← Адаб

Адаб · id 120922

أمالي ابن الشجري ت الطناحي

ابن الشجري

Полный текст (1 931 стр.). Показаны 1471–1510 · переход к 1476.

стр. 1471

إن تقل بعد الودّ أمّ محلّم ... فسيّان عندى ودّها وقلاؤها (١) والقذال: جماع مؤخّر الرأس. ويجوز أن يرتفع قذاله بإسناد «يقلي» إليه، كأنه قال: يبغض قذاله مفارقة الأكفّ إيّاه، ويجرى إسناد البغض إلى القذال مجرى إسناد الاشتهاء إلى السّفن فى قوله: تجرى الرّياح بما لا تشتهى السّفن (٢) والوجه أن تضمر فى «يقلى» فاعلا، وتعمل المفارقة فى القذال، فإن نصبته فالأكفّ فاعلة، وإن رفعته فالأكفّ مفعولة، على منهاج: قرع القواقيز أفواه الأباريق (٣) يقول: يحبّ أن يقفد (٤)، حتى إنه ليكاد يتعمّم على يد قافدة، أى صافعة، فقوله:

стр. 1472

يقلى مفارقة الأكفّ قذاله كقولك: يحبّ مواصلة الأكفّ قفاه. ... ومنها قوله: وتراه أصغر ما تراه ناطقا ... ويكون أكذب ما يكون ويقسم هذا البيت قد تكلمت عليه، وأوضحت وجوه إعرابه فيما قدّمته من الأمالى (١)، وهو والأبيات الأربعة التى ذكرتها قبله، وذكرت ما اقتضته من التفسير، مهملة كلّها فى تفسير أبى زكريّا، لم يصحب بيتا منها كلمة فذّة، وأبو الفتح ذكر فى بيتين منها أحرفا يسيرة. ... حذف أبو الطيّب «أن» ورفع الفعل فى قوله: يا حاديى عيسها وأحسبنى ... أوجد ميتا قبيل أفقدها (٢) وحذفها فى هذا النحو للضّرورة، ولا يجوز عند البصريّين النصب بها مضمرة إلاّ بعد عوض، كإضمارها بعد الفاء فى جواب ما ليس بواجب، كالنّهى فى قوله: ﴿لا تَفْتَرُوا عَلَى اللهِ كَذِباً فَيُسْحِتَكُمْ﴾ (٣) والكوفيّون يرون النصب بها محذوفة وإن لم

стр. 1473

يكن عوض، وينشدون قول طرفة: ألا أيّ هذا الزّاجرى أحضر الوغا ... وأن أشهد اللذّات هل أنت مخلدى (١) بنصب «أحضر»، وعلى مذهبهم قال أبو الطيّب: بيضاء يمنعها تكلّم دلّها ... تيها ويمنعها الحياء تميسا (٢) والمراد بتصغير الظروف تقريب الأوقات والأماكن، كقولك: خرجت قبيل الظّهر، وبعيد المغرب، وقعدت دوين الحائط، كما قال ذو القروح، يصف ذنب فرسه: بضاف فويق الأرض ليس بأعزل (٣) الضّافى: السّابغ. والأعزل من الأذناب: الذى يميل يمنة أو يسرة. فإن قيل: لم كان حذف «أن» اضطرارا فى قوله: «قبيل أفقدها»، وظاهر أمر «قبل وبعد» أنهما ظرفا زمان، فهلاّ أضيفا إلى الفعل بغير تقدير «أن» كسائر أسماء الزمان؟ فالجواب: أنّ المكان أحقّ بهما من الزمان، وقد أوضح حالهما أبو سعيد السّيرافىّ، فى شرح الكتاب، فى قوله: إنّ «قبل وبعد» غير متمكّنين، فلا يرفعان، ولا يجوز: سير قبلك، والذى منعهما من التصرّف والرفع أنهما ليسا باسمين لشيء من الأوقات، كالليل والنهار، والساعة والظّهر والعصر، وإنما استعملا فى الوقت للدّلالة على التقديم والتأخير. يعنى أنك إذا قلت: جئت قبل زيد، أردت

стр. 1474

تقديم زمان مجيئك على زمان مجيئه، وإذا قلت: جئت بعده، أردت تأخير زمان مجيئك عن زمان مجيئه. ويشهد بأنّ أصلهما المكان ثلاثة أشياء: أحدها امتناعهم من إضافتهما إلى الفعل فى حال السّعة، وإنما يضافان إلى أن والفعل، وما والفعل، كما جاء فى التنزيل: ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ تَأْتِيَنا وَمِنْ بَعْدِ ما جِئْتَنا﴾ (١). والثانى: إخبارك بهما عن الجثّة، كقولك: الجبل بعد الوادى، والوادى قبل الجبل، وظروف الزمان لا تستعمل أخبارا عن الأشخاص. والثالث: أنهما أصل فى الغايات، ولم نجدهم أدخلوا فى حكمهما إلاّ ظروف المكان، كفوق وتحت ووراء وقدّام وعلى. فهذا قول جلىّ كما تراه، والمتّسمون بالنحو قبيل وقتنا هذا، ممّن شاهدته وسمعت كلامه على خلاف ما قلته وأوضحته. فاستمسك بما ذكرته لك، فقد أقمت لك (٢) برهانه. وهذه المسألة ممّا ذكرته فى الرّدّ على أبى الكرم بن الدّبّاس أغاليطه فى كتابه الذى سمّاه: المعلم (٣). ...

стр. 1475

من مشكل كلام أبى علىّ فى الإيضاح قوله فى (باب الجمع الذى على حدّ التثنية): «لو سمّيت رجلا بخالد أو حاتم وكسّرته قلت: خوالد وحواتم، كما تقول: كاهل وكواهل، ولو سمّيته أحمر لقلت: الأحمرون والأحامر، وإذا كانوا قد قالوا: الأباطح، فهذا أجدر، ومن قال: الحرّث (١)، فقياس قوله: أن يقول: حمر، وإن نكّره كان قياس قوله ألاّ يصرف بلا خلاف (٢)». وأقول: إنّ كلّ ما كان من الصّفات على مثال فاعل، كجالس، وضارب، فإنهم لم يجمعوه على فواعل وصفا للرجال، لئلاّ يلتبس بفواعل إذا أريد به النّساء، كقولك: نسوة جوالس وضواحك، كما جاء فى التنزيل: ﴿وَالْقَواعِدُ مِنَ النِّساءِ﴾ (٣) وشذّ من جمع الرجال: فوارس، وذلك لاختصاص هذا الوصف بالرّجال، فإن سمّوا رجلا بوصف على هذا المثال، كخالد وحاتم وحارث، كسّروه على فواعل، وإنما استجازوا جمعه علما على فواعل؛ لخروجه من الوصفيّة إلى العلميّة، كما أنّ أحمر لا يجمع وصفا إلاّ على فعل، فإذا أخرجوه عن الوصفيّة بالتسمية جمعوه جمع السّلامة؛ لأنه صار كأحمد وأكثم، فقالوا: الأحمرون، كما قالوا: الأحمدون، وكسّروه على الأفاعل، كما قالوا فى العلم: الأحامد، وفى غير العلم: الأجادل. وقوله: وإذا كانوا قد قالوا: الأباطح، فهذا أجدر. يعنى أن الأبطح ومؤنّثه ممّا أخرجته العرب عن الوصفيّة، فلم يجروه على ما قبله فيقولوا: مكان أبطح، ولا بقعة بطحاء، وكذلك الأبرق والبرقاء، فالأبطح والأبرق صفتان غالبتان، بمعنى

