الصفحة الأخيرة من النسخة المغربية (ط)
ويظهر فيها خط ابن الشجرىّ (هبة الله بن على بن محمد بن حمزة الحسنى)
стр. 219
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
وبه نستعين
أخبرنا الشيخ الأجل المسند أبو حفص عمر (١) بن محمد بن طبرزد البغدادي، قرأة عليه وأنا أسمع بدمشق في ذي الحجة سنة ثلاث وستمائة.
قال: أخبرنا السيد الشريف العلامة ذو الشرفين أبو السعادت هبة الله بن علي بن محمد بن حمزة العلوي الحسني المعروف بابن الشجري، قراءة عليه وأنا أسمع ببغداد قال (٢):
المجلس الأول
(مسألة)
قال أطال الله بقاءه (٣): إنما وجب بناء ما قبل ياء المتكلّم على الكسرة؛ لأنهم لو أعربوه لم تسلم الياء مع الضم والفتح، إذ الضمّ يقتضى قلبها إلى الواو، والفتح يقتضى قلبها ألفا.
فإن قيل: قد فعلوا ذلك فى نحو يا غلاما.
стр. 220
قيل: إنما فعلوا ذلك فى النداء؛ لأنه باب تغيير وتخفيف لكثرة استعماله، وجاء ذلك فيه قليلا، والأكثر: يا غلامى، فلما تعذّر رفع الحرف المتصل بهذه/الياء ونصبه، كسروه ليسلم.
حكم أبو الفتح عثمان بن جنّى فى كتابه الذى سماه (كتاب الخصائص) (١) على الكسرة فى غلامى ونحوه بأنها لا حركة إعراب ولا حركة بناء، وإنما حكم بذلك لأن الاسم الذى اتصلت به الياء لم يشبه الحرف، ولا تضمن معناه.
وأقول (٢): إن هذه الحركة (٣) حركة بناء كحركة التقاء الساكنين فى نحو لم يخرج القوم، و ﴿لا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكافِرِينَ أَوْلِياءَ﴾ (٤) وإن كانت فى كلمة معربة. وأقول: إن كلّ حركة لم تحدث (٥) عن عامل حركة بناء، كما حكم أبو علىّ فى الباب الثانى من الجزء الثانى (٦) من كتاب الإيضاح، بأن حركة التقاء الساكنين حركة بناء، وذلك فى قوله:
«وحركات البناء التى تتعاقب على أواخر هذه المبنية نحو حركة التقاء الساكنين فى اردد القوم».
ألا ترى أن أبا الفتح قد نصّ على ما قلته فى قوله: الإعراب ضد البناء فى المعنى ومثله فى اللفظ، والفرق بينهما زوال الإعراب لتغيّر العامل، وانتقاله (٧)، ولزوم البناء الحادث من غير عامل وثباته.
أراد أن البناء حدوثه عن علّة لا عن عامل، فالعلّة التى أوجبت الكسرة فى لم يخرج القوم التقاء الساكنين، والعلة التى أوجبت الكسرة فى غلامى ونحوه انقلاب الياء واوا لو ضمّ ما قبلها، وانقلابها ألفا لو فتح ما قبلها.
стр. 221
(مسألة) قال حرس الله نعمته (١): استدلوا على أن الظرف إذا وقع خبرا تضمن ضميرا منتقلا إليه (٢) من الخبر الأصلىّ المرفوض استعماله، وهو مستقر أو كائن، أو نحو ذلك بقول كثيّر (٣):
/فإن يك جثمانى بأرض سواكم ... فإنّ فؤادى عندك الدّهر أجمع
إذا قلت هذا حين أسلو ذكرتها ... فظلّت لها نفسى تتوق وتنزع
ووجه هذا الاستدلال أن قوله: «أجمع» لا بد أن يكون تابعا لمرفوع، وليس فى قوله: «فإن فؤادى عندك الدهر» مرفوع ظاهر، فلم يبق إلا أن يكون تابعا للضمير المستكن فى قوله: «عندك».
(مسألة) قال كبت الله أعداءه (٤): حذف الضمير العائد من الصلة أقيس من حذف العائد من الصفة، لأن الصلة تلزم الموصول، ولا تلزم الصفة الموصوف، فتنزّل الموصول (٥) والصلة منزلة اسم واحد، فحسن الحذف (٦) لما جرت أربعة أشياء مجرى شيء واحد، وهى الموصول والفعل والفاعل والمفعول، وإنما شبّهوا الصفة بالصلة من حيث كانت موضّحة للموصوف، كما توضّح الصلة الموصول، ومن حيث كانت الصفة لا تعمل فى الموصوف، كما لا تعمل الصلة فى الموصول، فحذفوا العائد من الجملة الوصفية، كما حذفوه من الجملة الموصول بها فى نحو: ﴿أَهذَا الَّذِي بَعَثَ اللهُ رَسُولاً﴾ (٧)، وذلك نحو قول الحارث بن كلدة (٨) الثقفىّ:
стр. 222
فما أدرى أغيّرهم تناء ... وطول العهد أم مال أصابوا
وقول جرير (١):
أبحت حمى تهامة بعد نجد ... وما شيء حميت بمستباح
التقدير: أصابوه، وحميته.
وقد حذفوا العائد المجرور مع الجارّ كقول كثيّر (٢):
/من اليوم زوراها خليلىّ إنها ... سيأتى عليها حقبة لا نزورها
التقدير: لا نزورها فيها، ومثله فى التنزيل: ﴿وَاِتَّقُوا يَوْماً لا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئاً﴾ (٣) التقدير: لا تجزى فيه، كما قال: ﴿وَاِتَّقُوا يَوْماً تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللهِ﴾ (٤) وكذلك تقدّر فى الجمل المعطوفة على الأولى، لأن حكمهنّ حكمها، فالتقدير ولا تقبل منها شفاعة فيه، ولا يؤخذ منها عدل فيه، ولا هم ينصرون فيه.
