← Адаб

Адаб · id 120922

أمالي ابن الشجري ت الطناحي

ابن الشجري

Полный текст (1 931 стр.). Показаны 351–390 · переход к 356.

стр. 351

كأنّ ثبيرا فى عرانين وبله ... كبير أناس فى بجاد مزمّل البجاد: الكساء المخطّط، والمزمّل: الملفّف، ولولا تقدير «فيه» هاهنا وجب رفع «مزمّل» على الوصف لكبير، وتقدير «فيه» أمثل من حمل (١) الجرّ على المجاورة، شبّه الجبل فى أوائل الوبل، وهو المطر الشديد الوقع، العظيم القطر، بكبير قوم متلفّف بكساء. ويروى: «لأىّ ذاك تصير» وقال: لأىّ ذاك، ولم يقل: ذينك، لأنهم قد يوقعون ذاك وذلك على الجمل، يقول القائل: زارنى أمس زيد وأخوك معه وهما يضحكان، فتقول: قد علمت ذلك، ولذلك جازت إضافة «بين» إلى ذلك فى قوله تعالى: ﴿لا فارِضٌ وَلا بِكْرٌ عَوانٌ بَيْنَ ذلِكَ﴾ (٢) ومثله: ﴿وَالَّذِينَ إِذا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكانَ بَيْنَ ذلِكَ قَواماً﴾ (٣) ألا ترى أن إضافة «بين» فى قولك: جلست بين زيد، لا يجوز حتى تقول: وبكر، أو بين الزيدين، أو بين القوم، أو نحو ذلك. وأما قوله: «لأىّ حال» ولم يقل: لأية حال، فيجوز أن يكون على لغة من [ذكّر الحال، ويجوز أن يكون على لغة من (٤)] أنّثها لأن تأنيثها غير حقيقى، ويجوز أن يكون حمل الحال على الشأن، لأنهما فى المعنى متقاربان. ويحتمل «رواح» أن يكون خبرا عن «أنت»، بتقدير: أذو رواح أنت؟ ويحتمل أن يكون مبتدأ خبره محذوف، أى ألك رواح؟ ويحتمل أن يكون خبر

стр. 352

مبتدأ محذوف، أى أرواحك رواح مودّع؟ فعلى هذين التقديرين يرتفع «أنت» بفعل مضمر يفسّره «انظر» وإن شئت رفعته بتقدير: أم ذو بكور أنت؟ وإن شئت رفعته بالمصدر الذى هو «بكور» رفع الفاعل بفعله، كقولك: أم بكور زيد، بتقدير: أم أن يبكر زيد، وإن شئت جعلته فى قول أبى الحسن الأخفش (١) مبتدأ وخبره «فانظر» والفاء زائدة، وإلى هذا ذهب فى قوله تعالى: ﴿وَالسّارِقُ وَالسّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُما﴾ (٢) وسيبويه (٣) وغيره من البصريين قدّروا الخبر: فيما فرض عليكم، أو فيما يتلى عليكم: السارق والسارقة، أى حدّ السارق والسارقة. قال أبو علىّ: إذا قلت: زيدا فاضرب، فزيد منصوب بهذا الفعل، وليست الفاء بمانعة من العمل، وتسمّى هذه الفاء معلّقة، كأنها تعلّق الفعل المؤخّر بالاسم المقدّم، فهى تشبه الزائدة، ويدلّك على أن العامل هو هذا الفعل قولك: بزيد فامرر، لأن (٤) الباء لا بدّ لها من شيء تتعلّق به. ...

стр. 353

المجلس الرابع عشر وهو من القصيدة التى هذا البيت أوّلها: أيّها الشامت المعيّر بالدّ ... هر أأنت المبرّأ الموفور (١) أم لديك العهد الوثيق من الأيّ ... ام بل أنت جاهل مغرور من رأيت المنون عرّين أم من ... ذا عليه من أن يضام خفير أين كسرى خير الملوك أنوشر ... وان أم أين قبله سابور وبنو الأصفر الكرام ملوك الرّ ... وم لم يبق منهم مذكور وأخو الحضر إذ بناه وإذ د ... جلة تجبى إليه والخابور شاده مرمرا وجلّله كل ... سا فللطّير فى ذراه وكور لم يهبه ريب المنون فباد ال ... ملك عنه فبابه مهجور وتفكّر ربّ الخورنق إذ أش ... رف يوما وللهدى تفكير سرّه ملكه وكثرة ما يح ... ويه والبحر معرضا والسّدير فارعوى قلبه فقال فما غب ... طة حىّ إلى الممات يصير ثم بعد الفلاح والملك والإمّ ... ة وارتهم هناك القبور /ثم أضحوا كأنهم ورق ج ... فّ فألوت به الصّبا والدّبور وكذاك الأيّام يغدرن بالنّا ... س وفيها العوصاء والميسور

стр. 354

إن يصبنى بعض (١) ... الأذاة فلا وا ن ضعيف ولا أكبّ عثور وأنا الناصر الحقيقة إن أظ ... لم يوم تضيق فيه الصّدور يوم لا ينفع الرّواغ ولا يق ... د (٢) م إلا المشيّع النّحرير قوله: «أيّها الشامت» خاطب به عدىّ (٣) بن مرينا الأسدىّ، وقوله: «المعيّر بالدّهر» أراد بنوائب الدهر، يقال: عيّرته بكذا، وعيّرته كذا، وطرح الباء أكثر، قال المتلمّس (٤): يعيّرنى أمّى رجال ولا أرى ... أخا كرم إلاّ بأن يتكرّما وقوله: «المبرّأ» أراد المبرّأ من المصائب، والموفور: الّذى لم يؤخذ من ماله شيء، يقال: وفر فلان يوفر. وقوله: «من رأيت المنون عرّين» المنون يذكّر ويؤنّث، فمن ذكّره أراد الدهر، ومن أنّثه أراد المنيّة، ويكون واحدا وجمعا، وقوله: «عرّين» يدلّ على أنه ذهب به مذهب الجمع، كأنه أراد الدّهور أو المنايا، وقيل للدهر أو الموت: المنون، لأنه يقطع منن الأشياء، أى قواها. و [قوله (٥)] «عرّين» معناه اعتزلن، ومنه (٦) ومنه العريّة، وهى النخلة التى إذا عرض النخل على بيع ثمرته عرّيت منه، أى عزلت عن المساومة، ويروى: «خلّدن» أى تركنه يخلّد.

стр. 355

والضّيم: القهر. والخفير: المانع، والحامى، يقال: خفرته: إذا منعته وحميته، وأخفرته: إذا نقضت عهده وأسلمته. وأبى أبو علىّ فى «المنون» إلا الرفع (١)، ولم يجز فيها النّصب بوجه؛ لأن رأيت فى معنى علمت، وقد وقع متوسّطا، فلا يخلو من أن يكون ملغى أو معملا، فإن اعتقدت إلغاءه حكمت بأن «من» مبتدأ و «المنون» مبتدأ ثان، و «عرّين» جملة من فعل وفاعل فى موضع خبر المبتدأ الثانى، والجملة التى هى المبتدأ الثانى وخبره خبر عن المبتدأ الأول، والعائد إلى «المنون» من خبرها النون، والعائد إلى «من» محذوف، كما حذف عائد المبتدأ فى قوله (٢): قد أصبحت أمّ الخيار تدّعى ... علىّ ذنبا كلّه لم أصنع وفى قول الآخر: *ثلاث كلّهنّ قتلت عمدا (٣) ... * وفى قراءة من قرأ: وكلّ ﴿وَعَدَ اللهُ الْحُسْنى﴾ (٤). والتقدير: أىّ إنسان فيما ترى، المنون عرّينه؟ وإن اعتقدت إعمال «رأيت» حكمت بأن «من» مفعول أول، والجملة التى هى «المنون عرّين» فى موضع المفعول الثانى، والتقدير: أىّ إنسان علمت، المنون عرّينه، كقولك: أزيدا علمت الهندات أكرمنه؟.