стр. 1476

أنّهما غلبا على الاسميّة، فلم يجريا على موصوف، وجمع المذكّر منهما على الأفاعل (١): الأباطح والأبارق، كما جمع الاسم عليه، كالأزمل والأزامل، ولم يجمعوا مؤنّثهما على قياس باب «حمراء» فيقولوا: بطح وبرق، لمفارقتهما له؛ من حيث لم يجريا على موصوف، بل شبّهوهما لتأنيثهما وفتح أوّلهما بباب «جفنة» فقالوا: بطحاوات وبرقاوات، كصحراوات، كما شبّهوا باب «الكبرى» لتأنيثه وضمّ أوله بباب «غرفة» فقالوا: الكبر، كما قالوا: الغرف. وكذلك قالوا فى تكسيرهما: بطاح وبراق، كجفان وقصاع. فإذا سمّيت بأحمر وجمعته على الأحامر فهو أجدر من جمع الأبطح على الأباطح؛ لأنك قد أخرجت أحمر عن معناه، بنقله إلى العلميّة، والأبطح غير خارج عن معناه الوصفىّ الذى وضع له، ونقيض هذا قول من جمع الحارث على الحرّث، وذلك أنهم ردّوه بهذا الجمع إلى الوصفيّة، فجمعوه على فعّل، كشاهد وشهّد، وصائم وصوّم، وغاز وغزّى، فقياس هذا أن يجمع أحمر علما على مثال جمعه وصفا، فيقال: حمر، وإن نكّرته على هذا القول قلت: مررت بأحمر وأحمر آخر، فلم تصرفه نكرة لمراعاة الوصفيّة فيه، من حيث جمع على حمر. وقوله: «بلا خلاف» يعنى بلا خلاف بين سيبويه والأخفش؛ لأنّ سيبويه إذا سمّى رجلا بأحمر ثم نكّره لم يصرفه (٢)، مراعاة للوصف فيه، والأخفش يصرفه لزوال الوصف بالتسمية، وقد أوردت هذه المسألة فيما تقدّم. فهاهنا يوافق الأخفش سيبويه، فلا يصرفه منكّرا؛ لأنّ جمعه على فعل مصرّح له بالوصفيّة. الأبطح والبطحاء: كلّ مكان متّسع. والأبرق والبرقاء: مكان ذو حجارة مختلفة الألوان. والكاهل: ما بين الكتفين. والحارث فى أصل وضعه: الكاسب. والأزمل: الصوت. والأجدل: الصّقر.

стр. 1477

وقال أبو علىّ، فى (باب الأفعال المنصوبة): «وتقول: «كان سيرى أمس حتّى أدخلها. إن جعلت «كان» بمعنى وقع، جاز الرفع والنّصب فى «أدخلها»، وإن جعلت «كان» المفتقرة إلى الخبر، وجعلت «أمس» من صلة السّير، لم يجز إلاّ النّصب؛ لأنك إن رفعت بقيت «كان» بلا خبر، وإذا نصبت كان قولك: «حتى أدخلها» فى موضع الخبر (١)». انتهى كلامه. وأقول: إنّك إن جعلت «كان» بمعنى «وقع» فالكلام يتمّ إذا قلت: كان سيرى، فإن جعلت «حتّى» غاية جاز أن تعلّقها بكان، وجاز أن تعلّقها بالسّير، وإن جعلتها للاستئناف فقد أتيت بجملة تامّة بعد جملة تامّة. فإن جعلت «كان» الناقصة، وجعلت «أمس» خبرا لها، علّقته بمحذوف، وجاز أيضا فى «أدخلها» الرفع والنصب، وإن علّقت «أمس» بالسّير، احتجت إلى خبر لكان. فإن جعلت «حتّى» غاية، فهى وما بعدها فى تأويل «إلى» ومجرورها؛ لأنّ التقدير: حتى أن أدخلها، أى حتّى دخولها، والمعنى: إلى دخولها، فكأنك قلت: كان سيرى إلى دخول المدينة، فإلى متعلّقة بمحذوف، أى منتهيا إلى دخول المدينة. وإذا جعلت «حتى» للاستئناف، فالتقدير: كان سيرى حتى أنا أدخل المدينة، فالجملة التى هى: حتى أنا أدخل المدينة، خالية من ضمير يعود على اسم «كان» ظاهر ومقدّر. ...

стр. 1478

من روى لأبى الطيّب: نرى عظما بالبين والصّدّ أعظم (١) فالمعنى أنّ البين يزيله قطع المسافة، والصّدّ لا تقطع مسافته. ومن روى (٢): نرى عظما بالصّدّ والبين أعظم فالمعنى: أن الحبيب وإن صدّ فعين المحبّ تدركه، وإذا فارق حال البعد عن النّظر إليه. ... وقوله: خود جنت بينى وبين عواذلى ... حربا وغادرت الفؤاد وطيسا (٣) الوطيس فى العربيّة مستعمل على معنيين: أحدهما معركة الحرب، والآخر: تنّور من حديد. وقيل قول ثالث: أنه حفرة يختبز فيها. وقيل: أوّل من قال: «الآن حمى الوطيس (٤)» النبىّ صلى الله

стр. 1479

عليه (١). يريد الحرب، شبّه اشتعالها باشتعال النّار فى التّنّور، قال ذلك يوم حنين. قال تأبّط شرّا (٢): إنّى إذا حمى الوطيس وأوقدت ... للحرب نار منيّة لم أنكل قال أبو الفتح: حمل الوطيس فى البيت على التّنّور أشبه؛ لأنه يريد حرارة قلبه. والقول الآخر غير ممتنع هاهنا؛ لأنهم يقولون: حميت الحرب، واحتدمت، وتضرّمت. وأقول: إنّ الأحسن عندى أن يكون أراد معركة الحرب؛ لأمرين: أحدهما قوله: «جنت حربا». والآخر: أنّ حرب العواذل إنما تكون باللّوم، واللّوم إنما يلحق القلب دون غيره من الأعضاء، فهو معركة حربهنّ. ... وقوله فى أبى علىّ هارون بن عبد العزيز الأوارجىّ الكاتب: لا تكثر الأموات كثرة قلّة ... إلاّ إذا شقيت بك الأحياء (٣) أراد بقوله: «كثرة قلّة» كثرة يقلّ لها الأحياء. قدّر أبو الفتح مضافا محذوفا من قوله: «بك» قال: أراد شقيت بفقدك (٤). وذهب أبو العلاء المعرّىّ إلى أنهم شقوا به، أى بقتله إيّاهم. وقال: أراد أنّ

