دليل على ما يعود [الضمير (١)] عليه إذا لم يجر له ذكر، كقوله تعالى: ﴿وَتَرَى الظّالِمِينَ لَمّا رَأَوُا الْعَذابَ يَقُولُونَ هَلْ إِلى مَرَدٍّ مِنْ سَبِيلٍ﴾ -ثم قال: - ﴿وَتَراهُمْ يُعْرَضُونَ عَلَيْها﴾ (٢) فأضمر النار أو جهنّم، لأنّ ذكر العذاب دلّ عليها.
وقوله: «وأخال أنك سيّد مغيون» أخال بفتح أوله، وهو الأصل، وإخال بالكسر فيه لغة الذين (٣) كسروا حرف المضارعة، مما جاء على مثال تفعل نحو تعجب وتعلم وتركب، لتدلّ كسرته على كسرة العين من عجب وعلم وركب، ونحو ذلك، يقولون: أنا أعجب وأنت تعلم ونحن نركب، واستثقلوا الكسرة على الياء فألزموها الفتح.
ومغيون: مفعول من قولهم: غين على قلبه، أى غطّى عليه، وفى الحديث:
«إنّه ليغان على قلبى (٤)» ولكنّ الناس ينشدونه بالباء، وهو تصحيف، وقد روى «معيون» بالعين غير المعجمة، أى مصاب بالعين، ومغيون هو الوجه، وكلاهما مما جاء فيه التصحيح، وإن كان الاعتلال (٥) فيه أكثر، كقولهم: طعام مزيوت، وبرّ مكيول، وثوب مخيوط، والقياس: معين، ومزيت، ومكيل، ومخيط، حملا على غين وزيت وكيل وخيط، قال أبو على: «ولو جاء التصحيح فيما كان من الواو لم ينكر، ألا تراهم قد قالوا: الغوور، فهو مثل مفعول (٦) من الواو، لو صحّ» انتهى كلامه.
стр. 387
وقد صحّحوا أحرفا من ذوات الواو، وقالوا: مسك مدووف، وثوب مصوون، وفرس مقوود.
والغوور: مصدر غارت عينه تغور غوورا، وإنما صحّ اسم المفعول من هذا التركيب، فخالف بذلك اسم الفاعل، لأن اسم (١) المفعول غير جار على فعله، فى حركاته وسكونه، كما تجرى أسماء الفاعلين/على أفعالها، فلمّا خالف اسم المفعول فعله فيما ذكرناه خالفه فى إعلاله.
وهذا ما وعدتك به من حديث كليب بن ربيعة، وذلك أن العرب كانت تضرب به المثل فى العزّ، فيقولون: «أعزّ (٢) من كليب وائل»، وكان سيّد ربيعة بن نزار فى دهره، وهو الذى كان ينزلهم فى منازلهم، لم يكونوا يظعنون من منزل، ولا ينزلون إلا بأمره، فبلغ من عزّه وبغيه أنه اتّخذ جرو كلب، فكان إذا نزل منزلا مكلئا قذف بذلك الجرو فيه فيعوى، فلا يقرب أحد ذلك الكلأ إلا بإذنه، أو أن يؤذن بحرب، وكذلك كان يفعل فى الماء (٣)، وفى أرض الصّيد، كان إذا ورد الماء قذف بالجرو عند الحوض، فلا يقرب أحد ذلك الماء حتى تصدر إبله، وكان يحمى الصيد، فيقول: صيد أرض كذا فى جوارى، فلا يهاج ذلك الصّيد، وكان لا يخوض معه أحد فى حديث، ولا يمرّ أحد بين يديه [وهو جالس (٤)] ولا يحتبى فى مجلسه غيره، فصار فى العزّ والبغى مثلا، وكان سبب قتله أن البسوس، وهى امرأة من غنىّ، وضربت العرب بها المثل فى الشّؤم، فقالوا: «أشأم (٥) من البسوس» كانت فى جوار جسّاس بن مرّة، فمرّت إبل لكليب تريد الماء، فاختلطت بها ناقة للبسوس
стр. 388
فوردت معها، فرآها كليب فأنكرها، فقال: لمن هذه الناقة؟ فقال الرّعاء:
للبسوس جارة جسّاس، فرماها بسهم فانتظم ضرعها، فأقبلت الناقة تعجّ وضرعها يسيل دما ولبنا، فلما رأتها البسوس قذفت خمارها ثم صاحت: وا ذلّاه، وا جاراه، فأحمشت (١) جسّاسا، أى أغضبته، فركب فرسه وأخذ رمحه، وتبعه عمرو بن الحارث بن ذهل بن شيبان، على فرسه ومعه رمح، فركضا نحو الحمى والخباء، فلقيا رجلا فسألاه: من رمى الناقة؟ فقال: من حلّأكما عن برد الماء، وسامكما الخسف فأقررتما به، فزادهما ذلك حميّة وغضبا.
/يقال: حلّأه عن الماء: إذا طرده عنه، وسام فلان فلانا الخسف: إذا أولاه الدّنيّة، وقيل: أراد ذلك منه.
رجع الحديث: فأقبلا حتّى وقفا على كليب، فقال له جسّاس: يا أبا الماجد، أما علمت أنها ناقة جارتى؟ فقال كليب: وإن كانت ناقة جارتك، فمه؟ أتراك مانعى أن أذبّ عن حماى! فأحفظه ذلك-يقال: أحفظته إذا أغضبته-فحمل عليه فطعنه، وطعنه عمرو فقتلاه. وذلك قول مهلهل بن ربيعة أخى كليب:
وكليب قتيل عمرو وجسّا ... س قد أودى فماله من تلاق (٢)
وقال كليب لجسّاس، وهو يجود بنفسه: اسقنى ماء، فقال له جسّاس:
«هيهات! تجاوزت الأحصّ وشبيثا (٣)»، فذهب قوله مثلا، والأحصّ وشبيث:
ماءان (٤)، وفى ذلك هاجت حرب بكر وتغلب ابنى وائل أربعين عاما.
стр. 389
وقالت الشعراء فى بغي كليب، وضربوه مثلا، فمن ذلك قول عمرو بن الأهتم السّعديّ:
فإنّ كليبا كان يظلم رهطه ... فأدركه مثل الذى تريان (١)
فلمّا حساه السّمّ رمح ابن عمّه ... تذكّر غبّ الظّلم أىّ أوان
وقول رجل من بنى عبس (٢):
أتيت مأتى كليب فى عشيرته ... لو كان فى الحىّ خرق (٣) مثل جسّاس
وقول معبد بن سعنة الضّبّىّ:
أظنّ ضرار أنّنى سأطيعه ... وأنّى سأعطيه الذى كنت أمنع
إذا اغرورقت عيناه واحمرّ وجهه ... وقد كاد غيظا جلده يتمزّع
كفعل كليب ظنّ بالجهل أنه ... يحوّز أكلاء المياه ويمنع (٤)
يتمزّع: يتقطّع، والمزعة: القطعة من اللّحم، وقد تكسر (٥) ميمها.
وسعنة: منقول من قولهم: ما له (٦) سعنة ولا معنة: أى ما له شيء كثير ولا قليل، وممن قال فى ذلك النابغة الجعدىّ، واسمه قيس بن عبد الله بن عدس
стр. 390
ابن ربيعة بن جعدة بن كعب بن ربيعة بن عامر بن صعصعة [قال لعقال بن خويلد، أحد بنى كعب بن ربيعة بن عامر بن صعصعة (١)]:
كليب لعمرى كان أكثر ناصرا ... وأيسر جرما منك ضرّج بالدّم
رمى ضرع ناب فاستمرّ بطعنة ... كحاشية البرد اليمانى المسهّم
فقال لجسّاس أغثنى بشربة ... من الماء فامننها علىّ وأنعم
الناب: الناقة المسنّة، وشبّه الطّعنة بحاشية البرد، لحمرة الدم، والمسهّم:
المخطّط الذى عليه أمثال السّهام.
