← Адаб

Адаб · id 120922

أمالي ابن الشجري ت الطناحي

ابن الشجري

Полный текст (1 931 стр.). Показаны 491–530 · переход к 496.

стр. 491

جمعت وفحشا غيبة ونميمة (١) أراد: جمعت غيبة ونميمة وفحشا، فقدّم المعطوف على المعطوف عليه، ولا يجوز تقديم التابع على المتبوع للضّرورة إلا فى العطف، دون الصّفة والتوكيد والبدل، فلو قلت: ضربت رأسه زيدا، وأكلت كلّه الرغيف، لم يجز، وأشدّ من هذا فى الامتناع أن تقول: رأيت (٢) أجمعين القوم، لأنك أوليت «أجمعين» العامل، والعرب لم تستعمله إلا تابعا، وكذلك لا يجوز: مررت بالطويل زيد، على أن تجعل الطويل صفة لزيد، ولكن إن أردت: مررت بالرجل الطويل، فحذفت الموصوف/وأبدلت زيدا من الصّفة، جاز على قبح، لأن حذف الموصوف وإقامة الصفة مقامه مما شدّد فيه سيبويه (٣)، وإن كان قد ورد ذلك فى الاستعمال على شذوذه (٤)، كقوله تعالى: ﴿وَقَلِيلٌ مِنْ عِبادِيَ الشَّكُورُ﴾ (٥) أى العبد الشّكور، وكقوله: ﴿أَنِ اِعْمَلْ سابِغاتٍ﴾ (٦) أى دروعا سابغات، وكقوله: ﴿وَذلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ﴾ (٧) أى الأمّة القيّمة. وإنما جاز فى الضّرورة تقديم المعطوف على المعطوف عليه، ولم يجز ذلك فى الصفة والتوكيد والبدل، لأن المعطوف (٨) غير المعطوف عليه، والصّفة هى الموصوف،

стр. 492

وكذلك المؤكّد عبارة عن المؤكّد، والبدل إما أن يكون هو المبدل أو بعضه أو شيئا ملتبسا به. ومثل قوله: جمعت وفحشا غيبة ونميمة قول الآخر: ألا يا نخلة من ذات عرق ... عليك ورحمة الله السّلام (١) وقوله: «خلالا ثلاثا» بدل من قوله: «غيبة ونميمة وفحشا» بدل نكرة من نكرة، وجمع من جمع. وقوله: «لست عنها بمرعوى» يقال: ارعوى عن القبيح: أى رجع عنه. فصل فى وقوع المضمر بعد «لولا» التى يرتفع الاسم بعدها بالابتداء وللنحويين فى ذلك ثلاثة مذاهب: فمذهب سيبويه (٢) أنه يرى إيقاع المنفصل المرفوع بعدها هو الوجه، كقولك: لولا أنت فعلت كذا، ولولا أنا لم يكن كذا،

стр. 493

ولا يمتنع من إجازة استعمال المتّصل بعدها، كقولك: لولاى ولولاك ولولاه، ويحكم بأن المتّصل بعدها مجرور بها، فيجعل لها مع المضمر حكما يخالف حكمها مع المظهر. ومذهب الأخفش أن الضمير المتّصل بعدها مستعار للرفع، فيحكم بأن موضعه رفع بالابتداء، وإن كان بلفظ الضمير المنصوب أو المجرور، فيجعل حكمها مع المضمر موافقا حكمها مع المظهر. ومذهب أبى العباس محمد (١) بن يزيد أنه لا يجوز أن يليها من المضمرات إلا المنفصل المرفوع، واحتجّ بأنه لم يأت فى القرآن غير ذلك، وذلك قوله تعالى: ﴿لَوْلا أَنْتُمْ لَكُنّا مُؤْمِنِينَ﴾ (٢) وقد ذكرت أن هذا هو الوجه عند سيبويه، ولكنه وأبا الحسن الأخفش رويا عن العرب وقوع الضمائر المتّصلة بعدها، واحتج سيبويه بقول الشاعر فى هذه القصيدة: «وكم موطن لولاى طحت» ودفع أبو العباس الاحتجاج بهذا البيت، وقال: إن (٣) فى هذه القصيدة شذوذا فى مواضع، وخروجا عن القياس، فلا معرّج على هذا البيت. وأقول: إن الحرف الشاذّ أو الحرفين أو الثلاثة، إذا وقع ذلك فى قصيدة من الشعر القديم، لم يكن قادحا فى قائلها، ولا دافعا للاحتجاج بشعره، وقد جاء فى شعر لأعرابىّ:

стр. 494

لولاك هذا العام لم أحجج (١) وللمحتجّ لسيبويه أن يقول: إنه لما رأى الضمير فى لولاى ولولاك ولولاه، خارجا عن حيّز ضمائر الرفع، وليست لولا من الحروف المضارعة للفعل، فتعمل النصب كحروف النداء، ألحقها بحروف الجر. وحجّة الأخفش أن العرب قد استعارت ضمير الرفع المنفصل للنصب فى قولهم: لقيتك أنت، وكذلك استعاروه للجرّ فى قولهم: مررت بك أنت، أكّدوا المنصوب والمجرور بالمرفوع كما ترى، وأشدّ (٢) من هذا إيقاعهم إياه بعد حرف الجر فى قولهم: «أنا كأنت (٣)، وأنت كأنا»، فكما استعاروا المرفوع للنصب والجرّ فيما ذكرت لك، كذلك استعملوا (٤) المنصوب للرفع فى قولهم: لولاى ولولاك ولولاه، وكذلك خالف الأخفش سيبويه فى الضمير المتّصل بعسى فى قول بعض العرب: عسانى أن أفعل، وعساك أن تفعل، وعساه أن يفعل، فزعم/الأخفش أن هذا الضمير فاعل عسى، وإن كان بلفظ ضمير النصب، كما كان «أنت» فى قولهم: لقيتك أنت، فى محلّ النصب، وإن كان موضوعا للرفع، [فكذلك (٥)] تنزّل ضمير النصب فى عسانى وعساك وعساه وعساكما وعساكم وعساكنّ وعساهما وعساهم وعساهنّ [بمنزلة

стр. 495

الضمير فى عسيت وعسيتما وعسيتم وعسيتنّ، وعسينا وعسوا وعسين، ومذهب سيبويه (١) أن الضمير فى عسانى وعساك وعساه منصوب بمنزلة الضمير من رمانى ورماك ورماه، لأنه ضمير نصب اتصل بفعل فوجب الحكم بأنه مفعول، وقولك: أن أفعل وأن تفعل وأن يفعل (٢)] فاعل (٣) عسى، وجاز لعسى أن تخالف حكمها فتنصب الضمير، وحقّها أن ترتفع بها الضمائر، كما يرتفع بها الاسم الظاهر فى قولك: عسيت أن أفعل، وعسى زيد أن يفعل، لأنها مواخية لعلّ، لتقاربهما فى المعنى، فتنزّل عسانى وعساك وعساه، منزلة لعلّى ولعلّنى ولعلّك ولعلّه، وهذا عندى هو الوجه، ومذهب الأخفش مذهب يونس. ...

