← Адаб

Адаб · id 120922

أمالي ابن الشجري ت الطناحي

ابن الشجري

Полный текст (1 931 стр.). Показаны 316–355 · переход к 321.

стр. 316

أتوعدني بقومك يا ابن جحل ... أشابات يخالون العبادا بما جمّعت من حضن وعمرو ... وما حضن وعمرو والجيادا (١) والعبيد: اسم للجمع، وليس بتكسير عند (٢) سيبويه، لخروجه عن القياس، ومثله: الكليب والمعيز والضّئين، فى جمع كلب ومعز وضأن، وقالوا أيضا فى جمع العبد: العبدى (٣) والمعبوداء، ممدود، ومثله فى جمع شيخ: مشيوخاء، وفى جمع عير: معيوراء. والمقتصد فى اللغة: اللازم للقصد، وهو ترك الميل، ومنه قول جابر بن حنىّ التغلبىّ: نعاطى الملوك السّلم ما قصدوا لنا ... وليس علينا قتلهم بمحرّم (٤) أى نعطيهم الصلح ما ركبوا بنا القصد، أى ما لم يجوروا، وليس قتلهم بمحرّم علينا/إن جاروا، فلذلك كان المقتصد له منزلة بين المنزلتين، فهو فوق الظالم لنفسه، ودون السابق بالخيرات.

стр. 317

والسّبق هاهنا: السّبق إلى الطاعات لله، والخيرات: الأعمال الصالحة، والتقدير: فمنهم فريق ظالم لنفسه، ومنهم فريق مقتصد، ومنهم فريق سابق بالخيرات (١). وفى الظالم لنفسه ثلاثة أقوال، قيل: الموحّد الحامل كتاب الله، الذى يشوب مع صحّة العقد فى التوحيد أعمالا سيّئة بأعمال صالحة، كما قال تعالى: ﴿خَلَطُوا عَمَلاً صالِحاً وَآخَرَ سَيِّئاً﴾ (٢) وقيل: هو المنافق، وقيل: هو الكافر، ودليل القول الأول فيما حكاه الزّجّاج، الخبر المروىّ عن عمر رضوان الله عليه، قال: قال رسول الله ﵌: «سابقنا سابق ومقتصدنا ناج وظالمنا مغفور له» (٣) فعلى هذا يقدّر مفعول الاصطفاء من قوله: ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتابَ الَّذِينَ اِصْطَفَيْنا﴾ مضافا حذف، كما حذف المضاف فى: ﴿وَسْئَلِ الْقَرْيَةَ﴾ (٤) أى اصطفينا دينهم، فبقى: اصطفيناهم، فحذف العائد إلى الموصول كما حذف فى قوله تعالى: ﴿وَلا أَقُولُ لِلَّذِينَ تَزْدَرِي أَعْيُنُكُمْ﴾ (٥) أى تزدريهم، وقد ذكرنا فيما تقدم (٦) علّة حسن حذف العائد إذا كان منصوبا، فالاصطفاء إذا موجّه إلى دينهم، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ اللهَ اِصْطَفى لَكُمُ الدِّينَ﴾ (٧). وقوله ﵇: «سابقنا سابق» أى سابقنا إلى الطاعات سابق إلى الجنات،

стр. 318

كما قال تعالى: ﴿وَالسّابِقُونَ السّابِقُونَ﴾ (١) أى السابقون إلى الإيمان السابقون إلى الجنة. وقال قتادة، وهو قول الحسن: الظالم لنفسه هو المنافق، نطق بكتاب الله وصدّق بلسانه وخالف بعمله، والمقتصد صاحب اليمين، والسابق بالخيرات هو المقرّب، قال: وإن الناس نزّلوا/عند الموت فى ثلاثة منازل، وذلك قول الله : ﴿فَأَمّا إِنْ كانَ مِنَ الْمُقَرَّبِينَ* فَرَوْحٌ وَرَيْحانٌ وَجَنَّةُ نَعِيمٍ﴾ (٢) إلى آخر السورة، أى إنك ترى فيهم ما تحبّ من السلامة، وقد علمت ما أعد لهم، ومعنى ﴿فَنُزُلٌ﴾ أى فغذاء من حميم، ﴿وَتَصْلِيَةُ جَحِيمٍ﴾ أى إقامة على جحيم، قال: وجعل لهم يوم القيامة ثلاثة منازل، فقال تعالى: ﴿فَأَصْحابُ الْمَيْمَنَةِ ما أَصْحابُ الْمَيْمَنَةِ* وَأَصْحابُ الْمَشْئَمَةِ ما أَصْحابُ الْمَشْئَمَةِ* وَالسّابِقُونَ السّابِقُونَ* أُولئِكَ الْمُقَرَّبُونَ﴾ (٣). وقال الضّحّاك بن مزاحم: المقتصد: المؤمن، والظالم لنفسه: المشرك، والسابق بالخيرات: المقرّب، وبعضهم أفضل من بعض، كما قال فى الصافّات: ﴿وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِما مُحْسِنٌ وَظالِمٌ لِنَفْسِهِ مُبِينٌ﴾ (٤). وقال الفرّاء (٥) كقول الضحاك، قال: فمنهم ظالم لنفسه: هذا الكافر، ومنهم مقتصد: هؤلاء أصحاب اليمين، والسابق بالخيرات: هم المقرّبون، كالآية التى فى الواقعة، موافقا تفسيرها تفسيرها، فأصحاب الميمنة هم المقتصدون، وأصحاب المشأمة فى النار، والسابقون السابقون أولئك المقربون: انتهت الحكاية عنه. وأقول: إن الضمائر الثلاثة من قوله: ﴿فَمِنْهُمْ ظالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ﴾

стр. 319

﴿وَمِنْهُمْ سابِقٌ بِالْخَيْراتِ﴾ تعود فى هذين القولين على العباد، فى قول من فسّر الظالم لنفسه بالمنافق، وقول من فسّره بالمشرك، فتقديره: ثم أورثنا الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا، فمن عبادنا ظالم لنفسه، ومنهم مقتصد، ومنهم سابق بالخيرات. وأما الإشارة فى قوله: ﴿ذلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ﴾ فموجّهة إلى السّبق الذى دلّ عليه (سابق) كما وجّهت الإشارة إلى الصبر والغفران فى قوله: ﴿وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ﴾ (١) لدلالة فعليهما عليهما، وكما عاد الضمير إلى السّفه، الذى دل عليه السفيه فى قول القائل (٢): إذا نهى السفيه جرى إليه ... وخالف والسّفيه إلى خلاف /أى جرى إلى السّفه، ومثله قول القطامىّ (٣): هم الملوك وأبناء الملوك لهم ... والآخذون به والسّاسة الأول أراد الآخذون بالملك، فأضمره لدلالة ذكر الملوك عليه، والإشارة بمنزلة الإضمار، ألا ترى أنها قد سدّت مسدّ الضمير فى قوله تعالى: ﴿إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤادَ كُلُّ أُولئِكَ كانَ عَنْهُ مَسْؤُلاً﴾ (٤) فالإشارة من «أولئك» قامت مقام الضمير العائد من الجملة إلى المخبر عنه، فكأنه قيل: كلّهنّ كان عنه مسئولا. آخر المجلس. ...