وقال بعض النّسّابين المتقدّمين (٢)، كلّ اسم فى العرب من تركيب (ع د س) فهو عدس، مفتوح الدال، إلا عدس بن زيد بن تميم، فإنه مضموم الدال. انتهى كلامه.
وأقول: إن من فتح الدال منه عدله عن عادس، فلم يصرفه، فإن شئت اشتققت عادسا من العدس، وهو شدّة الوطء، يقال: عدسه يعدسه: إذا وطئه بشدّة، وإن شئت أخذته من قولهم: عدس فى الأرض: إذا ذهب فيها، وأنشدنى الشريف أبو المعمّر يحيى بن محمد، شيخنا رضى الله عنه، قال: أنشدنا أبو القاسم ابن برهان، لحاجب بن زرارة التّميمىّ:
شربت الخمر حتى خلت أنّى ... أبو قابوس أو عبد المدان (٣)
أمشّى فى بنى عدس بن زيد ... رخىّ البال معتقل اللّسان
стр. 391
فضم الشريف الدال وكسر السين، وكان ابن برهان له فى علم النّسب قدم راسخة، وذكر أبو بكر بن دريد فى كتاب الاشتقاق (١) أنه عدس بن زيد، مفتوح الدال.
وأبو قابوس: أراد به النّعمان بن المنذر، وعبد المدان من بنى الحارث بن كعب، كان من أكابر ساداتهم، وقال شريك بن الأعور الحارثىّ، وقد حرّكه معاوية/بكلام أغضبه، وكان من ولد عبد المدان:
أيشتمنى معاوية بن حرب ... وسيفى صارم ومعى لسانى (٢)
وحولى من ذوى يمن ليوث ... ضراغمة تهشّ إلى الطّعان
فلا تبسط لسانك يا ابن حرب ... فإنك قد بلغت مدى الأمانى
فإن تك من أميّة فى ذراها ... فإنى فى ذرى عبد المدان
وإن تك للشّقاء لنا أميرا ... فإنّا لا نقيم على الهوان
فترضّاه معاوية.
وقابوس غير مصروف، لأنه أعجميّ، وأصله كاووس (٣).
...
стр. 392
المجلس الثامن عشر
وهو مجلس يوم السبت، العشرين من رجب، من سنة أربع وعشرين وخمس مائة. وأبيات (١) الجعدىّ من قصيدة أولها:
أيا دار سلمى بالحزون ألا اسلمى ... نحيّيك عن شحط (٢) وإن لم تكلّمى
عفت بعد حىّ من سليم وعامر ... تفانوا ودقّوا بينهم عطر منشم (٣)
ومسكنها بين الفرات إلى اللّوى ... إلى شعب ترعى بهنّ فعيهم
أقامت به البردين ثم تذكّرت ... منازلها بين الجواء فجرثم
ليالى تصطاد الرّجال بفاحم ... وأبيض كالإغريض لم يتثلّم
خاطب الدار بقوله: أيا دار سلمى، وبقوله: اسلمى وما بعده، ثم انصرف عن خطابها إلى إضمار الغيبة فى قوله: عفت، والعرب كثيرا ما تنصرف عن الغيبة إلى الخطاب، وعن الخطاب إلى الغيبة، وهذا الفنّ من التصرّف متّسع فى القرآن وفى الشّعر، قال أبو كبير الهذلىّ (٤):
стр. 393
يا لهف نفسى كان جدّة خالد ... وبياض وجهك للتّراب الأعفر
فخاطب بعد الغيبة، ونقيض ذلك فى قول كثيّر:
/أسيئي بنا أو أحسنى لا ملومة ... لدينا ولا مقليّة إن تقلّت (١)
أراد: لا أنت ملومة ولا مقليّة، أى مبغضة إن تبغّضت و [مثله (٢)] فى التنزيل: ﴿ما وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَما قَلى﴾ (٣) ونظيره فى التنزيل: ﴿حَتّى إِذا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ﴾ (٤) ومثله: ﴿وَما آتَيْتُمْ مِنْ زَكاةٍ تُرِيدُونَ وَجْهَ اللهِ فَأُولئِكَ هُمُ الْمُضْعِفُونَ﴾ (٥) وقال جل ثناؤه: ﴿اُدْخُلُوا الْجَنَّةَ أَنْتُمْ وَأَزْواجُكُمْ تُحْبَرُونَ﴾ (٦) ثم قال: ﴿يُطافُ عَلَيْهِمْ بِصِحافٍ مِنْ ذَهَبٍ وَأَكْوابٍ وَفِيها ما تَشْتَهِيهِ الْأَنْفُسُ وَتَلَذُّ الْأَعْيُنُ﴾ (٧) ثم قال: ﴿وَأَنْتُمْ فِيها خالِدُونَ﴾.
والخروج من الغيبة إلى الخطاب جاء فى قوله تعالى: ﴿الْحَمْدُ لِلّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ﴾ (٨) وتعقيبه بقوله: ﴿إِيّاكَ نَعْبُدُ وَإِيّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ (٩).
стр. 394
وقوله: «ومسكنها» ترك إضمار الدار إلى إضمار سلمى، وقوله: «إلى شعب» الشّعب (١): جمع شعبة، وهو مسيل من ارتفاع إلى بطن الوادى، أصغر من التّلعة.
وقوله: «أقامت به البردين» أضمر المسكن بعد إضمار الشّعب، وأراد بالبردين طرفى الشّتاء، والبردان أيضا: الغداة والعشىّ.
وقوله: «وأبيض كالإغريض» شبّه ثغرها بالإغريض، وهو الطّلع. وسليم وعامر اللذان ذكرهما: سليم بن منصور بن عكرمة بن خصفة بن قيس بن (٢) عيلان، وعامر ابن صعصعة بن معاوية بن بكر بن هوازن بن منصور بن عكرمة بن خصفة بن قيس عيلان.
وقوله: ودقّوا بينهم عطر منشم: أراد امرأة من خزاعة يقال لها: منشم (٣) بنت الوجيه، كانت تبيع العطر فى الجاهليّة، فلما وقعت الحرب بين جرهم وخزاعة كانت إذا حضر القتال تجيء بالطّيب مدقوقا فى الأوعية فتطيّب به فتيان خزاعة، فكان من مسّ من ذلك الطّيب شيئا لم يرجع من يومه حتى يبلى، فإمّا أن يحمل جريحا، أو يقتل، فضربت العرب المثل بعطرها فى الشّؤم، قال زهير للحارث بن عوف، وهرم بن سنان المرّيّين:
تداركتما عبسا وذبيان بعد ما ... تفانوا ودقّوا بينهم عطر منشم (٤)
стр. 395
هذا قول نصر بن شاهد الخزاعىّ، وزعم إسحاق بن زكريا اليربوعىّ أن منشم امرأة من بنى غدانة، وهى صاحبة يسار الكواعب.