стр. 1480

الأحياء إذا شقيت بك كثرت الأموات، وتلك الكثرة تؤدّى إلى القلّة؛ إمّا لأنّ الأحياء يقلّون بمن يموت منهم، وإمّا لأنّ الميّت يقلّ فى نفسه. وقال أبو زكريّا: قول أبى الفتح: شقيت بك يريد بفقدك، يحيل معنى البيت؛ لأنّ الأحياء شقوا به؛ لأنه قتلهم. وأقول: إنّ الصحيح قول أبى الفتح، إنه أراد: شقيت بفقدك، وبهذا فسّره علىّ بن عيسى الرّبعىّ. قال: ذهب إلى أنه نعمة على الأحياء، وفقده (١) شقاء لهم. وممّا حذفت منه هذه اللفظة التى هى «الفقد» قول المرقّش: ليس على طول الحياة ندم ... ومن وراء المرء ما يعلم (٢) أراد: ليس على فقد طول الحياة؛ لا بدّ من تقدير هذا. وأظهر هذه اللفظة فى هذا المعنى بعينه-وهو كون حياته نعمة، وكون موته شقاء ونقمة-الشاعر فى قوله: لعمرك ما الرّزيّة فقد مال ... ولا شاة تموت ولا بعير (٣) ولكنّ الرّزيّة فقد حرّ ... يموت لموته خلق كثير وقد صرّح بهذا المعنى ما رواه الرّبعىّ عن المتنبّى، أنه قال: قال لى أبو عمر السّلمىّ: عدت أبا علىّ الأوارجىّ فى علّته التى مات فيها بمصر، فاستنشدنى: لا تكثر الأموات كثرة قلّة. . . البيت فأنشدته، فجعل يستعيده ويبكى حتى مات (٤)، فإذا كان المتنبّى قد حكى هذا، فهل يجوز أن يكون المعنى إلاّ على ما قدّره أبو الفتح؟ ...

стр. 1481

وقوله: لم تسم يا هارون إلاّ بعد ما ... اقترعت ونازعت اسمك الأسماء (١) قال فيه أبو الفتح: أراد: لم تسم بهذا الاسم إلاّ بعد ما تقارعت عليك الأسماء، فكلّ أراد أن تسمى به، فخرا بك. وقال أبو العلاء: أجود ما يتأوّل فى هذا: أن يكون الاسم هاهنا فى معنى الصّيت، كما يقال: فلان قد ظهر اسمه، أى قد ذهب صيته فى الناس، فذكره لا يشاركه فيه أحد، وماله يشترك فيه الناس. فأمّا أن يكون عنى باسمه هارون، فهذا يحتمله ادّعاء الشّعراء، وهو مستحيل فى الحقيقة؛ لأنّ العالم لا يخلو أن يكون فيهم جماعة يعرفون بهارون. والذى ذهب إليه أبو الفتح، من إرادته اسمه العلم هو الصّواب. وقول المعرىّ إن الاسم هنا يريد به الصّيت ليس بشىء يعوّل عليه؛ لأنّ قول أبى الطيّب: «لم تسم» معناه: لم يجعل لك اسم. وأمّا دفع المعرّىّ أن يكون المراد الاسم العلم بقوله: إنّ فى الناس جماعة يعرفون بهارون، فقول من لم يتأمّل لفظ صدر البيت الذى يلى هذا البيت، وهو قوله: فغدوت واسمك فيك غير مشارك (٢) والمعنى: أنّ اسمك انفرد بك دون غيره من الأسماء، فمعارضته بأنّ فى الناس جماعة يعرفون بهارون إنما تلزم أبا الطيّب لو قال: فغدوت وأنت غير مشارك فى اسمك، فلم يفرق المعرّىّ بين أن يقال: اسمك غير مشارك فيك، وأن يقال: أنت غير مشارك فى اسمك، فإنما أراد أنّ اسمك انفرد بك دون الأسماء، ولم يرد أنك انفردت باسمك دون الناس، فاللفظان متضادّان كما ترى. ...

стр. 1482

المجلس الثالث والثمانون تفسير قول أبى الطيّب: عزير أسا من داؤه الحدق النّجل ... عياء به مات المحبّون من قبل (١) روى بعض الرّواة: عزيز أسا (٢)، بتنوين «أسا» ونصبه على التمييز، كما تقول: عزيز دواء زيد، فرفعوا «من» بالابتداء، و «عزيز» خبرها؛ لأنّ «من» معرفة بصلتها، أو نكرة متخصّصة بصفتها، فهى أولى بالابتداء فى كلا وجهيها، وصفة «من» تكون على ضربين: جملة ومفرد، فالجملة فى قول عمرو بن قميئة: يا ربّ من يبغض أذوادنا ... رحن على بغضائه واغتدين (٣) وفى قول الآخر: ربّ من أنضجت غيظا صدره ... قد تمنّى لى موتا لم يطع (٤) والمفرد فى قول حسّان: فكفى بنا فضلا على من غيرنا ... حبّ النبىّ محمّد إيّانا (٥)

стр. 1483

فمن نكرة فى البيت الأوّل والثانى؛ لأن «ربّ» لا تليها المعرفة. وفى البيت الثالث؛ لأن المفرد لا يكون صلة، فكأنه قال: على ناس غيرنا، أو قوم غيرنا، وإن رفعت «غيرنا» بأنه خبر مبتدأ محذوف، تريد: من هو غيرنا، فجعلت «من» موصولة، كقراءة من قرأ: ﴿تَماماً عَلَى الَّذِي أَحْسَنَ﴾ (١) يريد: هو أحسن، جاز. ومثله ما رواه الخليل من قولهم: ما أنا بالذى قائل لك شيئا. ويجوز فى قول من نوّن «أسا» أن ترفع «من» بعزيز، رفع الفاعل بفعله، على ما يراه الأخفش والكوفيّون، من إعمال اسم الفاعل، واسم المفعول، والصّفة المشبّهة باسم الفاعل وإن لم يعتمدن، كقولك: قائم غلاماك، ومضروب صاحباك، وظريف أخواك. والوجه إعمالهنّ إذا اعتمدن على مخبر عنه، أو موصوف، أو ذى حال، وأقلّ ما يعتمدن عليه همزة الاستفهام، و «ما» النافية. وروى آخرون إضافة «أسا» ورفعه بالابتداء؛ لتخصّصه بالإضافة، و «عزيز» خبره، وإن شئت رفعت «عزيزا» بالابتداء، ورفعت «أسا» به، على المذهب الأضعف. وأما «عياء» ففى رفعه ثلاثة أوجه: إن شئت جعلته خبرا بعد خبر، كقولهم: هذا حلو حامض، أى قد جمع الطّعمين. وإن شئت أبدلته من الحدق؛ لأنها هى الداء فى المعنى، فكأنك قلت: من داؤه عياء (٢). و «عزيز» هنا يحتمل أن يكون من عزّ الشىء: إذا قلّ وجوده. ويحتمل أن يراد به: شديد صعب، غالب للصّبر، من قولهم: عزّه يعزّه، إذا غلبه، ومنه ﴿عَزِيزٌ عَلَيْهِ ما عَنِتُّمْ﴾ (٣)، أى شديد عليه عنتكم، أى هلاككم.