стр. 496

المجلس الثامن والعشرون وهو مجلس يوم الثلاثاء، السادس والعشرين، من شعبان سنة ستّ وعشرين وخمسمائة. يتضمّن تفسير قوله من هذه الأبيات: فليت كفافا كان خيرك كلّه ... وشرّك عنّى ما ارتوى الماء مرتوى (١) قال بعض أهل الأدب: هذا البيت مشكل، وقد زاده تفسير أبى علىّ له إشكالا. وأقول: إن اسم (٢) ليت ضمير محذوف، وحذف هذا النحو مما تجوّزه الضرورة، فإن شئت قدّرته ضمير الشأن والحديث، وإن شئت قدّرته ضمير المخاطب. وكفافا: معناه كافّا، وهو خبر كان، وخيرك اسمها، وكلّه توكيد له، والجملة التى هى كان واسمها وخبرها خبر اسم ليت، فالتقدير على أن المحذوف ضمير الشأن: فليته كان خيرك كلّه كفافا، ومثله فى هذا الإضمار: ﴿إِنَّهُ أَنَا اللهُ﴾ (٣) أى

стр. 497

إن الشأن، أنا الله، ولا يلزم الجمل إذا كانت أخبارا عن ضمير الشأن أن تتضمّن عائدا إليه، لأن الجملة نفسها هى الشأن، فإن حكمت بأن التقدير: فليتك كان كفافا خيرك، فجائز، والعائد على اسم ليت الذى هو ضمير المخاطب الكاف من قوله: خيرك، /ومثله فى حذف الضمير على التقديرين (١) قول الآخر (٢): فليت دفعت الهمّ عنّى ساعة ... فبتنا على ما خيّلت ناعمى بال أراد: فليتك أو فليته. فإن قلت: هل يجوز (٣) أن تنصب «كفافا» بليت، وتجعل «كان» مستغنية بمرفوعها، بمعنى حدث ووقع، وتخبر بالجملة التى هى كان وفاعلها عن كفاف؟ قيل: إن ذلك لا يصحّ، لخلوّ الجملة التى هى كان ومرفوعها من عائد على كفاف، فلو قلت: ليت زيدا قام عمرو، لم يجز لعدم ضمير فى اللفظ وفى التقدير، راجع على اسم ليت، فإن قلت: إليه أو معه، أو نحو ذلك، صحّ الكلام. وأما قوله: «وشرّك (٤)» فقد روى مرفوعا ومنصوبا، فمن رفعه فبالعطف على اسم كان، و «مرتوى» فى رأى أبى علىّ خبره، وكان حقّ «مرتوى» أن ينتصب، لأنه معطوف على «كفافا» كما تقول: كان زيد جالسا وبكر قائما، تريد: وكان بكر قائما، فكأنه قال: ليتك أو ليت الشأن كان خيرك كفافا، وكان شرّك مرتويا

стр. 498

عنّى، وأسكن ياء «مرتوى» فى موضع النصب، لإقامة الوزن، كقول بشر: كفى بالنأى من أسماء كافى (١) وكان حقّه كافيا، لأنه حال، كما قال الآخر: كفى الدهر لو وكّلته بى كافيا (٢) ومن روى «وشرّك» نصبا، حمله على ليت، وليس المراد بالحمل على ليت أنه منصوب بالعطف على منصوب ليت المذكورة، لأن منصوبها غير ملفوظ به، ولأنك لو لفظت بضمير الشأن لم يجز العطف عليه، لأنه مجهول غير عائد على مذكور، فكيف وهو محذوف؟ ولكنك تحمله على ليت أخرى تقدّرها، وليس هذا إضمارا لليت، ولكنه حذف لها، على نية الاعتداد بها، حتى كأنّها فى اللفظ، وحسّن ذلك تقدّم ذكرها. ومثله فى إعمال ليت وهى محذوفة، جرّ رؤبة بالباء المقدّرة، وقد قيل له: /كيف أصبحت؟ فقال: «خير عافاك الله (٣)»، فالتقدير: وليت شرّك مرتوى [عنّى، فمرتوى (٤)] فى هذا الوجه مرفوع، لأنه خبر ليت، فهذا الذى أراده أبو علىّ بقوله: إن حملت العطف على كان، كان مرتوى (٥)، [فى موضع نصب، وإن حملته على

стр. 499

ليت، نصبت قوله: وشرّك. ومرتوى] مرفوع، و «عن» فى الوجهين متعلّقة بمرتوى، وجاز تعلّقها به، حملا على المعنى، لا بموجب اللفظ، لأن حقّ اللفظ أن يقول: ارتويت منه أو به، ولكنه محمول على معنى كافّ، لأن الشارب إذا روى كفّ عن الشّرب. ومثله فى القرآن: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ﴾ (١) وليس حقّ خالف أن يعدّى بعن، ولكنه محمول على معنى يعدلون عن أمره، ومثله تعدية الرّفث بإلى، فى قوله تعالى: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيامِ الرَّفَثُ إِلى نِسائِكُمْ﴾ (٢) ولا يقال: رفثنا إلى النساء، إلا أن ذلك جاء حملا على الإفضاء فى قوله: ﴿وَقَدْ أَفْضى بَعْضُكُمْ إِلى بَعْضٍ﴾ (٣) وقد استقصيت هذا الفنّ فيما تقدم (٤). وارتوى بمعنى روى، جاء افتعل بمعنى فعل، كقولهم: رقى وارتقى، ومثله من الصّحيح خطف واختطف. و «الماء» بمقتضى ما ذهب إليه أبو علىّ مرفوع، وفى رفعه تأويلان: أحدهما أن تقدّر مضافا، أى ما ارتوى شارب الماء، أو أهل الماء، وحذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه، فاكتسى إعرابه، كقول مهلهل (٥): واستبّ بعدك يا كليب المجلس أى أهل المجلس، وفى التنزيل: ﴿وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ﴾ (٦) [أى حبّ العجل (٧)].

стр. 500

والتأويل الآخر: أن يراد: ما ارتوى الماء نفسه، وجاز أن يوصف الماء بالارتواء، على طريق المبالغة، كما جاء وصفه بالعطش للمبالغة فى قول المتنبي (١): وجبت هجيرا يترك الماء صاديا وما هذه مصدريّة زمانيّة، فهى وصلتها فى تأويل ارتواء، وموضعها بصلتها نصب على الظرف، بتقدير مضاف، أى مدّة ما ارتوى الماء، أى مدّة ارتواء الماء، ومثله فى التنزيل: ﴿خالِدِينَ فِيها ما دامَتِ السَّماواتُ﴾ (٢) أى مدّة دوام السّماوات. وقد تكلّف بعض المتأخرين نصب الماء فى القول الذى ذهب إليه أبو علىّ فى البيت، وذلك على إضمار فاعل ارتوى، قياسا على ما حكاه سيبويه، من قولهم: «إذا كان غدا فأتنى (٣)»، أى إذا كان ما نحن فيه من الرّخاء أو البلاء غدا، فقدّر: ما ارتوى الناس الماء، وأنشد على هذا قول الشاعر (٤): فإن كان لا يرضيك حتّى تردّنى ... إلى قطرىّ ما إخالك راضيا أراد إن كان لا يرضيك شأنى، أوما أنا عليه، فأضمر ذلك للعلم به. وأقول: إن الإضمار فيما حكاه سيبويه، وفى البيت الشاهد، حسن؛ لأنه معلوم، وتقدير إضمار الناس فى قوله: «ما ارتوى الماء» بعيد.