ومن حديثها (١) أنّ يسار الكواعب كان عبدا أسود دميما قبيحا، وقيل له:
يسار الكواعب، لأن النّساء [الكواعب (٢)] كنّ إذا رأينه ضحكن من قبحه، وكان يظنّ أنهنّ إنما يضحكن من عجبهنّ به، حتى نظرت إليه امرأة مولاه، وهى منشم، فضحكت فظنّ أنها خضعت إليه، فقال لصاحب له أسود، كان يكون معه فى الإبل: قد والله عشقتنى مولاتى، فلأزورنّها الليلة، ولم يكن يفارق الإبل، فقال له صاحبه: يا يسار، اشرب لبن العشار، وكلّ لحم الحوار، وإيّاك وبنات الأحرار، فقال له: يا صاحب، أنا يسار الكواعب، والله ما رأتنى حرّة قطّ إلاّ عشقتنى، فلما أمسى قال لصاحبه: احفظ علىّ الإبل حتى أنصرف إليك، فنهاه صاحبه فلم ينته، حتى دخل على امرأة مولاه، يريدها عن نفسها، فقالت له: مكانك فإنّ للحرائر طيبا فأشمّك إيّاه، فقال لها: فهاتيه، فأتته بطيب وبموسى خذمة (٣)، أى قاطعة، فأشمّته الطّيب، ثم أنحت بالموسى على أنفه فاستوعبته قطعا، فخرج هاربا حتى أتى صاحبه ودمه يسيل، فقال له: لا يبعد الله غيرك، وضربت به العرب المثل فى الشّرّ، وبطيب منشم، قال الفرزدق لجرير:
فهل أنت إن ماتت أتانك راحل ... إلى آل بسطام بن قيس فخاطب (٤)
стр. 396
وإنى لأخشى إن رحلت إليهم ... عليك الذى لاقى يسار الكواعب
رفع قافية وجرّ أخرى، وهذا يسمّى الإقواء، من قولهم: أقوى الحابل: /إذا جاء بقوّة من قوّى الحبل تخالف سائر قواه (١).
وقيل: منشم: امرأة كانت بالبحرين، دقّت عطرا لقوم فتحالفوا عليه وغمسوا أيديهم فيه، ثم وقع بينهم شرّ بعد ذلك، فتشاءموا بذلك العطر.
وقيل: منشم: امرأة كان لها خلم، يعنى صديقا، فشمّ زوجها من رأس خلمها رائحة دهنه وعطره، وقد كان اتّهمه بها، فحقّق عند ذلك ما وقع فى ظنّه، فقتله، فوثب قومه على زوجها فقتلوه، فوقعت بين قوميهما الحرب حتى تفانوا، فضربت العرب بها المثل فى الشّؤم.
стр. 397
ويقال: إنّ منشم امرأة من جرهم، كانت تبيع العطر، فكانوا إذا أرادوا أن يحتربوا تطيّبوا من عطرها عند القتال.
وقال أبو عمرو الشّيبانىّ: هى امرأة من خزاعة، كانت تبيع العطر، فإذا حاربوا اشتروا منها كافورا لقتلاهم، فتشاءموا بها، وكانت تسكن مكّة.
بيت للمتنبىّ:
حشاى على جمر ذكىّ من الهوى ... وعيناى فى روض من الحسن ترتع (١)
الحشا: ما بين الضّلع التى فى آخر الجنب إلى الورك، والجمع أحشاء، وذكت النار تذكو: اتّقدت وارتفع لهبها. والرّوضة: موضع يتّسع ويجتمع فيه الماء فيكثر نبته، ولا يقال لموضع الشجر: روضة. والرّتوع فى الأصل للماشية: وهو ذهابها ومجيئها فى الرّعى، وكثر ذلك حتى استعمل للآدميّين، وفى التنزيل: «نرتع ونلعب» (٢) ومن قرأ «نرتع» بكسر العين، فهو نفتعل (٣) من الرّعى، وأصل رتع: أكل ما شاء، ومنه قول سويد بن أبى كاهل:
ويحيّينى إذا لاقيته ... وإذا يخلو له لحمى رتع (٤)
وإنما قال: عيناى، فثنّى ثم قال: ترتع، فأخبر عن الاثنتين بفعل (٥) واحدة، لأنّ /العضوين المشتركين فى فعل واحد، مع اتفاقهما فى التسمية، يجرى عليهما
стр. 398
ما يجرى على أحدهما (١)، ألا ترى أن كلّ واحدة من العينين لا تكاد تنفرد بالرؤية دون الأخرى، فاشتراكهما فى النظر كاشتراك الأذنين فى السّمع، والقدمين فى السّعى، ويجوز أن يعبّر عنهما بواحدة، يقال: رأيته بعينى، وسمعته بأذنى، وما سعت فى ذاك قدمى، كما قال:
خدلّج السّاقين خفّاق القدم (٢)
فإن قلت: بعينىّ وبأذنىّ وقدمىّ، فثنّيت فهو حقّ الكلام، والأول أخفّ وأكثر استعمالا.
ولك فى هذا الباب (٣) أربعة أوجه من الاستعمال، أحدها: أن تستعمل الحقيقة فى الخبر والمخبر عنه، وذلك قولك: عيناى رأتاه، وأذناى سمعتاه، وقدماى سعتا فيه، والثانى: أن تعبّر عن العضوين بواحد، وتفرد الخبر حملا على اللفظ، تقول: عينى رأته، وأذنى سمعته، وقدمى سعت فيه، وإنما استعملوا الإفراد فى هذا تخفيفا، وللعلم بما يريدون، فاللفظ على الإفراد، والمعنى على التثنية.
فلو قيل على هذا: «وعينى فى روض من الحسن ترتع» كان جيّدا.
والثالث: أن تثنّى العضو، وتفرد الخبر، لأن حكم العينين أو الأذنين أو القدمين حكم واحدة، لاشتراكهما فى الفعل، فتقول: أذناى سمعته، وعيناى رأته، وقدماى سعت فيه، كما قال: وعيناى فى روض من الحسن ترتع، ومنه قول سلمىّ ابن ربيعة السّيدىّ:
стр. 399
فكأنّ فى العينين حبّ قرنفل ... أو سنبلا كحلت به فانهلّت (١)
ومثله قول امرئ القيس (٢):
لمن زحلوفة زلّ ... بها العينان تنهلّ
وللفرزدق (٣):
/ولو بخلت يداى بها وضنّت ... لكان علىّ للقدر الخيار
والرابع: أن تعبّر عن العضوين بواحد، وتثنّى الخبر، حملا على المعنى، كقولك: أذني سمعتاه، وعينى رأتاه، وهذا قليل، ومنه قول امرئ القيس (٤):
وعين لها حدرة بدرة ... شقّت مآقيهما من أخر
وقول الآخر:
إذا ذكرت عينى الزمان الذى مضى ... بصحراء فلج ظلّتا تكفان (٥)
فأمّا ما أنشده ابن السّكّيت (٦) من قول الراجز:
والساق منّى باردات (٧) ... الرّير
стр. 400
فكان الوجه أن يقول: باردة، حملا على لفظ الساق، أو باردتان؛ لأن المراد بالساق الساقان، ولكنه جمع فى موضع التثنية لقرب الجمع من التثنية، ويشبه ذلك قولك (١): ضربت رءوسهما، ويمكن أن تكون الألف فى باردات إشباعا كقول القائل (٢):
وأنت من الغوائل حين ترمى ... ومن ذمّ الرجال بمنتزاح
أراد: بمنتزح، فأشبع الفتحة فنشأت عنها الألف.
ويقال: مخّ رار ورير، للرّقيق منه.
وقوله: «من الهوى» مفسّر للجمر، وكذلك قوله: «من الحسن» مفسّر للرّوض، فمن متعلّقة بمحذوف، وصف للمفسّر.