стр. 320

المجلس الحادى عشر مجلس يوم السبت، سلخ جمادى الأولى، من سنة أربع وعشرين وخمسمائة. تفسير مسائل وأبيات مسألة (١) من مذاهب العرب للمبالغة إعطاء الأعيان حكم المصادر، وإعطاء المصادر حكم الأعيان، فمن ذلك قولهم: «أخطب ما يكون الأمير قائما (٢)» فأخطب إنما هو للأمير، وقد أضافوه إلى «ما» المصدرية، ولفظة أفعل التى وضعوها للمفاضلة مهما أضيفت إليه صارت بعضه، ولما أضافوا أخطب إلى «ما» وهى موصولة بيكون صار أخطب كونا، فالتقدير. أخطب كون الأمير، فهذا وصف للمصدر بما يوصف به العين، والمعنى راجع إلى الأمير، فلذلك سدّت الحال مسدّ خبر [هذا (٣)] المبتدأ، إذ الحال لا تسدّ مسدّ خبر المبتدأ إلا إذا كان المبتدأ اسم حدث، كقولك: ضربى زيدا جالسا، ولا تسدّ الحال مسدّ خبر المبتدأ إذا كان اسم عين، فالعامل فى هذه الحال

стр. 321

«كان» التامّة مضمرة، فهى حال من ضمير مستتر فى فعل مجرور الموضع، بإضافة ظرف زمانىّ إليه، عمل فيه اسم فاعل محذوف، فالتقدير: ضربى زيدا إذا كان جالسا، أو إذ كان جالسا، تقدّر/ما يقتضيه الفعل من زمان التوقّع أو المضىّ (١)، وذو الحال الضمير المستكنّ فى «كان» وهى كان التى بمعنى وجد، وموضعها جرّ بإضافة «إذا» إليها أو «إذ»، والعامل فى هذا الظرف اسم فاعل مقدّر، كالذى تقدّره فى قولك: الخروج يوم السبت، أى واقع يوم السبت، فأما قول المتنبى (٢): بحبّ قاتلتى والشّيب تغذيتى ... هواى طفلا وشيبى بالغ الحلم فيحتمل موضع «هواى وشيبى» الرفع والجرّ، فالرفع على أن يكونا مبتدءين، وطفلا وبالغ الحلم حالان سدّا مسدّ الخبرين، على ما قررته فى قولك: ضربى زيدا جالسا، فالتقدير: هواى إذ كنت طفلا، وشيبى إذ كنت بالغ الحلم، والجرّ على أن تبدلهما من الحبّ والشّيب، وحسن (٣) إبدال الهوى من الحبّ إذ كان بمعناه، والعامل فى الحالين على هذا القول المصدران اللذان هما هواى وشيبى، فالتقدير: تغذيتى بحبى قاتلتى، وبالشّيب بأن هويت طفلا، وبأن شبت بالغ الحلم. والقول الأول قول عثمان بن جنّى، والثانى قول الرّبعىّ، وكلاهما سديد. والنصف الآخر من البيت تفصيل لما أجمله فى النصف الأول، لأنه بيّن [به (٤)] وقت المحبة ووقت الشّيب، والمعنى: هويت وأنا طفل، وشبت حين احتملت، فصار الهوى والشّيب كالغذاء لى. ومن إعطاء العين حكم المصدر حتّى وصفوه بالمصدر، أو جرى خبرا عنه قوله

стр. 322

تعالى: ﴿وَجاؤُ عَلى قَمِيصِهِ بِدَمٍ كَذِبٍ﴾ (١) أى مكذوب به، وقوله: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَصْبَحَ ماؤُكُمْ غَوْراً﴾ (٢) أى غائرا، وقوله: ﴿ثُمَّ اُدْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْياً﴾ (٣) أى ساعيات، فسعيا مصدر وقع موقع الحال، كقولهم: قتلته صبرا، أى مصبورا، والمعنى محبوسا، ومن ذلك قوله تعالى: ﴿إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صالِحٍ﴾ (٤) أى إن ابنك عمل، فى أحد الأقوال الثلاثة، والقول الثانى: أن يكون فى الكلام/تقدير حذف مضاف، أى إنه ذو عمل، والثالث: أن يعاد الضمير إلى المصدر الذى هو السؤال، لدلالة فعله عليه، فالمعنى: إن سؤالك إياى أن أنجّى كافرا غير صالح، وأوجهها أنه جعله (٥) العمل اتساعا؛ لكثرة وقوع العمل غير الصالح منه، كقولهم: ما أنت إلا نوم، وما زيد إلا أكل وشرب، وإنما أنت دخول وخروج، ومنه قول الخنساء (٦): ترتع ما رتعت حتى إذا ادّكرت ... فإنّما هى إقبال وإدبار فى أحد الوجهين، لأنه يتأوّل على: هى ذات إقبال وإدبار، ومن ذلك قول الشاعر: ألف الصّفون فما يزال كأنّه ... ممّا يقوم على الثّلاث كسيرا (٧)

стр. 323

قد ذكرت (١) قبل أن الصّفون مصدر صفن: إذا ثنى فى وقوفه إحدى قوائمه فوقف على سنبكها، وقد يكون الصّفون أيضا فى غير (٢) هذا جمع صافن، قال عمرو بن كلثوم (٣): تركنا الخيل عاكفة عليه ... مقلّدة أعنّتها صفونا وكسير على هذا المعنى من الأوصاف المعدولة عن فاعل إلى فعيل للمبالغة، فكسير أبلغ فى الوصف من كاسر، كما أن رحيما وسميعا وقديرا أبلغ من سامع وراحم وقادر، لأن الموصوف بفعيل هو الذى يكثر منه ذلك الفعل، ومعنى كاسر: ثان، من قولك: ثنى يده: أى لواها، وثنى الفرس قائمته، ومن ذلك قوله تعالى: ﴿ثانِيَ عِطْفِهِ﴾ (٤) أى لاويا عنقه تكبّرا، وانتصاب «كسيرا» على أنه خبر ما يزال. وقوله: ممّا يقوم على الثّلاث: ما مصدرية، فالمعنى: من قيامه، ومن متعلّقة بالخبر المحذوف، فتحقيق اللفظ والمعنى: ألف القيام على ثلاث فما يزال كسيرا، أى ثانيا إحدى قوائمه، حتى كأنه مخلوق من القيام على الثلاث. ومثله فى وصف/العين باسم الحدث قول الآخر (٥): ألا أصبحت أسماء جاذمة الحبل ... وضنّت علينا والضّنين من البخل كأنه قال: والضنين مخلوق من البخل، ومثله: *وهنّ من الإخلاف قبلك والمطل (٦) ... *

стр. 324

أى: والنساء خلقن فى أوّل الدهر من الإخلاف والمطل، فهذا كلّه من تنزيل الأعيان منزلة المصادر. فأما تنزيل المصادر منزلة الأعيان، فكقولهم: موت مائت، وشيب شائب، وشعر شاعر (١)، قال ابن مقبل (٢): إذا متّ عن ذكر القوافى فلن ترى ... لها شاعرا مثلى أطبّ وأشعرا وأكثر بيتا شاعرا ضربت به ... بطون حبال الشّعر حتى تيسّرا أراد بخبال الشّعر أسباب الشّعر، لأن الحبل (٣) يسمّى سببا. وقد ذهب بعضهم فى قوله: «ممّا يقوم على الثلاث كسيرا» إلى أن «ما» بمعنى الذى، والمضمر فى «يقوم» عائد على «ما»، وكسيرا حال من الضمير، وهو بمعنى مكسور، كقتيل ومقتول، والمعنى: كأنه من الحيوان الذى يقوم على الثلاث مكسورا، وخبر «ما يزال» الجملة من كأنّ واسمها وخبرها، والقول الأول قول أهل العلم الموثوق بعلمهم.

