وقال فى نصب اليوم، من قوله: ﴿يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ ما عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَراً﴾ (١): يوم منصوب ب ﴿يُحَذِّرُكُمُ﴾ أى: ويحذّركم الله نفسه فى يوم تجد، ثم قال: وفيه نظر. وقال: ويجوز أن يكون العامل فيه فعلا مضمرا، أى:
واذكر يا محمد يوم تجد، ويجوز أن يكون العامل فيه ﴿الْمَصِيرُ﴾ أى: وإليه المصير فى يوم تجد، ويجوز أن يكون العامل فيه ﴿قَدِيرٌ﴾، أى قدير فى يوم تجد (٢).
انتهى كلامه.
وأقول: إنه لا يجوز أن يكون العامل فيه ﴿يُحَذِّرُكُمُ﴾؛ لأنّ تحذير الله للعباد إنما يكون فى الدّنيا دون الآخرة، ولا يصحّ أن يكون مفعولا به، كما كان كذلك فى قوله: ﴿وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْآزِفَةِ﴾ (٣)، وقوله: ﴿لِيُنْذِرَ يَوْمَ التَّلاقِ﴾ (٤)، وقوله: ﴿وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ﴾ (٥)، وإنما لم يجز أن يكون اليوم فى هذه الآيات ظرفا؛ لأنّ الإنذار لا يكون فى يوم القيامة. فانتصب اليوم فيهنّ انتصاب الصاعقة فى قوله: ﴿فَقُلْ أَنْذَرْتُكُمْ صاعِقَةً﴾ (٦)، وإنما لم يصحّ أن يكون اليوم فى قوله: ﴿يَوْمَ تَجِدُ﴾ مفعولا به؛ لأنّ الفعل من قوله: ﴿وَيُحَذِّرُكُمُ اللهُ نَفْسَهُ﴾ قد تعدّى إلى ما يقتضيه من المفعول به، ولا يجوز أن يعمل فيه المصدر الذى هو ﴿الْمَصِيرُ﴾ للفصل بينهما (٧)، ولا يعمل فيه أيضا ﴿قَدِيرٌ﴾؛ لأنّ قدرة الله على الأشياء كلّها لا تختصّ بزمان دون زمان (٨)، فبقى أن يعمل فيه المضمر الذى هو «اذكر»،
стр. 1437
وإن شئت قدّرت: احذروا يوم تجد كلّ نفس، فنصبته نصب المفعول به، كما نصبته فى تقدير: اذكر، على ذلك.
وقال فى قول الله تعالى: ﴿آيَتُكَ أَلاّ تُكَلِّمَ النّاسَ ثَلاثَةَ أَيّامٍ إِلاّ رَمْزاً﴾ (١):
قوله: ﴿إِلاّ رَمْزاً﴾ استثناء ليس من الأول، وكلّ استثناء ليس من جنس الأوّل فالوجه فيه النّصب (٢). انتهى كلامه.
وأقول: إنّ «إلاّ» فى قوله: ﴿إِلاّ رَمْزاً﴾ إنما هى لإيجاب النفى، كقولك:
ما لقيت إلاّ زيدا، فليس انتصاب ﴿رَمْزاً﴾ على الاستثناء، ولكنه مفعول به (٣)، منتصب بتقدير حذف الخافض، والأصل: ألاّ تكلّم الناس إلاّ برمز، أى بتحريك الشّفتين باللفظ من غير إبانة بصوت، فالعامل الذى قبل «إلاّ» مفرّغ فى هذا النّحو للعمل فيما بعدها، بدلالة أنك لو حذفت «إلاّ» وحرف النفى استقام الكلام، تقول فى قولك: ما لقيت إلاّ زيدا: لقيت زيدا، وفى قولك: ما خرج إلاّ زيد: خرج زيد، وكذلك لو قيل: آيتك أن تكلّم الناس رمزا، كان كلاما صحيحا، وليس كذلك الاستثناء فى نحو: ليس القوم فى الدار إلاّ زيدا، وإلاّ زيد، فلو حذفت النّافى والموجب فقلت: القوم فى الدار زيدا، أو زيد، لم يستقم الكلام. وكذلك: ما خرج إخوتك إلاّ جعفر، لو قلت: خرج إخوتك جعفر، لم يجز، وكذلك الاستثناء المنقطع، نحو: ما خرج القوم إلاّ حمارا، لو قلت:
خرج القوم حمارا، لم يستقم، فاعرف الفرق بين الكلامين.
стр. 1438
ثم أقول: إنّ المستثنى الذى ليس من جنس الأوّل يصحّ أن يقع به الفعل الذى عمل فى الأول، تقول: ما لقيت أحدا إلاّ حمارا، فيصحّ أن تقول: لقيت حمارا، وكذلك: ما مرّ بى أحد إلاّ غزالا، يصحّ أن تقول: مرّ بى غزال، ولا يصحّ أن توقع التكليم بالرّمز فتقول: كلّمت رمزا، كما تقول: كلّمت زيدا.
وقال فى قوله تعالى: ﴿تَعالَوْا إِلى كَلِمَةٍ سَواءٍ بَيْنَنا وَبَيْنَكُمْ أَلاّ نَعْبُدَ إِلاَّ اللهَ﴾ (١): أن فى موضع خفض، بدل (٢) من ﴿كَلِمَةٍ﴾، وإن شئت فى موضع رفع، على إضمار مبتدأ، تقديره: هى أن لا نعبد، ويجوز أن تكون مفسّرة بمعنى أى، على أن تجزم ﴿نَعْبُدَ﴾ و ﴿نُشْرِكَ﴾ بلا، ولو جعلت «أن» مخفّفة من الثقيلة رفعت ﴿نَعْبُدَ﴾ و ﴿نُشْرِكَ﴾ وأضمرت الهاء (٣). انتهى كلامه.
وأقول: أغرب الوجوه التى قد ذكرها فى إعراب ﴿نَعْبُدَ﴾ وما عطف عليه الجزم. قال الزجّاج: لو كان ﴿أَلاّ نَعْبُدَ إِلاَّ اللهَ﴾ بالجزم، ﴿وَلا نُشْرِكَ﴾ لجاز، على أن تكون «أن» مفسّرة فى تأويل أى، ويكون ﴿أَلاّ نَعْبُدَ﴾ على جهة النّهى، والمنهىّ هو الناهى فى الحقيقة، كأنهم نهوا أنفسهم (٤). انتهى كلام أبى إسحاق.
وأقول: إنّ النّهى قد يوجّهه الناهى إلى نفسه، إذا كان له فيه مشارك، كقوله لواحد أو لأكثر: لا نسلّم على زيد، ولا ننطلق إلى أخيك، وكذلك الأمر، كقولك: لنقم إلى زيد، ولننطلق إلى أخيك، كما جاء فى التنزيل: ﴿وَلْنَحْمِلْ خَطاياكُمْ﴾ (٥).
стр. 1439
وليس لمكّىّ فيما أورده من الكلام فى هذه الآية زلّة، وإنما ذكرت ما ذكرته فيها لما فيه من الفائدة.
وقال فى قوله جلّ وعزّ: ﴿لَنْ يَضُرُّوكُمْ إِلاّ أَذىً﴾ (١): أذى فى موضع نصب، استثناء ليس من الأوّل (٢).
وهذا القول نظير ما قاله فى قوله تعالى: ﴿إِلاّ رَمْزاً﴾ إنما ﴿أَذىً﴾ موضعه نصب بتقدير حذف الخافض، أى لن يضرّوكم إلاّ بأذى؛ لأنك لو حذفت «لن» و «إلاّ» فقلت: يضرّونكم بأذى، كان مستقيما.
وقال فى قوله: ﴿رَبَّنا أَخْرِجْنا مِنْ هذِهِ الْقَرْيَةِ الظّالِمِ أَهْلُها﴾ (٣): إنّما وحّد الظالم لجريانه على موحّد (٤).
قوله: «وحّد لجريانه على موحّد» قول فاسد؛ لأنّ الصّفة إذا ارتفع بها ظاهر وحّدت، وإن جرت على مثنّى أو مجموع، نحو: مررت بالرجلين الظريف أبواهما، وبالرجال الكريم آباؤهم؛ لأنّ الصفة التى ترفع الظاهر تجرى مجرى الفعل الذى يرتفع به الظاهر، فى نحو: خرج أخواك، وينطلق غلمانك.
وحكى عن الفراء أنّ ﴿الصّابِئُونَ﴾ من قول الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هادُوا وَالصّابِئُونَ وَالنَّصارى﴾ (٥) معطوف على المضمر فى ﴿هادُوا﴾، فنسب إليه ما لم يقله عن نفسه، وإنما حكاه عن الكسائىّ، وأبطله الفراء من وجه غير وجه (٦)
стр. 1440
أبطله به مكّىّ، فقال فى كتابه الذى ضمّنه معانى القرآن: قال الكسائىّ:
ترفع ﴿الصّابِئُونَ﴾ على إتباعه الاسم الذى فى ﴿هادُوا﴾ وتجعله من قوله: ﴿إِنّا هُدْنا إِلَيْكَ﴾ أى تبنا، ولا تجعله من اليهوديّة.