واختلف النحويون فى هذا الحرف، فقال الكسائى: لا يجوز أن يكون المحذوف إلا الهاء، أراد أن الجارّ حذف أولا، ثم حذف العائد ثانيا.
وقال نحويّ آخر: لا يجوز أن يكون المحذوف إلا «فيه».
وقال أكثر أهل العربية، منهم سيبويه، والأخفش: يجوز الأمران (٥).
стр. 223
والأقيس عندى: أن يكون (١) حرف الظرف حذف أولا، فجعل الظرف مفعولا [به] (٢) على السّعة، كما قال (٣):
ويوم شهدناه سليما وعامرا ... قليل سوى الطّعن النّهال نوافله
وكقول الآخر:
فى ساعة يحبّها الطّعام (٤)
أراد شهدنا فيه، ويحبّ فيها، ثم حذف الجارّين توسّعا، والأصل:
لا تجزى فيه، ثم لا تجزيه، ثم لا تجزى، وإنما (٥) جاز حذف الجارّ من ضمير الظرف كما جاز حذفه من مظهره، إذ كنت تقول: قمت فى اليوم، وقمت اليوم،
стр. 224
كذلك قلت: اليوم قمت فيه، واليوم قمته، ولولا تقدير العوائد من هذه الجمل لأضيف اليوم إلى لا تجزى، فقيل: واتقوا يوم لا تجزى نفس، لأن إضافته إلى الجملة تخرج الجملة عن أن تكون وصفا، وإذا خرجت عن/أن تكون وصفا بطل الاحتياج إلى عائد منها لفظا وتقديرا.
وحذف العائد من الصلة إنما يقع بالمنصوب المتصل غالبا نحو: قام الذى أكرمت و ﴿أَرَأَيْتَكَ هذَا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ﴾ (١) فإن كان مجرورا منصوبا فى المعنى جاز حذفه، كقولك: هذا الذى زيد ضارب، وعجبت مما أنت صانع، ومثله:
﴿فَاقْضِ ما أَنْتَ قاضٍ﴾ (٢) التقدير: ضاربه وصانعه وقاضيه، فإن اتصل العائد بحرف جر، نحو قام الذى مررت به، فحذفه قليل جدا، فمما جاء من ذلك فى الشعر القديم قول القائل (٣):
وقد كنت تخفى حبّ سمراء حقبة ... فبح لان منها بالذى أنت بائح
الأصل: بائح به، ثم بائحه، ثم بائح، ومثله فى التنزيل: ﴿ذلِكَ الَّذِي يُبَشِّرُ اللهُ عِبادَهُ﴾ (٤) الأصل: يبشّر به، ثم يبشّره، ثم يبشّر.
فإن كان العائد متصلا مرفوعا فى المعنى لم يجز حذفه كقولك: قام الذى أعجب ضربه زيدا، لا يجوز الذى أعجب ضرب زيدا، لأن الهاء فاعل المصدر، وإنما جاز حمل المجرور على المنصوب لاتفاقهما فى كونهما فضلتين، وقد شبّهوا العائد من جملة الخبر إلى المخبر عنه، بالعائد من جملة الصفة إلى الموصوف فحذفوه، وحذفه ضعيف، لا يحسن استعماله فى حال السّعة، وإنما قبح ذلك لأن الفعل إذا وقع خبرا وكان متعدّيا فحذفت الضمير الذى تعدّى إليه، تسلّط الفعل على المبتدأ
стр. 225
فنصبه، كقولك فى زيد ضربته: زيدا ضربت، فهذا وجه الكلام.
فإن قلت: زيد ضربت، على إرادة الهاء لم يجز ذلك إلا فى الشعر، على أن الروايات قد تظاهرت عن ابن عامر بأنه قرأ «وكلّ» ﴿وَعَدَ اللهُ الْحُسْنى﴾ (١) فى سورة الحديد خاصّة، وكذلك جاءت/الرواية بالرفع فى قول الراجز (٢):
قد أصبحت أمّ الخيار تدّعى ... علىّ ذنبا كلّه لم أصنع
رووه بالرفع لمّا تقدّم على الفعل، وحجز حرف النفى بينهما، وإن كان ذلك لا يمنع من تسلط الفعل عليه (٣)، فلما كان الضمير متى حذفته من جملة الخبر تسلط الفعل على المبتدأ، ومتى حذفته من جملة الصفة لم يتسلّط الفعل على الموصوف، لأن الصفة كبعض الموصوف، كما أن الصلة كبعض الموصول: جاز حذف العائد من جملة الصفة، وقبح حذفه من جملة الخبر.
