← Адаб

Адаб · id 120922

أمالي ابن الشجري ت الطناحي

ابن الشجري

Полный текст (1 931 стр.). Показаны 421–460 · переход к 426.

стр. 421

مثل أكل الضّبّ أولاده (١)، ومن أمثالهم (٢): «أعقّ من ضبّ»، لأنه فيما يؤثر يأكل أولاده، وقال بعض أهل اللغة: قولهم: أعقّ من ضبّ، أصله: من ضبّة، وكثر ذلك فى كلامهم، فأسقطوا الهاء، قال: وعقوقها أنها تأكل أولادها، وذلك أنها إذا باضت حرست بيضها من الحيّة والورل (٣)، وغير ذلك مما يقدر عليه، فإذا نقبت أولادها وخرجت من البيض ظنّتها شيئا يريد بيضها فوثبت عليها فقتلتها وأكلتها، فلا ينجو منها/إلا الشّريد. علّفة: منقول من واحد العلّف، وهو ثمر الطّلح (٤)، والوبيل فى قوله: «وجدت مرارة الكلإ الوبيل» الوبيل: الوخيم، ويقال: وبل ووخم، بحذف الياء منهما، والوبيل أيضا: الضّرب الشّديد، والوبيل: الحزمة من الحطب، والوبيل: خشبة القصّار التى يدقّ بها الثوب بعد غسله، والوبيل من الرّجال: الذى لا يصلح شيئا يتولاّه. وكان عقيل بن علّفة غيورا، فكان يجيع بناته ويعرّيهن، فقيل له فى ذلك، فقال: أجيعهنّ فلا يبطرن، وأعرّيهنّ فلا يظهرن (٥)، وكان من غيرته [أنه (٦)] يسافر معه ببناته، فبينما هو فى بعض أسفاره ومعه بنوه وبناته إذ قال: قضت وطرا من دير سعد وربّما ... على عجل ناطحنه بالجماجم (٧) ثم قال لابنه العملّس: أجز يا عملّس، فقال: فأصبحن بالموماة يحملن فتية ... نشاوى من الإدلاج ميل العمائم (٨)

стр. 422

فقال لابنته الجرباء: أجيزى يا جرباء، فقالت: كأنّ الكرى سقّاهم صرخديّة ... عقارا تمشّى فى المطا والقوائم فقال: والله ما وصفتها بهذا الوصف إلا وقد شربتها، وأقبل عليها بالقطيع يضربها، فحال بنوه بينه وبينها، ورماه أحدهم بسهم فانتظم فخذيه، فقال: إنّ بنىّ ضرّجونى بالدّم ... من يلق أبطال الرّجال يكلم (١) ومن يكن ذا أود يقوّم ... شنشنة أعرفها من أخزم أخزم: اسم فحل، والشّنشنة: الشّبه، وقيل: هى السّجيّة والخليقة، وهذا مثل قديم اجتلبه عقيل بن علّفة، لأن أخزم (٢) هذا فى أكثر القولين جدّ حاتم الطائىّ، وهو حاتم بن عبد الله بن سعد بن الحشرج بن أخزم بن أبى أخزم. والعملّس: من أسماء الذئب، والصّرخديّة: منسوبة إلى صرخد، قرية (٣)، والمطا: الظّهر. /والقطيع: السّوط. وأخذ الشريف الرّضىّ قول العملّس: نشاوى من الإدلاج ميل العمائم فى قوله: من الرّكب ما بين النّقا والأناعم ... نشاوى من الإدلاج ميل العمائم (٤) ...

стр. 423

المجلس الحادى والعشرون وهو مجلس [يوم السّبت (١)] ثالث عشر شعبان، سنة أربع وعشرين وخمسمائة. ومن قصيدة لابن أحمر الباهلىّ، وهو عمرو بن أحمر بن العمرّد بن عامر بن عبد شمس بن معن بن مالك بن أعصر بن سعد بن قيس عيلان بن مضر، وكان من شعراء الجاهليّة، وأدرك الإسلام: أبت عيناك إلاّ أن تلجّا ... وتختالا بمائهما اختيالا (٢) كأنّهما شعيبا مستغيث ... يزجّى ظالعا بهما ثفالا وهى خرزاهما فالماء يجرى ... خلالهما وينسلّ انسلالا على حيّين فى عامين شتّا ... فقد عنّا طلابهما وطالا (٣) وأيّام المدينة ودّعونا ... فلم يدعوا لقائلة مقالا فأيّة ليلة تأتيك سهوا ... فتصبح لا ترى منهم خيالا يؤرّقنا أبو حنش وطلق ... وعمّار وآونة أثالا أراهم رفقتى حتّى إذا ما ... تجافى الليل وانخزل انخزالا

стр. 424

إذا أنا كالّذى أجرى لورد ... إلى آل فلم يدرك بلالا أرى ذا شيبة حمّال ثقل ... وأبيض مثل صدر السّيف نالا غطارف لا يصدّ الضّيف عنهم ... إذا ما طلّق البرم العيالا بهم فخر المفاخر يوم حفل ... إذا ما عدّ بأسا أو فعالا وبيض لم يخالطهنّ فحش ... نسين وصالنا إلاّ سؤالا /وجرد يعله الدّاعى إليها ... متى ركب الفوارس أو متالا (١) فوارسهنّ لا كشف خفاف ... ولا ميل إذا العرضىّ مالا قوله: أبت عيناك إلاّ أن تلجّا دخلت «إلاّ» هاهنا موجبة للنفى الذى تضمّنه هذا الفعل، ألا ترى أنك إذا قلت: أبى زيد أن يقوم، فقد نفيت قيامه، فإذا قلت: أبى إلاّ أن يقوم، فقد أوجبت بإلاّ قيامه، لأنّ المعنى: لم يرد إلاّ أن يقوم، وفى التنزيل: ﴿وَيَأْبَى اللهُ إِلاّ أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ﴾ (٢) أى لا يريد الله إلاّ إتمام نوره. وقولهم: أبى يأبى، مما شذّ عن القياس، لمجيئه على فعل يفعل، بفتح العين من الماضى والمستقبل، وليست عينه ولا لامه من حروف الحلق، وكان قياسه: يأبى مثل يأتى (٣).

стр. 425

وقيل فى علّة ذلك قولان: أحدهما أنهم حملوه على منع، لأن الإباء والمنع نظيران، فحملوه على نظيره، كما حملوا يذر (١) على يدع، لاتّفاقهما فى المعنى، وإن لم يكن فى يذر حرف حلقىّ. والقول الآخر: أنهم أجروا الألف مجرى الهمزة، لأنها من مخرجها، فقالوا: أبى يأبى، كما قالوا: بدأ يبدأ، والقول الأول أصحّ، لأن ألفات الأفعال لسن بأصول، وإنما هنّ منقلبات عن ياء أو واو، وألف «يأبى» إنما وجدت بعد وجود الفتحة الملاصقة لها، فلولا الفتحة لم تصر الياء ألفا، والفتحة فى يمنع ويبدأ ويجبه، ونحو ذلك إنما حدثت بعد وجود حرف الحلق. وقال بعض النحويّين: إنما فتحوا عين يأبى على سبيل الغلط، توهّموا أن ماضيه على فعل، وعوّل أبو القاسم الثّمانينيّ على هذا القول، والصواب ما ذكرته أوّلا. وقد حكيت حروف أخر (٢) متأوّلة، وهنّ سلا يسلى، وقلى يقلى، وغسا الليل يغسا، وجبا يجبا، من قولهم: جبا الخراج يجباه، ووجه تأوّلها أن بعض العرب قالوا/سلى يسلى، مثل رضى يرضى، وقال آخرون: سلا يسلو، مثل خلا يخلو، فركّبت (٣) طائفة ثالثة من اللغتين لغة ثالثة، وأخذوا الماضى من لغة من قال: سلا، والمستقبل من لغة من قال: يسلى، قال رؤبة (٤): لو أشرب السّلوان ما سليت ... ما بى غنى عنك وإن غنيت السّلوان: جمع سلوانة، وهى خرزة كانوا يقولون: من شرب عليها سلا، قال آخر: شربت على سلوانة ماء مزنة ... فلا وجديد العيش يا ميّ ما أسلو (٥)

