← Адаб

Адаб · id 120922

أمالي ابن الشجري ت الطناحي

ابن الشجري

Полный текст (1 931 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.

стр. 246

قد روى [ونأخذ (١)] جزما بالعطف على جواب الشرط، ويروى: «ونأخذ»، رفعا على الاستئناف، ويروى: «ونأخذ»، نصبا على الجواب، ومثله الجواب بالفاء بعد الشرط والجزاء فى قول الله تعالى: ﴿وَإِنْ تُبْدُوا ما فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحاسِبْكُمْ بِهِ اللهُ فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشاءُ﴾ (٢) الاختلاف فى «فيغفر» كالاختلاف فى «ونأخذ» قرأه ابن كثير (٣)، ونافع، وأبو عمرو، وحمزة، والكسائى، جزما بالعطف على «يحاسبكم» وقرأ عاصم وابن عامر، رفعا على الاستئناف، ويروى (٤) نصبه على الجواب عن ابن عباس (٥) رضى الله عنه، وإنما نصبوا الجواب بعد جملة الشرط والجزاء، لأن الجزاء متعلّق بالشرط، يقع بوقوعه ويمتنع بامتناعه، فأشبه النفى. والأشاجع: عروق ظاهر الكفّ، واحدها: أشجع، وبه سمّى الرجل، وهو قبل التسمية مصروف كما ينصرف أفكل، ويقال: رجل عارى الأشاجع: إذا كان قليل لحم الكفّ. وقوله: «حسام كالعقيقة فهو كمعى» العقيقة: الشّقّة من البرق، وهى ما انعقّ منه، وانعقاقه: تشقّقه. والكمع، والكميع: الضّجيع، وجاء فى الحديث- النّهى عن المكامعة والمكاعمة-والمكامعة: أن يضطجع الرجلان فى ثوب واحد ليس بينهما حاجز، والمكاعمة: أن يقبّل الرجل الرجل على (٦) فيه. وقوله: «لا أفلّ ولا فطارا»: أى لا فلّ فيه ولا فطر، والفلّ: الثّلم، والفطر: الشّقّ.

стр. 247

وموضع قوله: «كالعقيقة» رفع، وصف لحسام، ففى الكاف ضمير عائد على الموصوف. وانتصاب «أفلّ» على الحال من المضمر فى الكاف، والعامل فى الحال ما فى الكاف من معنى التشبيه، والتقدير: حسام يشبه العقيقة غير منفلّ ولا منفطر. وقوله: «ومطّرد الكعوب»: أى متتابع الكعوب، أى ليس فى كعوبه اختلاف [يقال (١)]: اطّرد القول: إذا تتابع، والكعوب من الرمح: العقد ما بين كل أنبوبين كعب. والأحصّ: الأملس، يقال: انحصّ رأسه: إذا ذهب شعره، وسنة حصّاء: لانبت فيها والصّدق: الصّلب، وقوله: ستعلم أيّنا للموت أدنى ... إذا دانيت لى الأسل الحرارا أراد: إلى الموت أدنى، وإذا دانيت إلىّ الأسل، فوضع اللام فى موضع «إلى»، لأن الدّنوّ وما تصرّف منه أصله التعدّى بإلى، ومثله فى إقامة اللام مقام «إلى» قول الله سبحانه: ﴿بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحى لَها﴾ (٢) أى أوحى إليها، ومثله ﴿قُلِ اللهُ يَهْدِي لِلْحَقِّ﴾ ثم قال: ﴿أَفَمَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ﴾ (٣). والأسل: الرّماح. والحرار: العطاش، ومن دعائهم: «رماه الله بالحرّة (٤) تحت القرّة»: أى بالعطش تحت البرد.

стр. 248

وقوله: «وخيل قد دلفت لها بخيل» الدّليف: المشى الرّويد، وهو فويق الدّبيب، وهو مشى الكتيبة إلى الكتيبة. وقوله: «عليها الأسد تهتصر» معنى تهتصر: تجتذب أقرانها، يقال: هصرت الغصن واهتصرته: إذا جذبته، ويقال: رجل هصر: إذا كان شديد الجذب للأقران، ومنه اشتقاق: مهاصر، اسم رجل. آخر المجلس. ...

стр. 249

المجلس الرابع باب يشتمل على تفسير أبيات، إعرابا ومعنى بيت للكميت بن زيد الأسدىّ، من قصيدة مدح بها بعض (١) ملوك بنى أمية: صرّ رجل الغراب ملكك فى النا ... س على من أراد فيه الفجورا (٢) نصب «رجل الغراب»، على المصدر، قال أبو عبيد القاسم بن سلاّم: رجل الغراب: ضرب من صرّ أخلاف الناقة لا ينحلّ، ولا يقدر فصيل على أن يرضع معه، انتهى كلامه. قال كبت (٣) الله عدوّه: إن هذا مثل ضربه وتشبيه، ومفعول «صرّ» محذوف، والمعنى: صرّ ملكك البلاد فمنعها من المفسدين وفطمهم منها، كما يمنع الفصيل لبن أمّه بالصّرّ، والتقدير: صرّ البلاد ملكك صرّا مثل الصّرّ المعروف برجل الغراب. بيت للشمّاخ (٤). إذا الأرطى توسّد أبرديه ... خدود جوازئ بالرّمل عين الأبردان: الغداة والعشىّ، والجوازئ من البقر والظباء: التى جزأت بالرّطب

стр. 250

عن الماء، أى استغنت، وهو جمع جازئ وجازئة، والمصدر الجزء مضموم الأول، والجزوء أيضا على الفعول (١)، والعين: الواسعة العيون، الواحد أعين وعيناء. ويقال: ما موضع الأرطى؟ والجواب: نصب (٢) بتوسّد، ولا حاجة بك إلى إضمار فعل ينصبه (٣)، يكون هذا مفسّرا له، لأن الظاهر غير مشغول عن (٤) العمل فيه، وانتصاب «أبرديه (٥)» على الظرف، والهاء عائدة على الأرطى، ولو أنها اتصلت بالفعل فقيل: توسّده، وجب أن تضمر للأرطى ناصبا يفسّره هذا الظاهر، ولكنه كقولك: إذا زيدا أكرم بكر طرفى نهاره كان كذا. أنشد أبو العباس محمد بن يزيد، فى المقتضب (٦): بعد اللّتيّا واللّتيّا والّتى ... إذا علتها أنفس تردّت لم يأت للموصولين الأوّلين بصلة، لأن صلة الموصول الثالث دلّت على ما أراد، ومثله: من اللّواتى والّتى واللاّتى ... زعمن أنّى كبرت لداتى (٧) وصل اللاتى وحذف صلة اللواتى والتى، للدّلالة عليها.

