فقد سطا على ما حكاه ابن الشجرى عن سيبويه (١).
وقد استصوب البغدادىّ تأويل ابن الشجرى لقول الشاعر:
وقد جعلت نفسى تطيب لضغمة ... لضغمهما ها يقرع العظم نابها
فقال: وقد اختلف الناس فى معنى هذا البيت، وأصوب من تكلم عليه ابن الشجرى فى أماليه، فى موضعين منها (٢).
ثم دفع ما ذكره النحاة المتأخرون من أن ابن الشجرى. قد أجاز الجزم بلو، وقد ذكرت ذلك فى الفقرة الثالثة عشرة من آراء ابن الشجرى.
وقد تعقب البغدادىّ ابن الشجرى فيما ذكره من أن قول أبى طالب (٣):
ضروب بنصل السيف سوق سمانها ... إذا عدموا زادا فإنك عاقر
فى مدح النبىّ ﷺ .
قال البغدادى (٤): وهذا البيت من قصيدة لأبى طالب عمّ النبى ﷺ ، رثى بها أبا أمية بن المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم. . . وغلط بعضهم فزعم أنها مدح فى مسافر بن أبى عمرو. وأفحش من هذا القول قول ابن الشجرى فى «أماليه» إنها فى النبىّ ﷺ .
هذا وقد حكى البغدادىّ أيضا عن ابن الشجرى، فى مواضع من كتابه «شرح شواهد الشافية» وقد دللت على تلك المواضع فى حواشى التحقيق.
وفى كتابه شرح أبيات مغنى اللبيب، ذكره نحو أربعين ومائة مرّة (٥).
وفى كتابه شرح شواهد شرح التحفة الوردية، ذكره مرّتين (٦).
стр. 177
المرتضى الزّبيدى-محمد بن محمد
(١٢٠٥ هـ)
صاحب أضخم المعجمات العربية: تاج العروس فى شرح القاموس. وقد وقع لى موضع من هذا المعجم، ذكر فيه الزّبيدىّ ابن الشجرى، ولم أستقص جميع أجزاء ذلك المعجم الضخم، فإن ذلك محوج إلى زمن طويل:
ذكر الزّبيدىّ أقوال العلماء فى اشتقاق «القيل» وهو الملك من ملوك حمير، ثم قال (١): «وفيه كلام طويل لابن الشجرى وغيره».
ثم رأيت موضعا آخر، رجحت فيه أن الزّبيدىّ ناقل عن ابن الشجرى، وذلك ما أنشده من قول الشاعر:
رحت وفى رجليك ما فيهما ... وقد بدا هنك من المئزر
ثم قال الزّبيدى (٢): «قلت: هو للأقيشر، وقد جاء فى شعر الفرزدق أيضا، وصدره:
وأنت لو باكرت مشمولة ... صهباء مثل الفرس الأشقر
وقد ذكرت فى حواشى التحقيق ترجيحا أن الزّبيدىّ نقل ذلك من أمالى ابن الشجرى، استنادا إلى أن ابن الشجرى انفرد بهذه الرواية، وبنسبة الشعر إلى الفرزدق.
...
стр. 178
مذهب ابن الشجرىّ النحوىّ
وإذا فرغت من بيان آراء ابن الشجرى، والكشف عن مصادره وموارده، وأثره فيمن جاء بعده من النحاة، يأتى السؤال التقليديّ: أين يقف ابن الشجرى من المدارس النحوية: بصرية وكوفية وبغدادية؟
وقد كفانا ابن الشجرى مئونة البحث والاستنتاج، حين نسب نفسه صراحة إلى البصريين، وذلك قوله فى سرد حجج البصريين فى فعلية «أفعل التعجب»:
«لأصحابنا» وقوله: «ومن أدلّة مذهبنا» (١).
ثم إن ابن الشجرى موصول النّسب النحوىّ بالبصرية، فإن سلسلة شيوخه كلها من نحاة البصرة، وقد ذكرتها نقلا عن تلميذه أبى البركات الأنبارى، فى أثناء حديثى عن سيبويه. وتبدو بصرية ابن الشجرى على امتداد كتابه «الأمالى» ودلائلها كثيرة، لعل من أبرزها موقفه من الخلاف بين سيبويه والكسائى، فى المسألة الزنبورية، وانتصاره لسيبويه، ثم من الخلاف بين البصريين والكوفيين، فى «نعم وبئس» و «أفعل التعجب»، واختياره جانب البصريين-وقد أشرت إلى ذلك من قبل-ثم ما وراء ذلك من استعمال المصطلحات البصرية.
وقد أعمل ابن الشجرى القياس، وأجرى العلّة، واعتبر العامل، لفظيّا ومعنويّا، كلّ ذلك فعل، فى مسائل النحو والصرف واللغة، وفق المنهج البصرى (٢).
وقد صحّح ابن الشجرى آراء البصريين فى مواضع من الأمالى، منها رأيهم فى
стр. 179
عدم الجمع بين حرف النداء والميم فى «اللهم» (١)، ومنها قولهم فى أن الفتحة فى نحو «لا رجل فى الدار» بناء يشبه الإعراب (٢).
هذا وقد جرت قواعد البصريين على لسان ابن الشجرى، من غير أن يصرّح بنسبتها إليهم، وهو مما ظهر لى فى أثناء تحقيق الجزء الأول من الأمالى، فمن ذلك:
١ - تعليل استعمال الجمع مكان المثنى، فى نحو «ما أحسن وجوه الرجلين» ذكره ابن الشجرى، وحكاه عنه البغدادى، ثم قال (٣): «وهذا علّة البصريين».
٢ - ذكر ابن الشجرى أن الضّعف والضّعف، بفتح الضاد وضمها، لغتان، كالزّعم والزّعم، والفقر والفقر، قال: وزعم قوم أن الضّعف بالضم، فى الجسم، والضّعف فى العقل، وليس هذا بقول يعتمد عليه، لأن القرّاء قد ضمّوا الضاد وفتحوها فى قوله تعالى: ﴿اللهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ ضَعْفٍ﴾.
هذا كلام ابن الشجرى (٤)، وهو راجع إلى رأى أهل البصرة، كما جاء فى اللسان، مادة (ضعف).
٣ - قال ابن الشجرى فى قول الأعشى:
*يقولون أصبح ليل والليل عاتم*
أراد: ياليل، فحذف حرف النداء، وحذفه إذا صح أن يكون المنادى صفة لأىّ، قليل، لشذوذه عن القياس (٥).
وقد أفاد الشيخ خالد الأزهرى أن هذا رأى البصريين (٦).
стр. 180
٤ - ذكر ابن الشجرى أن اسم الفاعل إذا جرى على غير من هو له- خبرا أو وصفا-لزمك إبراز ضمير المتكلم والمخاطب والغائب (١). وهذا هو رأى البصريين، وقد عقد له أبو البركات الأنبارى مسألة فى الإنصاف (٢).
٥ - حكى ابن الشجرى عن المبرد-وهو من أئمة البصريين-أن المراد فى قوله تعالى: ﴿وَلَدارُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ﴾: ولدار الساعة الآخرة، على تقدير حذف الموصوف وإقامة الصفة مقامه (٣).
وقد ذكرت فى حواشى التحقيق أن الكوفيين يجعلون هذا ونحوه من باب إضافة الشىء إلى نفسه، كمسجد الجامع، وصلاة الأولى.