стр. 501

وغير أبى علىّ ومن اعتمد على قوله، رووا نصب (١) «الماء» ولم يرووا فيه الرفع، فلزموا ظاهر اللفظ والمعنى، فذهبوا إلى أن فاعل ارتوى مرتوى، وأبو طالب العبدىّ منهم، وذلك أنه ذكر لفظ أبى علىّ فى تعريب البيت، ثم قال: وأنا مطالب بفاعل ارتوى، ثم مثّل قوله: «ما ارتوى الماء مرتوى» بقوله: ما شرب الماء شارب، أى أبدا، فدلّ كلامه على أنه لم يعرف المعنى الذى ذهب إليه أبو علىّ، من نصب مرتوى، على أنه خبر كان، أو رفعه على أنه خبر ليت. والقول عندى فيه أن الالتزام (٢) بالظاهر على ما ذهب إليه العبدىّ أشبه بمذاهب العرب فيما يريدون به التأبيد، كقولهم: لا أفعل (٣) كذا ما طار طائر، ولا أكلّمك ما سمر سامر، وقد مرّ بى كلام لأبى علىّ، ذهب عنى مكانه، يتضمّن تجويز رفع مرتوى بارتوى، وأنا منذ زمان أجيل فكرى وطرفى فى تعرّف المكان الذى سنح لى فيه كلامه، فلا أقف عليه (٤). و «عن» فيما ذهب إليه العبدىّ متعلّقة بمعنى «كفافا» كأنه قال: فليتك كان خيرك وشرّك كافّا عنى ما ارتوى الماء مرتوى. فأما نصب «الماء» فبتقدير حذف الجارّ، أى ما ارتوى من الماء، أو بالماء، وحذف الجارّ ثم إيصال الفعل إلى المجرور به مما كثر استعماله فى القرآن والشّعر، فمن ذلك قوله تعالى: ﴿وَاِخْتارَ مُوسى قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلاً﴾ (٥) أراد: من قومه، ومثله

стр. 502

قول الفرزدق (١): ومنّا الذى اختير الرّجال سماحة وقول رؤبة (٢)، وذكر النبىّ ﵌: تحت التى اختار له الله الشّجر أى تحت التى اختارها الله له من الشجر، يعنى الشجرة التى بويع رسول الله ﵌ تحتها، ومنه قوله تعالى: ﴿وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجاتٍ﴾ (٣) أى إلى درجات (٤)، وقوله: ﴿وَلا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكاحِ﴾ (٥) أى على عقدة النكاح (٦)، كما قال القائل (٧):

стр. 503

عزمت على إقامة ذى صباح ... لأمر ما يسوّد من يسود ومن حذف الباء قوله تعالى: ﴿إِنَّما ذلِكُمُ الشَّيْطانُ يُخَوِّفُ أَوْلِياءَهُ﴾ (١) أى يخوّفكم بأوليائه، فلذلك قال: ﴿فَلا تَخافُوهُمْ﴾ ومن حذف اللام قوله: ﴿وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللهِ وَيَبْغُونَها عِوَجاً﴾ (٢) [أراد: ويبغون لها عوجا (٣)] ومثله: ﴿وَالْقَمَرَ قَدَّرْناهُ مَنازِلَ﴾ (٤) أى قدّرنا له منازل (٥)، وحذف حرف الظّرف كثير كقوله: ويوم شهدناه سليما وعامرا (٦) وقول الآخر: فى ساعة يحبّها الطّعام أى يحبّ فيها بيت للرضىّ من قصيدة رثى بها أبا إسحاق إبراهيم بن هلال الكاتب الصابىّ: إنّ الوفاء كما اقترحت فلو تكن ... حيّا إذا ما كنت بالمزداد (٧) جز بلو، وليس حقّها أن يجزم (٨) بها، لأنها مفارقة لحروف الشرط، وإن اقتضت

стр. 504

جوابا كما تقتضيه إن الشرطية، وذلك أنّ حرف الشرط ينقل الماضى إلى الاستقبال، كقولك: إن خرجت غدا خرجنا، ولا تفعل ذلك «لو» وإنما تقول: /لو خرجت أمس خرجنا، وقد جاء الجزم بلو فى مقطوعة لامرأة من بنى الحارث بن كعب (١): فارسا ما غادروه ملحما ... غير زمّيل ولا نكس وكل لو يشأ (٢) ... طار به ذو ميعة لاحق الآطال نهد ذو خصل غير أنّ البأس منه شيمة ... وصروف الدّهر تجرى بالأجل

стр. 505

الرّواية نصب «فارس (١)» بمضمر يفسّره الظاهر و «ما» صلة (٢)، والمفسّر من لفظ المفسّر، لأن المفسّر متعدّ بنفسه إلى ضمير المنصوب، ولكن لو تعدى بحرف جرّ أضمرت له من معناه دون لفظه، كقولك: أزيدا مررت به؟ التقدير: أجزت زيدا؟ لأنك إن أضمرت مررت، أضمرت الجارّ، وذلك ممّا لا يجوز، فالتقدير إذا: غادروا فارسا. ويجوز رفع «فارس» بالابتداء، والجملة التى هى «غادروه» وصف له، وغير زمّيل: خبره، ولا موضع من الإعراب فى وجه النصب للجملة التى هى «غادروه»، لأنها مفسّرة، فحكمها حكم الجملة المفسّرة، وحسن رفع «فارس»، بالابتداء وإن كان نكرة، لأنه تخصّص بالصّفة، وإذا نصبته نصبت «غير زمّيل» وصفا له، ويجوز أن يكون وصفا للحال التى هى «ملحما». والملحم: الذى ألحمته الحرب، وذلك أن ينشب فى المعركة، فلا يتّجه له منها مخرج، ويقال للحرب: الملحمة، والزّمّيل: الجبان الضّعيف، والنّكس من الرجال: الذى لا خير فيه، مشبّه بالنّكس من السّهام، وهو الذى (٣) ينكسر فوقه، فيجعل أعلاه أسفله، والوكل: الذى يكل أمره إلى غيره، والميعة: النّشاط، والميعة: أوّل جرى الفرس، والميعة: أوّل الشّباب. والآطال: الخواصر، وواحدها: إطل، وقد يخفّف (٤)، وهو أحد ما جاء من

стр. 506

الأسماء على فعل، ومنه إبل، /وحبر (١)، من قولهم: بأسنانه حبر، ومن الصّفات: بلز وهى الضّخمة من النساء، وأتان إبد، أى متوحّشة. ولاحق الآطال: أى قد لصقت إطله بأختها، من الضّمر، وجمعت الإطل فى موضع التثنية، وذلك أسهل من الجمع فى موضع الوحدة، كقولهم، شابت مفارقه، وبعير ذو عثانين (٢)، ولو قالت: لاحق الإطلين، بسكون الطاء، أعطت الوزن والمعنى حقّهما. والنّهد من الخيل: الجسيم المشرف. وقولها: «غير أن البأس» نصب «غير» على الاستثناء المنقطع، والبأس: الشدّة فى الحرب، والشّيمة: الطّبيعة، وصروف الدّهر: أحداثه. مسألة إن سئل عن كلا وكلتا، فقيل: لم خالفت إضافتهما إلى المضمر إضافتهما إلى المظهر، وكان آخرهما فى الإضافة إلى الضمير ألفا فى الرفع، وياء فى الجرّ والنصب، وفى الإضافة إلى الظاهر ألفا فى الرفع والنصب والجرّ؟ فالجواب: أنّهما لمّا لزمتهما الإضافة، وقد تجاذبهما الإفراد والتثنية، فكان (٣) لفظهما لفظ المفرد، ومعناهما معنى المثنّى، فتنزل كلا فى اللفظ منزلة معى (٤)، وكلتا منزلة دفلى (٥)، بدلالة الإخبار عنهما بالمفرد، وإعادة الضمير إليهما مفردا، فى نحو:

стр. 507

كلا غلاميك منطلق، وكلتا جاريتيك حاضرة، وكلاهما أكرمته، وكلتاهما رأيتها ونحو: أكاشره وأعلم أن كلانا ... على ما ساء صاحبه حريص (١) و ﴿كِلْتَا الْجَنَّتَيْنِ آتَتْ أُكُلَها﴾ (٢) حملا بحكم (٣) لفظيهما على المفردات، وبحكم معناهما على المثنيات، فأعربا بالإضافة إلى المظهر بالحركات المقدّرة، فقيل: كلا غلاميك وكلتا جاريتيك، فى الرفع والنصب والجر، فحكم بأنّ على الألف ضمّة مقدّرة، فى الرفع، وفتحة فى النصب، وكسرة فى الجر، كما يقدّر ذلك فى عصا زيد، /وذكرى محمّد، واستعملا فى الإضافة إلى الضمير على هيئة المثنّى، فكانا فى الرفع بالألف، وفى الجرّ والنصب بالياء، وإن كانت الألف فى كلاهما والياء فى كليهما ليستا بحرفى تثنية، بل هما فى موضع لام الفعل، والألف فى كلتاهما ألف التأنيث، انقلبت ياء فى موضع الجرّ والنصب، فقد خالف حكم هذين الاسمين فى الإعراب حكم سائر أسماء العربيّة. ويتوجّه [فيهما (٤)] سؤال آخر، فيقال: فلم حملا على حكم المفردات فى إضافتهما إلى المظهر، وعلى حكم المثنيات فى إضافتهما إلى المضمر؟ فالجواب عن هذا: أن الإعراب بالحركات أصل للإعراب بالحروف، والاسم الظاهر أصل للمضمر، فأعطيا الإعراب الأصلىّ فى إضافتهما إلى الأصل الذى هو المظهر، وأعطيا شكل إعراب التثنية الذى هو إعراب فرعىّ، فى إضافتهما إلى

стр. 508

الفرع الذى هو المضمر (١). فتأمّل ما استنبطته لك فى هاتين اللفظتين حقّ التأمل، فهو من أعجب ما ألقته أفئدة العرب على ألسنتها. آخر المجلس. ...

стр. 509

المجلس التاسع والعشرون وهو مجلس يوم الثلاثاء، التاسع من شوال، من سنة ستّ وعشرين وخمسمائة. بيت للأخطل (١): إنّ العرارة والنّبوح لدارم ... والمستخفّ أخوهم الأثقالا قال أبو علىّ فى بعض أماليه: أنشدناه إبراهيم بن السّرىّ الزّجاج، وذكر أن الرواية فى «المستخفّ» بالنصب وبالرفع، فأما «الأثقال» فخارج من الصّلة، ومنتصب بمضمر دلّ عليه المستخفّ، انتهت الحكاية (٢) عن الزجّاج. وهذا جميع ما ذكره فى البيت، فى الجزء الذى وقع إلىّ، ولعلّه قد استوفى القول /فيه فى موضع (٣) آخر. وذكر أبو سعيد السّيرافىّ فى شرح الكتاب أنّ نصب «المستخفّ» بالعطف على اسم إنّ، ورفعه بالابتداء والاستئناف. وأقول: إنك إذا جعلته مبتدأ، فهو بمعنى الذى استخفّ، أو الذى يستخفّ،

стр. 510

و «أخوهم» خبره، والعائد على الألف واللام المضمر فى مستخفّ، و «هم» من «أخوهم» عائد على دارم، لأنه اسم قبيلة، فكأنه قال: والذى يستخف الأثقال أخوهم، إلا أنه لمّا أخّر الأثقال، بطل انتصابها بالمستخفّ، للفصل بالخبر الذى هو أخوهم، بينها وبين المستخفّ، لأن الفصل بالأجنبىّ أخّرها من الدخول فى صلة الألف واللام، فوجب أن يضمر لها ناصبا من لفظ (١) المستخفّ، فكأنه قال بعد قوله: «والمستخفّ أخوهم»: يستخفّ الأثقال. ومن نصب المستخفّ، فبالعطف على العرارة، وأخوهم معطوف على خبر إنّ، وهو قوله: «لدارم» ونظيره قولك: إن المال لزيد وعمرا صديقه، وتقديره: إن المال كائن لزيد، وإن عمرا صديقه. وأسهل من هذا عند أبى سعيد أن تكون الألف واللام بمعنى الذين، فيرتفع أخوهم بمستخف، ارتفاع الفاعل (٢) بفعله، و «هم» من «أخوهم» عائد على الألف واللام، و «الأثقال» داخلة فى صلة المستخفّ، فكأنه قال: وإنّ الذين يستخف أخوهم الأثقال لدارم، أى إن لدارم القوم الذين يستخفّ بعضهم الأثقال، أى فيهم قبيلة يستخفّ بعضها الأثقال. وأسهل من هذا عندى أن ترفع المستخفّ بتقدير: وهم المستخفّ أخوهم الأثقالا، والمضمر المقدّر عائد [على دارم، وهم من «أخوهم» عائد (٣)] على الألف واللام، لأنهما بمعنى الذين، فكأنك قلت: وهم الذين يستخفّ أخوهم الأثقالا.

стр. 511

والعرارة: الكثرة والعزّ، والعرارة فى غير هذا: سوء الخلق، والعرارة: /واحدة العرار: شجر طيّب الرّيح. والنّبوح: ضجّة الناس وجلبتهم. ومثل الفصل فى هذا البيت قول الكميت: كذلك تيك وكالنّاظرات ... صواحبها ما يرى المسحل (١) شبّه ناقته بعير عانة (٢)، وشبّه صواحب ناقته من الإبل بأتن العير، فالمعنى: كذلك الحمار تلك الناقة، والناظرات: بمعنى المنتظرات، من قوله تعالى: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلاَّ السّاعَةَ﴾ (٣) فهذا لا يكون إلا بمعنى ينتظرون، لأن النّظر الذى بمعنى الإبصار لا يقع إلاّ على الأعيان، ومنه قول الشاعر (٤) فى مرثية: هل أنت ابن ليلى إن نظرتك رائح ... مع الرّكب أوغاد غداة غد معى والنّظر المراد به الانتظار بمنزلة الانتظار فى التعدّى، والذى يراد به الإبصار يتعدّى بالجارّ، كقوله تعالى: ﴿اُنْظُرُوا إِلى ثَمَرِهِ﴾ (٥).

стр. 512

والمسحل: الحمار، واشتقاقه من السّحيل، وهو النّهيق، وقوله: «ما يرى المسحل» كان حقّه أن يقدّم على المبتدأ، الذى هو صواحبها، لأنه فى المعنى معمول للناظرات، فلما قدّم صواحبها عليه، لم ير أهل العربيّة نصبه إلا بمضمر يدلّ عليه ما تقدّم، لأن الفصل بينه وبين الناظرات يمنع من دخوله فى صلة الألف واللام، فهو مع الفصل خارج عندهم من الصّلة، محمول على فعل مقدّر، كأنه لما قال: وكالناظرات صواحبها، أضمر ينتظرن، والمعنى: وصواحب هذه الناقة مثل الأتن المنتظرات ما يراه العير من الورود، ليفعلن كفعله، ومثله قول الشمّاخ (١): وهنّ وقوف ينتظرن قضاءه ... بضاحى عذاة أمره وهو ضامز أى ينتظرن قضاءه أمره، وهو وروده بهنّ، والضّاحى من الأرض: الظاهر البارز، والعذاة: الأرض الطيّبة التربة، والكريمة النّبت، والضّامز: الرجل السّاكت، شبّهه فى إمساكه عن النّهاق به، والضامز من الإبل: الممسك عن الجرّة. وفى البيت فصل بالظّرف الأجنبىّ، بين المصدر ومنصوبه، لأنّ قوله: «بضاحى عذاة» متعلّق بوقوف أو ينتظرن، فهو أجنبىّ من المصدر الذى هو «قضاء» فوجب لذلك حمل المفعول على فعل الآخر (٢)، كأنه لما قال: «ينتظرن [قضاءه (٣)] بضاحى عذاة» أضمر «يقضى»، فنصب به «أمره (٤)»، ومن ذلك