стр. 356

ويتّجه عندى نصب «المنون» على أن تجعلها مفعولا لرأيت، «وعرّين» فى موضع المفعول الثانى، وتجعل «من» مبتدأ، و «رأيت» ومفعوليها خبرا عنه، والعائد إلى المبتدأ الهاء المحذوفة التى هى مفعول «عرّين» وجاز (١) وجاز حذف العائد إلى المبتدأ من الجملة المخبر بها عنه، على قولك: زيد ضربت، وقول امرئ القيس (٢): فلمّا دنوت تسدّيتها ... فثوب نسيت وثوب أجرّ وقولهم: «شهر ثرى وشهر ترى وشهر مرعى (٣)» أى شهر ترى فيه العشب. فكأنك قلت: أىّ إنسان علمت النساء أكرمن؟ أردت أكرمنه، فحذفت. ومواضع حذف العائد ثلاثة: الصّلة والصّفة والخبر، وحذفه من الصّلة أقيس من حذفه من الصّلة، وحذفه من الصّفة أقيس من حذفه من الخبر، وإنما استحسنوا حذفه من الصّلة حتى اتّسع ذلك فى القرآن اتساع الإثبات، لئلاّ يكون اسم من أربعة (٤) أشياء، فحذفه من «الذى» مثل: ﴿لا يَزالُ بُنْيانُهُمُ الَّذِي بَنَوْا رِيبَةً فِي قُلُوبِهِمْ﴾ (٥) وإثباته مثل: ﴿وَاُتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْناهُ آياتِنا﴾ (٦) وحذفه من «من» مثل:

стр. 357

﴿ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيداً﴾ (١) وإثباته مثل: ﴿وَمَنْ رَزَقْناهُ مِنّا رِزْقاً/ حَسَناً﴾ (٢) واستحسنوا حذف العائد من الصفة، قياسا على حذفه من الصّلة، لاشتراك الصّلة والصفة فى أشياء، منها أن الصفة تتمّم وتكمّل وتوضّح وتخصّص، كما أن الصّلة كذلك، ومنها أن الصفة لا تعمل فى الموصوف، كما أن الصلة لا تعمل فى الموصول، ومنها أن الصفة لا تتقدّم على الموصوف، كما أن الصلة لا تتقدّم على الموصول، ومنها أن العامل فى الموصوف والصفة واحد، كما أن العامل فى الموصول والصلة كذلك. ويفترقان فى أن الموصول لا يكاد يستغنى عن الصّلة، والموصوف قد يستغنى عن الصفة، فلذلك لم يتأكد تقديرك الصفة مع الموصوف اسما واحدا، كما تأكّد ذلك فى الصلة والموصول، فإزالة العائد من الصلة كإزالة الياء من اشهيباب، فى قولك: اشهباب (٣). وأمّا خبر المبتدأ فيفارق الصلة والصفة بأنه ليس مع المبتدأ كاسم واحد، وأنه ليس العامل فيهما واحدا، على رأى أكثر النحويين، وأنه قد يتقدّم على المبتدأ، وأنه إذا لم يشغل فى نحو قولك: زيد ضربته، عمل فى المبتدأ. وقوله: أين كسرى خير الملوك أنو شروان كان أنو شروان بن قباذ بن فيروز بن يزدجرد بن بهرام جور، من أعظم ملوك فارس، أعاد أمور (٤) دولتهم إلى أحوالها بعد ضعفها واختلالها، ونفى رءوس المزادقة، وعمل بسيرة أردشير بن بابك بن ساسان، وافتتح أنطاكية، وكان معظم جنود

стр. 358

قيصر فيها، وبنى بناحية المدائن المدينة التى سماها روميّة، على صورة أنطاكية، وأنزل السّبى الذى سباه من أنطاكية فيها، وافتتح مدينة هرقل والإسكندرية، وملّك آل المنذر على العرب، وسار نحو الهياطلة، واستعان عليهم بخاقان، وكان قد صاهره، فأوقع بهم، وأنزل جنوده/بفرغانة، فلما انصرف من خراسان قدم عليه سيف بن ذى يزن الحميرىّ، يستنصر على الحبشة، فبعث معه إسوارا (١) من عظماء أساورته فى جند من الدّيلم، فافتتحوا اليمن، ونفوا عنها السّودان، وأقاموا هناك إلى أن جاء الله بالإسلام، وكانت مدّة ملكه سبعا وأربعين سنة وأشهرا. وقوله: «أم أين قبله سابور»: كان قبل أنوشروان بدهر طويل سابور بن أردشير بن بابك بن ساسان، وبعد سابور بن أردشير بدهر: سابور بن هرمز بن نرسى، وكان يلقّب ذا الأكتاف، وهو الذى عناه، وإنما قيل له: ذو الأكتاف، لأنه غزا العرب فى مشاتيها حتى أوغل فى بلادها وغور مياهها، وكان يخلع أكتاف من ظفر به [منهم (٢)]. وكسرى: لقب كان لملوك الفرس، وقيصر لملوك الرّوم، وخاقان لملوك التّرك، وبغبور (٣) لملوك الهند، وتبّع لملوك حمير. وروى الكوفيّون كسرى، بكسر (٤) الكاف، ورواه البصريّون بفتحها، إلا أبا عمرو بن العلاء، وجمعته العرب جمعين على غير القياس، وهما الأكاسرة والكسور (٥)،

стр. 359

وذلك أن حدّ الأفاعلة أن يكون جمعا لإفعال ونحوه، كإسكاف وأساكفة، وأما الكسور فكأنهم جمعوه عليه بتقدير طرح ألفه، فهو كجذع وجذوع، فى قول من كسر أوّله، ودرب ودروب، فى قول من فتحه، واستعمل الكسور أبو نصر عبد العزيز بن عمر بن نباتة، فى قصيدة مدح بها الملك بهاء الدولة أبا نصر بن عضد الدولة وابنه أبا منصور، فقال: وتفرّست فيه غير محاب ... أنه كائن أبا للكسور (١) يا لها من مخيلة كان يوما ... شامها أردشير فى سابور وقوله: «وأخو الحضر إذ بناه» يحتمل «أخو الحضر» أن يكون معطوفا على الأسماء المرتفعة بالابتداء، فالتقدير: أين كسرى أم أين سابور، وأين بنو/ الأصفر، وأين أخو الحضر؟ ويجوز أن تقطعه عمّا قبله، فترفعه بالابتداء وتجعل الخبر عنه «شاده»، و «شاده» هو العامل فى الظّرف الذى هو «إذ» ومعنى شاده: رفعه، وقصر مشيد: مرفوع، وقيل: مبنىّ بالشّيد، وهو الجصّ، ويقال لكلّ حجر أملس: «مرمر» وأراد شاده بمرمر، فلما حذف الباء عاقبها النّصب، فالتقدير: وأخو الحضر إذ بناه، رفعه بمرمر. وقوله: «وجلّله (٢) كلسا» يقال: جلّلته الثوب وبالثوب، وطرح الباء أكثر، والكلس: الصّاروج، وهو الجيّار أيضا، وذراه: أعاليه، واحدتها: ذروة،

стр. 360

مكسورة الأول، ومثلها لحية ولحّى، فى قول من ضمّ، والكسر أفصح، ونظيرها فى الشذوذ قرية وقرى (١). والحضر: مدينة بين دجلة والفرات بحيال تكريت، شاهدت (٢) بقاياها ودخلتها، وقيل: إن الذى بناها الضّيزن بن معاوية بن العبيد بن الأجرام بن عمرو ابن النّخع بن سليح بن حلوان بن الحاف بن قضاعة، وكان ملك الجزيرة، ومعه من بنى العبيد بن الأجرام وقبائل قضاعة ما لا يحصى، ونال ملكه الشام، وأغار على طرف من بلاد العجم، على عهد سابور ذى (٣) الأكتاف، وفتح مدينة من مدنهم يقال لها: بهرسير، وقتل من الأعاجم أعدادا، فقال فى ذلك عمر (٤) بن ألاه بن جدىّ، أحد بنى عمران بن الحاف بن قضاعة: دلفنا للأعاجم من بعيد ... بجمع ملجزيرة كالسّعير (٥) لقيناهم بمجر من علاف ... على الخيل الصّلادمة الذّكور فلاقت فارس منّا نكالا ... وقتّلنا هرابذ شهر زور (٦)