стр. 251

ومما حذف منه صلة موصولين، فلم يؤت فيه بصلة أخرى، قول سلمىّ (١) بن ربيعة السّيدىّ: /ولقد رأبت ثأى العشيرة بينها ... وكفيت جانيها اللّتيّا والّتى أراد اللّتيّا والتى تأتى على النفوس، لأن تأنيث اللّتيّا والتى هاهنا إنما هو لتأنيث الداهية، ألا ترى إلى قول الراجز (٢): بعد اللّتيّا واللّتيّا والتى ... إذا علتها أنفس تردّت وتردّت: تفعّلت من الرّدى، مصدر ردى يردى: إذا هلك، وإن شئت أخذته من التردّى: الذى هو السّقوط من علو، ومنه «المتردّية (٣)»: الشاة التى تسقط من جبل أو حائط، أو فى بئر فتموت، ومنه: ﴿وَما يُغْنِي عَنْهُ مالُهُ إِذا تَرَدّى﴾ (٤) أى إذا سقط على رأسه فى جهنم. وحذف الصّلة (٥) من هذا الضّرب من الموصولات إنما هو لتعظيم الأمر وتفخيمه (٦)، ومثل ذلك حذف الأجوبة فى نحو: ﴿وَلَوْ تَرى إِذِ الظّالِمُونَ فِي غَمَراتِ الْمَوْتِ﴾ (٧)

стр. 252

ونحو: ﴿وَلَوْ تَرى إِذِ الْمُجْرِمُونَ ناكِسُوا رُؤُسِهِمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ رَبَّنا أَبْصَرْنا وَسَمِعْنا فَارْجِعْنا نَعْمَلْ صالِحاً﴾ (١) تقدير الجواب، والله أعلم: لرأيت أمرا هائلا، ومن ذلك قولهم: «أصاب الناس جهد ولو ترى أهل مكة» (٢) تقدير المحذوف: لرأيتهم بأسوإ حال، وقد جاء التحقير فى كلامهم للتعظيم كقوله (٣): وكلّ أناس سوف تدخل بينهم ... دويهية تصفرّ منها الأنامل أراد بالدّويهية الموت، ولا داهية أعظم منها، وكقول أوس بن حجر (٤): فويق جبيل شامخ الرأس لم تكن ... لتبلغه حتّى تكلّ وتعملا أى لم تكن لتبلغ رأسه. فتحقير اللّتيّا هاهنا إنما هو تعظيم، ويبعد أن يكون أراد باللّتيّا الفعلة الهيّنة لقوله: «وكفيت جانيها اللّتيّا»، والفعلة الهيّنة لا يكاد فاعلها يسمّى جانيا. /فأما قوله: «ولقد رأبت ثأى العشيرة بينها» فالرّأب: الإصلاح، والثّأى: الفساد، والظّرف متعلّق بالثّأى: أى أصلحت ما فسد بينها. بيت، سأل عن إعرابه ومعناه أبو الحسن علىّ بن عبد الرحمن المغربىّ: أنّى تردّ لى الحمول أراهم ... ما أقرب الملسوع منه الداء (٥) فأجبت بأن الداء مبتدأ قدّم خبره عليه، وإن كان الخبر جملة، اتّساعا، لأن

стр. 253

البصريّين مجمعون (١) على جواز تقديم الجملة على المخبر بها عنه، كقولك: مررت به المسكين، وأكرمت أخاه زيد، أى المسكين مررت به، وزيد أكرمت أخاه، والمعلّق للجملة بالمبتدإ الهاء فى «منه» فالتقدير: الداء ما أقرب الملسوع منه، كقولك: زيد ما أحسن وجهه، وجاز الإخبار بجملة التعجب، لأن التعجب ضرب من الخبر، من حيث يدخله التصديق والتكذيب، ومثل ذلك الإخبار بنعم وفاعلها، فى قولك: نعم الرجل زيد، فى قول من جعل زيدا مبتدأ، كأنك قلت: زيد نعم الرجل، وإنما ألزموا الخبر المركّب من نعم وفاعلها التقديم على المبتدأ غالبا؛ لقوّة عنايتهم بالمدح. والأصل فى الحمول أن تكون الأحمال، واتّسعوا فيها حتى استعملوها للمتحمّلين. ومن ذلك قول المتنبى فى وصف الدنيا (٢): من رآها بعينها شاقه القطّ ... ان فيها كما تشوق الحمول أى كما يشوق المتحمّلون (٣). وقوله: «أنّى تردّ لى الحمول» استفهام أخرجه مخرج الإنكار، وقال: «أراهم» فأعاد إلى الحمول ضمير العقلاء الذّكور، لأنه ذهب بالحمول إلى المتحمّلين. وقد جاءت الحمول بمعنى النساء المتحمّلات فى قول معقّر بن حمار البارقىّ:

стр. 254

أمن آل شعثاء الحمول البواكر ... مع الصّبح قد زالت بهنّ الأباعر (١) والمعنى أنه استبعد بقاءه إلى حين رجعة المتحملين إليه ونظره إليهم، فقال: / كيف يردّ لى الذين تحمّلوا حتى أراهم، أى لا يكون ذلك؛ لأنى كالملسوع الذى داؤه المؤدّى إلى موته أقرب الأشياء إليه، لأن داء الملسوع لا تكاد ترجى السلامة منه. امرؤ القيس، فى وصف ناقته (٢): تخدى على العلاّت سام رأسها ... روعاء منسمها رثيم دامى جالت لتصرعنى فقلت لها اقصرى ... إنى امرؤ صرعى عليك حرام خدى البعير يخدى خديا، ووخد يخد وخدانا ووخدا: كلاهما من السير السريع. وقوله: «على العلاّت» أى على ما بها من الكلال والجوع والعطش. و «سام رأسها»: أى مرتفع من نشاطها، وموضع «سام» نصب على الحال، ولكنه أسكنه ضرورة، كقول بشر بن أبى خازم (٣): كفى بالنأى من أسماء كافى

стр. 255

فرأسها إذا مرتفع بسام، دون الابتداء، ارتفاع الفاعل بفعله، لأن اسم الفاعل إذا اعتمد عمل عمل الفعل، واعتماده أن يكون خبرا أو صفة أو صلة أو حالا. وروعاء: حديدة الفؤاد، ترتاع من كلّ شيء، وانتصابها على الحال. والمنسم للبعير كالظّفر للإنسان. ورثيم: مشقوق، فعيل بمعنى مفعول، صكّته الحجارة فرثمته، وأصل الرّثم فى الأنف، يقال: رثمت أنفه: إذا شققته حتى يسيل [منه (١)] دم، ولكنه استعاره للمنسم. وقوله: اقصرى، من القصر الذى هو الحبس، أى احبسى جولانك، ومنه ﴿حُورٌ مَقْصُوراتٌ﴾ (٢). وقوله: «إنى امرؤ صرعى عليك» كان حقّه أن يقول: صرعه، فيعيد إلى امرئ ضمير غيبة، لأنه اسم غيبة، ولكنه لما وقع خبرا عن ياء المتكلم، والخبر المفرد هو المخبر عنه، أعاد إليه من الجملة التى وصفه بها ضمير متكلّم، ونظير ذلك فى التنزيل قوله جلّت عظمته: ﴿إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ﴾ (٣) كان قياسه: يجهلون بالياء، لأنه صفة قوم، وقوم اسم غيبة، والتاء/خطاب، ولكن حسن إجراء الخطاب وصفا لقوم، لوقوعه خبرا عن ضمير المخاطبين. وقال أبو حاتم سهل بن محمد فى قوله: «صرعى عليك حرام»: المعنى أنه حاذق بالركوب، فهذه الناقة لا تقدر أن تصرعه، وقال غير أبى حاتم: معناه قد آتيت إليك من الإحسان ما لا ينبغى لك معه أن تصرعينى، أى قد حرّم إحسانى إليك صرعى عليك.