وقال: «حشاى» والمراد ما جاور الحشا، وهو القلب، والعرب تعبّر عن الشىء بمجاوره، فالمعنى: قلبى على جمر من الهوى شديد التوقّد لفراقهم، وعينى ترتع (٣) من وجه الحبيب فى روض من الحسن، واستعار الرّتوع للعين، لتصويب النظر وتصعيده فى محاسن المنظور إليه، واستعار لحسنه روضا، تشبيها لعينيه بالنّرجس، ولخدّيه بالشّقيق، ولثغره بالأقحوان، ومعنى البيت ناظر إلى قول أبى تمام (٤):
стр. 401
/أفى الحقّ أن يمسى بقلبى مأتم ... من الشّوق والبلوى وعيناى فى عرس
وأنشدت للرّضىّ (١):
فالقلب فى مأتم والعين فى عرس
واستعمال المأتم لجماعة النساء فى المناحة خاصّة مما لم ترده العرب، ولكنه عندهم لجماعة، فى المناحة وغيرها، قال أبو حيّة (٢):
رمته أناة (٣) ... من ربيعة عامر
نؤوم الضّحى فى مأتم أىّ مأتم
وقول امرئ القيس فيما ذكرته شاهدا:
وعين لها حدرة بدرة ... شقّت مآقيهما من أخر
وصف به عين فرس، ومعنى حدرة: مكتنزة ضخمة، وبدرة: تبدر النظر (٤)، وشقّت مآقيهما من أخر: أى اتّسعت من آخرها.
والبيت من ثالث البحر المسمّى المتقارب، عروضه (٥) سالمة وضربه محذوف، ووزنه
стр. 402
فعل، وقد استعمل فيه الخرم الذى يسمّى الثّلم (١)، فى أول النصف الثانى، وقلّ ما يوجد الخرم إلاّ فى أوّل البيت (٢).
وقوله: لمن زحلوفة: الزّحلوفة: الزّلاّقة التى يترجّح فيها الصّبيان فيزلقون، ويروى «زحلوقة» بالقاف. آخر المجلس.
...
стр. 403
المجلس التاسع عشر
وهو مجلس يوم السبت، سابع وعشرين (١) رجب سنة أربع وعشرين وخمسمائة.
قال أعشى تغلب، واسمه ربيعة بن نجوان، وقال أبو جعفر محمد بن حبيب: هو نعمان بن نجوان (٢)، وكان نصرانيّا من بنى معاوية بن جشم بن بكر بن حبيب بن عمرو بن غنم بن تغلب:
كأنّ بنى مروان بعد وليدهم ... جلاميد ما تندى وإن بلّها القطر (٣)
وكانوا أناسا ينفحون فأصبحوا ... وأكثر ما يعطونك النّظر الشّزر
/أننسى (٤) ... إذا ما لم تنبكم كريهة
وندعى إذا ما هزهز الأسل الحمر
ألم يك غدرا ما فعلتم بشمعل ... وقد خاب من كانت سريرته الغدر
وكائن دفعنا عنكم من عظيمة ... ولكن أبيتم لا وفاء ولا شكر
ونحن قتلنا مصعبا قد علمتم ... بمسكن يوم الحرب أنيابها خضر
стр. 404
فما ربّ ذاك الفضل كاسر عينه ... هشام ولا عبد العزيز ولا بشر
فإن تكفروا ما قد علمتم فربّما ... أتيح لكم قسرا بأسيافنا النّصر
قوله: «بعد وليدهم» أراد الوليد بن عبد الملك، لا الوليد بن يزيد بن عبد الملك.
وقوله: «وكانوا أناسا ينفحون» وزن أناس: فعال، وناس منقوص منه، عند أكثر النحويين، فوزنه عال، والنقص والإتمام فيه متساويان فى كثرة الاستعمال ما دام منكورا، فإذا دخلت عليه الألف واللام التزموا فيه الحذف، فقالوا: الناس، ولا يكادون يقولون: الأناس إلا فى الشّعر، كقوله (١):
إنّ المنايا يطّلعن على الأناس الآمنينا
وحجّة هذا المذهب وقوع الإنس على الناس، فاشتقاقه من الأنس: نقيض الوحشة، لأن بعضهم يأنس ببعض.
وذهب الكسائىّ إلى أن الناس لغة مفردة، وهو اسم تامّ، وألفه منقلبة عن واو، واستدلّ بقول العرب فى تحقيره: نويس، قال: ولو كان منقوصا من أناس، لردّه التحقير إلى أصله فقيل: أنيس.
وقال بعض من وافق الكسائىّ فى هذا القول: إنه مأخوذ من النّوس، مصدر ناس ينوس: إذا تحرّك، ومنه قيل لملك من ملوك حمير (٢): ذو نواس، لضفيرتين
стр. 405
كانتا تنوسان على عاتقه، قال الفراء (١): والمذهب الأول أشبه، وهو مذهب المشيخة.
وقال أبو علىّ: أصل الناس: الأناس، فحذفت الهمزة التى هى فاء، ويدلّك على/ذلك الإنس والأناسىّ، فأما قولهم فى تحقيره: نويس، فإنّ الألف لمّا صارت ثانية وهى زائدة، أشبهت ألف فاعل، يعنى أنها أشبهت بكونها ثانية وهى زائدة، ألف ضارب، فقيل: نويس، كما قيل: ضويرب.
وقال سلمة بن عاصم، وكان من أصحاب الفرّاء: الأشبه فى القياس أن يكون كلّ واحد منهما أصلا بنفسه، فأناس من الأنس، وناس من النّوس، لقولهم (٢) فى تحقيره: نويس، كبويب فى تحقير باب.
ومعنى ينفحون: يعطون المال، يقال: نفحه بالمال: إذا أعطاه، ولفلان نفحات من المعروف: أى عطايا.
والنّظر الشّزر: نظر الغضبان بمؤخر عينه.
وقوله: «أننسى» يحتمل أن يكون من النسيان، الذى هو نقيض الذّكر، بضمّ الذال، من قولهم: اجعله منك على ذكر: أى لا تنسه، ويحتمل أن يكون من النسيان الذى هو التّرك، من قوله تعالى: ﴿نَسُوا اللهَ فَنَسِيَهُمْ﴾ (٣) أى تركوا الله فتركهم.
وقوله: «ما لم تنبكم كريهة» يقال: نابه أمر: أى نزل به، والكريهة: الشّدّة فى الحرب.
стр. 406
وقوله: «هزهز الأسل» الأسل: القنا، والهزهزة: الهزّ.
وقوله: «ألم يك غدرا ما فعلتم بشمعل» شمعل: ترخيم شمعلة، وهو منقول من قولهم: ناقة شمعلة: أى سريعة، ومنه اشمعلّ فى أمره: إذا جدّ فيه ومضى، قال الشّماخ (١):
ربّ ابن عمّ لسليمى مشمعلّ
وهو شمعلة بن فائد بن هلال التّغلبيّ، وكان عظيم القدر فى البادية، ذا جمال وفضل، وكان نصرانيّا، فطالبه هشام بن عبد الملك بأن يسلم، لما رأى من فضله وجماله، فأبى، فقال له هشام: لئن لم تفعل لأطعمنّك لحمك، وقال: حزّوا من فخذه حزّة خفيفة ولا تزيدوا على ذلك، ففعلوا، فقال: لو قطّعت لما أسلمت على هذا الوجه، فلما خلّى عنه قال أعداؤه: أطعمه هشام لحمه، فقال (٢):
أمن حزّة فى الفخذ منّى تباشرت ... عداتى فلا نقص علىّ ولا وتر
وإنّ أمير المؤمنين وفعله ... لكالدّهر لا عار بما فعل الدّهر
ورخّم «شمعلة» فى غير النداء ضرورة، وأعربه، لأنه رخّمه على لغة من قال:
يا حار، ولو رخّمه على اللغة الأخرى أقرّ فتحة اللام، واتّفق النحاة على جواز الترخيم فى غير النداء، على لغة الذين قالوا: يا حار، بالضم، لأن أصحاب هذه اللغة يجعلون الاسم بمنزلة ما لم يحذف منه شيء، فهم لا يريدون المحذوف، واختلفوا فى
стр. 407
الترخيم على اللغة الأخرى، فأجازه سيبويه، وأنشد فيه أبياتا، منها قول زهير (١):
خذوا حظّكم يا آل عكرم واذكروا ... أواصرنا والرّحم (٢) بالغيب تذكر
أراد عكرمة، فحذف التاء، وبقيت فتحة الميم دالّة عليها.