стр. 226
والبيت المنسوب إلى الحارث بن كلدة (١) من مقطوعة متضمّنة ألطف عتاب وأحسنه، قالها وقد خرج إلى الشام، فكتب إلى بنى عمّه فلم يجيبوه، وهى:
ألا أبلغ معاتبتى وقولى ... بنى عمّى فقد حسن العتاب (٢)
وسل هل كان لى ذنب إليهم ... هم منه فأعتبهم غضاب
كتبت إليهم كتبا مرارا ... فلم يرجع إلىّ لها جواب
فما أدرى أغيّرهم تناء ... وطول العهد أم مال أصابوا
فمن يك لا يدوم له وصال ... وفيه حين يغترب انقلاب
فعهدى دائم لهم وودّي ... على حال إذا شهدوا وغابوا
وإنما قال: «أم مال أصابوا» لأن الغنى فى أكثر الناس يغيّر الإخوان على إخوانهم. فمن ذلك ما روى أنّ أبا الهول (٣) الشاعر كان له صديق ضرب فى البلاد فأيسر، فاحتاج أبو الهول إليه فلم يجده بحيث يحبّ، فكتب إليه:
/لئن كانت الدنيا أنالتك ثروة ... فأصبحت فيها بعد عسر أخا يسر (٤)
لقد كشف الإثراء منك خلائقا ... من اللّؤم كانت تحت ثوب من الفقر
стр. 227
ومن جيّد الشعر فى العتاب أبيات أنس بن زنيم الهذلى (١)، وقد وفد على عمر بن عبيد الله (٢) بن معمر التّيمىّ، فى جماعة من الشعراء، فصدّه الحاجب عن الدخول لخماشة (٣) كانت بينهما، وأذن لغيره، فلمّا طال حجابه كتب إليه (٤):
لقد كنت أسعى فى هواك وأبتغى ... رضاك وأرجو منك ما لست لاقيا
حفاظا وإمساكا لما كان بيننا ... لتجزينى يوما فما كنت جازيا
أرانى إذا ما شمت منك سحابة ... لتمطرنى عادت عجاجا وسافيا (٥)
إذا قلت نالتنى سماؤك يا منت ... شآبيبها أو أثجمت عن شماليا (٦)
وأدليت دلوى فى دلاء كثيرة ... فأبن ملاء غير دلوى كما هيا
стр. 228
أأقصى ويدنى من يقصر رأيه ... ومن ليس يغنى عنك مثل غنائيا
فلما قرأ الأبيات عنّف حاجبه، وأذن له وقال: ويحك ما الذى دهاك؟ قال: / فعل حاجبك وطول مقامى ببابك، وأنت تعطى من أقبل وأدبر، ولا تلتفت إلىّ، فقال له: يا هذا أشهدت معى مودّأة هجر (١)؟ قال: لا، قال: فهل كنت معى يوم الخوارج (٢) بدولاب الأهواز؟ قال: لا، قال: فهل لك علىّ من يد تستحقّ بها ما طلبت؟ قال: نعم كنت أجلس بين يديك فأسمع حديثك فأنشر محاسنه وأطوى مساويه، قال: إنّ فى هذا لما يشكر، كم أقمت بالباب؟ قال: أربعين يوما، فأمر له بأربعين ألفا.
الشّؤبوب: الدّفعة من المطر، ويقال: أثجم المطر: إذا دام، والاثعنجار:
الهطلان.
...
стр. 229
المجلس الثانى
تقاسيم فى التثنية
قال أدام الله نعمته (١): التثنية والجمع المستعملان بالحرف أصلهما التثنية والجمع بالعطف، فقولك: جاء الرجلان، ومررت بالزيدين (٢) أصله: جاء الرجل والرجل، ومررت بزيد وزيد، فحذفوا العاطف والمعطوف، وأقاموا حرف التثنية مقامهما اختصارا، وصحّ ذلك لاتفاق الذاتين فى التسمية بلفظ واحد، فإن اختلف لفظ الاسمين رجعوا إلى التكرير بالعاطف، كقولك: جاء الرجل والفرس، ومررت بزيد وبكر، إذ كان ما فعلوه من الحذف فى المتفقين يستحيل فى المختلفين، ولمّا التزموا فى تثنية المتّفقين ما ذكرناه من الحذف كان (٣) التزامه فى الجمع مما لا بدّ منه ولا مندوحة عنه، لأنّ حرف الجمع ينوب عن ثلاثة فصاعدا إلى ما لا يدركه الحصر.
ويدلّك على صحة ما ذكرته لك أنهم ربّما رجعوا إلى الأصل فى تثنية المتفقين وما فويق (٤) ذلك من العدد، فاستعملوا التكرير بالعاطف، إما للضرورة، وإما للتفخيم، فالضرورة كقول القائل (٥):
стр. 230
كأنّ بين فكّها والفكّ
أراد أن يقول: بين فكّيها، فقاده تصحيح/الوزن والقافية إلى استعمال العطف، ومثله:
ليث وليث فى مكان ضنك (١)
ومثله فيما جاوز الاثنين قول أبى نواس (٢):
أقمنا بها يوما ويوما وثالثا ... ويوما له يوم التّرحّل خامس (٣)
فإن استعملت هذا فى السّعة فإنما تستعمله لتفخيم الشىء الذى تقصد تعظيمه، كقولك لمن تعنّفه بقبيح تكرّر منه، وتنبّهه على تكرير عفوك عنه: قد صفحت لك عن جرم وجرم وجرم وجرم، وكقولك لمن يحقر أيادى أسديتها إليه،
стр. 231
أو ينكر ما أنعمت به عليه: قد أعطيتك ألفا وألفا وألفا، فهذا أفخم فى اللفظ، وأوقع فى النفس من قولك: قد صفحت لك عن أربعة أجرام، وقد أعطيتك ثلاثة آلاف.
والتثنية تنقسم إلى ثلاثة أضرب: تثنية لفظيّة، وتثنية معنويّة وردت بلفظ الجمع، وتثنية لفظيّة كان حقّها التكرير بالعطف.
فالضّرب الأول عليه معظم الكلام، كقولك فى رجل: رجلان، وفى زيد: زيدان.
والضّرب الثانى: تثنية آحاد ما فى الجسد كالأنف والوجه والبطن والظهر، تقول: ضربت رءوس الرجلين، وشققت بطون الحملين (١)، ورأيت ظهوركما، وحيّا الله وجوهكما، فتجمع وأنت/تريد: رأسين وبطنين وظهرين ووجهين، ومن ذلك فى التنزيل قوله جل ثناؤه: ﴿فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُما﴾ (٢) وجروا على هذا السّنن فى المنفصل عن الجسد، فقالوا: مدّ الله فى أعماركما، ونسأ الله فى آجالكما، ومثله فى المنفصل فيما حكاه سيبويه (٣): ضع رحالهما.
