى: من كان مؤمنا ترك الرّبا، ومن كان مؤمنا لم يخش إلاّ الله. وهذا أصحّ القولين. وقد حكى قطرب بن المستنير أنّ «إن» قد جاءت بمعنى «قد»، وهو من الأقوال التى لا ينبغى أن يعرّج عليها (٤).

стр. 1415

ذكر أقسام «أن» المفتوحة الخفيفة فأحد أقسامها: أن تدخل على الفعل فتكون معه فى تأويل مصدره، إن كان ماضيا أو مستقبلا أو أمريّا. وهذا الحرف أحد الحروف الموصولة، فيكون مع صلته فى تأويل مصدر، فى موضع رفع أو نصب أو خفض، فكونه فى موضع رفع، مثاله: ﴿وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ﴾ (١) أى وصومكم، ومثله: ﴿وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوى﴾ (٢) أى وعفوكم. ومن المرفوع بكان: ﴿أَكانَ لِلنّاسِ عَجَباً أَنْ أَوْحَيْنا﴾ (٣) ﴿فَما كانَ جَوابَ قَوْمِهِ إِلاّ أَنْ قالُوا﴾ (٤) فى قراءة من نصب الجواب. ومن المنصوب: ﴿يُرِيدُ اللهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ﴾ (٥) و ﴿إِنّا أَرْسَلْنا نُوحاً إِلى قَوْمِهِ أَنْ أَنْذِرْ قَوْمَكَ﴾ (٦) معناه: بأن أنذر قومك، فلمّا حذفت الباء تعدّى الفعل فنصب، ومنه فى أحد القولين: ﴿ما قُلْتُ لَهُمْ إِلاّ ما أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اُعْبُدُوا اللهَ﴾ (٧).

стр. 1416

قوله: ﴿أَنِ اُعْبُدُوا اللهَ﴾ فى موضع نصب على البدل من قوله: ﴿ما أَمَرْتَنِي بِهِ﴾، ويجوز أن تكون «أن» هاهنا مفسّرة بمعنى «أى» فلا يكون لها موضع من الإعراب. ومثال المجرور: ﴿قالُوا أُوذِينا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَأْتِيَنا﴾ (١) أى من قبل إتيانك. وتقع بعد «عسى» فتكون مع صلتها فى تأويل مصدر منصوب، إذا كانت عسى ناقصة، كقولك: عسى زيد أن ينطلق، ومثله: ﴿عَسى رَبُّكُمْ أَنْ يَرْحَمَكُمْ﴾ (٢)، وتكون فى تأويل مصدر مرفوع إذا كانت عسى تامّة، كقولك: عسى أن أنطلق، ومثله: ﴿وَعَسى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً﴾ ﴿وَعَسى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئاً﴾ (٣). والقسم الثانى من أقسامها: أن تكون مخفّفة من الثقيلة، ويليها الاسم والفعل، فإذا وليها الاسم فلك فيه مذهبان: أحدهما أن تنصبه على نيّة تثقيلها، تقول: علمت أن زيدا قائم، قال الشاعر: فلو أنك فى يوم الرّخاء سألتنى ... فراقك لم أبخل وأنت صديق (٤) وقال كعب بن زهير (٥): وقد علم الضيف والمرملون ... إذا اغبرّ أفق وهبّت شمالا

стр. 1417

بأنك ربيع وغيث مريع ... وقدما هناك تكون الثّمالا والمرملون: الذين لا زاد معهم. والمريع: الكثير النّبات، غيث مريع، ومكان مريع، وقد مرع المكان وأمرع. وقوله: «وهبّت شمالا» أضمر الرّيح ولم يجر لها ذكر، فنصب شمالا على الحال، وقد أشبعت الكلام فى هذا النّحو. و «هناك» فى هذا البيت ظرف زمان، وإنما وضع ليشار به إلى المكان، واتّسع فيه، ومثله فى التنزيل: ﴿هُنالِكَ الْوَلايَةُ لِلّهِ الْحَقِّ﴾ (١) و ﴿هُنالِكَ دَعا زَكَرِيّا رَبَّهُ﴾ (٢). والثّمال: الغياث. وممّا جاءت فيه «أن» معملة على هذا الوجه من أشعار المحدثين قول المتنبّى (٣): وأنك بالأمس كنت محتلما ... شيخ معدّ وأنت أمردها فى قوله: «محتلما» كلام رأيت إيراده لما فيه من الفائدة، وذلك أنّ «محتلما» حال، وخبر «كان» قوله: «شيخ معدّ»، والعامل فى الحال «كان»، ومن منع من إعمال «كان» فى الأحوال فغير مأخوذ بقوله؛ لأنّ الحال فضلة فى الخبر منكورة، فرائحة الفعل تعمل فيها، فما ظنّك بكان، وهى فعل