стр. 256

وهذا البيت انفرد الأصمعىّ (١) بروايته، وروى «حرام» مكسور الميم، ولو رواه بضمها على الإقواء (٢) كان أحبّ إلىّ، وقال أبو حاتم فى تعليل الكسر فيه: أخرج «حرام» مخرج كفاف، من قول الراجز (٣): يا ليت حظّى من جداك الضّافى ... والفضل أن تتركنى كفاف عدل (٤) كفاف عن كاف، وإن شئت قدّرتها معدولة عن التّركة الكافّة. انتهى كلامه. قال أدام الله نعمته (٥): حرام لا يتأتّى فيها العدل عن فاعل أو فاعلة، كما تأتّى ذلك فى كفاف، وكفاف قد اتّسع استعمالها فى الشعر القديم، وقد ورد فى أشعار المتأخّرين، كقول أبى العلاء المعرّىّ، فى ابتداء مرثية أبى أحمد الموسوىّ والد المرتضى والرّضىّ: أودى فليت الحادثات كفاف ... مال المسيف وعنبر المستاف (٦) المسيف: الذى ذهب ماله (٧)، والمستاف مفتعل من السّوف، وهو الشّمّ.

стр. 257

عدل كفاف عن كافّة، أى ليت الحادثات كفّت عنا خيرها وشرّها، فلم تسد إلينا خيرا، ولم توقع بنا شرّا، فقام هذا بهذا. وإذا كان العدل فى «كفاف» ممكنا وفى «حرام» متعسّفا وجب اطّراح المتعسّف، وأن تحمل هذه اللفظة على وجه يستقيم به فيها الكسر، وذلك أن يكون /ألحقها ياء النّسب للمبالغة (١)، من حيث كانت وصفا، كقولهم فى الأحمر: أحمرىّ، وفى الدّوّار: دوّارىّ، قال الراجز (٢): والدّهر بالإنسان دوّارىّ ثم خفّف الياء من «حرامىّ» ضرورة، كما خفّفها القائل (٣): قتلت علباء وهند الجملى فهذا أمثل ممّا رآه أبو حاتم، ويجب على هذا الوجه إثبات الياء فى الخطّ. ...

стр. 258

المجلس الخامس بيت للرّضىّ من قصيدة مدح بها الطائع، رضى الله عنه: قد كان جدّك عصمة العرب الألى ... فاليوم أنت لهم من الإعدام (١) قوله: «الألى» يحتمل (٢) وجهين، أحدهما: أن يكون اسما ناقصا بمعنى الذين أراد الألى سلفوا، فحذف الصّلة للعلم بها، كما حذفها عبيد بن الأبرص فى قوله: نحن الألى فاجمع جمو ... عك ثم وجّههم إلينا (٣) أراد نحن الألى عرفتهم. والوجه الثانى: أن يكون أراد الأولى، فحذف الواو التى هى عين الفعلى، كما حذفها الأسود بن يعفر فى قوله: وأتبعت أخراهم طريق الاهم ... كما قيل نجم قد خوى متتايع (٤)

стр. 259

قيل: إنه أراد هجوت آخرهم كما هجوت أولهم، أى ألحقت آخرهم بأولهم فى الهجاء، ويقال: خوت النجوم: إذا سقطت فلم يكن عن سقوطها مطر. ويدلك على أنه أراد بألاهم أولاهم أمران، أحدهما: معادلتها لأخراهم، ومثله قول أميّة بن أبى الصّلت (١): وقد علمنا لو أنّ العلم ينفعنا ... أن سوف تلحق أخرانا بأولانا /ومثله فى كتاب الله : ﴿قالَتْ أُولاهُمْ لِأُخْراهُمْ﴾ (٢). /والثانى: أنها لا تخلو من أن يكون المراد بها ما ذكرته، أو تكون «ألى» المبهمة التى فى قول الأعشى (٣): هاؤلا ثم هاؤلا كلاّ اعطي ... ت نعالا محذوّة بنعالى أو تكون التى (٤) بمعنى الذين، كقول بشر (٥):

стр. 260

ونحن ألى ضربنا رأس حجر فلا يجوز أن تكون المبهمة ولا الموصولة، لأنّ تينك لا تضافان، فثبت ما ذكرته أن المراد بها أولاهم، وإنما استجازوا مثل هذا الحذف فى المعتلّ الأصلىّ تشبيها له بالزائد، كقولهم فى الرّءوف: الرّؤف، وفى العلابط: العلبط، وفى العرنتن: العرتن، وفى العريقصان: العرقصان، ومن ذلك حذفهم اللام من مراما (١)، فى قولهم مرامىّ تشبيها لها بألف التأنيث فى حبارى، وحذفهم الياء الساكنة التى هى عين فى تحيّة، تشبيها بالياء الزائدة فى حنيفة، فقالوا: تحوىّ (٢)، كما قالوا: حنفىّ، وكذلك شبّهوا اللامات المعتلّة بالحركة الزائدة، فحذفوهنّ للجزم فى نحو: لم يدع ولم يمش ولم يخش، كما حذفوا الحركة من الصحيح. العلابط: القطيع الضخم من الغنم، والعرنتن: ضرب من الشجر، والعريقصان: اسم جنس من الدوابّ. بيت للرضىّ، قال (٣) أدام الله نعمته: سئلت عنه: تزهى على تلك الظّبا ... ء فليت شعرى من أباها (٤) وقف الهوى بى عندها ... وسرت بقلبى مقلتاها يحتمل قوله: «من أباها» ثلاثة أوجه، أحدها: أن يكون بمعنى قولك: أبواها، فهو تثنية أب، على لغة من قال: هذان أبان، ورأيت أبين، ومررت /بأبين، فلم يردّ لامه فى التثنية، كما لم يردّ اللام من قال: يدان ودمان، وأنشدوا

стр. 261

على هذه اللغة قول الفرزدق (١). يا خليلىّ اسقيانى ... أربعا بعد اثنتين من شراب كدم الجو ... ف يحرّ الكليتين واصرفا الكأس عن الجا ... هل يحيى بن حصين لا يذوق اليوم كأسا ... أو يفدّى بالأبين وعلى هذا المذهب ثنّاه المتنبي فى قوله (٢): تسلّ بفكر فى أبيك فإنّما ... بكيت فكان الضّحك بعد قريب فوزن أباها وأبيك: فعاها وفعيك، وحذفا منهما النّونين للإضافة. والثانى: أن يكون المراد بقوله «أباها» واحدا، على لغة من قال: هذا أبا، ورأيت أبا، ومررت بأبا، فأبدل من الواو التى هى لام الفعل ألفا لتحرّكها وانفتاح ما قبلها، إذا الأصل فيه: أبو كقلم، فجاء به على حدّ عصا، ويدلّ على أنه فى الأصل فعل مفتوح العين جمعه على آباء، فجاء على حدّ جبل وأجبال، وهذه اللغة رواها أبو العباس ثعلب. والثالث: أن يكون معنى قوله: «من أباها» من كان لها أبا، فأباها على هذا فعل كقولك: رآها، من قولهم: أبوت ثلاثة: أى كنت أبا لثلاثة. ورووا أن أعرابيّا وقف على قوم فسألهم فقال: إنى أبوت عشرة، وأخوت عشرة، وأنا اليوم وحيد، فرحم الله من أمر بمير أو دعا بخير. وقوله: «تزهى» من الزّهو، الذى هو الكبر، لا يستعملونه إلا مضموم الأول