ومن العرب من يعطى هذا كلّه حقّه من التثنية، فيقولون (٤): ضربت رأسيهما،
стр. 232
وشققت بطنيهما، وعرفت ظهريكما، وحيّا الله وجهيكما، فممّا ورد بهذه اللغة قول الفرزدق (١):
بما فى فؤادينا من الشوق والهوى
وقول أبى ذؤيب (٢):
فتخالسا نفسيهما بنوافذ ... كنوافذ العبط التى لا ترقع
أراد بطعنات نوافذ، والعبط: جمع العبيط: وهو البعير الذى ينحر لغير داء.
والجمع فى هذا ونحوه، هو الوجه، كما جاء فى التنزيل: ﴿قالا رَبَّنا ظَلَمْنا أَنْفُسَنا﴾ (٣)، وجمع هميان بن قحافة بين اللغتين فى قوله:
ومهمهين قذفين مرتين ... ظهراهما مثل ظهور التّرسين (٤)
المهمه: المفازة الخرقاء، والقذف والقذيف: البعيد، والمرت: كلّ مكان لا ينبت مرعى.
وربما استغنوا فى هذا النحو بواحد، لأن إضافة العضو إلى اثنين تنبئ عن المراد، كقولك: ضربت رأس الرجلين، وشققت بطن الحملين، ولا يكادون يستعملون
стр. 233
هذا إلا فى الشعر (١)، وأنشدوا شاهدا عليه:
كأنه وجه تركيّين قد غضبا ... مستهدفين لطعن غير تذبيب (٢)
ذبّ فلان عن فلان: دفع عنه، وذبّب فى الطعن والدفع: إذا لم يبالغ فيهما.
قال سيبويه (٣): وسألته، يعنى الخليل، عن قولهم: ما أحسن وجوههما [فجمعوا وهم يريدون اثنين (٤)] فقال: لأن الاثنين جميع، وهذا بمنزلة قول الاثنين: نحن فعلنا [ذاك (٥)]، ولكنهم أرادوا أن يفرّقوا بين ما يكون مفردا (٦)، وبين ما يكون شيئا من شيء.
/والقول فى تفسير هذه الحكاية: أنهم قالوا: ما أحسن وجوه الرجلين، فاستعملوا الجمع موضع الاثنين، كما قال الاثنان: نحن فعلنا، ونحن إنما هو ضمير موضوع للجماعة، وإنما استحسنوا ذلك لما بين التثنية والجمع من التقارب، من
стр. 234
حيث كانت التثنية عددا تركّب من ضمّ واحد إلى واحد، وأول الجمع، وهو الثلاثة، تركّب من ضمّ واحد إلى اثنين، فلذلك قال: «لأن الاثنين جميع» وقوله:
«ولكنهم أرادوا أن يفرّقوا بين ما يكون مفردا وبين ما يكون شيئا من شيء» معناه أنهم أعطوا المفرد حقّه من لفظ التثنية، فقالوا فى رجل: رجلان، وفى وجه:
وجهان، ولم يفعل ذلك أهل اللغة العليا فى قولهم: ما أحسن وجوه الرجلين، وذلك أن الوجه المضاف إلى صاحبه إنما هو شيء من شيء، فإذا ثنّيت الثانى منهما علم السامع ضرورة أن الأول لا بدّ من أن يكون وفقه فى العدّة (١)، فجمعوا الأول كراهة أن يأتوا بتثنيتين متلاصقتين فى مضاف ومضاف إليه، والمتضايفان يجريان مجرى الاسم الواحد، فلمّا كرهوا أن يقولوا: ما أحسن وجهى الرجلين، فيكونوا كأنهم قد جمعوا فى اسم واحد بين تثنيتين، غيّروا لفظ التثنية الأولى بلفظ الجمع، إذ العلم محيط بأنه لا يكون للاثنين أكثر من وجهين، فلمّا أمنوا اللبس فى وضع الوجوه موضع الوجهين استعملوا أسهل اللفظين (٢).
فأمّا ما فى الجسد منه اثنان، فتثنيته إذا ثنّيت المضاف إليه واجبة، تقول: فقأت عينيهما، وقطعت أذنيهما، لأنك لو قلت: أعينهما وآذانهما، لالتبس بأنك أوقعت الفعل بالأربع.
فإن قيل: فقد جاء فى القرآن: ﴿وَالسّارِقُ وَالسّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُما﴾ (٣) فجمع اليد، وفى الجسد يدان، فهذا يوجب بظاهر اللفظ إيقاع القطع بالأربع.
الجواب: أن المراد: فاقطعوا أيمانهما، وكذلك هى فى مصحف عبد الله (٤)، فلما/ علم بالدليل الشرعىّ أن القطع محلّه اليمين، وليس فى الجسد إلاّ يمين واحدة، جرت مجرى آحاد الجسد فجمعت كما جمع الوجه والظهر والقلب (٥).
стр. 235
والضرب الثالث من ضروب التثنية: تثنية التغليب، وذلك أنهم أجروا المختلفين مجرى المتفقين، بتغليب أحدهما على الآخر، لخفّته أو شهرته، جاء ذلك مسموعا فى أسماء صالحة، كقولهم للأب والأم: الأبوان، وللشمس والقمر: القمران، ولأبى بكر وعمر رضى الله عنهما: العمران، غلّبوا القمر على الشمس لخفّة التذكير، وغلّبوا عمر على أبى بكر، لأن أيام عمر امتدّت فاشتهرت، ومن زعم أنهم أرادوا بالعمرين عمر بن الخطاب وعمر بن عبد العزيز، فليس قوله بشىء، لأنهم نطقوا بالعمرين من قبل أن يعرفوا عمر بن عبد العزيز، وروى أنهم قالوا لعثمان رضوان الله عليه: نسألك سيرة العمرين، وقال الفرزدق (١):
أخذنا بآفاق السماء عليكم ... لنا قمراها والنّجوم الطّوالع
أراد لنا شمسها وقمرها، وعنى بالشمس إبراهيم، وبالقمر محمدا ﵌، وبالنّجوم عشيرة (٢) النبى ﵌، وكذلك أراد المتنبى بالقمرين الشمس والقمر فى قوله (٣):
واستقبلت قمر السّماء بوجهها ... فأرتنى القمرين فى وقت معا
ولو لم يرد الشمس والقمر لم يدخل (٤) الألف واللام، ولقال: أرتنى قمرين.
