← Адаб

Адаб · id 120922

أمالي ابن الشجري ت الطناحي

ابن الشجري

Полный текст (1 931 стр.). Показаны 456–495 · переход к 461.

стр. 456

«حجارة غيل» خبر مبتدأ محذوف، أى هى حجارة غيل، وأداة التشبيه محذوفة، كما قال: فهنّ إضاء صافيات الغلائل (١) أى مثل إضاء، والإضاء: الغدران، واحدها: أضاة، فعلة جمعت على فعال، كرقبة ورقاب، شبّه الدّروع فى صفائها بالغدران، ومثله فى حذف حرف التشبيه فى التنزيل: ﴿وَأَزْواجُهُ أُمَّهاتُهُمْ﴾ (٢) أى مثل أمّهاتهم فى تحريمهنّ عليهم، والتزامهم تعظيمهنّ. وأما قوله: «مدبرا» فحال من الهاء، والعامل على رأى أبى علىّ ما تقدّره فى المضاف إليه من معنى الجارّ، يعنى أن التقدير: كأنّ حوامى ثابتة له مدبرا، أو كائنة له، قال: ولا يجوز تقديم هذه الحال، لأنّ العامل فيها معنى لا فعل محض، قال: ولا يجوز أن يكون العامل فى قوله: «مدبرا» ما فى «كأن» من معنى الفعل، لأنه إذا عمل فى حال لم يعمل فى أخرى، يعنى أنّ «كأن» قد عمل فى موضع «خضبن» النصب على الحال، فلا يعمل فى قوله: «مدبرا». وهذا القول يدلّ على أنه يجيز أن ينصب حال المضاف إليه العامل فى المضاف، وإذا كان هذا جائزا عنده، وقد قرّرت لك أن تجعل (٣) «خضبن» خبر كأن، فالعامل إذا

стр. 457

فى قوله «مدبرا» ما فى كأنّ من معنى الفعل، وهذا-أعنى نصب حال المضاف إليه بالعامل فى المضاف-إنما يجوز إذا كان المضاف ملتبسا بالمضاف إليه، كالتباس الحوامى بما هى له، ولا يجوز فى قولك: ضربت غلام هند جالسة، أن تنصب «جالسة» بضربت، لأن الغلام غير ملتبس بهند، كالتباس الحوامى بصاحبها، ولا يجوز عندى أن تنصب «جالسة» بما تقدّره من معنى اللام فى المضاف إليه، فكأنك قلت: ضربت غلاما كائنا لهند جالسة، لأن ذلك يوجب أن يكون الغلام لهند فى حال جلوسها خاصّة، وهذا مستحيل، فكذلك قوله: «كأنّ حواميه مدبرا» إن قدّرت/فيه: حوامى ثابتة له مدبرا، وجب أن يكون الحوامى له فى حال إدباره، دون حال إقباله، وهذا يوضّح لك فساد إعمالك فى هذه الحال معنى الجارّ المقدّر فى المضاف إليه، فلا يجوز إذا: ضربت غلام هند جالسة لذلك (١)، ولعدم التباس المضاف بالمضاف إليه. ونظير ما ذكرناه: من جواز مجىء الحال من المضاف إليه إذا كان المضاف ملتبسا به، قوله تعالى: ﴿فَظَلَّتْ أَعْناقُهُمْ لَها خاضِعِينَ﴾ (٢) أخبر بخاضعين عن المضاف إليه، ولو أخبر عن المضاف لقال: خاضعة، أو خضّعا أو خواضع، وإنما حسن ذلك، لأن خضوع أصحاب الأعناق بخضوع أعناقهم (٣)، وقد قيل فيه غير هذا، وذلك ما جاء فى التفسير، من أنّ المراد بأعناقهم كبراؤهم، وقال أهل اللغة: أعناقهم: جماعاتهم، كقولك: جاءنى عنق (٤) من الناس: أى جماعة، فالخبر فى هذين القولين عن الأعناق. وقال أبو علىّ فى «مخضّب» من قول الأعشى (٥):

стр. 458

أرى رجلا منكم (١) ... أسيفا كأنّما يضمّ إلى كشحيه كفّا مخضّبا أقوالا: أحدها: أن يكون (٢) وصفا لكفّ، وقال: يجوز أن يكون كقوله (٣): ولا أرض أبقل إبقالها ويجوز أن يكون حمل الكفّ على العضو، كما حمل الآخر البئر على القليب، فى قوله: يا بئر يا بئر بنى عدىّ ... لأنزحن قعرك بالدّلىّ (٤) حتى تعودى أقطع الولىّ أى حتّى تعودى قليبا أقطع (٥) الولىّ، لأنّ التذكير فى القليب أكثر، ألا ترى أنهم قد قالوا فى جمعه: أقلبة، يعنى أن أفعلة هو القياس فى جمع ما كان على فعيل ونحوه، كفعال وفعال [وفعال (٦)] إذا كان واقعا على مذكّر، كقفيز وحمار وغراب وفدان (٧)، فإذا كان اسما لمؤنّث غلب عليه جمعه على أفعل، كيمين وأيمن، وشمال

стр. 459

وأشمل، وعناق/وأعنق، وعقاب وأعقب، وأتان وآتن، وقد جاء فى القليب التّذكير والتأنيث، فجمعهم إياه على أقلبة، كقفيز وأقفزة، دليل على قوّة التذكير فيه، فلمّا لم يقل: قطعاء الولىّ، علمنا أنه حمل البئر على القليب. وأمّا «الولىّ» فكأنه أراد به الماء الذى يلى الماء الموجود فى البئر، إذا نزح الموجود وليه ماء آخر، كان معدوما فظهر. قال أبو علىّ: ومثله فى الحمل على المعنى قول الأعشى أيضا (١): لقوم وكانوا هم المنفدين ... شرابهم قبل إنفادها أنّث الشّراب، حيث كان الخمر فى المعنى، كما ذكّر «الكفّ» حيث كان عضوا فى المعنى، وهذا النحو كثير. قلت: إن قوله: «لقوم» وصف لنكرة تقدّم ذكرها [فى قوله (٢)]: فباتت ركاب بأكوارها ... لدينا وخيل بألبادها وإنما قال: «باتت ركاب بأكوارها، وخيل بألبادها» لأنهم جاءوا فى طلب الخمر، فباتت ركابهم وخيلهم بحالها، لأنهم على سفر، والرّكاب: إبل القوم التى يركبونها ويمتارون عليها، وواحد الأكوار: كور، وهو رحل البعير بأداته. وفى تأنيث الضمير من قوله: «قبل إنفادها» قولان: أحدهما أن يكون أراد قبل إنفاد عقولهم، فيكون من باب: ﴿ما تَرَكَ عَلى ظَهْرِها مِنْ دَابَّةٍ﴾ (٣) لأن ذكر الشّراب وإنفاده دليل على نفاد عقول شاربيه، وقد أشبعت الكلام على هذا الضّرب من الإضمار فيما سبق من (٤) الأمالى، وهذا قول الأصمعىّ.