стр. 1418

متصرّف، تعمل الرفع والنّصب فى الاسم الظاهر والمضمر، وليست «كان» فى نصبها الحال بأسوأ حالا من حرف التنبيه والإشارة، وحكى أبو زكريّا فى تفسيره لشعر المتنبّى، عن أبى العلاء المعرّى أنه قال: زعم بعض النحويّين أنّ «كان» لا تعمل فى الحال. قال: وإذا أخذ بهذا القول جعل العامل فى «محتلما» من قوله: وأنك بالأمس كنت محتلما الفعل المضمر الذى عمل فى قوله: «بالأمس». وأقول: إنّ هذا القول سهو من قائله وحاكيه؛ لأنّك إذا علّقت قوله «بالأمس» بمحذوف، فلا بدّ أن يكون «بالأمس» خبرا لأن أو لكان؛ لأنّ الظّرف لا يتعلّق بمحذوف إلاّ أن يكون خبرا أو صفة أو حالا أو صلة، ولا يجوز أن يكون خبرا لأن ولا لكان؛ لأنّ ظروف الزمان لا توقع أخبارا للجثث، ولا صفات لها، ولا صلات ولا أحوالا منها. وإذا استحال أن يتعلّق قوله «بالأمس» بمحذوف، علّقته بكان، وأعملت «كان» فى «محتلما». والوجه الثانى من وجهى إعمال «أن»: أنّك تعملها فى مقدّر، وهو ضمير الشأن، وتوقع بعدها الجملة خبرا عنها، كقولك: علمت أن زيد قائم، وأكثر قولى أن لا إله إلاّ الله، ومنه قوله تعالى: ﴿وَآخِرُ دَعْواهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ﴾ (١) التقدير: أنه زيد قائم، وأنه لا إله إلاّ الله، وأنّه الحمد لله، ومثله: ﴿أَنْ لَعْنَةُ اللهِ عَلَى الظّالِمِينَ﴾ (٢) فى قراءة من خفّف ورفع، ومثله: ﴿وَنادَيْناهُ أَنْ يا إِبْراهِيمُ. قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيا﴾ (٣) التقدير: أنه قد صدّقت الرّؤيا، أو أنّك قد صدّقت الرؤيا، ومنه

стр. 1419

قول الأعشى: فى فتية كسيوف الهند قد علموا ... أن هالك كلّ من يحفى وينتعل (١) وإذا وليها الفعل لم يجمعوا عليها مع النّقص الذى دخلها بحذف إحدى نونيها وحذف اسمها، أن يليها مالا يجوز أن يليها وهى مثقّلة، فكان الأحسن عندهم الفصل بينها وبينه بأحد أربعة أحرف: السّين وسوف ولا وقد، تقول: علمت أن ستقوم، وأن سوف تقوم، وأن لا تقوم، وأن قد تقوم، وفى التنزيل: ﴿عَلِمَ أَنْ سَيَكُونُ مِنْكُمْ مَرْضى﴾ (٢)، وفيه: ﴿أَفَلا يَرَوْنَ أَلاّ يَرْجِعُ إِلَيْهِمْ قَوْلاً﴾ (٣)، وقال جرير: زعم الفرزدق أن سيقتل مربعا ... أبشر بطول سلامة يا مربع (٤) وقال أميّة بن أبى الصّلت: وقد علمنا لو أنّ العلم ينفعنا ... أن سوف يتبع أخرانا بأولانا (٥) وربما وليها الفعل بغير فصل، كقوله تعالى: ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسانِ إِلاّ ما سَعى﴾ (٦)، وإنّما حسن أن يليها «ليس» لضعف «ليس» فى الفعليّة، وذلك لعدم تصرّفها، وقد وليها الفعل المتصرّف فى الشّعر فى قوله: إنّى زعيم يا نوي ... قة إن سلمت من الرّزاح (٧)

стр. 1420

وسلمت من عرض الحتو ... ف من الغدوّ إلى الرّواح أن تهبطين بلاد قو ... م يرتعون من الطّلاح رفع الفعل لأنه أراد: أنّك تهبطين. الرّزاح (١): الإعياء، يقال: إبل مرازيح ورزحى ورزاحى. والطّلاح: جمع الطّلح، وهو شجر عظام كثير الشّوك، وأمّا الطّلح فى قوله تعالى: ﴿وَطَلْحٍ مَنْضُودٍ﴾ (٢) فزعم المفسّرون أنه الموز. ...

стр. 1421

فصل الأفعال التى تقع بعدها «أن» ثلاثة أضرب: ضرب قد ثبت فى النفوس واستقرّ، وهو علمت وأيقنت، ورأيت فى معنى علمت. وضرب بعكس هذا، نحو طمعت وخفت واشتهيت. وضرب متوسّط بينهما، وهو حسبت وخلت وظننت. فالضّرب الأول: لا يقع بعده إلاّ الثّقيلة والمخفّفة منها؛ لأن التوكيد إنما يقتضيه ما ثبت فى النفوس واستقرّ. والضّرب الثانى: لا يقع بعده إلاّ المصدريّة، تقول: طمعت أن تزورنى، وخفت أن تهجرنى، واشتهيت أن تواصلنى، وفى التنزيل: ﴿وَالَّذِي أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي﴾ (١)، وفيه: ﴿وَأَخافُ أَنْ يَأْكُلَهُ الذِّئْبُ﴾ (٢). والضرب الثالث: يقع بعده المخفّفة والمصدريّة، كما جاء فى التنزيل: ﴿وَحَسِبُوا أَلاّ تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾ (٣) قرئ برفع ﴿تَكُونَ﴾ ونصبها. وقد جاءت المخفّفة من الثقيلة بعد الخوف، فى قول أبى محجن الثّقفىّ: إذا متّ فادفنّى إلى أصل كرمة ... تروّى عظامى بعد موتى عروقها (٤) ولا تدفننّى بالفلاة فإنّنى ... أخاف إذا ما متّ أن لا أذوقها وقد جاءت الثقيلة بعد الخوف فى قول الآخر:

стр. 1422

وما خفت يا سلاّم أنّك قاطعى (١) وأشدّ من هذا مجيئها بعده فى التنزيل، فى قوله: ﴿وَلا تَخافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُمْ بِاللهِ﴾ (٢). والثالث من أقسام «أن»: استعمالها زائدة للتوكيد، كقولك: لمّا أن جاء زيد أكرمته، وو الله أن لو أقمت لكان خيرا لك، قال (٣): ولمّا أن رأيت الخيل قبلا ... تبارى بالخدود شبا العوالى القبل: جمع الأقبل، وهو الذى ينظر إلى طرف أنفه، وفى التنزيل: ﴿فَلَمّا أَنْ جاءَ الْبَشِيرُ﴾ (٤). والرابع: كون «أن» بمعنى «أى» التى للعبارة والتفسير لما قبلها، كقولك: دعوت الناس أن ارجعوا، معناه: أى ارجعوا، قال الله تعالى: ﴿وَاِنْطَلَقَ الْمَلَأُ مِنْهُمْ أَنِ اِمْشُوا﴾ (٥) معناه: أى امشوا، وقال: ﴿وَعَهِدْنا إِلى إِبْراهِيمَ وَإِسْماعِيلَ أَنْ طَهِّرا بَيْتِيَ﴾ (٦) معناه: أى طهّرا. وتكون هذه فى الأمر خاصّة، ولا تجيء إلاّ بعد كلام تامّ؛ لأنها تفسير، ولا موضع لها من الإعراب؛ لأنها حرف يعبّر به عن المعنى (٧).