وقيل فى قوله تعالى: ﴿يا لَيْتَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ بُعْدَ الْمَشْرِقَيْنِ فَبِئْسَ الْقَرِينُ﴾ (٥): إن المراد المشرق والمغرب، فغلّب المشرق لأنه أشهر الجهتين.
стр. 236
وقالوا لمصعب بن الزبير (١) وابنه المصعبان، وقالوا لعبد الله بن الزّبير وأخيه مصعب: الخبيبان، وكان عبد الله يكنى أبا خبيب، قال الراجز (٢):
قدنى من نصر الخبيبين قدى
وقد أفرد صاحب (إصلاح المنطق) لهذا الضرب (٣) بابا.
كان لبيد بن ربيعة بن مالك بن جعفر بن كلاب بن ربيعة بن عامر بن صعصعة (٤) من شعراء الجاهلية وأدرك الإسلام فحسن إسلامه، وترك قول الشعر فى الإسلام، وسأله عمر بن الخطاب رضوان الله عليه فى خلافته، عن شعره واستنشده، فقرأ سورة البقرة، فقال: إنما سألتك عن شعرك، فقال: ما كنت لأقول بيتا من الشّعر بعد إذ علّمنى الله البقرة وآل عمران، فأعجب عمر قوله، وكان عطاؤه ألفين فزاده خمسمائة، وعاش إلى بعض أيام معاوية، وكان عطاؤه بالكوفة، وكتب معاوية إلى زياد بأن المال قد قلّ وكثر أهل العطاء، فانقص من أعطيات أهل الشرف خمسمائة [خمسمائة (٥)] فنقصهم زياد عند أخذهم للعطاء رجلا رجلا، حتى انتهى إلى لبيد، فقال (٦) له: هذان الخرجان يا أبا عقيل فما هذه العلاوة (٧)؟ فقال له لبيد: أمضها لا أبا لك، فعن قليل ما يرجع إليك الخرجان والعلاوة، فاستحيا منه زياد لسنّه
стр. 237
وشرفه، فأعطاه عطاءه على تمامه، ولم يفعل ذلك مع أحد غيره، فكان ذلك آخر ما قبض [من العطاء (١)].
وكان لبيد آلى على نفسه فى الجاهلية ألاّ تهبّ الصّبا إلاّ نحر وأطعم الناس حتى تسكن، وألزم ذلك (٢) نفسه فى الإسلام، وخطب الوليد بن عقبة بن أبى معيط الناس بالكوفة فى يوم صبا، فقال: معاشر الناس، إن أخاكم لبيد بن ربيعة آلى على نفسه فى الجاهلية ألاّ تهبّ الصّبا إلا نحر وأطعم الناس حتى تسكن، وأقام على سنّته فى الإسلام، وهذا اليوم من أيامه فأعينوه، وأنا أول من يعينه، ونزل عن المنبر، فبعث إليه بمائة بكرة، وكتب إليه بهذه الأبيات:
أرى الجزّار يشحذ شفرتيه ... إذا هبّت رياح أبى عقيل (٣)
أشمّ الأنف أصيد عامرىّ ... طويل الباع كالسيف الصّقيل
وفى ابن الجعفرىّ بما عليه ... على العلاّت والمال القليل
فلما وصلت الأبيات إلى لبيد، قال لبنت له: يا بنيّة أجيبيه، فقد رأيتنى وما أعيا بجواب شاعر، فقالت:
إذا هبّت رياح أبى عقيل ... دعونا عند هبّتها الوليدا
أشمّ الأنف أصيد عبشميّا ... أعان على مروءته لبيدا
بأمثال الهضاب كأنّ ركبا ... عليها من بنى حام قعودا
أبا وهب جزاك الله خيرا ... نحرناها وأطعمنا الثريدا
فعد إنّ الكريم له معاد ... وظنّى بابن أروى أن يعودا
стр. 238
فقال لها أبوها: أحسنت لولا أنك استزدتيه، فقالت: إن الأمراء لا يستحيا من الطلب إليهم، ولا غضاضة على سائلهم، فقال: وأنت فى هذا القول أشعر.
...
стр. 239
المجلس الثالث
قال كبت الله أعداءه (١): كان بنو زياد العبسيّون الرّبيع وعمارة وقيس وأنس، كلّ واحد منهم قد رأس فى الجاهلية وقاد جيشا، وأمهم فاطمة بنت الخرشب الأنمارية، وكانت إحدى المنجبات (٢)، وهى التى سئلت فقيل لها: أىّ بنيك أفضل؟ فقالت:
ربيع، بل عمارة، بل قيس، بل أنس، ثم قالت: ثكلتهم إن كنت أدرى. وكان لكلّ واحد منهم لقب، فكان عمارة يقال له: الوهّاب، وكان الربيع يقال له:
الكامل، وقيس يقال (٣) له: الجواد، وأنس يقال له: أنس الحفاظ، وكان عمارة آلى على نفسه ألاّ يسمع صوت أسير ينادى فى الليل/إلا افتكّه، وفيه يقول المسيّب ابن عامر (٤).
