← Адаб

Адаб · id 120922

أمالي ابن الشجري ت الطناحي

ابن الشجري

Полный текст (1 931 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.

стр. 281

مقصور، مثل أعمى، فهو اسم سمّوا به الجمع ولم ينطقوا به، ولكن لما سمع تصغيره دلّ على أن المكبّر أفعل، وليس «أبينون» جمعا لتصغير ابن، لو كان كذلك لقيل: بنيّون، وليس أيضا بجمع لتصغير أبناء، لأن ذلك يقتضى أن يقال: أبيناءون، ولو أرادوا هذا لاستغنوا بقولهم: أبيناء عن جمعه بالواو والنون، ولمّا بطل هذان علمت أنه جمع لتحقير اسم وضع دالاّ على الجمع، غير داخل فى أبنية التكسير، والمكبّر: ابنا، وتصغيره: أبين يا فتى، مثل أعيم، ووزن أبينون: أفيعون حذفت لامه كما حذفت اللام فى قولك: قاضون. والخلّة فى الكلام على معان: أحدها الحاجة، والثانى الخصلة، والثالث الاختلال، وهو المراد فى هذا البيت، وأصل الخلل: الفرجة بين الشيئين، أى زعمت تماضر أن أبناءها الأصاغر يسدّون بعدى ما اختلّ من الأمور. ...

стр. 282

المجلس السابع باب يشتمل على تفسير آى من كتاب الله تعالى وتعريبها إعراب قوله : ﴿هذا يَوْمُ يَنْفَعُ الصّادِقِينَ صِدْقُهُمْ﴾ (١) انفرد نافع بنصب الميم من «يوم»، وأجمع الباقون من السّبعة على رفعها (٢)، فمن رفعها فالإشارة بهذا إلى اليوم، وهو يوم القيامة، أى هذا اليوم يوم ينفع الصادقين صدقهم، فهذا مبتدأ، ويوم ينفع الصادقين صدقهم خبره، وموضع الجملة نصب بوقوع القول عليها، وموضع الجملة التى هى «ينفع الصادقين صدقهم» جر بإضافة «يوم» إليها. ومن نصب الميم فموضع «هذا» فى قراءته نصب، مفعول لقال، وانتصاب «يوم» على الظرف للقول، والإشارة بهذا إلى القصص الذى تقدم ذكره فى قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قالَ اللهُ يا عِيسَى اِبْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنّاسِ اِتَّخِذُونِي/وَأُمِّي إِلهَيْنِ مِنْ دُونِ اللهِ﴾ (٣) إلى قوله: ﴿إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ فالمعنى: قال الله هذا الكلام فى يوم ينفع الصادقين صدقهم،

стр. 283

وحقيقته: يقول الله، وكذلك معنى إذ قال الله: إذا يقول الله، وإنما حسن إيقاع الماضى فى موضع الآتى، لأنّ أمر القيامة لظهور براهينه، وصدق المخبر به بمنزلة ما وقع وشوهد (١)، وقال أبو النّجم (٢): ثمّ جزاه الله عنّا إذ جزى ... جنّات عدن فى العلالىّ العلى فوضع «إذ جزى» فى موضع إذا يجزى (٣)، ومثله: ﴿وَنادى أَصْحابُ الْجَنَّةِ أَصْحابَ النّارِ﴾ (٤) وقد جاء فى القرآن عكس هذا، فمن ذلك قوله تعالى: ﴿فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنْبِياءَ اللهِ مِنْ قَبْلُ﴾ (٥) وقوله: ﴿ما يَعْبُدُونَ إِلاّ كَما يَعْبُدُ آباؤُهُمْ مِنْ قَبْلُ﴾ (٦) وضع «يعبد» فى موضع «عبد» و «تقتلون» فى موضع «قتلتم» وقال الطّرمّاح (٧): وإنّى لآتيكم تشكّر ما مضى ... من الودّ واستيجاب ما كان فى غد وضع «كان» فى موضع «يكون» ونقيضه قول زياد الأعجم: وانضح جوانب قبره بدمائها ... فلقد يكون أخا دم وذبائح (٨)

стр. 284

ووجه استجازتهم هذا الإبدال مع تضادّ الأفعال أنّ الأفعال جنس واحد (١)، وإنما خولف بين صيغها، لتدلّ كلّ صيغة على زمان غير الذى تدلّ عليه الأخرى، وإذا تضمّن الكلام معنى يزيح الإلباس، جاز وضع بعضها فى موضع بعض توسّعا. وأجاز الفراء (٢) أن يكون النصب فى ﴿يَوْمُ يَنْفَعُ﴾ بناء، وموضع «يوم» رفع، فيكون المعنى فى قراءة نافع كالمعنى فى الأخرى، ولم يجز ذلك أحد من البصريين، لأن المضارع معرب، وإنما يجيزون البناء فى المضاف إذا كان فيه إبهام، كمثل وغير وحين، وأضيف إلى مبنىّ، كإضافة حين إلى «عاتبت» فى قوله (٣): /على حين عاتبت المشيب على الصّبا وإضافة «يوم» إلى «إذ» فى نحو ﴿مِنْ عَذابِ يَوْمِئِذٍ﴾ (٤) و ﴿مِنْ خِزْيِ يَوْمِئِذٍ﴾ (٥) وإضافة «مثل» إلى «أنّ» فى قوله تعالى: ﴿إِنَّهُ لَحَقٌّ مِثْلَ ما أَنَّكُمْ تَنْطِقُونَ﴾ (٦) وإضافة «غير» إلى «أن» فى قول القائل (٧):

стр. 285

لم يمنع الشّرب منها غير أن هتفت ... حمامة فى غصون ذات أوقال وإضافة «بين» إلى الضمير فى قوله تعالى: ﴿لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ﴾ (١) والإعراب فى هذه الأحرف ونظائرها حسن، وإنما سرى البناء من المضاف إليه إلى المضاف كما سرى إليه منه الاستفهام فى نحو: غلام أيّهم تضرب؟، والجزاء فى نحو: صاحب من تكرم أكرم. ووجه إجازة الفرّاء الفتح فى «يوم ينفع» حمله الفعل على الفعل، والقياس يمنع من جوازه، وقد قرئ فيما شذّ من القراءات السبع: ﴿هذا يَوْمُ يَنْفَعُ الصّادِقِينَ صِدْقُهُمْ﴾ بنصب «صدقهم (٢)» مع نصب «يوم» وإسناد «ينفع» إلى ضمير راجع إلى الله ، ويحتمل نصب «صدقهم» ثلاثة أوجه: أحدها: أن يكون مفعولا له، أى ينفع الله الصادقين لصدقهم. والثانى: أن تنصبه على المصدر، لا بفعل مضمر، ولكن تعمل فيه الصادقين، فتدخله فى صلة (٣) الألف واللام، وتقدير الأصل: ينفع الله الصادقين صدقا، ثم أضيف إلى ضمير «هم» فقيل: صدقهم، كما تقول: أكرمت القوم إكراما، وأكرمتهم إكرامهم، قال الله تعالى فى الإفراد: ﴿وَمَكَرُوا مَكْراً وَمَكَرْنا مَكْراً﴾ (٤) وفى الإضافة: ﴿وَقَدْ مَكَرُوا مَكْرَهُمْ﴾ (٥) ومثله: ﴿وَزُلْزِلُوا زِلْزالاً﴾ (٦) و ﴿إِذا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزالَها﴾ (٧).

стр. 286

والثالث: أن تنصبه بتقدير حذف الباء، لأنك تقول: نفعته بكذا، فيكون الأصل: ينفع الله الصادقين بصدقهم، فلما سقطت الباء وصل الفعل، ومثله فى إسقاط الباء ثم إيصال الفعل قوله سبحانه: ﴿إِنَّما ذلِكُمُ الشَّيْطانُ يُخَوِّفُ أَوْلِياءَهُ﴾ (١) أى بأوليائه، لأنّ المعنى يخوّفكم (٢) بهم، ويدلّك عليه قوله: ﴿فَلا تَخافُوهُمْ﴾ (٣) آخر المجلس. ...

