← Адаб

Адаб · id 120922

أمالي ابن الشجري ت الطناحي

ابن الشجري

Полный текст (1 931 стр.). Показаны 526–565 · переход к 531.

стр. 526

فلانا شرّ فلان، فمعناه منعته منه وحلت بينه وبينه، ومنه فى التنزيل: ﴿فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللهُ﴾ (١) فهما مختلفان معنى وعملا، فمن الضّرب الأول قوله: كفى ثعلا فخرا بأنك منهم فثعلا مفعول به، وفخرا تمييز، والفاعل أنّ بصلتها، والباء مزيدة، كما زيدت فى ﴿كَفى بِاللهِ﴾ (٢) وفى زيادتها فى كفى بالله قولان: أحدهما قول الزجّاج (٣)، وهو أنه دخله معنى اكتفوا بالله، والقول الآخر (٤) «أنها دخلت لتأكيد الاتّصال، لأن الاسم فى قولك: كفى الله، يتصل بالفعل اتصال الفاعلية، فإذا قلت: كفى بالله، اتصل اتّصال الإضافة واتصال الفاعلية، وفعلوا ذلك إيذانا بأن الكفاية من الله سبحانه ليست كالكفاية من غيره، فى عظم المنزلة، فضوعف لفظها لتضاعف معناها» فإذا قلت: كفى بزيد عالما، حملته على معنى اكتف به. وثعل: رهط الممدوح، بطن من طيئ، وثعالة: من أسماء الثعلب. وأهل هاهنا: معناه مستأهل ومستحقّ، فلذلك علّق به «لأن أمسيت من أهله» لأنه بمنزلة اسم الفاعل المقوّى باللام، فى وصوله إلى المفعول، وإن كان فعله متعدّيا بنفسه، كقولك: ظلم فلان فلانا، وهو ظالم له، وكذلك استحقّ فلان هذا الصّنع، واستأهله، وهو مستحقّ له ومستأهل له، ولو قلت: مستحقّه ومستأهله، وهو/ظالمه، لم يكن إيصاله (٥) بنفسه فى الحسن كإيصاله باللام، فلذلك

стр. 527

جاء فى التنزيل: ﴿فَمِنْهُمْ ظالِمٌ لِنَفْسِهِ﴾ (١) وممّا جاء فيه أهل فى معنى مستأهل، قوله تعالى: ﴿وَكانُوا أَحَقَّ بِها وَأَهْلَها﴾ (٢) أى ومستأهليها. وقد روى فى «دهر» الرفع والنصب، فالرفع رواية ابن جنّى والرّبعىّ، والنصب رواية الشاميّين، وعليها اعتمد المعرّى. قال أبو الفتح: ارتفع «أهل» لأنه وصف لدهر، وارتفع «دهر» بفعل مضمر دلّ عليه أول الكلام، فكأنه قال: وليفخر دهر أهل لأن أمسيت من أهله، لا يتّجه رفعه إلاّ على هذا، لأنه ليس قبله مرفوع يجوز عطفه عليه، ولا وجه لرفعه بالابتداء، إلاّ على حذف الخبر، وليس فى قوّة إضمار الفعل هاهنا، انتهى كلامه (٣). والمعرّى أسقط حكم الرفع، وذلك أنه قال: وبعض الناس يرفع «دهرا» ولا ينبغى أن يلتفت إليه، وعطف (٤) «دهرا» على «ثعلا» ورفع «أهل» بتقدير: هو أهل، وحكاية اللفظ الذى قدّره للنصب: كفى ثعلا فخرا أنك منهم، وكفى دهرا هو أهل لأن أمسيت من أهله أنه أهل، لكونك من أهله. وهذا قول فيه إسهاب كما ترى، وتكلّف شاقّ، والرفع، وإن كان فيه تكلّف إضمار فعل، أقرب متناولا وأصحّ معنى، وأكثر فائدة. وحمل الربعىّ نصب «دهر» على أنه معطوف على اسم إنّ، وأهل خبر عنه، أى كفى ثعلا فخرا أنك منهم، وأن دهرا أهل لأن أمسيت من أهله، وهذا القول بعيد من حصول فائدة، ثم قال: والرفع أجود، على: وليفخر دهر، وهو روايتى، والنصب رواية شاميّة، ذكرتها لتعرف.