جزى الله عنّى والجزاء بكفّه ... عمارة عبس نضرة وسلاما
كسيف الفرند العضب أخلص صقله ... تراوحه أيدى الرّجال قياما
إذا ما ملمّات الأمور غشينه ... تفرّجن عنه أصلتيّا حساما
стр. 240
لعمرك ما ألفيته متعبّسا ... ولا ماله دون الصّديق حراما
النّضرة: الحسن، ونضر الله وجهك: حسّنه، ومنه ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناضِرَةٌ﴾ (١) ﴿وَلَقّاهُمْ نَضْرَةً وَسُرُوراً﴾ (٢) والسّلام: التحيّة، والسّلام: السّلامة، والسّلام: الله جلّت عظمته، ومن السّلامة قول الشاعر:
تحيّى بالسّلامة أمّ بكر ... وهل لى بعد قومى من سلام (٣)
ومن السلامة أيضا قول الله جلّ ثناؤه: ﴿لَهُمْ دارُ السَّلامِ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ (٤) وسمّى الله الجنة دار السلام، لسلامة أهلها من الآفات: الفقر والمرض والموت والأحزان.
والفرند: جوهر السيف. والأصلتىّ: الحسن، والأصلتىّ: الماضى من كلّ شيء.
ونصب «قياما» على الحال من الرجال، والحال من المضاف إليه قليلة، فمن ذلك قول الجعدىّ يصف فرسا (٥):
كأنّ حواميه مدبرا ... خضبن وإن كان لم يخضب
نصب «مدبرا» على الحال من الهاء، والحامية: ما فوق الحافر، وقيل الحامية:
ما عن يمين الحافر وشماله (٦)، وهذا أثبت.
وأنشدوا فى الحال من المضاف إليه قول تأبّط شرّا: (٧)
стр. 241
سلبت سلاحى بائسا وشتمتنى ... فيا خير مسلوب ويا شرّ سالب
ولست أرى أن «بائسا» حال من ضمير المتكلم الذى فى «سلاحى» ولكنه عندى حال من مفعول «سلبت» المحذوف، والتقدير: سلبتنى بائسا سلاحى، وجاء بالحال من المحذوف لأنه مقدّر عنده منوىّ، ومثل ذلك فى القرآن قوله جلّ وعزّ:
﴿ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيداً﴾ (١) فوحيدا حال من الهاء العائدة فى التقدير على «من» ومثله: ﴿أَهذَا الَّذِي بَعَثَ اللهُ رَسُولاً﴾ (٢) ألا ترى أنك لا بدّ أن تقدّر خلقته وحيدا، وبعثه الله رسولا، لأن الاسم الموصول لا بدّ له من عائد لفظا أو تقديرا.
وإنما وجب العدول (٣) عن نصب «بائس» على الحال من الياء التى فى «سلاحى» لما ذكرته لك من عزّة حال المضاف إليه، فإذا وجدت مندوحة عنه وجب تركه.
وسلب: يتعدى إلى مفعولين، يجوز الاقتصار على أحدهما، كقولك: سلبت زيدا ثوبا، وقالوا: سلب زيد ثوبه، بالرفع على بدل الاشتمال، وثوبه، بالنصب على أنه مفعول ثان، وفى التنزيل: ﴿وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبابُ شَيْئاً لا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ﴾ (٤) فيجوز على هذا أن تجعل «بائسا» مفعولا ثانيا بتقدير حذف الموصوف: أى سلبت سلاحى رجلا بائسا، كما تقول: لتعاملنّ منّى رجلا منصفا، ومما جاءت فيه الحال من المضاف إليه فى القرآن قوله تعالى: ﴿قُلْ بَلْ مِلَّةَ إِبْراهِيمَ حَنِيفاً﴾ (٥) قيل:
إن «حنيفا» حال من إبراهيم، وأوجه من ذلك عندى أن تجعله حالا من «الملّة» وإن خالفها بالتذكير، لأن الملّة فى معنى الدّين، ألا ترى أنها قد أبدلت من الدّين فى قوله جلّ وعزّ: ﴿دِيناً قِيَماً مِلَّةَ إِبْراهِيمَ﴾ (٦) فإذا جعلت «حنيفا» حالا من «الملّة»
стр. 242
فالناصب له هو الناصب للملّة، وتقديره: بل نتّبع ملّة إبراهيم حنيفا، وإنما أضمر «نتّبع» لأن ما حكاه الله عنهم من قولهم: ﴿كُونُوا هُوداً أَوْ نَصارى تَهْتَدُوا﴾ معناه:
اتبعوا اليهودية أو النّصرانية، فقال لنبيّه قل بل نتبع ملة إبراهيم حنيفا.
وإنما ضعف مجىء الحال من المضاف/إليه، لأن العامل فى الحال ينبغى أن يكون هو العامل فى ذى الحال.