стр. 287

المجلس الثامن / وهو مجلس يوم السبت مستهلّ جمادى الأولى، من سنة أربع وعشرين وخمسمائة. تفسير قوله تعالى: ﴿قُلْ تَعالَوْا أَتْلُ ما حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلاّ تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً﴾ (١) الآية. يقال للرجل: تعال، أى تقدّم، وللمرأة: تعالى، وللاثنين والاثنتين: تعاليا، ولجماعة الرجال: تعالوا، ولجماعة النّساء: تعالين، وجعلوا التقدّم ضربا من التعالى والارتفاع، لأن المأمور بالتقدّم فى أصل وضع هذا الفعل، كأنه كان قاعدا فقيل له: تعال، أى ارفع شخصك بالقيام وتقدّم، واتّسعوا فيه حتى جعلوه للواقف والماشى، ويدلك على أن التقدّم الآن (٢) قد صار ضربا من الارتفاع قولهم: ارتفع فلان وفلان (٣) إلى الحاكم: أى تقدّما إليه، ورفع فلان فى سيره: أى تقدّم فيه، وأصله أنه كأنه أخبّ ناقته ليتقدم فرفع الخبب شخصها وشخصه، واستعملوا التّعالى .

стр. 288

للارتفاع وحده، مجرّدا من معنى التقدّم فى قولهم: تعالى الله. والوجه فى «ما» أن تكون خبريّة، فى موضع نصب بأتل، والمعنى: تعالوا أتل الذى حرّمه ربّكم عليكم، فإن علّقت «عليكم» بحرّم فهو الوجه، لأنه الأقرب، وهو اختيار البصريّين، وإن علّقت بأتل فجيّد، لأنه الأسبق، وهو اختيار الكوفيين (١)، فالتقدير فى هذا القول: أتل عليكم الذى حرّم ربكم. وأجاز الزجّاج (٢) أن تكون «ما» استفهامية، فى موضع نصب بحرّم، والجملة من الفعل والفاعل والمفعول محكيّة بالتّلاوة، لأن التلاوة بمنزلة القول، فكأنه قيل: تعالوا أتل أىّ شيء حرّم ربّكم عليكم، أهذا الذى ادّعيتم تحريمه، أم هذا الذى جئتكم بتحريمه؟ وجوّز أن يكون المراد بالمتلوّ المحرّمات المذكورة فى قوله تعالى: ﴿قُلْ لا أَجِدُ فِي ما أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّماً عَلى طاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلاّ أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَماً مَسْفُوحاً أَوْ لَحْمَ خِنزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقاً أُهِلَّ لِغَيْرِ اللهِ بِهِ﴾ (٣). /فأمّا قوله: ﴿أَلاّ تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً﴾ فيحتمل العامل فيه وجوها: أحدها فى قول بعض معربى (٤) القرآن أن يكون فى موضع نصب، بدلا من «ما». والثانى: أجازه هذا المعرب: أن يكون فى موضع رفع، على تقدير مبتدأ محذوف، أى: هو ألاّ تشركوا به شيئا، ولا يصحّ عندى هذان التقديران، إلا أن يحكم بزيادة «لا» لأن الذى حرّمه الله عليهم هو أن يشركوا به، فإن حكمت بأن

стр. 289

«لا» للنفى صار المحرّم ترك الإشراك، فإذا قدّرت بها الطّرح كما لحقت مزيدة فى نحو: ﴿فَلا أُقْسِمُ بِرَبِّ الْمَشارِقِ وَالْمَغارِبِ﴾ (١) و ﴿ما مَنَعَكَ أَلاّ تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ﴾ استقام القولان. وأجاز الزجّاج فيه ثلاثة أوجه: أحدها: أن يكون منصوبا بتقدير طرح اللام، وإضمار «أبيّن» أى أبيّن لكم الحرام لأن لا تشركوا به شيئا، لأنهم إذا حرّموا ما أحلّ الله لهم فقد جعلوا غير الله بمنزلة الله، ولمّا جعلوه فى قبولهم منه بمنزلة الله، صاروا بذلك مشركين. والثانى: أن يكون محمولا على المعنى، فتضمر له فعلا من لفظ الأول ومعناه، وتقديره: أتل عليكم ألاّ تشركوا به شيئا، أى أتل عليكم تحريم الإشراك. والثالث: أن يكون منصوبا بتقدير: أوصيكم بألاّ تشركوا به شيئا؛ لأن قوله: ﴿وَبِالْوالِدَيْنِ إِحْساناً﴾ (٢) محمول على معنى: وأوصيكم بالوالدين إحسانا. انتهى كلام الزجّاج. ويدلّ على تقدير إضمار الإيصاء قوله فى آخر الآية: ﴿ذلِكُمْ وَصّاكُمْ﴾ فانتصاب ﴿إِحْساناً﴾ على أنّه مفعول ثان لأوصيكم، كقولك: أوصيك بزيد خيرا. قال أبو النجم (٣): أوصيت من برّة قلبا حرّا ... بالكلب خيرا والحماة شرّا ويحتمل عندى قوله: ﴿أَلاّ تُشْرِكُوا بِهِ﴾ وجهين آخرين، أحدهما: أن تكون «أن» مفسّرة بمعنى «أى» كالتى فى قوله تعالى: ﴿وَاِنْطَلَقَ الْمَلَأُ مِنْهُمْ أَنِ اِمْشُوا﴾ (٤) معناه: أى امشوا، وتكون «لا (٥)» نهيا، و «أن» المفسّرة تؤدّى معنى

стр. 290

القول، فكأنه قيل: أقول: لا تشركوا به شيئا، وتنصب «إحسانا» فى هذا الوجه على المصدر، والتقدير: وأحسنوا بالوالدين إحسانا. فإن قيل: إن «أحسن» إنما يتعدّى بإلى كما قال تعالى: ﴿وَأَحْسِنْ كَما أَحْسَنَ اللهُ إِلَيْكَ﴾ (١) قيل: إنه قد يعدّى أيضا بالباء، كما جاء فى التنزيل: ﴿وَقَدْ أَحْسَنَ بِي إِذْ أَخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ﴾ (٢) وكذلك نقيضه (٣)، عدّته العرب تارة بالباء، وتارة بإلى فقالوا: أسأت إليه، وأسأت به، قال كثيّر: أسيئي بنا أو أحسنى لا ملومة ... لدينا ولا مقليّة إن تقلّت (٤) والوجه الثانى: أن تجعل ﴿عَلَيْكُمْ﴾ منفصلة مما قبلها، فتكون إغراء بمعنى الزموا، كأنه اجتزأ بقوله: ﴿قُلْ تَعالَوْا أَتْلُ ما حَرَّمَ رَبُّكُمْ﴾ ثمّ قيل على وجه الاستئناف: ﴿عَلَيْكُمْ أَلاّ تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً﴾ أى عليكم ترك الإشراك، وعليكم إحسانا بالوالدين، وأن لا تقتلوا أولادكم، وأن لا تقربوا الفواحش، كما تقول: عليك شأنك، أى الزم شأنك، وكما قال تعالى: ﴿عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ﴾ (٥) أى الزموا أنفسكم. وقوله: ﴿مِنْ إِمْلاقٍ﴾ أى من خوف إملاق، ومن أجل إملاق، والإملاق والإفلاس والإقتار والإعدام: كلّه الفقر، واستعملت «من» فى موضع لام العلّة كقولهم: زرته من حبّى له، ولحبّى له، كما استعملت «الباء» مكان «اللام» فى قوله تعالى: ﴿فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هادُوا حَرَّمْنا عَلَيْهِمْ طَيِّباتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ وَبِصَدِّهِمْ عَنْ سَبِيلِ اللهِ كَثِيراً﴾ (٦).

стр. 291

وقوله: ﴿ما ظَهَرَ مِنْها﴾ موضعه نصب على البدل من ﴿الْفَواحِشَ﴾ ﴿وَما بَطَنَ﴾ عطف عليه، وقيل فى تفسير ما بطن: إنه الزّنا، وما ظهر: اتّخاذ الأخدان على جهة الرّبية، والأخدان: جمع خدن، وهو الصديق، يكون للمرأة، ويكون للرجل. وقوله: ﴿وَلا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللهُ﴾ الألف/واللام فى النفس لتعريف الجنس، كقولهم: أهلك الناس الدّرهم والدّينار (١)، ومثله: ﴿إِنَّ الْإِنْسانَ خُلِقَ هَلُوعاً﴾ (٢) ألا ترى أنه سبحانه قال: ﴿إِلاَّ الْمُصَلِّينَ﴾ (٣) وقد أدخلوا الألف واللام فى الأوصاف على (٤) هذا المعنى، كقوله جلّت عظمته: ﴿وَيَوْمَ يَعَضُّ الظّالِمُ عَلى يَدَيْهِ﴾ (٥) وكقول الأخيليّة: كأنّ فتى الفتيان توبة لم ينخ ... بنجد ولم يهبط مع المتغوّر (٦) ومنه قول الراجز (٧): إن تبخلى يا مىّ أو تعتلّى ... أو تصبحى فى الظاعن المولّى أى فى الظاعنين المولّين.