٦ - ذكر ابن الشجرى أن الاسم الظاهر لا يسوغ عطفه على الضمير المجرور إلا بإعادة الجارّ (٤). وهذا مذهب البصريين، وأشهر شواهده قوله تعالى:
﴿وَاِتَّقُوا اللهَ الَّذِي تَسائَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحامَ﴾.
٧ - ذكر ابن الشجرى (٥) من حروف المعانى التى حذفت وقدّرت «قد» فى قوله تعالى: ﴿أَنُؤْمِنُ لَكَ وَاِتَّبَعَكَ الْأَرْذَلُونَ﴾، أى: وقد اتبعك الأرذلون، أى:
أنؤمن لك فى هذه الحال. قال: وإنما وجب تقدير «قد» هاهنا، لأن الماضى لا يقع فى موضع الحال إلا ومعه «قد» ظاهرة أو مقدرة.
وهذا قول البصريين، كما ذكر الأنبارىّ (٦).
ومع ولاء ابن الشجرى للمدرسة البصرية، ونزوعه إلى آرائها، فإنه قد خالف عن أقوالها، فيما تعقّب به المبرد ومن إليه من أعلام هذه المدرسة، وقد عرضت لذلك فى حديثى عن مصادره.
стр. 181
ثم رأيته قد خالف البصرية فى توجيه الباء فى قوله تعالى: ﴿فَسْئَلْ بِهِ خَبِيراً﴾ فهو يرى أن الباء هنا بمعنى «عن»، وأن المراد: فاسأل عنه خبيرا (١).
وأهل البصرة على غير هذا. قال ابن هشام (٢): وتأول البصريون ﴿فَسْئَلْ بِهِ خَبِيراً﴾ على أن الباء للسببيّة، وزعموا أنها لا تكون بمعنى «عن» أصلا، وفيه بعد، لأنه لا يقتضى قولك: سألت بسببه، أن المجرور هو المسئول عنه.
...
стр. 182
ابن الشجرى ومدرسة الكوفة
لابن الشجرى كلمة عن أهل الكوفة، تعكس موقفه منهم وحكمه عليهم، وذلك قوله تعقيبا على رأى الكسائى، فى إعراب قول الشاعر:
أم كيف ينفع ما تعطى العلوق به ... رئمان أنف إذا ما ضن باللّبن
قال ابن الشجرى بعد مناقشة إعراب الكسائى (١): ولنحاة الكوفة فى أكثر كلامهم تهاويل فارغة من حقيقة.
ثم يمضى ابن الشجرى-على امتداد الأمالى-يردّ على الكوفيين ويستبعد أقوالهم، وقد مرّ بك موقفه من الكسائى-رأس مدرسة الكوفة-فى المسألة الزنبورية، ونصره لمذهب سيبويه، ثم موقفه من الخلاف بين البصريين والكوفيين، فى فعلية «نعم وبئس» و «أفعل التعجب»، ومن ذلك أيضا تضعيفه لرأيهم فى اشتقاق الاسم (٢). وردّه عليهم فى إعراب فعل الأمر للمخاطب، قال (٣): «وزعم الكوفيون أن فعل الأمر للمواجه مجزوم بتقدير اللام الأمرية، وهو قول مناف للقياس، وذلك أن الجزم فى الفعل نظير الجر فى الاسم، فحرف الجرّ أقوى من حرف الجزم، كما أن الاسم أقوى من الفعل، وحرف الجر لا يسوغ إعماله مقدّرا إلا على سبيل الشذوذ، وإذا امتنع هذا فى القوىّ، فامتناعه فى الضعيف أجدر». ثم استبعد أقوال الكوفيين فى مواضع أخرى من الأمالى (٤).
على أن موقف ابن الشجرى هذا من الكوفيين، لم يمنعه من الأخذ عنهم، والميل إلى آرائهم، وقد تقدمت حكايته أقوال الكسائى والفراء، بل إنه قوّى رأى الكسائى فى بعض الأحيان، وتأثّر أبا زكريا الفراء فى أشياء كثيرة، وقد تحدثت عن ذلك من قبل. ثم حكى رأى ثعلب فى الفرق بين قام زيد وعمرو معا، وقام زيد
стр. 183
وعمرو جميعا (١). وقد ثبت أن ابن الشجرى كان يقرئ. «أمالى ثعلب»، وقد أقرأ جزءا منها للحافظ أبى سعد السمعانى (٢).
وقد استجاد ابن الشجرى رأى الكوفيين فى تعليق ﴿عَلَيْكُمْ﴾ من قوله تعالى: ﴿قُلْ تَعالَوْا أَتْلُ ما حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلاّ تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً﴾ قال (٣): فإن علقت ﴿عَلَيْكُمْ﴾ بحرّم، فهو الوجه، لأنه الأقرب، وهو اختيار البصريين، وإن علقت بأتل، فجيّد، لأنه الأسبق، وهو اختيار الكوفيين.
ولم يمنع ابن الشجرى من تقدير الكوفيين فى إعراب «أجرّبه» من قول المتنبى:
أتأذن لى ولك السابقات ... أجرّبه لك فى ذا الفتى
قال (٤): وفى قوله: «أجرّبه» حذفان، لأن الأصل: فى أن أجرّبه، فحذف الجار، وحذف «أن» فارتفع الفعل، ولو نصبته بتقدير «أن» لجاز، على المذهب الكوفى.
ثم رأيته يتابع الكوفية غير مصرح، فمن ذلك:
توجيه إعراب «فاه» من قولهم: «كلمته فاه إلى فىّ»، قال (٥):
«فالجواب أن «فاه» عند النحويين منتصب بمحذوف مقدر، وذلك المحذوف كان هو الحال فى الحقيقة، وهذا المنصوب المعرفة قائم مقامه، وتقديره: «جاعلا فاه» إلى فىّ. وقد ذكرت فى حواشى التحقيق، نقلا عن ابن يعيش وأبى حيان، أن هذا من تقدير الكوفيين.
وقال (٦) فى إعراب ﴿لِمَنْ كانَ﴾ من قوله تعالى: ﴿لَقَدْ كانَ لَكُمْ فِي﴾
стр. 184
﴿رَسُولِ اللهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كانَ يَرْجُوا اللهَ﴾: فقوله: ﴿لِمَنْ كانَ يَرْجُوا اللهَ﴾ بدل من قوله: ﴿لَكُمْ﴾ وأعيدت اللام فى البدل، كما أعيدت فى قوله تعالى: ﴿قالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ اِسْتَكْبَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لِلَّذِينَ اُسْتُضْعِفُوا لِمَنْ آمَنَ مِنْهُمْ﴾، وقد أشرت فى حواشى التحقيق إلى أن هذا رأى الكوفيين والأخفش، وعليه الزمخشرى، ولا يجيزه البصريون، لأن الغائب لا يبدل من المخاطب، وعندهم أن اللام فى ﴿لِمَنْ﴾ متعلقة بحسنة.
ويبقى بعد ذلك أن أشير إلى ما ذكره أستاذنا الدكتور شوقى ضيف (١)، فقد جعل ابن الشجرى فى عداد المدرسة البغدادية، التى خلطت المذهبين، مع نزوع إلى آراء البصريين، ويدفع ذلك تصريح ابن الشجرى نفسه ببصريته فى غير موضع من الأمالى، كما قدمت، وابن الشجرى يذكر البغداديين (٢) ولا يعدّ نفسه فيهم.