стр. 426

وكذلك الأحرف الأخر، قال قوم: قلى يقلى، مثل مشى يمشى، وقال آخرون: قلى يقلى، مثل شقى يشقى، فركّبت قبيلة أخرى لغة أخرى، فقالوا: قلى يقلى، وكذلك قال بعضهم على القياس: غسا (١) يغسو، وبعض [غسا (٢)] يغسى، وقال قليل منهم: غسا يغسى، وحكى عن آخرين: أغسى يغسى وجاء من الصحيح على طريقة هذه الأحرف حرفان، أحدهما قولهم على القياس: قنط يقنط، مثل ضرب يضرب، وقنط يقنط، مثل علم يعلم، وقال آخرون: قنط يقنط، مثل منع يمنع، فأخذوا الماضى من لغة من فتح عينه، والمستقبل من لغة من فتح عينه. والحرف الآخر لحقه الشذوذ من جهتين، وذلك قول بعضهم: ركنت أركن، مثل ركبت أركب، قال الخليل: هى لغة سفلى مضر، وقول آخرين: ركنت أركن، مثل خرجت أخرج، وركّبت قبيلتان أخريان من اللّغتين لغيّتين نادرتين، فقالت إحداهما: ركنت أركن، مثل سألت أسأل، وقالت الأخرى: ركنت أركن، بكسر العين من الماضى وضمّها من المستقبل، وهذه أوغل فى الشّذوذ، ومثلها ما حكى عن ناس قليل أنهم قالوا: فضل يفضل (٣). فأمّا ما عينه أو لامه حرف من حروف الحلق الستة، فإن العين من مضارع فعل من هذا الضرب تفتح، طلبا للتّشاكل، وذلك أن الفتحة من الألف، /والألف تنشأ من الحلق، فحرّكوا العين بالحركة التى هى أقرب الحركات إلى حروف الحلق. والحروف الحلق ثلاثة مخارج، فأقصاها مخرج الهمزة والهاء، وأوسطها مخرج

стр. 427

العين والحاء، وأدناها إلى الفم مخرج الغين والخاء، فممّا وقع الحلقىّ فيه همزة: سأل يسأل، ودأب يدأب [وبدأ يبدأ (١)] وبسأ به يبسأ، إذا أنس به وممّا الحلقىّ منه هاء: ذهب يذهب، ونهض ينهض، وجبه يجبه، ونقه المريض ينقه. وممّا الحلقىّ منه عين: جعل يجعل، ونعت ينعت، وصنع يصنع، ورتع (٢) يرتع. وممّا الحلقىّ منه حاء: سحر يسحر، ونحر ينحر، ومدح يمدح، وسنح يسنح. ومما الحلقىّ منه غين: شغل يشغل، وفغرفاه يفغر، ونزغ الشيطان ينزغ، ونبغ الرجل ينبغ: إذا قال الشعر فأجاد وليس ذلك فى أصله، ومنه النابغة. ومما الحلقىّ منه خاء: فخر يفخر، وشخص يشخص، وسلخ يسلخ، وشمخ بأنفه يشمخ. وليس هذا بمطّرد، بل قد يتبع بعض الأفعال القياس، فيجىء على يفعل أو يفعل، كقولهم: رجع يرجع، وزأر يزئر، ونأم ينئم، والنّئيم: صوت فيه ضعف، ومنه دخل يدخل، ونفخ ينفخ، وفرغ يفرغ، وصلح يصلح، وهو كثير، وربّما جاء فيه الفتح وغيره، كقولهم: صبغ يصبغ ويصبغ، ومضغ يمضغ ويمضغ، ودبغ يدبغ ويدبغ، ومخض يمخض ويمخض، ونطح ينطح وينطح، ومنح يمنح ويمنح، وهذا كثير أيضا (٣). فإن كان (٤) حرف الحلق فاء لم تفتح له العين، لأن الفاء من يفعل لا تكون إلا

стр. 428

ساكنة، وإنما تتحرّك فى المعتلّ العين بحركة منقولة إليها، كتحرّكها فى يقول ويبيع. رجع التفسير إلى بيت ابن أحمر، وقوله: «وتختالا بمائهما» من قولهم: اختالت السماء وتخيّلت وأخالت وخيّلت: إذا تهيّأت للمطر، وسحابة مخيلة، بضمّ أولها: /متهيّئة للمطر، وما أحسن مخيلتها، مفتوحة الميم: أى دلالتها على الأمطار. وقوله: «كأنّهما شعيبا مستغيث» شبّه عينيه بشعيبى رجل استغاث بالماء لشدّة عطشه وعطش أهله، وإذا كان كذلك بالغ فى ملء سقائه. والشّعيب: المزادة الضّخمة، وقال بعضهم: السّقاء البالى. وقوله: يزجّى ظالعا بهما ثفالا أى يسوق بالمزادتين بعيرا غامزا (١) بطيئا، وإذا كان بهذين الوصفين كان انصباب الماء أكثر. وقوله: «وهى خرزاهما» الوهى: الاسترخاء، أى استرخى خرزا هاتين المزادتين، «فالماء يجرى خلالهما» أى خلال الخرزين. وقوله: «على حيّين» الحىّ من أحياء العرب: قبيلة متجاورة بيوتها. وإن علّقت «على» بتلجّا، لفظا لم يجز، لأنه صلة «أن»، وقد فصل (٢) بينه وبين «على» كلام أجنبي، وكذلك لا تعلّقه بتختالا، لأنه معطوف على «تلجّا» فقد دخل بالعطف فى الصّلة، ولكن تعلّقه بفعل مقدّر يدلّ عليه «تلجّا» كأنك قلت: تبكيان على حيّين، لأنه أراد بقوله: «أن تلجّا» لجاجهما في البكاء. وقوله: «في عامين» متعلّق بشتّا، ومعنى «شتّا (٣)» افترقا، ولا يجوز أن تكتب

стр. 429

«شتا» هاهنا بالياء، كالتى فى قوله تعالى: ﴿وَقُلُوبُهُمْ شَتّى﴾ (١) لأن ألف «شتّا» فى البيت ضمير، وشتّى فى الآية اسم على فعلى، جمع شتيت، كقتيل وقتلى، وإنما ذكرت هذا لأنى وجدته فى نسخة بالياء. وقوله: فلم يدعوا لقائلة مقالا أى لم يدعوا بهلاكهم لنائحة تأبينا، والتّأبين: مدح الميّت، أى قد أنفد الحزن عليهم أقوال النّوائح. وقوله: فأيّة ليلة تأتيك سهوا أى تأتيك ذات سكون ولين، أى ليست تمرّ بك ليلة لا شرّ فيها يسهرك إلا رأيت منهم خيالا وقوله: «يؤرّقنا أبو حنش» قد تقدم (٢) الكلام فى هذا البيت. وقوله: «أراهم رفقتى» [أى أراهم رفقتى (٣)] فى المنام، «حتى إذا ما تجافى الليل»: أى ارتفع، من قوله تعالى: ﴿تَتَجافى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضاجِعِ﴾ (٤) أى تنبو عنها وترتفع. وقوله: «انخزل»: أى انقطع، وجواب إذا/من قوله: إذا أنا كالّذى أجرى لورد