стр. 1423

فصل اختلف النحويّون فى مواضع من كتاب الله، منها قوله: ﴿يُبَيِّنُ اللهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا﴾ (١) ومنها: ﴿يُبَيِّنُ لَكُمْ عَلى فَتْرَةٍ مِنَ الرُّسُلِ أَنْ تَقُولُوا ما جاءَنا مِنْ بَشِيرٍ﴾ (٢)، ومنها: ﴿أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قالُوا بَلى شَهِدْنا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيامَةِ إِنّا كُنّا عَنْ هذا غافِلِينَ﴾ (٣)، ومنها: ﴿وَأَلْقى فِي الْأَرْضِ رَواسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ﴾ (٤)، ومنها: ﴿إِنَّ اللهَ يُمْسِكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولا﴾ (٥)، ومنها: ﴿وَلا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَنْ تَحْبَطَ أَعْمالُكُمْ﴾ (٦)، ومنها: ﴿يُخْرِجُونَ الرَّسُولَ وَإِيّاكُمْ أَنْ تُؤْمِنُوا بِاللهِ رَبِّكُمْ﴾ (٧)، وأضافوا إلى ذلك قول عمرو بن كلثوم (٨): نزلتم منزل الأضياف منّا ... فعجّلنا القرى أن تشتمونا فقال الكسائىّ والفرّاء (٩): يبيّن الله لكم لئلاّ تضلّوا، وقال أبو العباس المبرّد: بل المعنى: كراهة أن تضلّوا (١٠)، وكذلك قوله: ﴿يُخْرِجُونَ الرَّسُولَ وَإِيّاكُمْ أَنْ تُؤْمِنُوا بِاللهِ رَبِّكُمْ﴾، قال الكوفيان (١١): معناه لئلاّ تؤمنوا بالله، وقال المبرّد: كراهة أن تؤمنوا بالله، وكذلك قول عمرو بن كلثوم:

стр. 1424

فعجّلنا القرى أن تشتمونا قالا: معناه لئلاّ تشتمونا، وقال أبو العباس: أراد كراهة أن تشتمونا، وقال علىّ بن عيسى الرّمّانىّ: إن التقديرين فى قوله تعالى: ﴿يُبَيِّنُ اللهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا﴾ واقعان موقعهما؛ لأنّ البيان لا يكون طريقا إلى الضّلال، فمن حذف «لا» فحذفها للدّلالة عليها، كما حذفت للدّلالة عليها من جواب القسم، فى نحو: والله أقوم، أى لا أقوم، إلاّ أنّ أبا العبّاس حمل الحذف على الأكثر؛ لأنّ حذف المضاف لإقامة المضاف إليه مقامه أكثر من حذف «لا». وأقول: ليس يجرى حذف «لا» فى نحو ﴿يُبَيِّنُ اللهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا﴾ مجرى حذفها من جواب القسم؛ لأنّ الدّلالة عليها إذا حذفت من جواب القسم قائمة؛ لأنك إذا قلت: والله أقوم، لو لم ترد «لا» لجئت باللام والنون، فقلت: لأقومنّ. ...

стр. 1425

فصل زعم بعض النحويّين أنّ «أن» قد استعملت بمعنى «إذ (١)» فى نحو: هجرنى زيد أن ضربت عمرا، قال: معناه إذ ضربت، واحتجّ بقول الله تعالى: ﴿وَعَجِبُوا أَنْ جاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ﴾ (٢) قال: أراد: إذ جاءهم، وبقوله: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْراهِيمَ فِي رَبِّهِ أَنْ آتاهُ اللهُ الْمُلْكَ﴾ (٣)، وبقوله: ﴿إِنّا نَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لَنا رَبُّنا خَطايانا أَنْ كُنّا أَوَّلَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (٤)، وبقوله: ﴿وَلا تَأْكُلُوها إِسْرافاً وَبِداراً أَنْ يَكْبَرُوا﴾ (٥)، وبقوله: ﴿وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ أَنْ صَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ (٦)﴾، وبقوله: ﴿أَفَنَضْرِبُ عَنْكُمُ الذِّكْرَ صَفْحاً أَنْ كُنْتُمْ قَوْماً مُسْرِفِينَ﴾ (٧) فى قراءة من فتح الهمزة، وبقول الشاعر (٨): سالتانى (٩) ... الطّلاق أن رأتانى قلّ مالى قد جئتمانى بنكر وبقول جميل (١٠): أحبّك أن سكنت جبال حسمى ... وأن ناسبت بثنة من قريب