стр. 325

مسألة أخرى / قال سيبويه (١): وتقول: ما مررت بأحد يقول ذاك إلا عبد الله، وما رأيت أحدا يفعل ذاك إلا زيدا، هذا وجه (٢) الكلام، وإن حملته على الإضمار الذى فى الفعل فقلت: إلا زيد، فرفعت، فعربىّ، قال الشاعر (٣): فى ليلة لا نرى بها أحدا ... يحكى علينا إلا كواكبها وكذلك: ما أظنّ أحدا يقول ذاك إلا زيدا، وإن رفعت فجائز حسن، وإنما اختير النصب هاهنا؛ لأنهم أرادوا أن يجعلوا المستثنى بمنزلة المبدل منه، (٤) ولا يكون بدلا إلاّ من منفىّ، لأن (٥) المبدل منه منصوب منفىّ، ومضمره مرفوع، فأرادوا أن يجعلوا المستثنى بدلا من أحد، لأنه هو المنفىّ، وجعلوا «يقول ذاك» وصفا للمنفىّ، وقد تكلّموا بالآخر، لأن معناه معنى المنفىّ، إذ كان وصفا لمنفىّ. انتهى كلامه. ومعنى قوله: تكلّموا بالآخر، أى تكلّموا بالرفع فى المستثنى. وأقول: إنّ إبدال المستثنى إنما يقع فيما كان غير واجب، نفيا أو نهيا، أو استفهاما، وذلك قولهم: ما خرج أحد إلا زيد، ولا تمرر بأحد إلا عبد الله، وهل لقيت أحدا إلا محمدا، فإن وصفت المستثنى منه بجملة من فعل وفاعل مضمر، كقولك: ما رأيت أحدا يقول ذاك، فحكم الصّفة حكم الموصوف، فى تناول

стр. 326

النفي [لها (١)] فإذا استثنيت من الضمير [الذى (٢)] فى يقول، فكأنك استثنيت من الموصوف المضمر المنفىّ، فلذلك جاز الرفع فى المستثنى، من حيث كان بدلا من مرفوع عائد على المنفىّ. والبيت الذى أنشده سيبويه شاهدا على جواز الرفع، من مقطوعة (٣) لرجل من الأنصار، وروى أنه لما أدخلت حبابة على يزيد بن عبد الملك دخلت وعليها ثياب معصفرة، وبيدها دفّ وهى تصفّقه بيدها، /وتغنى بهذه الأبيات: ما أحسن الجيد من مليكة واللّبّا ... ات إذ زانها ترائبها يا ليتنى ليلة إذا هجع الن ... اس ونام الكلاب صاحبها فى ليلة لا نرى بها أحدا ... يحكى علينا إلاّ كواكبها رفع «كواكبها» على البدل من المضمر فى «يحكى»، ولولا احتياجه إلى تصحيح القافية كان النصب فيها أولى، من ثلاثة أوجه (٤): أحدها إبدالها من الظاهر الذى تناوله النفى على الحقيقة، والثانى نصبها على أصل باب الاستثناء، كقراءة ابن عامر اليحصبىّ: «ما فعلوه إلاّ قليلا منهم» (٥)، والثالث أنه استثناء من غير الجنس، كقولك: ما فى الدار أحد إلا الخيام، وأهل الحجاز مجمعون فيه على النصب، وعلى ذلك أجمع القرّاء فى قوله تعالى: ﴿ما لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلاَّ اِتِّباعَ الظَّنِّ﴾ (٦).

стр. 327

والبيت الذى ذكره سيبويه يقع فى أكثر نسخ الكتاب غير منسوب إلى شاعر مسمّى، ووجدته فى كتاب لغوىّ منسوبا إلى عدىّ بن زيد، وتصفحت نسختين من ديوان شعر عدىّ فلم أجد فيهما هذه المقطوعة، بل وجدت له قصيدة على هذا الوزن وهذه القافية، أولها (١): لم أر مثل الأقوام فى غبن الأيّ ... ام ينسون ما عواقبها يرون إخوانهم ومصرعهم ... وكيف تعتاقهم مخالبها فما ترجّى النّفوس من طلب الخي ... ر وحبّ الحياة كاذبها (٢) قوله: «فى غبن الأيام» يدل على أنهم قد استعملوا الغبن المتحرّك الأوسط فى البيع، والأشهر: غبنته فى البيع غبنا، بسكون وسطه، والأغلب على الغبن المفتوح أن يستعمل (٣) فى الرأى، وفعله غبن يغبن مثل ركب يركب، يقال: غبن رأيه، والمعنى: فى رأيه، ومفعول الغبن فى البيت محذوف، أى فى غبن الأيام إياهم، / ومما استعمل فيه الغبن المفتوح الأوسط فى البيع قول الأعشى (٤): لا يقبل الرّشوة فى حكمه ... ولا يبالى غبن الخاسر وقوله: «ما عواقبها» ما استفهامية، «وينسون» معلّق، كما علق (٥) نقيضه، وهو يعلمون، فالتقدير: ينسون أىّ شيء عواقبها، ويحتمل «ما» أن تكون موصولة بمعنى الذى أو التى، وكونها بمعنى التى هاهنا حسن، و «عواقبها» فى هذا الوجه خبر مبتدأ محذوف، والتقدير: ينسون التى هى عواقبها، أى ينسون الأشياء

стр. 328

التى هى عواقب الأيام، وجاز حذف العائد من الصلة، وهو أحد جزئى الجملة، على ضعف، كما روى عن رؤبة بن العجّاج أنه قرأ: ﴿مَثَلاً ما بَعُوضَةً﴾ (١) بمعنى الذى هو بعوضة، وعلى هذا قرأ يحيى بن يعمر: ﴿تَماماً عَلَى الَّذِي أَحْسَنَ﴾ (٢) أى الذى هو أحسن، وهذا وإن كان قبيحا من حيث كان المحذوف ضميرا مرفوعا، وهو أحد ركنى الجملة، فقد جاء مثله فى الشعر (٣)، نحو ما رواه الخليل عن العرب من قولهم: ما أنا بالذى قائل لك سوءا، وروى (٤) شيئا، وإنما حسن حذف المبتدأ العائد هاهنا لتكثّر الصّلة بالموصول والجارّ والمجرور، ومثله فى التنزيل قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي فِي﴾

стр. 329

﴿السَّماءِ إِلهٌ﴾ (١) التقدير: الذى هو فى السماء إله، وقوى الحذف هاهنا لطول الصّلة بالظرف، والظرف متعلق بإله، لأنه فى معنى معبود. فإن قيل: هلاّ كان ﴿إِلهٌ﴾ مبتدأ، والظرف خبرا عنه قدّم عليه، لأن المبتدأ متى كان نكرة وخبره ظرف وجب تقديم الظرف، كقولك: فى الدار رجل، وإذا كان ﴿إِلهٌ﴾ مبتدأ والظرف خبره، لم يحتج [به (٢)] إلى تقدير جزء آخر. فالجواب: أنّ هذا التقدير يؤدّى إلى إخلاء الصّلة من عائد على الموصول (٣) لفظا وتقديرا؛ لأنك إذا جعلت الظرف خبرا عن إله أضمرت فيه عائدا/على إله، وبقى الموصول بغير عائد، فقد ثبت بهذا صحّة ما قرّرته من تقدير مبتدأ راجع إلى الموصول. ومعنى قوله: «وحبّ الحياة كاذبها» أن حبّ (٤) النفوس للحياة قد يستحيل بغضا، لما يتكرّر عليها من الشدائد والآفات التى يتمنّى صاحبها الموت، كما قال المتنبى (٥): كفى بك داء أن ترى الموت شافيا ... وحسب المنايا أن يكن أمانيا واللّبّة: الموضع الذى [يكون (٦)] عليه طرف القلادة، والترائب: واحدتها تريبة، وقيل: تريب، وهو الصّدر، وإنما جمع اللّبّة والتّربية بما حولهما، كأنه سمّى ما يجاور اللّبّة لبّة، وما يجاور التّربية تربية، كما قالوا: شابت مفارقه، وبعير

стр. 330

ذو عثانين (١)، ومثل البيت (٢) فى جمع اللّبة والتّربية قول الآخر (٣): والزّعفران على ترائبها ... شرق به اللّبّات والنّحر وفى التنزيل: ﴿يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرائِبِ﴾ (٤). آخر المجلس. ...