قال الفرّاء: وجاء التفسير بغير ذلك؛ لأنه أراد بقوله: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا﴾:
الذين آمنوا بأفواههم ولم تؤمن قلوبهم، ثم ذكر اليهود والنصارى والصابئين، فقال: ﴿مَنْ آمَنَ﴾ منهم فله كذا وكذا، فجعلهم منافقين ويهودا ونصارى وصابئين. انتهى كلام الفرّاء (١).
يعنى أنه إذا صار معنى ﴿هادُوا﴾: تابوا هم والصابئون، بطل ذكر اليهود فى الآية. وأمّا الوجه الذى أبطل به مكّىّ قول الكسائىّ وعزاه إلى الفرّاء، فقوله:
وقد قال الفرّاء فى ﴿الصّابِئُونَ﴾: هو عطف على المضمر فى ﴿هادُوا﴾، قال:
وهذا غلط؛ لأنه يوجب أن يكون الصابئون والنصارى يهودا، وأيضا فإنّ العطف على المضمر المرفوع قبل أن يؤكّد أو يفصل بينهما بما يقوم مقام التوكيد، قبيح عند بعض النحويّين.
ثم ذكر وجوها فى رفع الصابئين. وأقول: إنك إذا عطفت على اسم «إنّ» قبل الخبر، لم يجز فى المعطوف إلاّ النّصب، نحو إنّ زيدا وعمرا منطلقان، ولا يجوز أن ترفع المعطوف حملا على موضع إنّ واسمها؛ لأنّ موضعهما رفع بالابتداء، فتقول: إنّ زيدا وعمرو منطلقان؛ لأن قولك: عمرو رفع بالابتداء، ومنطلقان خبر عنه وعن اسم إنّ، فقد أعملت فى الخبر عاملين: الابتداء وإنّ، وغير جائز أن يعمل فى اسم عاملان، وإن لم تثنّ الخبر فقلت: إنّ زيدا وعمرو منطلق، ففى ذلك قولان: أحدهما أن يكون خبر إنّ محذوفا، دلّ عليه الخبر المذكور، فالتقدير: إنّ
стр. 1441
زيدا منطلق وعمرو منطلق، وإلى هذا ذهب أبو الحسن الأخفش (١)، وأبو العباس المبرّد.
والآخر قول سيبويه (٢)، وهو أن يكون الخبر المذكور خبر إنّ، وخبر المعطوف محذوفا، فالتقدير: إنّ زيدا منطلق وعمرو كذلك. فالتقدير فى الآية على المذهب الأول: إنّ الذين آمنوا والذين هادوا من آمن بالله-أى من آمن منهم بالله-واليوم الآخر وعمل صالحا فلا خوف عليهم، [والصابئون والنّصارى من آمن منهم بالله واليوم الآخر وعمل صالحا فلا خوف عليهم (٣)] فحذف الخبر الأول لدلالة الثانى عليه.
وعلى المذهب الآخر، وهو أن يكون الخبر المذكور خبر إنّ، وخبر الصابئين والنصارى محذوفا، كأنه قيل: والصابئون والنصارى كذلك.
...
стр. 1442
المجلس الحادى والثمانون
يتضمّن ذكر ما لم نذكره من زلاّت مكّىّ
فمن ذلك غلطه فى قوله تعالى، فى سورة الأنعام: ﴿وَكَذلِكَ نُفَصِّلُ الْآياتِ وَلِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ الْمُجْرِمِينَ﴾ (١) قال: من قرأ بالتاء ونصب ال ﴿سَبِيلُ﴾ جعل التاء علامة خطاب واستقبال، وأضمر اسم النبىّ فى الفعل.
ومن قرأ بالتاء ورفع ال ﴿سَبِيلُ﴾ جعل التاء علامة تأنيث واستقبال، ولا ضمير فى الفعل، ورفع ال ﴿سَبِيلُ﴾ بفعله. حكى سيبويه (٢): استبان الشىء، واستبنته أنا.
فأمّا من قرأ بالياء ورفع ال ﴿سَبِيلُ﴾ فإنّه ذكّر ال ﴿سَبِيلُ﴾ لأنه ممّا يذكّر ويؤنّث (٣)، ورفعه بفعله.
ومن قرأ بالتاء (٤) ونصب ال ﴿رَحِيمٌ﴾ أضمر اسم النبىّ ﵇ فى الفعل، ونصب ال ﴿سَبِيلُ﴾ لأنه مفعول به، واللام فى ﴿لِتَسْتَبِينَ﴾ متعلّقة بفعل محذوف، تقديره: ولتستبين سبيل المجرمين فصّلناها (٥). انتهى كلامه.
стр. 1443
وأقول: إنه غلط فى قوله: «واستقبال» بعد قوله: «جعل التاء علامة خطاب، وجعل التاء علامة تأنيث»؛ لأنّ مثال «تستفعل» لا شبه بينه وبين مثال الماضى فتكون التاء علامة للاستقبال، فقولك: تستقيم أنت وتستعين هى، لا يكون إلاّ للاستقبال، تقول: أنت تستقيم غدا، وهى تستعين بك بعد غد، ولا تقول: تستقيم أمس، ولا تستعين أوّل من أمس، فهو بخلاف «تفعّل»؛ لأنك إذا قلت: أنت تبيّن حديثها، وهى تبيّن حديثك، أردت: تتبيّن، فحذفت التاء الثانية استثقالا للجمع بين مثلين متحرّكين، كما حذفت [من قوله (١)]: ﴿تَنَزَّلُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ﴾ (٢) الأصل: تتنزّل، ففعل فيه ما ذكرنا من حذف الثانية، ولمّا حذفت التاء من قولك: تتبيّن، صار بلفظ الماضى فى قولك: قد تبيّن الحديث، وفى قوله تعالى: ﴿قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ﴾ (٣) فحصل الفرق بين الماضى والمستقبل باختلاف حركة آخرهما، ففى هذا النّحو يقال: التاء للخطاب والاستقبال، أو للتأنيث والاستقبال.
السّبيل ممّا ذكّروه، وأنّثوه، فالتأنيث فى قوله تعالى: ﴿قُلْ هذِهِ سَبِيلِي﴾ (٤)، والتذكير فى قوله: ﴿وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الرُّشْدِ لا يَتَّخِذُوهُ سَبِيلاً وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الغَيِّ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلاً﴾ (٥).
وقال فى ﴿جَنّاتٍ﴾ من قوله : ﴿وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَخْرَجْنا بِهِ نَباتَ كُلِّ شَيْءٍ فَأَخْرَجْنا مِنْهُ خَضِراً نُخْرِجُ مِنْهُ حَبًّا مُتَراكِباً وَمِنَ النَّخْلِ مِنْ طَلْعِها قِنْوانٌ دانِيَةٌ وَجَنّاتٍ مِنْ أَعْنابٍ﴾ (٦): من نصب ﴿جَنّاتٍ﴾
стр. 1444
عطفها على ﴿نَباتَ﴾، وقد روى الرفع عن عاصم (١)، على الابتداء، بتقدير: ولهم جنّات، ولا يجوز عطفها على ﴿قِنْوانٌ﴾؛ لأنّ الجنّات لا تكون من النخل (٢).
أراد أنك لا ترفع ﴿جَنّاتٍ﴾ بالعطف على ﴿قِنْوانٌ﴾، من قوله: ﴿قِنْوانٌ دانِيَةٌ﴾؛ لأن القنوان جمع قنو، وهو العذق التامّ، ويقال له أيضا: الكباسة، فلو عطفت ﴿جَنّاتٍ﴾ على ﴿قِنْوانٌ﴾ صار المعنى: ومن النّخل من طلعها قنوان دانية وجنّات من أعناب.
فقوله (٣): لأن الجنّات لا تكون من النخل، فيه لبس؛ لأنه يوهم أنها لا تكون إلاّ من العنب دون النخل، وليس الأمر كذلك، بل قد تكون الجنّة من العنب على انفراده، وتكون من النخل على انفراده، وتكون منهما معا، فدلالة كونها منهما معا قوله: ﴿أَوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَعِنَبٍ﴾ (٤)، ودلالة كونها من النخل بانفراده قول زهير (٥):
كأنّ عينىّ فى غربى مقتّلة ... من النّواضح تسقى جنّة سحقا
قوله: «سحقا» صفة لمضاف محذوف، فالتقدير: تسقى نخل جنّة سحقا؛ لأنّ السّحق جمع سحوق، وهى النخلة الباسقة، فكان الصواب أن يقول:
لأنّ الجنّات التى من الأعناب لا تكون من النّخل.
قول زهير:
كأنّ عينىّ فى غربى مقتّلة
стр. 1445
الغربان: الدّلوان الضّخمان. والمقتّلة: المذلّلة، وإنما جعلها مذلّلة؛ لأنّ المذلّلة تخرج الغرب ملآن يسيل من نواحيه، والصّعبة تنفر فتهريقه، فلا يبقى منه إلاّ صبابة، وكلّ بعير استقى عليه فهو ناضح، والرجل الذى يستقى عليه ناضح (١).