стр. 1484

وللأسا وجهان: أحدهما الحزن، وفعله: أسى يأسى، والآخر: العلاج والإصلاح، وفعله: أسا يأسو، يقال: أسوت الجرح: إذا أصلحته وداويته، أسوا وأسا. قال الأعشى (١): عنده البرّ والتّقى وأسا الشّقّ ... وحمل لمضلع الأثقال وحدقة العين: سوادها، والجميع: حدق وحداق، فحدق من باب قصبة وقصب، وحداق مثل رقبة ورقاب، ورحبة ورحاب. والنّجل: جمع نجلاء، والمصدر: النّجل، وهو السّعة فى حسن. ... تفسير قوله: كفى بجسمى نحولا أننى رجل ... لولا مخاطبتى إيّاك لم ترنى (٢) يتوجّه فى هذا البيت سؤال عن الفرق فى الإعراب بين «كفى بجسمى نحولا» ﴿وَكَفى بِاللهِ وَكِيلاً﴾ (٣). وسؤال ثان، وهو أنّ «أنّ» المفتوحة تكون مع خبرها فى تأويل مصدر، كقولك: بلغنى أنّك ذاهب، أى بلغنى ذهابك، فبأىّ مصدر تتقدّر فى هذا البيت؟ وسؤال ثالث، وهو أن يقال: إن الجملة التى هى «لولا مخاطبتى إياك لم ترنى» وصف لرجل، ورجل اسم غيبة، فكيف عاد إليه منها ضمير متكلّم؟ وكان القياس أن يقال: لولا مخاطبته إيّاك لم تره.

стр. 1485

الجواب: أنّ «كفى» ممّا غلب عليه زيادة الباء، تارة مع فاعله، وتارة مع مفعوله، ودخولها على مفعوله قليل، فزيادتها مع الفاعل مثل: كفى بالله، المعنى: كفى الله، ويدلّك على أنها مزيدة فى «بالله» قول سحيم (١): كفى الشّيب والإسلام للمرء ناهيا وأمّا زيادتها مع المفعول، فمنه ما أوردته آنفا من قول الأنصارىّ: فكفى بنا فضلا على من غيرنا ... حبّ النبىّ محمد إيّانا ومنه: كفى بك داء أن ترى الموت شافيا (٢) التقدير: كفاك داء رؤيتك الموت، ومنه: «كفى بجسمى نحولا» لأنّ فاعل «كفى» أنّ وما اتّصل بها. واسبك لك من ذلك فاعلا بما دلّ عليه الكلام من النفى بلم، وامتناع الشىء لوجود غيره بلولا، فالتقدير: كفى بجسمى نحولا انتفاء رؤيتى لولا وجود مخاطبتى، وانتصاب «نحولا» على التفسير (٣)، والتفسير فى هذا النحو للفاعل دون المفعول، فوكيلا تفسير لاسم الله تعالى، و «نحولا» تفسير لانتفاء الرّؤية، كما كان «فضلا» فى بيت الأنصارىّ تفسيرا لحبّ النبىّ إيّاهم. فقد بان لك الفرق فى الإعراب بين «كفى بجسمى نحولا» «وكفى بالله وكيلا»؛ من حيث كان «بالله» فاعلا، و «بجسمى» مفعولا. وإنما زيدت الباء فى نحو «كفى بالله» حملا على معناه، إذ كان بمعنى اكتف بالله، ونظيره قولهم: حسبك بزيد، زادوا الباء فى خبر «حسبك» لمّا دخله معنى اكتف.

стр. 1486

وأمّا رجل من قوله: «أننى رجل» فخبر موطّئ (١)، وإنما الخبر فى الحقيقة هو الجملة التى وصف بها رجل، والخبر الموطّأ هو الذى لا يفيد بانفراده ممّا بعده، كالحال الموطّئة (٢) فى نحو: ﴿إِنّا أَنْزَلْناهُ قُرْآناً عَرَبِيًّا﴾ (٣) ألا ترى أنّك لو اقتصرت على رجل هنا لم تحصل به فائدة، وإنما الفائدة مقرونة بصفته، فالخبر الموطّأ كالزيادة فى الكلام، فلذلك عاد الضّميران اللذان هما الياءان فى «مخاطبتى» و «لم ترنى» إلى الياء فى «أنّنى»، ولم يعودا على «رجل»؛ لأن الجملة فى الحقيقة خبر عن الياء فى «أنّنى»، وإن كانت بحكم اللفظ صفة لرجل، فلو (٤) قلت: إنّ «رجل»، لمّا كان هو الياء التى فى «أنّنى» من حيث وقع خبرا عنها عاد الضّميران إليه على المعنى-كان قولا. ونظيره عود الياء إلى «الذى» فى قول علىّ ﵇: أنا الذى سمّتن أمّى حيدره (٥) لمّا كان «الذى» هو «أنا» فى المعنى (٦)، وليس هذا ممّا يحمل على الضّرورة؛ لأنه قد جاء مثله فى القرآن، نحو: ﴿بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ﴾ (٧) فتجهلون فعل خطاب وصف به اسم غيبة كما ترى، ولم يأت بالياء وفاقا ل ﴿قَوْمٌ﴾، ولكنه جاء وفق المبتدأ الذى هو ﴿أَنْتُمْ﴾ فى الخطاب، ولو قيل: بل أنتم قوم، لم

стр. 1487

يحصل بهذا الخبر فائدة. وممّا جاء من ذلك فى الشّعر لغير ضرورة قوله (١): أأكرم من ليلى علىّ فتبتغى ... به الجاه أم كنت امرأ لا أطيعها أعاد من «أطيعها» ضمير متكلّم، ولم يعد ضمير غائب وفاقا لامرئ. فهذا دليل إلى (٢) دليل التنزيل. فاعرف هذا وقس عليه نظائره. ... وممّا أهمل مفسّرو شعر أبى الطيّب تعريبه قوله (٣): بئس اللّيالى سهدت (٤) ... من طربى شوقا إلى من يبيت يرقدها يتوجّه فى هذا البيت السّؤال عن المقصود فيه بالذمّ، وما موضع «من طربى» من الإعراب؟ وما الذى نصب «شوقا»؟ وكم وجها فى نصبه؟ وبم يتعلّق «إلى»؟ وكم حذفا فى البيت؟. فأمّا المقصود بالذمّ فمحذوف، وهو نكرة موصوفة بسهدت، والعائد إليه من صفته محذوف أيضا، فالتقدير: ليال سهدت فيها، ونظير هذا الحذف فى التنزيل، فى قوله تعالى: ﴿وَمِنْ آياتِهِ يُرِيكُمُ الْبَرْقَ﴾ (٥)، التقدير: آية يريكم فيها البرق.