стр. 262

على ما لم يسمّ فاعله، تقول: زهيت علينا يا رجل (١) تزهى، فأنت مزهوّ، أى تكبّرت، ولا تقول: زهوت، فتجعل الفعل له، لأن الفعل إنما هو للشيء الذى يحمله على الزّهو، كالمال والجمال والسلطان، وإنما يفسّرون زهيت بتكبّرت مجازا، وتفسيره (٢): حملت على التكبّر. /وقوله: «ليت شعرى من أباها» لك فى خبر «ليت» مذهبان: إن شئت قلت: هو محذوف لطول الكلام، وتقديره: واقع أو موجود، وإن شئت قلت: لمّا كان قوله «ليت شعرى» مؤدّيا معنى ليتنى أشعر، استغنى عن خبر، كما استغنى المبتدأ فى قولك: أقائم أخواك، حيث أدّى معنى يقوم، وقوله: «من أباها» جملة ابتداء عمل فى موضعها المصدر، كأنه قال: ليت أن أشعر أىّ الناس أباها. وأمّا قول القائل: ليت شعرى إذا القيامة قامت ... ودعا بالحساب أين المصيرا (٣) وقبله: خمّر الشّيب لمّتى تخميرا ... وحدا بى إلى القبور البعيرا فإن المصير منصوب بالمصدر (٤)، وأين: خبر مبتدأ محذوف، تقديره أين هو، وقد

стр. 263

أساء بشيئين، بحذف المبتدأ، وبالفصل بين شعرى ومعموله بأين، وهو أجنبى، ولو أعطى الكلام حقّه قيل: ليت شعرى المصير أين هو؟ وقوله: «خمّر الشّيب لمّتى» معناه غطّى سوادها، ومنه الخمار لتغطيته الوجه، والخمر لأنها تغطّى العقل، والخمر: ما يوارى من الشّجر، وعنى بالبعير عمره، كقولهم: من كان الليل والنهار مطيّته أسرعا به السّير. بيت سئلت عنه غير مأسوف على زمن ... ينقضى بالهمّ والحزن (١) فقيل: بم يرتفع «غير»؟ فأقول: إن قوله: «مأسوف» مفعول من الأسف، وهو الحزن، «وعلى» متعلّقة (٢) به، كقولك: أسفت على كذا أسفا، وحزنت عليه حزنا، ولهفت عليه لهفا، وأسيت عليه أسى، وموضع قوله: «بالهمّ» نصب على الحال، والتقدير: ينقضى مشوبا بالهمّ و «غير» رفع بالابتداء، ولما أضيفت إلى اسم المفعول، وهو مسند إلى الجارّ والمجرور، استغنى المبتدأ عن خبر، كما استغنى «قائم ومضروب» فى قولك: أقائم أخواك؟ وما مضروب غلاماك (٣)، عن خبر، من حيث سدّ الاسم المرفوع بهما مسدّ الخبر، لأن «قائم ومضروب» قاما مقام يقوم ويضرب، فتنزّل كلّ واحد منهما مع المرفوع به منزلة الجملة، وكذلك إذا أسندت اسم المفعول إلى الجارّ والمجرور سدّ الجارّ والمجرور مسدّ الاسم الذى يرتفع به، كقولك: أمحزون

стр. 264

على زيد؟ وما مأسوف على بكر، كما تقول فى الفعل: أيحزن على زيد؟ وما يؤسف على بكر، فلما كانت «غير» للمخالفة فى الوصف، فجرت [لذلك (١)] مجرى حرف النفى، وأضيفت إلى اسم المفعول، وهو مسند إلى الجارّ والمجرور، -والمتضايفان بمنزلة الاسم الواحد-سدّ ذلك مسدّ الجملة، حيث أفاد قولك: غير مأسوف على زيد، ما يفيده قولك: ما يؤسف على زيد (٢). ربيعة بن مقروم الضّبّىّ: وواردة كأنها عصب القطا ... تثير عجاجا بالسّنابك أصهبا (٣) كففت بمثل السّيد نهد مقلّص ... كميش إذا عطفاه ماءً تحلّبا إن احتجّ محتجّ لمن أجاز: عرقا تصبّبت، فالدافع له أن يقول: إن العامل فى الماء هو الرافع للعطفين، من حيث كان التقدير: إذا تحلّب عطفاه ماءً، كقولك: إذا زيد راكبا خرج (٤) أكرمته، وإنما احتجت إلى إضمار الفعل بعد «إذا»، لأنها تطلب الفعل كما تطلبه «إن» الشرطيّة، والاسم بعدها يرتفع أو ينتصب بفعل مضمر يفسّره الظاهر، كما ارتفع بعد «إن» فى نحو: ﴿إِنِ اِمْرُؤٌ هَلَكَ﴾ (٥) وانتصب بعدها فى نحو: لا تجزعى إن منفسا أهلكته (٦)

стр. 265

فمثال المرتفع بعد إذا ﴿إِذَا السَّماءُ اِنْشَقَّتْ﴾ (١) -و ﴿إِذَا السَّماءُ اِنْفَطَرَتْ﴾ (٢) ومثال المنتصب بعدها: إذا ابن أبى موسى بلالا بلغته ... فقام بفأس بين وصليك جازر (٣) فإن قيل: لم نجد اسمين معا مرفوعا ومنصوبا عمل فيهما فعل مضمر. قيل: بلى، قال سيبويه فى (باب ما ينتصب على إضمار الفعل المتروك إظهاره (٤)): من ذلك قول العرب: أمّا أنت منطلقا انطلقت معك [أى لأن كنت منطلقا انطلقت معك] (٥) وأمّا زيد ذاهبا ذهبت معه، قال عبّاس بن مرداس: أبا خراشة أمّا أنت ذا نفر ... فإنّ قومى لم تأكلهم الضّبع (٦) ثم قال: فإنما هى «أن» ضمّت إليها «ما» وهى ما التوكيد، وألزمت (٧) «ما» لتكون عوضا من ذهاب الفعل، كما كانت الهاء والألف عوضا من ياء الزّنادقة واليمانى. انتهى كلامه.

стр. 266

وهذا الذى قد ذكره من مجىء اسمين مرفوع ومنصوب بفعل مضمر وإن لم يكثر فإنه قد ورد كما ترى. ولو زعم زاعم أن «عطفاه» رفع بالفعل المضمر، وأن «ماءً» منتصب بقوله «تحلّبا» على قول من روى: وما كان نفسا بالفراق تطيب (١) لم يبعد قوله فأما قول سيبويه: «كما كانت الهاء والألف عوضا من ياء الزنادقة واليمانى» فتفسيره أن أصل الزنادقة: الزناديق، وأصل اليمانى: اليمنىّ، فحذفوا الياء من الزناديق، وعوّضوا منها هاء التأنيث، وحذفوا الياء الساكنة من اليمنىّ، وعوّضوا منها الألف. والسّيد: الذئب، والنّهد من الخيل: الجسيم، والمقلّص: المرتفع، والكميش: الصّغير الجردان (٢). والضّبع فى قوله: «فإن قومى لم تأكلهم الضبع» فيها قولان، أحدهما أنه عنى بالضبع السّنة الشديدة، ومنه الحديث عن النبىّ ﵌: «أن رجلا جاءه فقال: يا رسول الله، أكلتنا الضّبع، وتقطّعت عنّا الخنف» (٣) عنى بالخنف جمع خنيف: وهو ثوب من كتّان رديء. والثانى: أنه أراد [أن قومه (٤)] لم يقتلوا فتأكلهم الضّباع.