стр. 331

المجلس الثانى عشر بيت للمتنبى (١) أىّ يوم سررتنى بوصال ... لم ترعنى ثلاثة بصدود وإنما أذكر من شعره ما أهمله مفسّروه، فأنبّه على معنى أو إعراب أغفلوه، وهذا البيت لبعده من التكلّف، وخلوّه من التعسّف، وسرعة انصبابه إلى السمع وتولّجه فى القلب، أهملوا تأمّله فخفى عنهم ما فيه. والذى يتوجّه فيه من السؤال أن يقال: ما وجه تعلّق عجزه بصدره، وهل للجملة الأخيرة موضع من الإعراب؟ فإن قيل: نعم، قيل: ما هو؟ وكم وجها من وجوه الإعراب يحتمل؟ وهل يجوز أن تكون «أىّ» فيه شرطيّة، لتتعلّق الجملة بالجملة تعلّق الجزاء بالشرط كقولك: «أىّ يوم لقينى زيد لم أعرض عنه»، تريد أىّ يوم لقينى أقبلت عليه. والجواب عن هذا السؤال أنه لا يصحّ حمل «أىّ» على معنى الشرط؛ لأن فى ذلك مناقضة للمعنى الذى أراده الشاعر (٢)، فكأنه قال: إن سررتنى يوما بوصالك

стр. 332

أمّنتنى ثلاثة أيام من صدودك، وهذا عكس مراده فى البيت، وإنما «أىّ» استفهام خرج مخرج النفى، كقولك لمن يدّعى أنه أكرمك: أيّ يوم أكرمتنى؟ تريد ما أكرمتنى قطّ، قال الهذلىّ (١): فاذهب فأىّ فتى فى الناس أحرزه ... من حتفه ظلم دعج ولا جبل ذهب بأىّ مذهب النفى، فأدخل مع لا حرف العطف، كما تقول: ما قام زيد ولا عمرو، فمعنى البيت: ما سررتنى يوما بوصالك إلا رعتنى ثلاثة أيام بصدودك (٢) /فإن قلت: أجعل كلّ واحدة من الجملتين قائمة بنفسها، لا علقة لها بالأخرى، فلا أحكم للجملة الأخيرة بموضع من الإعراب. فإن (٣) فى ذلك [أيضا (٤)] فسادا للمعنى المراد، لأن قولك: «أىّ يوم سررتنى بوصال» يفيد معنى: ما سررتنى قطّ بوصال، ثم قولك مستأنفا: «لم ترعنى ثلاثة بصدود» يفيد معنى أنت تصدّ عنّى يومين، وتصلنى فى الثالث، فما ينتظم صدودك ثلاثة أيام، وفى هذا تناقض يبطل المعنى المقصود، فقد ثبت بما قلته أنه لا بدّ من علقة بين الكلامين. والعلقة بينهما تصحّ من ثلاثة أوجه: أحدها أن تجرى الجملة وصفا لوصال، فتحكم على موضعها بالجرّ، والعائد منها إلى الموصوف مقدّر، وقد ذكرت لك فيما تقدم (٥) أن العرب قد حذفت عائد الصّفة حذفا يقارب حذف عائد الصلة

стр. 333

كحذف الهاء (١) فى قوله (٢): *وما شيء حميت بمستباح* وفى قول الله تعالى: ﴿وَاِتَّقُوا يَوْماً لا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئاً﴾ (٣) أراد لا تجزى فيه، كما قال: ﴿وَاِتَّقُوا يَوْماً تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللهِ﴾ (٤) وإذا قدّرت مثل ذلك فى البيت اتّصل الكلامان فصحّ المعنى، وتقدير العائد فى البيت: أىّ يوم سررتنى بوصال لم ترعنى بعده ثلاثة أيام بصدود، فالهاء عائدة على وصال، فكأنك قلت: ما سررتنى يوما بوصال مأمون بعده صدودك (٥) ثلاثة أيام، وإذا ثبت صحّة هذا المعنى بهذا التقدير، فإن شئت قدّرت أنك حذفت الظرف أولا، فبقى «لم ترعنيه» ثم حذفت الهاء ثانيا، على مذهب من قدّر فى الآية حذف الجارّ أوّلا، فبقى «لا تجزيه» ثم حذف الهاء، وإن شئت قدّرت أنك حذفت الظرف والعائد حذفة واحدة، فهذا أحد الأوجه الثلاثة. والوجه الثانى: أنك تقدّر بالجملة العطف، وتضمر العاطف، فكأنك قلت: أىّ يوم سررتنى بوصال فلم ترعنى ثلاثة بصدود، والعرب تضمر/الفاء والواو العاطفتين، فممّا جاء فيه إضمار الفاء قوله سبحانه: ﴿وَإِذْ قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ إِنَّ اللهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً قالُوا أَتَتَّخِذُنا هُزُواً قالَ أَعُوذُ بِاللهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجاهِلِينَ﴾ (٦) فأضمر الفاء فى ﴿قالُوا﴾ لتمام كلام موسى ﵇، ثم أضمر الفاء فى ﴿قالَ﴾ (٧) لتمام كلام قومه، وهذا كثير فى القرآن. ومما أضمرت فيه الواو قول الحطيئة (٨):

стр. 334

إنّ امرأ رهطه بالشام منزله ... برمل يبرين جارا شدّ ما اغتربا أراد: ومنزله برمل يبرين، وكذلك أضمرها الراجز فى قوله: لما رأيت نبطا أنصارا ... شمّرت عن ركبتى الإزارا (١) كنت لها من النّصارى جارا أراد: وكنت (٢)، وليس للجملة فى هذا الوجه موضع من الإعراب، لأنها فى التقدير معطوفة على جملة لا موضع لها. والثالث: أن تجعل الجملة حالا من التاء فى «سررتنى» والعائد على التاء من حالها هو الضمير المستتر فى «ترعنى» فكأنك قلت: أىّ يوم سررتنى غير رائع لى، وهذه حال مقدّرة كقولك: «مررت برجل معه صقر صائدا به غدا (٣)» أى مقدّرا به الصّيد، ومثله فى التنزيل: ﴿طِبْتُمْ فَادْخُلُوها خالِدِينَ﴾ (٤) أى مقدّرين الخلود، ومن ذلك: ﴿لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرامَ إِنْ شاءَ اللهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُؤُسَكُمْ﴾ (٥) أى مقدّرين التحليق، لأن التحليق لا يكون فى وقت الدخول، وكذلك المراد: أىّ يوم سررتنى بوصالك غير مقدّر أنك تروعنى ثلاثة أيام بصدودك. فهذه ثلاثة أقوال جارية فى مضمار كلام العرب. ومن روى: «لم ترعنى ثلاثة» برفع «ثلاثة» على إسناد الفعل إليها، كانت

стр. 335

العلقة بين الجملتين بتقدير الوصف أو العطف، وبطل أن تكون الجملة حالا لخلوّ/ «ترعنى» من ضمير يعود على ذى الحال. بيت آخر (١) له: جرّبت من نار الهوى ما تنطفى ... نار الغضا وتكلّ عمّا تحرق وهذا البيت أيضا ممّا أمرّوه على أسماعهم إمرارا، فلم يعطوه حصّة من التفكّر، ولم يولوه طرفا من التأمل، ويتوجّه فيه سؤال عن معنى «ما» الأولى، وسؤال عن الفاعل المستكنّ فى «تحرق» إلى أىّ النارين يعود؟ وسؤال عمّا فيه من الحذوف، وسؤال عن الجارّ الذى هو «عن» بم يتعلّق؟ فإنّ الانطفاء والكلول كلاهما ممّا يتعدّى بعن، قال الأخطل (٢): وأطفأت عنّى نار نعمان بعد ما ... أغذّ لأمر عاجز وتجرّدا وأنا أوضّح لك، إن شاء الله تعالى، الأجوبة عن هذه الأسولة (٣)، بعد أن أذكر لك نبذة تستفيدها، من اشتقاق وغيره، فمن ذلك أن معنى التجريب تكرير الاختبار، لأنّ أمثلة التفعيل موضوعة للمبالغة والتكثير، وأصله من قولهم: جرّبته: أى داويته من الجرب، فنظرت أيصلح حاله أم لا، ومثله: قرّدت البعير: أى أزلت عنه القراد، وقرّعت الفصيل: أى داويته من القرع، وهو داء يلحق الفصال. وألف الغضا أصلها الياء، لقولهم: أرض غضياء (٤)، ولا تجوز إمالته وإن كانت ألفه من الياء، لأنّ فيه حرفين مستعليين (٥).