стр. 513

قول المتنبى (١): يعطى فلا مطله يكدّرها ... بها ولا منّه ينكّدها أراد: فلا مطله بها، فلمّا فصل بالأجنبىّ، بين المصدر والباء، أضمر للباء ما تتعلّق به، بعد قوله: يكدّرها، وتقديره: لا يمطل بها، ومن هذا الضّرب فى التنزيل: ﴿إِنَّهُ عَلى رَجْعِهِ لَقادِرٌ. يَوْمَ تُبْلَى السَّرائِرُ﴾ (٢) المعنى: إنه على رجعه يوم تبلى السرائر لقادر، ولمّا فصل خبر إنّ بين المصدر الذى هو الرّجع، وبين الظّرف، بطل (٣) عمله فيه، فلزم إضمار ناصب من لفظ الرّجع، فكأنه قيل: يرجعه يوم تبلى السرائر. والمطل بإنجاز الوعد، مأخوذ من قولهم: مطلت الحديدة: إذا ضربتها بالميقعة لتطول، وشبّهوا بذلك إطالة العدات، والمنّ بالنّعمة: التّقريع بها. وكلّ ما خرج إلى طالبه بشدّة فهو نكد، وقوله عزّ من قائل: ﴿وَالَّذِي خَبُثَ لا يَخْرُجُ إِلاّ نَكِداً﴾ (٤) قيل معناه: قليلا عسيرا. والهاءات من قوله: يكدّرها وينكّدها، عائدة على الأيادى من قوله:

стр. 514

له أياد إلىّ سابقة (١) وليس يريد بقوله: «فلا مطله يكدّرها» وقوله: «ولا منّه ينكّدها» أن له مطلا لا يكدّر، ومنّا لا ينكّد، وإنما أراد انتفاء المطل والمنّ عنه ألبتّة، ومن هذا الضّرب قول امرئ القيس (٢): على لاحب لا يهتدى بمناره ... إذا سافه العود الدّيافىّ جرجرا لم يرد أن فيه (٣) منارا لا يهتدى به، ولكنّه نفى أن يكون به منار، والمعنى لا منار فيه فيهتدى به، ومنه قول الآخر فى وصف مفازة: لا تفزع الأرنب أهوالها ... ولا ترى الضّبّ بها ينجحر (٤) /لم يرد أنّ بها أرانب لا تفزعها أهوالها، ولا ضبابا غير منجحرة، ولكنه نفى أن يكون بها حيوان. فحقيقة المعنى أنها أياد لا يكدّرها مطل، ولا ينكّدها منّ. وقول امرئ القيس: «على لاحب»: أى على طريق واضح، ويقال له: لحب أيضا، والمنار: جمع منارة، وأصلها منورة، مفعلة من النّور، وسمّيت بذلك لأنها فى الأصل: كلّ مرتفع عليه نار، ولذلك قالوا فى جمعها: مناور.

стр. 515

وسافه: شمّه، ومصدره السّوف. والعود: البعير الهرم، وجمعه عودة، وقد عوّد البعير: إذا صار عودا، وذلك بعد بزوله بأربع سنين، واشتقاقه من عاد يعود، لأنه لعلوّ سنّه يعود فى الطّرق مرارا. والدّيافىّ: منسوب إلى دياف، قرية بالشام، وقيل: بالجزيرة، وقيل: بل دياف أنباط بالشام، وفتح بعضهم أوّله. والجرجرة: صوت يردّده البعير فى حنجرته، وإنما يجرجر فى الطريق إذا شمّه، لما يعرف من شدّته وصعوبة مسلكه. وممّا وقع الفصل فيه بين المصدر وما اتّصل به فى المعنى، فوجب حمله على فعل يدلّ عليه المصدر قول المتنبى (١): وفاؤكما كالرّبع أشجاه طاسمه ... بأن تسعدا والدّمع أشفاه ساجمه قوله: «بأن تسعدا» متعلّق فى المعنى بالوفاء، لأنه أراد: وفاؤكما بأن تسعدا كالرّبع، فلما فصل بينهما بأجنبيّ، وجب عند النحويين تعليقه بمضمر، تقديره عند أبى الفتح: وفيتما بأن تسعدا، والمعنى: وفيتما بإسعادى وفاء ضعيفا، ولذلك شبّه وفاءهما بالرّبع الدارس. قال أبو الفتح: كلّمته وقت القراءة فى إعراب هذا البيت، فقلت له: بأىّ شيء تتعلق الباء من «بأن»؟ فقال: بالمصدر الذى هو وفاؤكما، فقلت له: وبما ارتفع «وفاؤكما»؟ فقال: بالابتداء، فقلت: وما خبره؟ فقال: كالرّبع، فقلت: وهل /يصحّ أن تخبر عن اسم وقد بقيت منه بقيّة، وهى الباء ومجرورها؟ فقال: هذا لا أدرى ما هو، إلا أنه قد جاء فى الشعر (٢) له نظائر، وأنشدنى:

стр. 516

لسنا كمن حلّت إياد دارها ... تكريت ترقب حبّها أن يحصدا (١) أى لسنا كإياد، فدارها الآن ليست منصوبة بحلّت هذه، وإن كان المعنى يقتضى ذلك، لأنه لا يبدل من الاسم إلا بعد تمامه (٢)، وإنما هى منصوبة بفعل مضمر يدلّ عليه «حلّت» الظاهرة، كأنه قال فيما بعد: حلّت دارها، انتهى كلام أبى الفتح. ومعنى البيت أنه خاطب صاحبيه، وقد كانا عاهداه بأن يسعداه ببكائهما عند ربع أحبّته، فقال: وفاؤكما بإسعادى مشبه للرّبع، ثم بيّن (٣) وجه الشّبه بينهما بقوله: «أشجاه طاسمه» يعنى أن الرّبع إذا تقادم عهده فدرس، كان أشجى لزائره، أى أبعث لشجوه، أى لحزنه، لأنه لا يتسلّى به المحبّ، كما يتسلّى بالرّبع الواضح، وكذلك الوفاء بالإسعاد إذا لم يكن بدمع ساجم [أى هامل، كان أبعث للحزن، فأراد ابكيا معى بدمع ساجم (٤)] فإن الدمع أشفى للغليل إذا سجم، كما أن الرّبع أشجى للمحبّ إذا عفا وطسم، كما قال جرير (٥): لا تطلبنّ خئولة فى تغلب ... فالزّنج أكرم منهم أخوالا غضبت العبيد من الزّنج، وقالوا: من يعذرنا من ابن الخطفى؟ من لنا بمن (٦) يردّ عليه؟ فقال رجل منهم، يقال له: سفيح (٧) بن رباح، مولى بنى ناجية: أنا

стр. 517

لكم [به (١)] ثم قال: إنّ الفرزدق صخرة ملمومة ... طالت فليس تنالها الأوعالا (٢) قد قست شعرك يا جرير وشعره ... فقصرت عنه يا جرير وطالا ووزنت فخرك يا جرير وفخره ... فخففت عنه حين قلت وقالا الزّنج لو لاقيتهم فى صفّهم ... لاقيت ثمّ جحاجحا أبطالا /كان ابن ندبة (٣) ... فيكم من نجلنا وخفاف المتحمّل الأثقالا قولهم: «من يعذرنا من ابن الخطفى» أى من يأتينا بعذر منه فيما قال؟ أى ليس له فى ذلك عذر (٤)، وقولهم: من لنا بمن يردّ عليه؟ يقال: من لى بكذا؟: أى من كافل لى به؟ وقول سفيح: أنا لكم به، أى كافل لكم بمن يردّ عليه. ويقال: صخرة ملمومة وململمة، إذا كانت صلبة مستديرة. والأوعال: تيوس الجبال، واحدها: وعل، وجمعه فى الكثرة وعول، وأنثاه أرويّة، وجمعها أروى وأراوى، مثل عذارى. وانتصاب الأوعال بطالت، أى طالت الصّخرة المشبّه بها الفرزدق الأوعال، فليس تنالها الأوعال، وإنما قال هذا، لأنّ مأوى الوعل قلل الجبال. وطال هذه: أصلها طول، مفتوح العين، فلذلك تعدّت، والأخرى التى نقيضها