стр. 1488

وجاء فى الشّعر حذف النكرة المجرورة الموصوفة بالجملة، فى قول الرّاجز: مالك عندى غير سهم وحجر ... وغير كبداء شديدة الوتر جادت بكفّى كان من أرمى البشر (١) أراد: بكفّى رجل، فحذف رجلا، وهو ينويه. وقوله: «من طربى» مفعول له. و «من» بمعنى اللام، كما تقول: جئت لأجلك، ومن أجلك، وأكرمته لمخافة شرّه، ومن مخافة شرّه، ﴿وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ مِنْ إِمْلاقٍ﴾ (٢) أى لإملاق. و «شوقا» يحتمل أن يكون مفعولا من أجله، عمل فيه «طربى»، فيكون الشوق علّة للطّرب، والطرب علّة للسّهاد، ولا يعمل «شهدت» فى «شوقا» لأنه قد تعدّى إلى علّة فلا يتعدّى إلى أخرى إلاّ بعاطف، كقولك: أقمت سهرا وخوفا، وسهدت طربا وشوقا. ويحتمل «شوقا» أن ينتصب انتصاب المصدر، كأنه قال: شقت شوقا، أو شاقنى التذكّر شوقا، وشقت: ما لم يسمّ فاعله، كقول المملوك: قد بعت، أى باعنى مالكى، وكقول الأمة وقد سئلت عن المطر: «غثنا ما شئنا (٣)»، والأصل: غاثنا الله. فأمّا «إلى» فالوجه أن تعلّقها بالشّوق؛ لأنه أقرب المذكورين إليها، وإن

стр. 1489

شئت علّقتها بالطّرب، وذلك إذا نصبت «شوقا» بطربى، فإن نصبته على المصدر امتنع تعليق «إلى» بطربي؛ لأنك حينئذ تفصل ب «شوقا» وهو أجنبىّ بين الطّرب وصلته. وكان الوجه فى «يرقدها»: يرقد فيها، كما تقول: يوم السّبت خرجت فيه، ولا تقول: خرجته، إلاّ على سبيل التوسّع فى الظرف، تجعله مفعولا به على السّعة، كقوله: ويوما شهدناه سليما وعامرا (١) وكقول الآخر: فى ساعة يحبّها الطّعام (٢) المعنى: يحبّ فيها، وشهدنا فيه. ففى البيت أربعة حذوف: الأوّل: حذف المقصود بالذمّ، وهو ليال. والثانى: حذف «فى» من «سهدت فيها»، فصار «سهدتها»، والثالث: حذف الضمير من «سهدتها». والرابع: حذف «فى» من «يرقدها». وقد روى: سهرتها طربا، وسهرت من طرب. وقد فرّق بعض اللّغويّين بين (٣) السّهاد والسّهر، فزعم أن السّهاد للعاشق واللّديغ، والسّهر فى كلّ شيء، وأنشد قول النابغة (٤): يسهّد فى ليل التّمام سليمها

стр. 1490

وقول الأعشى: وبتّ كما بات السّليم مسهّدا (١) والطّرب: خفّة تصيب الإنسان لشدّة سرور أو حزن. قال ابن قتيبة: يذهب الناس إلى أنّ الطّرب فى الفرح دون الجزع، وليس كذلك، إنّما الطّرب خفّة تصيب الرجل لشدّة السّرور، أو لشدّة الجزع (٢)، وأنشد: وأرانى طربا فى إثرهم ... طرب الواله أو كالمختبل (٣) ومثله قول الآخر: وقلن لقد بكيت فقلت كلاّ ... وهل يبكى من الطّرب الجليد (٤) ... وقوله: أمط عنك تشبيهى بما وكأنّه ... فما أحد فوقى وما أحد مثلى (٥) يتوجّه فيه سؤال عن «ما» من قوله: «تشبيهى بما» وليست «ما» من أدوات التشبيه. وقد قيل فى ذلك أقوال، أحدها: ما حكاه أبو الفتح عن المتنبّى، أنه كان إذا سئل عن ذلك أجاب بأنّ «ما» سبب للتشبيه؛ لأنّ القائل إذا قال: ما الذى يشبه هذا؟ قال المجيب: كأنّه الأسد، أو كأنّه الأرقم، أو نحو ذلك، فأتى

стр. 1491

المتنبّى بحرف التشبيه الذى هو «كأنّ» وبلفظ الحرف الذى كان سؤالا عن التشبيه، فأجيب عنه بكأنّ. فذكر السّبب والمسبّب جميعا. قال أبو الفتح: وقد فعل أهل اللّغة مثل هذا، فقالوا: الألف والهمزة فى «حمراء» علامة التأنيث، وإنّما العلامة فى الحقيقة الهمزة وحدها، ولكنّها لمّا صاحبت الألف، وكان انقلابها لسكون الألف قبلها قيل: هما جميعا للتأنيث (١). والثانى: ما حكاه القاضى أبو الحسن علىّ بن عبد العزيز الجرجانىّ، صاحب كتاب «الوساطة بين المختصمين فى شعر المتنبّى» عن المتنبّى أيضا، قال: سئل عن معنى قوله: «بما وكأنّه» قال: أردت: لا تقل ما هو إلاّ كذا، وكأنّه كذا؛ لأنه ليس فوقى أحد ولا مثلى فتشبّهنى به، وقال هذا الراوى مقويّا لهذا الوجه: إذا قلت: ما هو إلاّ الأسد، وإلاّ كالأسد، فقد أتيت ب «ما» لتحقيق التشبيه، كما قال لبيد (٢): وما المرء إلاّ كالشّهاب وضوئه فليس ينكر أن ينسب التّشبيه إلى «ما» إذا كان لها هذا الأثر (٣). والثالث: ما رواه الرّبعىّ عن المتنبّى أيضا، قال: سئل عن قوله: «بما وكأنّه» فقال: أردت: ما أشبه فلانا بفلان، وكأنه فلان.