ومنها قول ابن حبناء (٣):
إنّ ابن حارث إن أشتق لرؤيته ... أو أمتدحه فإنّ الناس قد علموا
أراد حارثة، وقول حسّان بن ثابت (٤):
أتانى عن أمىّ نثا حديث ... وما هو فى المغيب بذى حفاظ
وقول جرير (٥):
стр. 408
ألا أضحت حبالكم رماما ... وأضحت منك شاسعة أماما
حذف تاء التأنيث من أمامة، وهى مرفوعة بأضحت، وبقّى فتحة الميم، وجاء بعدها بألف الإطلاق، ومثل هذا فيما أنشده قول ابن أحمر (١):
أبو حنش يؤرّقنا وطلق ... وعمّار وآونة أثالا
أراد أثالة، وأنشد قبله (٢) ليعلم أن القوافى منصوبة:
/أرى ذا شيبة حمّال ثقل ... وأبيض مثل صدر الرّمح نالا (٣)
يقال: رجل نال: إذا كثر (٤) نائله، كقولهم: رجل مال: إذا كان كثير المال، والأصل نول ومول، بوزن وتد، لأنّ مثال فعل من أمثلة المبالغة فى الوصف، ومنه فى التنزيل: ﴿بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ﴾ (٥) ومثل نال ومال: كبش صاف: كثير الصّوف، ويوم راح: شديد الرّيح، ومن الياء: يوم طان: كثير الطّين.
ومثل ترخيم شمعلة ترخيم حنظلة فى قول القائل (٦):
стр. 409
ألا ما لهذا الدّهر من متعلّل ... عن الناس مهما شاء بالناس يفعل
وهذا ردائى عنده يستعيره ... ليسلبنى عزّى أمال بن حنظل
فأما ترخيم حنظلة فى قول الراجز (١):
وقد وسّطت مالكا وحنظلا ... صيّابها والعدد المجلجلا
فتحتمل الفتحة أن تكون فتحة البناء التى فى حنظلة، على لغة من قال: يا حار بالكسر، وتحتمل أن تكون نصبا على اللغة الأخرى بالعطف على مالك، والألف فى القول الأول للإطلاق، وفى القول الثانى بدل من التنوين.
ومثله قول الآخر (٢):
أرقّ لأرحام أراها قريبة ... لحار بن كعب لالجرم وراسب
تحتمل الكسرة أن تكون التى للبناء فى حارث، على لغة الذين أبقوا ما قبل المحذوف على ما كان عليه، ويحتمل أن يكون جرّا على اللغة الأخرى، وأراد لحار، فحذف التنوين، كما تحذفه فى قولك: لزيد بن بكر.
وأبى أبو العباس محمد بن يزيد أن يكون ترخيم الضرورة، إلا على لغة من قال:
يا حار، بالضم، وخرّج بعض الأبيات التى أنشدها سيبويه على ما يسوغ فى مذهبه الذى عوّل عليه، وروى بعض تلك الأبيات على غير رواية صاحب الكتاب، فروى عجز بيت جرير:
/وما عهد كعهدك يا أماما (٣)
.
стр. 410
وقال فى قول زهير: «يا آل عكرم» إنه ترخيم عكرمة، على لغة من قال: يا حار بالضم، وكان حقّه أن يقول: يا آل عكرم، بالجر، ولكنه جعل عكرم قبيلة، فلم يصرف لاجتماع التعريف والتأنيث.
قال السّيرافىّ: وعكرمة هذا: عكرمة بن خصفة بن قيس (١) عيلان بن مضر، وهو أبو القبائل.
وقال أبو العباس فى قول ابن حبناء: «إنّ ابن حارث» كما قال فى «يا آل عكرم» وقال فى قول ابن أحمر:
أبو حنش يؤرّقنا وطلق ... وعمّار وآونة أثالا
إن أثالا ترخيم أثالة، على لغة من قال: يا حار، بالضم، وانتصابه بالعطف على الضمير المنصوب فى «يؤرّقنا».
وهؤلاء المسمّون فى البيت من عشيرة ابن أحمر، كانوا هلكوا قتلا أو موتا، فرثاهم، فقوله «أثالا» على مذهب سيبويه ممن كان قتل أو مات يومئذ، لأنه معطوف على الأسماء المرفوعة، وفتحة اللام هى فتحتها التى فى أثالة، وهو (٢) فى قول أبى العباس ممّن كان يومئذ حيّا، لأن التأريق واقع عليه، وفتحة اللام على مذهبه إعراب.
قال السّيرافىّ (٣): والذى عندى أنه وقع وهم فى أن الرجل أثالة، وإنما هو أثال، ولا نعلم فى أسماء العرب ولا فى أسماء المواضع أثالة، وقد عرف من كلامهم فى
стр. 411
أسماء الناس وغيرهم أثال، ووافق سيبويه فى أنه داخل فى جملة الهالكين يومئذ، وجعل انتصابه بإضمار فعل دلّ عليه «يؤرّقنا» فكأنه قال: ونتذكّر آونة أثالا، وآونة: جمع أوان.
ومن الاحتجاج لأبى العباس فى هذه المسألة أن من يقول: يا حار، يريد المحذوف، وإذا (١) أراد/المحذوف كان منادى مستوجبا إعراب النداء، وإذا استوجب إعراب النداء لم يصحّ أن يرخّم فى غير النداء، لاختلاف الإعراب والحكم فى البابين، باب النداء، وباب الخبر، وهذا لا يلزم سيبويه، لأن الترخيم فى اللغتين أصله فى باب النداء دون غيره، وإن اختلف الحكم فيهما، وإذا ثبت جوازه فى أحد الوجهين، والأصل فيهما واحد جاز فى الوجه الآخر.
ومما يدلّ على مذهب سيبويه، ولم يكن فيه ما تأوله أبو العباس فى بيت زهير، فزعم أنه أراد يا آل عكرم، بالجر والتنوين، قول الشاعر:
أبا عرو لا تبعد فكلّ ابن حرّة ... سيدعوه داعى موته فيجيب (٢)
ألا ترى أنه لا يمكن أبا العباس أن يقول: إن «عرو» قبيلة، كما قال ذلك فى عكرمة، ولا يمكنه أن يقول: أراد أبا عرو، بالجرّ والتنوين، فمنعه من ذلك أن عرو لا ينصرف للتأنيث (٣) فى التعريف، وكذلك قول حسّان:
أتانى عن أمىّ نثا حديث
شاهد لسيبويه على أبى العباس، لأنه أراد أميّة بن أبى الصّلت الثّقفىّ (٤)، ولم يرد
стр. 412
القبيلة التى هى أميّة بن عبد شمس، ويوضّح ذلك مع الرواية قوله:
وما هو فى المغيب بذى حفاظ
فقد ثبت بهذا صحّة ما ذهب إليه سيبويه.