стр. 430

أوقع إذا المكانيّة جوابا للزمانية، لأنّ الزمانية من أدوات الشرط، والمكانية تكفى من الفاء فى الجواب، كقوله تعالى: ﴿وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ إِذا هُمْ يَقْنَطُونَ﴾ (١) أى فهم (٢) يقنطون، والمعنى: أراهم فى المنام كأنهم رفقة لى، فإذا استيقظت عند زوال الليل، كنت كالّذى أجرى دابّته ليرد سرابا ظنّه ماء فلم يدرك (٣) ما يبلّ يده. وقوله: «أرى ذا شيبة» أى أرى منهم فى منامى أشيب حمّالا للثّقل، وأبيض كصدر السيف فى المضاء والحسن، نالا: أى ذا نوال كثير (٤). وقوله: «غطارف» القياس: غطاريف أو غطارفة، على تعويض تاء التأنيث من الياء، لأن الواحد غطريف أو غطراف، وإذا وقع حرف اللين رابعا لم يحذف فى التكسير والتحقير، لأنهم قد استجازوا أن يعوّضوا من الحرف المحذوف ياء قبل الطّرف، كقولك فى تكسير جردحل (٥) وتحقيره: جراديح وجريديح، فإذا ظفروا بحرف اللين واقعا هذا الموقع تمسّكوا [به (٦)] إلا إذا اضطرّ شاعر، ونقيض هذا زيادة الياء فيما لم يدخله حذف، كزيادتها فى الصّياريف من قوله (٧):

стр. 431

تنفى يداها الحصا فى كلّ هاجرة ... نفى الدّراهيم تنقاد الصّياريف والغطريف: السيّد السّخىّ، وقال بعض أهل اللغة: الغطريف: من الغطرفة، وهى التكبّر، ومثلها الغطرسة. وقوله: «لا يصدّ الضّيف عنهم إذا ما طلّق البرم العيالا» أى لا يتجاوزهم الضيوف فى وقت تطليق البرم عياله، وذلك فى زمان البرد والجدب، والبرم: الذى لا يدخل مع القوم فى الميسر، ولا يتحمّل غرما لإصلاح حال. آخر المجلس. ...

стр. 432

المجلس الثانى والعشرون وهو مجلس يوم الثلاثاء، الثالث والعشرين من جمادى الأولى، سنة ست وعشرين وخمسمائة. يتضمّن تفسير ما بقى من أبيات ابن أحمر، وتفسير قول الله تعالى: ﴿وَاِصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ﴾ (١). قوله: بهم فخر المفاخر يوم حفل أى يوم اجتماع، يقال: حفل القوم واحتفلوا، والمحفل: مكان اجتماعهم. وقوله: إذا ما عدّ بأسا أو فعالا البأس: الشدّة فى الحرب، والفعال بفتح الفاء: كلّ فعل حسن، من حلم أو سخاء أو إصلاح بين الناس، أو نحو ذلك، فإن كسرت فاءه صلح لما حسن من الحال وما لم يحسن. وقوله: «وبيض» اختلف النحويّون فى هذه الواو، فذهبت طائفة من المحققين،

стр. 433

منهم أبو علىّ وعثمان بن جنّى، إلى أنها عاطفة جملة على جملة، وربّ هى الجارّة مضمرة بعدها، وجاز إعمال الجارّ مضمرا، لأن اللفظ بالواو سدّ مسدّه، وقال من (١) خالفهم: بل الواو هى الجارّة، لأنها صارت عوضا من ربّ، فعملت عملها، بحكم نيابتها عنها، كما عملت همزة الاستفهام وحرف التنبيه الجرّ فى القسم، بحكم النيابة عن واوه نحو: آلله لتنطلقنّ؟ ولاها الله ذا، وقالوا: لو كانت عاطفة لم تقع فى أول الكلام، لوقوعها فى نحو: وبلد عامية أعماؤه (٢) عامية: مستعار من عمى العين، وأعماؤه: أقطاره. وقال من زعمها عاطفة: إنهم إذا استعملوها فى أوّل الكلام عطفوا بها على كلام مقدّر [فى نفوسهم (٣)] واحتجّوا بأن العرب قد أضمرت ربّ بعد الفاء فى جواب الشرط، كقول ربيعة بن مقروم الضّبّىّ. فإن أهلك فذى حنق لظاه ... يكاد عليّ يلتهب التهابا (٤) وقال تأبّط شرّا (٥): فإمّا تعرضنّ أميم عنّى ... وينزعك الوشاة أولو النّياط (٦)

стр. 434

فحور قد لهوت بهنّ عين ... نواعم فى البرود وفى الرّياط فالفاء جواب الشرط كما ترى، فلا بدّ أن يكون التقدير: فربّ ذى حنق، / وفربّ حور، لأن الفاء لم توجد جارّة فى شيء من كلامهم. قال أبو علىّ: «وقد (١) انجرّ الاسم بعد «بل» فى قوله (٢): بل بلد ملء الفجاج قتمه فلو كان الجرّ بالواو دون ربّ المضمرة، لكان الجرّ فى قوله: «بل بلد» ببل، قال: وهذا لا نعلم أحدا به اعتداد يقوله». وقوله: وجرد يعله الدّاعى إليها يقال: علهت إلى الشىء: إذا نازعتك نفسك إليه. وقوله: متى ركب الفوارس أو متالا تقديره: أو متى (٣) لا ركبوا، ولا ركبوا بمعنى لم يركبوا، كما جاء فى التنزيل: ﴿فَلا صَدَّقَ وَلا صَلّى﴾ (٤) أى فلم يصدّق ولم يصلّ، ومثله: إن تغفر اللهمّ تغفر جمّا ... وأىّ عبد لك لا ألمّا (٥)

стр. 435

أى لم يلمّ بالذنوب، ومثله للأعشى (١): أىّ نار الحرب لا أوقدها ومنه قول المتنبى (٢): يطأن من الأبطال من لا حملنه و «متى» هاهنا شرط، وجوابه محذوف للدّلالة عليه، فالتقدير: متى ركب الفوارس أو متى لم يركبوا عله الدّاعى إليها، وأراد بالدّاعى الذى يدعوها لشدّة تنزل به. وينبغى أن تكتب «متالا» الثانية بالألف، لأن ألفها ردف، وإذا صوّرتها ياء كان ذلك داعيا إلى جواز إمالتها، وإمالتها تقرّبها من الياء، وإذا كانت الألف ردفا انفردت بالقصيدة أو المقطوعة. وقوله: «فوارسهنّ لا كشف خفاف ولا ميل» الكشف: جمع الأكشف، وهو الذى لا ترس معه، والميل: جمع الأميل، وهو الذى لا يحسن الرّكوب. وقال ابن السّكّيت (٣): العرضىّ: الذى فيه عجارف، فليس برقيق، قال: ويقال للناقة التى ليست بذلول: فيها عرضيّة.