стр. 292

وقوله: ﴿ذلِكُمْ وَصّاكُمْ بِهِ﴾ الكاف والميم فى ﴿ذلِكُمْ﴾ بخلاف الكاف والميم فى ﴿وَصّاكُمْ؛﴾ لأنهما فى ﴿ذلِكُمْ﴾ حرف للخطاب، لا يحكم لموضعه بشىء من الإعراب، وهما فى ﴿وَصّاكُمْ﴾ ضمير موضوع للمخاطبة موضعه نصب، ولو حكمت بأنه فى ﴿ذلِكُمْ﴾ ضمير وجب الحكم بأنه فى موضع جرّ بالإضافة، وأسماء الإشارة لا تصحّ إضافتها؛ لأن ذلك جمع بين تعريفين، تعريف الإشارة وتعريف الإضافة. ويقال فى قوله تعالى: ﴿لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ و ﴿لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ (١) و ﴿لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ (٢) ونحو ذلك مما ورد فى كلامه (٣) القديم سبحانه، كيف وقع «لعلّ» فى كلام الله تعالى؟ ولعلّ إنما هو حرف موضوع للرجاء، والراجى شاكّ، بدلالة أنك تقول: لعلّى أدخل الجنة، وأرجو أن أدخل الجنة، ولا تقول: أرجو أن يدخل النبىّ ﵌ الجنة، ولا: لعلّ النبىّ ﵌ يدخل الجنة، لأنك على غير يقين من دخولك الجنة، وغير شاكّ فى دخول النبىّ ﵌ الجنة. وعن هذا السؤال ثلاثة أجوبة: أحدها: أنّ ما جاء من هذا فى كلامه سبحانه، فهو على شكّ المخاطبين، فكأنه قيل: افعلوا ذلك على الرّجاء منكم/والطمع أن تعقلوا وأن تذكّروا وأن تتّقوا، وإلى هذا ذهب سيبويه (٤) فى قوله : ﴿اِذْهَبا إِلى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغى. فَقُولا لَهُ قَوْلاً لَيِّناً لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشى﴾ (٥) قال: معناه اذهبا على طمعكما ورجائكما أن يتذكّر أو يخشى.

стр. 293

والثانى: أن العرب قد استعملت «لعلّ» مجرّدة من الشكّ، بمعنى لام كى، فالمعنى: لتعقلوا ولتذكّروا ولتتّقوا، وعلى ذلك قول الشاعر: وقلتم لنا كفّوا الحروب لعلّنا ... نكفّ ووثّقتم لنا كلّ موثق (١) فلما كففنا الحرب كانت عهودكم ... كلمع سراب فى الملا متألّق المعنى: كفّوا الحروب لنكفّ، ولو (٢) كانت «لعلّ» هاهنا شكّا لم يوثّقوا لهم كلّ موثق [وهذا القول عن قطرب (٣)]. والثالث: أن يكون «لعلّ» بمعنى التعرّض للشيء، كأنه قيل: افعلوا ذلك متعرّضين لأن تعقلوا أو لأن تذكّروا أو لأن تتّقوا. تأويل قوله تعالى: ﴿قُلْ ما يَعْبَؤُا بِكُمْ رَبِّي لَوْلا دُعاؤُكُمْ فَقَدْ كَذَّبْتُمْ فَسَوْفَ يَكُونُ لِزاماً﴾ (٤) هذه الآية من الآى المشكلة التى تعلّقت بها الملحدة، وأنا إن شاء الله أكشف لك غموضها وأبرز مكنونها. يقال: ما عبأت بفلان: أى ما باليت به، أى ما كان له عندى وزن ولا قدر، والمصدر العبء، و «ما» استفهامية، ظهر ذلك فى أثناء كلام الزجاج (٥)، وصرّح به الفراء (٦)،

стр. 294

وليس يبعد أن تكون نافية، لأنك إذا حكمت بأنها استفهام، فهو نفى خرج مخرج الاستفهام، كما قال: ﴿هَلْ جَزاءُ الْإِحْسانِ إِلاَّ الْإِحْسانُ﴾ (١). وقال ابن قتيبة (٢): فى هذه الآية مضمر، وله أشكلت، أى ما يعبأ بعذابكم (٣) ربى، قال: ويوضّح ذلك قوله: ﴿فَسَوْفَ يَكُونُ لِزاماً﴾ أى يكون العذاب لمن كذّب (٤) بالحقّ لازما. انتهى كلامه. وأقول: إن حذف المضاف فى كلام العرب وأشعارها وفى الكتاب العزيز أكثر من أن يحصى (٥)، وأحسنه ما دلّ عليه معنى/أو قرينة أو نظير أو قياس، فدلالة المعنى كقوله ﷻ : ﴿وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ بِكُفْرِهِمْ﴾ (٦) أى حبّ العجل، وكقوله: ﴿وَسْئَلِ الْقَرْيَةَ﴾ (٧) أى أهل القرية، وكقوله: ﴿فَأَتاهُمُ اللهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا﴾ (٨) أى أمر الله، وكقوله: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُوماتٌ﴾ (٩) أى

стр. 295

[الحجّ (١)] حجّ أشهر معلومات، وكقولهم: ما زلنا (٢) نطأ السماء حتى أتيناكم، أى ماء السماء، وكقول مهلهل: نبّئت أنّ النار بعدك أو قدت ... واستبّ بعدك يا كليب المجلس (٣) أى أهل المجلس، وكقول المرقّش (٤): ليس على طول الحياة ندم أى على فقد طول الحياة. والقرينة مع المعنى كقول النابغة (٥): وقد خفت حتّى ما تزيد مخافتى ... على وعل فى ذى المطارة عاقل أى على مخافة وعل [وهو تيس الجبل (٦)] ودلّ على ذلك تقدّم ذكر المخافة، وأنه قصد إلى تشبيه حدث بحدث.

стр. 296

ودلالة القياس كقولهم: الليلة الهلال (١)، أى طلوع الهلال، والجباب شهرين، أى لبس الجباب، وكقوله (٢): «اليوم خمر وغدا أمر» أى اليوم شرب خمر، وغدا حدوث أمر، وإنما دلّ على هذه المحذوفات أن ظروف الزّمان لا تكون أخبارا عن الأعيان. ودلالة النّظير مع القياس [والقرينة (٣)] كقوله سبحانه: ﴿هَلْ يَسْمَعُونَكُمْ إِذْ تَدْعُونَ﴾ (٤) أراد هل يسمعون دعاءكم؟ كما قال فى الأخرى: ﴿إِنْ تَدْعُوهُمْ لا يَسْمَعُوا دُعاءَكُمْ﴾ (٥). ودلالة القياس على هذا المحذوف أنك لا تقول: سمعت زيدا وتمسك حتى تأتى بعد ذلك بلفظ ممّا يسمع، كقولك: سمعته يقرأ، وسمعته ينشد، فتقدير ابن قتيبة: ما يعبأ بعذابكم ربّى، نظيره فى التنزيل قوله : ﴿ما يَفْعَلُ اللهُ/ بِعَذابِكُمْ﴾ (٦). وقد جاء فى تفسير قوله: ﴿ما يَعْبَؤُا بِكُمْ:﴾ أى ما يفعل الله بكم، حكى ذلك الزجّاج (٧). وحقيقة القول (٨) عندى فيه أن موضع «ما» نصب، والتقدير: أىّ عبء يعبأ