стр. 460

والقول الآخر الذى ذكره أبو علىّ هو قول المورّج السّدوسىّ، وذلك حمل الشّراب على الخمر، ومفعول الإنفاد على هذا القول محذوف، أى قبل إنفادها عقولهم، والفاعل فى القول الأول هو المحذوف، أى قبل إنفاد الشّراب عقولهم، لأن فاعل المصدر يحذف كثيرا. /فإن قيل: ما وجه التّمدّح بإنفاد خمرهم قبل نفاد عقولهم؟ فالجواب: أنهم يمدحون ويتمدّحون بكثرة شرب الخمر، فيقولون: رجل خمّير وشرّيب، كما قال (١): شرّيب خمر مسعر لحروب وإنما بنوه على فعّيل، لأنه من أبنية التّكثير، ومثله: رجل سكّيت: كثير السّكوت، وإذا لم يكد يسكر شارب الخمر دلّ ذلك على إدمان شربها، وبذلك مدح المتنبى سيف الدّولة فى قوله (٢): تعجّبت المدام وقد حساها ... فلم يسكر وجاد فما أفاقا ومدح آخر فقال (٣): مرتك ابن إبراهيم صافية الخمر ... وهنّئتها من شارب مسكر السّكر قال أبو علىّ: ويجوز أن يكون جعل «المخضّب (٤)» للرجل، لأنك تقول: رجل مخضوب: إذا خضبت يده، كما تقول: مقطوع: إذا قطعت يده، فتقول على هذا: رجل مخضّب: إذا خضّبت يده، ويقوّى ذلك قول الشاعر:

стр. 461

سقى العلم الفرد الذى فى ظلاله ... غزالان مكحولان مختضبان (١) فإذا استقام ذلك أمكن أن تجعل «مخضّبا» صفة لرجل المنكور، وإن شئت جعلته حالا من الضمير المرفوع فى يضمّ، أو المجرور فى قوله: «كشحيه» لأنهما فى المعنى لرجل المنكور. انتهى كلامه، وذلك فى باب ما أنّث من الأسماء من غير لحاق (٢) علامة من العلامات الثلاث به. وأقول (٣): إنك إذا جعلته حالا (٤) من المضمر فى «يضمّ» كان أمثل من أن تجعله حالا من المضاف إليه، إلا أن ذلك جاز لالتباس الكشحين بما أضيفتا إليه، وأما إجازته أن يكون وصفا لرجل، ففاسد فى المعنى، وهو محمول على ترك إنعام نظره فيه، لأنك إذا فعلت ذلك أخرجته من حيّز التشبيه والمجاز، فصار وصفا حقيقيّا، والشاعر لم يرد/ذلك، لأن الرجل الذى عناه لم يكن مخضّبا على الحقيقة، وإنما شبّهه بمن قطعت يده، وضمّها إليه مخضّبة بالدّم. والأسيف: الحزين، والأسيف [أيضا (٥)] والأسف: الشّديد الغضب، من قوله تعالى: ﴿وَلَمّا رَجَعَ مُوسى إِلى قَوْمِهِ غَضْبانَ أَسِفاً﴾ (٦) وقوله: ﴿فَلَمّا آسَفُونا﴾

стр. 462

﴿اِنْتَقَمْنا مِنْهُمْ﴾ (١). فالمعنى: أرى رجلا منكم (٢) حزينا أو شديد الغضب، كأنه من بغضه لى وغضبه علىّ (٣) قد قطعت كفّه فضمّها إلى خاصرتيه مخضّبة بدمها، فإذا جعلت «مخضّبا» وصفا لرجل، فالتقدير: أرى رجلا منكم مخضّبا، كأنه يضمّ إلى كشحيه كفّا، فجعلت التّخضيب حقيقة له، فأخرجته من التشبيه، وليس الأمر كذلك. فأما إجازته أن يكون قوله: «كفّا مخضّبا» كقول الآخر: ولا أرض أبقل إبقالها وأن يكون حمل الكفّ على العضو، فعليه اعتراض (٤)، وهو أن يقال: أىّ فرق بين هذين الوجهين، ونحن إنما نحمل الأرض فى قوله: ولا أرض أبقل إبقالها على المكان، كما نحمل الكفّ على العضو؟ والجواب: أنّ بينهما فصلا، وهو أن يجعل تأنيث الأرض فى قوله: ولا أرض أبقل إبقالها معتدّا به، إلا أنه مع الاعتداد به لمّا كان تأنيثا ضعيفا، لأنه غير حقيقىّ، وليست له علامة، جاز فى الضّرورة تذكير المضمر فى «أبقل»، ويجعل الكفّ بمنزلة العضو، فلا يعتدّ بتأنيثها، بل يجعلها مجرّدة من معنى التأنيث، حتى كأنه

стр. 463

قال: عضوا مخضّبا، ومثله فى حمل المؤنّث على النظير المذكّر قول المتنبى (١): مثّلت عينك فى حشاى جراحة ... فتشابها كلتاهما نجلاء كان الوجه أن يقول: فتشابهتا، ولكنه حمل الجراحة على الجرح، والعين على العضو. آخر المجلس. ...

стр. 464

المجلس الخامس والعشرون وهو مجلس يوم الثلاثاء، منتصف جمادى الآخرة، من سنة ستّ وعشرين وخمسمائة. يتضمّن ما وعدتك به من تفسير قول أبى الصّلت الثقفىّ: اشرب هنيئا عليك التاج مرتفقا ... فى رأس غمدان دارا منك محلالا (١) يقال: هنأه الطّعام والشّراب يهنئه، وما كان هنيئا، ولقد هنؤ، والمصدر الهنء، وكلّ ما لم يأت بمشقّة ولا عناء فهو هنيئ، وهنيئ اسم الفاعل من هنؤ، كظريف من ظرف، ويحتمل أن يكون معدولا عن هانئ، من قولك: هنأنى فهو هانئ، كما عدل رحيم وعليم، عن راحم وعالم، ومنه سمّى الرجل: هانئا، لا من قولهم. هنأت البعير: إذا طليته بالهناء، وهو القطران، ولذلك قال بعض العرب: إنما سمّيت هانئا لتهنئ (٢). وذهب أبو علىّ (٣) إلى أن «هنيئا» حال وقعت موقع الفعل، بدلا من اللفظ به، كما وقع المصدر فى قولهم: سقيا له ورعيا، بدلا من اللفظ بسقاه الله ورعاه الله،

стр. 465

فلا يجوز ظهور الفعل معه، لأنه قام مقامه، فصار عوضا عنه، فقوله: «هنيئا» لا تعلّق له باشرب، لأنه وقع موقع ليهنئك أو هنأك أو هنؤ، والتقدير: ليهنئك شربك. أو هنأك شربك، أو هنؤ شربك. قال: ويدلّك على كونه بدلا من الفعل تعاقبهما على الموضع الواحد، كقوله (١): أظفره الله فليهنئ له الظّفر فهذا بمنزلة: فهنيئا له الظّفر، واستدلّ أيضا على أن هنيئا صار بدلا من اللفظ بالفعل، بأنه أجرى بلفظ الإفراد على الجميع، فى قوله تعالى: ﴿كُلُوا وَاِشْرَبُوا هَنِيئاً بِما أَسْلَفْتُمْ﴾ (٢) وقوله: ﴿كُلُوا وَاِشْرَبُوا هَنِيئاً بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ. مُتَّكِئِينَ﴾ (٣) أراد أنه قال تعالى: ﴿هَنِيئاً﴾ ولم يقل: هنئين، فأفرد بعد لفظ الجمع، لأن «هنيئا» ناب عن الفعل، فصار بدلا من اللفظ به، والفعل لا يجمع فكذلك ما ناب عنه، فصار بدلا منه، وأجاز فى «متّكئين» أن يكون حالا من الواو فى «كلوا» وأن يكون حالا من المضمر فى «هنيئا» قال: وكونه حالا من المضمر فى «هنيئا» أقيس، لأنه أقرب إليه. /قال: وإذا ثبت أن «هنيئا» بدل من هنؤ أو هناك أو ليهنئك، لم يكن حالا من المضمر فى «اشرب» كما أن الفعل الذى هو بدل منه لا يكون كذلك، قال: ووجه كون «هنيئا» بدلا من الفعل من جهة القياس: أن الحال مشبهة (٤) للظّرف،