стр. 1492

فهذه ثلاثة أقوال مختلفة، كما ترى، ولا يمتنع أن يجيب المسئول بأجوبة مختلفة فى أوقات متغايرة. والرابع: قول أبى علىّ بن فورجة، قال: هذه «ما» التى تصحب «كأنّ» إذا قلت: كأنّما زيد الأسد (١)، وإليه ذهب أبو زكريّا، قال: أراد: أمط عنك تشبيهى بأن تقول: كأنّه الأسد، وكأنما هو اللّيث. وهذا القول أردأ الأقوال وأبعدها من الصّواب؛ لأنّ المتنبي قد فصل «ما» من «كأنّ»، وقدّمها عليه، وأتى فى مكانها بالهاء، فاتّصال «ما» بكأنّه غير ممكن لفظا ولا تقديرا، وهى مع ذلك لا تفيد معنى إذا اتّصلت بكأنّ، فكيف إذا انفصلت منه وقدّمت عليه، وهى فى الأقوال الثلاثة المحكيّة عن المتنبّى منفصلة قائمة بنفسها تفيد معنى، فهى فيما رواه أبو الفتح استفهاميّة، وفيما رواه علىّ بن عبد العزيز الجرجانىّ نافية، وفيما رواه الرّبعىّ تعجّبيّة. والكافّة إنما تدخل لتكفّ عن العمل، لا لمعنى تحدثه، فهى بمنزلة «ما» الزائدة. ثم إنّ هذين اللفظين اللذين قد مثّل بهما أبو زكريّا، فقال: كأنّه الأسد، وكأنما هو الليث، قد أتى فيهما بأداة التشبيه التى هى «كأنّ» وحدها؛ لأنّ معنى كأنّه وكأنما هو واحد، فلا فرق بينه وبين أن تقول: أمط عنك تشبيهى بكأنّ وكأنّ، فهو فاسد من كلّ وجه. يقال: ماط الله (٢) عنك الأذى، وأماطه، أى أزاله، وماط الشىء: زال، ومطه عنك، وأمطه: نحّه وأزله، ومط عنّى: تنحّ وزل. استعملوا ماط لازما ومتعديا. وقوله: «تشبيهى» أراد: تشبيهك إيّاى، فحذف الفاعل، وهو الكاف،

стр. 1493

وأضاف المصدر إلى المفعول، فصار المنفصل متّصلا. والمصدر كثيرا ما يحذف فاعله. ... أنشد بعض (١) أهل الأدب لأخى الحارث بن حلّزة: ربّما قرّت عيون بشجى ... مرمض قد سخنت منه عيون وقال: من هذا البيت أخذ المتنبّى قوله (٢): مصائب قوم عند قوم فوائد قلت: إن كان الجاهليّ أبا عذرة هذا المعنى، فلقد أحسن أبو الطيّب أخذه، حيث أتى به فى نصف بيت. ...

стр. 1494

قوله (١): إلام طماعية العاذل ... ولا رأى فى الحبّ للعاقل ظاهره أن معنى عجزه غير متعلّق بمعنى صدره، وأين قوله فى الظاهر: ولا رأى فى الحبّ للعاقل من قوله: إلام طماعية العاذل؟ ويحتمل تعلّقه به وجوها، أحدها: أن يريد: إلام يطمع عاذلى فى إصغائى إلى قوله، والعاقل إذا أحبّ لم يبق له مع الحبّ رأى يصغى به إلى قول ناصح، فعذله غير مجد نفعا. والثانى: أن العاقل لا يرتئى فى الحبّ، فيقع به اختيارا، وإنما يقع اضطرارا، فلا معنى لعذله (٢). والثالث: أن العاقل ليس من رأيه أن يورّط نفسه فى الحبّ، وإنما ذلك من فعل الجاهل، وعذل الجاهل أضيع من سراج فى الشّمس (٣)، فكيف يطمع فى نزوعه؟ ... ومن مشكل أبياته قوله (٤): لا تجزني بضنى بى بعدها بقر ... تجزى دموعى مسكوبا بمسكوب

стр. 1495

كنى بالبقر عن النّساء، على مذهب العرب فى تشبيههم النّساء بالبقر الوحشيّة، يريدون بذلك شدّة سواد عيونهنّ، قال عبد الرحمن بن حسّان (١): صفراء من بقر الجواء كأنّما ... ترك الحياء بها رداع سقيم الرّداع: وجع الجسم أجمع. ويروى: «أثر الحياء». وقوله: «لا تجزنى» دعاء بلفظ النّهى، فحكمه فى الجزم حكم النّفى، كما قال: فلا تشلل يد فتكت بعمرو ... فإنّك لن تذلّ ولن تضاما (٢) وكذلك استعمال الدعاء بلفظ الأمر، كقولك: ليقطع الله يده. والضّنى: الداء المخامر الذى إذا ظنّ صاحبه أنه قد برأ نكس. وقوله: «بعدها» أراد بعد فراقها، فحذف المضاف. وقوله: «بى» صفة لضنى، فالباء متعلّقة بمحذوف، تقديره: كائن أو واقع. ويحتمل الناصب للظّرف الذى هو «بعدها» وجهين: إن شئت أعملت فيه المصدر الذى هو «ضنى»، وإن شئت أعملت فيه الباء التى فى «بى»؛ لأنّ الظرف وحرف الخفض إذا تعلّقا بمحذوف عملا فى الظرف وفى الحال، كقولك: زيد فى الدار اليوم، وهو عند جعفر غدا. والهاء فى «بعدها» عائدة على «بقر»، وإن كانت «بقر» متأخّرة، وجاز

стр. 1496

ذلك لأنها فاعل (١)، والفاعل رتبته التقدّم، فإذا أخّرته جاز تقديم الضمير العائد إليه؛ لأنّ النيّة به التقديم، ومثله: ﴿فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً مُوسى﴾ (٢). وفى الكلام حذف؛ وذلك أنه أراد: لا تجزنى بضنى بى ضنى بها، أى ضنى يقع بها، فحذف ذلك للعلم به. و «مسكوبا» لا يجوز أن ينتصب على الحال من «دموعى»؛ لأن الواحد المذكّر لا يكون حالا من جماعة، لا تقول: طلعت الخيل مترادفا، ولكن: مترادفة، ولو قلت: مترادفات، كان أحسن، كما جاء فى التنزيل: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ فَوْقَهُمْ صافّاتٍ﴾ (٣). ولو قال: تجزى دموعى مسكوبة، كان حالا. وإذا بطل انتصاب «مسكوبا» على الحال، نصبته على البدل من «الدموع» كأنه قال: تجزى مسكوبا منها بمسكوب من دموعها، فحذف الجارّين والمجرورين، وإنما احتيج إلى تقدير «منها»؛ لأنّ بدل البعض وبدل الاشتمال لا بدّ أن يتّصل بهما ضمير يعود على المبدل منه، كقولك: ضربت زيدا رأسه، وأعجبنى زيد علمه. ومن بدل الاشتمال المحذوف منه الضمير قول الأعشى: لقد كان فى حول ثواء ثويته ... تقضّى لبانات ويسأم سائم (٤)

стр. 1497

أراد: ثويته فيه. ومعنى البيت: أنه بكى عند الفرقة وبكين، فجزين دمعه بدمع، فدعا لهنّ بألاّ يجزينه بضناه ضنى، كما جزينه بالدّمع دمعا.