стр. 436

والنّياط فى البيت الذى أوردته آنفا لتأبّط: فإمّا تعرضنّ أميم عنّى ... وتنزعك الوشاة أولو النّياط [النّياط (١)]: جمع نوطة، وهى الحقد، والنّياط أيضا: معلّق القلب (٢)، قال أبو الحسين بن فارس/فى المجمل (٣): «ونياط المفازة مشتقّ منه، كأنها قد نيطت بغيرها، ولذلك قيل للأرنب: مقطّعة النّياط»، والصواب عندى أنهم قالوا [لها (٤)] مقطّعة النّياط، لأنها تقطّع نياط قلب الكلب بالعدو (٥) فى طلبها، كما قالوا لها: مقطّعة الأسحار، يريدون جمع سحر، وهى الرّئة. وروى بعضهم «أولو النّباط»، وفسّره بأنه الكذب، فكأنه من استنباط الحديث، وهو استخراجه، وأصله استنباط الماء، ويقال لكلّ ما استخرج حتى تقع عليه رؤية العين أو معرفة القلب: قد استنبط، وأنبطت الماء أيضا: استخرجته، ويقال للماء الذى يخرج من البئر أول ما تحفر: نبط، بفتح أوله وثانيه، ومنه سمّى النّبط من الناس، لاستخراجهم ماء العيون. تفسير قول الله ﴿وَاِصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَداةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلا تَعْدُ عَيْناكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَياةِ الدُّنْيا وَلا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنا وَاِتَّبَعَ هَواهُ وَكانَ أَمْرُهُ فُرُطاً﴾ (٦) الصبر فى قولك: صبرت على كذا وصبرت عنه،

стр. 437

معناه: حبست نفسى عليه وحبستها عنه، فلذلك تعدّى اصبر فى قوله: ﴿وَاِصْبِرْ نَفْسَكَ﴾ بغير وساطة (١) الجارّ، لأن المعنى: احبس نفسك، وقولهم: «قتل فلان صبرا» معناه حبسا، وهو مصدر وقع موقع الحال، يريدون مصبورا، قال عنترة (٢): فصبرت عارفة لذلك حرّة ... ترسو إذا نفس الجبان تطلّع أى حبست نفسا عارفة للشّدائد. وقرأ ابن عامر (٣): ﴿بِالْغَداةِ﴾ وبها قرأ أبو عبد الرحمن السّلمىّ، وأوجه القراءتين: ﴿بِالْغَداةِ﴾ لأن غدوة معرفة: علم للحين (٤)، ومثلها بكرة، تقول: جئتك أمس غدوة، ولقيته اليوم بكرة. /قال الفراء (٥): سمعت أبا الجرّاح يقول فى غداة يوم بارد: ما رأيت كغدوة قطّ، يريد غداة يومه، وقال الفرّاء: ألا ترى أن العرب لا تضيفها، وكذلك لا تدخلها الألف واللام، إنما يقولون: أتيتك غداة الخميس، ولا يقولون: غدوة الخميس، فهذا دليل على أنها معرفة. انتهى كلامه. وأقول: إن حقّ الألف واللام الدخول على النّكرات، وإنما دخلتا فى الغداة، لأنك تقول: خرجنا فى غداة باردة، وهذه غداة طيّبة. ووجه قراءة ابن عامر أن سيبويه (٦) قال: «زعم الخليل أنه يجوز أن تقول: أتيتك (٧) اليوم غدوة وبكرة، فجعلتهما (٨) بمنزلة ضحوة».

стр. 438

وإنما علّقوا غدوة وبكرة على الوقت علمين، لأنهما جعلا اسمين لوقت منحصر، ولم يفعلوا ذلك فى ضحوة وعشيّة، لأنهما لوقتين متّسعين. ومما يحتجّ به لليحصبىّ، والسّلمىّ (١) أنّ بعض أسماء الزمان قد استعملته العرب معرفة بغير الألف واللام، وقد سمع منهم إدخال الألف واللام [عليه (٢)] نحو ما حكاه أبو زيد من قولهم (٣): لقيته فينة فينة يا فتى، غير مصروف، ولقيته الفينة بعد الفينة (٤)، أى الحين بعد الحين، ووجه إدخال الألف واللام فى هذا الضّرب أنه يقدّر فيه الشّياع. قال أبو علىّ: ومثل ما حكاه سيبويه (٥) من قول العرب: هذا يوم اثنين مباركا فيه، وجئتك يوم اثنين مباركا فيه، استعملوه معرفة بغير ألف ولام، كما استعملوه معرفة بألف ولام، ومن ثمّ انتصب الحال عنه. وإنما خصّ الله سبحانه الدّعاء بالغداة والعشىّ لشرف هذين الوقتين، فللدعاء فيهما فضل، وقال قتادة (٦): هما صلاتان، صلاة الصبح وصلاة العصر، فذهب بالدّعاء إلى الصلاة، وقال الزّجّاج (٧): يدعونه بالتوحيد والإخلاص، ويعبدونه، فقوله: «ويعبدونه» موافق لقول قتادة: هما صلاتان، صلاة الصبح وصلاة العصر، /قال: ومعنى ﴿يُرِيدُونَ وَجْهَهُ﴾ لا يقصدون بعبادتهم إلا إيّاه، وقال قتادة: ذكر لنا أنه لمّا نزلت هذه الآية قال النبىّ ﵌ (٨): «الحمد لله الذى جعل فى أمّتى من أمرنى أن أصبر نفسى معه».

стр. 439

وقوله: ﴿وَلا تَعْدُ عَيْناكَ عَنْهُمْ﴾ أى لا تتجاوزهم عيناك، من قولهم (١): لا تعد هذا الأمر، ولا تتعدّه، أى لا تتجاوزه، ولكنه أوصل إلى المفعول بعن، حملا على المعنى، لأنك إذا جاوزت الشىء وتعدّيته فقد انصرفت عنه، فحمل ﴿لا تَعْدُ عَيْناكَ عَنْهُمْ﴾ على: لا تنصرف عيناك عنهم، وبهذا اللّفظ فسّره الفرّاء (٢)، ولهذا نظائر فى القرآن، وفى شعر العرب، فمنها تعدية الرّفث بإلى فى قوله تعالى جدّه: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيامِ الرَّفَثُ إِلى نِسائِكُمْ﴾ (٣) وأنت لا تقول: رفثت إلى النّساء، ولكنه جيء به محمولا على الإفضاء الذى يراد به الملامسة فى مثل قوله تعالى: ﴿وَقَدْ أَفْضى بَعْضُكُمْ إِلى بَعْضٍ﴾ (٤) ومنها تعدية الإحماء فى قوله: ﴿يَوْمَ يُحْمى عَلَيْها فِي نارِ جَهَنَّمَ﴾ (٥) وهو متعدّ بنفسه فى قولك: أحميت الحديدة، قال (٦) الشاعر (٧): إن تك جلمود صخر لا أؤيّسه (٨) ... أو قد عليه فأحميه فينصدع أؤيّسه: أذلّله، وإنما حمل «يحمى» على يوقد، لأن الإيقاد عليها هو السبب

стр. 440

المؤدّى إلى إحمائها، فأجرى ﴿يُحْمى عَلَيْها﴾ مجرى يوقد عليها، والمعنى تحمى هى. ومن ذلك تعدية «يخالف» بعن في قوله تعالى: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ﴾ (١) وهو فى قولك: خالفت زيدا، غير مفتقر إلى التعدّى بالجارّ، وإنما جاء محمولا على ينحرفون عن أمره، أو يروغون (٢) عن أمره. ومثله تعدية «رحيم» بالباء فى نحو: ﴿وَكانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيماً﴾ (٣) حملا على رءوف فى نحو ﴿بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُفٌ رَحِيمٌ﴾ (٤) ألا ترى أنك تقول: رأفت به، ولا تقول: رحمت به، ولكنه لمّا وافقه فى المعنى نزّل منزلته فى التعدية، ومن هذا الضرب قول أبى كبير الهذلىّ: /حملت به فى ليلة مزءودة ... كرها وعقد نطاقها لم يحلل (٥) عدّى «حملت» بالباء، وحقّه أن (٦) يصل إلى المفعول بنفسه، كما جاء فى التنزيل: ﴿حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهاً﴾ (٧) [ولكنه (٨) قال: حملت به، لأنه فى معنى: حبلت به]