стр. 466

من حيث كانت مفعولا فيها، كما أن الظرف مفعول فيه، فمن حيث وقعت الظروف فى الأمر [العام (١)] وغيره بدلا من الفعل، فى قولهم: إليك ووراءك وعليك زيدا، ودونك عمرا، وجاءنى من عندك، والذى فى الدار زيد، كذلك وقعت الحال بدلا من الفعل. أراد أنّ إليك ووراءك، وقعا موقع: تنحّ وارجع، وعليك ودونك، وقعا موقع: الزم وخذ، ووقع الظرف فى قولك: جاءنى من عندك، والذى فى الدار زيد، موقع: استقرّ. قال: فكما قامت هذه الظروف مقام الأفعال، وصارت بمنزلتها، فكان كلّ واحد منها بدلا من فعل، كذلك صار الحال فى قولهم: هنيئا بدلا من الفعل الذى هو اهنأ أو ليهنئك أو هنأك أو هنؤ، ولمّا اجتمع الظرف والحال فيما ذكرنا، من كون كلّ واحد منهما مفعولا فيه، اجتمعا فى أن عملت فيهما معانى الأفعال، نحو: زيد فيها قائما، وكلّ (٢) يوم لك ثوب، ولولا ما ذكرناه من الشّبه بينهما ما كان من حكم المعنى أن يعمل فى الاسم المنتصب على الحال، ألا ترى أن الحال عبارة عن الاسم الذى يكون مفعولا به، فى نحو: ضربت زيدا مشدودا، فكما أن المفعول به لا تعمل فيه المعانى، كذلك كان القياس فيما هو عبارة عن المفعول به أن لا يعمل فيه المعنى، لولا ما حصل بين الظرف والحال من المناسبة. قال: ومثل قوله: «اشرب هنيئا» فى أنّ «هنيئا» غير متعلّق باشرب، وإن كان ذلك فيه جائزا قبل أن يكون بدلا: انتفاء تعلّق الظرف فى نحو: عندك زيدا، /ودونك بكرا، بالفعل الذى صار الظرف بدلا منه، وإن كان تعلّقه به جائزا قبل أن يقع موقعه، ويعمل عمله، فصار إذا ذكرته معه فكأنك كرّرت الفعل

стр. 467

مرّتين كقول القائل (١): إذا جشأت نفسى أقول لها ارجعى ... وراءك واستحيى بياض اللهازم فقوله: «ارجعى وراءك» بمنزلة ارجعى ارجعى، وعلى هذا حمل قول الله تعالى: ﴿قِيلَ اِرْجِعُوا وَراءَكُمْ﴾ (٢) [لا على أن «وراءكم» ظرف عمل فيه ارجعوا (٣)] ومنه ما أنشده أبو عبيدة (٤): فقلت لها فيئي إليك فإنّنى ... حرام وإنّى بعد ذاك لبيب فهذا كأنه قال: فيئي فيئي، ومثله قول الآخر فيما أنشده أحمد بن يحيى: اذهب إليك فإنّى من بنى أسد ... أهل القباب وأهل الخيل والنّادى (٥) انتهت الحكايات عن أبى علىّ ﵀. فإن قيل: فما فاعل الحال فى [قوله: «اشرب هنيئا» وما فاعل الفعل الذى صارت الحال بدلا منه على (٦)] قول أبى علىّ؟ فالجواب: أنّ الفاعل على قوله ضمير المصدر الذى دلّ عليه اشرب، فكأنه قيل: هنيئا شربك، وليهنئك شربك، وهنؤ شربك، وهنأك شربك، ومثله فى إضمار المصدر الذى دلّ عليه فعله قوله تعالى: ﴿وَنُخَوِّفُهُمْ فَما يَزِيدُهُمْ إِلاّ طُغْياناً﴾ (٧) أراد

стр. 468

فما يزيدهم التخويف، وقوله: ﴿وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتابِ لَكانَ خَيْراً لَهُمْ﴾ (١) أى لكان الإيمان. وقول الزجّاج فى تفسير قول الله تعالى: ﴿كُلُوا وَاِشْرَبُوا هَنِيئاً﴾ مخالف لقول أبى علىّ، وذاك أنه قال: إن «هنيئا» وقع وهو صفة فى موضع المصدر، فالمعنى: كلوا واشربوا هنئتم هنيئا [وليهنئكم ما صرتم إليه هنيئا (٢)] أراد أن «هنيئا» وقع موقع هناء، كما وقع قائما وصائما فى قول القائل: قم قائما قم قائما ... إنّى عسيت صائما (٣) فى موضع صياما وقياما، وعكس هذا إيقاع المصدر موقع اسم الفاعل فى نحو: ﴿إِنْ أَصْبَحَ ماؤُكُمْ غَوْراً﴾ (٤) أى غائرا، وموقع/اسم المفعول فى نحو: قتلته صبرا، أى مصبورا. وقول الزّجّاج أقيس من قول أبى علىّ، لأنه نصب «هنيئا» نصب المصدر،

стр. 469

والمصدر قد استعملته العرب بدلا من الفعل فى نحو: سقيا له ورعيا، وجاء هنيئا على قول الزّجّاج مفردا بعد لفظ الجمع فى قوله تعالى: ﴿كُلُوا وَاِشْرَبُوا هَنِيئاً﴾ لأنه وقع موقع المصدر، والمصدر يقع مفردا فى موضع التثنية، وفى موضع الجمع، كقولك: ضربتهما ضربا وقتلتهم (١) قتلا، لأنه اسم جنس، بمنزلة العسل والبرّ والزّيت، فلا يصحّ تثنيته [وجمعه (٢)] إلا أن يتنوّع، وجعل أبو الفتح بن جنّى «هنيئا» فى قول كثيّر (٣): هنيئا مريئا غير داء مخامر ... لعزّة من أعراضنا ما استحلّت حالا وقعت بدلا من اللفظ بالفعل، وخالف أبا علىّ فى تقدير ذلك الفعل، فزعم أن التقدير: ثبت هنيئا لعزّة ما استحلّت من أعراضنا، فحذف «ثبت» وأقام «هنيئا» مقامه فرفع به الفاعل الذى هو «ما استحلت»، وكذلك قال فى قول المتنبى (٤): هنيئا لك العيد الذى أنت عيده قال: العيد مرفوع بفعله، والأصل: ثبت هنيئا لك العيد، فحذف الفعل وقامت الحال مقامه، فرفعت الحال العيد، كما كان الفعل يرفعه. وقول أبى الفتح فى هذا أشبه من قول أبى علىّ، لأنّ أبا علىّ زعم أن هنيئا وقع موقع ليهنئك، وهذا لفظ أمر، والأمر لا يقع حالا، أو موقع هنأك، وهذا لفظ خبر يراد به الدعاء، كقولهم: رحم الله فلانا، والدعاء أيضا لا يكون حالا.