وقوله: «نثا حديث»: أى ظاهر حديث، يقال: نثا الحديث ينثره: إذا أظهره، وقال بعض أهل اللغة: النّثا: الذّكر القبيح، وقال أكثرهم: النّثا: الخبر، يكون فى الخير والشرّ، فأما الثّناء فممدود، وهو المدح لا غير.
وقول زهير: «واذكروا أواصرنا» الأواصر: جمع آصرة، وهى القرابة.
وقول الراجز: صيّابها والعدد المجلجلا.
الصّيّاب: جمع صيّابة، وهى الخيار من كلّ شيء. والمجلجل: المصوّت، وسحاب مجلجل: ذو رعد.
وقول أعشى تغلب:
وقد خاب من كانت سريرته الغدر
أنّث الغدر لما كان السّريرة فى المعنى، /لأن الخبر المفرد هو فى المعنى ما أخبرت به عنه، ومثل هذا فى التنزيل فيما وردت به الرواية عن نافع وأبى عمرو وعاصم، فيما رواه عنه أبو بكر بن عيّاش: ﴿ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلاّ أَنْ قالُوا﴾ (١) بنصب الفتنة، وإسناد «تكن» إلى «أن قالوا»، فالتقدير: ثمّ لم تكن فتنتهم إلاّ قولهم، وجاز تأنيث القول لأنه الفتنة فى المعنى، ومثله رفع الإقدام ونصب العادة فى قول لبيد (٢):
стр. 413
فمضى (١) ... وقدّمها وكانت عادة
منه إذا هى عرّدت إقدامها
وإنما استجاز تأنيث الإقدام لتأنيث خبره، لأن الخبر إذا كان مفردا فهو المخبر عنه فى المعنى، وقد قيل فى الآية وفى بيت لبيد قول آخر، وذلك أنهم حملوا «أن قالوا» على معنى المقالة، وحملوا الإقدام على معنى التّقدمة، فجاء التأنيث فى فعليهما، كما جاء تأنيث فعل العذر فى قول حاتم (٢):
أماوىّ قد طال التجنّب والهجر ... وقد عذرتنى فى طلابكم العذر
لأنه ذهب به مذهب المعذرة (٣)، والقول الأول هو المأخوذ به، والثانى قول الكسائىّ، وليس فى بيت أعشى تغلب إلا ما ذكرناه أوّلا، فيجب أن يكون العمل عليه.
وقوله: «وكائن دفعنا عنكم» قد تقدم القول فى أصل كائن (٤)، ومعناها، وموضعها نصب بدفعنا، لأنه غير مشغول عنها، وقوله: «من عظيمة» تبيين لها، وقوله: «ولكن أبيتم لا وفاء ولا شكر» حذف مفعول «أبيتم» وكذلك حذف خبر المبتدأ الذى هو «وفاء» والتقدير: أبيتم أن تفوا (٥) لنا وتشكروا، فلا وفاء عندكم ولا شكر-آخر المجلس.
...
стр. 414
المجلس الموفّى العشرين
وهو مجلس يوم السبت، رابع شعبان من سنة أربع وعشرين وخمسمائة.
/وقوله: «ونحن قتلنا مصعبا» كانت تغلب ممّن أبلى فى محاربة مصعب بن الزبير، مع عبد الملك بن مروان، وتغلب من ربيعة، والذى تولّى قتل مصعب ربعىّ، وهو عبيد (١) الله بن زياد بن ظبيان، أحد بنى تيم اللات بن ثعلبة، ويكنى أبا مطر، وكان فاتكا جلفا فظّا جبّارا، وهو الذى قال له مالك بن مسمع: أكثر الله فى العشيرة مثلك، فقال: سألت ربّك شططا (٢).
ومسكن: من دجيل، ويعرف أيضا بدير الجاثليق، وهو المكان الذى فيه قبر مصعب، ولم يصرف مسكن، لأنه ذهب به مذهب البقعة.
وكان مصعب جمع الشجاعة والجود [والجمال (٣)] وبذل له عبد الملك الأمان، وجعل له بعد ذلك حكمه، فقال له ابنه عيسى: اقبل ما بذله لك، فقال:
لا والله، لا تتحدّث عنّى نساء قريش على مغازلها أنى هبت الموت، ولكن اذهب أنت حيث شئت، فقال عيسى: لا والله، لا يتحدّث الناس عنّى أنى أسلمت
стр. 415
أبى ضنّا (١) عليه بنفسى، وقاتل حتى قتل، وتمثّل مصعب بقول القائل (٢):
فإنّ الألى بالطّفّ (٣) ... من آل هاشم
تآسوا فسنّوا للكرام التّآسيا
وقاتل حتى قتل، فقال بعض شعراء الكوفة (٤):
لقد أورث المصرين حزنا وذلّة ... قتيل بدير الجاثليق مقيم
تولّى قتال المارقين بنفسه ... وقد أسلماه مبعد وحميم
فما قاتلت فى الله بكر بن وائل ... ولا صبرت عند اللّقاء تميم
وقوله: «يوم الحرب أنيابها خضر» أضاف اليوم إلى جملة الابتداء، وأصل إضافة أسماء الزمان إلى الجمل إضافتها إلى جملة الفعل، للشّبه الذى بين الفعل والزمان، وذلك من حيث كان الفعل عبارة عن أحداث متقضّية، كما أنّ الزمان حادث يتقضّى، والفعل نتيجة حركات الفاعلين، كما أنّ الزمان نتيجة حركات الفلك، ولذلك بنوا الفعل على أمثلة مختلفة، ليدلّ كلّ مثال على زمان غير الزمان/ الذى يدلّ عليه المثال الآخر، ولمّا أضافوا اسم الزمان إلى جملة الفعل لما ذكرنا، أضافوه أيضا إلى جملة الابتداء، لأنها أختها، فمن إضافته إلى جملة الفعل فى التنزيل، قوله تعالى: ﴿يَوْمَ يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْداثِ﴾ (٥) و ﴿هذا يَوْمُ لا يَنْطِقُونَ﴾ (٦)
стр. 416
وأضافه القطامىّ إلى جملة الابتداء فى قوله (١):
الضّاربين عميرا عن بيوتهم ... بالتّلّ يوم عمير ظالم عادى
وسمّى السّيوف والرّماح والسّهام أنياب الحرب، لأنهم يقولون: عضّتهم الحرب، وحرب ضروس.
وقوله: «كاسر عينه هشام» أراد هشام بن عبد الملك، وكان أحول، وعبد العزيز وبشر: ابنا مروان بن الحكم.
وقوله: «أتيح لكم قسرا بأسيافنا النّصر» الإتاحة: التقدير، أتاح الله الشىء:
أى قدّره، والقسر: القهر، ومنه قيل للأسد: قسورة، لأن الواو فيه زائدة، والنّصر: الإعانة، والنّصر: الإتيان، نصرت أرض بنى فلان: أتيتها، والنّصر:
الإمطار، نصرت الأرض: إذا مطرت.