стр. 441

وشبيه بهذا وضع الجارّ فى موضع الجارّ، لاتفاق الفعلين فى المعنى، كقوله تعالى: ﴿مِنْ بَعْدِ أَنْ أَظْفَرَكُمْ عَلَيْهِمْ﴾ (١) والجارى على ألسنتهم: ظفرت به، وأظفرنى الله به، ولكن جاء أظفركم عليهم، محمولا على أظهركم عليهم (٢). ومن (٣) زعم أنه كان حقّ الكلام: «لا تعد عينيك عنهم» لأن «تعدو» متعدّ بنفسه، فليس قوله بشىء، لأنّ عدوت وجاوزت بمعنى، وأنت لا تقول: جاوز فلان عينيه عن فلان، ولو جاءت التّلاوة (٤) بنصب العينين، لكان اللفظ بنصبهما محمولا أيضا على: لا تصرف عينيك عنهم، وإذا كان كذلك فالذى وردت به التلاوة من رفع العينين يئول إلى معنى النّصب فيهما، إذ كان ﴿لا تَعْدُ عَيْناكَ عَنْهُمْ﴾ بمنزلة لا تنصرف عيناك عنهم، ومعنى لا تنصرف عيناك عنهم: لا تصرف عينيك عنهم، فالفعل مسند إلى العينين وهو فى الحقيقة موجّه إلى النبىّ ﵌، كما قال: ﴿فَلا تُعْجِبْكَ أَمْوالُهُمْ﴾ (٥) فأسند الإعجاب إلى الأموال، والمعنى لا تعجب يا محمد بأموالهم. فتبيّن ما ذكرته فى هذا الفصل، فإذا عرفته عرفت جهل الذى زعم أنه كان حقّ العينين فى الآية النصب.

стр. 442

ويزيدك وضوحا فى أن معنى الرفع كمعنى النّصب، وأن الفعل فى كلا الوجهين محمول على معنى الصّرف، قول الزجّاج (١): إنّ معنى لا تعد عيناك عنهم: لا تصرف بصرك عنهم إلى غيرهم من ذوى الهيئات والزينة، وذلك أن جماعة من عظماء المشركين قالوا للنبى ﵇: باعد عنك هؤلاء الذين رائحتهم رائحة الضأن، وهم موال وليسوا بأشراف، لنجالسك ونفهم عنك، يعنون خبّابا وصهيبا وعمّارا وسلمان وبلالا، ومن أشبههم، فأمره الله أن يجعل إقباله على المؤمنين، ويلزم/نفسه مجالستهم، ولا يلتفت إلى قول من سوّل له مباعدتهم بقوله: ﴿وَلا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنا﴾ ومعنى أغفلنا قلبه: وجدناه غافلا (٢)، كقولك: لقيت فلانا فأحمدته، أى وجدته محمودا. وقال عمرو بن معديكرب لبنى الحارث بن كعب: «والله (٣) لقد سألناكم فما أبخلناكم، وقاتلناكم فما أجبنّاكم، وهاجيناكم فما أفحمناكم» أى ما وجدناكم بخلاء ولا جبناء ولا مفحمين. وقوله: ﴿وَكانَ أَمْرُهُ فُرُطاً﴾ قال المفسّرون: سرفا، وقال بعضهم: سرفا وتضييعا، وقال أبو عبيدة (٤): ندما، وقال ابن قتيبة كقول أبى عبيدة، وقال: أصله العجلة والسّبق، يقال: فرط منه قول قبيح: أى سبق، ومنه فرس فرط: أى متقدّم للخيل.

стр. 443

وقال الزجّاج (١): أى كان أمره التّفريط، والتّفريط: تقديم العجز، وقال الفرّاء (٢): كان أمره متروكا لإفراطه فى القول، يعنى عيينة بن حصن الفزارىّ، قال: نحن رءوس مضر وأشرافها، إن أسلمنا أسلم الناس، وعاب سلمان وأشباهه. آخر المجلس. ...

стр. 444

المجلس الثالث والعشرون وهو مجلس يوم الثلاثاء، سلخ جمادى الأولى من سنة ستّ وعشرين وخمسمائة. تفسير قوله : ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اِجْتَنِبُوا كَثِيراً مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلا تَجَسَّسُوا وَلا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضاً أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتاً فَكَرِهْتُمُوهُ وَاِتَّقُوا اللهَ إِنَّ اللهَ تَوّابٌ رَحِيمٌ﴾ (١). يقال: اجتنبت الشىء: أى اعتزلته جانبا، وإن شئت أخذته من الجنابة، وهى البعد، قال علقمة بن عبدة (٢): فلا تحرمنى نائلا عن جنابة ... فإنّى امرؤ وسط البيوت غريب فالمعنى على هذا: باعدوا، وكلا القولين يرجع إلى أصل واحد. والظنّ هاهنا: /التّهمة، ومنه قراءة من قرأ: «وما هو على الغيب بظنين» (٣) أى بمتّهم، قال أبو علىّ فى كتاب العوامل: وعلى هذا قوله: «أو ظنين فى ولاء» والصواب: «أو ظنينا» هكذا هو منصوب، عطف على مستثنى موجب فى رسالة (٤)

стр. 445

عمر رضوان الله عليه إلى أبى موسى، وذلك قوله: «المسلمون عدول بعضهم على بعض إلا مجلودا فى حدّ، أو مجرّبا عليه شهادة زور، أو ظنينا فى ولاء أو نسب». وقال أبو إسحاق الزجّاج (١): أمر الله باجتناب كثير من الظّن، وهو أن نظنّ بأهل الخير سوءا، إذا كنّا نعلم أن الذى ظهر منهم خير، فأمّا أهل السوء والفسوق فلنا أن نظنّ بهم مثل الذى ظهر منهم. وقوله: ﴿وَلا تَجَسَّسُوا﴾: أى ولا تبحثوا عن الأخبار، ومنه أخذ الجاسوس، فهذا يعرف بالنّطق والسّمع، وقد يكون هذا المعنى باليد، كقولك: جسست الكبش بيدى، وذلك لتنظر أسمين هو أم هزيل. وقال ابن دريد (٢): وقد يكون الجسّ بالعين، وأنشد: فاعصوصبوا ثم جسّوه بأعينهم (٣) قال الضحّاك بن مزاحم: قوله: ﴿وَلا تَجَسَّسُوا﴾ أى لا تلتمس عورة أخيك، وقرأه (٤) أبو رجاء والحسن وابن سيرين: ﴿وَلا تَجَسَّسُوا﴾ بالحاء، وهو من إحساس البصر، ومنه قوله تعالى: ﴿هَلْ تُحِسُّ مِنْهُمْ مِنْ أَحَدٍ﴾ (٥) أى هل ترى؟

стр. 446

وقوله: ﴿وَلا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضاً﴾ قال قتادة بن دعامة: ذكر لنا أن الغيبة أن تذكر أخاك بما يشينه، وتعيبه بما فيه، فإن كذبت عليه فذاك البهتان، وقال الزّجّاج (١): الغيبة أن تذكر الإنسان من خلفه بسوء، وإن كان فيه السّوء، فأمّا ذكره بما ليس فيه فذلك البهت والبهتان، كذلك جاء عن النبىّ ﵌. وقوله: ﴿أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتاً فَكَرِهْتُمُوهُ﴾ الهاء فى ﴿فَكَرِهْتُمُوهُ﴾ عائدة على الأكل، وفى الكلام اختصار/شديد، والتقدير فيما أراه أن الجملة التى هى ﴿فَكَرِهْتُمُوهُ﴾ خبر لمبتدإ مقدّر، وبعدها تقدير كلامين حذفا للدلالة عليهما، كأنه قيل: فأكل لحم أخيكم ميتا كرهتموه، والغيبة مثله فاكرهوها، والجملة من المبتدأ المحذوف وخبره معطوفة على الجواب الذى يقتضيه الاستفهام، لأن قوله: ﴿أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتاً﴾ جوابه: لا و «لا» إنما تقع فى الجواب نائبة عن جملة، وكذلك كل حرف جوابىّ، نحو بلى ونعم، يقوم مقام جملة، فإذا قال القائل: ألم أكرمك؟ قلت: بلى، فالتقدير: بلى قد أكرمتنى، وإن قلت: لا، فالتقدير: لا لم تكرمنى، فالحرف الجوابىّ ينوب عن هذه الجملة، وربّما جيء بها مذكورة بعده توكيدا كقوله تعالى: ﴿أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ* قالُوا بَلى قَدْ جاءَنا نَذِيرٌ﴾ (٢) وإذا عرفت هذا فجواب قوله: ﴿أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتاً﴾ تقديره: لا يحبّ أحد منّا ذلك، فقيل لهم: فأكل لحم أخيكم ميتا كرهتموه، والغيبة مثله فاكرهوها. ﴿وَاِتَّقُوا اللهَ﴾ فيجوز أن يكون قوله: ﴿وَاِتَّقُوا اللهَ﴾ معطوفا على هذا الأمر المقدّر، ويجوز أن يكون معطوفا على ما تقدّم من الجملة الأمريّة فى أول الآية، وهى قوله: ﴿اِجْتَنِبُوا كَثِيراً مِنَ الظَّنِّ﴾