стр. 1426

وبقول الفرزدق (١): أتغضب أن أذنا قتيبة حزّتا ... جهارا ولم تغضب لقتل ابن خازم وهذا قول خال من علم العربيّة. والصواب أنّ «أن» فى الآى المذكورة والأبيات الثلاثة، على بابها، فهى مع الفعل الذى وصلت به فى تأويل مصدر مفعول من أجله، فقوله: ﴿وَعَجِبُوا أَنْ جاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ﴾ معناه: لأن جاءهم، ومن أجل أن جاءهم، وكذا التقدير فى جميع ما استشهد به، ثم أقول: إنّ تقدير «إذ» فى بعض هذه الآى التى استشهد بها يفسد المعنى ويحيله، ألا ترى أنّ قوله تعالى: ﴿وَلا تَأْكُلُوها إِسْرافاً وَبِداراً أَنْ يَكْبَرُوا﴾ لا يصحّ إلاّ بتقدير: من أجل أن يكبروا، ويفسد المعنى بتقدير: إذ يكبروا، ثم إذا قدّرها فى هذه الآية بالظرف الذى هو «إذ» ونصب بها الفعل، فحذف نون «يكبرون» كان فسادا ثانيا. قول جميل: «ناسبت بثنة» اسم محبوبته بثينة، وإنما كبّرها ضرورة، والبثنة: الزّبدة. ...

стр. 1427

المجلس الموفى الثمانين [في ذكر زلاّت مكّىّ بن أبى طالب المغربىّ، فى «مشكل إعراب القرآن:] يتضمّن ما وعدت به من ذكر زلاّت مكّىّ بن أبى طالب المغربىّ، فى «مشكل إعراب القرآن (١)». فمن ذلك أنه قال فى قول الله سبحانه: ﴿أُولئِكَ عَلى هُدىً مِنْ رَبِّهِمْ﴾ (٢): واحد أولئك: ذلك، فإذا كان للمؤنّث فواحده ذى أو ذه أو تى. انتهى كلامه. وأقول: إن أسماء الإشارة منها ما وضع للقريب، ومنها ما وضع للمتراخى البعيد، ومنها ما وضع للمتوسّط، فالموضوع للقريب المذكّر ذا، والمؤنّث ذى وذه وتا، وللاثنين ذان، وللاثنتين تان، وللجماعة الذّكور والإناث: ألاء، ممدود، وألا، مقصور. وقالوا للمتوسّط: ذاك، فزادوا الكاف، وتيك، وذانك وتانك، وألاك وألائك. وقالوا للمتباعد الغائب: ذلك، فزادوا اللام، وتلك وتالك، قال القطامىّ (٣):

стр. 1428

فإنّ لتالك الغمر (١) ... انقشاعا وقالوا: ألالك، وعلى هذا أنشدوا: ألالك قومى لم يكونوا أشابة ... وهل يعظ الضّلّيل إلاّ ألالكا (٢) وقالوا فى المثنّى: ذانّك وتانّك، فشدّدوا النون. فكان الصواب أن يذكر مع أولئك: ذاك وتيك، فذكره ذى وذه خطأ، والصحيح أنّ نظير ذى وذه للمؤنّث «تا»، فأمّا «تى» فمجهولة فى أكثر الرّوايات. وقال فى قوله: ﴿وَاللهُ مُحِيطٌ بِالْكافِرِينَ (٣)﴾: أصل محيط: محيط، ثم ألقيت حركة الياء على الحاء (٤). والصّحيح أنّ أصل محيط: محوط؛ لأنه من حاط يحوط، والحائط أصله

стр. 1429

حاوط؛ لأنك تقول: حوّطت المكان، إذا جعلت عليه حائطا، فألقيت كسرة الواو على الحاء، فصارت الواو ياء لسكونها وانكسار ما قبلها، كما صارت واو الوزن والوقت والوعد ياء، فى ميزان وميقات وميعاد. وقال فى قوله تعالى: ﴿كُلَّما أَضاءَ لَهُمْ مَشَوْا فِيهِ﴾ (١): كلّما نصب على الظرف بمشوا، وإذا كانت «كلّما» ظرفا فالعامل فيها الفعل الذى هو جواب لها، وهو ﴿مَشَوْا﴾؛ لأنّ فيها معنى الشّرط، فهى تحتاج إلى جواب، ولا يعمل فيها ﴿أَضاءَ﴾ لأنه فى صلة «ما»، ومثله: ﴿كُلَّما رُزِقُوا﴾ (٢) الجواب: ﴿قالُوا﴾، وهو العامل فى «كلّ» و «ما» اسم ناقص، صلته الفعل الذى يليه (٣). انتهى كلامه. وأقول: إنه لا يجوز أن تكون «ما» فى «كلّما» هذه ونظائرها اسما ناقصا؛ لأنّ التقدير فيها إذا جعلتها ناقصة: كلّ الذى أضاء لهم البرق مشوا فى البرق؛ لأن الهاء التى فى «فيه» تعود على البرق، فلا ضمير إذن فى الصّلة يعود على الموصول، ظاهرا ولا مقدّرا، والصحيح أنّ «ما» هاهنا نكرة موصوفة بالجملة، مقدّرة باسم زمان، فالمعنى: كلّ وقت أضاء لهم البرق مشوا فيه. فإن قيل: فإذا كانت نكرة موصوفة بالجملة، فلا بدّ أن يعود عليها من صفتها عائد، كما لا بدّ أن يعود على الموصول عائد من صلته. فالجواب: أنّ الجملة إذا وقعت صفة بخلافها إذا وقعت صلة؛ لأنّ الصّلة مع الموصول بمنزلة اسم مفرد، فلا معنى للموصول إلاّ بصلته، وليس كذلك الصّفة مع الموصوف.