ومن أغاليطه قوله فى قوله تعالى، فى سورة الأعراف: ﴿حَتّى إِذَا اِدّارَكُوا فِيها﴾ (٢): أصل ﴿اِدّارَكُوا﴾ تداركوا، ثم أدغمت التاء فى الدال، فسكن أوّل المدغم، فاحتيج إلى ألف الوصل، فثبتت الألف فى الخطّ، ولا تستطاع على وزنها مع ألف الوصل؛ لأنّك تردّ الزائد أصليّا، فتقول: وزنها افّاعلوا، فتصير تاء «تفاعلوا» فاء الفعل؛ لإدغامها فى فاء الفعل، وذلك لا يجوز، فإن وزنتها على الأصل جاز فقلت: تفاعلوا (٣). انتهى كلامه.
وأقول: إنّ عبارته فى هذا الفصل مختلّة، ورأيت فى نسخة من هذا التأليف:
«لا يستطاع على وزنها» بالياء. والصحيح استعماله بغير الجارّ: لا يستطاع وزنها (٤)؛ لأن «استطعت» ممّا يتعدّى بنفسه، كما جاء: ﴿فَلا يَسْتَطِيعُونَ تَوْصِيَةً (٥)﴾، و «تستطاع» بالتاء جائز على قلق فيه، وكان الأولى أن يقول:
ولا يسوغ وزنها مع التلفّظ بتاء «تفاعلوا» فاء، ثم إنّ منعه أن توزن هذه الكلمة وفيها ألف الوصل غير جائز؛ لأنك تلفظ بها مع إظهار التاء، فتقول: وزن ادّاركوا: اتفاعلوا، وإن شئت قلت: ادفاعلوا، فلفظت بالدال المبدلة من التاء.
وقال فى قوله تعالى: ﴿ساءَ مَثَلاً الْقَوْمُ﴾ (٦): فى ﴿ساءَ﴾ ضمير الفاعل، و ﴿مَثَلاً﴾ تفسير، و ﴿الْقَوْمُ﴾ رفع بالابتداء، وما قبلهم خبرهم، أو رفع على
стр. 1446
إضمار مبتدأ، تقديره: ساء المثل مثلا هم القوم الذين كذّبوا، مثل نعم رجلا زيد.
وقال الأخفش (١): تقديره: ساء مثلا مثل القوم (٢).
قلت: ساء بمنزلة بئس، وهذا الباب لا يكون فيه المقصود بالذمّ أو المدح إلاّ من جنس الفاعل، فلا يجوز: بئس مثلا غلامك، إلاّ أن يراد: مثل غلامك، فيحذف (٣) المضاف. فقول الأخفش هو الصّواب، ومن زعم أن التقدير: ساء مثلا هم القوم، فقد أخطأ خطأ فاحشا.
ومن الأغاليط الشنيعة أقوال حكاها فى سورة الأنفال، فى قوله تعالى: ﴿كَما أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ بِالْحَقِّ﴾ (٤) قال: الكاف من ﴿كَما﴾ فى موضع نصب، نعت لمصدر ﴿يُجادِلُونَكَ﴾ أى جدالا كما، وقيل: هى نعت لمصدر يدلّ عليه معنى الكلام، تقديره: الأنفال ثابتة لله والرسول ثبوتا كما أخرجك، وقيل: هى نعت لحقّ، أى هم المؤمنون حقّا كما. وقيل: الكاف فى موضع رفع، والتقدير: كما أخرجك ربّك من بيتك بالحقّ، فاتّقوا الله، فهو ابتداء وخبر. وقيل: الكاف بمعنى الواو للقسم، أى الأنفال لله والرسول والذى أخرجك (٥). انتهى كلامه.
وهذه أقوال رديئة منحرفة عن الصّحة انحرافا كلّياّ، وأوغلها فى الرّداءة القول الرابع والخامس. فقوله: الكاف من ﴿كَما﴾ فى موضع رفع بالابتداء، وخبره ﴿فَاتَّقُوا اللهَ﴾ (٦) قول ظاهر الفساد، من وجوه، أحدها أن الجملة التى
стр. 1447
هى ﴿فَاتَّقُوا اللهَ﴾ مع تقديمها على الكاف، بينها وبين الكاف فصل بثلاث آيات، وبعض آية رابعة، وهذا الفاصل مشتمل على عشر جمل، وليس (١) فى كلام العرب، ولا فى الشّعر الذى هو محلّ الضّرورات خبر قدّم على المخبر عنه، مع الفصل بينهما بعشر جمل أجنبيّة.
والثانى: دخول الفاء فى الجملة التى زعم أنها الخبر، والفاء لا تدخل فى خبر المبتدأ إلاّ أن يغلب عليه شبه الشّرط، بأن يكون اسما موصولا بجملة فعليّة، أو يكون نكرة موصوفة، كقولك: الذى يزورنى فله درهم، وكلّ رجل يزورنى فله درهم، أو يكون خبر المبتدأ الواقع بعد «أمّا».
والثالث: أن الجملة التى هى قوله: ﴿فَاتَّقُوا اللهَ﴾ خالية من ضمير يعود على الكاف الذى زعم أنه مبتدأ، وهى مع ذلك جملة أمريّة، والجمل الأمريّة لا تكاد تقع أخبارا إلاّ نادرا، وتمثيل هذا الذى قد قرّره قائله-وهو تقرير باطل- قولك: فاتّق الله كما أخرجك زيد من الدار، وأىّ فائدة فى انعقاد هذين الكلامين؟ والقول الآخر التابع لما قبله فى الرّذالة، والآخذ بالحظّ الوافر من الاستحالة قول من زعم أن الكاف للقسم، بمنزلة الواو، وهذا ممّا لا يجوز حكايته، فضلا عن تقبّله، وما علمت فى مذهب أحد ممّن يوثق بعلمه فى النحو؛ بصرىّ ولا كوفىّ، أنّ الكاف تكون بمنزلة الواو فى القسم (٢)، فلو قال قائل: كالله لأخرجنّ، يريد: والله لأخرجنّ، لاستحقّ أن يبصق فى وجهه. ثم إنه جعل هذا
стр. 1448
القسم واقعا على أوّل السّورة، وجعل «ما» التى فى قوله: ﴿كَما أَخْرَجَكَ﴾ بمعنى الذى، وجعلها واقعة على القديم تعالى جدّه، مع جعله الكاف بمعنى الواو، فقال فى حكايته: الأنفال لله والرسول والذى أخرجك. وهذا لو كان على ما تلفّظ به لوجب أن يكون فاعل ﴿أَخْرَجَكَ﴾ مضمرا عائدا على «الذى»، وكيف يكون فى ﴿أَخْرَجَكَ﴾ ضمير، والفاعل ﴿رَبُّكَ﴾؟ فكأنه قيل: الأنفال لله والرسول والذى أخرجك ربّك. ثم تعليقه لهذا الذى زعم أنه قسم، بأوّل السّورة يجرى مجرى القول الذى قبله فى تباعد المتعاقدين.
وأمّا قوله: إن موضع الكاف نصب على أنها نعت لمصدر ﴿يُجادِلُونَكَ﴾ فإنه أيضا قول فاسد؛ لأنّ قوله: ﴿يُجادِلُونَكَ فِي الْحَقِّ﴾ معناه: فى إخراجك من بيتك وخروجهم معك، فلهذا قال: ﴿كَأَنَّما يُساقُونَ إِلَى الْمَوْتِ﴾ فيكون المعنى على هذا التأويل: يجادلونك فى إخراجك من بيتك جدالا مثل ما أخرجك ربّك من بيتك. فهذا تشبيه الشىء بنفسه؛ لأنه تشبيه إخراجه من بيته بإخراجه من بيته.
وقوله: إن الكاف تكون نعتا لمصدر يدلّ عليه (١) معنى الكلام، تقديره: قل الأنفال ثابتة لله والرسول ثبوتا كما أخرجك. فهذا أيضا ضعيف لتباعد ما بينهما.
وأقرب هذه الأقوال إلى الصحّة قوله: إن الكاف تكون نعتا للمصدر الذى هو ﴿حَقًّا﴾ (٢) لأمرين: أحدهما تقارب ما بينهما، والآخر: أنّ إخراجه من بيته كان حقّا، بدلالة وصفه له بالحقّ فى قوله: ﴿كَما أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ بِالْحَقِّ﴾.
وإيراد مكّىّ لهذه الأقوال الفاسدة، من غير إنكار شيء منها دليل على أنه كان مثل قائليها فى عدم البصيرة.