رجعنا إلى ما بدأنا به من الإخبار عن عمارة بن زياد العبسىّ. قالوا: وكان عمارة يحسد عنترة على شجاعته، إلا أنه كان يظهر تحقيره، ويقول لقومه: إنكم قد أكثرتم من ذكره، ولوددت أنى لقيته خاليا حتى أريحكم منه، وحتى أعلمكم أنه عبد، وكان عمارة مع جوده كثير المال، وكان عنترة لا يكاد يمسك إبلا، ولكن يعطيها إخوته ويقسمها فيهم، فبلغه ما يقول عمارة فقال (١):
أحولي تنفض استك مذرويها ... لتقتلنى فها أنا ذا عمارا
متى ما تلقنى خلوين ترجف ... روانف أليتيك وتستطارا
وسيفى صارم قبضت عليه ... أشاجع لا ترى فيها انتشارا
حسام كالعقيقة فهو كمعى ... سلاحى لا أفلّ ولا فطارا
ومطّرد الكعوب أحصّ صدق ... تخال سنانه فى اللّيل نارا
ستعلم أيّنا للموت أدنى ... إذا دانيت لى الأسل الحرارا
وخيل قد دلفت لها بخيل ... عليها الأسد تهتصر اهتصارا
المذروان: جانبا الأليتين المقترنان، ومن كلام العرب: «جاء ينفض مذرويه (٢)»
стр. 243
إذا جاء يتهدّد. وهذا الحرف مما شذ عن [قياس (١)] نظائره، وكان حقّه أن تصير واوه إلى الياء كما صارت إلى (٢) الياء فى قولهم: ملهيان ومغزيان، لأن الواو متى وقع فى هذا النحو طرفا رابعا فصاعدا استحق الانقلاب إلى الياء، حملا على انقلابه فى الفعل فى نحو يلهى ويغزى، وإنما انقلبت الواو ياء فى قولك: ملهيان ومغزيان وإن لم تكن طرفا، لأنّها فى تقدير الطّرف، من حيث كان حرف التثنية لا يحصّن ما اتّصل به، لأن دخوله كخروجه، وصحّت الواو فى المذروين؛ لأنّهم بنوه على التثنية، فلم يفردوا فيقولوا مذرى (٣)، كما قالوا: ملهى، فصحّت لذلك، كما صحّت الواو والياء فى العلاوة والنّهاية، فلم يقلبا إلى الهمزة، لأنهم بنوا الاسمين على التأنيث، وكما صحّت الياء فى الثّنايين من قولهم: عقلته بثنايين: إذا عقلت يديه جميعا بطرفى حبل، لأنهم صاغوه مثنّى، ولو أنهم تكلّموا بواحده لقالوا: ثناء، مهموز كرداء، ولقالوا فى تثنيته: ثناءان وثناءين، كرداءين.
وقوله: «متى ما تلقنى خلوين» نصب «خلوين» على الحال من الفاعل والمفعول، أراد خاليين، ويروى، برزين: أى بارزين، ومثله الحال من ضمير الاثنين المستتر فى الظّرف من قوله : ﴿فَكانَ عاقِبَتَهُما أَنَّهُما فِي النّارِ خالِدَيْنِ﴾ (٤).
والرّانفة: طرف الألية الذى يلى الأرض إذا كان الإنسان قائما. وأما الألية
стр. 244
فقال أبو علىّ الحسن بن أحمد الفارسىّ ﵀: قد جاء (١) من المؤنّث بالياء حرفان، لم يلحق فى تثنيتهما التاء وذلك قولهم: خصيان وأليان، فإذا أفردوا قالوا: خصية وألية، وأنشد أبو زيد (٢):
ترتجّ ألياه ارتجاج الوطب
وأنشد سيبويه (٣):
كأنّ خصييه من التّدلدل ... ظرف عجوز فيه ثنتا حنظل
انتهى كلامه (٤). وقد جاءت فى قوله-: «روانف أليتيك» تاء التأنيث، كما ترى، /فالعرب إذا مختلفة فى ذلك.
стр. 245
ومعنى «تستطار»: تستخفّ، ويحتمل قوله «وتستطارا» وجهين من الإعراب، أحدهما: أن يكون مجزوما معطوفا على جواب الشرط، وأصله:
تستطاران، فسقطت نونه للجزم، فالألف على هذا ضمير عائد على الرّوانف، وعاد إليها وهى جمع ضمير تثنية، لأنها من الجموع الواقعة فى مواقع التثنية، نحو قولك:
وجوه الرجلين، فعاد الضمير على معناها دون لفظها، إذ المعنى رانفتا أليتيك، كما أن معنى الوجوه من قولك: حيّا الله وجوهكما، معنى الوجهين، لأنه لا يكون لواحد أكثر من وجه، كما أنه ليس للألية إلا رانفة واحدة.
والوجه الثانى: أن يكون نصبا على الجواب بالواو، بتقدير: وأن تستطارا (١)، فالألف على هذا لإطلاق القافية، والتاء للخطاب، وهى فى الوجه الأول للتأنيث، ويجوز أن تجعل التاء فى هذا الوجه أيضا لتأنيث الرّوانف، وجاء الجواب بعد الشرط والجزاء، كما يجيء بعد الكلام الذى ليس بواجب، كالنهى والنفى فى قولهم: «لا تأكل السمك وتشرب اللبن»، و «لا يسعنى شيء ويعجز عنك»، ومثله فى انتصاب الجواب بالواو بعد الشرط والجزاء قول الله : ﴿إِنْ يَشَأْ يُسْكِنِ الرِّيحَ فَيَظْلَلْنَ رَواكِدَ عَلى ظَهْرِهِ﴾ -ثم قال: - ﴿أَوْ يُوبِقْهُنَّ بِما كَسَبُوا وَيَعْفُ عَنْ كَثِيرٍ. وَيَعْلَمَ الَّذِينَ يُجادِلُونَ﴾ (٢) ومن قرأ: ﴿وَيَعْلَمَ﴾ رفعا-وهو نافع (٣) وابن عامر-استأنفه، ومثله فى النصب على الجواب بعد الواو قول النابغة (٤):
فإن يهلك أبو قابوس يهلك ... ربيع الناس والشّهر الحرام
ونأخذ بعده بذناب عيش ... أجبّ الظّهر ليس له سنام
стр. 246
قد روى [ونأخذ (١)] جزما بالعطف على جواب الشرط، ويروى: «ونأخذ»، رفعا على الاستئناف، ويروى: «ونأخذ»، نصبا على الجواب، ومثله الجواب بالفاء بعد الشرط والجزاء فى قول الله تعالى: ﴿وَإِنْ تُبْدُوا ما فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحاسِبْكُمْ بِهِ اللهُ فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشاءُ﴾ (٢) الاختلاف فى «فيغفر» كالاختلاف فى «ونأخذ» قرأه ابن كثير (٣)، ونافع، وأبو عمرو، وحمزة، والكسائى، جزما بالعطف على «يحاسبكم» وقرأ عاصم وابن عامر، رفعا على الاستئناف، ويروى (٤) نصبه على الجواب عن ابن عباس (٥) رضى الله عنه، وإنما نصبوا الجواب بعد جملة الشرط والجزاء، لأن الجزاء متعلّق بالشرط، يقع بوقوعه ويمتنع بامتناعه، فأشبه النفى.