стр. 361

قوله: «ملجزيرة» حذف نون «من» لسكونها وسكون اللام، تشبيها للنون الساكنة بحروف اللين، لأن فيها غنّة تضارع ما فيهنّ من المدّ واللّين، ومثله قول عمرو ابن كلثوم: /فما أبقت الأيام ملمال عندنا ... سوى جذم أذواد محذّفة النّسل (١) وقول الآخر: أبلغ أبا دختنوس مألكة ... غير الذى قد يقال ملكذب (٢) أبو دختنوس: لقيط (٣) بن زرارة التّميمى، ودختنوس: اسم بنته، وكان مجوسيّا. فأما قولهم فى بنى الحرث وبنى الهجيم وبنى العنبر: بلحرث وبلهجيم وبلعنبر، فإنهم حذفوا الياء من «بنى» لسكونها وسكون لام التعريف، ثم استخفّوا حذف النون كراهة لاجتماع المتقاربين، كما كرهوا اجتماع المثلين، فحذفوا الأول فى نحو: غداة طفت علماء بكر بن وائل ... وعجنا صدور الخيل نحو تميم (٤) أراد: على الماء، ونظير هذا الحذف فى الكلمة الواحدة قولهم فى ظللت ومسست: ظلت ومست، ومنهم من يسقط حركة ما قبل المحذوف ويلقى حركة المحذوف عليه، فيقول: ظلت ومست، يحرّك الظاء والميم بكسر اللام والسين،

стр. 362

وقرأ قوم: ﴿فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ﴾ (١) و ﴿إِلهِكَ الَّذِي ظَلْتَ عَلَيْهِ عاكِفاً﴾ (٢) فإن كان ما قبل المحذوف ساكنا لم يكن بدّ من إلقاء حركته على الساكن لئلا يلتقى ساكنان، وذلك قولهم فى أحسست: أحست، قال أبو زبيد (٣): سوى أنّ العتاق من المطايا ... أحسن به فهنّ إليه شوس الأشوس: الذى ينظر بأحد شقّى عينيه تغيّظا، وقيل: هو الذى يصغّر عينيه ويضمّ أجفانه، والهاء التى فى «به» و «إليه» تعود على الأسد، ولأبى زبيد معه حديث. فأما نحو بنى النّجّار فلم يخفّفوه فيقولوا بنّجّار، لئلا يجمعوا بين إعلالين متواليين: الحذف والإدغام (٤). والمجر: الجيش العظيم، وعلاف: بطن من قضاعة، والصّلادم من/ الخيل: الشّداد، واحدها صلدم، وأدخل الهاء فى الصّلادمة تأكيدا لتأنيث الجمع، ومثله الصّياقلة والصّيارفة، ودخول الهاء فى الجمع لمعان، هذا أحدها، والثانى: دخولها فى نحو: الجحاجحة والتّنابلة، عوضا من ياء الجحاجيح والتنابيل. والثالث: دخولها فى نحو: المهالبة والمناذرة، دالّة على ما تدلّ عليه الياء فى المهلّبيّين والمنذريين. والرابع: دخولها فى جمع أسماء أعجمية جاءت على هذا المثال، وذلك نحو: الجواربة والموازجة والكيالجة، وواحد الموازجة: موزج، وهو الخفّ (٥)، وإنما دخلت

стр. 363

الهاء فى جمع هذه الأسماء الأعجمية للمشابهة بين الاسم الذى تلحقه علامة النّسب، وبين الأعجمىّ المعرّب، من حيث كانا منتقلين؛ هذا منتقل إلى التعريب، وذلك منتقل من العلميّة إلى الوصفيّة، وقد دخلت الهاء فيما اجتمع فيه النّسب والعجمة، وذلك نحو: السّبابجة (١) والبرابرة، يريدون: السّبيجيّين والبربريّين، ودخولها فى هذا أوجب من دخولها فى المهالبة والموازجة، لاجتماع المعنيين فيه. ...

стр. 364

المجلس الخامس عشر وهو مجلس يوم السبت، ثامن وعشرين من جمادى الآخرة، سنة أربع وعشرين وخمسمائة. ثم إن سابور ذا الأكتاف جمّع لهم وسار إليهم، فأقام على الحضر أربع سنين، وإن النّضيرة بنت الضّيزن رآها سابور ورأته، فعشقها وعشقته، وكان من أجمل أهل دهره، وكانت من أحسن أهل زمانها، فأرسلت إليه: ما الذى تجعل لى إن دللتك على عورة المدينة؟ فقال: أجعل لك حكمك، وأرفعك على نسائى، /وأخصّك بنفسى دونهنّ، فدلّته (١) على قنوات كان يجرى الماء فيها من دجلة إلى المدينة، فقطع الماء عنهم، وفتحها عنوة، وقتل الضّيزن وأباد بنى العبيد، وأصيبت قبائل من حلوان بن الحاف بن قضاعة فانقرضوا. قال ابن دريد (٢): تفرّعت قضاعة بين الحاف والحاذى (٣)، واشتقاق الحاف من الحفا، والحاذى من الاحتذاء. انتهى كلامه. والحاف: مما حذفت العرب ياءه اجتزاء بالكسرة، كقولهم: العاص (٤)، فى العاصى

стр. 365

ابن أميّة بن عبد شمس، وفى العاصى بن وائل السهمى، وكقولهم: اليمان، فى أبى حذيفة بن اليمانى، وكقوله تعالى: ﴿دَعْوَةَ الدّاعِ﴾ (١). وقال عمر (٢) بن ألاه، يذكر من هلك فى تلك الوقعة: ألم يحزنك والأنباء تنمى ... بما لاقت سراة بنى العبيد (٣) ومصرع ضيزن وبني أبيه ... وفرسان الكتائب من تزيد أتاهم بالفيول مجلّلات ... وبالأبطال سابور الجنود جاء فى هذه الأبيات سناد الحذو، والحذو: حركة ما قبل الرّدف، فإن كانت ضمّة مع كسرة فلا عيب، وإن كانت مع إحداهما فتحة، سمّى ذلك سنادا (٤)، كقول عمرو بن كلثوم (٥): تصفّقها الرياح إذا جرينا مع قوله: ولا تبقى خمور الأندرينا و: تربّعت الأجارع والمتونا وكذلك مجىء فتحة العبيد مع كسرة تزيد وضمّة الجنود. رجع الحديث: وهدم سابور المدينة، واحتمل النّضيرة بنت الضّيزن، فأعرس بها

стр. 366

فى عين (١) التمر، فلم تزل ليلتها تتضوّر من خشونة فراشها، وهو من حرير محشوّ بقزّ، فالتمس ما يؤذيها، فإذا ورقة آس ملتزقة بعكنة (٢) من عكنها قد أثّرت فيها، فقال لها سابور: ويحك، بأىّ شيء كان يغذوك أبوك؟ فقالت: بالزّبد والمخّ وشهد الأبكار من النّحل وصفوة الخمر، فقال لها: غذاك بهذا ثم لم تصلحى له، فكيف بك أن تصلحى لى وأنا واترك؟ وأمر رجلا فركب فرسا جموحا، وعصب غدائرها بذنبه، ثم استركضه فقطّعها، وذكرها بعض شعرائهم فى قوله: أقفر الحضر من نضيرة فالمر ... باع منها فجانب الثّرثار (٣) وقد قيل إن صاحب الحضر هو السّاطرون بن أسطيرون، وكان ملك السّريانيّين، وكان من رستاق من رساتيق الموصل، يقال له: باجرمى، وشاهد هذا القول قول أبى دواد الإيادىّ، واسمه جارية بن الحجّاج (٤): وأرى الموت قد تدلّى من الحض ... ر على ربّ أهله السّاطرون وقيل: إن ملوك الحيرة من ولده. وقوله: «لم يهبه ريب المنون» ريب المنون: حادث الدّهر، كذا قال المفسّرون فى قوله تعالى: ﴿نَتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ الْمَنُونِ﴾ (٥). وقد روى «وتذكّر ربّ الخورنق» بالرفع، و «ربّ الخورنق» بالنصب، فمن رفع، فتذكّر فى روايته: ماض سكنت راؤه للإدغام، ومن نصب أراد: تذكّر أيّها