стр. 1449
والقول فى تحقيق إعراب هذا الحرف (١): أن قوله تعالى: ﴿يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفالِ﴾ الآية، نزلت فى أنفال أهل بدر، وذلك أن رسول الله صلى الله عليه (٢) لمّا رأى قلّة أصحابه وكراهيتهم للقتال قال ليرغّبهم فى القتال: «من قتل قتيلا فله كذا، ومن أسر أسيرا فله كذا (٣)». فلما فرغ من أهل بدر قام سعد بن معاذ (٤)، فقال: يا رسول الله، إن نفّلت هؤلاء ما سمّيت لهم بقى كثير من المسلمين بغير شيء. فأنزل الله: ﴿قُلِ الْأَنْفالُ لِلّهِ وَالرَّسُولِ فَاتَّقُوا اللهَ وَأَصْلِحُوا ذاتَ بَيْنِكُمْ وَأَطِيعُوا اللهَ وَرَسُولَهُ﴾ فى قسمة الغنائم، فهى له يصنع فيها ما يشاء. فسكتوا وفى أنفسهم من ذلك كراهية، وهو قوله: ﴿كَما أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ بِالْحَقِّ﴾ على كره منهم من المسلمين، فامض لأمر الله فى المغانم، كما مضيت على مخرجك وهم له كارهون. فموضع الكاف على هذا رفع، بأنها مع ما اتّصلت به خبر مبتدأ محذوف، فالتقدير: كراهيتهم لقسمتك الأنفال كما أخرجك ربّك من بيتك بالحقّ وإن فريقا من المؤمنين لكارهون، فقوله: ﴿كَما أَخْرَجَكَ﴾ معناه: مثل إخراجك. وإن قدّرت المبتدأ «هذا» وأشرت به إلى كراهيتهم لقسمة النبىّ للأنفال، فأردت: هذا كما أخرجك ربّك من بيتك بالحقّ، فحسن. وبالله التوفيق.
ومن أغاليطه فى سورة براءة، ما قاله فى قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَلْمِزُونَ﴾
стр. 1450
﴿الْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقاتِ وَالَّذِينَ لا يَجِدُونَ إِلاّ جُهْدَهُمْ فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ﴾ (١) قال: ﴿وَالَّذِينَ لا يَجِدُونَ﴾ فى موضع خفض، عطف على ﴿الْمُؤْمِنِينَ﴾، ولا يحسن عطفه على ﴿الْمُطَّوِّعِينَ﴾؛ لأنه لم يتمّ اسما بعد؛ لأنّ ﴿فَيَسْخَرُونَ﴾ عطف على ﴿يَلْمِزُونَ﴾ هكذا ذكر النّحاس فى الإعراب له، وهو عندى وهم (٢). انتهى كلامه.
يعنى أنّ النّحاس ذكر أن قوله (٣): ﴿وَالَّذِينَ لا يَجِدُونَ﴾ عطف على ﴿الْمُطَّوِّعِينَ﴾ ومنع هو من هذا؛ لأن ﴿الْمُطَّوِّعِينَ﴾ بزعمه لم تتمّ صلته، وليس الأمر على ما قال، بل صلة الألف واللام من ﴿الْمُطَّوِّعِينَ﴾ آخرها قوله: ﴿فِي الصَّدَقاتِ﴾، واحتجّ بأنّ ﴿الْمُطَّوِّعِينَ﴾ لم تتمّ صلته بعطف ﴿فَيَسْخَرُونَ﴾ على ﴿يَلْمِزُونَ﴾ وأىّ حجّة فى هذا، و ﴿يَلْمِزُونَ﴾ قبل ﴿الْمُطَّوِّعِينَ﴾؟ وزعم أن ﴿الَّذِينَ لا يَجِدُونَ﴾ عطف على ﴿الْمُؤْمِنِينَ﴾، وهذا غير صحيح؛ لأن تقدير الكلام على قوله: يلمزون من تطوّع من المؤمنين، ومن الذين لا يجدون إلاّ جهدهم، فيكون الذين لا يجدون إلاّ جهدهم غير مؤمنين؛ لأنّ المعطوف يلزمه أن يكون غير المعطوف عليه، تقول: جاءنى أصحابك والرجال النّصارى، فيكون النّصارى غير أصحابه، وجاءنى الرجال النصارى وأصحابك، فيكون أصحابه غير نصارى.
стр. 1451
والصواب عطف ﴿الَّذِينَ لا يَجِدُونَ﴾ على ﴿الْمُطَّوِّعِينَ﴾، فالتقدير:
يلمزون الأغنياء المتطوّعين، ويلمزون ذوى الأموال الحقيرة، الذين لا يجدون إلاّ جهدهم، وذلك أن عبد الرحمن بن عوف أتى بصرّة من ذهب تملأ الكفّ، وأتى رجل يقال له: أبو عقيل (١) بصاع من تمر، فعابه المنافقون بذلك، فقالوا: ربّ محمد غنىّ عن صاع هذا. فالنّحّاس إذن مصيب (٢)، والرادّ عليه هو المخطئ.
وقال فى قوله تعالى، فى سورة يونس: ﴿وَلَوْ يُعَجِّلُ اللهُ لِلنّاسِ الشَّرَّ اِسْتِعْجالَهُمْ بِالْخَيْرِ﴾ (٣) قوله: ﴿اِسْتِعْجالَهُمْ﴾ مصدر، تقديره: استعجالا مثل استعجالهم، ثم أقام الصفة، وهى «مثل» مقام الموصوف، وهو الاستعجال، ثم أقام المضاف إليه، وهو «استعجالهم» مقام المضاف، وهو «مثل» هذا مذهب سيبويه. وقيل: تقديره: كاستعجالهم، فلمّا حذف حرف الجرّ نصب. ويلزم من قدّر حذف حرف الجرّ منه أن يجيز: زيد الأسد، فينصب الأسد، على تقدير:
كالأسد (٤).
قلت: لا يلزم من قدّر الكاف فى قوله: ﴿اِسْتِعْجالَهُمْ﴾ أن يجيز: زيد الأسد؛ لأن الكاف حرف شاعت فيه الاسميّة، حتى دخل عليه الخافض، وأسند إليه الفعل (٥)، وليس من الحروف الخافضة التى إذا أسقطتها نصبت ما بعدها، وإنما هى أداة تشبيه، إذا حذفت جرى ما بعدها على إعراب ما قبلها، كقولك: فينا رجل كأسد، ورأيت رجلا كأسد، ومررت برجل كأسد، تقول إذا ألقيتها: فينا رجل أسد، ورأيت رجلا أسدا، ومررت برجل أسد، فلا يجوز: زيد الأسد، بالنصب؛ لأنّ منزلتها منزلة «مثل» فى قولك: زيد مثل بكر، تقول إذا حذفت
стр. 1452
«مثلا»: زيد بكر، كما قال تعالى: ﴿وَأَزْواجُهُ أُمَّهاتُهُمْ﴾ (١)، ولعمرى إن قول سيبويه (٢) فى الآية هو الوجه. ومن قدّر الكاف وحذفها، فنصب ما بعدها، فلأنّ ما قبلها منصوب.
وقال فى قوله تعالى: ﴿فَزَيَّلْنا بَيْنَهُمْ﴾ (٣): هو فعّلنا، من زلت الشىء عن الشىء، فأنا أزيله: إذا نحّيته، والتشديد للتكثير، ولا يجوز أن يكون فيعلنا، من زال يزول؛ لأنه يلزم فيه الواو، فيقال: زوّلنا. وحكى الفرّاء (٤) أنه قرئ:
«فزايلنا» من قولهم: لا أزايل فلانا، أى لا أفارقه. ومعنى زايلنا وزيّلنا واحد (٥).
انتهى كلامه.
أمّا قوله: لا يجوز أن يكون فيعلنا من زال يزول؛ لأنه يلزم فيه الواو، فيقال: زوّلنا. فغير صحيح، من قبل أنه لو كان فيعلنا من زال يزول، كان أصله: زيولنا، ثم يصير الواو ياء لوقوع الياء قبلها ساكنة، ثم تدغم الياء فى الياء، فيقال: زيّلنا، وذلك أنّ من شرط الياء والواو إذا تلاصقتا والأولى منهما ساكنة: أن تقلب الواو ياء، ولا تقلب الياء واوا كما زعم مكّىّ. فممّا تقدّمت فيه الياء قولهم فى فيعل من الموت: ميّت، ومن هان يهون، وساد يسود: هيّن وسيّد. الأصل:
ميوت وهيون وسيود، ففعل فيهنّ ما ذكرنا.
وممّا تقدّمت فيه الواو: الشّىّ والطّىّ واللّىّ، مصادر: شويت وطويت ولويت، أصلهنّ: شوى وطوى ولوى، ثمّ صرن إلى القلب والإدغام.
стр. 1453
وقال فى قوله تعالى، فى سورة الحجر: ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنّاتٍ وَعُيُونٍ.﴾
﴿اُدْخُلُوها بِسَلامٍ آمِنِينَ. وَنَزَعْنا ما فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ إِخْواناً﴾ (١): إخوانا حال من ﴿الْمُتَّقِينَ﴾، أو من الضمير المرفوع فى ﴿اُدْخُلُوها﴾، أو من الضّمير فى ﴿آمِنِينَ﴾، ويجوز أن يكون حالا مقدّرة من الهاء والميم فى ﴿صُدُورِهِمْ﴾ (٢).