стр. 1430

وإذا عرفت هذا فالعائد من الجملة الوصفيّة إلى الموصوف محذوف. التقدير: كلّ وقت أضاء لهم البرق فيه مشوا فيه، فحذفت «فيه» هاهنا، كما حذفت من الجملة الموصوف بها فى قوله تعالى: ﴿وَاِتَّقُوا يَوْماً لا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئاً﴾ (١) التقدير: لا تجزى فيه، كما قال: ﴿وَاِتَّقُوا يَوْماً تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللهِ﴾ (٢). وقال فى قوله: ﴿إِلاّ إِبْلِيسَ﴾ (٣): إبليس: نصب على الاستثناء المنقطع، ولم ينصرف لأنه أعجمىّ معرفة. وقال أبو عبيدة (٤): هو عربىّ، مشتقّ من أبلس: إذا يئس من الخير، ولكنّه لا نظير له فى الأسماء، وهو معرفة فلم ينصرف لذلك. قلت: إن كان يريد بقوله: «لا نظير له» فى وزنه، فليس هذا بصحيح؛ لأنّ مثال «إفعيل» كثير فى العربيّة، كقولهم للطّلع: إغريض، وللعصفر: إحريض، وللسّنام الطّويل: إطريح. ولا خلاف فى أنّك لو سمّيت بإغريض ونحوه لصرفت. وإن كان يريد أنه لا نظير له فى هذا التركيب على هذا المثال، فكذلك إغريض منفرد بهذا التركيب على هذا المثال، ولو انضمّ التعريف إلى ذلك لم يمتنع من الصّرف، وأبو عبيدة إنما كان صاحب لغة. وقال فى قوله تعالى: ﴿وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ﴾

стр. 1431

﴿إِيمانِكُمْ كُفّاراً﴾ (١): قوله: ﴿كُفّاراً﴾ مفعول ثان ل ﴿يَرُدُّونَكُمْ﴾، وإن شئت جعلته حالا من الكاف والميم فى ﴿يَرُدُّونَكُمْ (٢)﴾. قلت: لا يجوز أن يكون قوله: ﴿كُفّاراً﴾ مفعولا ثانيا ل ﴿يَرُدُّونَكُمْ﴾؛ لأن «ردّ» ليس مما يقتضى مفعولين (٣)، كما يقتضى ذلك باب «أعطيت» بدلالة أنه إذا قيل: أعطيت زيدا، قلت: ماذا أعطيته؟ فيقال: درهما، أو الدّرهم الصّحيح، أو نحو ذلك. ولو قيل: رددت زيدا، لم تقل: ماذا رددته؟ فبهذا يعتبر (٤) الفعل المتعدّى وغير المتعدّى، ويزيد ذلك وضوحا أنّ منصوب «رددت» الثانى يلزمه التّنكير والاشتقاق، وأن يكون هو الأوّل، كقولك: رددت زيدا مسرورا، ورددته ماشيا، ورددته راكبا، ولو كان مفعولا لم تلزمه هذه الأشياء؛ ألا ترى أنك تقول: أعطيت زيدا الدّرهم، فتجد فى المنصوب الثانى التعريف والجمود، وأنه غير الأول، ثم يجوز مع هذا أن يكون المنصوب الثانى فى هذا الباب مضمرا، تقول: الدّرهم أعطيتكه، وأعطيتك إيّاه، وجميع هذه الأوصاف لا يصحّ منها وصف واحد فى قولك: رددت زيدا راكبا ونحوه، حتى إنّ التعريف وحده ممتنع، تقول: رددتكم ركبانا، ولا تقول: رددتكم الرّكبان، ولا رددتك الراكب. وقال فى قوله: ﴿حَسَداً مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ﴾: من متعلّقة بحسد، فيجوز الوقف على ﴿كُفّاراً﴾، ولا يجوز الوقف على ﴿حَسَداً﴾ وقيل: هى متعلّقة ب ﴿وَدَّ كَثِيرٌ﴾، ولا يوقف على ﴿كُفّاراً﴾ ولا على ﴿حَسَداً﴾ (٥).

стр. 1432

قلت: إنّ قول النحويّين: هذا الجارّ متعلّق بهذا الفعل، يريدون أنّ العرب وصلته به، واستمرّ سماع ذلك منهم، فقالوا: رغبت فى زيد، ورضيت عن جعفر، وعجبت من بشر، وغضبت على بكر، ومررت بخالد، وانطلقت إلى محمد، وكذلك قالوا: حسدت زيدا على علمه وعلى ابنه، ولم يقولوا: حسدته من ابنه، وكذلك «وددت» لم يعلّقوا به «من»، فثبت بهذا أنّ قوله: ﴿مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ﴾ لا يتعلّق ب ﴿حَسَداً﴾ ولا ب ﴿وَدَّ﴾، ولكنه يتعلّق بمحذوف يكون وصفا لحسد، أو وصفا لمصدر ﴿وَدَّ﴾، فكأنه قيل: حسدا كائنا من عند أنفسهم، أو ودّا كائنا من عند أنفسهم. وقال فى قوله: ﴿كَذلِكَ قالَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾ (١) و ﴿كَذلِكَ قالَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ (٢): الكاف فى الموضعين فى موضع نصب، نعت لمصدر محذوف، أى قولا مثل ذلك قال الذين لا يعلمون، وقولا مثل ذلك قال الذين من قبلهم، ثم قال: ويجوز أن يكونا فى موضع رفع على الابتداء، وما بعد ذلك الخبر (٣). انتهى كلامه. وأقول: لا يجوز أن يكون موضع الكاف فى الموضعين رفعا كما زعم؛ لأنك إذا قدّرتها مبتدأ احتاجت إلى عائد من الجملة، وليس فى الجملة عائد. فإن قلت: أقدّر العائد محذوفا، كتقديره فى قراءة من قرأ: «وكلّ وعد الله الحسنى» (٤) أى وعده الله، فأقدّر: كذلك قاله الذين لا يعلمون، وكذلك قاله الذين من قبلهم. لم يجز هذا؛ لأنّ ﴿قالَ﴾ قد تعدّى إلى ما يقتضيه من منصوبه، وذلك قوله ﴿مِثْلَ قَوْلِهِمْ﴾ فلا يتعدّى إلى منصوب آخر (٥).