...
стр. 185
الباب الثالث
أمالى ابن الشجرى
قال الحاجّ خليفة (١): «الأمالى: هو جمع الإملاء (٢)، وهو أن يقعد عالم وحوله تلامذته بالمحابر والقراطيس، فيتكلم العالم بما فتح الله عليه من العلم، ويكتبه التلامذة، فيصير كتابا ويسمّونه الإملاء والأمالى، وكذلك كان السّلف من الفقهاء والمحدثين وأهل العربية وغيرها فى علومهم، فاندرست لذهاب العلم والعلماء، وإلى الله المصير، وعلماء الشافعية يسمّون مثله التعليق».
وقد كثرت الأمالى فى مختلف العلوم والفنون، ولعل علماء الحديث هم أكثر الناس اهتماما بهذا اللون من التأليف.
والذى يعنينا هنا الأمالى المصنّفة فى علوم العربية، فمن أشهرها:
١ - أمالى ثعلب (٢٩١ هـ) وقد نشرت باسم: مجالس ثعلب، بتحقيق شيخنا الجليل عبد السلام هارون ﵀، وقد طبعت أكثر من طبعة بدار المعارف بمصر، وهى الكتاب الأول من سلسلة ذخائر العرب.
٢ - أمالى اليزيدى (٣١٠ هـ)، نشرت فى حيدرآباد بالهند، سنة ١٣٦٧ هـ.
٣ - أمالى الزجاجى (٣) (٣٤٠ هـ) حققها شيخنا عبد السلام هارون ﵀. مطبعة المؤسسة العربية الحديثة القاهرة ١٣٨٢ هـ.
٤ - أمالى القالى (٣٥٦ هـ) وهى أكثر كتب الأمالى شهرة وذيوعا.
طبعت بدار الكتب المصرية سنة ١٣٤٤ هـ.
стр. 186
٥ - أمالى المرتضى (٤٣٦ هـ) وتسمى غرر الفوائد ودرر القلائد، نشرها الأستاذ الكبير محمد أبو الفضل إبراهيم، ﵀، بمطبعة عيسى البابى الحلبى، بالقاهرة سنة ١٣٧٣ هـ.
٦ - أمالى ابن الشجرى (٥٤٢ هـ) موضوع هذه الدراسة.
٧ - أمالى ابن الحاجب (٦٤٦ هـ) أقام عليها درسا للدكتوراه الأستاذ الدكتور محمد هاشم عبد الدائم، ﵀. ونشرها الدكتور هادى حسن حمّودى، سنة ١٤٠٥ هـ-١٩٨٥ م-عالم الكتب-بيروت.
٨ - أمالى الشّهاب الخفاجى (١٠٦٩ هـ)، وتسمى طراز المجالس (١)، طبعت بالمطبعة الوهبية بمصر سنة ١٢٨٤ هـ وقد أشار الخفاجى فى مقدمة «أماليه» هذه إلى ابن الشجرى، وذلك قوله: «فهذه بنات فكر زففتها إليك، وأمالى مجالس أمليتها عليك، مما تقرّ به عين الأدب، ويتحلّى بذوقه لسان العرب، لو رآها ابن الشجرى لقال: هذه ثمرات الألباب، أو ابن الحاجب لقام بين يديها من جملة الحجّاب، أو ثعلب لراغ عمّا أملاه، أو القالى لهجر ما أملاه وقلاه».
... وقد اختلفت هذه الأمالى فيما بينها شرعة ومنهاجا، من حديث غلبة فنّ من الفنون على سواه من الفنون الأخرى، كما ترى من غلبة اللغة والأدب على أمالى القالى.
стр. 187
وتفوق أمالى ابن الشجرى كلّ هذه الأمالى: حجما ومادّة، فقد بلغت مجالسها أربعة وثمانين مجلسا، استغرقت من الصفحات قدرا كبيرا، وعرض فيها لمسائل من النحو والصرف واللغة والأدب والبلاغة والعروض والتاريخ والأخبار. ولئن طوّف ابن الشجرى بكل هذه الفنون، إلا أنه ظلّ مشدودا إلى مسائل النحو والصرف، مما جعل العلامة البغدادى يضع «أمالى ابن الشجرى» ضمن مراجعه فى علم النحو (١).
وتنفرد أمالى ابن الشجرى بظاهرة لم تعرف فى الأمالى الأخرى، وهى ظاهرة التأريخ للمجالس، غير أنّ هذه الظاهرة لم تطّرد فى كلّ المجالس، فقد بدأت بالمجلس الثامن الذى أرّخ يوم السبت مستهلّ جمادى الأولى، من سنة أربع وعشرين وخمسمائة، وفى يوم السبت التالى له كان المجلس التاسع، وأرخ المجلس العاشر يوم السبت الثانى والعشرين من الشهر نفسه، وعقد المجلس الحادى عشر يوم السبت سلخ الشهر المذكور، ولم يؤرخ للمجلس الثانى عشر، وأرخ المجلس الثالث عشر يوم السبت رابع جمادى الآخرة، ولم يؤرخ للرابع عشر، لاتصاله بما قبله، ثم أرخ الخامس عشر يوم السبت ثامن وعشرين من جمادى الآخرة، ثم تتابعت المجالس بعد ذلك كل يوم سبت، حتى المجلس الثانى والعشرين الذى أرخ يوم الثلاثاء من جمادى الأولى، سنة ست وعشرين وخمسمائة. ومعنى ذلك أن بين المجلس الحادى والعشرين والثانى والعشرين نحو سنتين توقف فيهما الإملاء.
ثم تتابعت المجالس بعد ذلك التاريخ، كل يوم ثلاثاء، وقد تتوقف أسبوعين أو ثلاثة. ثم توقف الإملاء بين المجلس الحادى والثلاثين (٢)، المؤرخ يوم الثلاثاء الثالث والعشرين من شوال، سنة ست وعشرين وخمسمائة، وبين المجلس الثانى والثلاثين المؤرخ يوم السبت ثامن شهر ربيع الأول، سنة ست وثلاثين وخمسمائة.
ومعنى هذا أن الإملاء قد انقطع عشر سنوات، وهذه فجوة كبيرة، فهل توقّف ابن الشجرى طيلة هذه المدّة عن الإملاء، أم أن هذه التواريخ من صنع بعض التلامذة المستملين الذين قد يتطرّق الوهم إلى ذاكرتهم فى تسجيل التاريخ؟
стр. 188
وقد يدل على أن هذه التواريخ من صنع أحد التلامذة المستملين، ما جاء بآخر المجلس الحادى والثلاثين، من زيادة قال جامعها: «هذه زيادة ألحقت بهذا الجزء فى شهر ربيع الآخر من سنة تسع وثلاثين وخمسمائة، ولم تعدّ فى مجالسه، وهى مضمّنة فوائد جمّة».
ومهما يكن من أمر فقد وقف التأريخ للمجالس عند المجلس الثالث والثلاثين، المؤرخ فى يوم السبت الخامس عشر من شهر ربيع الأول من سنة ست وثلاثين وخمسمائة، ولم يؤرخ لباقى المجالس بعد ذلك.
...