وأقول: إنّ «إنّ» ليست من الحروف التى تنصب الأحوال، كما تنصبها «كأنّ» فى نحو: كأنّ زيدا محاربا أسد، لما فى «كأنّ» من التشبيه الذى ضارعت به الفعل، ولكن يجوز أن يكون قوله: ﴿إِخْواناً﴾ حالا من المضمر فى الظّرف الذى هو خبر «إنّ»؛ لأنه ظرف تامّ (٣)، والظّروف التّوامّ تنصب الأحوال؛ لنيابتها عن الاستقرار أو الكون، فالتقدير: إنّ المتّقين مستقرّون فى جنّات. وجاز أن يكون ﴿إِخْواناً﴾ حالا من هذا الضمير على ضعف، وذلك لبعد الحال منه؛ لأن مجموع هذه الآيات تشتمل على ثلاث جمل: الأولى ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنّاتٍ﴾، والثانية: ﴿اُدْخُلُوها بِسَلامٍ﴾، والثالثة: ﴿وَنَزَعْنا ما فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ﴾ فإن جعلت ﴿إِخْواناً﴾ حالا من الواو فى ﴿اُدْخُلُوها﴾ فهى حال مقدّرة (٤) لقوله: ﴿عَلى سُرُرٍ مُتَقابِلِينَ﴾؛ لأنهم لا يدخلونها وهم متقابلون على سرر، وإنما يكون ذلك بعد الدخول، فالتقدير: مقدّرين التّقابل على سرر، وإن جعلت الحال من المضمر فى ﴿آمِنِينَ﴾ فحسن، وإن جعلتها من الضمير الذى هو الهاء والميم فى ﴿صُدُورِهِمْ﴾ فالحال من المضاف إليه ضعيفة، وقد بسطت القول فى هذا النّحو، فيما تقدّم (٥). ولكن يجوّز ويحسّن أن يكون قوله: ﴿إِخْواناً﴾ حالا من
стр. 1454
هذا الضمير شيئان: أحدهما قربه منه، والآخر أن المضاف الذى هو «الصّدور» بعض المضاف إليه، فكأنه قيل: ونزعنا ما فيهم من غلّ، فليس هذا المضاف كالمضاف فى قول تأبّط شرّا:
سلبت سلاحى بائسا وشتمتنى (١)
فاعرف الفرق بين الحالين.
وقال فى قوله ، فى سورة مريم: ﴿ثُمَّ لَنَنْزِعَنَّ مِنْ كُلِّ شِيعَةٍ أَيُّهُمْ أَشَدُّ﴾ (٢): ذهب يونس إلى أنّ ﴿أَيُّهُمْ﴾ رفع بالابتداء، لا على الحكاية، ويعلّق (٣) الفعل، وهو ﴿لَنَنْزِعَنَّ﴾ فلا يعمله فى اللفظ، ولا يجوز تعليق مثل ﴿لَنَنْزِعَنَّ﴾ عند سيبويه والخليل (٤)، وإنما يجوز أن تعلّق (٥) أفعال الشكّ وشبهها، مما لم يتحقّق وقوعه (٦).
قلت: اختصاصه بالتعليق أفعال الشكّ وشبهها ممّا لم يتحقّق وقوعه.
خطأ؛ لأنّ أفعال العلم تعلّق، ولها فى تحقّق الوقوع القدم الراسخة، فممّا علّق فيه الماضى منها عن لام الابتداء قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اِشْتَراهُ ما لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلاقٍ (٧)﴾، وممّا علّق فيه المستقبل منها عن الاسم الاستفهامىّ قوله:
﴿وَلَتَعْلَمُنَّ أَيُّنا أَشَدُّ عَذاباً﴾ (٨).
...
стр. 1455
هذه جملة ما علقت به من سقطات هذا الكتاب، على أنّنى لم أبالغ فى تتبّعها، وإنما ذكرت هذه الرّدود على هذه الأغاليط؛ لئلاّ يغترّ بها مقصّر فى هذا العلم فيعوّل عليها ويعمل بها. والله ولىّ التوفيق للصلاح فى كلّ ما أنويه وأعتمده، بمنّه وطوله.
ممّا دقّق فيه أبو الطّيب
قوله
لا يستكنّ الرّعب بين ضلوعه ... يوما ولا الإحسان أن لا يحسنا (١)
وأقول: إن الإحسان فى اللغة على معنيين: الأوّل نظير الإنعام، ونقيض الإساءة، ويتعدّى فعله بحرف خفض، إمّا «إلى» أو «الباء»، تقول: أحسنت إليه، كما جاء: ﴿وَأَحْسِنْ كَما أَحْسَنَ اللهُ إِلَيْكَ﴾ (٢)، وإن شئت: أحسنت به، كما جاء: ﴿وَقَدْ أَحْسَنَ بِي إِذْ أَخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ﴾ (٣)، وكذلك نقيضه، تقول:
أسأت إليه، وأسأت به. قال كثيّر:
أسيئي بنا أو أحسنى لا ملومة ... لدينا ولا مقليّة إن تقلّت (٤)
والثانى: أن يكون الإحسان بمعنى إجادة العمل، يقال: هو يحسن كذا:
إذا كان عارفا به، حاذقا له، وفعله يتعدّى بنفسه كما ترى، ومنه فى التنزيل: ﴿وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاً﴾ (٥)، وقال امرؤ القيس:
стр. 1456
وقد زعمت بسباسة اليوم أنّنى ... كبرت وأن لا يحسن السّرّ أمثالى (١)
وقال الراجز (٢):
قد قارعت معن قراعا صلبا ... قراع قوم يحسنون الضّربا
فقول أبى الطّيّب: «أن لا يحسنا» معمول الإحسان، فكأنه قال:
ولا يستكنّ بين ضلوعه أن يحسن أن لا ينعم، ومثله قول الآخر:
يحسن أن يحسن حتى إذا ... رام سوى الإحسان لم يحسن (٣)
المعنى: يجيد أن ينعم حتّى إذا ما رام سوى الإنعام لم يجد ما رامه.
ومن قيله:
منى كنّ لى أنّ البياض خضاب ... فيخفى بتبييض القرون شباب (٤)
ليالى عند البيض فوداى فتنة ... وفخر وذاك الفخر عندى عاب
منى: مبتدأ وإن كان نكرة، وقد يفيد الابتداء بالنكرة إذا أخبرت عنها بجملة تتضمّن اسما معرفة، كقولك: امرأة خاطبتنى، وكذلك إن أخبرت بظرف مضاف إلى معرفة، كقولك: رجل خلفك، قال الهذيل بن مجاشع:
ونار القرى فوق اليفاع ونارهم ... مخبّأة، بتّ عليها وبرنس (٥)
البتّ: الكساء الغليظ، وإنما ضعف الابتداء بالنكرة؛ لأن النفس تتنبّه بالمعرفة على طلب الفائدة، وإذا كان المخبر عنه مجهولا كان المخبر حقيقا باطّراح الإصغاء إلى
стр. 1457
خبر من لا يعرفه. وحدّ الكلام إذا كان المبتدأ منكورا وتضمّن خبره اسما معروفا أن يقدّم الخبر، كقولك: لزيد مال؛ لأنّ الغرض فى كلّ خبر أن يتطرّق إليه بالمعرفة فيصدّر الكلام بها، وهذا موجود هاهنا؛ لأنك وضعت زيدا مجرورا لتخبر عنه بأنّ له مالا قد استقرّ له، فقولك: لزيد مال، فى تقدير: زيد ذو مال، فالمبتدأ الذى هو «مال» هو الخبر فى الحقيقة، وقولك: «لزيد» هو المبتدأ فى المعنى.
وقوله: «منى كنّ لى» مفيد؛ لأنّ فى ضمن الخبر ضمير المتكلّم، وهو أعرف المعارف. ولو قال: منى كنّ لرجل، لم يحصل بذلك فائدة؛ لخلوّه من اسم معروف. فاحتفظ بهذا الفصل فإنه أصل كبير.
وقوله: «أنّ البياض خضاب» منقطع من أوّل البيت، وتحتمل «أنّ» الرفع والنّصب، فالرفع على إضمار مبتدأ، كأنه قال: إحداهنّ أنّ البياض خضاب، أو أقدمهنّ أن البياض خضاب؛ لأنه قد أخبر بأنّ ذلك كان فى أيّام حداثته وريعان شبيبته بقوله:
ليالى عند البيض فوداى فتنة
الفود: معظم شعر اللّمّة ممّا يلى الأذنين.
وأما النّصب فعلى إضمار «تمنّيت» لدلالة «منى» عليه، كما أضمر «نتّبع» فى قوله تعالى: ﴿قُلْ بَلْ مِلَّةَ إِبْراهِيمَ﴾ (١)، وكإضمار «اشدد» فى قول أحيحة بن الجلاح (٢):
стр. 1458
ألا أبلغ سهيلا أنّنى ما عشت كافيكا
حيازيمك للموت فإنّ الموت لاقيكا (١)
فإن قيل: إن التمنّى ممّا لم يثبت كالرجاء والطّمع، فلا يقع على «أنّ» الثقيلة؛ لأنّها للتحقيق، فهى أشبه بأفعال اليقين، وإنما يقع التمنّى وما شاكله على «أن» الخفيفة؛ لأنها تخلّص الفعل للاستقبال، فهى أشبه بالطّمع والرجاء والتمنّى، من حيث تعلّقت هذه المعانى بما يتوقّع، ومنه قول لبيد:
تمنّى ابنتاى أن يعيش أبوهما ... وهل أنا إلاّ من ربيعة أو مضر (٢)
قيل: لا يمتنع وقوع التمنّى على «أنّ» الثقيلة، كما لم يمتنع وقوع «وددت» عليها، ووددت وتمنّيت بمعنى واحد، فمن ذلك فى التنزيل: ﴿وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ﴾ (٣).