стр. 518

قصر أصلها طول، بضمّ العين، واسم الفاعل منها طويل، ومن الأولى طائل، يقال: طاولنى فطلته، أى غلبته فى الطّول، وقال: فليس تنالها، ولم يقل: فليست، لأنه أضمر فى «ليس» الشأن. وقيل: بل شبّه «ليس» بما، فأخلاها من ضمير، كما قالوا: «ليس الطّيب إلا المسك (١)». ويقال: قست الشىء بالشىء: أى قدّرته به، وقوله: «قست شعرك وشعره» تحتمل الواو أن تكون عاطفة، وأن تكون بمعنى مع، وأن تكون بمعنى الباء، كما قالوا: اشتريت الحملان: حملا ودرهما، يريدون بدرهم (٢). والبطل: الشّجاع، وألزموه فى الجمع مثال أفعال، كما قالوا فى الاسم: أرسان [وأقلاب (٣)] وأقلام وأقتاب، فلم يجاوزوا ذلك، ومصدره البطولة والبطالة، وفعله بطل، مثل ظرف، واشتقاقه فيما زعموا من البطلان، قالوا: لأنه الذى تبطل عنده الدماء (٤). /والجحجاح: السّيد، وقياس جمعه: جحاجيح، ويحذفون الياء ويعوّضون

стр. 519

منها تاء التأنيث (١)، فيقولون: جحاجحة، وحذف الياء مع ترك التعويض جائز فى الشّعر، وأجازه بعضهم فى غير الشعر. والنّجل: الولد [يقع على الواحد وما جاوزه من العدد، كالنّسل، وتناجل القوم وتناسلوا وتوالدوا (٢)]. و «خفاف» هو ابن ندبة، فلا يجوز أن يكون ارتفاعه بالعطف عليه، لأنّ عطف الشىء على نفسه غير جائز، ولكنّك ترفعه بالابتداء، و «المتحمّل» خبره، ولك أن تجعله خبر مبتدإ محذوف، والمتحمّل صفته، يريد: وهو خفاف المتحمّل. آخر المجلس. ...

стр. 520

المجلس الموفى الثلاثين وهو مجلس يوم الثلاثاء، السادس عشر من شوال، سنة ستّ وعشرين وخمسمائة. مسألة إن قيل: لم لزم حذف النون من اسم الفاعل إذا اتّصلت به الكاف والهاء، ونظائرهما من الضمائر، فى قولهم: مكرماك ومكرموك، وضارباه وضاربوه، ولم يقولوا: مكرمانك ولا مكرمونك، ولا ضاربانه ولا ضاربونه، كما قالوا فى الفعل: يكرمانك ويكرمونك، ويضربانه ويضربونه؟ فالجواب: أنّ بين النّونين فرقا، وذلك أن النون فى الفعل إعراب، فهى تثبت إذا اتصل الفعل بمضمر أو مظهر، علامة للرفع، وتسقط فى الجزم والنصب، والنون فى الاسم إنما هى بدل من حركة الواحد وتنوينه، فهى تسقط إذا أضفته إلى اسم ظاهر، كقولك: مكرما زيد، ومكرمو عمرو، وتثبت إذا حملته على الفعل فقلت: مكرمان زيدا ومكرمون عمرا، فإذا اتصل بالضمير اعتزمت العرب على حذفها ألبتّة، فقالوا: مكرماك ومكرموك، وضارباه وضاربوه، قصروه فى هذه الحال على الإضافة، كما جاء فى التنزيل: ﴿إِنّا مُنَجُّوكَ وَأَهْلَكَ﴾ (١) و ﴿إِنّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ﴾

стр. 521

﴿وَجاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾ (١). /وعلّة ذلك عند النحويين أنّ الحذف لزم النون فى هذا الوجه، حملا لها على التنوين، كأنهم لما ألزموا التنوين الحذف، فى قولهم: مكرمك وضاربه، فلم يقولوا: مكرمنك ولا ضاربنه، ألزموا النون الحذف، فلم يقولوا: مكرمانك ولا مكرمونك، ولا ضاربانه ولا ضاربونه، قالوا: وإنما لزم حذف التنوين مع الضمير لأنه مماثله، من حيث كان التنوين مما لا ينفصل، كما أن هذا الضمير وضع متّصلا، فلا ينفصل، وكرهوا (٢) الجمع بينه وبين التنوين، كما كرهوا الجمع بين حرفين لمعنى واحد، كالجمع بين إنّ ولام التوكيد، وبين حرف النداء ولام التعريف، ولمّا كان هذا الضرب [من الضمير (٣)] يلزمه الاتّصال، وكان التنوين يحذف مع الاسم الظاهر حذف جواز، فيقال: ضارب زيد، حذف مع هذا الضمير حذف وجوب، فقيل: ضاربك، ولم يقولوا: ضاربنك، كما قالوا: ضارب زيدا، لأن زيدا ونحوه ممّا وضع منفصلا قائما بنفسه، والكاف ونحوها ممّا وضع متّصلا، لا يقوم بنفسه، ولمّا وجب عندهم حذف التنوين لما ذكروه، حملت النون على التنوين، فألزمت الحذف فى الموضع الذى لزم فيه حذف التنوين. وأقول: إنّ فى العلّة التى ذكرها النحويّون نظرا، من حيث كان الشّبه العارض بين التنوين والضمير غير مانع من الجمع بينهما، كما لم يمتنع الجمع بين هذا الضمير ونون التوكيد الخفيفة، فى نحو: لا يطغينك مالك، ﴿وَلا يَسْتَخِفَّنَّكَ الَّذِينَ﴾

стр. 522

﴿لا يُوقِنُونَ﴾ (١) فى قراءة من خفّف النون، وحكم هذه النون حكم التنوين فى أنه لا ينفصل. وأقول أيضا: إن النون التى تزاد فى التثنية والجمع، وإن كانت توافق التنوين، فى أنها تحذف فى الإضافة، فإنها تخالفه بثبوتها فى مواضع لا يثبت فيها التنوين، فمن ذلك ثبوتها مع الألف واللام، فى نحو: الزيدان والزيدون، وفى النداء فى قولهم: يا زيدان ويا زيدون، وفى باب التّبرئة فى نحو: لا زيدين عندى، ولا زيدين، وإذا كانت النون مخالفة للتنوين بثبوتها فى هذه الأماكن، فليس بمستنكر أن يجوز ثباتها مع الضمير، وإن لم يجز ثبات التنوين. والجواب الذى خطر لى فى امتناع ثبوت التنوين والنون مع الضمير: أن اتصال الاسم بالاسم يوجب عمل الأول فى الثانى، ولا يخلو الأول من أن يكون جامدا أو مشتقّا أو مضارعا للمشتقّ، والجامد على ضربين، مصدر وغير مصدر، فغير المصدر: كجمل وجبل وجعفر، فهذا الضرب لا يعمل فيما اتّصل به إلا الجرّ، تقول: جمل زيد، وجبلا (٢) طيّىء وجعفرو (٣) عشيرتكم، إلا ما كان من ذلك مقدارا، وما أشبه المقدار، فإنه ينصب النّكرات من أسماء الأجناس على التمييز، كقولك: قفيز برّا، ومنوان سمنا، والمصدر يعمل الجرّ بحقّ الأصل، لأنه فى الجمود بمنزلة الجمل والجبل وجعفر، ويعمل النصب بحقّ الشّبه بالفعل، كقولك: ضرب زيد، وضرب زيدا، وكذلك المشتقّ يعمل الجرّ بحقّ الاسميّة، ويعمل النصب بحقّ مشابهته للفعل، وهو أسماء الفاعلين وأسماء المفعولين، ونحوهما من الصّفات، تقول: ضارب زيد، وضارب زيدا، وضاربا بكر وضاربان بكرا، وضاربو أخيك وضاربون أخاك، والمضارع للمشتقّ أسماء العدد، من نحو عشرين وثلاثين، ومضارعتها لأسماء الفاعلين من جهة قولك: عشرون وعشرين، كما تقول: ضاربون وضاربين، فهذا