стр. 1433

وقال فى قوله : ﴿وَلا تَجْعَلُوا اللهَ عُرْضَةً لِأَيْمانِكُمْ أَنْ تَبَرُّوا﴾ (١): أن تبرّوا فى موضع نصب، على معنى: فى أن تبرّوا، فلمّا حذف حرف الجرّ تعدّى الفعل، وقيل: تقديره: كراهة أن، وقيل: لئلاّ أن (٢). انتهى كلامه. وأقول: إنّ ما حكاه من أن التقدير: لئلاّ أن، خطأ فاحش؛ لتكرير «أن» وتبرّوا مراد بعدها، فالتقدير: لئلاّ أن تبرّوا. وأن تبرّوا معناه: برّكم، فالتقدير: لئلاّ برّكم. وممّا أهمل ذكره، ولم يفعل ذاك متعمّدا، ولكنه خفى عليه، وهو من مشكل الإعراب؛ لأنّ عامله محذوف: وجه النصب فى ﴿فَرِجالاً﴾ من قوله: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجالاً أَوْ رُكْباناً﴾ (٣). والقول فيه أن ﴿فَرِجالاً﴾ هاهنا ليس بجمع رجل، وإنما هو جمع راجل، كصاحب، وصحاب، وصائم وصيام، ونائم ونيام، وقائم وقيام، وتاجر وتجار، وقد قالوا فى جمعه: رجل، كما قالوا: صحب وتجر وركب، ولكونه جمع راجل، عطف عليه جمع راكب، وانتصابه على الحال، بتقدير: فصلّوا رجالا، ودلّ على هذا الفعل قوله: ﴿حافِظُوا عَلَى الصَّلَواتِ﴾ (٤) ثم قال: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ﴾ فصلّوا رجلا أو على الرّكائب. ومن شواهد هذا الجمع قول عمرو بن قميئة (٥): ونكسو القواطع هام الرجال ... وتحمى الفوارس منّا الرّجالا الرجال الأولى: جمع رجل، والثانية: جمع راجل.

стр. 1434

وقال فى قوله تعالى: ﴿لا تُبْطِلُوا صَدَقاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذى كَالَّذِي يُنْفِقُ مالَهُ﴾ (١): الكاف فى موضع نصب، نعت لمصدر محذوف، تقديره: إبطالا كالذى (٢). هذا منتهى كلامه. ومن عادته أن يقف على الموصولات بغير صلاتها، كما وقف على «أن» فى قوله: لئلاّ (٣) أن، وكراهة أن. وأقول فى قوله: إنّ الكاف نعت لمصدر محذوف، تقديره إبطالا كالذى ينفق: إنه قول فيه بعد وتعسّف؛ لأنّ ظاهره تشبيه حدث بعين، ولا يصحّ إلاّ بتقدير حذفين بعد حذف المصدر، أى إبطالا كإبطال إنفاق الذى ينفق ماله. والوجه أن يكون موضع الكاف نصبا على الحال من الواو فى ﴿تُبْطِلُوا﴾ فالتقدير: لا تبطلوا صدقاتكم مشبهين الذى ينفق ماله رئاء الناس (٤). فهذا قول لا حذف فيه، والتشبيه فيه تشبيه عين بعين. ومن زلاّته فى سورة آل عمران: أنه قال فى قوله تعالى: ﴿كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ﴾ (٥): الكاف فى موضع نصب على النّعت لمصدر محذوف، تقديره عند الفرّاء (٦): كفرت العرب كفرا ككفر آل فرعون. قال: وفى هذا القول إبهام للتفرقة بين الصّلة والموصول (٧). أراد أنّ الكاف فى هذا القول قد دخلت فى صلة ﴿الَّذِينَ﴾

стр. 1435

من قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوالُهُمْ وَلا أَوْلادُهُمْ مِنَ اللهِ شَيْئاً وَأُولئِكَ هُمْ وَقُودُ النّارِ﴾ (١). فبعدت من الناصب لها، وهو ﴿كَفَرُوا﴾، وكان الواجب على هذا المعرّب (٢) حيث أنكر قول الفرّاء، أن يعتمد على قول غيره، ولا يقتصر على ذكر قول مناف لقياس العربيّة. قال أبو إسحاق الزّجّاج: كدأب آل فرعون: أى كشأن آل فرعون. كذا قال أهل اللغة. ويقال: دأبت أدأب دأبا ودأبا ودءوبا: إذا اجتهدت، وموضع الكاف رفع؛ لأنها فى موضع خبر ابتداء. المعنى: دأب هؤلاء كدأب آل فرعون والذين من قبلهم، أى اجتهادهم فى كفرهم وتظاهرهم على النبىّ، كاجتهاد آل فرعون فى كفرهم وتظاهرهم على موسى. ولا يصلح أن تكون الكاف فى موضع نصب بكفروا، لأنّ كفروا فى صلة الذين، فلا يصلح: إنّ الذين كفروا ككفر آل فرعون؛ لأنّ الكاف خارجة من الصّلة، فلا يعمل فيها ما فى الصّلة (٣). انتهى كلام الزّجّاج. وهذا القول منه قول من نظر فى كتاب الفرّاء؛ لأنه حكى كلامه بلفظه. وقال علىّ بن عيسى الرّمّانىّ: كدأب آل فرعون: كعادتهم فى التكذيب بالحقّ، وقيل: كعادتهم فى الكفر، وقيل: شأنهم كشأن آل فرعون فى عقاب الله إيّاهم، والكاف فى ﴿كَدَأْبِ﴾ يتّصل بمحذوف، تقديره: عبادتهم كدأب آل فرعون، فموضع الكاف رفع؛ لأنها فى موضع خبر الابتداء، ولا يجوز أن يعمل فيها ﴿كَفَرُوا﴾؛ لأنّ صلة ﴿الَّذِينَ﴾ قد انقطعت بالخبر. وهذا الكلام أيضا كلام من نظر فى كتاب الفراء.