стр. 336

ويقال: طفئت النار وانطفأت (١)، مهموز، ولكنه أبدل من همزة تنطفئ ياء لانكسار ما قبلها، كما أبدل الفرزدق من المفتوح ما قبلها ألفا فى قوله (٢): راحت بمسلمة البغال عشيّة ... فارعى فزارة لا هناك المرتع وهذا لا يسمّى تخفيفا (٣)، وإنما هو إبدال لا يجوز إلاّ فى الشّعر، والتخفيف الذى يقتضيه القياس فى هذا النحو أن تجعل الهمزة فيه بين بين. وأمّا «ما» من قوله: «ما تنطفى» فمصدريّة، والضمير الذى فى «تحرق» / عائد على «نار الهوى»، وقوله: «عمّا تحرق» متعلّق «بتكلّ» ومعمول «تنطفى» محذوف، وذلك اختيار البصريين فى إعمال (٤) الفعلين، كقولك: رضيت وصفحت عن زيد [أردت: رضيت عن زيد وصفحت عن زيد (٥)] فحذفت معمول الأول لدلالة معمول الثاني عليه، وحجّتهم أن الثانى أقرب إلى المعمول، فإن استعملت الاختيار الكوفيّ فعلّقت (٦) الجارّ بالأول، فلأنه الأسبق فى الذّكر، فهذا أحد المحذوفات من البيت. والمحذوف الثانى: العائد إلى «ما» الثانية من صلتها، وفيه حذفان آخران، لأن تقدير معنى البيت: جرّبت من قوّة نار الهوى انطفاء نار [الغضا (٧)] وكلولها عن إحراق ما تحرقه نار الهوى، لا بدّ من تقدير هذين المضافين، القوّة والإحراق؛ لأن المعنى يقتضيهما، وإنما خصّ الغضا، لأن ناره أشدّ النّيران وأبقاها.

стр. 337

ومن هذه القصيدة: كبّرت حول ديارهم لمّا بدت ... منها الشّموس وليس فيها المشرق (١) ذكرت هذا البيت لأنهم أضربوا عن الكلام فيه صفحا، وفيه ما يقتضى أسئلة، أولها: كيف قال: بدت منها الشّموس، فذكر المشبّه به دون المشبّه، وأسقط أداة التشبيه؟ والثانى: كيف جمع الشمس وليس فى العالم إلا شمس واحدة، وهل فعل ذلك أحد من الشعراء القدماء قبله؟ والثالث: فى أىّ شيء شبّه هؤلاء الممدوحين بالشمس؟ والجواب أنه كان حقّ تشبيههم بالشمس أن يقال: رجال مثل الشمس، ولكنه جاء به على حذف المشبّه وإسقاط أداة التشبيه، ليجعل كلّ واحد منهم الشمس على الحقيقة، ثم جمع الشمس ليقابل جماعة بجماعة، وبالغ فيما أراده من المعنى بإخباره أنه كبّر الله سبحانه متعجّبا من طلوع شموس فى/غير جهة، المشرق، لأنّ ديارهم كانت فى جهة المغرب. ومثل ذلك فى إسقاط المشبه وحرف التشبيه، قصدا لتحقيق الشّبه قولك: لقيت فلانا فلقيت حاتما جودا، والنابغة شعرا، والأحنف حلما، وإياسا ذكاء، وعمرو بن العاص دهاء، وخالد بن صفوان بلاغة، ويحيى (٢) بن عبد الحميد كتابة. فأمّا استجازة جمع الشمس فلاختلاف مطالعها ومغاربها، وازدياد حميها (٣) وانتقاصه، وتغيّر لونها فى الأصائل، ولذلك قالوا: شمس الشتاء، وشمس الصيف، وشمس الضّحى، وشمس الأصيل، فأضافوا إلى هذه الأشياء المتضادة، وليس شمس غيرها، ولذلك جاء فى التنزيل على الأصل: ﴿رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ﴾ (٤) أى مكان

стр. 338

الشروق ومكان الغروب، وجاء فيه: ﴿رَبُّ الْمَشْرِقَيْنِ وَرَبُّ الْمَغْرِبَيْنِ﴾ (١) أراد مشرق الشتاء ومغربه [ومشرق الصيف ومغربه (٢)] وجاء فيه: ﴿بِرَبِّ الْمَشارِقِ وَالْمَغارِبِ﴾ (٣) لأنّ للشمس فى كلّ يوم مشرقا ومغربا غير مشرقها ومغربها فى اليوم الذى قبله. وأما جمع الشمس فى الشعر القديم فنحو قول مالك الأشتر (٤): حمى الحديد عليهم فكأنّه ... ومضان برق أو شعاع شموس وأمّا المعانى التى نزّلهم بها منزلة الشمس، فمنها أن علوّ أقدارهم واشتهارهم فى الناس كعلوّ الشمس واشتهارها، ومنها أن الانتفاع بهم كالانتفاع بضيائها، ونماء النبات بها، ومنها أن إشراق وجوههم وصفاء ألوانهم كإشراقها وصفائها (٥). بيت آخر منها (٦): أمطر علىّ سحاب جودك ثرّة ... وانظر إلىّ برحمة لا أغرق يقال: سحاب ثرّ، للكثير الماء، واستعاروه للفرس الكثير الجرى، قال الشاعر (٧): وقد أغدو إلى الهيجا ... ء بالمحتنك الثّرّ (٨)

стр. 339

/المحتنك: الذى احتنكه (١) السّنّ، وذلك إذا قرح (٢)، وقالوا للناقة الغزيرة وللطّعنة الواسعة، وللعين الكثيرة الدمع: ثرّة. ونصب «ثرّة» على الحال، وأنّث الحال لأن السّحاب بمعنى السحائب، ومن قال: سحاب ثرّ، فلأن السحاب اسم مفرد يقع على الجنس، كالشّجر والنّخل، والأغلب عليه التذكير، كما جاء فى التنزيل: ﴿وَالسَّحابِ الْمُسَخَّرِ﴾ (٣) و ﴿مِنَ الشَّجَرِ الْأَخْضَرِ﴾ (٤) و ﴿أَعْجازُ نَخْلٍ مُنْقَعِرٍ﴾ (٥) وجاء التأنيث فى قوله تعالى: ﴿وَيُنْشِئُ السَّحابَ الثِّقالَ﴾ (٦) و ﴿أَعْجازُ نَخْلٍ خاوِيَةٍ﴾ (٧) وأنّث الشجر فى قوله: ﴿لَآكِلُونَ مِنْ شَجَرٍ مِنْ زَقُّومٍ. فَمالِؤُنَ مِنْهَا الْبُطُونَ﴾ (٨) وذكّره فى قوله: ﴿شَجَرٌ فِيهِ تُسِيمُونَ﴾ (٩). وكان الوجه فى إعراب «لا أغرق» الجزم، على أن يكون جوابا للطلب الذى هو قوله: «انظر إلىّ» بتقدير: فإنك إن تنظر (١٠) إلىّ لا أغرق، ولهذا الحرف ذكرت هذا البيت.