стр. 267

المجلس السادس بيت للمتنبّى لم يعرض له أحد من مفسّرى شعره، وهو (١): وتراه أصغر ما تراه ناطقا ... ويكون أكذب ما يكون ويقسم يقال: من أىّ الرّؤيتين «ترى» الأول والثانى، أمن رؤية العين، أم من رؤية القلب، أم أحدهما من رؤية العين، والثانى من رؤية القلب؟ وأيّهما العامل فى «ناطق»؟. وما معنى «يكون» الأول والثانى، أناقصان هما أم تامّان، أم أحدهما ناقص والآخر تامّ؟ وما معنى «ما» الأولى والثانية؟. وعلام انتصاب «أصغر وأكذب»؟. وما معنى الواو فى قوله: «ويقسم» وظاهر أمرها أنها عاطفة؟ فما المعنى فى عطف «يقسم» على «يكون»؟ فإن قلت: إنها واو الحال فأنت لا تقول: رأيت زيدا ويضحك، تريد ضاحكا، فإن حذفت الواو صحّ أن يكون حالا. الجواب: إن كلّ واحد من الفعلين المأخوذين من الرّؤية قد تعدّى إلى مفعول واحد، وهو الهاء، لأن «أصغر» منصوب على المصدر، و «ناطقا» منصوب على

стр. 268

الحال [وإذا (١)] كان لم يتعدّ إلا إلى مفعول واحد ثبت أنه من الرؤية التى هى الإبصار، دون الرؤية التى هى العلم، وإنما قلنا (٢) إن «أصغر» منصوب (٣) على المصدر؛ لأنه مضاف إلى «ما» وهى مصدرية، وأفعل الموضوع للمفاضلة إنما هو بعض ما يضاف إليه، فصار كقولك: سرت أشدّ السير، وكذلك «أكذب» حكمه حكم «أصغر» والناصب «ناطقا» هو الأول منهما، وقد علمت أن الهاء من «تراه» عائدة على عين، فلو كان من الرؤية التى يراد بها العلم اقتضى مفعولا ثانيا، يكون هو الأول فى المعنى، كقولك: رأيت الله غالبا (٤)، ولما كانت الهاء/ عائدة على جثّة، فلم يجز لذلك أن يكون المفعول الثانى حدثا، وكان انتصاب «ناطقا» على الحال، علمت أن «تراه» بمعنى تبصره، لا بمعنى تعلمه، فتقدير الإعراب: تراه ناطقا أحقر رؤيتك إياه، فالتحقير تناول الرؤية فى اللفظ، والمراد تحقير المرئىّ، لأن المعنى: تراه ناطقا أحقر منه إذا رأيته ساكتا. وأما «يكون» الأول والثانى فكلاهما بمعنى يوجد، فإن قلت: أجعل الأول ناقصا وأجعل خبره «أكذب»، لم يجز ذلك؛ لما ذكرته من انتصاب «أكذب» على المصدر؛ لإضافته إلى المصدر، وإذا ثبت أنه اسم حدث لإضافته إلى «ما» المصدرية، والمضمر فى «يكون» عائد على عين، وخبر «كان» إذا كان مفردا فهو واسمها عبارة عن شيء واحد، بطل أن تجعل «يكون» ناقصا، لفساد الإخبار عن الجثث بالأحداث. والواو فى قوله «ويقسم» واو الحال، فالجملة بعده حال، عمل فيها «يكون» الأول، وهى جملة ابتداء، والمبتدأ محذوف، فالتقدير: وهو يقسم، وحذف «هو»

стр. 269

كما حذف الأعشى «هى» من قوله (١): وردت على سعد بن قي ... س ناقتى ولما بها أراد: وهى لما بها من الجهد، فحذف المبتدأ من جملة الحال، فالتقدير: ويوجد (٢) وهو مقسم وجودا أكذب وجوده (٣)، فالوصف بالكذب يتناول وجوده لفظا وهو فى المعنى موجّه إليه، إذا المعنى: يوجد مقسما أكذب منه إذا وجد غير مقسم، وإنما أضاف الكذب إلى وجوده وكونه، كما أضافوا الخطابة إلى كون الأمير فى قولهم: «أخطب ما يكون الأمير قائما (٤)» فالتقدير عند النحويين: أخطب أوقات كون الأمير إذا كان قائما، وهذا اتّساع جرى فى كلام العرب، كما قالوا: «نام ليلك» والمعنى: نمت ليلك كلّه، قال الشاعر (٥): لقد لمتنا يا أمّ غيلان فى السّرى ... ونمت وماليل المطىّ بنائم وقال آخر (٦): /فنام ليلى وتجلّى همّى ومثله فى الاتّساع وصف النهار بمبصر فى قوله تعالى: ﴿اللهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَالنَّهارَ مُبْصِراً﴾ (٧) وإنما النهار مبصر فيه، ومن هذا الضّرب قوله

стр. 270

جلّ وعز: ﴿بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ﴾ (١) [وحقيقته مكركم فى الليل والنهار (٢)]. روى عن أبى العباس ثعلب (٣) أنه قال: كان الكسائىّ والأصمعىّ يوما بحضرة الرّشيد، وكانا ملازمين له، يقيمان بإقامته، ويظعنان بظعنه، فأنشد الكسائىّ: أنّى جزوا عامرا سوأى بفعلهم ... أم كيف يجزوننى السّوءى من الحسن (٤) أم كيف ينفع ما تعطى العلوق به ... رئمان أنف إذا ما ضنّ باللّبن فقال الأصمعى: إنما هو رئمان أنف، بالنصب، فقال له الكسائىّ: اسكت ما أنت وهذا! يجوز رئمان أنف، ورئمان أنف، ورئمان أنف، بالرفع والنصب والخفض، أما الرفع فعلى الرّدّ (٥) على «ما» لأنها فى موضع رفع بينفع، التقدير: كيف ينفع رئمان أنف، والنصب بتعطى، والخفض على الردّ على الهاء التى فى به. قال: فسكت الأصمعىّ، ولم يكن له علم بالعربية، إنما كان صاحب لغة، لم يكن صاحب إعراب. انتهى كلامه.