ومجىء الألف فى قول القائل: «وقد أسلماه مبعد وحميم» لغة الذين قالوا:
«أكلونى (٢) البراغيث»، تقول على هذه اللغة: قاما أخواك، وخرجوا إخوتك، وانطلقن إماؤك. فالألف والواو والنون علامات للتثنية والجمع، بمنزلة علامة التأنيث فى نحو: خرجت هند، وجاءت المرأة، وإنما لزمت علامة التأنيث الحقيقىّ فى لغة جميع العرب، ولم تلزم علامة التثنية والجمع، لأن التأنيث معنى لازم، والتثنية والجمع لا يلزمان، ألا ترى أن الاثنين يفترقان، وكذلك الجماعة، فممّا جاء على هذه اللغة قول الشاعر (٣):
стр. 417
ألفيتا عيناك عند القفا ... أولى فأولى لك ذا واقيه
وقول الآخر:
/يلوموننى فى اشتراء النّخي ... ل قومى فكلّهم ألوم (١)
وقول الفرزدق (٢):
ولكن ديافيّ أبوه وأمّه ... بحوران يعصرن السّليط أقاربه
[ديافيّ: منسوب إلى قرية بالشام. والسّليط: الشّيرق، وهو دهن السّمسم (٣)] وقد استعمل المتنبي هذه اللغة فى مواضع من شعره، منها قوله (٤):
ورمى وما رمتا يداه فصابنى ... سهم يعذّب والسّهام تريح
وقوله (٥):
نفديك من سيل إذا سئل النّدى ... هول إذا اختلطا دم ومسيح
المسيح: هاهنا العرق، وسمّى مسيحا لأنه يمسح، فهو فعيل بمعنى مفعول.
وقد حمل بعض النّحويين موضعين من القرآن على هذه اللغة: أحدهما قوله تعالى: ﴿ثُمَّ عَمُوا وَصَمُّوا كَثِيرٌ مِنْهُمْ﴾ (٦) والآخر قوله جلّت عظمته: ﴿وَأَسَرُّوا﴾
стр. 418
﴿النَّجْوَى الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ (١) فكثير والذين ظلموا، على هذا القول فاعلان (٢)، وتحتمل الواو فى «عموا وصمّوا» أن يكونا ضميرين، و «كثير» بدلا من الواو التى فى «عموا» والواو الأخرى عائدة على «كثير» فكأنه قيل: عمى كثير منهم وصمّوا، وإنما اخترت هذا ليتناول العمى والصّمم الكثير منهم لفظا ومعنى، ويحتمل (٣) [كثير] أن يكون خبر مبتدأ محذوف، تقديره: وهم كثير منهم، أى أصحاب [هذين الوصفين (٤)] كثير منهم، وتحتمل واو «وأسرّوا النّجوى» أن تكون ضميرا عائدا على الناس، و «الّذين ظلموا» بدلا منها، ويحتمل موضع «الّذين ظلموا» أن يكون جرّا على البدل من الهاء والميم اللّتين فى «قلوبهم» فكأنه قيل: لاهية قلوب الذين ظلموا، ويحتمل أن يكون موضعه رفعا على البدل من الواو التى فى «استمعوه» فكأنه قيل: استمعه الذين ظلموا وهم يلعبون، ويحتمل أن تكون خبر مبتدأ محذوف، أى هم الذين ظلموا، ويحتمل أن يكون موضعه نصبا/على البدل من الهاء والميم اللّتين فى «يأتيهم» فكأنه قيل: ما يأتى الذين ظلموا من ذكر من ربّهم محدث إلا استمعوه لاعبين، ويحتمل أن يكون منصوب الموضع على الذّم، بتقدير: أعنى الذين ظلموا [أو أذمّ الذين ظلموا (٥)] ويحتمل أن يكون موضعه رفعا بالقول المضمر الذى حكيت به الجملة الاستفهامية بعده، كأنه قيل: يقول الذين ظلموا هل هذا إلا بشر مثلكم.
وقال (٦) السّيرافىّ فى شرح الكتاب فى قولهم: «أكلونى البراغيث» ثلاثة
стр. 419
أوجه: أحدها ما قاله سيبويه، وهو أنهم جعلوا الواو علامة تؤذن بالجماعة وليست ضميرا، والثانى: أن تكون البراغيث مبتدأ، وأكلونى خبرا مقدّما، فالتقدير:
البراغيث أكلونى، والثالث: أن تكون الواو ضميرا على شرط التفسير، والبراغيث بدلا منه، كقولك: ضربونى وضربت قومك، فتضمر قبل الذّكر على شرط التفسير، قال: وقد كان الوجه على تقديم (١) علامة الجماعة أن يقال: أكلتنى البراغيث، لأن ضمير ما لا يعقل من الذّكور كضمير الإناث، إلا أنهم جعلوا البراغيث مشبّهة بما يعقل حين وصفوها بالأكل، وهى (٢) مما يوصف بالقرص كالبقّ وشبهه، فأجروها مجرى العقلاء، ولهذا نظائر، منها قوله تعالى: ﴿إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَباً وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي ساجِدِينَ﴾ (٣) لمّا وصفها بالسّجود الذى لا يكون إلا للعقلاء، أجراها فى الإضمار والجمع مجراهم، وكذلك القول فى قوله تعالى: ﴿يا أَيُّهَا النَّمْلُ اُدْخُلُوا مَساكِنَكُمْ﴾ (٤) لمّا وجّه الخطاب إلى النمل، والخطاب لا يوجّه فى الحقيقة إلا إلى العقلاء أجريت فى الإضمار مجرى العقلاء. انتهى كلام أبى سعيد.
وأقول: إنّ حمل الأكل على السّجود والخطاب، فى الاختصاص بالعقلاء، سهو منه، لأن البهائم مشاركة للعقلاء فى الوصف بالأكل، والقول عندى/ أننا لا نحمل قولهم: أكلونى البراغيث، على الأكل الحقيقىّ، بل نحمله (٥) على معنى العدوان والظّلم والبغى، كقولهم: أكل فلان جاره: أى ظلمه وتعدّى عليه، وعلى ذلك قول علّفة بن عقيل بن علّفة المرّىّ لأبيه:
стр. 420
أكلت بنيك أكل الضّبّ حتّى ... وجدت مرارة الكلإ الوبيل (١)
أى ظلمتهم وبغيت عليهم، ومنه قول الممزّق العبدىّ:
فإن كنت مأكولا فكن أنت آكلى ... وإلاّ فأدركنى ولمّا أمزّق (٢)
أى إن كنت مظلوما فتولّ [أنت (٣)] ظلمى، فظلمك لى أحبّ إلىّ من أن يظلمنى غيرك، فإذا حملنا الأكل فى قولهم: «أكلونى البراغيث» على هذا المعنى، صحّ إجراء البراغيث مجرى العقلاء، لأن الظلم والبغى والتعدّى من أوصاف العقلاء.
وقول علّفة بن عقيل: «أكلت بنيك أكل الضّبّ» شبّه فيه الأكل المستعار للتعدّى بالأكل الحقيقىّ، فإن شئت قدّرت أن المصدر مضاف إلى المفعول، والفاعل محذوف، أى أكلت بنيك أكلا مثل أكلك الضّبّ، وخصّ الضبّ بذلك لأن أكل الضّباب يعجب الأعراب، قال راجزهم (٤):
وأنت لو ذقت الكشى بالأكباد ... لما تركت الضّبّ يعدو بالواد
الكشى (٥): جمع كشية، وهى شحمة مستطيلة فى عنق الضّبّ إلى فخذه، وإن شئت قدّرت المصدر مضافا إلى فاعله، والمفعول محذوف، أى أكلت بنيك أكلا
стр. 421
مثل أكل الضّبّ أولاده (١)، ومن أمثالهم (٢): «أعقّ من ضبّ»، لأنه فيما يؤثر يأكل أولاده، وقال بعض أهل اللغة: قولهم: أعقّ من ضبّ، أصله: من ضبّة، وكثر ذلك فى كلامهم، فأسقطوا الهاء، قال: وعقوقها أنها تأكل أولادها، وذلك أنها إذا باضت حرست بيضها من الحيّة والورل (٣)، وغير ذلك مما يقدر عليه، فإذا نقبت أولادها وخرجت من البيض ظنّتها شيئا يريد بيضها فوثبت عليها فقتلتها وأكلتها، فلا ينجو منها/إلا الشّريد.