стр. 340

ورفعه يحتمل وجهين: أحدهما أن يكون أراد لئلاّ أغرق، وحذف لام العلّة، ثم حذف «أن» فرفع، كما فعل فى قوله (١): أوجد ميتا قبيل أفقدها أراد أن أفقدها، فحذف «أن» فارتفع الفعل لفقد الناصب، قال طرفة (٢): ألا أيّ هذا الزّاجرى أحضر الوغى أراد أن أحضر [الوغى (٣)] فلما أسقط «أن» رفع، وإن كانت مرادة، ويدلّك على أنّ الأصل أن أحضر قوله: وأن أشهد اللّذّات هل أنت مخلدى والثانى: أن تكون الفاء فيه مقدّرة، وإذا كانت الفاء فى الجواب مقدّرة ارتفع الفعل بتقديرها، كما يرتفع بإثباتها، وإذا كانوا يحذفونها من جواب (٤) الشرط الصريح فيرفعون، كان حذفها من جواب الأمر النائب عن الشرط أسهل، فممّا حذفت فيه من جواب الشرط قوله: /من يفعل الحسنات الله يشكرها (٥)

стр. 341

فأما قوله جل ثناؤه: ﴿وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئاً﴾ (١) بضم الضاد وتشديد الراء ورفعها (٢)، ففيه ثلاثة أقوال: أحدها: تقدير الفاء، والثانى: التقديم والتأخير، كأنه قيل: لا يضرّكم كيدهم شيئا إن تصبروا وتتقوا، وبهذا التقدير ارتفع «تصرع» من قول الراجز (٣): يا أقرع بن حابس يا أقرع ... إنّك إن يصرع أخوك تصرع وإن شئت رفعته بتقدير الفاء (٤)، والثالث: أن يكون ضمّ الراء إتباعا لضمة الضاد، كقولك: لم يردّكم، والأصل: يضرركم، فألقيت ضمّة المثل الأول على الساكن قبله، وحرّك الثانى بالضم إتباعا للضمة قبله، فلما حرّك الثانى وقد سكن الأول وجب الإدغام، وتحريك الثانى فى هذا النحو بالفتح هو الوجه (٥)؛ لخفّة الفتحة مع التضعيف، وبه قرأ فى هذا الحرف المفضّل الضبّىّ عن عاصم بن أبى النّجود. ...

стр. 342

المجلس الثالث عشر وهو مجلس يوم السبت، رابع جمادى الآخرة، سنة أربع وعشرين وخمسمائة. إعراب بيت وما يتّصل به ألم يأتيك والأنباء تنمى ... بما لاقت لبون بنى زياد (١) هذا البيت من مقطوعة لقيس بن زهير بن جذيمة بن رواحة العبسىّ، وكان سيّد قومه، ونشأت (٢) بينه وبين الرّبيع بن زياد العبسى شحناء فى [شأن (٣)] درع ساومه فيها، فلمّا نظر إليها وهو على ظهر فرسه وضعها على القربوس ثم ركض بها، فلم يردّها عليه، فاعترض قيس فاطمة بنت الخرشب الأنمارية، وهى إحدى المنجبات، وهى أمّ الربيع بن زياد، وقد ذكرت هذا فيما مرّ من الأمالى (٤)، وكانت/حين عرض لها قيس في ظعائن من بنى عبس، فاقتاد جملها يريد أن يرتهنها بدرعه، فقالت له: ما رأيت كاليوم قطّ فعل رجل! أين ضلّ حلمك؟ أترجو أن تصطلح أنت وبنو زياد

стр. 343

أبدا وقد أخذت أمّهم فذهبت بها يمينا وشمالا، فقال الناس فى ذلك ما شاءوا أن يقولوا، «وإنّ حسبك من شرّ سماعه»، فأرسلتها مثلا (١)، فعرف قيس ما قالت، فخلّى سبيلها، ثم اطّرد إبلا لبنى زياد، فقدم بها مكّة، فباعها من عبد الله بن جدعان التّيمىّ معاوضة بأدراع وسيوف، ثم جاور ربيعة بن قرط بن سلمة بن قشير، وهو ربيعة الخير، ويكنى أبا هلال، وقيل: هو ربيعة بن قرط بن عبد (٢) بن أبى بكر بن كلاب. وقال قيس فى ذلك: ألم يأتيك والأنباء تنمى ... بما لاقت لبون بنى زياد ومحبسها على القرشىّ تشرى ... بأدراع وأسياف حداد كما لاقيت من حمل بن بدر ... وإخوته على ذات الإصاد هم فخروا علىّ بغير فخر ... وردّوا دون غايته جوادى وكنت إذا منيت بخصم سوء ... دلفت له بداهية نآد بداهية تدقّ الصّلب منه ... فتقصم أو تجوب على الفؤاد أطوّف ما أطوّف ثم آوى ... إلى جار كجار أبى دؤاد تظلّ جياده يعسلن حولى ... بذات الرّمث كالحدإ الغوادى كفانى ما أخاف أبو هلال ... ربيعة فانتهت عنّى الأعادى كأنّى إذ أنخت إلى ابن قرط ... أنخت إلى يلملم أو نضاد

стр. 344

قوله: «ألم يأتيك (١)» أثبت الياء فى موضع الجزم لإقامة الوزن كما [أثبت الآخر (٢)] فى قوله (٣): هجوت زبّان ثمّ جئت معتذرا ... من هجو زبّان لم تهجو ولم تدع /ووجه ذلك أنّهما نزّلا الواو والياء منزلة الحرف الصّحيح، فقدّرا فيهما الحركة، فكأنّ الجازم دخل ولفظ الفعل: يأتيك وتهجو بضم لاميهما، كقولك: يضربك ويخرج، فأسقط الحركة المقدرة كما يسقط الحركة الملفوظ بها، ويدلّك على أن الحركة فى هذا النحو مرادة أن الشاعر متى احتاج إليها أظهرها، كما أظهر الضّمّة فى ياء المنقوص، والكسرة فى نحو: جاءنى ناعى بنعي سليمى (٤) ونحو ما أنشده سيبويه (٥) لأعرابىّ من بنى كليب: فيوما يجازين (٦) ... الهوى غير ماضى ويوما ترى منهنّ غول تغوّل

стр. 345

وقد أثبتوا الألف فى موضع الجزم، تشبيها بالياء كقوله (١): إذا العجوز غضبت فطلّق ... ولا ترضّاها ولا تملّق وكقول الآخر: ما أنس لا أنساه آخر عيشتى (٢) فأما إثباتها فى قوله تعالى: ﴿سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنْسى﴾ (٣) فلأنه نفى لا نهى، أى فلست تنسى إذا أقرأناك، أعلمه الله أنه سيجعل له آية تبين بها الفضيلة له، وذلك أنّ الملك كان ينزل عليه بالوحى فيقرؤه عليه ولا يكرّره، فلا ينسى ﵌ شيئا مما يوحيه إليه وهو أمّىّ لا يخطّ بيده كتابا ولا يقرؤه، قال الله سبحانه: ﴿إِنّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنّا لَهُ لَحافِظُونَ﴾ (٤). وقوله: ﴿إِلاّ ما شاءَ اللهُ﴾ (٥) فيه قولان: أحدهما: إلا ما شاء الله أن تنساه ثم تذكره بعد، والآخر: إلا ما شاء الله أن يؤخّره فتترك تلاوته على أصحابك إلى وقت آخر، فعلى هذا يكون معنى ﴿فَلا تَنْسى﴾: فلا تترك، كما قال: ﴿نَسُوا اللهَ فَنَسِيَهُمْ﴾ (٦) أى تركوا الله فتركهم.