стр. 271

وأقول: إن الضمير الذى هو الهاء والميم فى قوله: «بفعلهم» يعود على عامر، لأنه أراد به القبيلة، وقوله: «من الحسن» متعلّق بحال محذوفة، والتقدير: كيف يجزوننى السّوءى بدلا من الحسن، ومثله فى التنزيل: ﴿أَرَضِيتُمْ بِالْحَياةِ الدُّنْيا مِنَ الْآخِرَةِ﴾ (١) أى بدلا (٢) من الآخرة، وقال جلّ ثناؤه: ﴿وَلَوْ نَشاءُ لَجَعَلْنا مِنْكُمْ مَلائِكَةً فِي الْأَرْضِ يَخْلُفُونَ﴾ (٣) التقدير: لجعلنا بدلا منكم ملائكة، وقال كثيّر. وإنّا لنعطى العقل دون دمائنا ... ونأبى فلا نستاق من دمنا عقلا (٤) أراد بدلا من دمنا، والعقل هاهنا: الدّية، وقال آخر فى وصف الإبل: كسوناها من الرّيط اليمانى ... مسوحا فى بنائقها فضول (٥) أى كسوناها بدلا من الرّيط مسوحا، والرّيط: جمع ريطة، وهى الملاءة التى لا تكون لفقين، والبنائق: جمع بنيقة، وهى كلّ رقعة ترقع فى القميص كاللّبنة ونحوها، وأراد بالمسوح عرقها، شبّهه لسواده بالمسوح. والعلوق من النّوق: التى تأبى أن ترأم ولدها أو بوّها، والبوّ-يقال له الجلد (٦) أيضا-: جلد الحوار يحشى ثماما أو حشيشا غيره ويقدّم إليها لترأمه فتدرّ عليه فتحلب فهى ترأمه بأنفها وينكره قلبها، فرأمها له أن تشمّه فقط، ولا ترسل لبنها، وهذا يضرب مثلا لمن يعد بكلّ جميل ولا يفعل منه شيئا، لأن قلبه منطو على ضدّه.

стр. 272

وقوله: «ما تعطى العلوق به رئمان أنف» ما خبريّة بمعنى الذى، وهى واقعة على البوّ، وانتصاب «الرّئمان» هو الوجه الذى يصحّ به المعنى والإعراب، وإنكار الأصمعىّ (١) لرفعه إنكار فى موضعه، لأنّ رئمان العلوق للبوّ بأنفها هو عطيّتها ليس لها عطيّة غيره، فإذا أنت رفعته لم يبق لها عطيّة فى البيت، لفظا ولا تقديرا، ورفعه على البدل من «ما» لأنها فاعل «ينفع» وهو بدل الاشتمال، ويحتاج إلى تقدير ضمير يعود منه على المبدل منه، كأنك قلت: رئمان أنفها إياه، وتقدير مثل هذا الضمير قد ورد فى كلام العرب، ولكن فى رفعه ما ذكرت لك من إخلاء «تعطى» من مفعول فى اللفظ والتقدير (٢)، وجرّ الرئمان على البدل أقرب إلى الصّحيح قليلا، وإعطاء الكلام حقّه من المعنى والإعراب إنما/هو بنصب الرئمان، ولنحاة الكوفيّين فى أكثر كلامهم تهاويل فارغة من حقيقة (٣). ذو الإصبع العدوانىّ: لقينا منهم جمعا ... فأوفى الجمع ما كانا (٤)

стр. 273

كأنّا يوم قرّى إنّ ... ما نقتل إيّانا قتلنا منهم كلّ ... فتى أبيض حسّانا يرى يرفل فى بردي ... ن من أبراد نجرانا البيت الثانى من أبيات «الكتاب (١)» شاهد على وضع الضمير المنفصل موضع المتّصل. قوله: «فأوفى الجمع ما كانا» أى فأوفى الجمع الذى لقيناه ما كان عليه أن يفعله، وقرّى (٢): اسم مكان. وكان حقّ الكلام أن يقول: نقتل أنفسنا، لأن الفعل لا يتعدّى فاعله إلى ضميره إلا أن يكون من أفعال العلم والحسبان والظّنّ، لا تقول: ضربتنى ولا أضربنى (٣)، ولا ضربتك، بفتح التاء، ولا زيد ضربه، على إعادة الضمير إلى زيد، ولكن تقول: ضربت نفسى، وضربت نفسك، وزيد ضرب نفسه، وإنما تجنّبوا تعدّى الفعل إلى ضمير فاعله، كراهة أن يكون الفاعل مفعولا فى اللفظ، فاستعملوا فى موضع الضمير النّفس، نزّلوها منزلة الأجنبىّ، واستجازوا ذلك فى أفعال العلم والظّنّ الداخلة على جملة الابتداء، فقالوا: حسبتنى فى الدار، وظننتنى منطلقا، وظننتك قادما، وزيد خاله عالما، وعمرو يراه محسنا، بمعنى يعلمه، كما جاء فى التنزيل: ﴿إِنَّ الْإِنْسانَ لَيَطْغى. أَنْ رَآهُ اِسْتَغْنى﴾ (٤) ولم يأت ذلك فى غير هذا الباب، إلا فى فعلين قالوا: عدمتنى وفقدتنى، وأنشدوا لجران العود (٥):

стр. 274

لقد كان لى عن ضرّتين عدمتنى ... وعمّا ألاقى منهما متزحزح /ولمّا لم يمكن هذا الشاعر أن يقول: نقتل أنفسنا، ولا نقتلنا، وضع «إيانا موضع «نا» وحسّن ذلك قليلا أنّ استعمال المتّصل هاهنا قبيح أيضا، وأنّ الضمير المنفصل أشبه بالظاهر من المتّصل، فإيّانا أشبه بأنفسنا من «نا» ولكن أقبح من هذا قول الراجز (١): إليك حتى بلغت إيّاكا لأنّ اتصال الكاف ببلغت حسن، فكذلك وضع «إيّاهم» فى موضع «هم» من قوله (٢): بالوارث الباعث الأموات قد ضمنت ... إيّاهم الأرض فى دهر الدّهارير قبيح، ومثله فى ضمير الرفع قول طرفة (٣): أصرمت حبل الوصل أم صرموا ... يا صاح بل قطع الوصال هم

стр. 275

وأما معنى قوله: «كأنّا نقتل إيّانا» فإنه شبّه المقتولين بنفسه وقومه، فى الحسن والسّيادة، فلذلك وصفهم بقوله: قتلنا منهم كلّ ... فتى أبيض حسّانا وبقوله: يرى يرفل فى بردي ... ن من أبراد نجرانا أى هم سادة يلبسون أبراد اليمن، فكأننا بقتلنا إيّاهم قتلنا أنفسنا، ونصب «حسّانا (١)» على الوصف لكلّ، ولو كان فى نثر لجاز «حسّانين» وصفا لكلّ، على معناها، لأنّ لفظها لفظ واحد ومعناها معنى جمع، فلذلك عاد إليها ضمير واحد فى قوله تعالى: ﴿كُلٌّ آمَنَ بِاللهِ﴾ (٢) وضمير جمع فى قوله تعالى: ﴿وَكُلٌّ أَتَوْهُ داخِرِينَ﴾ (٣) وأفرد خبرها فى قوله تعالى: ﴿وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيامَةِ فَرْداً﴾ (٤) وجمع فى قوله جلّ وعز: ﴿وَكُلٌّ أَتَوْهُ داخِرِينَ﴾ ومثل ذلك فى إجراء الوصف على المضاف تارة والمضاف إليه أخرى، قولك: أخذت خمسة أثواب طوالا، على النّعت للعدد، وطوال، على النعت للمعدود، وجاء الوصف للمعدود فى قوله جلّ ثناؤه: / ﴿إِنِّي أَرى سَبْعَ بَقَراتٍ سِمانٍ﴾ (٥) وفى قوله: ﴿وَسَبْعَ سُنْبُلاتٍ خُضْرٍ﴾ (٥) وجاء وصف العدد فى قوله سبحانه: ﴿الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَماواتٍ طِباقاً﴾ (٦) قيل: «طباقا (٧)» جمع طبقة، كرقبة ورقاب، وقيل: جمع طبق، كجبل