علّفة: منقول من واحد العلّف، وهو ثمر الطّلح (٤)، والوبيل فى قوله:
«وجدت مرارة الكلإ الوبيل» الوبيل: الوخيم، ويقال: وبل ووخم، بحذف الياء منهما، والوبيل أيضا: الضّرب الشّديد، والوبيل: الحزمة من الحطب، والوبيل:
خشبة القصّار التى يدقّ بها الثوب بعد غسله، والوبيل من الرّجال: الذى لا يصلح شيئا يتولاّه.
وكان عقيل بن علّفة غيورا، فكان يجيع بناته ويعرّيهن، فقيل له فى ذلك، فقال: أجيعهنّ فلا يبطرن، وأعرّيهنّ فلا يظهرن (٥)، وكان من غيرته [أنه (٦)] يسافر معه ببناته، فبينما هو فى بعض أسفاره ومعه بنوه وبناته إذ قال:
قضت وطرا من دير سعد وربّما ... على عجل ناطحنه بالجماجم (٧)
ثم قال لابنه العملّس: أجز يا عملّس، فقال:
فأصبحن بالموماة يحملن فتية ... نشاوى من الإدلاج ميل العمائم (٨)
стр. 422
فقال لابنته الجرباء: أجيزى يا جرباء، فقالت:
كأنّ الكرى سقّاهم صرخديّة ... عقارا تمشّى فى المطا والقوائم
فقال: والله ما وصفتها بهذا الوصف إلا وقد شربتها، وأقبل عليها بالقطيع يضربها، فحال بنوه بينه وبينها، ورماه أحدهم بسهم فانتظم فخذيه، فقال:
إنّ بنىّ ضرّجونى بالدّم ... من يلق أبطال الرّجال يكلم (١)
ومن يكن ذا أود يقوّم ... شنشنة أعرفها من أخزم
أخزم: اسم فحل، والشّنشنة: الشّبه، وقيل: هى السّجيّة والخليقة، وهذا مثل قديم اجتلبه عقيل بن علّفة، لأن أخزم (٢) هذا فى أكثر القولين جدّ حاتم الطائىّ، وهو حاتم بن عبد الله بن سعد بن الحشرج بن أخزم بن أبى أخزم. والعملّس: من أسماء الذئب، والصّرخديّة: منسوبة إلى صرخد، قرية (٣)، والمطا: الظّهر.
/والقطيع: السّوط.
وأخذ الشريف الرّضىّ قول العملّس:
نشاوى من الإدلاج ميل العمائم
فى قوله:
من الرّكب ما بين النّقا والأناعم ... نشاوى من الإدلاج ميل العمائم (٤)
...
стр. 423
المجلس الحادى والعشرون
وهو مجلس [يوم السّبت (١)] ثالث عشر شعبان، سنة أربع وعشرين وخمسمائة.
ومن قصيدة لابن أحمر الباهلىّ، وهو عمرو بن أحمر بن العمرّد بن عامر بن عبد شمس بن معن بن مالك بن أعصر بن سعد بن قيس عيلان بن مضر، وكان من شعراء الجاهليّة، وأدرك الإسلام:
أبت عيناك إلاّ أن تلجّا ... وتختالا بمائهما اختيالا (٢)
كأنّهما شعيبا مستغيث ... يزجّى ظالعا بهما ثفالا
وهى خرزاهما فالماء يجرى ... خلالهما وينسلّ انسلالا
على حيّين فى عامين شتّا ... فقد عنّا طلابهما وطالا (٣)
وأيّام المدينة ودّعونا ... فلم يدعوا لقائلة مقالا
فأيّة ليلة تأتيك سهوا ... فتصبح لا ترى منهم خيالا
يؤرّقنا أبو حنش وطلق ... وعمّار وآونة أثالا
أراهم رفقتى حتّى إذا ما ... تجافى الليل وانخزل انخزالا
стр. 424
إذا أنا كالّذى أجرى لورد ... إلى آل فلم يدرك بلالا
أرى ذا شيبة حمّال ثقل ... وأبيض مثل صدر السّيف نالا
غطارف لا يصدّ الضّيف عنهم ... إذا ما طلّق البرم العيالا
بهم فخر المفاخر يوم حفل ... إذا ما عدّ بأسا أو فعالا
وبيض لم يخالطهنّ فحش ... نسين وصالنا إلاّ سؤالا
/وجرد يعله الدّاعى إليها ... متى ركب الفوارس أو متالا (١)
فوارسهنّ لا كشف خفاف ... ولا ميل إذا العرضىّ مالا
قوله:
أبت عيناك إلاّ أن تلجّا
دخلت «إلاّ» هاهنا موجبة للنفى الذى تضمّنه هذا الفعل، ألا ترى أنك إذا قلت: أبى زيد أن يقوم، فقد نفيت قيامه، فإذا قلت: أبى إلاّ أن يقوم، فقد أوجبت بإلاّ قيامه، لأنّ المعنى: لم يرد إلاّ أن يقوم، وفى التنزيل: ﴿وَيَأْبَى اللهُ إِلاّ أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ﴾ (٢) أى لا يريد الله إلاّ إتمام نوره.
وقولهم: أبى يأبى، مما شذّ عن القياس، لمجيئه على فعل يفعل، بفتح العين من الماضى والمستقبل، وليست عينه ولا لامه من حروف الحلق، وكان قياسه: يأبى مثل يأتى (٣).
стр. 425
وقيل فى علّة ذلك قولان: أحدهما أنهم حملوه على منع، لأن الإباء والمنع نظيران، فحملوه على نظيره، كما حملوا يذر (١) على يدع، لاتّفاقهما فى المعنى، وإن لم يكن فى يذر حرف حلقىّ.
والقول الآخر: أنهم أجروا الألف مجرى الهمزة، لأنها من مخرجها، فقالوا:
أبى يأبى، كما قالوا: بدأ يبدأ، والقول الأول أصحّ، لأن ألفات الأفعال لسن بأصول، وإنما هنّ منقلبات عن ياء أو واو، وألف «يأبى» إنما وجدت بعد وجود الفتحة الملاصقة لها، فلولا الفتحة لم تصر الياء ألفا، والفتحة فى يمنع ويبدأ ويجبه، ونحو ذلك إنما حدثت بعد وجود حرف الحلق.
وقال بعض النحويّين: إنما فتحوا عين يأبى على سبيل الغلط، توهّموا أن ماضيه على فعل، وعوّل أبو القاسم الثّمانينيّ على هذا القول، والصواب ما ذكرته أوّلا.
وقد حكيت حروف أخر (٢) متأوّلة، وهنّ سلا يسلى، وقلى يقلى، وغسا الليل يغسا، وجبا يجبا، من قولهم: جبا الخراج يجباه، ووجه تأوّلها أن بعض العرب قالوا/سلى يسلى، مثل رضى يرضى، وقال آخرون: سلا يسلو، مثل خلا يخلو، فركّبت (٣) طائفة ثالثة من اللغتين لغة ثالثة، وأخذوا الماضى من لغة من قال:
سلا، والمستقبل من لغة من قال: يسلى، قال رؤبة (٤):
لو أشرب السّلوان ما سليت ... ما بى غنى عنك وإن غنيت
السّلوان: جمع سلوانة، وهى خرزة كانوا يقولون: من شرب عليها سلا، قال آخر:
شربت على سلوانة ماء مزنة ... فلا وجديد العيش يا ميّ ما أسلو (٥)