ويدلّك على أن وددت وتمنّيت معناهما واحد، قوله تعالى: ﴿يَوْمَئِذٍ يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَعَصَوُا الرَّسُولَ لَوْ تُسَوّى بِهِمُ الْأَرْضُ﴾ (٤). والمعنى: لو يجعلون والأرض سواء، كما قال: ﴿يَوْمَ يَنْظُرُ الْمَرْءُ ما قَدَّمَتْ يَداهُ وَيَقُولُ الْكافِرُ يا لَيْتَنِي كُنْتُ تُراباً﴾ (٥).
وهذا استدلال أبى علىّ.
стр. 1459
ويجرى مجرى التّمنّى فيما ذكرته الخوف، وقد جاء: ﴿وَأَخافُ أَنْ يَأْكُلَهُ الذِّئْبُ (١)﴾، وقد جاء: ﴿وَلا تَخافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُمْ بِاللهِ﴾ (٢). ومثل تمنّيت اشتهيت، وقد قال أبو تمام (٣):
مضى طاهر الأثواب لم تبق بقعة ... غداة ثوى إلاّ اشتهت أنها قبر
وجاء صريح التمنّى فى قول الآخر:
ما روضة إلاّ تمنّت أنّها ... لك مضجع ولخطّ قبرك موضع
ويجوز أن تكون «منى» منصوبة نصب الظروف، والجملة التى هى كان واسمها وخبرها نعت لها، فتتّصل «أنّ» بما قبلها، كأنه قال: فى منى كنّ لى أنّ البياض خضاب، أى فى جملة منى، كما قالوا: حقّا أنّك ذاهب، وأكبر ظنّى أنّك مقيم، يريدون: فى حقّ، وفى أكبر ظنّى، وإذا أردت معنى الظرفيّة فى «منى» فلك فى «أنّ» مذهبان، فمذهب سيبويه والأخفش والكوفيّين، رفع «أنّ» بالظرف، وكلّ اسم حدث يتقدّمه ظرف يرتفع عند سيبويه بالظّرف، ارتفاع الفاعل، وقد مثّل ذلك بقوله: غدا الرّحيل (٤)، وأ حقّا أنك ذاهب؟ والحقّ أنّك ذاهب؟ قال: حملوه على: أفى حقّ أنك ذاهب؟ قال: وكذلك إن أخبرت فقلت: حقّا أنك ذاهب، والحقّ أنك ذاهب، وأكبر ظنّى أنك ذاهب.
وإذا كان هذا مذهب سيبويه، مع من ذكرناه، فالمنية تقارب الظنّ، فيحسن أن تقول: أكبر مناى أنك ذاهب، فتنصب «أكبر» بتقدير «فى»،
стр. 1460
وأنشد سيبويه فى ذلك للأسود بن يعفر (١):
أحقّا بنى أبناء سلمى بن جندل ... تهدّدكم إيّاى وسط المجالس
وأنشد:
أحقّا أنّ جيرتنا استقلّوا ... فنيّتنا ونيّتهم فريق (٢)
فى أبيات أخر. فهذا أحد المذهبين، والمذهب الآخر مذهب الخليل، وذلك أنه يرفع اسم الحدث بالابتداء، ويخبر عنه بالظّرف المتقدّم، حكى ذلك عنه سيبويه فى قوله: وزعم الخليل أن التهدّد هاهنا-يعنى فى بيت الأسود-بمنزلة «الرحيل بعد غد» وأنّ «أنّ» بمنزلته، وموضعها كموضعه (٣). انتهت حكايته عن الخليل.
وأقول: إن اعترض معترض، وقال: كيف تحكمون على «أنّ» المفتوحة بالابتداء، والعرب لم تبتدئ بها.
فالجواب: أنهم لم يبتدءوا بها لئلاّ يعرّضوها لدخول «إنّ» المكسورة عليها، وإذا كانوا قد كرهوا دخول المكسورة على لام التوكيد؛ لأنهما بمعنى واحد، فكراهيتهم لدخولها على «أنّ» مع تقارب لفظيهما واتفاقهما فى العمل والمعنى،
стр. 1461
أشدّ، فلمّا ألزموها التأخير استجازوا رفعها بالابتداء؛ لأنّ «إنّ» المكسورة لا تباشرها إذا دخلت على الجملة، كقولك: إنّ من الصّواب أنك تنطلق.
ومثل قوله:
أحقّا أنّ جيرتنا استقلّوا
﴿وَمِنْ آياتِهِ أَنَّكَ تَرَى الْأَرْضَ خاشِعَةً﴾ (١) على المذهبين.
وقال أبو العلاء المعرّىّ فى تفسير قوله: «منى كنّ لى. . .» البيت: لو أنّ هذا الكلام فى غير الشّعر لكان ثبوت الألف واللام فى «شباب» أحسن؛ لأنه مضاه لقولهم: المشيب. وكانت العرب فى الجاهليّة إذا اتّفق لها مثل هذا آثرت دخول لام التعريف، وإن قبح فى السّمع، وأكثر ما يجيء فى شعر امرئ القيس، فمنه قوله (٢):
فإن أمس مكروبا فيا ربّ بهمة ... كشفت إذا ما اسودّ وجه الجبان
فقد أساءت الألف واللام الوزن عند السّامع، وآثرها قائل البيت على الحذف، ولو حذف لكان الحذف أحسن فى الغريزة، ولكن دخول الألف واللام أثبت فى تمكين اللفظ، وكذلك قوله (٣):
فلما أجنّ الشّمس عنّى غئورها ... نزلت إليه قائما بالحضيض
وأقول: إنّ اللام فيما ذكره أبو العلاء لا تخلو أن تكون لتعريف الجنس، أو تكون عوضا من تعريف الإضافة إلى الضمير، فكونها لتعريف الجنس، فى مثل قوله: «وجه الجبان»، وكونها عوضا من تعريف الإضافة، فى مثل قولك: حسن الوجه، الأصل: حسن وجهه، فلما حذفت الهاء من «وجهه» عرّفته باللام،
стр. 1462
ولو قلت: حسن وجه، جاز على ضعف؛ لأنه قد علم أنك لا تعنى من الوجوه إلاّ وجه المذكور.
فحقّ «شباب» فى بيت المتنبّى أن يكون معرّفا باللام، عوضا من تعريف الإضافة إلى الضمير، من حيث كان مراده: شبابى، فدخول اللام هاهنا- لو استعمل-أقلق الوزن، إلا أنه كان يكمّل المعنى واللفظ، على أن إسقاط اللام منه زحاف، وقد قيل: ربّ زحاف أطيب (١) فى الذّوق من الأصل (٢).
قال أبو الفتح في تفسير البيت: يقول: شيبى هذا منى كنّ لى قديما، وإنما كنت أتمنّى المشيب ليخفى شبابى (٣). والقرون: الذّوائب، واحدها قرن.
...
стр. 1463
مسألة
الفرق بين اسم الفاعل والمصدر فى العمل: أنّ اسم الفاعل يضاف إلى المفعول، ولا يضاف إلى الفاعل؛ لأن اسم الفاعل عبارة عن الفاعل، والشىء لا يضاف إلى نفسه، والمصدر يضاف إلى الفاعل والمفعول.
واسم الفاعل يعمل إذا كان للحال أو الاستقبال، ولا يعمل إذا كان لما مضى؛ وذلك لأنّ اسم الفاعل يشبه الفعل المضارع، ولا يشبه الماضى، من جهة أنه يجرى على المضارع، فى حركاته وسكونه وعدد حروفه، فمدحرج جار على يدحرج، وليس بجار على دحرج، فلمّا أشبهه بجريانه عليه حمل عليه فى العمل، وحمل الفعل على اسم الفاعل فى الإعراب. والمصدر يعمل إن كان للماضى من الزّمان أو الحاضر أو المستقبل.
ومن الفرق بينهما أن المصدر يعمل معتمدا وغير معتمد، واسم الفاعل لا يعمل عند سيبويه إلاّ معتمدا، واعتماده أن يكون وصفا أو خبرا أو حالا، فيعتمد على الموصوف، أو المخبر عنه، أو ذى الحال.
واسم الفاعل يضمر الفاعل فيه، والمصدر يحذف الفاعل منه، وإنما أضمر الفاعل فى اسم الفاعل؛ لأنّه مشتقّ من الفعل، فأضمروا فيه الفاعل، كما أضمروه فى الفعل. والمصدر بعكس ذلك؛ لأن الفعل مشتقّ منه.