стр. 1498

المجلس الرابع والثمانون قول أبى الطيّب (١): أنت الجواد بلا منّ ولا كدر ... ولا مطال ولا وعد ولا مذل سألنى سائل عن المذل، فقلت: قد قيل فيه قولان: أحدهما أن معناه القلق، يقال: مذلت من كلامك، أى قلقت، ومذل فلان على فراشه: إذا قلق فلم يستقرّ. والقول الآخر: البوح بالسّرّ، يقال: فلان مذل بسرّه، وكذلك هو مذل بماله: إذا جاد به. وذكر أبو زكريّا فى تفسير البيت الوجهين فى المذل، ثم قال: والذى أراد أبو الطيّب بالمذل: أنه لا يقلق بما يلقاه من الشّدائد، كما يقلق غيره. وليس ما قاله بشىء عليه تعويل، بل المذل هاهنا البوح بالأمر، ونفى ذلك عنه، فأراد: أنه إذا جاد كتم معروفه، فلم يبح به. وقول أبى زكريّا: «أراد أنه لا يقلق بما يلقاه من الشدائد» قد زاد بذكر الشدائد ما ذهب إليه بعدا من الصّواب، وهل فى البيت ما يدلّ على الشّدائد؟ إنما مبنى البيت على الجود، والخلال التى مدحه بنفيها عنه متعلّقة بمعنى الجود، وهى المنّ والكدر، والمطال والوعد، والمذل الذى هو البوح بالشىء. ...

стр. 1499

فصل أنبّه فيه على فضائل أبى الطّيّب، وأورد فيه غررا من حكمه. فمن بدائعه قوله فى الحمّى: وزائرتى كأنّ بها حياء ... فليس تزور إلاّ فى الظّلام (١) بذلت لها المطارف والحشايا ... فعافتها وباتت فى عظامى المطارف: جمع مطرف، ومطرف، وهو الذى فى طرفه علمان. والحشايا: جمع حشيّة، وهو ما حشى، ممّا يفرش. إذا ما فارقتنى غسّلتنى ... كأنّا عاكفان على حرام إنما خصّ الحرام، والاغتسال يكون من الحلال والحرام؛ لأنه جعلها زائرة، والزائرة غريبة، فليست بزوجة ولا مملوكة (٢). كأنّ الصّبح يطردها فتجرى ... مدامعها بأربعة سجام إنما قال: «بأربعة» لأنه أراد الغروب والشّئون، وواحدهما: غرب وشأن، وهما مجارى الدّموع. أراقب وقتها من غير شوق ... مراقبة المشوق المستهام ويصدق وعدها والصّدق شرّ ... إذا ألقاك فى الكرب العظام أبنت الدّهر عندى كلّ بنت ... فكيف وصلت أنت من الزّحام جعل الحمّى بنتا للدّهر؛ لأنها تحدث فيه، فكأنه أب لها. وقوله: «عندى كلّ بنت» يريد كلّ شديدة يحدثها الدهر.

стр. 1500

وفيها: وضاقت خطّة فخلصت منها ... خلاص الخمر من نسج الفدام خطّة: حال صعبة. والفدام: مصفاة الخمر. ويقال: فدّام، بالتشديد. قال أبو الفتح، بعد أن ذكر هذه الأبيات: ما قيل شعر فى وصف حال نهكت صاحبها واشتدّت به، ثم عاد إلى حال السّلامة، إلاّ وهذا أحسن منه. وقد ذكر عبد الصمد بن المعذّل الحمّى فى قصيدة رائيّة (١)، وليست فى طرز هذه، وإن كان عبد الصّمد حاذقا مخترعا غير مدفوع الفضل. ... وقال أبو الفتح بعد قوله: وكم من عائب قولا صحيحا ... وآفته من الفهم السّقيم (٢) ولكن تأخذ الآذان منه ... على قدر القرائح والعلوم هذا كلام شريف، لا يصدر إلاّ عن فضل باهر. القريحة: خالص الطّبع، وهى مأخوذة من قريحة (٣) البئر، وهو أوّل ما يخرج من مائها، ومن هذا قيل: ماء قراح، أى لا يخالطه غيره. ...

стр. 1501

وقال أبو الفتح عقيب قوله: لا يسلم الشّرف الرّفيع من الأذى ... حتّى يراق على جوانبه الدّم (١) أشهد بالله أنه لو لم يقل المتنبّى غير (٢) هذا البيت لوجب أن يتقدّم كثيرا من المجيدين. ... وقال أبو الطيّب فى أسد قتله بدر بن عمّار، وفرّ منه أسد آخر: تلف الذى اتّخذ الجراءة خلّة ... وعظ الذى اتّخذ الفرار خليلا (٣) وقال أبو الفتح بعد إيراد هذا البيت: هذا من حكمه التى يرسلها، وله فى شعره أشباه لهذا كثيرة، منها قوله: الرأى قبل شجاعة الشّجعان ... هو أوّل وهى المحلّ الثانى (٤) ومنها: مصائب قوم عند قوم فوائد (٥) ومنها: إن النّفيس غريب حيث ما كانا (٦)

стр. 1502

ومنها: ومن نكد الدّنيا على الحرّ أن يرى ... عدوّا له ما من صداقته بدّ (١) ... وقال أبو الفتح بعد إيراد قوله: ولقد عرفت وما عرفت حقيقة ... ولقد جهلت وما جهلت خمولا (٢) نطقت بسؤددك الحمام تغنّيا ... وبما تجشّمها الجياد صهيلا أشهد بالله لو خرس بعد هذين البيتين لكان أشعر الناس، والسّلام. ... وقال أبو الفتح فى قوله: نهبت من الأعمار ما لو حويته ... لهنّئت الدّنيا بأنك خالد (٣) لو لم يمدحه إلاّ بهذا البيت وحده لكان قد أبقى له مالا يخلقه الزّمان، وهذا هو المدح الموجّه؛ لأنه بنى البيت على أن مدحه باستباحة الأعمار، ثم تلقّاه فى آخره بذكر سرور الدنيا ببقائه واتّصال أيّامه. وهذا البيت قد ذكرت ما فيه فيما تقدّم. ...

стр. 1503

وقال أبو العلاء المعرّىّ فى قوله: إلف هذا الهواء أوقع فى الأن ... فس أنّ الحمام مرّ المذاق (١) والأسى قبل فرقة الرّوح عجز ... والأسى لا يكون بعد الفراق هذان البيتان يفضلان كتابا من كتب الفلاسفة؛ لأنهما متناهيان فى الصّدق وحسن النّظام، ولو لم يقل شاعرهما سواهما لكان فيهما جمال وشرف. ... وقال أبو العلاء فى مرثية أبى الطيّب، التى رثا بها أخت سيف الدولة، التى أوّلها: إن يكن صبر ذى الرّزيّة فضلا (٢) لو لم يكن للمتنبّى غير هذه القصيدة فى سيف الدولة لكان ذلك كثيرا، وأين منها قصيدة البحترىّ التى أوّلها: إنّ سير الخليط لمّا استقلاّ (٣) انتهى كلامه. ...