стр. 189
منهج ابن الشجرى فى الأمالى
لا ريب أن ابن الشجرى قد نظر فى الأمالى التى سبق بها الأوائل، وقد ثبت أنه كان يقرئ أمالى ثعلب، كما ثبت أنه استنسخ بخطه نسخة من أمالى المرتضى (١).
والناظر فى أمالى ابن الشجرى يرى مشابه واضحة بينها وبين أمالى المرتضى، فى الشكل العام، من حيث تقسيم الأمالى إلى مجالس، وتفريع المجالس إلى مسائل وفصول، ثم تعدّى تأثّر ابن الشجرى الشريف المرتضى فى الشكل العام للأمالى، إلى أن نقل شيئا من كلامه وشواهده، مصرحا وغير مصرح، وقد أشرت إلى ذلك فى حديثى عن الشريف المرتضى.
وقد جرى ابن الشجرى فى «أماليه» على أن يستفتح مجلسه بذكر مسألة من مسائل النحو أو الصرف، أو آية قرآنية، أو بيت من الشعر، ثم يدلف من ذلك إلى مباحث أخرى يدعو إليها الاستطراد والتداعى (٢).
ومسائل الأمالى ذات ثلاث شعب: مسائل يلقيها ابن الشجرى من ذات نفسه، ومسائل أخرى يجيب بها تلامذته، والثالثة ما يردّ به على المسائل التى ترد عليه من البلدان كالموصل وغيرها (٣).
ومع طول الأمالى وتشعّب الأقوال فيها، يبدو ابن الشجرى متنبّها لبعض الموضوعات التى عالجها من قبل، وهذا يدلّ على أنه احتشد للأمالى احتشادا، فليست آراء يمليها على الطلبة ثم يفرغ منها، فمن ذلك أنه حينما تكلم على «أما» فى المجلس الثامن والسبعين، قال: «وقد ذكرتها فى موضعين». ومن ذلك أيضا قوله فى المجلس الثامن والخمسين: «قد تكرر قولنا إن الكسر هو الأصل فى التقاء الساكنين»، وقال فى المجلس التاسع والستين: «وقد بسطت الكلام على «مع» فى الجزء الثانى من هذه الأمالى».
стр. 190
وظاهرة التكرير واضحة فى «الأمالى» فقد تكلم ابن الشجرى على بعض المسائل فى أكثر من مجلس، فمن ذلك: مجىء الحال من المضاف إليه، وحذف المضاف وإقامة المضاف إليه مقامه، وحذف الضمير العائد من الصلة ومن الصفة، وإعادة الضمير إلى مصدر مقدر، دل السياق عليه (١).
وهذا التكرار قد أوقع ابن الشجرى فى شيء من الاختلاف لم يتنبه له، فمن ذلك أنه وجّه قوله تعالى: ﴿ما وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَما قَلى﴾ على أنه من باب الالتفات من الخطاب إلى الغيبة، ثم عاد فى موضع آخر ووجّهه على حذف المفعول، وقد أشرت إلى ذلك فى حديثى عن شواهد القرآن الكريم عند ابن الشجرى، ثم فى الحديث عن الزركشىّ.
...
стр. 191
أسلوب ابن الشجرى فى الأمالى
عمد ابن الشجرى فى سرد القواعد والأحكام إلى أخفّ الألفاظ وأيسرها، ثم غلب عليه أسلوب المعلّمين فى البسط والشرح، وتقليب العبارة، وكثرة التنظير (١)، فإذا جاء إلى موضع أدب، رأيت الفحولة والجزالة، فمن ذلك قوله فى بيت المتنبى:
أى يوم سررتنى بوصال ... لم ترعنى ثلاثة بصدود
قال (٢): «وإنما أذكر من شعره ما أهمله مفسّروه، فأنبّه على معنى أو إعراب أغفلوه، وهذا البيت لبعده من التكلّف وخلّوه من التعسّف، وسرعة انصبابه إلى السمع وتولّجه فى القلب، أهملوا تأمّله فخفى عنهم ما فيه».
ويقول فى الرد على معاصره أبى نزار الملقب ملك النحاة (٣): «ومن خطّأ الأعشى فى لغته التى جبل عليها-وشعره يستشهد به فى كتاب الله تعالى-فقد شهد على نفسه بأنه مدخول العقل، ضارب فى غمرة الجهل، وليس لهذا المتطاول إلى ما يقصر عنه ذرعه شيء يتعلّق به فى تخطئة العرب إلا قول الشاعر:
حراجيج ما تنفكّ إلا مناخة ... على الخسف أو نرمى بها بلدا قفرا
فكلّ فاقرة ينزلها بالعربية يزفّ أمامها هذا البيت، معارضا به أشعار الفحول من العرب العاربة».
وقد وصف أبو البركات الأنبارى شيخه ابن الشجرى، بأنه كان فصيحا حلو الكلام، حسن البيان والإفهام (٤).
стр. 192
وقال ابن خلكان عنه (١): وكان حسن الكلام، حلو الألفاظ، فصيحا، جيّد البيان والتفهيم.
اعتداد ابن الشجرىّ بآرائه:
يرى بعض العلماء أن الله قد فتح عليه بما لم يفتح به على سواه، فيجرى على لسانه شيء من الزّهو، يحمل على الرضا والحمد أكثر مما يردّ إلى العجب والتفاخر، وقد ختم ابن الشجرى بعض مباحثه بشىء من هذا، فقال عقب شرح قولهم: «افعل ذا إمّا لا»، قال (٢): «فتأمل هذا الفصل، فما علمت أن أحدا كشفه هذا الكشف».
وقال بعد أن علّل ضعف الابتداء بالنكرة (٣): «فاحتفظ بهذا الفصل، فإنه أصل كبير».
وقال بعد كلام عن «قبل وبعد»: «(٤) فهذا قول جلىّ كما تراه، والمتّسمون بالنحو قبيل وقتنا هذا، ممّن شاهدته وسمعت كلامه على خلاف ما قلته وأوضحته، فاستمسك بما ذكرته لك، فقد أقمت له برهانه».
ثناء العلماء على الأمالى:
حظى كتاب الأمالى بالشهرة وبعد الصّيت، وقد أحسن العلماء الثناء عليه، فيقول أبو البركات الأنبارى تلميذ ابن الشجرى، فى الموضع المذكور قريبا من نزهة الألبا: «وأملى كتاب الأمالى، وهو كتاب نفيس، كثير الفائدة، يشتمل على فنون من علوم الأدب».
ويقول ياقوت (٥): «وصنّف الأمالى، وهو أكبر تصانيفه وأمتعها».
стр. 193
ونحو هذا قال المترجمون المتأخرون، ويرى الأستاذ مصطفى صادق الرافعى (١) أن خاتمة أهل الإملاء على طريقة المتقدمين هو إمام العربية فى عصره أبو السعادات ابن الشجرى.
الانتقادات على الأمالى:
قال القفطىّ فى ترجمة ابن الشجرى (٢): «ولمّا أملى «أماليه» فى النحو، أراد ابن الخشاب النحوى أن يسمعها عليه، فامتنع من ذلك، فعاداه وردّ عليه فى مواضع منها، ووقف الشريف أبو السعادات على شيء من الردّ، فردّ عليه فيه، وبيّن موضع غلطه فى كتاب سماه «الانتصار»، وهو كتاب على صغر جرمه فى غاية الإفادة، وملكته والحمد لله بخطه ﵀، وقد قرأه عليه الناس».