стр. 470

والفاعل فى «اشرب هنيئا» على تقدير أبى الفتح مضمر أيضا، كأنه قيل: اشرب ثبت هنيئا شربك، وقال أبو علىّ أيضا فى أثناء كلامه فى قوله: «اشرب هنيئا»: «فهذا بمنزلة اشرب واهنأ، جملة أتبعت جملة (١)»، فأتى فى التقدير بعاطف ليس فى الكلام، وصرّح بلفظ الأمر، والعدول عن هذا التقدير إلى ما قدّره ابن جنّى أولى، ثم إن أبا علىّ تلزمه المطالبة له بناصب هذه الحال، فلا بدّ/أن يقول إن الناصب لها هو الفعل الذى هو بدل منه، لأنه قد منع أن تكون متعلّقة باشرب، فالتقدير على مذهبه فيها: اهنأ هنيئا، وهذا كقولك، اجلس جالسا، أى اجلس فى حال جلوسك، وهذا كلام بعيد من الفائدة، ولا يلزم هذا الاعتراض الزّجّاج، لأن التقدير عنده: هنئتم هنيئا، أو ليهنئكم ما صرتم إليه هنيئا، كما أن التقدير فى قول القائل: قم قائما: قم قياما. فأمّا فتحة الظّرف من قولهم: وراءك أوسع لك (٢)، ومن قولهم: عندك زيدا، ودونك بكرا، فهى بناء عند حذّاق النحويّين، لأنّ الظرف وقع موقع الأمر المبنىّ، فأدّى معناه وعمل عمله. وأما قوله: «عليك التاج» فجملة فى موضع الحال، يجوز أن يكون العامل فى موضعها: اشرب، فيكون التقدير: اشرب متوّجا، ويجوز أن يكون العامل فى موضعها على مذهب أبى علىّ: هنيئا، كأنه قال: اهنأ متوّجا، ويعمل فيها على مذهب الزجّاج الفعل الذى نصب هنيئا نصب المصدر، والتقدير: هنئت هناء متوّجا. وأما قوله: «مرتفقا» فيمكن أن يكون حالا من أحد ثلاثة أشياء، وذلك الضمير الذى فى «اشرب» أو الذى فى «هنيئا» على قول أبى علىّ، أو الكاف من

стр. 471

«عليك» والضمائر الثلاثة واحد فى المعنى، لأنهنّ للمخاطب، وحسن أن يكون «مرتفقا» حالا من الكاف فى عليك، لقربها منه، ولملاءمة التّتويج للارتفاق، وهو الاتّكاء. وأما قوله: «فى رأس غمدان» فيمكن تعلّق الظرف فيه بعاملين: أحدهما «مرتفقا» والآخر ما فى «عليك» من معنى الفعل، فأما تعلّقه بمرتفق فعلى وجهين: أحدهما أن يكون ظرفا، كأنه بيّن موضع الارتفاق أين هو، والآخر أن يكون الظرف فى موضع الحال من الذّكر (١) الذى فى مرتفق، فيتعلّق/على هذا الوجه بمحذوف، وفيه ذكر يعود إلى ذى الحال، والتقدير: كائنا أو مستقرّا فى رأس غمدان، والثانى من العاملين اللذين جاز تعلّق الظرف بهما هو ما فى «عليك» من معنى الفعل. وتعلّق الظرف أيضا بعليك على ضربين: أحدهما أن يكون ظرفا، والآخر أن يكون حالا، فتعلّقه بعليك على وجه الظرف هو أن يبيّن الموضع الذى علاه فيه التاج، ولا ذكر فى الظرف على هذا الوجه، لأنه لم يتعلّق بمحذوف، وإنما تعلّق بمعنى الفعل، كما يتعلّق بنفس الفعل لو قيل: توّجت فى رأس غمدان، وإذا كان حالا فالعامل فيه العامل فى ذى الحال، وذو الحال أحد ثلاثة أشياء: إن شئت جعلته حالا من الضمير المستكنّ فى «عليك» العائد إلى التاج، وذلك فى قول من رفع التاج بالابتداء، وإن شئت جعلته حالا من التاج، فى قول (٢) من رأى أن يرفع هذا النحو بالظّرف، فالتاج مرتفع بعليك ارتفاع الفاعل، ولا ذكر فى «عليك» على هذا القول، والتاج إذا هو ذو الحال، وإن شئت كان ذا الحال الكاف من «عليك» كأنه قال: عليك التاج حالاّ فى رأس غمدان.

стр. 472

وأما قوله: «دارا» فحال من رأس غمدان، وأجاز أبو علىّ (١) أن يكون حالا من غمدان، قال: لأن الحال قد جاءت من المضاف إليه، نحو ما أنشده أبو زيد (٢): عوذ وبهثة حاشدون عليهم ... حلق الحديد مضاعفا يتلهّب وليس فى هذا البيت شاهد قاطع بأن «مضاعفا» حال من «الحديد» بل الوجه أن يكون حالا من «الحلق» لأمرين: أحدهما: ضعف مجىء الحال من المضاف إليه، على ما قدّمت ذكره فى أماكن من هذه الأمالى (٣)، والآخر: أن وصف الحلق بالمضاعف أشبه من وصف الحديد به، كما قال أبو الطيّب (٤): أقبلت تبسم والجياد عوابس ... يخببن فى الحلق المضاعف والقنا ويتوجّه ضعف ما قاله من جهة أخرى، وذلك أنه لا عامل (٥) [له] فى هذه الحال إذا كانت من الحديد، إلا ما قدّره فى الكلام من معنى الفعل بالإضافة، وذلك قوله: ألا ترى أنه لا تخلو الإضافة من أن تكون بمعنى اللام أو من (٦). وأقول: إنّ «مضاعفا» فى الحقيقة إنما هو حال من الذّكر المستكنّ فى «عليهم» إن رفعت «الحلق» بالابتداء، وإن رفعته بالظّرف على قول الأخفش والكوفيين، فالحال منه، لأن الظرف حينئذ يخلو من ذكر (٧).

стр. 473

فإن قيل: إن «دارا» اسم غير وصف، فكيف انتصب على الحال، ومن شرائط الحال الاشتقاق، لأنها صفة معنويّة، ومن شرط الصفة أن تكون مشتقّة. فالجواب: أنهم قد استعملوا أسماء لست بأوصاف أحوالا، فمن ذلك فى التنزيل قوله تعالى: ﴿هذِهِ ناقَةُ اللهِ لَكُمْ آيَةً﴾ (١) وقولهم: «هذا بسرا أطيب منه رطبا (٢)» وقولهم: «العجب من برّ مررنا به قبل قفيزا بدرهم (٣)» قال أبو علىّ: وهذا من طريق القياس بيّن أيضا، لأن الحال إنما هى زيادة فى الخبر، فكما أن الخبر يكون تارة اسما وتارة وصفا، فكذلك الزيادة عليه. وأقول: إن هذه الأسماء التى استعملوها أحوالا، لا بدّ لها من تأويل يدخلها فى حيّز المشتق، كما قالوا: «مررت بقاع عرفج كلّه (٤)»، لأنهم ذهبوا به مذهب خشن كلّه، وقوله تعالى حاكيا عن صالح ﵇: ﴿هذِهِ ناقَةُ اللهِ لَكُمْ آيَةً﴾ أراد علامة دالّة على أنى نبىّ، وقولهم: «هذا بسرا أطيب منه رطبا» تقديره: هذا إذا كان صلبا أطيب منه إذا كان ليّنا، وقولهم: «العجب من برّ مررنا به قبل قفيزا بدرهم» أى مقدّرا ثمانية مكاكيك بدرهم، وكذلك نصب «دارا» على الحال، لأنه ذهب بها مذهب المسكن والمنزل.

стр. 474

وقوله: «منك» وصف لدار، بتقدير حذف مضاف، أى دارا من دورك. /ومحلال: من الحلول، وهو النّزول، وجاء بلفظ التذكير، والدار اسم مؤنّث، لأنّ ما جاء على مفعال يستوى فيه الذكور والإناث، كاستوائهما فى فعول، قالوا: امرأة مذكار ومئناث، كما قالوا: امرأة صبور وشكور. ...