стр. 367

المعيّر بالدهر ربّ الخورنق، فسكون الراء فى هذا القول بناء، على مذهب البصريين، وجزم على مذهب الكوفيين، و «ربّ الخورنق» مفعول، وهو فى القول الأول فاعل. ومن روى: «وتفكّر ربّ الخورنق» فليس فيه إلا الرفع، لأن «تفكّر» غير متعدّ، فهو مسند إلى ربّ الخورنق، وسكون رائه للإدغام، كسكونها فى ﴿أَمَرَ رَبِّي بِالْقِسْطِ﴾ (١) فى الإدغام الكبير لأبى عمرو. ومن روى «تذكّر» روى «وللهدى تذكير»، وكان القياس: وللهدى تذكّر وتفكّر، لأن مصدر تفعّلت: التّفعّل، فأما التّفعيل فمصدر فعّلت، كقوله: كلّمته تكليما، وسلّمت تسليما، ولكنّ المصدرين إذا تقارب/لفظاهما مع تقارب معنييهما جاز وقوع كلّ واحد منهما موضع صاحبه، كقوله تعالى: ﴿وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلاً﴾ (٢). وربّ الخورنق: النّعمان بن امرئ القيس بن عمرو بن امرئ القيس بن عمرو ابن عدىّ بن نصر بن ربيعة اللّخمىّ. ويروى: «والبحر معرضا، ومعرض» ويروى: «والنّخل». والخورنق والسّدير: بناءان، وهما معرّبان، وكان النّعمان هذا من أشدّ الملوك نكاية، وأبعدهم مغارا، غزا أهل الشام مرارا، وأكثر المصائب فى أهله، وسبى وغنم، وكان قد أعطى الملك والكثرة والغلبة، مع فتاء السّنّ. قال أبو عثمان بن بحر الجاحظ: عاش النّعمان بن امرئ القيس ثمانين سنة، وبنى الخورنق فى عشرين سنة، وكان لمّا عزم على بنائه بعث إلى بلاد الرّوم فأتى

стр. 368

برجل مشهور بعمل المصانع (١) والحصون والقصور للملوك، يقال (٢) له سنمّار، وكان يبنى سنين ويغيب سنين، يريد بذلك أن يطمئنّ البناء، فلما فرغ منه تعجّب النعمان من حسنه، وإتقان عمله، فقال له سنمّار عند ذلك تقرّبا إليه بالحذق وحسن المعرفة: أبيت اللّعن، والله إنى لأعرف فيه موضع حجر لو زال لزال جميع البنيان، فقال له: أوكذلك؟ قال: نعم، قال: لا جرم والله لأدعنّه لا يعلم بمكانه أحد، ثم أمر به فرمى من أعلاه فتقطّع، فذكرته العرب فى أشعارها، فمن ذلك قول سليط بن سعد: جزى بنوه أبا الغيلان عن كبر ... وحسن فعل كما يجزى سنمّار (٣) قوله: جزى بنوه أبا الغيلان: أعاد الهاء إلى المفعول وهى متّصلة بالفاعل، وكلاهما فى رتبته، كقولك: ضرب غلامه زيدا، ولم يجز ذلك أحد من النحويين لأن رتبة الضّمير التأخير عن مظهره، فإذا تقدّم المضمر على مظهره لفظا/ومعنى، لم يجز أن ينوى به غير رتبته، واستعماله فى الشّعر من أقبح الضّرورات (٤)، فأما قول الآخر (٥):

стр. 369

جزى ربّه عنّى عدىّ بن حاتم ... جزاء الكلاب العاويات وقد فعل فقد تأوّلوه على إعادة الهاء إلى المصدر الذى دلّ عليه «جزى» فقدّروه: جزى ربّ الجزاء، وهو عندى كالبيت الذى قبله. وقوله: «كما يجزى سنمّار» أراد كما جزى سنمّار، فوضع المستقبل موضع الماضى، وخلاف ذلك قول أبى النجم (١): ثم جزاه الله عنّا إذ جزى ... جنّات عدن فى العلالىّ العلى وضع «إذ جزى» موضع «إذا يجزى» وقد قدّمت (٢) شرح هذا، وقال عبد العزّى بن امرئ القيس [الكلبىّ (٣)]: جزانى جزاه الله شرّ جزائه ... جزاء سنمّار وما كان ذا ذنب سوى رصّه البنيان عشرين حجّة ... يعلّى عليه بالقراميد والسّكب وظنّ سنمّار به كلّ حبرة ... وفاز لديه بالمودّة والقرب فقال اقذفوا بالعلج من فوق برجه ... فذاك لعمر الله من أعظم الخطب سنمّار: اسم (٤) عربى، ذكره سيبويه (٥) فى الأبنية، يقال: رجل سنمّار: إذا كان حسن الوجه أبيضه، ويقال للقمر: سنمّار.

стр. 370

وقوله: «سوى رصّه البنيان»، رصّ البنيان: ضمّ بعضه إلى بعض، وفى التنزيل: ﴿كَأَنَّهُمْ بُنْيانٌ مَرْصُوصٌ﴾ (١). والقراميد: جمع القرمد، وهو الآجرّ، والياء فيه كالياء فى الصّياريف، وحذفها ممّا لا يخلّ بالوزن، ولكنه كان ممن لا يقبل طباعه الزّحاف، ويقال: /قرمدة وآجرّة، مشدّدة الراء، وآجرة، خفيفتها، وآجورة. والسّكب: الصّاروج (٢)، والحبرة: الفرح. وقول عدىّ (٣): فارعوى قلبه فقال فما غب ... طة حىّ إلى الممات يصير ارعوى: رجع وكفّ، والغبطة: السرور والفرح، والغبطة أيضا: حسن الحال، وذلك أن النّعمان بن امرئ القيس ضربت له فازة (٤) بأعلى الخورنق فى عام [قد (٥)] بكّر وسميّه وتتابع وليّه (٦)، وأخذت الأرض فيه زينتها، من اختلاف ألوان نبتها، فهى فى أحسن منظر ومختبر، من نور ربيع مونق، فى صعيد كأنه قطع الكافور، فلو أن نطفة ألقيت فيه لم تترّب، فنظر النّعمان فأبعد النّظر فرأى البرّ والبحر، وصيد الظّباء والحمر، وصيد الطّير والحيتان، والنّجف إذ ذاك بحر تتلاطم أمواجه، وتتواثب حيتانه، وسمع غناء الملاّحين وتطريب الحادين، ورأى الفرسان تتلاعب بالرّماح فى الميادين، ورأى أنواع الزّهر من النخيل والشجر فى البساتين، وسمع أصوات الطير على اختلافها وائتلافها، فأعجب بذلك إعجابا شديدا، وقال