стр. 447

ويجوز أن يكون معطوفا على الجملة النّهييّة التى هى قوله: ﴿وَلا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضاً﴾ فإن عطفته على المحذوف المقدّر فحسن، ونظيره قوله: ﴿اِضْرِبْ بِعَصاكَ الْحَجَرَ فَانْفَجَرَتْ﴾ (١). التقدير: فضرب فانفجرت، وقد جاء ما هو أكثر من هذا، وهو تقدير معطوفين، فى قوله جلّ اسمه: ﴿فَقُلْنا اِضْرِبُوهُ بِبَعْضِها كَذلِكَ يُحْيِ اللهُ الْمَوْتى﴾ (٢) التقدير: فضربوه (٣) فحيى، وجاء ما هو أشدّ من هذا، وهو تقدير ثلاث جمل معطوفة فى قوله تعالى: ﴿وَقالَ الَّذِي نَجا مِنْهُما وَاِدَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ أَنَا أُنَبِّئُكُمْ بِتَأْوِيلِهِ فَأَرْسِلُونِ﴾ -ثم قال: - ﴿يُوسُفُ أَيُّهَا الصِّدِّيقُ﴾ (٤) فالتقدير: فأرسلوه فأتى يوسف فقال له: /يوسف أيّها الصدّيق. فحذوف القرآن كثيرة عجيبة، والذى ذكرته من التقديرات والحذوف فى هذه الآية مشتمل على حقيقة الإعراب مع المعنى. وذكر الزجّاج وأبو علىّ فى تفسير قوله: ﴿فَكَرِهْتُمُوهُ﴾ تفسيرا تضمّن المعنى دون حقيقة الإعراب، قال الزجّاج فى تقدير (٥) المحذوف: فكما تكرهون أكل لحمه ميتا، كذلك تجنّبوا ذكره بالسّوء [غائبا (٦)] وقال أبو علىّ فى التذكرة: فكما (٧) كرهتم أكل لحمه ميتا فاكرهوا غيبته واتّقوا الله.

стр. 448

وقال الفرّاء: فقد كرهتموه فلا تفعلوه (١)، يريد: فقد كرهتم أكل لحمه ميتا فلا تغتابوه، فإنّ هذا كهذا (٢)، فلم يفصح بحقيقة المعنى. وقرئ فيما خرج عن القراءات المشهورة ﴿فَكَرِهْتُمُوهُ﴾ بالتشديد (٣)، على ما لم يسمّ فاعله، أى بغّض إليكم. وقرأ نافع بن أبى نعيم [ميّتا (٤)] بالتشديد، والميّت والميت بمعنى، كالهيّن والهين، واللّيّن واللّين، والطّيّب والطّيب، ومنه طيبة، اسم المدينة، سمّاها به رسول الله ﵌، مخفّفة من طيّبة، ويدلّك على أنه لا فرق بين الميّت والميت قول الشاعر (٥): ليس من مات فاستراح بميت ... إنما الميت ميّت الأحياء ألا ترى أنه أوقع المخفّف والمشدّد على شيء واحد، قال أبو علىّ فى الحجّة: وكذلك قول الآخر: ومنهل فيه الغراب الميت (٦) قال: فلو شدّد لجاز.

стр. 449

قلت: يجوز ذلك إذا أخرج عمّا بعده، لأن بعده: سقيت منه القوم واستقيت وانتصاب «ميت» فى الآية على الحال من «أخيه» وقد قدّمت فيما مرّ من الأمالى (١) أن الحال من المضاف إليه مما قلّ استعماله، وجاء ذلك فى قول الجعدىّ (٢): كأنّ حواميه مدبرا وفى قول أبى الصّلت الثقفىّ (٣): فى رأس غمدان دارا منك محلالا فى أحد الوجهين، وسأذكر لك إن شاء الله شرح هذين البيتين، بعد استقصاء الكلام فى «كلّ وبعض» وذلك أنه تعالى جدّه قطع «بعضا» عمّا يقتضيه من الإضافة فى قوله: ﴿وَلا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضاً﴾ وكذلك قوله: ﴿كُلٌّ آمَنَ بِاللهِ﴾ (٤) والأصل: لا يغتب بعضكم بعضكم، وكلّهم آمن بالله، ولتقدير الإضافة فيهما امتنع بعض النّحويين من إدخال الألف واللام عليهما، ويجوز فى قياس قول سيبويه، وفى رأى أبى علىّ، لحاق الألف واللام لهما، وذلك أن سيبويه أجاز فى قول الشاعر (٥): ترى خلقها نصفا قناة قويمة ... ونصفا نقا يرتجّ أو يتمرمر

стр. 450

[يروى: «ترى خلفها» ودل على ذلك قوله: «ونصفا نقا» وذلك لأن العجيزة لا تكون إلا خلفها (١)]. أن تنصب نصفا على أنه حال (٢)، يعنى أنه كان أصله: ترى خلقها قناة قويمة نصفا، ونقا يرتجّ نصفا، فلما قدّم وصف النكرة عليها، صار انتصابه على الحال، ولمّا أجاز انتصاب «نصف» على الحال دلّ ذلك على أنه عنده نكرة، وإذا كان نكرة جاز دخول الألف واللام عليه، لأنه إنما يكون فى قطعه عن الإضافة معرفة، إذا قدّرت إضافته إلى معرفة، وإذا لم تقدّر إضافته إلى معرفة كان نكرة، وإذا كان نكرة جاز دخول الألف واللام عليه، كما جاء فى التنزيل: ﴿فَلَهَا النِّصْفُ﴾ (٣) وكلّ وبعض مجراهما مجرى نصف، لأنه يقتضى الإضافة إلى ما هو نصف له، كما أن كلاّ يقتضى الإضافة إلى ما هو كلّ له، وبعضا يقتضى الإضافة إلى ما هو بعض له، فإذا قدّرت إضافة كلّ وبعض إلى المعارف كانا معرفتين، وإذا قدّرت إضافتهما إلى النّكرات كانا نكرتين، فهما فى هذا بمنزلة نصف، تقول: نصف دينار، ونصف الدينار، وكلّ رجل، وكلّ الرجال، وبعض رغيف، وبعض الرغيف. قال أبو علىّ: وممّا يدلّ على صحة جواز دخول الألف واللام عليهما أن أبا الحسن الأخفش حكى أنهم يقولون: مررت بهم كلاّ، فينصبونه على الحال، ويجرونه مجرى: مررت بهم جميعا، وإذا جاز انتصابه على الحال، فيما حكاه عن