стр. 475

المجلس السادس والعشرون وهو مجلس يوم الثلاثاء سلخ جمادى الآخرة، سنة ستّ وعشرين وخمسمائة. سألتنى سدّدك الله وأيّدك، ووفّقك لما يرضيه وأرشدك، أن أذكر لك أبيات أبى الصّلت التى منها: اشرب هنيئا عليك التاج مرتفقا وأفسّر منها ما يجب تفسيره، والممدوح بها سيف بن ذى يزن الحميرىّ، وذلك أنه بعد ظفره بالحبشة واستقراره فى دار مملكته، وفدت عليه وفود العرب يهنّئونه بالملك والظّفر، ودخل عليه أبو الصّلت فى وفد ثقيف، وقيل: إن قائل هذه الأبيات أميّة بن أبى الصّلت (١)، فأنشده: ليطلب الوتر أمثال ابن ذى يزن ... لجّج فى البحر للأعداء أحوالا أتى هرقل وقد شالت نعامته ... فلم يجد عنده القول الذى قالا ثمّ انتحى نحو كسرى بعد سابعة ... من السّنين لقد أبعدت قلقالا حتّى أتى ببنى الأحرار يقدمهم ... تخالهم فوق سهل الأرض أجبالا لله درّهم من عصبة صبر ... ما إن رأيت لهم فى الناس أمثالا

стр. 476

بيض مرازبة غلب أساورة ... أسد تربّب فى الغيضات أشبالا حملت أسدا على سود الكلاب فقد ... أضحى شريدهم فى البحر فلاّلا (١) اشرب هنيئا عليك التاج مرتفقا ... فى رأس غمدان دارا منك محلالا (٢) /ثمّ اطّل المسك (٣) ... إذ شالت نعامتهم وأسبل اليوم فى برديك إسبالا هذى المكارم لا قعبان من لبن ... شيبا بماء فعادا بعد أبوالا (٤) الوتر: الذّحل، قال يونس: أهل العالية يقولون: الوتر، بالكسر، فى العدد والذّحل، وتميم تقول: وتر، بالفتح فيهما. وكان ذو يزن ملكا، وإليه نسبت الرّماح اليزنيّة. وأذواء اليمن كان منهم ملوك، ومنهم أقيال، والقيل: دون الملك، فمن الأذواء الأوائل: أبرهة ذو المنار، وابنه عمرو، ذو الأدعار، والمنار: مفعل من النّور (٥)، والأدعار: جمع عود دعر (٦)، وهو الكثير الدّخان، وقيل هو: الأذعار بالذال المعجمة (٧)،

стр. 477

وبعد ذى الأدعار بدهر: «ذو معاهر»، واسمه حسّان، واشتقاق معاهر من العهر، وهو الفجور، واشتقاق حسّان من الحسّ، وهو القتل، من قوله جلّت عظمته: ﴿إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ﴾ (١) ولو اشتققته من الحسن صرفته، ولم ينصرف فى القول الأوّل، لأنه فعلان، وتصرفه فى الثانى، لأنّه فعّال. وبعد ذى المعاهر بزمان «ذو رعين الأكبر» واسمه يريم، ورعين: اسم حصن كان له، وهو فى الأصل تصغير رعن، والرّعن: الأنف النّادر من الجبل، ويريم من قولك: فلان لا يريم مكانه: أى لا يبرح من مكانه، قال زهير (٢): لمن طلل برامة لا يريم و «ذو رعين الأصغر» واسمه عبد كلال. وبعده بدهر: «ذو شناتر» واسمه ينوف، من قولهم: ناف الشىء ينوف: إذا طال وارتفع، والشّناتر (٣): الأصابع فى لغة أهل اليمن. ومنهم «ذو القرنين» واسمه الصّعب، و «ذو غيمان» وهو من الغيم، الذى هو العطش وحرارة الجوف، و «ذو أصبح» وإليه تنسب السّياط الأصبحيّة، و «ذو سحر وذو جدن» وجدن: اسم مرتجل، و «ذو شعبان» و «ذو فائش» واسمه سلامة، وفائش: من الفياش، وهو المفاخرة، و «ذو حمام» والحمام: حمى الإبل (٤)، و «ذو ترخم» من قولهم: ما أدرى أىّ ترخم

стр. 478

هو؟ أى أىّ الناس، و «ذو يحصب» من قولهم: حصبه يحصبه: إذا رماه بالحصباء، وهى الحصى الصّغار، و «ذو عسيم (١)»، ويحتمل أن يكون من العسم، وهو يبس فى المرفق، وأن يكون من العسم، وهو الطّمع، و «ذو قثاث» واشتقاقه من قولهم: قثّ يقثّ: إذا جمع، و «ذو حوال» واسمه عامر، وحوال: من المحاولة، وهى الطّلب، و «ذو مهدم» وهو مفعل من هدمت البيت، و «ذو الجناح» واسمه شمر، و «ذو أنس» والأنس: الجماعة من الناس، و «ذو سحيم» وسحيم: تصغير أسحم، وهو الشّديد السّواد، و «ذو الكباس» والكباس: الرجل العظيم الرأس، و «ذو حفار» وهو من قولك: حفر البئر. و «ذو نواس» واسمه زرعة، ونواس من النّوس، وهو تذبذب الشىء وشدّة حركته، وسمّى بذلك لضفيرتين كانتا تنوسان على عاتقه، وهو صاحب الأخدود الذى حرّق فيه المؤمنين، وكانوا نصارى من أهل نجران، على الدّين الأول الذى جاء به عيسى بن مريم ﵇، وكان ذو نواس دعاهم إلى اليهوديّة فأبوا فحرّقهم، ثم ظهرت الحبشة على اليمن، فحاربوا ذا نواس أشدّ حرب، فلما أيقن بالهلاك اعترض البحر بفرسه، فكان آخر العهد به، وذكره عمرو بن معديكرب، فى شعر قاله لعمر رضى الله عنه، وقد خفقه عمر بالدّرّة، لكلام دار بينهما فقال: أتضربنى كأنك ذو رعين ... بأنعم عيشة أو ذو نواس (٢) فكم ملك قديم قد رأينا ... وعزّ ظاهر الجبروت قاس فأصبح أهله بادوا وأضحى ... ينقّل من أناس فى أناس /فقال: صدقت يا أبا ثور، وقد هدم ذلك كلّه الإسلام

стр. 479

ومنهم «ذو الكلاع الأكبر، وذو الكلاع الأصغر» وأدرك الأصغر الإسلام، كتب إليه النبىّ ﵌، مع جرير بن عبد الله البجلىّ، فأسلم وأعتق يوم أسلم أربعة آلاف عبد، وهاجر بقومه فى أيام أبى بكر رضى الله عنه إلى المدينة، ثم سكنوا حمص. واشتقاق الكلاع من الكلع، وهو شقاق ووسخ يكون فى القدم، يقال منه: كلعت رجله، وروى فى كاف «ذى الكلاع» الضم والفتح، كما قالوا: سفيان وسفيان، فضمّوا سينه وكسروها (١)، وكما قالوا: القطامىّ والقطامىّ، بفتح القاف وضمّها. ومنهم «ذو عثكلان» وعثكلان من الأسماء المرتجلة، و «ذو ثعلبان» والثّعلبان: ذكر الثّعالب، و «ذو زهران» و «ذو مكارب» من قولهم: رجل ذو مكارب: أى ذو مفاصل شداد، واحدها مكرب، و «ذو مناخ» وكان نزل (٢) ببعلبكّ. و «ذو ظليم» واسمه حوشب، والحوشب: العظيم البطن، والظّليم: ذكر النّعام، وشهد ذو الظليم صفّين مع معاوية. و «يزن»: اسم مرتجل، وهو غير مصروف فى حال السّعة، لأن أصله: يزأن، مثل يسأل، فخفّفوا همزته، فصار وزنه: يفل، مثل يسل، ومنهم من ردّ عينه فى النّسب، فقال (٣): رمح يزأنىّ. ولجّج: ركب لجج البحر، ولجّة البحر: معظمه، وقوله: «للأعداء» أى لطلب الأعداء، وقوله: «أحوالا» أراد جمع حول، لا جمع حال، وقوله: «شالت نعامته» أى تفرّقت جماعته.