стр. 371

لجلسائه: هل رأيتم مثل هذا المنظر والمسمع؟ وكان عنده رجل من بقايا حملة الحجّة، والمضىّ على أدب الحقّ ومنهاجه، فقال له: أيّها الملك، قد سألت عن أمر أفتأذن فى الجواب عنه؟ قال: نعم، قال: أرأيت هذا الذى أنت فيه، أشيء لم تزل فيه، أم شيء صار إليك ممّن كان قبلك وهو زائل عنك، وصائر إلى من بعدك؟ فقال: بل هو شيء صار إلىّ ممّن كان قبلى، وسيزول عنّى إلى من يكون بعدى، قال: فأراك إنما أعجبت بشىء تكون فيه قليلا، وتغيب عنه طويلا، وتكون [غدا (١)] بحسابه مرتهنا، فقال: ويحك! فكيف المخلص؟ قال: إما أن تقيم فى ملكك، وتعمل فيه بطاعة الله على ما ساءك وسرّك، وإما أن تضع تاجك وتخلع (٢) لباسك، وتلبس أمساحا، وتعبد الله فى جبل/حتى يأتيك أجلك، قال: فإذا كان السّحر فاقرع علىّ الباب، فإنّى مختار أحد الرأيين، فإن اخترت ما أنا فيه كنت وزيرا لا تعصى، وإن اخترت السّياحة فى الفلوات والقفار والجبال كنت رفيقا لا تخالف، فقرع عليه بابه عند السّحر فإذا هو قد وضع تاجه ولباسه، وتهيّأ للسّياحة، فلزما جبلا يعبدان الله فيه حتى أتتهما آجالهما. وقوله: «ثم بعد الفلاح والملك والإمّة» الفلاح: البقاء، والإمّة: النّعمة. وقوله: «ثم أضحوا كأنّهم ورق جفّ» روى بعض الرواة: جفّ، أى يابس. وقوله: «فألوت به الصّبا» أى ذهبت به. وقوله: «فلا وان ضعيف ولا أكبّ عثور» الوانى: الفاتر، ومنه قوله تعالى: ﴿وَلا تَنِيا فِي ذِكْرِي﴾ (٣). والأكبّ: من الانكباب، والعثور هاهنا: المخطئ فى رأيه.

стр. 372

وقوله: «وفيها العوصاء والميسور» العوصاء: العسر، والميسور: اليسر. وقوله: «وأنا الناصر الحقيقة» الحقيقة: ما يحقّ على الرجل أن يحميه، وقيل: الحقيقة: الراية. وقوله: «إن أظلم يوم» أى إن ستر الغبار عين الشمس فأظلم النّهار، ويجوز أن يريد: أنّ الشّدّة تغطّى على القلوب فلا يهتدى للرأى فيه. وقوله: يوم لا ينفع الرّواغ ولا يق ... دم إلاّ المشيّع النّحرير الرّواغ: الفرار، والمشيّع: الشّجاع، كأنه الذى يشيّعه قلبه، والنّحرير: الحاذق بالشىء، العالم به. آخر المجلس. ...

стр. 373

المجلس السادس عشر وهو مجلس يوم السبت، سادس رجب، من سنة أربع وعشرين وخمسمائة. قال رؤبة بن العجّاج، يصف حمر الوحش (١): سوّى مساحيهنّ تقطيط الحقق ... تفليل ما قارعن من سمر الطّرق سمّى حوافرهنّ مساحى؛ لأنها تسحو [الأرض (٢)] أى تقشرها، وأسكن الياء من «مساحيهنّ» فى موضع النصب لإقامة الوزن. /قال أبو العباس محمد بن يزيد: وهو (٣) من أحسن الضّرورات، لأنهم ألحقوا حالة بحالتين، يعنى أنهم جعلوا المنصوب كالمجرور والمرفوع، مع أن السّكون أخفّ من أخفّ الحركات، ولذلك اعتزموا على إسكان الياء فى ذوات الياء من المركّبات، نحو معديكرب، وقالى قلا. والحقق: جمع حقّة (٤)، وتقطيطها: تقطيعها وإصلاحها.

стр. 374

ونصب التقطيط على المصدر (١)، لأن التقطيط تسوية، فالتقدير: سوّى مساحيهنّ تسوية مثل تقطيط الحقق، وحذف المصدر وصفته، كقولك: ضربته ضرب الأمير اللصّ، تريد ضربا مثل ضرب الأمير اللصّ. والتّفليل: التّثليم والتّكسير، وارتفاعه بإسناد «سوّى» إليه، والطّرق: ما تطارق من الصّفا بعضه فوق بعض، الواحدة: طرقة. ومثل «سوّى مساحيهنّ» فى إسكان يائه قوله: كأنّ أيديهنّ بالقاع الفرق ... أيدى جوار يتعاطين الورق (٢) القرق: الأملس، والورق: الدراهم، وفى التنزيل: ﴿فَابْعَثُوا أَحَدَكُمْ بِوَرِقِكُمْ هذِهِ﴾ (٣)، ويتعاطين: يناول بعضهنّ بعضا. ومن المسكّن المنوّن قول الفرزدق (٤): يقلّب رأسا لم يكن رأس سيّد ... وعينا له حولاء باد عيوبها فهذا على قولك: رأيت امرأة ضاحكا إخوتها، فهو بمنزلة يضحك إخوتها. فإن قلت: فهلاّ كان عيوبها مبتدأ، وباد خبره؟ قلت (٥): لو كان كذلك لوجب تأنيث «باد» لأنك تقول: عيوبك بادية،

стр. 375

ولا تقول: عيوبك باد، وإنما جاز فى الشعر: فإنّ الحوادث أودى بها (١) حملا للحوادث على الحدثان، كما حمل الآخر الحدثان على الحوادث فأنّثه فى قوله: /وحمّال المئين إذا ألمّت ... بنا الحدثان والأنف النّصور (٢) بيت فى وصف امرأة: لقد علم الأيقاظ أخفية الكرى ... تزجّجها من حالك واكتحالها (٣) رجل يقظ (٤) وجمعه أيقاظ، ومثله فى الزّنة: نجد وأنجاد، والنّجد: الشّجاع، والأخفية: واحدها خفاء، وهو كساء يغطّى به وطب اللّبن، وسمّى العيون على سبيل الاستعارة أخفية، لأنها كالأغطية للرّقاد، كما أن الأخفية أغطية للوطاب. والجرّ فى «أخفية الكرى» على حدّ جرّ الوجوه فى قولك: الحسان الوجوه، فكأنه قال: الأيقاظ العيون، ويجوز [فيها (٥)] النصب، كما جاز الحسن الوجه، تشبيها بقولك: الضارب الرجل، فاعلم.

стр. 376

وتزجّجها: فى معنى تزجيجها حاجبيها بالخضاب، والحالك: الشّديد السّواد، واشتقاق التزجيج من الزّجّ (١)، أراد أنها تجعل حاجبيها بالخضاب كالزّجّ فى التحديد. ... جرير بن الخطفىّ (٢): وكائن بالأباطح من صديق ... يرانى لو أصبت هو المصابا قالوا فى معنى «كم» الخبريّة: كأيّن وكائن، مثل كاعن، لغتان كثر استعمالهما، إلا أن الخفيفة أكثر فى الشعر، والثقيلة أكثر فى القراءة، ولم يقرأ من السبعة بالخفيفة إلا ابن كثير (٣) وحده، ووافقه من غير السبعة يزيد بن القعقاع المدنىّ، وأصل الثقيلة: أىّ، دخلت عليها كاف التشبيه، فعملت فيها الجرّ، وأزيلتا عن معنييهما، فجعلتا كلمة واحدة مضمّنة معنى «كم» التى للتكثير، ووصل التنوين بها فى الوقف، وجعلت له صورة فى الخطّ، وصار كأنه حرف من الأصل، فلذلك وقف القراء عليها بالنون، اتّباعا لخطّ المصحف، إلا أبا عمرو، فإنه أسقطها؛ لأنها فى الأصل تنوين، ووافقه من غير السبعة يعقوب بن إسحاق الحضرمىّ. وأما الخفيفة فأصلها: كأيّن، فقدّموا الياء على الهمزة، وحرّكوا كلّ واحدة منهما/بحركة الأخرى، كما يفعلون فيما يقدّمون بعض حروفه على بعض، كقولهم فى جمع بئر: آبار، والأصل: أبآر [فصارت (٤)] كيّئن مثل كيّعن، فخفّفوها كما خفّفوا نحو ميّت فصار كيئن مثل كيعن، فأبدلوا الياء وهى ساكنة ألفا فصارت كائن، كما