وابن الخشاب من تلاميذ ابن الشجرى، ولم تعرف لردّه هذا نسخة خطية، لكنى ظفرت بشىء من هذا الردّ، وذلك منعه لجمع جمع الجمع الذى ذكره ابن الشجرى، وقد وقفت عليه فى كتاب مخطوط ينسب إلى أبى حيان، يسمى التذكرة، وذكرته فى تحقيق المجلس الثانى والثلاثين، ثم ظفرت أيضا بشىء من ردّ ابن الشجرى على ابن الخشاب، وذلك قوله بعد إعراب بيت ابن ميادة:
ألا ليت شعرى هل إلى أم معمر ... سبيل فأما الصبر عنها فلا صبرا
قال ابن الشجرى (٣): «واعترض بيت ابن ميادة-وقد كنت ذكرته فيما تقدّم من الأمالى-جويهل، فزعم أن قافيته مرفوعة، وإنما صغرته بقولى: جويهل، لأنه شويب استولى الجهل عليه، فعدا طوره، وجاوز حدّه، مع حقارة علمه ورداءة فهمه، وهذا البيت من مقطوعة منصوبة القوافى».
وقد جاء بحاشية أصل الأمالى أن هذا الجويهل هو الخشّاب.
стр. 194
هذا وقد رأيت فى كلام ابن الخشاب فى كتابه «المرتجل» مشابه من كلام ابن الشجرى، وذلك فيما ذكره فى نقض كلام الجرمى، فى وزن «كلتا» (١).
رواية الأمالى:
احتفظت النسخة الهندية من الأمالى بذكر السند فى أولها، ويبدأ السند بأبى حفص عمر بن محمد بن طبرزد البغدادى، الذى أقرأ الأمالى بدمشق سنة ثلاث وستمائة، رواية عن ابن الشجرى ببغداد، ولم يصرّح المسند الأول الذى روى عن ابن طبرزد، باسمه.
وقد خلت «الأمالى» من مقدمة، حيث بدأ الكلام بالمجلس الأول مباشرة، وهذه الظاهرة ملحوظة أيضا فى كتابى ابن الشجرى: الحماسة، ومختارات شعراء العرب، فقد خلا هذان الكتابان أيضا من مقدمة، حيث بدأت الحماسة بشعر لمحرز بن المكعبر الضبى، وبدأت المختارات بقصيدة لقيط بن يعمر. وقد أشرت إلى ذلك فى حديثى عن «مصنفات ابن الشجرى» فى الباب الأول.
علوم العربية فى الأمالى:
ذكر ابن خلكان أن كتاب الأمالى قد اشتمل على فوائد جمّة من فنون الأدب، وذكر اليافعىّ أن الأمالى تضمنت خمسة فنون من الأدب (٢).
فما هى فنون الأدب عند الأقدمين؟ يقول أبو جعفر أحمد بن يوسف الأندلسى المتوفى سنة ٧٧٩ هـ: علوم الأدب ستة: اللغة والصرف والنحو، والمعانى والبيان والبديع (٣).
وقد أفسح ابن الشجرى «أماليه» لهذه الفنون المذكورة، وأيضا عالج مسائل من العروض والقوافى، والتاريخ والأخبار، والجغرافيا والبلدان، ثم الأدب بمعناه الحديث، من نقد وموازنة.
стр. 195
وهذا بيان تلك الفنون من «الأمالى»، وقد سبق الكلام على النحو والصرف، إذ كان مبنى الدراسة عليهما.
اللغة فى الأمالى:
لعلّ هذا الفنّ أهمّ الفنون التى عالجها ابن الشجرى بعد النحو والصرف، فقد احتفل احتفالا زائدا باللغة: دلالة واشتقاقا، فلم يدع لفظا غريبا أو دون الغريب، فى شاهد من الشواهد إلا عرض له بالشرح والبيان، ناقلا عن أئمة اللغة، كأبى زيد والأصمعى وابن السكيت (١) وابن قتيبة وابن دريد وابن فارس، ومن إليهم.
ولم يقف ابن الشجرى عند حدود الحكاية والنقل، بل صحح بعض اللغات وقوّاها، ووفّق بين آراء اللغويين فيما يبدو متعارضا (٢)، وفرّق بين ما يبدو مترادفا (٣)، وتعقب بعض علماء اللغة (٤).
وقد عرض ابن الشجرى لقضايا وظواهر لغوية كثيرة، كالمشترك اللفظى (٥)، وتركّب اللغات وتداخلها (٦)، ولغة العامة (٧)، ولهجات القبائل (٨)، والأصوات ومخارج الحروف (٩)، وتطور دلالات الألفاظ (١٠).
стр. 196
وقد غلبت على ابن الشجرى طبيعة المعلم، فى ذلك الحشد الضخم من الشروح والتفسيرات اللغوية للمفردات والتراكيب، ثم فى محاولة النظم التعليمى، فيقول (١): الفدوكس: الشديد، فى قول ثعلب، وقال أبو زيد: هو الغليظ الجافى، وقد نظمت فيه بيتا لئلا يشذّ عن الحفظ، وهو:
فدوكس عن ثعلب شديد ... وعن أبى زيد غليظ جافى
ولم يسلم ابن الشجرى من بعض الهنات اللغوية، فمن ذلك أنه روى «مغيون» بالغين المعجمة، من قول العباس بن مرداس:
قد كان قومك يحسبونك سيدا ... وإخال أنك سيد مغيون
وقال (٢): «مغيون: مفعول من قولهم: غين على قلبه: أى غطى عليه، وفى الحديث: «إنه ليغان على قلبى»، ولكن الناس ينشدونه بالباء، وهو تصحيف، وقد روى «معيون» بالعين غير المعجمة، أى مصاب بالعين، ومغيون هو الوجه».
وقد انفرد ابن الشجرى برواية الغين المعجمة، ثم وجدت بهامش أصل الأمالى فى المجلس الحادى والثلاثين حاشية، نصها: «هذا البيت يروى بالعين المهملة بإجماع الرواة إلا الشريف، ألفيته ﵀ قد رواه بالغين المعجمة أيضا، وكنت أسمع قديما ببغداد أنه أنكر عليه تصحيفه».
ومن أوهامه اللغوية ما أورده فى تفسير «العلّ والنّهل»، قال (٣): «والعل:
الشرب الأول، والنهل: الشرب الثانى». هذا كلامه، والذى فى كتب اللغة عكس هذا، ومن أقوالهم: سقاه عللا بعد نهل.
ومن ذلك أيضا-وسبقه إليه الشريف المرتضى فى أماليه-شرحه لقول الشاعر (٤):
стр. 197
*لا يكتنون غداة العلّ والنّهل*
قال: «وقال بعض أهل العلم باللغة فى قوله: «يكتنون» إنه من قولهم:
كتنت يده تكتن: إذا خشنت من العمل».
وقد جاء بهامش أصل الأمالى حاشية تعليقا على هذا التأويل: «كأن هذا سهو، لأن خشونة اليد وصلابتها من العمل، يقال له: «الكنب» بالنون والباء، كنبت يده وأكنبت، فأما «كتنت» بالتاء والنون، فمعناه الوسخ والدرن، يتلطخ به الشىء، وهو أثر الدخان».