стр. 276

وجبال، لأنّ السماء كالطّبق لما تحتها، قال امرؤ القيس (١): ديمة هطلاء فيها وطف ... طبق الأرض تحرّى وتدرّ الدّيمة: مطر يدوم أياما، وهى هاهنا سحابة يدوم مطرها، وصارت الواو فيها إلى الياء، لسكونها وانكسار ما قبلها، فإذا حقّرتها أعدت الواو فقلت: دويمة، وكذلك الفعل منها، تقول: دوّمت السّحابة. وهطلاء: ذات هطلان، وهو تتابع القطر. وفيها وطف: أى استرخاء، وهى (٢) أن يكون لها شبه الهدب من ربابها، والرّباب: سحاب رقيق دون السّحاب الكثيف. وتحرّى: من قولهم: تحرّى فلان بالمكان: تمكّث فيه (٣). وتدرّ: ترسل درّتها، أى ترسل ما فيها من الماء، كما ترسل الناقة لبنها. وقد قيل فى قوله تعالى: ﴿سَبْعَ سَماواتٍ طِباقاً﴾: إن «طباقا» نصب على المصدر، أى طوبقت طباقا، والتفسير الأول أحبّ إلىّ. ويقال: حسن وحسنة، فإذا بالغوا فى الحسن قالوا: حسان وحسانة مخفّفان، فإذا أرادوا النهاية فيه قالوا: حسّان وحسّانة، مثقّلان، قال (٤): دار الفتاة التى كنّا نقول لها ... يا ظبية عطلا حسّانة الجيد وإذا طال الثوب على لابسه وجرّه فى مشيه وركله، قيل: جاء يرفل فى ثيابه، يفعلون ذلك تكبّرا، قال شاعر الكوفة (٥):

стр. 277

ولا يرمح الأذيال من جبريّة ... ولا يخدم الدنيا وإياه تخدم (١) وأراد بأبراد نجران أبراد اليمن، لأنّ نجران من ناحية اليمن، وبين البصرة والكوفة مكان فى البرّيّة يسمّى نجران. ...

стр. 278

/ المجلس السابع قال كبت الله عدوّه: قال لقيط بن يعمر الإيادىّ (١): يا دار عمرة من محتلّها الجرعا ... هاجت لى الهمّ والأحزان والوجعا الجرع والجرعاء: رملة لا تنبت. ويقال: ما معنى «محتلّ» هاهنا، وعلام انتصب «الجرع» وبماذا تتعلق «من» وما معناها، أهى لابتداء الغاية أم للتبعيض أم للتبيين؟ الجواب: محتلّ هاهنا: مصدر بمعنى الاحتلال، لأن العرب إذا بنوا المفعل بمعنى المصدر، ممّا جاوز الثلاثة جاءوا به على صيغة اسم المفعول، فقالوا: أكرمته مكرما، ودحرجته مدحرجا، وقطّعته مقطّعا، واستخرجت المال مستخرجا، قال جرير (٢): ألم تعلم مسرّحى القوافى ... فلا عيّا بهنّ ولا اجتلابا أراد تسريحى، وفى التنزيل: ﴿وَمَزَّقْناهُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ﴾ (٣) أى كلّ تمزيق، وفيه:

стр. 279

﴿أَنْزِلْنِي مُنْزَلاً مُبارَكاً﴾ (١) أى إنزالا. والمصدر مضاف إلى فاعله، لأن الهاء عائدة على «عمرة» لا على الدار. وانتصاب «الجرع» على الظّرف، وكان حقّه إيصال الفعل إليه بفى، ولكنه حذف «فى» كما حذفها القائل (٢): لدن بهزّ الكفّ يعسل متنه ... فيه كما عسل الطّريق الثّعلب أراد: فى الطريق، فحذف «فى» ضرورة. و «من» هاهنا خارجة عن معانيها الثلاثة؛ الابتداء والتبعيض والتبيين، ومعناها معنى لام العلّة، كقولك: جئت من أجلك ولأجلك، وأكرمته من خوفه ولخوفه، وهى متعلّقة بهاجت، فجملة النداء منقطعة ممّا بعدها، كأنه نادى الدار تلهّفا ثم ترك خطابها، وقال: من احتلال عمرة فى الجرع هاجت لى الهمّ. سلمىّ بن ربيعة، أخو بنى السيّد زعمت تماضر أنّنى إمّا أمت ... يسدد أبينوها الأصاغر خلّتى (٣) الزّعم والزّعم (٤): القول عن غير صحة، قال الله جلّ ثناؤه: ﴿زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا﴾ (٥).

стр. 280

و «تماضر» من أسماء النساء، كزينب وسعاد، والتاء فيه على رأى بعض البصريين (١) فاء، فهو عندهم فعالل، لأن التاء متى وقعت فى مواقع الحروف الأصول فهى أصل، حتى يقوم دليل على زيادتها، كتاء ترجمان (٢) وتبراك، وهو اسم مكان (٣)، وتبرّك فلان بالمكان: أقام فيه، فترجمان فعللان كجلجلان، وهو السّمسم، وتبراك: فعلال كقرطاس، وتبرك: فعلل، مثل دحرج، وكذلك تاء كبريت وحلتيت أصل، لوقوعها موقع الزاى من دهليز، وكذلك التاء الواقعة حشوا كتاء عتريف، وهو الرجل الخبيث، وعترفان، وهو الدّيك، وبحتر، وهو القصير. فتاء تماضر عند هؤلاء أصل، لوقوعها موقع العين من عذافر، والدال من دوادم، وقالوا للبعير الصّلب: عذافر، ولما يخرج من السّمر، وهو ضرب من الشجر شبه الدّم: دوادم، وبعض التصريفيين (٤) يشتقّ تماضر من اللّبن المضير والماضر: وهو الحامض، فهو على هذا القول تفاعل، ولا أرى بهذا القول بأسا، ويقوّى ذلك أن النساء يوصفن بالبياض. والزّعم يقتضى مفعولين، كما يقتضيهما الحسبان ونحوه. ومذهب سيبويه أن «أنّ» تسدّ فى هذا الباب مسدّ المفعولين، لأنها تتضمّن جملة أصلها مبتدأ وخبر، كما أن المفعولين فى هذا الباب أصلهما الابتداء وخبره، ومذهب أبى الحسن الأخفش أن «أنّ» بصلتها سدّت مسدّ مفعول واحد، والمفعول الآخر مقدّر، تقديره: كائنا أو واقعا، والذى ذهب إليه سيبويه أولى، لأن المفعول المقدّر عند الأخفش لم يظهر فى شيء من كلام العرب. و «أبينون» عند سيبويه (٥) تصغير اسم/للجمع غير مسموع، وتقديره: ابنا،