стр. 523

الضرب يعمل الجرّ والنصب، فالجرّ فى المعارف والنكرات، والنصب فى النكرات خاصّة، تقول فى الجر: تلك عشرو زيد، وهذه عشرو رجل آخر (١)، وقبضت خمسيك، وخمسى بكر، وخمسى رجل غيره، وفى النصب: عندى عشرون رجلا، وقبضت خمسين درهما، فقد بان لك أنّ عمل الاسم الجرّ حكم توجبه الإضافة، والإضافة مختصّ بها الاسم دون الفعل، وعمله النصب عارض طرأ عليه بمضارعته الفعل، فوضح أنّ عمله النّصب فرع على عمله الجرّ [لأنّ عمله الجرّ (٢)] بحقّ الأصل، وعمله النصب بحقّ الشّبه بالفعل، ألا ترى أن الأسماء المعربة لا يمتنع شيء منها من عمل الجرّ، والجوامد منها العارية من شبه الفعل وما ضارع الفعل (٣) ممتنعة من عمل النّصب، فلما كانت الإضافة جائزة فى جميعها، والنصب يجوز فى بعضها دون بعض، علمت أن عملها النصب فرع على عملها الجرّ، ولمّا كان اسم الفاعل يتّصل بالمفعول تارة بحقّ الأصل، كقولك: ضارب زيد، وتارة بحقّ الفرع، وهو شبهه بالفعل، كقولك: ضارب زيدا، ثم اتّصل بالضمير، ألزمه الضمير الأصل الذى هو الإضافة، لأن الضمير يردّ ما اتصل به إلى أصله، فلذلك وجب حذف التنوين والنون، فقيل: ضاربك وضارباك وضاربوك، فاعرفه. ويزيد هذا القول وضوحا قولهم فى باب النداء وباب التبرئة: إن الاسم الطويل مضارع للمضاف، من أجل طوله، فلذلك انتصب فى البابين، كما ينتصب المضاف، فقيل: يا ضاربا زيدا، كما قيل: يا ضارب زيد، ولا ضاربا رجلا عندى، كما قيل: لا ضارب رجل، وإذا كان الاسم الطّويل مشبّها بالمضاف، فالمشبّه فرع على ما شبّه به، فقد بيّن لك هذا أن عمله النصب فرع على عمله الجرّ، فلذلك ردّ الضمير اسم الفاعل إلى عمل الجرّ ألبتّة.

стр. 524

وإن شئت قلت: إن الاسم المشتقّ فرع على الجامد [لأن المشتقّ مأخوذ من الفعل، والأفعال فروع على الأسماء، لأنها مأخوذة من مصادرها، والأسماء الجوامد من نحو: رجل وحمار وفرس وزيد وجعفر، لا تعمل النصب؛ لعدم شبهها بالفعل، فهى مقصورة فى العمل على الجرّ، بحكم نيابتها عن حرفه، وإذا ثبت بما ذكرته أن المشتقّ الذى هو اسم الفاعل ونحوه فرع على الجامد (١)] والجامد لا يعمل إلا الجرّ، والجرّ يحدث عن الإضافة، وكان اسم الفاعل يعمل فى الأسماء الظاهرة، جرّا ونصبا، ألحقه اتصاله بالضمير بالأصول التى هى الجوامد، وذلك لأنّ الضمير قد ثبت أنه/فرع على المظهر، فلم يجمعوا بين فرعين، عمل النصب والضّمير، ويدلّك على أن الضمير يردّ ما اتصل به إلى أصله أنك تقول: أعطيتكمو درهما، وإن شئت قلت: أعطيتكم، فحذفت الواو، وإثباتها هو الأصل، فإذا قلت: الدرهم أعطيتكموه، ردّه اتصاله بالضّمير إلى أصله، ولم يجز غير ذلك، كما جاء فى التنزيل: ﴿أَنُلْزِمُكُمُوها﴾ (٢) وكذلك أكرمتموا هندا، وأكرمتم، بإثبات الواو وحذفها، فإن قلت: هند أكرمتموها، أثبتّ الواو لا غير، كما قال تعالى: ﴿وَتِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوها﴾ (٣). تعريب بيت للأخطل (٤): كانت منازل ألاّف عهدتهم ... إذ نحن إذ ذاك دون الناس إخوانا خبر المبتدأين اللذين هما «نحن وذاك» محذوفان، أراد: عهدتهم إخوانا إذ نحن متألّفون (٥) أو متآخون، يدلّ على التقدير الأول ذكر الألاّف، وعلى الثانى ذكر

стр. 525

الإخوان، وأراد إذ ذاك كائن، ولا يجوز أن يكون «إذ ذاك» خبر «نحن» لأن ظروف الزمان لا يصحّ الإخبار بها عن الأعيان، فلو قلت: زيد أمس، لم تحصل بذلك فائدة، و «إذ» الأولى ظرف لعهدتهم، وأما الثانية فيعمل فيها الخبر المقدّر الذى هو متألّفون أو متآخون. وأما قوله: «دون الناس» فيحتمل أن يكون العامل فيه «عهدتهم» ويحتمل أن تعلّقه بالخبر المضمر، كأنك قلت: متألّفون دون الناس، ويجوز أن تعلّقه بمحذوف غير الخبر المقدّر، على أن يكون فى الأصل صفة لإخوان، كأنه قال: عهدتهم إخوانا دون الناس، أى (١) متصافين دون الناس، فلما قدّم على الموصوف صار حالا، وجاز أن تجعله وصفا لعين وحالا منه، لأنه ظرف مكانىّ. فإن قيل: إلام توجّهت الإشارة بذاك؟ فالجواب: إلى التّجاور الذى دلّ عليه ذكر المنازل. تعريب قول المتنبى (٢): كفى ثعلا فخرا بأنك منهم ... ودهر لأن أمسيت من أهله أهل الكفاية: بلوغ الغاية فى الشىء، فقولهم: كفاك به رجلا، وهو كافيك من رجل: معناه قد بلغ الغاية فى خصال المدح، وفلان كاف: إذا قام بالأمر، وانتهى إلى الغاية فى التدبير، ويكفى ويجزئ ويغنى بمعنى واحد، فهذا يتعدّى إلى مفعول واحد، كقولك: يكفينى درهم، وكفانى قرص: أى أجزأنى وأغنانى عن كلّ (٣) قرص آخر، وعن بعض قرص [آخر (٤)] فأما كفى المتعدّى إلى مفعولين، فى نحو: كفيت