стр. 451

/العرب، فلا إشكال فى جواز دخول الألف واللام عليه، ولا اعتبار بما وقع من المعارف فى مواقع الأحوال، كقولهم (١): طلبته جهدك، ورجع عوده على بدئه، وأرسلها العراك، لأن هذه مصادر عملت فيها أفعال من ألفاظها مقدّرة، وتلك الأفعال واقعة فى مواقع الأحوال، والأفعال نكرات فلا يمتنع وقوع الفعل موقع الحال، والتقدير: طلبته تجهد جهدك، ورجع يعود عوده، وأرسلها يعارك بعضها بعضها العراك. فإن قيل: فقد قالوا: القوم فيها الجمّاء الغفير، فنصبوا الجمّاء على الحال، وفيه الألف واللام وليس بمصدر. قيل: إن النحويين قد قدّروا الألف واللام فى هذا الاسم تقدير الزّيادة، كما قدّروهما زائدين فى قولهم: إنى لأمرّ بالرجل مثلك فيكرمنى، وكما جاءت زيادتهما فى مواضع كثيرة نحو: على قنّة العزّى وبالنّسر عندما (٢) و: يا ليت أمّ العمر كانت صاحبى (٣)

стр. 452

و: وجدنا الوليد بن اليزيد مباركا (١) وكزيادتهما فى الذى ونحوه، وإذا ساغ التأويل فى قولهم: «هم فيها الجمّاء الغفير» لم يكن لمن جعل الحال معرفة حجّة فى ذلك، وتأنيث الجمّاء لتأنيث الجماعة، واشتقاقها من الجمّ وهو الكثير، وفى التنزيل: ﴿وَتُحِبُّونَ الْمالَ حُبًّا جَمًّا﴾ (٢) والغفير: مأخوذ من الغفر، وهو التّغطية والسّتر، كأنهم يسترون الأرض بكثرتهم. فإن قلت: فقد قالوا: كلّمته فاه إلى فىّ، فنصبوا المضاف إلى المعرفة على الحال وليس بمصدر فنعمل فيه فعلا من لفظه، ونحكم بأن فعله واقع موقع الحال، ولا هو من أسماء الفاعلين وغيرها، مما يقدّر بإضافته (٣) الانفصال. فالجواب: أن «فاه» عند النحويين منتصب بمحذوف مقدّر، وذلك المحذوف كان هو الحال فى الحقيقة، وهذا المنصوب المعرفة قائم مقامه، وتقديره: جاعلا (٤) /فاه إلى فىّ. على أنّ هذه الكلم التى وضعوها مواضع الأحوال وهى معارف، لو كانت خالية

стр. 453

من تأويل يدخلها فى حيّز النّكرات لما ساغ الاحتجاج بها، لأن ذلك عدول عن العامّ الشائع إلى الشاذّ النادر. فقد ثبت بما ذكرنا أن دخول الألف واللام على «كلّ وبعض» جائز من جهتين: إحداهما أنك لا تقدّرهما مضافين إلى معرفة، وإذا لم تقدّر إضافتهما إلى معرفة جريا مجرى «نصف» وغيره من النّكرات المتصرّفة. والجهة الأخرى: أن يكون «كلّ» على ما ذكره أبو الحسن من استعمالهم إيّاه حالا بمعنى جميعا، فيجوز دخول الألف واللام عليه، كما دخلا فى الجميع، فقد ثبت بهذا أنّ من امتنع من دخول الألف واللام عليهما مخطئ. فإن قيل: فقد علمت أن «كلاّ وبعضا» مما لا ينفكّ من الإضافة لفظا ومعنى، أو معنى لا لفظا، فهما فى ذلك بمنزلة «قبل وبعد» فما الفرق بينهما وبين «قبل وبعد» حتى أجزتم دخول الألف واللام عليهما، ولم يأت ذلك فى «قبل وبعد» وحتى (١) جاء بناء «قبل وبعد» على الضمّ فى حال إفرادهما، إذا قدّرا مضافين إلى معرفة، ولم يأت ذلك فى كلّ وبعض؟ فالجواب: أنّ امتناع الألف واللام من الدخول على «قبل وبعد» من حيث لم يستعملا إلاّ ظرفين ناقصى التمكّن، فجريا فى ذلك مجرى الظّروف التى لم تتمكّن كإذ ولدن وعند ولدى، وساغ البناء فيهما إذا أفردا لنقصان تمكّنهما فى حال الإضافة، ألا تراهما لا يرفعان مضافين، وليس بعد نقصان التمكّن مع حذف المضاف إليه، وهو جار مجرى بعض أجزاء المضاف إلا البناء، وليس كذلك «كلّ وبعض»، لأنهما اسمان متمكّنان كلّ التمكّن، فأنعم النظر فيما ذكرته لك من هذه الفصول، لتعرف حقيقتها بتوفيق الله.

стр. 454

المجلس الرابع والعشرون / وهو مجلس يوم الثلاثاء، الثامن من جمادى الآخرة، سنة ستّ وعشرين وخمسمائة. يتضمّن قول النابغة الجعدىّ فى وصف فرس: كأنّ حواميه مدبرا ... خضبن وإن كان لم يخضب (١) حجارة غيل برضراضة ... كسين طلاء من الطّحلب الحاميتان: ناحيتا الحافر عن يمين وشمال، وقال ابن قتيبة (٢): «الحاميتان عن يمين السّنبك وشماله، والسّنبك: طرف مقدّم الحافر»، وقيل: الحامية: أعلى الحافر، والقول الأوّل أثبت. والغيل: الماء الجارى على وجه الأرض. والرّضراضة: [الأرض (٣)] الصّلبة، ويستحبّ فى الحوافر أن تكون سودا أو خضرا لا يبيضّ منها شيء، لأنّ ابيضاضها رقّة، شبّه حوافره بحجارة مقيمة فى ماء قليل، وذلك أصلب لها، ويقال للصّخرة التى بعضها فى الماء وبعضها خارج: أتان

стр. 455

الضّحل، والضّحل: الماء القليل، وذلك النهاية فى صلابتها، وإيّاها عنى المتنبّى بقوله: أنا صخرة الوادى إذا ما زوحمت (١) وإذا كانت جوانب الحافر صلابا، على الوصف الذى ذكرناه، وكانت سودا أو خضرا، فمقاديمها أصلب وأشدّ سوادا أو خضرة. وقوله: «خضبن» عند أبى علىّ: فى موضع نصب، بأنه حال من الحوامى، والعامل فيه ما فى «كأنّ» من معنى الفعل، كقول النابغة الآخر، فى وصف قرن الثّور، ونفوذه فى صفحة الكلب: كأنّه خارجا من جنب صفحته ... سفّود شرب نسوه عند مفتأد (٢) والشّرب: جمع شارب، والمفتأد: المطبخ والمشتوى. ولم يجعل «خضبن» خبر كأنّ، لأنه جعل خبرها قوله: «حجارة غيل» ولم يجز أن يكونا خبرين لكأنّ، على حدّ قولهم: هذا حلو حامض (٣)، أى قد جمع الطّعمين، قال: لأنك لا تجد فيما أخبروا/عنه بخبرين أن يكون أحدهما مفردا والآخر جملة، لا تقول: زيد خرج عاقل. والقول عندى أن يكون موضع «خضبن» رفعا بأنه خبر كأنّ، وقوله:

стр. 456

«حجارة غيل» خبر مبتدأ محذوف، أى هى حجارة غيل، وأداة التشبيه محذوفة، كما قال: فهنّ إضاء صافيات الغلائل (١) أى مثل إضاء، والإضاء: الغدران، واحدها: أضاة، فعلة جمعت على فعال، كرقبة ورقاب، شبّه الدّروع فى صفائها بالغدران، ومثله فى حذف حرف التشبيه فى التنزيل: ﴿وَأَزْواجُهُ أُمَّهاتُهُمْ﴾ (٢) أى مثل أمّهاتهم فى تحريمهنّ عليهم، والتزامهم تعظيمهنّ. وأما قوله: «مدبرا» فحال من الهاء، والعامل على رأى أبى علىّ ما تقدّره فى المضاف إليه من معنى الجارّ، يعنى أن التقدير: كأنّ حوامى ثابتة له مدبرا، أو كائنة له، قال: ولا يجوز تقديم هذه الحال، لأنّ العامل فيها معنى لا فعل محض، قال: ولا يجوز أن يكون العامل فى قوله: «مدبرا» ما فى «كأن» من معنى الفعل، لأنه إذا عمل فى حال لم يعمل فى أخرى، يعنى أنّ «كأن» قد عمل فى موضع «خضبن» النصب على الحال، فلا يعمل فى قوله: «مدبرا». وهذا القول يدلّ على أنه يجيز أن ينصب حال المضاف إليه العامل فى المضاف، وإذا كان هذا جائزا عنده، وقد قرّرت لك أن تجعل (٣) «خضبن» خبر كأن، فالعامل إذا

стр. 457

فى قوله «مدبرا» ما فى كأنّ من معنى الفعل، وهذا-أعنى نصب حال المضاف إليه بالعامل فى المضاف-إنما يجوز إذا كان المضاف ملتبسا بالمضاف إليه، كالتباس الحوامى بما هى له، ولا يجوز فى قولك: ضربت غلام هند جالسة، أن تنصب «جالسة» بضربت، لأن الغلام غير ملتبس بهند، كالتباس الحوامى بصاحبها، ولا يجوز عندى أن تنصب «جالسة» بما تقدّره من معنى اللام فى المضاف إليه، فكأنك قلت: ضربت غلاما كائنا لهند جالسة، لأن ذلك يوجب أن يكون الغلام لهند فى حال جلوسها خاصّة، وهذا مستحيل، فكذلك قوله: «كأنّ حواميه مدبرا» إن قدّرت/فيه: حوامى ثابتة له مدبرا، وجب أن يكون الحوامى له فى حال إدباره، دون حال إقباله، وهذا يوضّح لك فساد إعمالك فى هذه الحال معنى الجارّ المقدّر فى المضاف إليه، فلا يجوز إذا: ضربت غلام هند جالسة لذلك (١)، ولعدم التباس المضاف بالمضاف إليه. ونظير ما ذكرناه: من جواز مجىء الحال من المضاف إليه إذا كان المضاف ملتبسا به، قوله تعالى: ﴿فَظَلَّتْ أَعْناقُهُمْ لَها خاضِعِينَ﴾ (٢) أخبر بخاضعين عن المضاف إليه، ولو أخبر عن المضاف لقال: خاضعة، أو خضّعا أو خواضع، وإنما حسن ذلك، لأن خضوع أصحاب الأعناق بخضوع أعناقهم (٣)، وقد قيل فيه غير هذا، وذلك ما جاء فى التفسير، من أنّ المراد بأعناقهم كبراؤهم، وقال أهل اللغة: أعناقهم: جماعاتهم، كقولك: جاءنى عنق (٤) من الناس: أى جماعة، فالخبر فى هذين القولين عن الأعناق. وقال أبو علىّ فى «مخضّب» من قول الأعشى (٥):

стр. 458

أرى رجلا منكم (١) ... أسيفا كأنّما يضمّ إلى كشحيه كفّا مخضّبا أقوالا: أحدها: أن يكون (٢) وصفا لكفّ، وقال: يجوز أن يكون كقوله (٣): ولا أرض أبقل إبقالها ويجوز أن يكون حمل الكفّ على العضو، كما حمل الآخر البئر على القليب، فى قوله: يا بئر يا بئر بنى عدىّ ... لأنزحن قعرك بالدّلىّ (٤) حتى تعودى أقطع الولىّ أى حتّى تعودى قليبا أقطع (٥) الولىّ، لأنّ التذكير فى القليب أكثر، ألا ترى أنهم قد قالوا فى جمعه: أقلبة، يعنى أن أفعلة هو القياس فى جمع ما كان على فعيل ونحوه، كفعال وفعال [وفعال (٦)] إذا كان واقعا على مذكّر، كقفيز وحمار وغراب وفدان (٧)، فإذا كان اسما لمؤنّث غلب عليه جمعه على أفعل، كيمين وأيمن، وشمال

стр. 459

وأشمل، وعناق/وأعنق، وعقاب وأعقب، وأتان وآتن، وقد جاء فى القليب التّذكير والتأنيث، فجمعهم إياه على أقلبة، كقفيز وأقفزة، دليل على قوّة التذكير فيه، فلمّا لم يقل: قطعاء الولىّ، علمنا أنه حمل البئر على القليب. وأمّا «الولىّ» فكأنه أراد به الماء الذى يلى الماء الموجود فى البئر، إذا نزح الموجود وليه ماء آخر، كان معدوما فظهر. قال أبو علىّ: ومثله فى الحمل على المعنى قول الأعشى أيضا (١): لقوم وكانوا هم المنفدين ... شرابهم قبل إنفادها أنّث الشّراب، حيث كان الخمر فى المعنى، كما ذكّر «الكفّ» حيث كان عضوا فى المعنى، وهذا النحو كثير. قلت: إن قوله: «لقوم» وصف لنكرة تقدّم ذكرها [فى قوله (٢)]: فباتت ركاب بأكوارها ... لدينا وخيل بألبادها وإنما قال: «باتت ركاب بأكوارها، وخيل بألبادها» لأنهم جاءوا فى طلب الخمر، فباتت ركابهم وخيلهم بحالها، لأنهم على سفر، والرّكاب: إبل القوم التى يركبونها ويمتارون عليها، وواحد الأكوار: كور، وهو رحل البعير بأداته. وفى تأنيث الضمير من قوله: «قبل إنفادها» قولان: أحدهما أن يكون أراد قبل إنفاد عقولهم، فيكون من باب: ﴿ما تَرَكَ عَلى ظَهْرِها مِنْ دَابَّةٍ﴾ (٣) لأن ذكر الشّراب وإنفاده دليل على نفاد عقول شاربيه، وقد أشبعت الكلام على هذا الضّرب من الإضمار فيما سبق من (٤) الأمالى، وهذا قول الأصمعىّ.

стр. 460

والقول الآخر الذى ذكره أبو علىّ هو قول المورّج السّدوسىّ، وذلك حمل الشّراب على الخمر، ومفعول الإنفاد على هذا القول محذوف، أى قبل إنفادها عقولهم، والفاعل فى القول الأول هو المحذوف، أى قبل إنفاد الشّراب عقولهم، لأن فاعل المصدر يحذف كثيرا. /فإن قيل: ما وجه التّمدّح بإنفاد خمرهم قبل نفاد عقولهم؟ فالجواب: أنهم يمدحون ويتمدّحون بكثرة شرب الخمر، فيقولون: رجل خمّير وشرّيب، كما قال (١): شرّيب خمر مسعر لحروب وإنما بنوه على فعّيل، لأنه من أبنية التّكثير، ومثله: رجل سكّيت: كثير السّكوت، وإذا لم يكد يسكر شارب الخمر دلّ ذلك على إدمان شربها، وبذلك مدح المتنبى سيف الدّولة فى قوله (٢): تعجّبت المدام وقد حساها ... فلم يسكر وجاد فما أفاقا ومدح آخر فقال (٣): مرتك ابن إبراهيم صافية الخمر ... وهنّئتها من شارب مسكر السّكر قال أبو علىّ: ويجوز أن يكون جعل «المخضّب (٤)» للرجل، لأنك تقول: رجل مخضوب: إذا خضبت يده، كما تقول: مقطوع: إذا قطعت يده، فتقول على هذا: رجل مخضّب: إذا خضّبت يده، ويقوّى ذلك قول الشاعر:
следующие страницы →