стр. 377

قالوا فى النسب إلى طيّىء: طائىّ وطيّىء، فيعل، وكان قياسه طيّئىّ، مثل طيّعىّ، كقولك فى النّسب إلى سيّد: سيّدىّ، فقلبوا الياء ألفا بوجود أحد شرطيها، وهو انفتاح ما قبلها، وإذا كانوا قد قلبوا [الياء (١)] الساكنة ألفا مع انكسار ما قبلها، فقالوا فى النّسب إلى الحيرة: حارىّ، فقلبها مع وجود الفتحة قبلها أسهل. وقال بعض البصريّين، وهو أيضا مأثور عن الخليل: أصل كائن: كأيّن، وذلك أنهم قدّموا الياء الأولى وهى الساكنة المدغمة على الهمزة، فانفتحت الياء بانفتاح الهمزة، وسكنت الهمزة بسكون الياء، فصار: كيأين، مثل كيعين، فلما تحرّكت الياء وقبلها فتحة الكاف انقلبت ألفا، والهمزة بعدها ساكنة، فحرّكت الهمزة بالكسر لالتقاء الساكنين، فصادفت كسرتها كسرة الياء بعدها، فاستثقلوا أن يقولوا: كائين، كما استثقلوا أن يقولوا: مررت بقاضى، فأسكنوا الياء فصادف سكونها سكون النون بعدها، فوجب حذفها لالتقاء الساكنين، كما وجب حذف الياء من قاض لسكونها وسكون التنوين، فحذفوها فاتّصلت الهمزة بالنون، فصار كائن مثل قاض. فأما قوله: «يرانى لو أصبت هو المصابا» فمعنى يرانى: يعلمنى، والمراد بالمصاب المصيبة، كقولهم: جبر الله مصابك-أى مصيبتك-وهو فى الأصل مصدر بمعنى الإصابة، ومن ذلك قول الشاعر (٢): أظليم إنّ مصابكم رجلا ... أهدى السّلام تحيّة ظلم أراد إن إصابتكم رجلا. وقوله: «هو» فصل، وهو الذى يسمّيه الكوفيون/عمادا، وهذا الضّرب

стр. 378

من الإضمار (١) لا بدّ أن يكون وفق ما قبله فى الغيبة والخطاب [والتكلّم (٢)] لأنّ فيه نوعا من التوكيد، تقول: علمت زيدا هو المنطلق، وعلمتك أنت المنطلق، وعلمتنى أنا المنطلق. ويتوجّه على هذا سؤالان، أحدهما: كيف وقع ضمير الغيبة بعد ضمير المتكلّم، وحقّ الفصل أن يكون وفقا لما قبله، فيقال: يرانى أنا المصاب. كما جاء فى التنزيل: ﴿إِنْ تَرَنِ أَنَا أَقَلَّ مِنْكَ مالاً وَوَلَداً﴾ (٣). والسؤال الآخر: أن المفعول الثانى فى باب العلم والظنّ يلزم أن يكون هو المفعول الأول، فكيف جاز أن يكون المراد بالمصاب المصيبة، والمفعول الأول هو الياء من يرانى؟. والجواب عن السؤالين أن فى قوله: «يرانى» تقدير مضاف يعود ضمير الغيبة إليه، أى يرى مصابى هو المصاب [والمعنى: يرى مصابى هو المصاب (٤)] العظيم، ولو أنه قال: يراه (٥) لو أصبت هو المصابا، فأعاد الهاء من «يراه» إلى الصّديق، والمعنى يرى نفسه، كما جاء فى التنزيل: ﴿إِنَّ الْإِنْسانَ لَيَطْغى* أَنْ رَآهُ اِسْتَغْنى﴾ (٦)

стр. 379

لسقط ما ذكرته من الاعتراض، ولم يحتج إلى تقدير مضاف [ولكان المصاب اسم المفعول من قولك: أصيب زيد فهو مصاب (١)] ولكنّ المروى: يرانى. ... لبيد بن ربيعة بن مالك بن جعفر بن كلاب، يصف حمارا وأتانا وحشيّين (٢): يعلو بها حدب الإكام مسحّج ... قد رابه عصيانها ووحامها بأحزّة الثّلبوت يربأ فوقها ... قفرا مراقب (٣) خوفها آرامها الحدب من الأرض: ما ارتفع، قال الله سبحانه: ﴿وَهُمْ مِنْ كُلِّ حَدَبٍ يَنْسِلُونَ﴾ (٤) أى يسرعون مع تقارب الخطو، كمشى الذّئب إذا أسرع، يقال: مرّ ينسل ويعسل، والمصدر النّسلان والعسلان، والإكام: جمع أكمة، وهى مرتفع من الأرض ملبس حجارة سوداء، وجمعوها على فعال، كرقبة ورقاب، وجمعوها أيضا على الأكم والأكم، قال الشاعر (٥): سائل فوارس يربوع بشدّتنا ... أهل رأونا بسفح القفّ ذى الأكم /بشدّتنا: أى بحملتنا. والقفّ: ما ارتفع من الأرض فى صلابة، وسفحه: وجهه، قال أبو دواد (٦): يختطى الأكم والخبار بقدر ... من يد رسلة ورجل زبون الخبار: الأرض اللّيّنة، ويد رسلة: ليّنة المفاصل، والزّبون: من الزّبن، وهو الدّفع.

стр. 380

وقالوا أيضا: آكام، فيجوز أن يكون جمع أكم، كجبل وأجبال، ويجوز أن يكون جمع أكم، كبرد وأبراد، وقالوا أيضا: آكم، فهذا جمع أكم، على سبيل الشذوذ، كقولهم فى جبل: أجبل، قال: إنّى لأكنى عن أجبال بأجبلها ... وذكر أودية عن ذكر واديها (١) ومسحّج: مكدّم، كدّمته الحمر، ويقال: رابنى الأمر: إذا أدخل [عليك (٢)] شكّا وخوفا. والوحام والوحم: أن تشتهى المرأة شيئا على حبلها، وقد وحّمناها: أى أطعمناها شهوتها، ووحام الأتان: أن تشتهى المرعى، ومسحّج رفع بيعلو، أى يعلو بالأتان حدب الأكام حمار مسحّج. فإن قيل: فهل يجوز إسناد «يعلو» إلى ضمير الحمار، ونصب «مسحّج» على الحال؟ قيل: ليس ذلك بممتنع، ولكنّ العرب كثيرا ما تدع هذا وتسند الفعل إلى صفة النكرة المحذوفة، كقوله: خود إذا قامت إلى خدرها ... قامت قطوف الخطو مكساله (٣) أى قامت امرأة قطوف الخطو، فأمّا قول الله تعالى: ﴿وَهذا كِتابٌ أَنْزَلْناهُ مُبارَكٌ﴾ (٤) فليس من هذا الفنّ، ولا يحسن نصب «مبارك» على الحال من الهاء فى «أنزلناه» لأن رفعه يوجب أن يكون مباركا قبل إنزاله، وفى وقت إنزاله، وبعد إنزاله، ونصبه يوجب أن يكون مباركا فى وقت إنزاله خاصّة.

стр. 381

وقوله: «بأحزّة الثّلبوت» الأحزّة: جمع حزيز، وهو الغليظ من الأرض، المستدقّ المنقاد، والثّلبوت: /ماء لبنى ذبيان، وقيل: هو واد فى أرض بنى عامر. وقوله: «يربأ فوقها» أى يكون كالرّبيئة، وهو طليعة القوم وحافظهم الذى ينظر لهم على مكان مرتفع، ويسمّى الدّيدبان. وقوله: «قفرا مراقب خوفها» المراقب: المواضع المشرفة، والقفر: الخالى، والتقدير: يربأ فوقها على مراقب قفر، فحذف «على» فعاقبها النّصب، وقدّم الصفة فانتصبت على الحال، ويروى: قفر المراقب (١)، بالنصب على ما قلناه من تقدير الجارّ. وقوله: «خوفها آرامها» الآرام: الأعلام، واحدها أرم وإرم، والتقدير: مواضع خوفها، فلما حذف المضاف أعرب المضاف إليه بإعرابه، أى مواضع خوف هذه المراقب أعلامها، وذلك لما يكمن خلف الأعلام من صائد (٢) وغيره. آخر المجلس. ...