стр. 297

بكم ربى، أى أىّ مبالاة يبالى ربّى بكم، وحذف جواب «لولا» كما حذف جواب «لو» فى قوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّ قُرْآناً سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبالُ أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ الْأَرْضُ أَوْ كُلِّمَ بِهِ الْمَوْتى﴾ (١) أى لكان هذا القرآن، والمصدر الذى هو الدعاء على هذا القول مضاف إلى مفعوله، فى قول الفرّاء (٢)، وفاعله محذوف، فالتقدير: لولا دعاؤه (٣) إياكم، أى لولا دعاؤه إياكم إلى الإسلام، وجواب «لولا (٤)» تقديره: لم يعبأ بكم، أى لولا دعاؤه إياكم إلى توحيده لم يبل (٥) بذكركم. وذهب ابن قتيبة (٦)، -وهو قول أبى علىّ الفارسىّ-إلى أن الدعاء مضاف إلى فاعله، والمفعول محذوف، الأصل (٧): لولا دعاؤكم آلهة من دونه، وجواب «لولا» تقديره فى هذا الوجه: لم يعذبكم، ونظير قوله: لولا دعاؤكم آلهة من دونه قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللهِ عِبادٌ أَمْثالُكُمْ﴾ (٨). وقوله: ﴿فَقَدْ كَذَّبْتُمْ﴾ أى كذّبتم بما دعيتم إليه، هذا على القول الأول، وكذبتم بوحدانية الله، على القول الثانى ﴿فَسَوْفَ يَكُونُ لِزاماً﴾ أى يكون تكذيبكم ملازما لكم، والمراد جزاء تكذيبكم، كما قال الله تعالى: ﴿وَوَجَدُوا ما عَمِلُوا حاضِراً﴾ (٩) أى جزاء ما عملوا، وكما قال جلّ وعلا: ﴿هذا ما كَنَزْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ فَذُوقُوا ما كُنْتُمْ تَكْنِزُونَ﴾ (١٠) أى جزاء ما كنتم تكنزون، وحسن إضمار التكذيب لتقدّم ذكر فعله،

стр. 298

لأنك إذا ذكرت الفعل دلّ بلفظه على مصدره، كما قالوا: «من كذب كان شرّا له (١)» أى كان الكذب، ومثله قوله تعالى: ﴿وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتابِ لَكانَ خَيْراً لَهُمْ﴾ (٢) أى لكان الإيمان، وقوله: ﴿وَإِنْ تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ﴾ (٣) أى يرض الشّكر لكم. والتفاسير مجمعة على أن/المراد بقوله: ﴿فَسَوْفَ يَكُونُ لِزاماً﴾ ما نزل بهم يوم بدر، وقال الزجّاج: «وقرئت ﴿لِزاماً﴾ مفتوحة اللام، قال: وتأويله: فسوف يكون تكذيبكم لازما لكم، فلا تعطون التوبة منه، وتلزمكم العقوبة، فيدخل فى هذا يوم بدر وغيره من العذاب الذى يلزمهم (٤)». وأقول: إن اللّزام بالكسر: مصدر لازم لزاما، مثل خاصم خصاما، واللّزام بالفتح: مصدر لزم لزاما، مثل سلم سلاما، أى سلامة، قال الشاعر: تحيّى بالسّلامة أمّ بكر ... وهل لى بعد قومى من سلام (٥) ومنه: ﴿لَهُمْ دارُ السَّلامِ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ (٦) أى دار السّلامة، فاللّزام بالفتح: اللّزوم، واللّزام: الملازمة، والمصدر فى القراءتين وقع موقع اسم الفاعل، فاللّزام وقع موقع ملازم، واللّزام وقع موقع لازم، كما قال تعالى: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَصْبَحَ ماؤُكُمْ غَوْراً﴾ (٧) أى غائرا، وإن شئت قدّرت مضافا، أى كان العذاب ذا لزام، وذا لزام. آخر المجلس. ...

стр. 299

المجلس التاسع مجلس يوم السبت، ثامن جمادى الأولى، من سنة أربع وعشرين وخمسمائة. تفسير قوله تعالى: ﴿وَوَهَبْنا لِداوُدَ سُلَيْمانَ نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوّابٌ﴾ -إلى قوله تعالى-: ﴿وَالْأَعْناقِ﴾ (١) يقال: وهبت لك درهما، ووهبتك درهما، كما تقول: وزنت لك الدّراهم، ووزنتك الدّراهم، وكلت لك البرّ، وكلتك البرّ، كما جاء فى التنزيل: ﴿وَإِذا كالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ﴾ (٢) أى كالوا لهم، ووزنوا لهم، وقد عدّوا لفظ الأمر من وهب إلى مفعولين، الثانى منهما هو الأول، وأخرجوه من معنى الهبة، وأدخلوه فى معنى الحسبان، كقولك: هب زيدا مسيئا واعف عنه، أى احسبه مسيئا، وهب الأمير سوقة وخاطبه، أى ظنّه وعدّه كذلك، والمعنى نزّله فى ظنّك هذه المنزلة، قال قيس/بن الملوّح (٣): هبونى امرأ منكم أضلّ بعيره ... له ذمّة إنّ الذّمام كبير وداود من الأعجمية التى وافقت العربية فى الوزن، فجاء على مثال فاعول، كعاقول وكافور، ومثله فى الزّنة من الأعلام الأعجمية: سابور، وقابوس، ومن

стр. 300

غير الأعلام قولهم لمكيال الخلّ: راقود-وقال بعض اللغويين-: الراقود (١) ما يجعل فيه الخلّ، ويسمّى الخابية. وإحدى الواوين من داود وما أشبهه، كطاوس وناوس وهاون محذوفة من الخطّ، لأنهم يكرهون تكرير الأشباه فى كلمة. وسليمان مصغّر سلمان، وكلّ اسم آخره ألف ونون زائدتان، فتصغيره محمول على تكسيره، فإن علمت أن العرب كسّرته فقلبت ألفه فى التكسير ياء، وأثبتت نونه، فجاءت به على مثال فعالين، حملت تصغيره على تكسيره، فصغّرته على مثال فعيلين، كقولك فى سلطان وسرحان وورشان (٢): سليطين وسريحين ووريشين، لقولهم: سلاطين وسراحين ووراشين، فإن لم تعلم العرب كسّرته على هذا الحدّ أقررت ألفه فجئت به على مثال فعيلان، كقولك فى سكران وعثمان وسلمان: سكيران وعثيمان وسليمان، لأنهم لم يقولوا: سكارين ولا عثامين ولا سلامين، وإن شئت حذفت الألف من سليمان فى الخطّ لطوله بالحرف السادس. و «نعم» من الألفاظ الموضوعة لغاية المدح، فلذلك مدح الله به نفسه فى قوله: ﴿هُوَ مَوْلاكُمْ فَنِعْمَ الْمَوْلى وَنِعْمَ النَّصِيرُ﴾ (٣) ومدح بها أنبياءه، فقال فى سليمان وأيّوب: ﴿نِعْمَ الْعَبْدُ﴾ وأراد نعم العبد سليمان، ونعم العبد أيّوب، ولكنّ المقصود بالمدح قد يحذف تخفيفا إذا تقدّم ذكره، وحذفه يقوّى قول من يرى رفعه بالابتداء، لأنك إن جعلته خبر مبتدأ مقدّر، كان الحذف واقعا بجملة، وحذف المفرد أسهل من حذف الجملة.

стр. 301

و (أوّاب) من أوّب إذا رجّع/صوته بالتسبيح، و ﴿يا جِبالُ أَوِّبِي مَعَهُ﴾ (١) رجّعى معه، أى سبّحى، والأوّاب أيضا: التّائب. والصّافن من الخيل: القائم الذى يثنى إحدى يديه، أو إحدى رجليه حتى يقف بها على سنبكه، والسّنبك: مقدم الحافر، فثلاث من قوائمه حوافرها مطبقة على الأرض، والرابعة متّصل بالأرض طرف حافرها فقط، هذا قول أهل اللغة وأصحاب التفاسير. وقال بعض اللغويين: الصّافن: القائم، ثنى إحدى قوائمه أو لم يثنها، وأصوب القولين (٢) عندى الأول، بدليلين، أحدهما: قول الشاعر: ألف الصّفون فما يزال كأنّه ... ممّا يقوم على الثّلاث كسيرا (٣) والثانى قراءة عبد الله «فاذكروا اسم الله عليها صوافن» (٤) أراد معقّلات قياما على ثلاث، شبّه الإبل التى تقام لتنحر وإحدى قوائم البعير معقولة، بالخيل الصّافنة. والجياد: جمع جواد، وكان القياس أن تصحّ الواو فى الجياد، لتحرّكها فى الواحد، كما صحّت الواو فى الطّوال، لتحرّكها فى طويل، ولكنه مما شذّ إعلاله كشذوذ التصحيح فى القود والاستحواذ ونحوهما، وقد قال بعضهم فى جمع الطويل: طيال، وأنشدوا:

стр. 302

تبيّن لى أنّ القماءة ذلّة ... وأنّ أعزّاء الرّجال طيالها (١) وإنما يجب قلب الواو ياء فى هذا المثال من الجمع إذا سكنت فى الواحد، كواو ثوب وحوض، المنقلبة ياء فى ثياب وحياض. والجواد من الخيل: كأنه الذى يأتى بجرى بعد جرى، كالجواد من الناس، الذى يعطى مرّة بعد مرّة، وفرّقوا بين مصادرهما، فقالوا: رجل جواد بيّن الجود، وفرس جواد بيّن الجودة والجودة. وفى قراءة عبد الله: ﴿إِنِّي أَحْبَبْتُ حُبَّ الْخَيْرِ﴾ [بطرح قوله: فقال (٢)] وجاء فى قراءته عكس هذا: ﴿وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْراهِيمُ الْقَواعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْماعِيلُ﴾ يقولان ﴿رَبَّنا﴾ (٣) والقول كثيرا (٤) ما يحذف لقوّة العلم بمكانه، وقد اتّسع حذفه فى القرآن، كقوله/ تعالى: ﴿وَالْمَلائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بابٍ. سَلامٌ عَلَيْكُمْ﴾ (٥) أى يقولون: سلام عليكم، وكقوله: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ اِسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَكَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمانِكُمْ﴾ (٦) أى فيقال لهم: أكفرتم [بعد إيمانكم (٧)] وكقوله: ﴿وَالَّذِينَ اِتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِياءَ ما نَعْبُدُهُمْ﴾

стр. 303

﴿إِلاّ لِيُقَرِّبُونا إِلَى اللهِ زُلْفى﴾ (١) أى يقولون: ما نعبدهم. وظاهر لفظ قوله تعالى: ﴿أَحْبَبْتُ حُبَّ الْخَيْرِ﴾ أن انتصاب ﴿حُبَّ الْخَيْرِ﴾ على المصدر، وليس كذلك، لأنه لم يخبر أنه أحبّ حبّا مثل حبّ (٢) الخير، كما قال: ﴿فَشارِبُونَ شُرْبَ الْهِيمِ﴾ (٣) أى شربا مثل شرب الهيم، وكقولك: ضربته ضرب الأمير اللّصّ، أى ضربا مثل ضرب الأمير اللصّ، لأنه لو أراد هذا لأخرج الخيل عن أن تكون من الخير، إذ التقدير: أحببت الخيل حبّا مثل حبّ الخير، وإذا كان هذا القياس ظاهر الفساد كما ترى، كان انتصاب ﴿حُبَّ الْخَيْرِ﴾ على وجهين: أحدهما: أن يكون مفعولا به، والمعنى آثرت حبّ الخير، لأنك إذا أحببت الشىء فأنت مؤثّر له، وهذا قول الفراء (٤) والزجّاج، و ﴿الْخَيْرِ﴾ هاهنا: هو الخيل، وتسميتها بالخير مطابق لقوله ﵇: «الخيل معقود فى نواصيها الخير (٥)». وقوله: ﴿عَنْ ذِكْرِ رَبِّي﴾ إن شئت علّقته بالمعنى الذى حملت ﴿أَحْبَبْتُ﴾ عليه وجعلت «عن» نائبة مناب «على»، كما قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَبْخَلْ فَإِنَّما يَبْخَلُ عَنْ نَفْسِهِ﴾ (٦) أى على نفسه، فكأنه قيل: آثرت حبّ الخير على ذكر ربّى، وإن شئت علّقت «عن» بحال (٧) محذوفة تقديرها: آثرت حبّ الخير غافلا عن ذكر ربى، أو منصرفا عن ذكر ربّى.

стр. 304

والوجه الآخر: أن يكون ﴿أَحْبَبْتُ﴾ من قولهم: أحبّ البعير: إذا وقف فلم ينبعث، والإحباب فى الإبل كالحران فى ذوات الحافر، وأنشدوا: /حلت عليه بالقطيع ضربا ... ضرب بعير السّوء إذ أحبّا (١) فيكون انتصاب ﴿حُبَّ الْخَيْرِ﴾ على أنه مفعول له، و «عن» متعلّقة بمعنى أحببت، لأنه بمعنى تثبّطت، وهذا القول عن أبى عبيدة، حكاه عنه علىّ بن عيسى الرّمانىّ، قال: قال أبو عبيدة: أحبّ البعير إحبابا، وهو أن يبرك فلا يثور، وذلك فى الإبل كالحران فى الخيل، ومنه (٢) قوله تعالى: ﴿إِنِّي أَحْبَبْتُ حُبَّ الْخَيْرِ عَنْ ذِكْرِ رَبِّي﴾ أى لصقت (٣) بالأرض لحبّ الخير حتى فاتتنى الصلاة، قال أهل التفسير: وكانت هذه الخيل وردت على سليمان ﵇ من غنيمة جيش كان له، فلما صلّى الظهر دعا بها فلم تزل تعرض عليه حتى غابت الشمس ولم يصلّ العصر، وكان مهيبا لا يبتدأ بشىء ولا يجسر أحد أن ينبّهه لوقت صلاة، ولم يكن ذلك عن تكبّر منه. قال الزجاج: ولست أدرى أكانت صلاة العصر مفروضة فى ذلك الوقت أم لا؟ إلا أنّ عرض الخيل شغله حتى جاز (٤) وقت يذكر فيه الله تعالى، [قال (٥)]:

стр. 305

وقال (١) أهل اللغة فى قوله: ﴿حَتّى تَوارَتْ بِالْحِجابِ:﴾ يعنى [به] الشمس، ولم يجر لها ذكر، قال: وهذا لا أحسبهم أعطوا فيه الفكر حقّه (٢)، لأن فى الآية دليلا على الشمس، وهو قوله: ﴿إِذْ عُرِضَ عَلَيْهِ بِالْعَشِيِّ﴾ لأن معناه إذ عرض عليه بعد زوال الشمس (٣)، وليس يجوز الإضمار إلا أن يجرى له ذكر أو دليل بمنزلة الذّكر. انتهى كلامه. وأقول (٤): إن إضمار الغائب مستعمل فى كلام العرب على أربعة أوجه: الأول: عود الضمير إلى مذكور قبله، كقولك: زيد لقيته، وهند قامت، وأخواك أكرمتهما، وإخوتك انطلقوا، والنّساء برزن، هذا هو الأصل فى ضمير الغيبة. والثانى: توجيه الضمير إلى مذكور بعده، ورد فى سياقة الكلام مؤخّرا ورتبته /التقديم، كقولك: ضرب غلامه زيد، وأكرمتهما أخواك، وكقولهم: «فى بيته يؤتى الحكم (٥)»، وكقول زهير (٦): إن تلق يوما على علاّته هرما ... تلق السّماحة منه والنّدى خلقا ومثله فى التنزيل: ﴿فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً مُوسى﴾ (٧) ﴿وَلا يُسْئَلُ عَنْ ذُنُوبِهِمُ الْمُجْرِمُونَ﴾ (٨).