هذا وقد غمز ابن الشجرى فى معرفته باللغة، حكى الذهبى فى ترجمته (١)، قال: «قال أبو الفضل بن شافع» (٢) فى «تاريخه»: «وكان نحويا حسن الشرح والإيراد والمحفوظ، وقد صنف أمالى قرئت عليه، فيها أغاليط، لأن اللغة لم يكن مضطلعا بها».
البلاغة فى الأمالى:
عرض ابن الشجرى لكثير من قضايا علم البلاغة، بأقسامها الثلاثة: المعانى والبيان والبديع، فتكلم على الخبر والإنشاء، والتشبيه والاستعارة، والترصيع والتضمين والتكرير والطباق (٣).
الأدب فى الأمالى:
كان ابن الشجرى متضلّعا من الأدب، كما يقول ياقوت فى ترجمته، كما كان بصيرا بأشعار العرب، وله فى ذلك كتابان يحتلاّن مكانة سامقة فى المكتبة العربية:
الحماسة ومختارات أشعار العرب.
وقد استفاض كتابه «الأمالى» بأشعار القدامى والمحدثين، وإذا تركنا الشواهد
стр. 198
النحوية التى بلغت قدرا ضخما أشرت إليه فى حديثى عن الشواهد، وجدنا ابن الشجرى يروى قصائد جيادا، لعدىّ بن زيد، والنابغة الجعدى، وأعشى تغلب، وأبى الصلت الثقفى، ويزيد بن الحكم، وابن أحمر، والخنساء، والعباس بن عبد المطلب. ومن شعر المحدثين روى للمتنبى (١) والشريف الرضى، وابن نباتة السعدى. ثم عرض لهذه القصائد بالشرح والبيان، ويعد شرحه لبعض هذه القصائد، من الشروح النادرة العزيزة، التى لا تكاد توجد فى كتاب، كشرحه لقصيدة يزيد بن الحكم (٢).
وتعدّ «الأمالى» بهذه المثابة مرجعا هامّا فى جمع الشعر وتوثيقه، وبخاصّة أن ابن الشجرى ينفرد برواية قصائد لبعض الشعراء، يقلّ وجودها عند غيره من رواة الشعر، كما فعل فى رواية قصيدة ابن أحمر، فقد روى منها خمسة عشر بيتا، وأبيات هذه القصيدة لا تكاد توجد مجتمعة بهذا العدد فى أىّ من الكتب المطبوعة (٣).
وقد عنى ابن الشجرى بذكر مآخذ الشعراء والموازنة بينهم، فقد ذكر (٤) أن الشريف الرضى أخذ قوله:
من الركب ما بين النقا والأناعم ... نشاوى من الإدلاج ميل العمائم
من قول العملّس:
فأصبحن بالموماة يحملن فتية ... نشاوى من الإدلاج ميل العمائم
وقال فى بيت ابن نباتة السعدى (٥):
لأية حال يختلسن نفوسهم ... وهنّ عليها بالحنين نوادب
стр. 199
وقد نظر فى هذا إلى قول ابن الرومى:
كالقوس تصمى الرمايا وهى مرنان
وفى شرحه لقصيدة بشر بن عوانة، قال فى (١) بيته:
إذن لرأيت ليثا أمّ ليثا ... هزبرا أغلبا لاقى هزبرا
أخذ البحترى هذا البيت لفظا ومعنى، فى قوله:
هزبر مشى يبغى هزبرا وأغلب ... من القوم يغشى باسل الوجه أغلبا
وذكر فى شرح بيت المتنبى:
لو كان ما تعطيهم من قبل أن ... تعطيهم لم يعرفوا التأميلا
قال (٢): التقدير: لو كان لهم الذى تعطيهموه من قبل أن تعطيهم إياه، لم يعرفوا التأميل، لأن ذلك كان يغنيهم عن التأميل، وقد كشف أبو نصر بن نباتة هذا المعنى، وجاء به فى أحسن لفظ، فى قوله:
لم يبق جودك لى شيئا أؤمّله ... تركتنى أصحب الدّنيا بلا أمل
ومثله لأبى الفرج الببغاء:
لم يبق جودك لى شيئا أؤمله ... دهرى لأنك قد أفنيت آمالى
وكان أبو الفرج وابن نباتة متعاصرين، فلست أعلم أيّهما أخذ من صاحبه.
ومن الموازنات ما أورده ابن الشجرى فى المجلس الثامن والسبعين، عن الشعراء الذين ذكروا الطير التى تتبع الجيش، لتصيب من لحوم القتلى، وقد أغار فى هذا الفصل على كلام القاضى الجرجانىّ فى «الوساطة»، وقد أشرت إليه فى حديثى عن مصادر ابن الشجرى.
стр. 200
وقد روى ابن الشجرى أشعارا فى الهجاء لبعض الشعراء المغمورين فى عصره (١).
وتعدّ شروح ابن الشجرى لما عرض له من شعر المتنبى (٢) إضافة جيّدة لفهم هذا الشاعر العظيم، وإلقاء الضوء على المفاهيم الأدبية فى ذلك العصر، ثم تكشف هذه الشروح أيضا عن مشاركة النحاة فى توجيه الدراسات الأدبية، فلم يكن النحويون الأوائل بمعزل عن هذه الدراسات، كما يفهم بعض الدراسين. . . . وهذا حديث طويل.
العروض والقوافى فى الأمالى:
عالج ابن الشجرى فى «أماليه» مسائل من العروض والقوافى (٣)، ولعله قد درس هذا الفنّ على شيخه التّبريزى، الذى عرف بالاشتغال به، وله فيه مصنّف شهير، هو «الكافى فى العروض والقوافى»، ولم يسند ابن الشجرى شيئا ممّا عالجه فى العروض والقوافى إلى التّبريزى، ولكنى رأيت له كلاما فى الزّحاف، كأنه سلخه من كلام أستاذه، وذلك قوله (٤): «وقد قيل: ربّ زحاف أطيب فى الذوق من الأصل»، فهذا من قول التّبريزى فى كتابه الكافى (٥): «وربما كان الزحاف فى الذوق أطيب من الأصل»، إلا إن كانت هذه العبارة أقدم من التّبريزى.
وتمثّل بعض شواهد ابن الشجرى التى ساقها فيما عالج به مسائل القافية، إضافة لشواهد هذا الفن، ومن ذلك أنه ذكر شواهد كثيرة على الإكفاء (٦)، ومن هذه الشواهد واحد لم أجده فيما بين يدىّ من كتب القوافى المطبوعة، وهو:
يا ريّها اليوم على مبين ... على مبين جرد القصيم
стр. 201
وقد وهم ابن الشجرى فى مسألة من مسائل العروض، فقد قال فى بيت امرئ القيس:
وعين لها حدرة بدرة ... شقّت مآقيهما من أخر
قال (١): «والبيت من ثالث البحر المسمّى المتقارب، عروضه سالمة، وضربه محذوف، ووزنه فعل، وقد استعمل فيه الخرم الذى يسمى الثلم، فى أول النصف الثانى، وقلّ ما يوجد الخرم إلا فى أول البيت».
وموضع الوهم فى قوله: «عروضه سالمة»، وجاء بهامش أصل الأمالى حاشيتان تعقيبا على هذا القول، الحاشية الأولى: «هذا البيت عروضه وضربه جميعا محذوفان» والثانية: «وقوله: سالمة، ينبغى أن يكون غلطا من الكاتب إن شاء الله».