واسم الفاعل يتقدّم منصوبه عليه، كما يتقدّم على الفعل، والمصدر لا يتقدّم عليه منصوبه؛ لأنّ المصدر المعمل عمل الفعل مقدّر بأن والفعل، و «أن» حرف موصول، والصّلة لا تتقدّم على الموصول؛ لأنهما بمنزلة كلمة، فإن شئت قدّرته بأن وفعل سمّى فاعله، وإن شئت بأن وفعل لم يسمّ فاعله، فالأول كقول الله
стр. 1464
تعالى: ﴿فَمَنْ تابَ مِنْ بَعْدِ ظُلْمِهِ﴾ (١) أى من بعد أن ظلم، والثانى كقوله:
﴿وَلَمَنِ اِنْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ﴾ (٢) أى بعد أن ظلم.
...
стр. 1465
المجلس الثانى والثمانون
يتضمّن ذكر أبيات من شعر أبى الطيّب
منها قوله يهجو إسحاق بن إبراهيم بن كيغلغ:
يمشى بأربعة على أعقابه ... تحت العلوج ومن وراء يلجم (١)
ذهب باليدين والرّجلين مذهب الأعضاء، فذكّر على المعنى، كما قال الأعشى:
يضمّ إلى كشحيه كفّا مخضبا (٢)
وكان القياس أن يقول: بأربع، ولكنه ألحق الهاء ضرورة، وقد أنّثوا المذكّر على المعنى، فيما رواه الأصمعىّ، قال: قال أبو عمرو بن العلاء: سمعت أعرابيّا يمانيا يقول: فلان لغوب، جاءته كتابى فاحتقرها (٣). فقلت له: أتقول جاءته كتابى؟ فقال: أليس بصحيفة؟ فقلت له: ما اللّغوب؟ فقال: الأحمق.
وقال الشاعر:
وحمّال المئين إذا ألمّت ... بنا الحدثان والأنف النّصور (٤)
ويروى: «الغيور». أنّث الحدثان على معنى الحادثة. ومن تأنيث المذكّر على المعنى تأنيث الأمثال فى قوله : ﴿مَنْ جاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثالِها﴾ (٥)؛ لأنّ الأمثال فى المعنى حسنات، فالتقدير: عشر حسنات أمثالها. وإذا
стр. 1466
كانوا قد أنّثوا المذكّر على المعنى، فتذكير المؤنّث أسهل؛ لأنّ حمل الفرع على الأصل أسهل من حمل الأصل على الفرع.
وقال: «على أعقابه» فجمع فى موضع التثنية، وحقّه فى الكلام: على عقبيه، كما جاء فى التنزيل: ﴿نَكَصَ عَلى عَقِبَيْهِ﴾ (١)، ولكنّهم قد جمعوا فى موضع الإفراد، فقالوا: شابت مفارقه، وبعير ذو عثانين، وقال الشاعر:
والزّعفران على ترائبها ... شرق به اللّبّات والنّحر (٢)
فجمع التّربية واللّبّة بما حولهما. وإذا كان هذا قد جاز فى موضع الواحد، فالجمع فى موضع التثنية أجوز.
وأمّا (٣) إعراب «وراء» مع حذف المضاف إليه، فإنّ الغايات، وهى الظّروف التى حذفوا منها المضاف إليه، وبنوها على الضمّ، كقبل وبعد وفوق وتحت، إنّما بنوها لأنّ المضاف إليه مقدّر عندهم، حتى إنها متعرّفة به محذوفا، فلما اقتصروا على المضاف فجعلوه نهاية، صار كبعض الاسم، وبعض الاسم لا يعرب، فإن نكّروا شيئا من ذلك أعربوه، فقالوا: جئت قبلا، ومن قبل، وبعدا، ومن بعد، قال الشاعر:
فساغ لى الشّراب وكنت قبلا ... أكاد أغصّ بالماء الفرات (٤)
وقرأ بعض القرّاء: ﴿لِلّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ﴾ (٥)، فأعرب لنيّة التكرير.
стр. 1467
فقوله: «من وراء» على تقدير التنكير، كأنه قال: من جهة تخالف وجهه يلجم.
والعلج: يجمع علوجا، وأعلاجا، كجذوع وأجذاع. والعلج: الرجل العجمىّ، والحمار الوحشىّ. وقالوا: رجل علج، أى شديد، واشتقاقه من المعالجة، كأنه لشدّته يعالج الشىء الثّقيل، وقالوا لحمار الوحش علج؛ لأنه يعالج آتنه، يعاركها، وقالوا: اعتلجت الأمواج: التطمت.
يقول: يمشى القهقرى على أربع؛ حبّا للاستدخال، ولمّا وصفه بالمشى على أربع كالبهيمة جعل ما يولج فيه لجاما.
... ومنها قوله:
وجفونه ما تستقرّ كأنّها ... مطروفة أو فتّ فيها حصرم
أراد أنه أبدا يحرّك جفونه، يستدعى بذلك العلوج، فإشارته إليهم بجفونه متتابعة، حتى كأنّ بعينه طرفة، أو حصرما فتّ فيها، فهى لا تستقرّ. و «فتّ» معطوف على «مطروفة»، وليس من حقّ الفعل أن يعطف على الاسم، ولا حقّ الاسم أن يعطف على الفعل، ولكن ساغ ذلك فى اسم الفاعل واسم المفعول، لما بينهما وبين الفعل من التّقارب، بالاشتقاق والمعنى (١)، ولذلك عملا عمله، فممّا عطف فيه الفعل على الاسم قوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ فَوْقَهُمْ صافّاتٍ وَيَقْبِضْنَ﴾ (٢) وقوله: ﴿إِنَّ الْمُصَّدِّقِينَ وَالْمُصَّدِّقاتِ وَأَقْرَضُوا اللهَ قَرْضاً حَسَناً﴾ (٣).
وممّا عطف فيه الاسم على الفعل قول الراجز (٤):
стр. 1468
تبيت لا تأوى ولا نفّاشا
وقول الآخر:
بات يغشّيها بعضب باتر ... يقصد فى أسوقها وجائر (١)
وإنما ساغ ذلك فى هذا الضّرب من الأسماء لصحّة تقدير الاسم بالفعل، والفعل بالاسم، فالتقدير: صافّات وقابضات، وإنّ الذين تصدّقوا وأقرضوا، ولا تأوى ولا تنفش، ويقصد فى أسوقها ويجور، وطرفت وفتّ فيها حصرم.
النّفّاش: الغنم التى تنتشر بالليل فترعى بلا راع، وكذلك الإبل، يقال:
نفشت تنفش نفشا، مفتوح الثانى، وفى التنزيل: ﴿وَداوُدَ وَسُلَيْمانَ إِذْ يَحْكُمانِ فِي الْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ﴾ (٢).
... ومنها قوله:
وإذا أشار محدّثا فكأنه ... قرد يقهقه أو عجوز تلطم
إن قيل: كيف قابل القهقهة، وهى صوت، باللّطم، وليس بصوت، وإنما كان حقّ الكلام أن يضع فى موضع «تلطم» تولول، أو تبكى، أو نحو ذلك؛ لأنّه إنّما شبّه حديثه بقهقهة القرد، فشبّه صوتا بصوت، ولا معنى لتشبيه الحديث باللّطم.
وعن هذا السّؤال جوابان: أحدهما أنه شبّه حديثه بقهقهة قرد، أو بلطم عجوز خدّها فى مناحة، ولطم النّساء فى المناحة لا بدّ أن يصحبه صوت، فلمّا
стр. 1469
اضطرّه الوزن والقافية إلى ذكر اللّطم الدالّ على الولولة والنّوح، اكتفى بذكر الدّليل من المدلول عليه.
و «أو» هاهنا للإباحة، فكأنه قال: إن شبّهته فى حديثه بقرد يقهقه فكذاك هو، وإن شبّهته بعجوز تلطم وتولول فكذاك.
والجواب الثانى: أنه شبّه شيئين بشيئين، شبّه حديثه بقهقهة القرد، وشبّه إشارته فى أثناء حديثه بلطم العجوز، وإنما جعل حديثه كضحك القرد؛ لأنه لعيّه غير مفهوم الحديث، وجعله مشيرا بيديه؛ لأنه لا يقدر على الإفصاح، فهو يستعين بالإشارة إذا حدّث، كما أشار باقل (١) حين عجز عن الجواب وقد مرّ بقوم ومعه ظبى اشتراه بأحد عشر درهما، وهو متأبّطه، فقالوا: بكم اشتريت الظّبى؟ فمدّ يديه وفرّق أصابعه ودلع لسانه، يريد بأصابعه عشرة دراهم، وبلسانه درهما، فشرد الظّبى حين مدّ يديه.
وقد ضمّن هذا التشبيه معنى آخر، وهو أنه أراد قبح وجهه، وكثرة تشنّجه، فهو فى القبح كوجه القرد، وفى التّغضّن-وهو التّشنّج-كوجه العجوز.