стр. 1504

ومن معانى أبى الطيّب المستحسنة-وإن كان مما سبق إليه-قوله: ذو العقل يشقى فى النّعيم بعقله ... وأخو الجهالة فى الشّقاوة ينعم (١) أصل هذا المعنى قول أرسطاطاليس: العقل سبب رداءة العيش (٢)، وأخذه عبد الله ابن المعتزّ فى قوله: وحلاوة الدنيا لجاهلها ... ومرارة الدنيا لمن عقلا (٣) وكرّره أبو الطيّب فى قوله: أفاضل الناس أغراض لذا الزّمن ... يخلو من الهمّ أخلاهم من الفطن (٤) ... ومن ابتداءاته الغزلة (٥) الفائقة قوله: أريقك أم ماء الغمامة أم خمر ... بفىّ برود وهو فى كبدى جمر (٦) ... ومن بارع ابتداءات المراثى قوله: نعدّ المشرفيّة والعوالى ... وتقتلنا المنون بلا قتال (٧) ونرتبط السّوابق مقربات ... وما ينجين من خبب اللّيالى

стр. 1505

وما وصف أحد ما اعتوره من نوائب الدّهر بأحسن من قوله: رمانى الدهر بالأرزاء حتّى ... فؤادى فى غشاء من نبال فصرت إذا أصابتنى سهام ... تكسّرت النّصال على النّصال وهل وصف واصف نساء بالجمع بين بكاء الفجيعة وبكاء الدّلال بأبرع من قوله: أتتهنّ المصيبة غافلات ... فدمع الحزن فى دمع الدّلال وهل أبّن شاعر امرأة بأبلغ من قوله: ولو كان النّساء كمن فقدنا ... لفضّلت النّساء على الرجال وما التأنيث لاسم الشمس عيب ... وما التذكير فخر للهلال ومن هذه القصيدة فى المدح قوله: فإن تفق الأنام وأنت منه ... فإنّ المسك بعض دم الغزال (١) ... وممّا جمع فيه بين الصّنعة وحسن المعنى، وهو من شوارد بدائعه، قوله: أزورهم وسواد الليل يشفع لى ... وأنثنى وبياض الصّبح يغرى بى (٢) قابل أزورهم بأنثنى، وسواد الليل ببياض الصّبح، ويشفع لى بيغرى بى. ...

стр. 1506

وأجمع أهل المعرفة بالشّعر على أنه لم يمدح أسود بأحسن من قوله فى كافور: فجاءت بنا إنسان عين زمانه ... وخلّت بياضا خلفها ومآقيا (١) حتى قال بعضهم: لو مدح بهذا أبيض لكان غاية فى المدح، فكيف والممدوح به أسود؟ ... وما ذمّ شاعر الدّنيا بمثل قوله: فذى الدار أخون من مومس ... وأغدر من كفّة الحابل (٢) تفانى الرجال على حبّها ... وما يحصلون على طائل المومس من النّساء: الفاجرة. ... ومن بديع الاستعتاب بأحسن لفظ وأعذب معنى قوله: إن كان سرّكم ما قال حاسدنا ... فما لجرح إذا أرضاكم ألم (٣) ...

стр. 1507

ومن أبلغ الوصف بالجود قوله: أرجو نداك ولا أخشى المطال به ... يا من إذا وهب الدّنيا فقد بخلا (١) ... ومن أشدّ ما هجى به خصيّ أسود قوله: وذاك أنّ الفحول البيض عاجزة ... عن الجميل فكيف الخصية السّود (٢) ... ومن درّ قلائده، وهو ممّا أقرّ له فيه أبو نصر بن نباتة بالفضيلة، فقال: إننا لنقول وما نحسن (٣) أن نقول كقول أبى الطيّب: إذا ما سرت فى آثار قوم ... تخاذلت الجماجم والرّقاب (٤) ... وممّا زاد فيه على من تقدّمه قوله فى الطّير التى تصحب الجيش لتصيب من القتلى: يطمّع الطّير فيهم طول أكلهم ... حتى تكاد على أحيائهم تقع (٥) أراد: طول أكلها إيّاهم، فحذف فاعل المصدر، وأضافه إلى المفعول، كما جاء فى التنزيل: ﴿لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤالِ نَعْجَتِكَ﴾ (٦) أى بسؤاله إيّاك نعجتك.

стр. 1508

ومن أحسن المدح باستلذاذ المسئول السّؤال قوله: إذا غزته أعاديه بمسألة ... فقد غزته بجيش غير مغلوب (١) كأنّ كلّ سؤال فى مسامعه ... قميص يوسف فى أجفان يعقوب ... ومن أرقّ لفظ فى المدح وأظرفه قوله: تأبى خلائقك التى شرفت ... ألاّ تحنّ وتذكر العهدا (٢) لو كنت عصرا منبتا زهرا ... كنت الربيع وكانت الوردا ... ومن غرره قوله: وجرم جرّه سفهاء قوم ... فحلّ بغير جارمه العذاب (٣) وقوله: وما الحسن فى وجه الفتى شرفا له ... إذا لم يكن فى فعله والخلائق (٤) وقوله: فإنّ قليل الحبّ بالعقل صالح ... وإنّ كثير الحبّ بالجهل فاسد (٥) وقوله: إذا رأيت نيوب الليث بارزة ... فلا تظنّنّ أن الليث مبتسم (٦)

стр. 1509

وقوله: خذ ما تراه ودع شيئا سمعت به ... فى طلعة الشمس ما يغنيك عن زحل (١) وقوله: لعلّ عتبك محمود عواقبه ... وربّما صحّت الأجسام بالعلل (٢) وقوله: وإذا الشيخ قال أفّ فما م ... لّ حياة وإنما الضّعف ملاّ (٣) آلة العيش صحّة وشباب ... فإذا ولّيا عن المرء ولّى أبدا تستردّ ما تهب الدّن ... يا فيا ليت جودها كان بخلا وقوله: وإذا كانت النفوس كبارا ... تعبت فى مرادها الأجسام (٤) وقوله: أعيذها نظرات منك صادقة ... أن تحسب الشّحم فيمن شحمه ورم (٥) وما انتفاع أخى الدنيا بناظره ... إذا استوت عنده الأنوار والظّلم وقوله: وما الدهر أهل أن تؤمّل عنده ... حياة وأن يشتاق فيه إلى النّسل (٦)

стр. 1510

وقوله: إذا ما الناس جرّبهم لبيب ... فإنّى قد أكلتهم وذاقا (١) فلم أر ودّهم إلاّ خداعا ... ولم أر دينهم إلاّ نفاقا وقوله: فما ترجّى النّفوس من زمن ... أحمد حاليه غير محمود (٢) وقوله: أبى خلق الدّنيا حبيبا تديمه ... فما طلبى منها حبيبا تردّه (٣) وأسرع مفعول فعلت تغيّرا ... تكلّف شيء فى طباعك ضدّه وقوله: إذا ساء فعل المرء ساءت ظنونه ... وصدّق ما يعتاده من توهّم (٤) وعادى محبّيه بقول عداته ... وأصبح فى ليل من الشكّ مظلم وما كلّ هاو للجميل بفاعل ... ولا كلّ فعّال له بمتمّم وقوله: ومثلك من كان الوسيط فؤاده ... فكلّمه عنّى ولم أتكلّم وقوله: وكلّ امرئ يولى الجميل محبّب ... وكلّ مكان ينبت العزّ طيّب (٥)
следующие страницы →