وقد حكى البغدادى (٢) كلام ابن الشجرى هذا، كما ورد فى الأمالى، ولم يتعقبه بشىء، لكن قال مصحح الطبعة الأولى من الخزانة معلّقا: «قوله: عروضه سالمة. فيه أن العروض محذوفة مثل الضرب».
التاريخ والأخبار فى الأمالى:
نثر ابن الشجرى فى «أماليه» كثيرا من الأخبار والحوادث التاريخية وأيام العرب وأنسابها. فذكر (٣) حديث فاطمة بنت الخرشب الأنمارية وبنيها الكملة بنى زياد العبسيّين، وما كان بينهم وبين قيس بن زهير العبسى.
وألمّ بشىء من تاريخ سابور ذى الأكتاف، وكسرى أنوشروان (٤).
وتحدث عن حرب بكر وتغلب (٥).
стр. 202
وتكلم على أذواء اليمن: تاريخهم واشتقاق أسمائهم (١).
وعرض لحديث المغيرة بن شعبة مع هند بنت النعمان، وخبر جذيمة الأبرش، والغساسنة ملوك الشام (٢).
وقد حرص ابن الشجرى فى كثير مما أورد من أسماء قديمة على أن يتكلم على اشتقاقها وضبطها (٣).
الجغرافيا والبلدان فى الأمالى:
تكلّم ابن الشجرى على البلدان والمواضع التى وردت فى ثنايا الشعر الذى رواه، ومن هذه البلدان ما هو موغل فى القدم، كمدينة الحضر، بين دجلة والفرات، وقد ذكر أنه دخلها وشاهد بقاياها (٤). ثم تحدث عن البنايات الشهيرة، كالخورنق والسّدير، وقصر غمدان بصنعاء (٥).
...
стр. 203
نسخ الأمالى:
رزق كتاب الأمالى الحظوة والقبول، فكثرت نسخه، وقد ذكر بروكلمان (١) منه هذه النسخ:
١ - نسخة عاشر افندى برقم (٧٥١).
٢ - نسخة سليم آغا برقم (١٠٧٧/ ٣).
٣ - نسخة راغب باشا برقم (١٠٧١ - ١٠٧٢) (٢).
٤ - نسخة بايزيد برقم (٢٩٠٢).
٥ - نسخة فيض الله برقم (١٥٧٤ - ١٥٧٦).
وهذه المكتبات الخمس باستانبول.
٦ - نسخة المكتبة الآصفية بحيدرآباد-الهند ١/ ١٤٢، برقم (٧٠).
ومما لم يذكره بروكلمان:
٧ - نسخة بدار الكتب المصرية (٣)، كتبها على بن محمد بن مصطفى شمس الدين، فرغ من كتابتها سنة ١٣٠٠ هـ، والنسخة محفوظة بالدار برقم (٥٩ ش).
٨ - نسخة أخرى بالدار المذكورة، منقولة من النسخة السابقة، كتبها محمد بن إبراهيم الخفير، فرغ منها فى شهر صفر سنة ١٣٣٩ هـ، برقم (٣٦٣٣).
٩ - نسخة محفوظة بالخزانة التيمورية الملحقة بدار الكتب المصرية، برقم (٦٧٢ أدب)، وتاريخ هذه النسخة سنة ١٩٢٠ م.
стр. 204
١٠ - نسخة محفوظة بمكتبة الأوقاف ببغداد، برقم (٥٦٦٧) فى مجلد أوله المجلس الثانى والثلاثون. وهذه النسخة منقولة عن نسخة كتبت سنة ٥٤٠ هـ، وبآخرها إجازة فى التاريخ المذكور، من ابن الشجرى لأبى القاسم نصر بن سعيد بن سميع الموصلى، أن يروى عنه مقروآته ومسموعاته (١).
١١ - نسخة فى مكتبة المتحف العراقى ببغداد، برقم (١٣٣١) تبدأ بالمجلس الثانى والثلاثين، وتنتهى بالمجلس الخامس والخمسين (٢). وهذه القطعة تمثل الجزء الثانى.
١٢ - الجزء الثالث من نسخة، بمكتبة الدراسات العليا ببغداد، برقم (٣٦٩)، وهذا الجزء بخط نسخى جيد، كتب سنة ٦٢٤ هـ، ويبدأ بالمجلس السادس والخمسين، وينتهى بنهاية الكتاب وعدد أوراق هذا الجزء ١٩٣ ورقة، ومسطرته ١٩ سطرا، ومن هذا الجزء صورة بمعهد المخطوطات لم تفهرس بعد. وقد رمزت له فى تعليقاتى بالحرف (د).
١٣ - الجزء الثالث أيضا من نسخة، بالخزانة العامة بالرباط، برقم (٣٤٢ ك) ويبدأ وينتهى مثل سابقه، وفى أثنائه سقط كبير، يبدأ فى أثناء المجلس السادس والخمسين، وينتهى فى أثناء المجلس التاسع والستين. ويقع فى الطبعة الهندية من ص ٩٨ إلى ٢٦٢، وهذا الجزء بخط نسخى نفيس، وجاء بأوله أنه بخط ابن الشجرى، وبآخره سماع لأبى الغنائم حبشى بن محمد الواسطى، على ابن الشجرى، وهذا السماع مؤرخ سنة ٥٣٩ هـ، وكتب ابن الشجرى صحة السّماع بما صورته: «هذا صحيح. وكتب هبة الله بن على بن محمد بن حمزة الحسنى».
ثم قراءات أخرى على ابن الشجرى، سنة ٥٤٠،٥٤١، وأبو الغنائم الواسطى هذا من تلاميذ ابن الشجرى، وقد تكلمت عليه من قبل.
وفى هذا الجزء زيادة مسألتين على ما فى نسخة «راغب باشا» وهى النسخة التى اتخذتها أصلا. وترى هاتين المسألتين، فى المجلسين: السادس والسبعين، والسابع والسبعين.
стр. 205
ويقع هذا الجزء-قبل السّقط-فى ١٧٧ صفحة، ومسطرته ٢٠ سطرا.
ومن هذا الجزء صورة بمعهد المخطوطات لم تفهرس بعد، وقد رمزت له فى تعليقاتى بالحرف (ط).
ويتضح من هذا العرض أن نسخ القاهرة الثلاث ليست بذات طائل، لحداثة نسخها، وأن نسخ استانبول مجهولة الصفة، إلا نسخة راغب باشا، وهى النسخة التى اتخذتها أصلا، وسأفرد لها كلمة، وكذلك سأفرد كلمة لنسخة الآصفية، وأن بقية النسخ أخلّت بالجزء الأول، وقد ظهر أن الأمالى تقع فى ثلاثة أجزاء، تجزئة قديمة، ينتهى الجزء الأول بالمجلس الحادى والثلاثين، وينتهى الجزء الثانى بالمجلس الخامس والخمسين، ويمضى الثالث إلى نهاية الكتاب. وقد ألحقت بآخر الجزء الأول زيادة فى شهر ربيع الآخر، من سنة تسع وثلاثين وخمسمائة. وقد أشرت إلى ذلك من قبل.