стр. 281

مقصور، مثل أعمى، فهو اسم سمّوا به الجمع ولم ينطقوا به، ولكن لما سمع تصغيره دلّ على أن المكبّر أفعل، وليس «أبينون» جمعا لتصغير ابن، لو كان كذلك لقيل: بنيّون، وليس أيضا بجمع لتصغير أبناء، لأن ذلك يقتضى أن يقال: أبيناءون، ولو أرادوا هذا لاستغنوا بقولهم: أبيناء عن جمعه بالواو والنون، ولمّا بطل هذان علمت أنه جمع لتحقير اسم وضع دالاّ على الجمع، غير داخل فى أبنية التكسير، والمكبّر: ابنا، وتصغيره: أبين يا فتى، مثل أعيم، ووزن أبينون: أفيعون حذفت لامه كما حذفت اللام فى قولك: قاضون. والخلّة فى الكلام على معان: أحدها الحاجة، والثانى الخصلة، والثالث الاختلال، وهو المراد فى هذا البيت، وأصل الخلل: الفرجة بين الشيئين، أى زعمت تماضر أن أبناءها الأصاغر يسدّون بعدى ما اختلّ من الأمور. ...

стр. 282

المجلس السابع باب يشتمل على تفسير آى من كتاب الله تعالى وتعريبها إعراب قوله : ﴿هذا يَوْمُ يَنْفَعُ الصّادِقِينَ صِدْقُهُمْ﴾ (١) انفرد نافع بنصب الميم من «يوم»، وأجمع الباقون من السّبعة على رفعها (٢)، فمن رفعها فالإشارة بهذا إلى اليوم، وهو يوم القيامة، أى هذا اليوم يوم ينفع الصادقين صدقهم، فهذا مبتدأ، ويوم ينفع الصادقين صدقهم خبره، وموضع الجملة نصب بوقوع القول عليها، وموضع الجملة التى هى «ينفع الصادقين صدقهم» جر بإضافة «يوم» إليها. ومن نصب الميم فموضع «هذا» فى قراءته نصب، مفعول لقال، وانتصاب «يوم» على الظرف للقول، والإشارة بهذا إلى القصص الذى تقدم ذكره فى قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قالَ اللهُ يا عِيسَى اِبْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنّاسِ اِتَّخِذُونِي/وَأُمِّي إِلهَيْنِ مِنْ دُونِ اللهِ﴾ (٣) إلى قوله: ﴿إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ فالمعنى: قال الله هذا الكلام فى يوم ينفع الصادقين صدقهم،

стр. 283

وحقيقته: يقول الله، وكذلك معنى إذ قال الله: إذا يقول الله، وإنما حسن إيقاع الماضى فى موضع الآتى، لأنّ أمر القيامة لظهور براهينه، وصدق المخبر به بمنزلة ما وقع وشوهد (١)، وقال أبو النّجم (٢): ثمّ جزاه الله عنّا إذ جزى ... جنّات عدن فى العلالىّ العلى فوضع «إذ جزى» فى موضع إذا يجزى (٣)، ومثله: ﴿وَنادى أَصْحابُ الْجَنَّةِ أَصْحابَ النّارِ﴾ (٤) وقد جاء فى القرآن عكس هذا، فمن ذلك قوله تعالى: ﴿فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنْبِياءَ اللهِ مِنْ قَبْلُ﴾ (٥) وقوله: ﴿ما يَعْبُدُونَ إِلاّ كَما يَعْبُدُ آباؤُهُمْ مِنْ قَبْلُ﴾ (٦) وضع «يعبد» فى موضع «عبد» و «تقتلون» فى موضع «قتلتم» وقال الطّرمّاح (٧): وإنّى لآتيكم تشكّر ما مضى ... من الودّ واستيجاب ما كان فى غد وضع «كان» فى موضع «يكون» ونقيضه قول زياد الأعجم: وانضح جوانب قبره بدمائها ... فلقد يكون أخا دم وذبائح (٨)

стр. 284

ووجه استجازتهم هذا الإبدال مع تضادّ الأفعال أنّ الأفعال جنس واحد (١)، وإنما خولف بين صيغها، لتدلّ كلّ صيغة على زمان غير الذى تدلّ عليه الأخرى، وإذا تضمّن الكلام معنى يزيح الإلباس، جاز وضع بعضها فى موضع بعض توسّعا. وأجاز الفراء (٢) أن يكون النصب فى ﴿يَوْمُ يَنْفَعُ﴾ بناء، وموضع «يوم» رفع، فيكون المعنى فى قراءة نافع كالمعنى فى الأخرى، ولم يجز ذلك أحد من البصريين، لأن المضارع معرب، وإنما يجيزون البناء فى المضاف إذا كان فيه إبهام، كمثل وغير وحين، وأضيف إلى مبنىّ، كإضافة حين إلى «عاتبت» فى قوله (٣): /على حين عاتبت المشيب على الصّبا وإضافة «يوم» إلى «إذ» فى نحو ﴿مِنْ عَذابِ يَوْمِئِذٍ﴾ (٤) و ﴿مِنْ خِزْيِ يَوْمِئِذٍ﴾ (٥) وإضافة «مثل» إلى «أنّ» فى قوله تعالى: ﴿إِنَّهُ لَحَقٌّ مِثْلَ ما أَنَّكُمْ تَنْطِقُونَ﴾ (٦) وإضافة «غير» إلى «أن» فى قول القائل (٧):

стр. 285

لم يمنع الشّرب منها غير أن هتفت ... حمامة فى غصون ذات أوقال وإضافة «بين» إلى الضمير فى قوله تعالى: ﴿لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ﴾ (١) والإعراب فى هذه الأحرف ونظائرها حسن، وإنما سرى البناء من المضاف إليه إلى المضاف كما سرى إليه منه الاستفهام فى نحو: غلام أيّهم تضرب؟، والجزاء فى نحو: صاحب من تكرم أكرم. ووجه إجازة الفرّاء الفتح فى «يوم ينفع» حمله الفعل على الفعل، والقياس يمنع من جوازه، وقد قرئ فيما شذّ من القراءات السبع: ﴿هذا يَوْمُ يَنْفَعُ الصّادِقِينَ صِدْقُهُمْ﴾ بنصب «صدقهم (٢)» مع نصب «يوم» وإسناد «ينفع» إلى ضمير راجع إلى الله ، ويحتمل نصب «صدقهم» ثلاثة أوجه: أحدها: أن يكون مفعولا له، أى ينفع الله الصادقين لصدقهم. والثانى: أن تنصبه على المصدر، لا بفعل مضمر، ولكن تعمل فيه الصادقين، فتدخله فى صلة (٣) الألف واللام، وتقدير الأصل: ينفع الله الصادقين صدقا، ثم أضيف إلى ضمير «هم» فقيل: صدقهم، كما تقول: أكرمت القوم إكراما، وأكرمتهم إكرامهم، قال الله تعالى فى الإفراد: ﴿وَمَكَرُوا مَكْراً وَمَكَرْنا مَكْراً﴾ (٤) وفى الإضافة: ﴿وَقَدْ مَكَرُوا مَكْرَهُمْ﴾ (٥) ومثله: ﴿وَزُلْزِلُوا زِلْزالاً﴾ (٦) و ﴿إِذا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزالَها﴾ (٧).
следующие страницы →