стр. 382

المجلس السابع عشر وهو مجلس يوم السبت، ثالث عشر رجب، من سنة أربع وعشرين وخمس مائة، ومن القصيدة التى منها هذه الأبيات قوله (١): فغدت كلا الفرجين تحسب أنّه ... مولى المخافة خلفها وأمامها وهذا البيت من أبيات الكتاب (٢)، ذكره شاهدا على الاتّساع فى الظروف بإجرائها مجرى الأسماء. والمضمر فى «غدت» ضمير بقرة وحشيّة تقدّم ذكرها، ويروى «فعدت» من العدو، والفرج: موضع المخافة، ومثله الثّغر والثّغرة، والعورة، و «مولى المخافة» [معناه ولىّ المخافة (٣)] أى مكان يلى المخافة، وموضع «كلا» رفع بالابتداء، والجملة من تحسب وفاعله ومفعوله خبر المبتدأ، وعائد الجملة الهاء التى فى اسم «أنّ» وعاد إلى «كلا» ضمير مفرد، لأنه اسم مفرد، وإن أفاد معنى التثنية، وموضع المبتدأ مع الجملة التى هى خبره نصب بأنها خبر «غدت» لأن منهم من يجعل «غدا» فى الإعمال بمنزلة أصبح وأضحى، ومن جعلها تامّة كان موضع الجملة بعدها نصبا /على الحال، ومن رواها بالعين غير المعجمة، فالجملة حال لا غير.

стр. 383

وخلفها رفع على البدل من «كلا»، والتقدير: فغدت وخلفها وأمامها تحسب أنه يلى المخافة، وإن رفعته بتقدير: هو خلفها وأمامها فجائز. وبعض النحويّين (١) أبدله من «مولى المخافة» وذلك فاسد من طريق المعنى؛ لأن البدل يقدّر إيقاعه فى مكان المبدل منه، وإن منع من ذلك موجب اللفظ فى بعض الأماكن، فلو قلت: كلا الفرجين تحسب أنه خلفها وأمامها، لم تحصل بذلك فائدة، لأن الفرجين هما خلفها وأمامها، فليس فى إيقاع الحسبان على ذلك فائدة. ... وقال العبّاس بن مرداس السّلمىّ، يخاطب كليب بن عييمة السّلمىّ: أكليب مالك كلّ يوم ظالما ... والظّلم أنكد غبّه ملعون (٢) أتريد قومك ما أراد بوائل ... يوم القليب سميّك المطعون وأظنّ أنّك سوف ينفذ مثلها ... فى صفحتيك سنانى المسنون قد كان قومك يحسبونك سيّدا ... وأخال أنّك سيّد مغيون عييمة: منقول من محقّر العيمة، وهى شهوة اللّبن، أو محقّر العيمة، بكسر العين، وهى خيار المال، ومنه قولهم: اعتام الرجل: أى أخذ العيمة، قال طرفة (٣): أرى الموت يعتام الكرام ويصطفى ... عقيلة مال الفاحش المتشدّد وقوله: «ما لك» ما استفهامية، وموضعها رفع بالابتداء، «ولك» الخبر، والخبر

стр. 384

هو العامل فى الظرف والحال، وإن شئت نصبت الظرف بالحال، ومثله فى التنزيل: ﴿فَمالِ الَّذِينَ كَفَرُوا قِبَلَكَ مُهْطِعِينَ﴾ (١) إن شئت نصبت «قبلك» بالخبر، وإن شئت أعملت فيه «مهطعين» وكان حقّ المعنى أن لا يعمل فى الحال، لأن الحال عبارة عن ذى الحال، ولكن عمل فيها المعنى لشبهها (٢) بالظّرف، من حيث/ كان قولك: جاءنى زيد راكبا، معناه: جاء فى حال الركوب، ولذلك عطف عليها الظّرف فى قوله تعالى: ﴿وَإِنَّكُمْ لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُصْبِحِينَ* وَبِاللَّيْلِ﴾ (٣) وليس الشّبه الذى بينهما بمستحكم، لأنك لا تقدر أن تقول: جاء زيد فى راكب، كما تقول: جاء فى يوم السبت، وجلس فى مكانه (٤)، وإنما أدخلوا حرف الظرف على لفظ متأوّل، ولما لم يستحكم الشبه (٥) بين الظرف والحال امتنعوا من تقديم الحال على العامل المعنوىّ، وإن لم يمتنعوا من تقديم الظرف على المعنى العامل فيه، كقولهم: «كلّ (٦) يوم لك ثوب» فإن جاءت الحال بلفظ الظّرف جاز تقديمها على المعنى، كقوله تعالى: ﴿هُنالِكَ الْوَلايَةُ لِلّهِ الْحَقِّ﴾ (٧) هنالك ظرف فى موضع الحال، والعامل فيه قوله: «لله» وذو الحال المضمر المستكنّ فى «لله». وقوله: «والظّلم أنكد غبّه ملعون» النّكد: العسر وخروج الشىء إلى طالبه بشدّة، وغبّه: عاقبته، واللّعن: الطّرد والإبعاد، يقال للرجل المطرود: لعين.

стр. 385

وقوله: «أتريد قومك ما أراد بوائل» أراد: بقومك، فحذف الباء، فظهر النصب المعاقب لها، ومثله النصب فى قول الآخر: ومن قبل آمنّا وقد كان قومنا ... يصلّون للأوثان قبل محمّدا (١) نصب «محمدا» بآمنّا، والأصل: بمحمّد. وأراد بوائل بكرا وتغلب ابنى وائل بن قاسط بن هنب بن أفصى بن دعمىّ بن جديلة بن أسد بن ربيعة بن نزار بن معدّ بن عدنان. وقوله: «سميّك المطعون» أراد كليب بن ربيعة [بن مرّة (٢)] بن الحارث بن زهير ابن جشم بن حبيب (٣) بن تغلب بن وائل، طعنه جسّاس بن مرّة بن ذهل بن شيبان ابن ثعلبة، فقتله (٤)، وسأذكر قصّته بعد شرح هذه الأبيات بمشيئة الله. وقوله: «ينفذ مثلها» أى مثل الطّعنة التى طعنها جسّاس بن مرّة كليب بن/ ربيعة، وحسن إضمار الطعنة ولم يجر لها ذكر، لأنّ ذكر المطعون دلّ عليها، كما دلّ السفيه على السّفه فى قول القائل (٥): إذا نهى السّفيه جرى إليه أراد إلى السّفه، وقد شرحت هذا فيما قدّمته من الأمالى، وذكرت أنه لا بدّ من

стр. 386

دليل على ما يعود [الضمير (١)] عليه إذا لم يجر له ذكر، كقوله تعالى: ﴿وَتَرَى الظّالِمِينَ لَمّا رَأَوُا الْعَذابَ يَقُولُونَ هَلْ إِلى مَرَدٍّ مِنْ سَبِيلٍ﴾ -ثم قال: - ﴿وَتَراهُمْ يُعْرَضُونَ عَلَيْها﴾ (٢) فأضمر النار أو جهنّم، لأنّ ذكر العذاب دلّ عليها. وقوله: «وأخال أنك سيّد مغيون» أخال بفتح أوله، وهو الأصل، وإخال بالكسر فيه لغة الذين (٣) كسروا حرف المضارعة، مما جاء على مثال تفعل نحو تعجب وتعلم وتركب، لتدلّ كسرته على كسرة العين من عجب وعلم وركب، ونحو ذلك، يقولون: أنا أعجب وأنت تعلم ونحن نركب، واستثقلوا الكسرة على الياء فألزموها الفتح. ومغيون: مفعول من قولهم: غين على قلبه، أى غطّى عليه، وفى الحديث: «إنّه ليغان على قلبى (٤)» ولكنّ الناس ينشدونه بالباء، وهو تصحيف، وقد روى «معيون» بالعين غير المعجمة، أى مصاب بالعين، ومغيون هو الوجه، وكلاهما مما جاء فيه التصحيح، وإن كان الاعتلال (٥) فيه أكثر، كقولهم: طعام مزيوت، وبرّ مكيول، وثوب مخيوط، والقياس: معين، ومزيت، ومكيل، ومخيط، حملا على غين وزيت وكيل وخيط، قال أبو على: «ولو جاء التصحيح فيما كان من الواو لم ينكر، ألا تراهم قد قالوا: الغوور، فهو مثل مفعول (٦) من الواو، لو صحّ» انتهى كلامه.