стр. 1436

وقال فى نصب اليوم، من قوله: ﴿يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ ما عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَراً﴾ (١): يوم منصوب ب ﴿يُحَذِّرُكُمُ﴾ أى: ويحذّركم الله نفسه فى يوم تجد، ثم قال: وفيه نظر. وقال: ويجوز أن يكون العامل فيه فعلا مضمرا، أى: واذكر يا محمد يوم تجد، ويجوز أن يكون العامل فيه ﴿الْمَصِيرُ﴾ أى: وإليه المصير فى يوم تجد، ويجوز أن يكون العامل فيه ﴿قَدِيرٌ﴾، أى قدير فى يوم تجد (٢). انتهى كلامه. وأقول: إنه لا يجوز أن يكون العامل فيه ﴿يُحَذِّرُكُمُ﴾؛ لأنّ تحذير الله للعباد إنما يكون فى الدّنيا دون الآخرة، ولا يصحّ أن يكون مفعولا به، كما كان كذلك فى قوله: ﴿وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْآزِفَةِ﴾ (٣)، وقوله: ﴿لِيُنْذِرَ يَوْمَ التَّلاقِ﴾ (٤)، وقوله: ﴿وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ﴾ (٥)، وإنما لم يجز أن يكون اليوم فى هذه الآيات ظرفا؛ لأنّ الإنذار لا يكون فى يوم القيامة. فانتصب اليوم فيهنّ انتصاب الصاعقة فى قوله: ﴿فَقُلْ أَنْذَرْتُكُمْ صاعِقَةً﴾ (٦)، وإنما لم يصحّ أن يكون اليوم فى قوله: ﴿يَوْمَ تَجِدُ﴾ مفعولا به؛ لأنّ الفعل من قوله: ﴿وَيُحَذِّرُكُمُ اللهُ نَفْسَهُ﴾ قد تعدّى إلى ما يقتضيه من المفعول به، ولا يجوز أن يعمل فيه المصدر الذى هو ﴿الْمَصِيرُ﴾ للفصل بينهما (٧)، ولا يعمل فيه أيضا ﴿قَدِيرٌ﴾؛ لأنّ قدرة الله على الأشياء كلّها لا تختصّ بزمان دون زمان (٨)، فبقى أن يعمل فيه المضمر الذى هو «اذكر»،

стр. 1437

وإن شئت قدّرت: احذروا يوم تجد كلّ نفس، فنصبته نصب المفعول به، كما نصبته فى تقدير: اذكر، على ذلك. وقال فى قول الله تعالى: ﴿آيَتُكَ أَلاّ تُكَلِّمَ النّاسَ ثَلاثَةَ أَيّامٍ إِلاّ رَمْزاً﴾ (١): قوله: ﴿إِلاّ رَمْزاً﴾ استثناء ليس من الأول، وكلّ استثناء ليس من جنس الأوّل فالوجه فيه النّصب (٢). انتهى كلامه. وأقول: إنّ «إلاّ» فى قوله: ﴿إِلاّ رَمْزاً﴾ إنما هى لإيجاب النفى، كقولك: ما لقيت إلاّ زيدا، فليس انتصاب ﴿رَمْزاً﴾ على الاستثناء، ولكنه مفعول به (٣)، منتصب بتقدير حذف الخافض، والأصل: ألاّ تكلّم الناس إلاّ برمز، أى بتحريك الشّفتين باللفظ من غير إبانة بصوت، فالعامل الذى قبل «إلاّ» مفرّغ فى هذا النّحو للعمل فيما بعدها، بدلالة أنك لو حذفت «إلاّ» وحرف النفى استقام الكلام، تقول فى قولك: ما لقيت إلاّ زيدا: لقيت زيدا، وفى قولك: ما خرج إلاّ زيد: خرج زيد، وكذلك لو قيل: آيتك أن تكلّم الناس رمزا، كان كلاما صحيحا، وليس كذلك الاستثناء فى نحو: ليس القوم فى الدار إلاّ زيدا، وإلاّ زيد، فلو حذفت النّافى والموجب فقلت: القوم فى الدار زيدا، أو زيد، لم يستقم الكلام. وكذلك: ما خرج إخوتك إلاّ جعفر، لو قلت: خرج إخوتك جعفر، لم يجز، وكذلك الاستثناء المنقطع، نحو: ما خرج القوم إلاّ حمارا، لو قلت: خرج القوم حمارا، لم يستقم، فاعرف الفرق بين الكلامين.