والأشاجع: عروق ظاهر الكفّ، واحدها: أشجع، وبه سمّى الرجل، وهو قبل التسمية مصروف كما ينصرف أفكل، ويقال: رجل عارى الأشاجع: إذا كان قليل لحم الكفّ.
وقوله: «حسام كالعقيقة فهو كمعى» العقيقة: الشّقّة من البرق، وهى ما انعقّ منه، وانعقاقه: تشقّقه. والكمع، والكميع: الضّجيع، وجاء فى الحديث- النّهى عن المكامعة والمكاعمة-والمكامعة: أن يضطجع الرجلان فى ثوب واحد ليس بينهما حاجز، والمكاعمة: أن يقبّل الرجل الرجل على (٦) فيه.
وقوله: «لا أفلّ ولا فطارا»: أى لا فلّ فيه ولا فطر، والفلّ: الثّلم، والفطر:
الشّقّ.
стр. 247
وموضع قوله: «كالعقيقة» رفع، وصف لحسام، ففى الكاف ضمير عائد على الموصوف. وانتصاب «أفلّ» على الحال من المضمر فى الكاف، والعامل فى الحال ما فى الكاف من معنى التشبيه، والتقدير: حسام يشبه العقيقة غير منفلّ ولا منفطر.
وقوله: «ومطّرد الكعوب»: أى متتابع الكعوب، أى ليس فى كعوبه اختلاف [يقال (١)]: اطّرد القول: إذا تتابع، والكعوب من الرمح: العقد ما بين كل أنبوبين كعب.
والأحصّ: الأملس، يقال: انحصّ رأسه: إذا ذهب شعره، وسنة حصّاء:
لانبت فيها
والصّدق: الصّلب، وقوله:
ستعلم أيّنا للموت أدنى ... إذا دانيت لى الأسل الحرارا
أراد: إلى الموت أدنى، وإذا دانيت إلىّ الأسل، فوضع اللام فى موضع «إلى»، لأن الدّنوّ وما تصرّف منه أصله التعدّى بإلى، ومثله فى إقامة اللام مقام «إلى» قول الله سبحانه: ﴿بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحى لَها﴾ (٢) أى أوحى إليها، ومثله ﴿قُلِ اللهُ يَهْدِي لِلْحَقِّ﴾ ثم قال: ﴿أَفَمَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ﴾ (٣).
والأسل: الرّماح. والحرار: العطاش، ومن دعائهم: «رماه الله بالحرّة (٤) تحت القرّة»: أى بالعطش تحت البرد.
стр. 248
وقوله: «وخيل قد دلفت لها بخيل» الدّليف: المشى الرّويد، وهو فويق الدّبيب، وهو مشى الكتيبة إلى الكتيبة.
وقوله: «عليها الأسد تهتصر» معنى تهتصر: تجتذب أقرانها، يقال:
هصرت الغصن واهتصرته: إذا جذبته، ويقال: رجل هصر: إذا كان شديد الجذب للأقران، ومنه اشتقاق: مهاصر، اسم رجل. آخر المجلس.
...
стр. 249
المجلس الرابع
باب يشتمل على تفسير أبيات، إعرابا ومعنى
بيت للكميت بن زيد الأسدىّ، من قصيدة مدح بها بعض (١) ملوك بنى أمية:
صرّ رجل الغراب ملكك فى النا ... س على من أراد فيه الفجورا (٢)
نصب «رجل الغراب»، على المصدر، قال أبو عبيد القاسم بن سلاّم: رجل الغراب: ضرب من صرّ أخلاف الناقة لا ينحلّ، ولا يقدر فصيل على أن يرضع معه، انتهى كلامه.
قال كبت (٣) الله عدوّه: إن هذا مثل ضربه وتشبيه، ومفعول «صرّ» محذوف، والمعنى: صرّ ملكك البلاد فمنعها من المفسدين وفطمهم منها، كما يمنع الفصيل لبن أمّه بالصّرّ، والتقدير: صرّ البلاد ملكك صرّا مثل الصّرّ المعروف برجل الغراب.
بيت للشمّاخ (٤).
إذا الأرطى توسّد أبرديه ... خدود جوازئ بالرّمل عين
الأبردان: الغداة والعشىّ، والجوازئ من البقر والظباء: التى جزأت بالرّطب
стр. 250
عن الماء، أى استغنت، وهو جمع جازئ وجازئة، والمصدر الجزء مضموم الأول، والجزوء أيضا على الفعول (١)، والعين: الواسعة العيون، الواحد أعين وعيناء.
ويقال: ما موضع الأرطى؟
والجواب: نصب (٢) بتوسّد، ولا حاجة بك إلى إضمار فعل ينصبه (٣)، يكون هذا مفسّرا له، لأن الظاهر غير مشغول عن (٤) العمل فيه، وانتصاب «أبرديه (٥)» على الظرف، والهاء عائدة على الأرطى، ولو أنها اتصلت بالفعل فقيل: توسّده، وجب أن تضمر للأرطى ناصبا يفسّره هذا الظاهر، ولكنه كقولك: إذا زيدا أكرم بكر طرفى نهاره كان كذا.
أنشد أبو العباس محمد بن يزيد، فى المقتضب (٦):
بعد اللّتيّا واللّتيّا والّتى ... إذا علتها أنفس تردّت
لم يأت للموصولين الأوّلين بصلة، لأن صلة الموصول الثالث دلّت على ما أراد، ومثله:
من اللّواتى والّتى واللاّتى ... زعمن أنّى كبرت لداتى (٧)
وصل اللاتى وحذف صلة اللواتى والتى، للدّلالة عليها.