نسخة راغب باشا باستانبول:
اتخذت هذه النسخة أصلا، وهى محفوظة بمكتبة راغب باشا، برقم (١٠٧١،١٠٧٢) ومنها صورة بمعهد المخطوطات (١) برقم (٥٩ أدب).
وتقع هذه النسخة فى جزءين، الأول فى ٣٤٤ ورقة، وينتهى بالمجلس التاسع والأربعين، والثانى فى ٣٣٥ ورقة، وفى كل ورقة ١٥ سطرا، ومقاسها ٥,١٢*٢٠ سم، وبأثناء الجزء الأول أوراق قليلة بخط حديث.
والنسخة مكتوبة بخط نسخى نفيس جدا، وقد ضبطت بالشكل الكامل، ضبطا صحيحا متقنا، وناسخها-أثابه الله خيرا-هو أسعد بن معالى بن إبراهيم ابن عبد الله، فرغ من نسخها سنة إحدى وثمانين وخمسمائة. ويبدو أن هذا الناسخ المتقن كان محترفا نسخ الكتب، فقد وقع لى مخطوط آخر، قام على نسخه، وهو شرح ديوان هذيل (٢)، لابن جنى، وهذا المخطوط محفوظ بمكتبة الأوقاف العامة ببغداد، برقم (٥٦٥٧)، وقد فرغ أسعد هذا من نسخه سنة ثمانين وخمسمائة.
ومن هذه النسخة صورة بمعهد المخطوطات.
стр. 206
ونعود إلى نسختنا من الأمالى فنقول: إنها مقابلة بأصلها المنقول منه، وجاء بآخرها سماع هذا صورته: «سمع جميع هذه المجلدة على الشيخ الأمين أبى القاسم (١) الحسين بن هبة الله بن صصرى، أبقاه الله، بإجازته من ممليها الشريف أبى السعادات بن الشجرى صاحبها: المولى الإمام العالم القاضى الأشرف بهاء الدين شرف المحدثين أبو العباس (٢) أحمد بن القاضى الفاضل أبى على عبد الرحيم بن على البيسانيّ، أدام الله أيامه، والشيخ الإمام العالم المقرئ علم القراء علم الدين أبو الحسن على بن محمد السخاوى (٣)، والحاجب الأخص عز الدين أبو الفتح عمر ابن محمد بن منصور الأمينى، وصح وثبت بقراءة عبيد الله. . . .».
وقد ضاع فى آخر النسخة اسم القارئ، ومكان السماع وتاريخه، ولكن تراجم رجال السماع تدل على أنه كان بدمشق، فى القرن السادس أو السابع، من حيث إن هؤلاء الرجال كلهم من أهل دمشق، وإن أبا القاسم بن صصرى توفى سنة ست وعشرين وستمائة.
وبحواشى النسخة تعليقات جيدة، بعضها بخط قديم، وبعضها بخط فارسى حديث، وهذه التعليقات الحديثة منقولة من نسخة مصححة، بتصحيح ابن هشام صاحب «المغنى» وكتب التعليقات أحد تلاميذه.
وقد تضمنت هذه التعليقات فوائد كثيرة، منها النصّ على أوهام ابن الشجرى، ونسبة بعض الأقوال المهملة إلى أصحابها، وتصحيح نسبة بعض الشواهد (٤)، وقد نسبت بعض هذه التعليقات لأبى اليمن الكندى، تلميذ ابن الشجرى.
стр. 207
هذا وقد رأيت بعض أخطاء النسخة ثابتة عند البغدادى (١)، فيما ينقل عن ابن الشجرى، مما يدل على أن نسخة البغدادى من «الأمالى» هى هذه النسخة، أو أن الاثنتين ترجعان إلى أصل واحد.
نسخة الآصفية بحيدرآباد-الهند
الموجود من هذه النسخة الجزء الأول فقط، وهو مكتوب بقلم نسخى جيد، كتبه محمد بن حسين بن على الشهير بالعاملى، فرغ منه يوم الجمعة خامس المحرم، من سنة اثنتين وتسعين وسبعمائة، وينتهى هذا الجزء بالمجلس الخامس والأربعين، وقد ألحق به بخط حديث المجالس: من السادس والأربعين إلى التاسع والأربعين. وبهذا الجزء بعض الأسقاط أشرت إليها فى حواشى التحقيق (٢). ويقع فى مائتى ورقة، ومسطرته ٢٢ سطرا، مقاس ٥,١١*٥,١٩ سم، ورقمه فى المكتبة الآصفية (٧٠ بلاغة) ومنه صورة بمعهد المخطوطات لم تفهرس بعد. وقد اعتبرت هذا الجزء فى تحقيقى للكتاب، ورمزت له بالحرف (هـ).
وبهذه النسخة زيادة ليست فى نسخة راغب باشا، التى اتخذتها أصلا، وهى المسألة التى تراها فى آخر الزيادة التى ألحقت بالمجلس الحادى والثلاثين (مسألة إذا قال رجل لامرأته: إن أكلت إن شربت فأنت طالق).
стр. 208
طبعتان للأمالى:
طبعت الأمالى أوّل ما طبعت فى دائرة المعارف العثمانية، بحيدرآباد-الهند- سنة ١٣٤٩ هـ، فى جزءين: الأول ينتهى بالمجلس الخامس والأربعين، والثانى وقف فى أثناء المجلس الثامن والسبعين. وجاء بخاتمة الطبع: «إلى هنا انتهى ما تيسّر لنا الحصول عليه من الجزء الثانى، وقد بقيت بقية (١) كما يعلم من الخاتمة».
وهذه الطبعة ملفقة من نسختين: نسخة الآصفية المشار إليها، ونسخة راغب باشا (٢) التى اتخذتها أصلا. وإن كان التعويل على نسخة الآصفية إلى نهاية المجلس التاسع والأربعين، وهو نهاية هذه النسخة كما ذكرت.
وقد قام على هذه الطبعة علماء كرام أفاضل، فى دائرة المعارف العثمانية، هم: حبيب عبد الله بن حمد العلوى، وعبد الرحمن اليمانى، والسيد زين العابدين الموسوى. وبرغم ما بذله هؤلاء الأفاضل من إتقان-أحسن الله إليهم، وأثابهم خيرا -فقد اشتملت هذه الطبعة على عدّة أسقاط، وبعض هنات. وبخاصة فى الجزء الأول الذى كان الاعتماد فيه على نسخة الآصفية، وبها من الأسقاط ما وصفت.
стр. 209
ولما كانت هذه الطبعة الهندية من الأمالى قد استقرّت فى المكتبات ودور العلم زمانا طويلا، وكثر الاقتباس منها والإحالة عليها، فقد أثبتّ أرقام صفحاتها على جوانب نشرتى هذه.
ثم طبع الجزء الأول بمصر، بمطبعة الأمانة سنة ١٩٣٠ م، وقد تضمّن هذا الجزء تسعة وأربعين مجلسا. وقام على طبعه الشيخ مصطفى عبد الخالق محمد. ولم أر هذا الجزء، ولكنى نقلت وصفه من بعض الفهارس.
...
стр. 210
صفحة العنوان من النسخة الأصل (راغب باشا)
وهذا الخطّ الحديث الذى تراه على يمين الصورة هو خط عالم المخطوطات الكبير الأستاذ محمد رشاد عبد المطلب، ﵀ رحمة واسعة، وصف به النسخة أيام أن كان فى استانبول سنة ١٩٤٩ م