стр. 526

فلانا شرّ فلان، فمعناه منعته منه وحلت بينه وبينه، ومنه فى التنزيل: ﴿فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللهُ﴾ (١) فهما مختلفان معنى وعملا، فمن الضّرب الأول قوله: كفى ثعلا فخرا بأنك منهم فثعلا مفعول به، وفخرا تمييز، والفاعل أنّ بصلتها، والباء مزيدة، كما زيدت فى ﴿كَفى بِاللهِ﴾ (٢) وفى زيادتها فى كفى بالله قولان: أحدهما قول الزجّاج (٣)، وهو أنه دخله معنى اكتفوا بالله، والقول الآخر (٤) «أنها دخلت لتأكيد الاتّصال، لأن الاسم فى قولك: كفى الله، يتصل بالفعل اتصال الفاعلية، فإذا قلت: كفى بالله، اتصل اتّصال الإضافة واتصال الفاعلية، وفعلوا ذلك إيذانا بأن الكفاية من الله سبحانه ليست كالكفاية من غيره، فى عظم المنزلة، فضوعف لفظها لتضاعف معناها» فإذا قلت: كفى بزيد عالما، حملته على معنى اكتف به. وثعل: رهط الممدوح، بطن من طيئ، وثعالة: من أسماء الثعلب. وأهل هاهنا: معناه مستأهل ومستحقّ، فلذلك علّق به «لأن أمسيت من أهله» لأنه بمنزلة اسم الفاعل المقوّى باللام، فى وصوله إلى المفعول، وإن كان فعله متعدّيا بنفسه، كقولك: ظلم فلان فلانا، وهو ظالم له، وكذلك استحقّ فلان هذا الصّنع، واستأهله، وهو مستحقّ له ومستأهل له، ولو قلت: مستحقّه ومستأهله، وهو/ظالمه، لم يكن إيصاله (٥) بنفسه فى الحسن كإيصاله باللام، فلذلك

стр. 527

جاء فى التنزيل: ﴿فَمِنْهُمْ ظالِمٌ لِنَفْسِهِ﴾ (١) وممّا جاء فيه أهل فى معنى مستأهل، قوله تعالى: ﴿وَكانُوا أَحَقَّ بِها وَأَهْلَها﴾ (٢) أى ومستأهليها. وقد روى فى «دهر» الرفع والنصب، فالرفع رواية ابن جنّى والرّبعىّ، والنصب رواية الشاميّين، وعليها اعتمد المعرّى. قال أبو الفتح: ارتفع «أهل» لأنه وصف لدهر، وارتفع «دهر» بفعل مضمر دلّ عليه أول الكلام، فكأنه قال: وليفخر دهر أهل لأن أمسيت من أهله، لا يتّجه رفعه إلاّ على هذا، لأنه ليس قبله مرفوع يجوز عطفه عليه، ولا وجه لرفعه بالابتداء، إلاّ على حذف الخبر، وليس فى قوّة إضمار الفعل هاهنا، انتهى كلامه (٣). والمعرّى أسقط حكم الرفع، وذلك أنه قال: وبعض الناس يرفع «دهرا» ولا ينبغى أن يلتفت إليه، وعطف (٤) «دهرا» على «ثعلا» ورفع «أهل» بتقدير: هو أهل، وحكاية اللفظ الذى قدّره للنصب: كفى ثعلا فخرا أنك منهم، وكفى دهرا هو أهل لأن أمسيت من أهله أنه أهل، لكونك من أهله. وهذا قول فيه إسهاب كما ترى، وتكلّف شاقّ، والرفع، وإن كان فيه تكلّف إضمار فعل، أقرب متناولا وأصحّ معنى، وأكثر فائدة. وحمل الربعىّ نصب «دهر» على أنه معطوف على اسم إنّ، وأهل خبر عنه، أى كفى ثعلا فخرا أنك منهم، وأن دهرا أهل لأن أمسيت من أهله، وهذا القول بعيد من حصول فائدة، ثم قال: والرفع أجود، على: وليفخر دهر، وهو روايتى، والنصب رواية شاميّة، ذكرتها لتعرف.

стр. 528

فهذه جملة الأقوال فى رفع «دهر» ونصبه، وإن رفعته بالابتداء وأضمرت له خبرا مدلولا عليه بأوّل الكلام، فليس بضعيف وإن كان نكرة، لأنه (١) متخصّص بالصّفة، والتقدير: ودهر أهل لأن أمسيت من أهله فاخر بك. وأما قول/أبى الفتح إنه ليس قبله مرفوع يجوز عطفه عليه، فقول من لم ينعم النّظر، وقنع بأوّل لمحة، فقد يجوز عطف «دهر» على فاعل (٢) كفى، وهو المصدر المقدّر، لأن «أنّ» مع خبرها هاهنا بمعنى الكون، لتعلّق «منهم» باسم الفاعل المقدّر الذى هو كائن، فالتقدير: كفى ثعلا فخرا كونك منهم، ودهر مستحقّ لأن أمسيت من أهله، أى وكفاهم فخرا دهر أنت فيه، فأراد أنهم فخروا بكونه منهم، وفخروا بزمانه لنضارة أيامه، كما قال أبو تمام (٣): كأنّ أيّامهم من حسنها جمع والعادة جارية فى الكلام والشّعر بمدح زمان الممدوح، وذمّ زمان المذموم. وعطف «دهر» وهو اسم حدث على الكون المقدّر، وهو اسم حدث، ودهر موصوف بصفة فيها ضمير عائد على اسم إنّ، وهو التاء من «أمسيت» فهذا وجه فى الرفع، صحيح المعنى، ليس فيه تقدير محذوف، والأوجه المذكورة عمّن عزوتها إليهم ليس فيها وجه خال من حذف، إلا الوجه الذى ذهب إليه الرّبعىّ فى النّصب، وهو قول لا تصحبه فائدة، فأبو الفتح والرّبعىّ قدّرا فعلا لرفع «دهر» والمعرّى قدّر مبتدأ لرفع «أهل» وقدّر المعرّىّ أيضا لنصب دهر ما حكيت لك لفظه الشاقّ.

стр. 529

ويتّجه عندى فى إعراب البيت بعد هذا وجه لم يذهب إليه من تقدّم، كما لم يذهبوا (١) إلى عطف «دهر» على فاعل «كفى»، وهو أنك ترفع الفخر بإسناد «كفى» إليه، وتخرج الباء عن كونها زائدة، فتجعلها معدّية متعلقة بالفخر، وتجرّ «الدهر» بالعطف على مجرور الباء، وترفع «الأهل» [بتقدير (٢)] المبتدأ الذى تقدّم ذكره، فيصير اللفظ: كفى ثعلا فخر بكونك منهم، وبدهر هو أهل لأن أمسيت من أهله، والمعنى أنهم اكتفوا بفخرهم [به (٢)] وبزمانه عن الفخر بغيرهما. ...

стр. 530

المجلس الحادى والثلاثون / وهو مجلس يوم الثلاثاء الثالث والعشرين من شوال سنة ست وعشرين وخمسمائة. مسألة (١) الخلاف فى اسم المفعول من الثلاثيّ المعتلّ العين، نحو: قال وباع وخاف وهاب. الاسم المبنىّ للمفعول من هذا الضّرب يلحقه الإعلال، كما لحق فعله، واسم الفاعل منه، والإعلال فى الباب مختلف، فمنه قلب فقط، وذلك فى الماضى واسم الفاعل، ومنه نقل فقط، وذلك فى نحو: يقول ويبيع، ومنه قلب بعد نقل، وذلك فى [نحو يخاف ويهاب، ومنه حذف بعد نقل، وذلك فى (٢)] مثال الأمر، وفى الاسم المبنىّ للمفعول، لأن أصله ممّا عينه واو: مقوول ومخووف، فنقلوا الضمة من عينه إلى فائه، فالتقى ساكنان، العين وواو مفعول، فحذفوا أحدهما، فصار إلى مقول ومخوف، فمذهب الخليل وسيبويه أن المحذوف واو مفعول، ومذهب أبى الحسن الأخفش أن المحذوف هو العين، فوزنه على قولهما: مفعل، وعلى قوله: مفول، وأصله ممّا عينه ياء: مبيوع ومهيوب، فلما نقلت ضمة عينه إلى فائه، ثم
следующие страницы →