стр. 1438

ثم أقول: إنّ المستثنى الذى ليس من جنس الأوّل يصحّ أن يقع به الفعل الذى عمل فى الأول، تقول: ما لقيت أحدا إلاّ حمارا، فيصحّ أن تقول: لقيت حمارا، وكذلك: ما مرّ بى أحد إلاّ غزالا، يصحّ أن تقول: مرّ بى غزال، ولا يصحّ أن توقع التكليم بالرّمز فتقول: كلّمت رمزا، كما تقول: كلّمت زيدا. وقال فى قوله تعالى: ﴿تَعالَوْا إِلى كَلِمَةٍ سَواءٍ بَيْنَنا وَبَيْنَكُمْ أَلاّ نَعْبُدَ إِلاَّ اللهَ﴾ (١): أن فى موضع خفض، بدل (٢) من ﴿كَلِمَةٍ﴾، وإن شئت فى موضع رفع، على إضمار مبتدأ، تقديره: هى أن لا نعبد، ويجوز أن تكون مفسّرة بمعنى أى، على أن تجزم ﴿نَعْبُدَ﴾ و ﴿نُشْرِكَ﴾ بلا، ولو جعلت «أن» مخفّفة من الثقيلة رفعت ﴿نَعْبُدَ﴾ و ﴿نُشْرِكَ﴾ وأضمرت الهاء (٣). انتهى كلامه. وأقول: أغرب الوجوه التى قد ذكرها فى إعراب ﴿نَعْبُدَ﴾ وما عطف عليه الجزم. قال الزجّاج: لو كان ﴿أَلاّ نَعْبُدَ إِلاَّ اللهَ﴾ بالجزم، ﴿وَلا نُشْرِكَ﴾ لجاز، على أن تكون «أن» مفسّرة فى تأويل أى، ويكون ﴿أَلاّ نَعْبُدَ﴾ على جهة النّهى، والمنهىّ هو الناهى فى الحقيقة، كأنهم نهوا أنفسهم (٤). انتهى كلام أبى إسحاق. وأقول: إنّ النّهى قد يوجّهه الناهى إلى نفسه، إذا كان له فيه مشارك، كقوله لواحد أو لأكثر: لا نسلّم على زيد، ولا ننطلق إلى أخيك، وكذلك الأمر، كقولك: لنقم إلى زيد، ولننطلق إلى أخيك، كما جاء فى التنزيل: ﴿وَلْنَحْمِلْ خَطاياكُمْ﴾ (٥).

стр. 1439

وليس لمكّىّ فيما أورده من الكلام فى هذه الآية زلّة، وإنما ذكرت ما ذكرته فيها لما فيه من الفائدة. وقال فى قوله جلّ وعزّ: ﴿لَنْ يَضُرُّوكُمْ إِلاّ أَذىً﴾ (١): أذى فى موضع نصب، استثناء ليس من الأوّل (٢). وهذا القول نظير ما قاله فى قوله تعالى: ﴿إِلاّ رَمْزاً﴾ إنما ﴿أَذىً﴾ موضعه نصب بتقدير حذف الخافض، أى لن يضرّوكم إلاّ بأذى؛ لأنك لو حذفت «لن» و «إلاّ» فقلت: يضرّونكم بأذى، كان مستقيما. وقال فى قوله: ﴿رَبَّنا أَخْرِجْنا مِنْ هذِهِ الْقَرْيَةِ الظّالِمِ أَهْلُها﴾ (٣): إنّما وحّد الظالم لجريانه على موحّد (٤). قوله: «وحّد لجريانه على موحّد» قول فاسد؛ لأنّ الصّفة إذا ارتفع بها ظاهر وحّدت، وإن جرت على مثنّى أو مجموع، نحو: مررت بالرجلين الظريف أبواهما، وبالرجال الكريم آباؤهم؛ لأنّ الصفة التى ترفع الظاهر تجرى مجرى الفعل الذى يرتفع به الظاهر، فى نحو: خرج أخواك، وينطلق غلمانك. وحكى عن الفراء أنّ ﴿الصّابِئُونَ﴾ من قول الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هادُوا وَالصّابِئُونَ وَالنَّصارى﴾ (٥) معطوف على المضمر فى ﴿هادُوا﴾، فنسب إليه ما لم يقله عن نفسه، وإنما حكاه عن الكسائىّ، وأبطله الفراء من وجه غير وجه (٦)

стр. 1440

أبطله به مكّىّ، فقال فى كتابه الذى ضمّنه معانى القرآن: قال الكسائىّ: ترفع ﴿الصّابِئُونَ﴾ على إتباعه الاسم الذى فى ﴿هادُوا﴾ وتجعله من قوله: ﴿إِنّا هُدْنا إِلَيْكَ﴾ أى تبنا، ولا تجعله من اليهوديّة. قال الفرّاء: وجاء التفسير بغير ذلك؛ لأنه أراد بقوله: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا﴾: الذين آمنوا بأفواههم ولم تؤمن قلوبهم، ثم ذكر اليهود والنصارى والصابئين، فقال: ﴿مَنْ آمَنَ﴾ منهم فله كذا وكذا، فجعلهم منافقين ويهودا ونصارى وصابئين. انتهى كلام الفرّاء (١). يعنى أنه إذا صار معنى ﴿هادُوا﴾: تابوا هم والصابئون، بطل ذكر اليهود فى الآية. وأمّا الوجه الذى أبطل به مكّىّ قول الكسائىّ وعزاه إلى الفرّاء، فقوله: وقد قال الفرّاء فى ﴿الصّابِئُونَ﴾: هو عطف على المضمر فى ﴿هادُوا﴾، قال: وهذا غلط؛ لأنه يوجب أن يكون الصابئون والنصارى يهودا، وأيضا فإنّ العطف على المضمر المرفوع قبل أن يؤكّد أو يفصل بينهما بما يقوم مقام التوكيد، قبيح عند بعض النحويّين. ثم ذكر وجوها فى رفع الصابئين. وأقول: إنك إذا عطفت على اسم «إنّ» قبل الخبر، لم يجز فى المعطوف إلاّ النّصب، نحو إنّ زيدا وعمرا منطلقان، ولا يجوز أن ترفع المعطوف حملا على موضع إنّ واسمها؛ لأنّ موضعهما رفع بالابتداء، فتقول: إنّ زيدا وعمرو منطلقان؛ لأن قولك: عمرو رفع بالابتداء، ومنطلقان خبر عنه وعن اسم إنّ، فقد أعملت فى الخبر عاملين: الابتداء وإنّ، وغير جائز أن يعمل فى اسم عاملان، وإن لم تثنّ الخبر فقلت: إنّ زيدا وعمرو منطلق، ففى ذلك قولان: أحدهما أن يكون خبر إنّ محذوفا، دلّ عليه الخبر المذكور، فالتقدير: إنّ
следующие страницы →