стр. 346

وروى (١) أن المأمون قال لأبى علىّ المنقرىّ: بلغنى أنك أمّىّ، وأنك لا تقيم الشّعر، /وأنك تلحن، فقال: يا أمير المؤمنين، أما اللّحن فربّما سبق لسانى بشىء منه، وأمّا الأميّة وكسر الشّعر فقد كان رسول الله ﵌ لا يكتب ولا يقيم الشّعر، فقال له: سألتك عن ثلاثة عيوب فيك فزدتنى رابعا، وهو الجهل، يا جاهل! إن ذلك كان للنبىّ ﵌ فضيلة، وهو فيك وفى أمثالك نقيصة، وإنما منع النبىّ ﵌ ذلك لنفى الظّنّة عنه، لا لعيب فى الشّعر والكتابة. وفى فاعل «يأتيك» قولان، قيل: إنه مضمر مقدّر، كما حكى سيبويه (٢) «إذا كان غدا فأتنى» أى إذا كان ما نحن عليه (٣) من الرخاء أو البلاء غدا فأتنى، وتقديره: ألم يأتك النبأ، ودلّ على ذلك قوله: «والأنباء تنمى» وقيل إن الباء فى قوله: «بما لاقت (٤)» زائدة، و «ما» هى الفاعل، كما زيدت الباء مع الفاعل فى: ﴿كَفى بِاللهِ﴾ (٥) ومع المبتدأ فى قولهم: «بحسبك قول السوء» ومع المفعول فى نحو: (٦) «لا يقرأن

стр. 347

بالسّور» ونحو: ﴿وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ (١) وهى ومجرورها على القول الأول فى موضع النصب، لا متعلقة بتنمى. وقوله: «كما لاقيت» العامل فيه محذوف، تقديره: لاقيت منهم كما لاقيت من حمل بن بدر، ومثله فى حذف الفعل منه للدّلالة عليه قول يزيد بن مفرّغ الحميرىّ (٢): لا ذعرت السّوام فى وضح الصّب ... ح مغيرا ولا دعيت يزيدا يوم أعطى من المخافة ضيما ... والمنايا يرصدننى أن أحيدا طالعات أخذن كلّ سبيل ... لا شقيّا ولا يدعن سعيدا أراد: لا يدعن شقيّا، فحذف. فأما قوله تعالى جدّه: ﴿كَما أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ بِالْحَقِّ﴾ (٣) فهذا التشبيه فى الظاهر كأنه منقطع مما قبله، لأنه جاء بعد قوله: ﴿يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفالِ قُلِ الْأَنْفالُ لِلّهِ وَالرَّسُولِ فَاتَّقُوا اللهَ وَأَصْلِحُوا ذاتَ بَيْنِكُمْ وَأَطِيعُوا اللهَ وَرَسُولَهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ (٤) ثم وصف المؤمنين فقال: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذا ذُكِرَ اللهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آياتُهُ زادَتْهُمْ إِيماناً وَعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ* الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ* أُولئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ دَرَجاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ﴾ (٥) [ثم قال (٦)]: ﴿كَما أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ بِالْحَقِّ﴾.

стр. 348

وقد قيل فى اتصاله بما قبله وبما بعده أقوال رغبت عن ذكرها، لبعدها عن التأويل (١)، وأوجه ما قيل فيه أن موضع الكاف رفع خبر مبتدأ محذوف، وذلك أن النبىّ ﵌ لما رأى قلّة المؤمنين يوم بدر، وكراهتهم للقتال قال: «من قتل منهم واحدا فله كذا، ومن أسر واحدا فله كذا» وقيل: إنه جعل للقاتل سلب المقتول، ليرغّبهم فى القتال، فلما فرغ من أهل بدر، قام سعد بن معاذ، فقال: يا رسول الله إن نفّلت هؤلاء (٢) ما سمّيت لهم بقى [نفر (٣)] كثير من المسلمين بلا شيء، فأنزل الله تعالى: ﴿قُلِ الْأَنْفالُ لِلّهِ وَالرَّسُولِ﴾ يصنع فيها ما يشاء، فسكتوا وفى أنفسهم من ذلك كراهية، فقال الله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللهَ وَأَصْلِحُوا ذاتَ بَيْنِكُمْ وَأَطِيعُوا اللهَ وَرَسُولَهُ﴾ أى اقبلوا ما أمركم الله ورسوله (٤) به فى الغنائم وغيرها، ثم قال: ﴿كَما أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ بِالْحَقِّ﴾ والتقدير: كراهيتهم (٥) لما فعلت فى الغنائم كإخراجك من بيتك على كره منهم، ودلّ على ذلك قوله: ﴿وَإِنَّ فَرِيقاً مِنَ الْمُؤْمِنِينَ لَكارِهُونَ﴾. وذات الإصاد: مكان (٦). وقوله: «وردّوا دون غايته جوادى» كان قيس بن زهير خاطر حذيفة بن بدر الفزارىّ على فرسيه، داحسن والغبراء، وفرسى حذيفة الخطّار والحنفاء، فجاء

стр. 349

داحس سابقا، وقد أكمنت له فزارة رجلا ليصدّه عن الغاية إن جاء/سابقا، فلطم وجهه ثم أمسكه، فجاء إلى الغاية مسبوقا. وقوله: «منيت بخصم سوء»: أى بليت به، والنّآد: الشديدة من الدّواهى. والقصم: الكسر، وجار أبى دؤاد: هو الحارث (١) بن همّام بن مرّة بن ذهل بن شيبان، كان أبو دؤاد الإيادىّ جاوره، فخرج صبيان الحىّ يلعبون فى غدير فغمسوا (٢) ابن أبى دؤاد فقتلوه، فقال الحارث: لا يبقى فى الحىّ صبىّ إلا غرّق فى الغدير، فودى ابن أبى دؤاد تسع ديات أو عشرا. ويعسلن: من العسلان، وهو اهتزاز العادىّ، والحدأ: جمع حدأة، طائر معروف، ويلملم ونضاد: جبلان، ويقال أيضا: يرمرم. بيت آخر (٣): فإنّ لها جارين لن يغدرا بها ... أبو جعدة العادى وعرفاء جيأل أبو جعدة: الذئب، وعرفاء (٤) جيأل: الضّبع، والضمير يعود على غنم تقدّم ذكرها، وإذا اجتمع الذئب والضّبع اشتغل كلّ واحد منهما بالآخر، وسلمت

стр. 350

الغنم، وفى كتاب سيبويه (١) «اللهمّ ضبعا وذئبا». بيت آخر: وقد جعلت نفسى تطيب لضغمة ... لضغمهماها يقرع العظم نابها (٢) الضّغم: العضّ، ومنه قيل للأسد: ضيغم، و «ها» من قوله: «لضغمهماها» ضمير الضّغمة، وانتصابه انتصاب المصدر، وفاعل المصدر محذوف، والتقدير: لضغمى إيّاهما الضغمة (٣)، واللام متعلّقة بيقرع. عدىّ بن زيد العبادىّ (٤): أرواح مودّع أم بكور ... أنت فانظر لأىّ حال تصير قال أبو علىّ: رواح مودّع: كقولهم: ليل نائم، ولو أنشد «مودّع» جاز، وكان/التقدير: مودّع فيه، وحذف كما حذف من قوله (٥): *كبير أناس فى بجاد مزمّل* أى مزمّل فيه. انتهى كلامه.