стр. 480

و «هرقل» غير مصروف للتعريف والعجمة، وهو اسم ملك الرّوم، وكان وفد عليه سيف يستنصره على الحبشة، فشاور فى ذلك وزراءه، فقالوا له: إن الحبشة على دينك، وهذا دينه مخالف لدينك، فوعده ومطله سنين، فلما يئس منه رجع إلى الحيرة، فصار إلى ملك من ملوك فارس، /وهو هرمز بن قباذ، فبعث معه جندا، فأمّر عليهم إسوارا من أكابر أساورته يقال له: وهرز، وكان قد أتى عليه مائة وعشرون سنة، وسقط حاجباه على عينيه، فساروا فى البحر فى عشر سفائن، فغرق منها ثلاث، وأرفئوا ما بقى منها إلى ساحل عدن، وتسامعت بهم الحبشة، فاجتمعوا إلى ملكهم مسروق بن أبرهة، واستعدّوا لقتالهم، وخرج مسروق على فيل، وعلى رأسه تاج من ذهب، وبين عينيه ياقوته حمراء، وانضمّ إلى سيف جمع كثير من أهل اليمن، والتقوا فاقتتلوا مليّا، فقال وهرز: على أىّ الدوابّ ملكهم؟ فقالوا: على الفيل، فقاتلهم ساعة، فقالوا له: قد تحوّل إلى فرس، فقاتلهم ساعة، فقالوا له: قد تحوّل إلى بغل، فقال (١): ابن الحمار! ذلّ الأسود وذلّ ملكه، ثم قال: اسمتوا لى سمته، فلما استقرّ بصره عليه، وقد رفع حاجبيه عن عينيه، أخذ قوسه ولم يكن أحد يوترها غيره، وسدّد إليه سهما، وقال: إنى راميه رمية، فإن أكبّت عليه الحبشة ولم يتفرّقوا، فاحملوا عليهم فإنى قد قتلته، وإن أكبّوا عليه ثم تفرّقوا، فلا تبرحوا مكانكم. ثم نزع فى قوسه فرماه ففلق الياقوتة، وتغلغل السهم فى رأسه، فخرّ لوجهه، فأكبّت عليه الحبشة ولم يتفرّقوا، فحملت الفرس عليهم، فقتلوا من أدركوه منهم وانهزم الباقون، فكان الرجل منهم يأخذ العود، فيضعه فى فيه يستأمن به، ويدخل النفر منهم [إلى (٢)] الحائط أو الدار، فتقتلهم النساء والصّبيان، حتى أتى على آخرهم.

стр. 481

وكان كسرى عهد إلى وهرز فقال: إذا ظفرت بالحبشة فاجمع وجوه أهل اليمن، وسلهم عن سيف، فإن كان ابن ملوكها كما زعم، فتوّجه بهذا التاج وملّكه عليهم، وإن كان كاذبا فاقتله واكتب إلىّ لأكتب إليك برأيى، فلما تمكّن فى البلد جمع أبناء الملوك ورؤساء اليمن، وقال لهم: كيف سيف فيكم؟ فقالوا: ملكنا وابن أملاكنا، أدرك بثأرنا، فتوّجه وملّكه، وكتب إلى كسرى بذلك، فأقرّ/وهرز ومن معه باليمن، فهم الأبناء (١) إلى اليوم. وقوله: «أبعدت قلقالا» القلقال: سرعة الحركة، ورجل قلقل: خفيف، وبعير قلاقل: سريع، وليس فى الكلام فعلال إلاّ من المضاعف (٢)، نحو الخضخاض، وهو ضرب من القطران، والجثجاث، وهو نبت، ومن الصّفات الحسحاس، وهو من الرّجال: السّخىّ المطعم، والقسقاس: الدّليل الهادى. وقوله: «حتّى أتى ببنى الأحرار» سمّيت فارس: الأحرار، لأنهم خلصوا من سمرة العرب وشقرة الرّوم وسواد الحبشة، وكلّ خالص فهو حرّ، وطين حرّ: لا رمل (٣) فيه. والمرازية: واحدهم مرزبان، وهو العظيم من الفرس، قال سويد بن أبى كاهل اليشكرىّ: ومنّا بريد إذ تحدّى جموعكم ... فلم تقربوه، المرزبان المسوّر (٤)

стр. 482

ولهذا البيت قصّة، وفيه ما يقتضى كلاما وسؤالا، وسأذكر ذلك بعد انتهاء الكلام فيما نحن فيه، إن شاء الله تعالى. وقوله: «غلب أساورة» واحد الغلب: أغلب، وهو الغليظ العنق، وواحد الأساورة: أسوار، وهو الفارس من الفرس، وقد كسر بعضهم أوّله، والضمّ أشهر (١). وقوله: «تربّب فى الغيضات» الغيضة: الأجمة، وتربّب: تربّى. وقوله: أضحى شريدهم فى البحر فلاّلا (٢) وضع الشّريد فى موضع الشّراد، فلذلك وصفه بفلاّل (٣)، وفعيل كثيرا ما تستعمله العرب فى معنى الجماعة، كما جاء فى التنزيل: ﴿وَالْمَلائِكَةُ بَعْدَ ذلِكَ ظَهِيرٌ﴾ (٤) وجاء: ﴿وَحَسُنَ أُولئِكَ رَفِيقاً﴾ (٥) و ﴿خَلَصُوا نَجِيًّا﴾ (٦). وغمدان: قصر كان بصنعاء، لم ير مثله من البنيان القديم، وكانت الملوك تنزله حتّى هدمه عثمان بن عفّان رضى الله عنه فى أيّامه، وله رسوم باقية إلى اليوم، وصنعاء من المدن التى لا يدرى من بناها: صنعاء باليمن، وإصطخر بفارس، والأبلّة بالعراق، وتدمر بالشام. وقول سويد بن أبى كاهل:

стр. 483

ومنّا بريد إذ تحدّى جموعكم ... فلم تقربوه، المرزبان المسوّر (١) فبارزه منّا غلام بصارم ... حسام إذا لاقى الضّريبة يبتر قاله لبنى شيبان يوم ذى قار، وقد برز إسوار من عظماء الأعاجم مسوّر، فى أذنيه درّتان، فتحدّى للبراز، فنادى فى بنى شيبان، فلم يبارزه أحد، فدنا من بنى يشكر فدعا إلى البراز، فخرج إليه بريد (٢) بن حارثة، أخو بنى ثعلبة بن عمرو، فطعنه فأرماه عن فرسه، ثم نزل إليه فأجهز عليه ضربا بالسيف، وأخذ حليته وسلاحه، ففخر سويد بذلك على بنى شيبان. وقوله: «تحدّى جموعكم» يقال: تحدّى فلان فلانا: إذا دعاه إلى أمر ليظهر عجزه فيه، ونازعه الغلبة فى قتال أو كلام أو غير ذلك، ويقول له إذا أراد ذلك منه: أنا حديّاك، أى أبرز لك وحدى (٣)، والنبىّ ﵌ تحدّى العرب قاطبة بالقرآن، حيث قالوا: افتراه، فأنزل الله عليه: ﴿أَمْ يَقُولُونَ اِفْتَراهُ قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَياتٍ﴾ (٤) فلما عجزوا عن الإتيان بعشر سور تشاكل القرآن، قال تعالى: ﴿قُلْ فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ﴾ (٥) ثم كرّر هذا فقال: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمّا نَزَّلْنا عَلى عَبْدِنا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ﴾ (٦) أى من كلام مثله، وقيل (٧): من