فإن قيل: كيف يشبّه شيئين بشيئين، ويعطف بأو، وهى لأحد الشيئين، وإنما حقّ ذلك العطف بالواو؛ لأنّ (٢) التقدير: وإذا أشار محدّثا فكأنّه فى حديثه قرد يقهقه، وفى إشارته عجوز تلطم؟
فعن هذا الاعتراض جوابان: أحدهما: أن «أو» هاهنا للإباحة، وقد قدّمت ذكر ذلك.
стр. 1470
والثانى: أنّ «أو» قد وردت فى مواضع من كلام العرب بمعنى الواو، واعتمد بعض النحويّين على ذلك، وأنشدوا:
فقلت البثوا شهرين أو نصف ثالث ... إلى ذاكم ما غيّبتنى غيابيا (١)
أراد: ونصف ثالث.
قال الأصمعىّ: الكركرة والقهقهة: رفع الصوت بالضّحك، والاستغراب أشدّ منهما.
... ومنها قوله:
يقلى مفارقة الأكفّ قذاله ... حتى يكاد على يد يتعمّم
القلى: البغض، مكسور مقصور، وقد صرّفت العرب منه مثالين: قلاه يقليه، مثل رماه يرميه، وقليه يقلاه، مثل رضيه يرضاه، وهو من الياء، بدلالة يقلى، ولو كان من الواو كان يقلو، وأنشدوا فى يقلى:
وترميننى بالطّرف أى أنت مذنب ... وتقليننى لكنّ إيّاك لا أقلى (٢)
وفى التنزيل: ﴿ما وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَما قَلى﴾ (٣)، وروى أبو الفتح لغة ثالثة:
قلاه يقلوه قلاء (٤)، مثل: رجاه يرجوه رجاء، وأنشد:
стр. 1471
إن تقل بعد الودّ أمّ محلّم ... فسيّان عندى ودّها وقلاؤها (١)
والقذال: جماع مؤخّر الرأس. ويجوز أن يرتفع قذاله بإسناد «يقلي» إليه، كأنه قال: يبغض قذاله مفارقة الأكفّ إيّاه، ويجرى إسناد البغض إلى القذال مجرى إسناد الاشتهاء إلى السّفن فى قوله:
تجرى الرّياح بما لا تشتهى السّفن (٢)
والوجه أن تضمر فى «يقلى» فاعلا، وتعمل المفارقة فى القذال، فإن نصبته فالأكفّ فاعلة، وإن رفعته فالأكفّ مفعولة، على منهاج:
قرع القواقيز أفواه الأباريق (٣)
يقول: يحبّ أن يقفد (٤)، حتى إنه ليكاد يتعمّم على يد قافدة، أى صافعة، فقوله:
стр. 1472
يقلى مفارقة الأكفّ قذاله
كقولك: يحبّ مواصلة الأكفّ قفاه.
... ومنها قوله:
وتراه أصغر ما تراه ناطقا ... ويكون أكذب ما يكون ويقسم
هذا البيت قد تكلمت عليه، وأوضحت وجوه إعرابه فيما قدّمته من الأمالى (١)، وهو والأبيات الأربعة التى ذكرتها قبله، وذكرت ما اقتضته من التفسير، مهملة كلّها فى تفسير أبى زكريّا، لم يصحب بيتا منها كلمة فذّة، وأبو الفتح ذكر فى بيتين منها أحرفا يسيرة.
... حذف أبو الطيّب «أن» ورفع الفعل فى قوله:
يا حاديى عيسها وأحسبنى ... أوجد ميتا قبيل أفقدها (٢)
وحذفها فى هذا النحو للضّرورة، ولا يجوز عند البصريّين النصب بها مضمرة إلاّ بعد عوض، كإضمارها بعد الفاء فى جواب ما ليس بواجب، كالنّهى فى قوله:
﴿لا تَفْتَرُوا عَلَى اللهِ كَذِباً فَيُسْحِتَكُمْ﴾ (٣) والكوفيّون يرون النصب بها محذوفة وإن لم
стр. 1473
يكن عوض، وينشدون قول طرفة:
ألا أيّ هذا الزّاجرى أحضر الوغا ... وأن أشهد اللذّات هل أنت مخلدى (١)
بنصب «أحضر»، وعلى مذهبهم قال أبو الطيّب:
بيضاء يمنعها تكلّم دلّها ... تيها ويمنعها الحياء تميسا (٢)
والمراد بتصغير الظروف تقريب الأوقات والأماكن، كقولك: خرجت قبيل الظّهر، وبعيد المغرب، وقعدت دوين الحائط، كما قال ذو القروح، يصف ذنب فرسه:
بضاف فويق الأرض ليس بأعزل (٣)
الضّافى: السّابغ. والأعزل من الأذناب: الذى يميل يمنة أو يسرة.
فإن قيل: لم كان حذف «أن» اضطرارا فى قوله: «قبيل أفقدها»، وظاهر أمر «قبل وبعد» أنهما ظرفا زمان، فهلاّ أضيفا إلى الفعل بغير تقدير «أن» كسائر أسماء الزمان؟
فالجواب: أنّ المكان أحقّ بهما من الزمان، وقد أوضح حالهما أبو سعيد السّيرافىّ، فى شرح الكتاب، فى قوله: إنّ «قبل وبعد» غير متمكّنين، فلا يرفعان، ولا يجوز: سير قبلك، والذى منعهما من التصرّف والرفع أنهما ليسا باسمين لشيء من الأوقات، كالليل والنهار، والساعة والظّهر والعصر، وإنما استعملا فى الوقت للدّلالة على التقديم والتأخير. يعنى أنك إذا قلت: جئت قبل زيد، أردت
стр. 1474
تقديم زمان مجيئك على زمان مجيئه، وإذا قلت: جئت بعده، أردت تأخير زمان مجيئك عن زمان مجيئه.
ويشهد بأنّ أصلهما المكان ثلاثة أشياء: أحدها امتناعهم من إضافتهما إلى الفعل فى حال السّعة، وإنما يضافان إلى أن والفعل، وما والفعل، كما جاء فى التنزيل: ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ تَأْتِيَنا وَمِنْ بَعْدِ ما جِئْتَنا﴾ (١).
والثانى: إخبارك بهما عن الجثّة، كقولك: الجبل بعد الوادى، والوادى قبل الجبل، وظروف الزمان لا تستعمل أخبارا عن الأشخاص.
والثالث: أنهما أصل فى الغايات، ولم نجدهم أدخلوا فى حكمهما إلاّ ظروف المكان، كفوق وتحت ووراء وقدّام وعلى. فهذا قول جلىّ كما تراه، والمتّسمون بالنحو قبيل وقتنا هذا، ممّن شاهدته وسمعت كلامه على خلاف ما قلته وأوضحته. فاستمسك بما ذكرته لك، فقد أقمت لك (٢) برهانه.
وهذه المسألة ممّا ذكرته فى الرّدّ على أبى الكرم بن الدّبّاس أغاليطه فى كتابه الذى سمّاه: المعلم (٣).
...
стр. 1475
من مشكل كلام أبى علىّ فى الإيضاح
قوله فى (باب الجمع الذى على حدّ التثنية): «لو سمّيت رجلا بخالد أو حاتم وكسّرته قلت: خوالد وحواتم، كما تقول: كاهل وكواهل، ولو سمّيته أحمر لقلت: الأحمرون والأحامر، وإذا كانوا قد قالوا: الأباطح، فهذا أجدر، ومن قال: الحرّث (١)، فقياس قوله: أن يقول: حمر، وإن نكّره كان قياس قوله ألاّ يصرف بلا خلاف (٢)».
وأقول: إنّ كلّ ما كان من الصّفات على مثال فاعل، كجالس، وضارب، فإنهم لم يجمعوه على فواعل وصفا للرجال، لئلاّ يلتبس بفواعل إذا أريد به النّساء، كقولك: نسوة جوالس وضواحك، كما جاء فى التنزيل: ﴿وَالْقَواعِدُ مِنَ النِّساءِ﴾ (٣) وشذّ من جمع الرجال: فوارس، وذلك لاختصاص هذا الوصف بالرّجال، فإن سمّوا رجلا بوصف على هذا المثال، كخالد وحاتم وحارث، كسّروه على فواعل، وإنما استجازوا جمعه علما على فواعل؛ لخروجه من الوصفيّة إلى العلميّة، كما أنّ أحمر لا يجمع وصفا إلاّ على فعل، فإذا أخرجوه عن الوصفيّة بالتسمية جمعوه جمع السّلامة؛ لأنه صار كأحمد وأكثم، فقالوا: الأحمرون، كما قالوا: الأحمدون، وكسّروه على الأفاعل، كما قالوا فى العلم: الأحامد، وفى غير العلم: الأجادل.
وقوله: وإذا كانوا قد قالوا: الأباطح، فهذا أجدر. يعنى أن الأبطح ومؤنّثه ممّا أخرجته العرب عن الوصفيّة، فلم يجروه على ما قبله فيقولوا: مكان أبطح، ولا بقعة بطحاء، وكذلك الأبرق والبرقاء، فالأبطح والأبرق صفتان غالبتان، بمعنى