стр. 351

كأنّ ثبيرا فى عرانين وبله ... كبير أناس فى بجاد مزمّل البجاد: الكساء المخطّط، والمزمّل: الملفّف، ولولا تقدير «فيه» هاهنا وجب رفع «مزمّل» على الوصف لكبير، وتقدير «فيه» أمثل من حمل (١) الجرّ على المجاورة، شبّه الجبل فى أوائل الوبل، وهو المطر الشديد الوقع، العظيم القطر، بكبير قوم متلفّف بكساء. ويروى: «لأىّ ذاك تصير» وقال: لأىّ ذاك، ولم يقل: ذينك، لأنهم قد يوقعون ذاك وذلك على الجمل، يقول القائل: زارنى أمس زيد وأخوك معه وهما يضحكان، فتقول: قد علمت ذلك، ولذلك جازت إضافة «بين» إلى ذلك فى قوله تعالى: ﴿لا فارِضٌ وَلا بِكْرٌ عَوانٌ بَيْنَ ذلِكَ﴾ (٢) ومثله: ﴿وَالَّذِينَ إِذا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكانَ بَيْنَ ذلِكَ قَواماً﴾ (٣) ألا ترى أن إضافة «بين» فى قولك: جلست بين زيد، لا يجوز حتى تقول: وبكر، أو بين الزيدين، أو بين القوم، أو نحو ذلك. وأما قوله: «لأىّ حال» ولم يقل: لأية حال، فيجوز أن يكون على لغة من [ذكّر الحال، ويجوز أن يكون على لغة من (٤)] أنّثها لأن تأنيثها غير حقيقى، ويجوز أن يكون حمل الحال على الشأن، لأنهما فى المعنى متقاربان. ويحتمل «رواح» أن يكون خبرا عن «أنت»، بتقدير: أذو رواح أنت؟ ويحتمل أن يكون مبتدأ خبره محذوف، أى ألك رواح؟ ويحتمل أن يكون خبر

стр. 352

مبتدأ محذوف، أى أرواحك رواح مودّع؟ فعلى هذين التقديرين يرتفع «أنت» بفعل مضمر يفسّره «انظر» وإن شئت رفعته بتقدير: أم ذو بكور أنت؟ وإن شئت رفعته بالمصدر الذى هو «بكور» رفع الفاعل بفعله، كقولك: أم بكور زيد، بتقدير: أم أن يبكر زيد، وإن شئت جعلته فى قول أبى الحسن الأخفش (١) مبتدأ وخبره «فانظر» والفاء زائدة، وإلى هذا ذهب فى قوله تعالى: ﴿وَالسّارِقُ وَالسّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُما﴾ (٢) وسيبويه (٣) وغيره من البصريين قدّروا الخبر: فيما فرض عليكم، أو فيما يتلى عليكم: السارق والسارقة، أى حدّ السارق والسارقة. قال أبو علىّ: إذا قلت: زيدا فاضرب، فزيد منصوب بهذا الفعل، وليست الفاء بمانعة من العمل، وتسمّى هذه الفاء معلّقة، كأنها تعلّق الفعل المؤخّر بالاسم المقدّم، فهى تشبه الزائدة، ويدلّك على أن العامل هو هذا الفعل قولك: بزيد فامرر، لأن (٤) الباء لا بدّ لها من شيء تتعلّق به. ...

стр. 353

المجلس الرابع عشر وهو من القصيدة التى هذا البيت أوّلها: أيّها الشامت المعيّر بالدّ ... هر أأنت المبرّأ الموفور (١) أم لديك العهد الوثيق من الأيّ ... ام بل أنت جاهل مغرور من رأيت المنون عرّين أم من ... ذا عليه من أن يضام خفير أين كسرى خير الملوك أنوشر ... وان أم أين قبله سابور وبنو الأصفر الكرام ملوك الرّ ... وم لم يبق منهم مذكور وأخو الحضر إذ بناه وإذ د ... جلة تجبى إليه والخابور شاده مرمرا وجلّله كل ... سا فللطّير فى ذراه وكور لم يهبه ريب المنون فباد ال ... ملك عنه فبابه مهجور وتفكّر ربّ الخورنق إذ أش ... رف يوما وللهدى تفكير سرّه ملكه وكثرة ما يح ... ويه والبحر معرضا والسّدير فارعوى قلبه فقال فما غب ... طة حىّ إلى الممات يصير ثم بعد الفلاح والملك والإمّ ... ة وارتهم هناك القبور /ثم أضحوا كأنهم ورق ج ... فّ فألوت به الصّبا والدّبور وكذاك الأيّام يغدرن بالنّا ... س وفيها العوصاء والميسور

стр. 354

إن يصبنى بعض (١) ... الأذاة فلا وا ن ضعيف ولا أكبّ عثور وأنا الناصر الحقيقة إن أظ ... لم يوم تضيق فيه الصّدور يوم لا ينفع الرّواغ ولا يق ... د (٢) م إلا المشيّع النّحرير قوله: «أيّها الشامت» خاطب به عدىّ (٣) بن مرينا الأسدىّ، وقوله: «المعيّر بالدّهر» أراد بنوائب الدهر، يقال: عيّرته بكذا، وعيّرته كذا، وطرح الباء أكثر، قال المتلمّس (٤): يعيّرنى أمّى رجال ولا أرى ... أخا كرم إلاّ بأن يتكرّما وقوله: «المبرّأ» أراد المبرّأ من المصائب، والموفور: الّذى لم يؤخذ من ماله شيء، يقال: وفر فلان يوفر. وقوله: «من رأيت المنون عرّين» المنون يذكّر ويؤنّث، فمن ذكّره أراد الدهر، ومن أنّثه أراد المنيّة، ويكون واحدا وجمعا، وقوله: «عرّين» يدلّ على أنه ذهب به مذهب الجمع، كأنه أراد الدّهور أو المنايا، وقيل للدهر أو الموت: المنون، لأنه يقطع منن الأشياء، أى قواها. و [قوله (٥)] «عرّين» معناه اعتزلن، ومنه (٦) ومنه العريّة، وهى النخلة التى إذا عرض النخل على بيع ثمرته عرّيت منه، أى عزلت عن المساومة، ويروى: «خلّدن» أى تركنه يخلّد.

стр. 355

والضّيم: القهر. والخفير: المانع، والحامى، يقال: خفرته: إذا منعته وحميته، وأخفرته: إذا نقضت عهده وأسلمته. وأبى أبو علىّ فى «المنون» إلا الرفع (١)، ولم يجز فيها النّصب بوجه؛ لأن رأيت فى معنى علمت، وقد وقع متوسّطا، فلا يخلو من أن يكون ملغى أو معملا، فإن اعتقدت إلغاءه حكمت بأن «من» مبتدأ و «المنون» مبتدأ ثان، و «عرّين» جملة من فعل وفاعل فى موضع خبر المبتدأ الثانى، والجملة التى هى المبتدأ الثانى وخبره خبر عن المبتدأ الأول، والعائد إلى «المنون» من خبرها النون، والعائد إلى «من» محذوف، كما حذف عائد المبتدأ فى قوله (٢): قد أصبحت أمّ الخيار تدّعى ... علىّ ذنبا كلّه لم أصنع وفى قول الآخر: *ثلاث كلّهنّ قتلت عمدا (٣) ... * وفى قراءة من قرأ: وكلّ ﴿وَعَدَ اللهُ الْحُسْنى﴾ (٤). والتقدير: أىّ إنسان فيما ترى، المنون عرّينه؟ وإن اعتقدت إعمال «رأيت» حكمت بأن «من» مفعول أول، والجملة التى هى «المنون عرّين» فى موضع المفعول الثانى، والتقدير: أىّ إنسان علمت، المنون عرّينه، كقولك: أزيدا علمت الهندات أكرمنه؟.
следующие страницы →