стр. 484

بشر مثله، ويحقّق القول الأوّل الآيتان المقدّم ذكرهما، فلمّا عجزوا عن أن يأتوا بسورة تشبه القرآن، على كثرة الخطباء فيهم والبلغاء، قال: ﴿قُلْ لَئِنِ اِجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيراً﴾ (١). فإن قيل: فما العامل فى «إذ» من قوله: «إذ تحدّى جموعكم» وهل يجوز أن يعمل فيه «تحدّى»؟ فالجواب: لا يصحّ أن يعمل فيه «تحدّى» لأن المضاف (٢) إليه لا يعمل فى المضاف، من حيث كان المضاف إليه حالاّ محلّ التنوين من المضاف، معاقبا له، فهو متنزّل/منزلة جزء من أجزاء المضاف، وإذا فسد أن يعمل فيه «تحدّى» احتمل العامل فيه تقديرين: أحدهما أنّ قوله: «ومنّا بريد» كلام افتخر فيه ببريد، وفعله فى ذلك اليوم، فكأنه قال: فخرناكم ببريد إذ تحدّى جموعكم المرزبان، أو أفخرنا بريد، أى جعلنا نفخر. والتقدير الآخر، أن يكون أراد: اذكروا إذ تحدّى جموعكم المرزبان، كما قيل فى قوله : ﴿وَإِذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي جاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾ (٣) إن التقدير: واذكر إذ قال ربّك للملائكة، وقد ظهر هذا العامل المقدّر هاهنا فى قوله تعالى: ﴿وَاُذْكُرُوا إِذْ كُنْتُمْ قَلِيلاً فَكَثَّرَكُمْ﴾ (٤). والهاء من قوله: تقربوه عائدة على المرزبان، وإن كان مؤخّرا فى اللفظ فإنه مقدّم فى المعنى، لأن أصل الكلام: إذ تحدّى جموعكم المرزبان فلم تقربوه، ومثله فى إعمال الأول: أكرمنى وأكرمته زيد، عادت الهاء من قولك: أكرمته، على زيد،

стр. 485

وهو مؤخّر، لأن النيّة به التقديم، ومثله فى إعمال الأول قول ذى الرّمّة (١): ولم أمدح لأرضيه بشعرى ... لئيما أن يكون أصاب مالا ...

стр. 486

المجلس السابع والعشرون وهو مجلس يوم الثلاثاء، سابع رجب، سنة ستّ وعشرين وخمس مائة. قال زيد بن عبد (١) ربّه، وقيل: ليزيد بن الحكم الثّقفىّ: تكاشرنى كرها كأنّك ناصح ... وعينك تبدى أنّ صدرك لى دوى (٢) لسانك لى أرى وعينك (٣) ... علقم وشرّك مبسوط وخيرك ملتوى أراك إذا لم أهو أمرا هويته ... ولست لما أهوى من الأمر بالهوى /عدوّك يخشى صولتى إن لقيته ... وأنت عدوّى ليس هذا بمستوى

стр. 487

وكم موطن لولاى طحت كما هوى ... بأجرامه من قلّة النّيق منهوى إذا ما ابتنى المجد ابن عمّك لم تعن ... وقلت ألا (١) بل ليت بنيانه خوى وإنّك إن قيل ابن عمّك غانم ... شج أو عميد أو أخو مغلة لوى تملّأت من غيظ عليه فلم يزل ... بك الغيظ حتى كدت بالغيظ تنشوى وقال النّطاسيّون إنّك مشعر ... سلالا ألا بل أنت من حسد جوى جمعت وفحشا غيبة ونميمة ... خلالا ثلاثا لست عنها بمرعوى فليت كفافا كان خيرك كلّه ... وشرّك عنّى ما ارتوى الماء مرتوى (٢) قوله: «تكاشرنى» يقال: كاشر الرجل الرجل: إذا كشر كلّ واحد منهما لصاحبه، وهو أن يبدى له أسنانه عند التبسّم. وقوله: «كرها» مصدر وقع فى موضع الحال، أى كارها، ومثله فى التنزيل: ﴿لا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّساءَ كَرْهاً﴾ (٣) أى كارهات، والكره بالضم: اسم للمكروه، ومنه: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ﴾ (٤) وقيل إنهما لغتان، مثل الشّرب والشّرب، والضّعف والضّعف، /ومن غير المصادر: الدّفّ والدّفّ، والشّهد والشّهد. والدّوى: الذى به داء. والأرى: العسل، والعلقم: الحنظل الأخضر.

стр. 488

وقوله: «لسانك لى أرى وعينك علقم» من باب: «فهنّ إضاء صافيات (١)» ﴿وَأَزْواجُهُ أُمَّهاتُهُمْ﴾ (٢) وأبو يوسف أبو حنيفة، وأداة التشبيه فى هذا كلّه محذوفة، وبتقديرها انتصب المميّز فى قولك: زيد زهير شعرا، وأخوك حاتم جودا، وفى قول مهيار (٣): أين ظباء المنحنى ... سوالفا وأعينا أراد: أين أمثال ظباء المنحنى، فحذف المضاف وأعمله مقدّرا فى النّكرة المفسّرة. وقوله: «يخشى صولتى» الصّولة: مصدر صال (٤) عليه، إذا استطال عليه، والمراد بالصّولة الكثرة، كالصّول، وليست بمنزلة الضّربة من الضّرب، والقولة من القول، ولكنهما كالغلبة والغلب، فالصّولة مصدر جاء على فعلة، كالرّحمة، فإذا قلت: فلان ذو صولة، لم ترد أنه يفعل ذلك مرّة فقط. وقوله: «وكم موطن» أى كم مكان حرب، ومقام حرب، وفى التنزيل: ﴿لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللهُ فِي مَواطِنَ كَثِيرَةٍ﴾ (٥) أى مكانات (٦) حرب، ويروى: «وكم خطّة»

стр. 489

والخطّة: الحال الشاقّة، ويقال: طاح الرجل يطوح ويطيح، إذا هلك، فمن قال: يطوح قال: طحت، مثل قلت، ومن قال: يطيح قال: طحت، مثل بعت. وقوله: «كما هوى بأجرامه» يقال: هوى يهوى هويّا، إذا سقط، وبأجرامه: أى بذنوبه (١)، جمع جرم، ويروى «بإجرامه» مصدر أجرم، يقال: جرم وأجرم، لغتان، إذا أذنب، وأجرم لغة القرآن. والنّيق: أرفع الجبل، وقلّته: ما استدقّ من رأسه، والجملة التى هى «لولاى طحت» محلّها جرّ على النعت لموطن، والعائد منها إلى الموصوف محذوف مع حرف الجرّ، والتقدير: كم موطن لولاى طحت فيه، فحذف «فيه» فى مرّة (٢)، ومنهم من يقدّر حذف الجارّ أوّلا، ثم حذف الضّمير بعده، وقد استوفيت القول فى هذا فى بعض ما قدّمته من الأمالى (٣). ويقال: خوى المنزل يخوى، مثل رمى يرمى، وخوى يخوى، مثل رضى يرضى، لغتان، الأولى منهما أشهر.