стр. 306

والثالث: رجوع الضمير إلى معلوم قام قوّة العلم به، وارتفاع اللّبس فيه بدليل لفظىّ أو معنوىّ مقام تقدّم الذّكر له، فأضمروه اختصارا أو ثقة (١) بفهم السامع، كقوله: ﴿حَتّى تَوارَتْ بِالْحِجابِ﴾ أضمر الشمس لدلالة ذكر ﴿بِالْعَشِيِّ﴾ عليها، من حيث [كان (٢)] ابتداء العشىّ بعد زوال الشّمس، ومثله: ﴿إِنّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ﴾ (٣) أضمر القرآن، لأن ذكر الإنزال دلّ عليه، ومثله: ﴿فَلَوْلا إِذا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ﴾ (٤) و ﴿كَلاّ إِذا بَلَغَتِ التَّراقِيَ﴾ (٥) أضمر النفس لدلالة ذكر ﴿الْحُلْقُومَ﴾ و ﴿التَّراقِيَ﴾ عليها، ومثله قول حاتم (٦): أماوىّ ما يغنى الثّراء عن الفتى ... إذا حشرجت يوما وضاق بها الصّدر أراد حشرجت النفس: أى تردّدت، ومثله إضمار الأرض لقوّة الدلالة عليها فى قوله: ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْها فانٍ﴾ (٧) و ﴿ما تَرَكَ عَلى ظَهْرِها مِنْ دَابَّةٍ﴾ (٨) ومنه قول الحطيئة (٩): ألا طرقتنا بعد ما هجعوا هند ... وقد سرن خمسا واتلأبّ بنا نجد أراد هجع أصحابى، فأضمرهم وأضمر المطايا فى سرن، والبيت أول القصيدة، ومنه فى شعر المحدثين قول دعبل (١٠):

стр. 307

نفر ابن شكلة بالعراق وأهله ... فهفا إليه كلّ أطلس مائق إن كان إبراهيم مضطلعا بها ... فلتصلحنّ من بعده لمخارق /أراد مضطلعا بالخلافة، وقول ابن المعتز (١). وندمان دعوت فهبّ نحوى ... وسلسلها كما انخرط العقيق أضمر «الخمر»، لأن ذكر النّدمان دلّ عليها، ومن ذلك قول المتنبى (٢): خليلىّ ما هذا مناخا لمثلنا ... فشدّا عليها وارحلا بنهار أضمر «المطايا» لدلالة المناخ عليها، وهذا فى الشّعر القديم والمحدث غير محصور. وقول دعبل: «نفر ابن شكلة» شكلة: أم إبراهيم بن المهدىّ، وعنى بنفوره وثوبه على الخلافة والمأمون بخراسان، وقوله: «فهفا إليه كلّ أطلس» أى خفّ إليه، من قولهم: هفا الظّليم: إذا عدا، وهفت الصّوفة: إذا طارت فى الهواء. والأطلس: الذئب الأغبر، شبّه أتباعه بالذّئاب الغبر. والمائق: الأحمق. وقوله: «مضطلعا بها»: أى قويّا على حملها، يقال: اضطلع فلان بالأمر: أى قام به، وقويت أضلاعه على حمله. وكان مخارق من حذّاق المغنّين، وكان إبراهيم مغنّيا بالعود. والرابع: إضمار غائب لا يعود على مذكور ولا معلوم، وهو الضمير المجهول الذى يلزمه التفسير، إمّا بالجملة، وإمّا بالمفرد المنصوب، فالمفسّر بالجملة ضمير الشأن والقصّة فى نحو: هو زيد منطلق، و ﴿هُوَ اللهُ أَحَدٌ﴾ (٣) وإنه أنا ذاهب، و ﴿إِنَّهُ﴾

стр. 308

﴿أَنَا اللهُ﴾ (١) فهذا ضمير الشأن، وهى هند جالسة، فهى ضمير القصة، كما قال جلّ ثناؤه: ﴿فَإِذا هِيَ شاخِصَةٌ أَبْصارُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ (٢). والمفسّر بالمفرد الإضمار فى نعم وبئس وربّ، نحو نعم غلاما زيد، و ﴿بِئْسَ لِلظّالِمِينَ بَدَلاً﴾ (٣) الأصل: نعم الغلام، وبئس البدل، فلما أضمرا فسّرا بنكرة من لفظيهما، والمضمر فى «ربّ» كقولك: ربّه رجلا عالما أدركت، وجاز أن يلاصق «ربّ» المضمر وهى لا تليها المعارف؛ لأنه غير عائد على مذكور، فهو جار مجرى ظاهر منكور. وقوله: ﴿فَطَفِقَ مَسْحاً بِالسُّوقِ وَالْأَعْناقِ﴾ طفق من/أفعال المقاربة، التى تلزم بعدها الأفعال المستقبلة، كجعل وأخذ وكرب، تقول: طفق يفعل كذا، وجعل يتكلّم بحجّته، وأخذ يلوم زيدا، وكربت الشّمس تغيب: أى قاربت المغيب، والتقدير: فطفق يمسح مسحا بالسّوق، لا بدّ له من يفعل [كذا (٤)]، كما قال تعالى: ﴿وَطَفِقا يَخْصِفانِ عَلَيْهِما مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ﴾ (٥) ولا يجوز أن تقدّر أن ﴿مَسْحاً﴾ (٦) وقع موقع ماسحا، كما وقع ﴿غَوْراً﴾ موقع غائرا فى قوله تعالى: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَصْبَحَ ماؤُكُمْ غَوْراً﴾ (٧) لأنّ هذا الضّرب من الأفعال يلزمه يفعل، ظاهرا أو مقدرا. والمسح هاهنا: القطع، ومنه اشتقاق التّمساح، لدابّة من دوابّ البحر، لأنه يقطع بأسنانه كما يقطع السيف.

стр. 309

وقوله: ﴿بِالسُّوقِ﴾ يجوز أن يكون وصفا لمسح، فتكون الباء متعلقة بمحذوف، أى مسحا واقعا بالسّوق، ويجوز أن يكون مفعولا به، عمل فيه الفعل المقدّر، والباء زائدة، أى فطفق يمسح الرءوس من (١) الأعناق مسحا، والسّوق: جمع ساق، كدار ودور، ونار ونور، أنشد أبو زيد (٢)، وهو من أبيات الإيضاح (٣): شهدت ودعوانا أميمة أنّنا ... بنو الحرب نصلاها إذا شبّ نورها ومثله ممّا أنّث بتاء التأنيث: ناقة ونوق، وقارة-وهى الجبل المنفرد-وقور، ولابة-وهى الحرّة-ولوب، وساحة وسوح، قال الشاعر (٤): وكان سيّان أن لا يسرحوا نعما ... أو يسرحوه بها واغبرّت السّوح هكذا أنشده الرّواة «سيّان» مرفوعا على إضمار (٥) الشأن فى «كان». وروى عن ابن كثير أنه قرأ: ﴿بِالسُّوقِ﴾ على الفعول (٦)، وهمز الواو للزوم الضمّة

стр. 310

لها، وإن كانت وسطا، كما همزوها أوّلا فى نحو وجوه ووقّتت (١). والتفاسير مجمعة على أنه ضرب بالسيف سوق الخيل وأعناقها، وقول الحسن [فى ذلك (٢)] وقتادة سواء، قالا: نسف (٣) عراقيبها، وضرب أعناقها، وقال قتادة: ما نازعه بنو إسرائيل فيما فعل، ولكن ولّوه (٤) /من ذلك ما ولاّه الله. وقال الزّجّاج: لم يك سليمان ليضرب سوقها وأعناقها إلا وقد أباحه الله ذلك، ولو لم يكن ما فعله مباحا لكان قد جعل التوبة من الذنب بذنب عظيم. وقال قوم: إنه مسح بالماء سوقها وأعناقها بيده، وهذا القول غير صحيح، لأنه لم تأت به رواية عن السّلف، ولأن شغلها إيّاه عن ذكر الله لا يوجب مسح سوقها وأعناقها بالماء، وإنما قالوا ذلك لأنّ قتلها منكر، وليس ما يبيحه الله بمنكر، وجائز أن يكون ذلك أبيح لسليمان وحظر فى هذا الوقت. وكان مالك بن أنس يذهب إلى أنه لا ينبغى أن يؤكل لحم الخيل (٥)، لأن الله تعالى قال: ﴿وَالْخَيْلَ وَالْبِغالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوها وَزِينَةً﴾ (٦) وقال فى الإبل: ﴿لِتَرْكَبُوا مِنْها وَمِنْها تَأْكُلُونَ﴾ (٧). ...