стр. 387

وقد صحّحوا أحرفا من ذوات الواو، وقالوا: مسك مدووف، وثوب مصوون، وفرس مقوود. والغوور: مصدر غارت عينه تغور غوورا، وإنما صحّ اسم المفعول من هذا التركيب، فخالف بذلك اسم الفاعل، لأن اسم (١) المفعول غير جار على فعله، فى حركاته وسكونه، كما تجرى أسماء الفاعلين/على أفعالها، فلمّا خالف اسم المفعول فعله فيما ذكرناه خالفه فى إعلاله. وهذا ما وعدتك به من حديث كليب بن ربيعة، وذلك أن العرب كانت تضرب به المثل فى العزّ، فيقولون: «أعزّ (٢) من كليب وائل»، وكان سيّد ربيعة بن نزار فى دهره، وهو الذى كان ينزلهم فى منازلهم، لم يكونوا يظعنون من منزل، ولا ينزلون إلا بأمره، فبلغ من عزّه وبغيه أنه اتّخذ جرو كلب، فكان إذا نزل منزلا مكلئا قذف بذلك الجرو فيه فيعوى، فلا يقرب أحد ذلك الكلأ إلا بإذنه، أو أن يؤذن بحرب، وكذلك كان يفعل فى الماء (٣)، وفى أرض الصّيد، كان إذا ورد الماء قذف بالجرو عند الحوض، فلا يقرب أحد ذلك الماء حتى تصدر إبله، وكان يحمى الصيد، فيقول: صيد أرض كذا فى جوارى، فلا يهاج ذلك الصّيد، وكان لا يخوض معه أحد فى حديث، ولا يمرّ أحد بين يديه [وهو جالس (٤)] ولا يحتبى فى مجلسه غيره، فصار فى العزّ والبغى مثلا، وكان سبب قتله أن البسوس، وهى امرأة من غنىّ، وضربت العرب بها المثل فى الشّؤم، فقالوا: «أشأم (٥) من البسوس» كانت فى جوار جسّاس بن مرّة، فمرّت إبل لكليب تريد الماء، فاختلطت بها ناقة للبسوس

стр. 388

فوردت معها، فرآها كليب فأنكرها، فقال: لمن هذه الناقة؟ فقال الرّعاء: للبسوس جارة جسّاس، فرماها بسهم فانتظم ضرعها، فأقبلت الناقة تعجّ وضرعها يسيل دما ولبنا، فلما رأتها البسوس قذفت خمارها ثم صاحت: وا ذلّاه، وا جاراه، فأحمشت (١) جسّاسا، أى أغضبته، فركب فرسه وأخذ رمحه، وتبعه عمرو بن الحارث بن ذهل بن شيبان، على فرسه ومعه رمح، فركضا نحو الحمى والخباء، فلقيا رجلا فسألاه: من رمى الناقة؟ فقال: من حلّأكما عن برد الماء، وسامكما الخسف فأقررتما به، فزادهما ذلك حميّة وغضبا. /يقال: حلّأه عن الماء: إذا طرده عنه، وسام فلان فلانا الخسف: إذا أولاه الدّنيّة، وقيل: أراد ذلك منه. رجع الحديث: فأقبلا حتّى وقفا على كليب، فقال له جسّاس: يا أبا الماجد، أما علمت أنها ناقة جارتى؟ فقال كليب: وإن كانت ناقة جارتك، فمه؟ أتراك مانعى أن أذبّ عن حماى! فأحفظه ذلك-يقال: أحفظته إذا أغضبته-فحمل عليه فطعنه، وطعنه عمرو فقتلاه. وذلك قول مهلهل بن ربيعة أخى كليب: وكليب قتيل عمرو وجسّا ... س قد أودى فماله من تلاق (٢) وقال كليب لجسّاس، وهو يجود بنفسه: اسقنى ماء، فقال له جسّاس: «هيهات! تجاوزت الأحصّ وشبيثا (٣)»، فذهب قوله مثلا، والأحصّ وشبيث: ماءان (٤)، وفى ذلك هاجت حرب بكر وتغلب ابنى وائل أربعين عاما.

стр. 389

وقالت الشعراء فى بغي كليب، وضربوه مثلا، فمن ذلك قول عمرو بن الأهتم السّعديّ: فإنّ كليبا كان يظلم رهطه ... فأدركه مثل الذى تريان (١) فلمّا حساه السّمّ رمح ابن عمّه ... تذكّر غبّ الظّلم أىّ أوان وقول رجل من بنى عبس (٢): أتيت مأتى كليب فى عشيرته ... لو كان فى الحىّ خرق (٣) مثل جسّاس وقول معبد بن سعنة الضّبّىّ: أظنّ ضرار أنّنى سأطيعه ... وأنّى سأعطيه الذى كنت أمنع إذا اغرورقت عيناه واحمرّ وجهه ... وقد كاد غيظا جلده يتمزّع كفعل كليب ظنّ بالجهل أنه ... يحوّز أكلاء المياه ويمنع (٤) يتمزّع: يتقطّع، والمزعة: القطعة من اللّحم، وقد تكسر (٥) ميمها. وسعنة: منقول من قولهم: ما له (٦) سعنة ولا معنة: أى ما له شيء كثير ولا قليل، وممن قال فى ذلك النابغة الجعدىّ، واسمه قيس بن عبد الله بن عدس

стр. 390

ابن ربيعة بن جعدة بن كعب بن ربيعة بن عامر بن صعصعة [قال لعقال بن خويلد، أحد بنى كعب بن ربيعة بن عامر بن صعصعة (١)]: كليب لعمرى كان أكثر ناصرا ... وأيسر جرما منك ضرّج بالدّم رمى ضرع ناب فاستمرّ بطعنة ... كحاشية البرد اليمانى المسهّم فقال لجسّاس أغثنى بشربة ... من الماء فامننها علىّ وأنعم الناب: الناقة المسنّة، وشبّه الطّعنة بحاشية البرد، لحمرة الدم، والمسهّم: المخطّط الذى عليه أمثال السّهام. وقال بعض النّسّابين المتقدّمين (٢)، كلّ اسم فى العرب من تركيب (ع د س) فهو عدس، مفتوح الدال، إلا عدس بن زيد بن تميم، فإنه مضموم الدال. انتهى كلامه. وأقول: إن من فتح الدال منه عدله عن عادس، فلم يصرفه، فإن شئت اشتققت عادسا من العدس، وهو شدّة الوطء، يقال: عدسه يعدسه: إذا وطئه بشدّة، وإن شئت أخذته من قولهم: عدس فى الأرض: إذا ذهب فيها، وأنشدنى الشريف أبو المعمّر يحيى بن محمد، شيخنا رضى الله عنه، قال: أنشدنا أبو القاسم ابن برهان، لحاجب بن زرارة التّميمىّ: شربت الخمر حتى خلت أنّى ... أبو قابوس أو عبد المدان (٣) أمشّى فى بنى عدس بن زيد ... رخىّ البال معتقل اللّسان
следующие страницы →