стр. 490

وقوله: شج أو عميد أو أخو مغلة لوى الشّجى: الحزين المهموم، والشّجى: الغصّان، وكلّ ما اعترض فى الحلق فمنع من الإساغة فهو شجى، والعميد: الذى فدحه (١) المرض حتى احتاج إلى أن يعمد، أى يسند، فهو فعيل فى معنى مفعول، وعميد القوم: هو سيّدهم، فعيل فى معنى فاعل، من قولك: عمدت الشىء: إذا جعلت له عمادا. والمغلة والمغل أيضا: وجع البطن، فيكون فى الدّوابّ عن أكل التّراب. واللّوى: الوجع الجوف، والمصدر اللّوى (٢). وقوله: «تنشوى» يقال: شويت اللحم فانشوى، هذا حقيقة مطاوع شويت، وقد قالوا: شويته فاشتوى، وهى رديئة (٣)، والصّحيح أن اشتويت بمعنى شويت، جاء منه افتعلت بمعنى فعلت، كما قالوا: قدرت واقتدرت، وعلوت واعتليت، فالمشتوى هو الرجل. والنّطاسىّ: العالم، وأراد بالنّطاسيّين العلماء بالطّبّ. وقوله: «مشعر سلالا» أى ملبس شعارا من سلال، والشّعار: ما ولى الجسد من الثّياب. والسّلال: السّلّ، والجوى: من الجوى، وهو داء القلب. وقوله:

стр. 491

جمعت وفحشا غيبة ونميمة (١) أراد: جمعت غيبة ونميمة وفحشا، فقدّم المعطوف على المعطوف عليه، ولا يجوز تقديم التابع على المتبوع للضّرورة إلا فى العطف، دون الصّفة والتوكيد والبدل، فلو قلت: ضربت رأسه زيدا، وأكلت كلّه الرغيف، لم يجز، وأشدّ من هذا فى الامتناع أن تقول: رأيت (٢) أجمعين القوم، لأنك أوليت «أجمعين» العامل، والعرب لم تستعمله إلا تابعا، وكذلك لا يجوز: مررت بالطويل زيد، على أن تجعل الطويل صفة لزيد، ولكن إن أردت: مررت بالرجل الطويل، فحذفت الموصوف/وأبدلت زيدا من الصّفة، جاز على قبح، لأن حذف الموصوف وإقامة الصفة مقامه مما شدّد فيه سيبويه (٣)، وإن كان قد ورد ذلك فى الاستعمال على شذوذه (٤)، كقوله تعالى: ﴿وَقَلِيلٌ مِنْ عِبادِيَ الشَّكُورُ﴾ (٥) أى العبد الشّكور، وكقوله: ﴿أَنِ اِعْمَلْ سابِغاتٍ﴾ (٦) أى دروعا سابغات، وكقوله: ﴿وَذلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ﴾ (٧) أى الأمّة القيّمة. وإنما جاز فى الضّرورة تقديم المعطوف على المعطوف عليه، ولم يجز ذلك فى الصفة والتوكيد والبدل، لأن المعطوف (٨) غير المعطوف عليه، والصّفة هى الموصوف،

стр. 492

وكذلك المؤكّد عبارة عن المؤكّد، والبدل إما أن يكون هو المبدل أو بعضه أو شيئا ملتبسا به. ومثل قوله: جمعت وفحشا غيبة ونميمة قول الآخر: ألا يا نخلة من ذات عرق ... عليك ورحمة الله السّلام (١) وقوله: «خلالا ثلاثا» بدل من قوله: «غيبة ونميمة وفحشا» بدل نكرة من نكرة، وجمع من جمع. وقوله: «لست عنها بمرعوى» يقال: ارعوى عن القبيح: أى رجع عنه. فصل فى وقوع المضمر بعد «لولا» التى يرتفع الاسم بعدها بالابتداء وللنحويين فى ذلك ثلاثة مذاهب: فمذهب سيبويه (٢) أنه يرى إيقاع المنفصل المرفوع بعدها هو الوجه، كقولك: لولا أنت فعلت كذا، ولولا أنا لم يكن كذا،

стр. 493

ولا يمتنع من إجازة استعمال المتّصل بعدها، كقولك: لولاى ولولاك ولولاه، ويحكم بأن المتّصل بعدها مجرور بها، فيجعل لها مع المضمر حكما يخالف حكمها مع المظهر. ومذهب الأخفش أن الضمير المتّصل بعدها مستعار للرفع، فيحكم بأن موضعه رفع بالابتداء، وإن كان بلفظ الضمير المنصوب أو المجرور، فيجعل حكمها مع المضمر موافقا حكمها مع المظهر. ومذهب أبى العباس محمد (١) بن يزيد أنه لا يجوز أن يليها من المضمرات إلا المنفصل المرفوع، واحتجّ بأنه لم يأت فى القرآن غير ذلك، وذلك قوله تعالى: ﴿لَوْلا أَنْتُمْ لَكُنّا مُؤْمِنِينَ﴾ (٢) وقد ذكرت أن هذا هو الوجه عند سيبويه، ولكنه وأبا الحسن الأخفش رويا عن العرب وقوع الضمائر المتّصلة بعدها، واحتج سيبويه بقول الشاعر فى هذه القصيدة: «وكم موطن لولاى طحت» ودفع أبو العباس الاحتجاج بهذا البيت، وقال: إن (٣) فى هذه القصيدة شذوذا فى مواضع، وخروجا عن القياس، فلا معرّج على هذا البيت. وأقول: إن الحرف الشاذّ أو الحرفين أو الثلاثة، إذا وقع ذلك فى قصيدة من الشعر القديم، لم يكن قادحا فى قائلها، ولا دافعا للاحتجاج بشعره، وقد جاء فى شعر لأعرابىّ:

стр. 494

لولاك هذا العام لم أحجج (١) وللمحتجّ لسيبويه أن يقول: إنه لما رأى الضمير فى لولاى ولولاك ولولاه، خارجا عن حيّز ضمائر الرفع، وليست لولا من الحروف المضارعة للفعل، فتعمل النصب كحروف النداء، ألحقها بحروف الجر. وحجّة الأخفش أن العرب قد استعارت ضمير الرفع المنفصل للنصب فى قولهم: لقيتك أنت، وكذلك استعاروه للجرّ فى قولهم: مررت بك أنت، أكّدوا المنصوب والمجرور بالمرفوع كما ترى، وأشدّ (٢) من هذا إيقاعهم إياه بعد حرف الجر فى قولهم: «أنا كأنت (٣)، وأنت كأنا»، فكما استعاروا المرفوع للنصب والجرّ فيما ذكرت لك، كذلك استعملوا (٤) المنصوب للرفع فى قولهم: لولاى ولولاك ولولاه، وكذلك خالف الأخفش سيبويه فى الضمير المتّصل بعسى فى قول بعض العرب: عسانى أن أفعل، وعساك أن تفعل، وعساه أن يفعل، فزعم/الأخفش أن هذا الضمير فاعل عسى، وإن كان بلفظ ضمير النصب، كما كان «أنت» فى قولهم: لقيتك أنت، فى محلّ النصب، وإن كان موضوعا للرفع، [فكذلك (٥)] تنزّل ضمير النصب فى عسانى وعساك وعساه وعساكما وعساكم وعساكنّ وعساهما وعساهم وعساهنّ [بمنزلة

стр. 495

الضمير فى عسيت وعسيتما وعسيتم وعسيتنّ، وعسينا وعسوا وعسين، ومذهب سيبويه (١) أن الضمير فى عسانى وعساك وعساه منصوب بمنزلة الضمير من رمانى ورماك ورماه، لأنه ضمير نصب اتصل بفعل فوجب الحكم بأنه مفعول، وقولك: أن أفعل وأن تفعل وأن يفعل (٢)] فاعل (٣) عسى، وجاز لعسى أن تخالف حكمها فتنصب الضمير، وحقّها أن ترتفع بها الضمائر، كما يرتفع بها الاسم الظاهر فى قولك: عسيت أن أفعل، وعسى زيد أن يفعل، لأنها مواخية لعلّ، لتقاربهما فى المعنى، فتنزّل عسانى وعساك وعساه، منزلة لعلّى ولعلّنى ولعلّك ولعلّه، وهذا عندى هو الوجه، ومذهب الأخفش مذهب يونس. ...
следующие страницы →