стр. 311

المجلس العاشر وهو مجلس يوم السبت، الثانى والعشرين من جمادى الأولى سنة أربع وعشرين وخمسمائة. تأويل آية أخرى: سألنى سائل عن قوله تعالى: ﴿يَوْمَ يَدْعُوكُمْ فَتَسْتَجِيبُونَ بِحَمْدِهِ﴾ (١) فقال: ما معنى تستجيبون بحمده؟ وبم تتعلق الباء، فقد زعم بعض المفسّرين (٢) أن معنى بحمده: بأمره. فأجبت بأن الحمد هو الثناء والمدح، وليس بمعروف فى لغات العرب على اختلافها [أن الحمد (٣)] بمعنى الأمر، وأما تستجيبون فمعناه تجيبون، قال كعب بن سعد الغنوىّ: وداع دعا يا من يجيب إلى النّدى ... فلم يستجبه عند ذاك مجيب (٤) أراد فلم يجبه، ومثله فى التنزيل: ﴿وَيَسْتَجِيبُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ﴾

стр. 312

﴿وَيَزِيدُهُمْ مِنْ فَضْلِهِ﴾ (١) أى ويجيب، ويجوز أن يعلق (٢) الباء بتستجيبون، كما تقول: نادانى فلان فأجبته (٣) بالتلبية، ويجوز أن يعلقها بحال محذوفة، فالتقدير: معلنين بحمده، /ومثله فى جواز تعلّق الباء بالفعل المذكور، وتعلّقها بالمحذوف قوله تعالى: ﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ﴾ (٤) إن شئت علّقت الباء بالتسبيح، أى فسبّح بالثّناء على ربك، وإن شئت قدّرت: فسبح معلنا بحمد ربك. والخطاب فى الآية للمشركين، لأنه جاء على سياقة قوله، حاكيا ذلك عن منكرى البعث: ﴿أَإِذا كُنّا عِظاماً وَرُفاتاً أَإِنّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقاً جَدِيداً﴾ (٥) وقوله: ﴿فَسَيَقُولُونَ مَنْ يُعِيدُنا قُلِ الَّذِي فَطَرَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ فَسَيُنْغِضُونَ إِلَيْكَ رُؤُسَهُمْ﴾ (٦) أى يحرّكون رءوسهم استهزاء ﴿وَيَقُولُونَ مَتى هُوَ﴾ أى متى البعث، ومعلوم أن من يشرك بالله يستكبر إذا قيل له: لا إله إلا الله، كما قال تعالى: ﴿إِنَّهُمْ كانُوا إِذا قِيلَ لَهُمْ لا إِلهَ إِلاَّ اللهُ يَسْتَكْبِرُونَ﴾ (٧) فقد ألحق بالله سبحانه نقصا عظيما بإشراكه فى عبادته أحجارا لا تضرّ ولا تنفع، فإذا دعاه الله حين تزول الشكوك، أجابه بالثناء عليه والحمد له، وأحد أوصاف الثناء على الله والحمد له توحيده، فجوابه: «لبّيك اللهمّ لبّيك، لا إله إلا أنت». آية أخرى: إن سأل سائل عن قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ كانَتْ أَعْيُنُهُمْ فِي غِطاءٍ عَنْ ذِكْرِي وَكانُوا لا يَسْتَطِيعُونَ سَمْعاً﴾ (٨) فقال: كيف وصف الله الأعين بأنها كانت فى غطاء عن الذّكر، والذّكر إنما هو مسموع لا مرئىّ، وكيف وصفهم بأنهم كانوا لا يستطيعون سمعا، ونفى الاستطاعة للسمع نفى القدرة (٩) عليه؟

стр. 313

فالجواب: أنّ هذين الوصفين عبارة عن الإعراض منهم عند سماع الذّكر، وعن ترك الإصغاء إليه والقبول له، فقوله: ﴿كانَتْ أَعْيُنُهُمْ فِي غِطاءٍ عَنْ ذِكْرِي﴾ أي كانوا معرضين بأبصارهم وقت سماع الذّكر، عن المتكلّم به، وقوله: ﴿وَكانُوا لا يَسْتَطِيعُونَ سَمْعاً﴾ أى كان سماع الذّكر ثقيلا عليهم، فلا يستمعون له ولا ينصتون إليه، كما تقول: ما أستطيع أن أرى فلانا، ولا أستطيع أن أسمع كلامه، تريد أنك كاره لذلك، لا أنك فى الحقيقة غير قادر عليه، وقد حكى الله/عنهم أنهم كان بعضهم ينهى بعضا عن الإصغاء إلى سماع تلاوة كتاب الله، ويأمرونهم بالتكلّم باللغو عند سماعه، وذلك قوله تعالى: ﴿وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لا تَسْمَعُوا لِهذَا الْقُرْآنِ وَاِلْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ﴾ (١) وقد بالغ الله سبحانه فى ذمّهم بعدولهم عن الحقّ فى قوله: ﴿صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ﴾ (٢) ولو كانوا بهذه الأوصاف على الحقيقة لم يكلّفوا فرضا، لأن الصّمم ذهاب السمع، والبكم هو الخرس، وإنما أراد أنّهم (٣) صمّ عن استماع الحق، بكم عن التكلم به، عمى عن النظر إلى قائله، فهذا على تشبيههم بمن لحقته آفات فى سمعه ولسانه وبصره، قال الشاعر: أصمّ عما ساءه سميع (٤) فوصف الممدوح بالصمم مع وصفه له بسميع، وهو اللفظ الموضوع للمبالغة فى السمع، وذلك على وجهين مختلفين، مجيئه معدولا عن فاعل، كما جاء قدير ورحيم معدولين عن قادر وراحم، والآخر مجيئه معدولا من مفعل فى قول عمرو بن معديكرب (٥):

стр. 314

أمن ريحانة الدّاعى السّميع ... يؤرّقنى وأصحابى هجوع أى الداعى المسمع. ويحتمل قوله: ﴿كانَتْ أَعْيُنُهُمْ فِي غِطاءٍ عَنْ ذِكْرِي﴾ أن يريد به أنهم كانوا إذا سمعوا التلاوة غطّوا وجوههم وسدّوا آذانهم بأصابعهم، كما كان قوم نوح يفعلون ذلك إذا دعاهم إلى الله، وذلك قوله: ﴿وَإِنِّي كُلَّما دَعَوْتُهُمْ لِتَغْفِرَ لَهُمْ جَعَلُوا أَصابِعَهُمْ فِي آذانِهِمْ وَاِسْتَغْشَوْا ثِيابَهُمْ﴾ (١) كانوا يفعلون ذلك مبالغة فى الإعراض عن سماع دعائه والنظر إليه. تأويل آية أخرى: سألنى سائل مكاتبة من المشهد بالغرىّ (٢) على [علىّ (٣)] صاحبه السلام، عن قوله عز من قائل: ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتابَ الَّذِينَ اِصْطَفَيْنا مِنْ عِبادِنا﴾ (٤)، الآية، فقال: ما معنى/الاصطفاء، وما أصله الذى اشتقّ منه، وما حقيقة معنى المقتصد، وإلى أىّ شيء هذا السّبق، وما معنى الخيرات هاهنا، وكيف دخل الظالم لنفسه فى الذين اصطفاهم الله، وقد قال تعالى: ﴿قُلِ الْحَمْدُ لِلّهِ وَسَلامٌ عَلى عِبادِهِ الَّذِينَ اِصْطَفى﴾ (٥) وإلى أىّ شيء تتوجّه الإشارة فى قوله: ﴿ذلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ﴾ (٦). فأجبت بأن معنى (٧) اصطفينا: اخترنا، واشتقاقه من الصّفو، وهو الخلوص من

стр. 315

شائب الكدر، وأصله اصتفونا، فأبدلت التاء طاء والواو ياء، أما الطاء فإن العرب تبدلها من تاء افتعال إذا كان فاؤه صادا، لأن بين الصاد والطاء وفاقا من جهتين: الإطباق والاستعلاء، وبين الطاء والتاء وفاقا من جهة المخرج، فلمّا حصل بين الصاد والطاء ما ذكرناه من التوافق، مع ما بينها وبين التاء من/التنافر، أبدلوا الطاء من التاء لتقارب مخرجيهما، وأما إبدال الياء من الواو، فإن الواو متى وقعت فى الماضى رابعة فصاعدا قلبت ياء، نحو: اصطفيت واستدعيت ورجّيت وأعطيت، حملا على قلبها فى قولك: اصطفى وأستدعى وأرجّى وأعطى، فلما كانت تصير فى المستقبل إلى الياء لانكسار ما قبلها، حملوا الماضى عليه، وحسن حمل الفعل على الفعل، لأن الأفعال (١) جنس واحد. والعبد يجمع فى القلّة على الأعبد، وفى الكثرة على العباد والعبيد والعبدان، وكأنّ العبدان (٢) جمع العبيد، على قياس قضيب وقضبان وخصيّ وخصيان، قال الحطيئة (٣): هو الواهب الكوم الصّفايا لجاره ... يروّحها العبدان من عازب ندى الكوم: العظام الأسنمة، والصّفايا: جمع ناقة صفيّ، وهى الكثيرة اللبن، والعازب: المكان المتنحّى عن مرعى الناس. والعباد مختصّ بالله تعالى، يقولون: نحن عباد الله، لا يكادون يضيفونه إلى الناس (٤)، وقد جاء ذلك فيما أنشده سيبويه من قول القائل (٥):

стр. 316

أتوعدني بقومك يا ابن جحل ... أشابات يخالون العبادا بما جمّعت من حضن وعمرو ... وما حضن وعمرو والجيادا (١) والعبيد: اسم للجمع، وليس بتكسير عند (٢) سيبويه، لخروجه عن القياس، ومثله: الكليب والمعيز والضّئين، فى جمع كلب ومعز وضأن، وقالوا أيضا فى جمع العبد: العبدى (٣) والمعبوداء، ممدود، ومثله فى جمع شيخ: مشيوخاء، وفى جمع عير: معيوراء. والمقتصد فى اللغة: اللازم للقصد، وهو ترك الميل، ومنه قول جابر بن حنىّ التغلبىّ: نعاطى الملوك السّلم ما قصدوا لنا ... وليس علينا قتلهم بمحرّم (٤) أى نعطيهم الصلح ما ركبوا بنا القصد، أى ما لم يجوروا، وليس قتلهم بمحرّم علينا/إن جاروا، فلذلك كان المقتصد له منزلة بين المنزلتين، فهو فوق الظالم لنفسه، ودون السابق بالخيرات.

стр. 317

والسّبق هاهنا: السّبق إلى الطاعات لله، والخيرات: الأعمال الصالحة، والتقدير: فمنهم فريق ظالم لنفسه، ومنهم فريق مقتصد، ومنهم فريق سابق بالخيرات (١). وفى الظالم لنفسه ثلاثة أقوال، قيل: الموحّد الحامل كتاب الله، الذى يشوب مع صحّة العقد فى التوحيد أعمالا سيّئة بأعمال صالحة، كما قال تعالى: ﴿خَلَطُوا عَمَلاً صالِحاً وَآخَرَ سَيِّئاً﴾ (٢) وقيل: هو المنافق، وقيل: هو الكافر، ودليل القول الأول فيما حكاه الزّجّاج، الخبر المروىّ عن عمر رضوان الله عليه، قال: قال رسول الله ﵌: «سابقنا سابق ومقتصدنا ناج وظالمنا مغفور له» (٣) فعلى هذا يقدّر مفعول الاصطفاء من قوله: ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتابَ الَّذِينَ اِصْطَفَيْنا﴾ مضافا حذف، كما حذف المضاف فى: ﴿وَسْئَلِ الْقَرْيَةَ﴾ (٤) أى اصطفينا دينهم، فبقى: اصطفيناهم، فحذف العائد إلى الموصول كما حذف فى قوله تعالى: ﴿وَلا أَقُولُ لِلَّذِينَ تَزْدَرِي أَعْيُنُكُمْ﴾ (٥) أى تزدريهم، وقد ذكرنا فيما تقدم (٦) علّة حسن حذف العائد إذا كان منصوبا، فالاصطفاء إذا موجّه إلى دينهم، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ اللهَ اِصْطَفى لَكُمُ الدِّينَ﴾ (٧). وقوله ﵇: «سابقنا سابق» أى سابقنا إلى الطاعات سابق إلى الجنات،

стр. 318

كما قال تعالى: ﴿وَالسّابِقُونَ السّابِقُونَ﴾ (١) أى السابقون إلى الإيمان السابقون إلى الجنة. وقال قتادة، وهو قول الحسن: الظالم لنفسه هو المنافق، نطق بكتاب الله وصدّق بلسانه وخالف بعمله، والمقتصد صاحب اليمين، والسابق بالخيرات هو المقرّب، قال: وإن الناس نزّلوا/عند الموت فى ثلاثة منازل، وذلك قول الله : ﴿فَأَمّا إِنْ كانَ مِنَ الْمُقَرَّبِينَ* فَرَوْحٌ وَرَيْحانٌ وَجَنَّةُ نَعِيمٍ﴾ (٢) إلى آخر السورة، أى إنك ترى فيهم ما تحبّ من السلامة، وقد علمت ما أعد لهم، ومعنى ﴿فَنُزُلٌ﴾ أى فغذاء من حميم، ﴿وَتَصْلِيَةُ جَحِيمٍ﴾ أى إقامة على جحيم، قال: وجعل لهم يوم القيامة ثلاثة منازل، فقال تعالى: ﴿فَأَصْحابُ الْمَيْمَنَةِ ما أَصْحابُ الْمَيْمَنَةِ* وَأَصْحابُ الْمَشْئَمَةِ ما أَصْحابُ الْمَشْئَمَةِ* وَالسّابِقُونَ السّابِقُونَ* أُولئِكَ الْمُقَرَّبُونَ﴾ (٣). وقال الضّحّاك بن مزاحم: المقتصد: المؤمن، والظالم لنفسه: المشرك، والسابق بالخيرات: المقرّب، وبعضهم أفضل من بعض، كما قال فى الصافّات: ﴿وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِما مُحْسِنٌ وَظالِمٌ لِنَفْسِهِ مُبِينٌ﴾ (٤). وقال الفرّاء (٥) كقول الضحاك، قال: فمنهم ظالم لنفسه: هذا الكافر، ومنهم مقتصد: هؤلاء أصحاب اليمين، والسابق بالخيرات: هم المقرّبون، كالآية التى فى الواقعة، موافقا تفسيرها تفسيرها، فأصحاب الميمنة هم المقتصدون، وأصحاب المشأمة فى النار، والسابقون السابقون أولئك المقربون: انتهت الحكاية عنه. وأقول: إن الضمائر الثلاثة من قوله: ﴿فَمِنْهُمْ ظالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ﴾

стр. 319

﴿وَمِنْهُمْ سابِقٌ بِالْخَيْراتِ﴾ تعود فى هذين القولين على العباد، فى قول من فسّر الظالم لنفسه بالمنافق، وقول من فسّره بالمشرك، فتقديره: ثم أورثنا الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا، فمن عبادنا ظالم لنفسه، ومنهم مقتصد، ومنهم سابق بالخيرات. وأما الإشارة فى قوله: ﴿ذلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ﴾ فموجّهة إلى السّبق الذى دلّ عليه (سابق) كما وجّهت الإشارة إلى الصبر والغفران فى قوله: ﴿وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ﴾ (١) لدلالة فعليهما عليهما، وكما عاد الضمير إلى السّفه، الذى دل عليه السفيه فى قول القائل (٢): إذا نهى السفيه جرى إليه ... وخالف والسّفيه إلى خلاف /أى جرى إلى السّفه، ومثله قول القطامىّ (٣): هم الملوك وأبناء الملوك لهم ... والآخذون به والسّاسة الأول أراد الآخذون بالملك، فأضمره لدلالة ذكر الملوك عليه، والإشارة بمنزلة الإضمار، ألا ترى أنها قد سدّت مسدّ الضمير فى قوله تعالى: ﴿إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤادَ كُلُّ أُولئِكَ كانَ عَنْهُ مَسْؤُلاً﴾ (٤) فالإشارة من «أولئك» قامت مقام الضمير العائد من الجملة إلى المخبر عنه، فكأنه قيل: كلّهنّ كان عنه مسئولا. آخر المجلس. ...

стр. 320

المجلس الحادى عشر مجلس يوم السبت، سلخ جمادى الأولى، من سنة أربع وعشرين وخمسمائة. تفسير مسائل وأبيات مسألة (١) من مذاهب العرب للمبالغة إعطاء الأعيان حكم المصادر، وإعطاء المصادر حكم الأعيان، فمن ذلك قولهم: «أخطب ما يكون الأمير قائما (٢)» فأخطب إنما هو للأمير، وقد أضافوه إلى «ما» المصدرية، ولفظة أفعل التى وضعوها للمفاضلة مهما أضيفت إليه صارت بعضه، ولما أضافوا أخطب إلى «ما» وهى موصولة بيكون صار أخطب كونا، فالتقدير. أخطب كون الأمير، فهذا وصف للمصدر بما يوصف به العين، والمعنى راجع إلى الأمير، فلذلك سدّت الحال مسدّ خبر [هذا (٣)] المبتدأ، إذ الحال لا تسدّ مسدّ خبر المبتدأ إلا إذا كان المبتدأ اسم حدث، كقولك: ضربى زيدا جالسا، ولا تسدّ الحال مسدّ خبر المبتدأ إذا كان اسم عين، فالعامل فى هذه الحال
следующие страницы →