стр. 528

فهذه جملة الأقوال فى رفع «دهر» ونصبه، وإن رفعته بالابتداء وأضمرت له خبرا مدلولا عليه بأوّل الكلام، فليس بضعيف وإن كان نكرة، لأنه (١) متخصّص بالصّفة، والتقدير: ودهر أهل لأن أمسيت من أهله فاخر بك. وأما قول/أبى الفتح إنه ليس قبله مرفوع يجوز عطفه عليه، فقول من لم ينعم النّظر، وقنع بأوّل لمحة، فقد يجوز عطف «دهر» على فاعل (٢) كفى، وهو المصدر المقدّر، لأن «أنّ» مع خبرها هاهنا بمعنى الكون، لتعلّق «منهم» باسم الفاعل المقدّر الذى هو كائن، فالتقدير: كفى ثعلا فخرا كونك منهم، ودهر مستحقّ لأن أمسيت من أهله، أى وكفاهم فخرا دهر أنت فيه، فأراد أنهم فخروا بكونه منهم، وفخروا بزمانه لنضارة أيامه، كما قال أبو تمام (٣): كأنّ أيّامهم من حسنها جمع والعادة جارية فى الكلام والشّعر بمدح زمان الممدوح، وذمّ زمان المذموم. وعطف «دهر» وهو اسم حدث على الكون المقدّر، وهو اسم حدث، ودهر موصوف بصفة فيها ضمير عائد على اسم إنّ، وهو التاء من «أمسيت» فهذا وجه فى الرفع، صحيح المعنى، ليس فيه تقدير محذوف، والأوجه المذكورة عمّن عزوتها إليهم ليس فيها وجه خال من حذف، إلا الوجه الذى ذهب إليه الرّبعىّ فى النّصب، وهو قول لا تصحبه فائدة، فأبو الفتح والرّبعىّ قدّرا فعلا لرفع «دهر» والمعرّى قدّر مبتدأ لرفع «أهل» وقدّر المعرّىّ أيضا لنصب دهر ما حكيت لك لفظه الشاقّ.

стр. 529

ويتّجه عندى فى إعراب البيت بعد هذا وجه لم يذهب إليه من تقدّم، كما لم يذهبوا (١) إلى عطف «دهر» على فاعل «كفى»، وهو أنك ترفع الفخر بإسناد «كفى» إليه، وتخرج الباء عن كونها زائدة، فتجعلها معدّية متعلقة بالفخر، وتجرّ «الدهر» بالعطف على مجرور الباء، وترفع «الأهل» [بتقدير (٢)] المبتدأ الذى تقدّم ذكره، فيصير اللفظ: كفى ثعلا فخر بكونك منهم، وبدهر هو أهل لأن أمسيت من أهله، والمعنى أنهم اكتفوا بفخرهم [به (٢)] وبزمانه عن الفخر بغيرهما. ...

стр. 530

المجلس الحادى والثلاثون / وهو مجلس يوم الثلاثاء الثالث والعشرين من شوال سنة ست وعشرين وخمسمائة. مسألة (١) الخلاف فى اسم المفعول من الثلاثيّ المعتلّ العين، نحو: قال وباع وخاف وهاب. الاسم المبنىّ للمفعول من هذا الضّرب يلحقه الإعلال، كما لحق فعله، واسم الفاعل منه، والإعلال فى الباب مختلف، فمنه قلب فقط، وذلك فى الماضى واسم الفاعل، ومنه نقل فقط، وذلك فى نحو: يقول ويبيع، ومنه قلب بعد نقل، وذلك فى [نحو يخاف ويهاب، ومنه حذف بعد نقل، وذلك فى (٢)] مثال الأمر، وفى الاسم المبنىّ للمفعول، لأن أصله ممّا عينه واو: مقوول ومخووف، فنقلوا الضمة من عينه إلى فائه، فالتقى ساكنان، العين وواو مفعول، فحذفوا أحدهما، فصار إلى مقول ومخوف، فمذهب الخليل وسيبويه أن المحذوف واو مفعول، ومذهب أبى الحسن الأخفش أن المحذوف هو العين، فوزنه على قولهما: مفعل، وعلى قوله: مفول، وأصله ممّا عينه ياء: مبيوع ومهيوب، فلما نقلت ضمة عينه إلى فائه، ثم

стр. 531

حذف على مذهب الخليل وسيبويه واو مفعول، أبدل من الضمّة المنقولة كسرة، فقيل: مبيع ومهيب، مخافة أن تنقلب الياء لسكونها وضمّ ما قبلها واوا، فيقال: مبوع ومهوب، فيلتبس ذوات الياء بذوات الواو، والأخفش يزعم أن الياء من مبيع ونحوه، أصلها واو مفعول، لأن الياء التى هى عين سقطت فى قوله، فكرهوا أن يقولوا: مبوع، فتوافق ذوات الياء ذوات الواو فى اللفظ، فأبدلوا من الضمة كسرة، فصارت واو مفعول ياء، فوزن مبيع على المذهب الأول: مفعل، وعلى مذهب الأخفش: مفيل. فمن حجّة الخليل وسيبويه أنّ حذف واو مفعول الزائدة أولى من حذف/حرف أصل، وهو مع كونه أصلا متحصّن بكونه عينا سابقا للزائد. ومن جواب الأخفش عن هذا القول: أنّ واو مفعول وإن كانت زائدة، فإنها زيدت لمعنى، فوجب المحافظة عليها، وقد وجدناهم حذفوا الأصل وأبقوا الزائد، والأصل سابق للزائد، وذلك فى قول من قال: تق الله، قال عبد الله بن همّام السّلولىّ: زيادتنا نعمان لا تنسينّها ... تق الله فينا والكتاب الذى تتلو (١) وقالوا فى الماضى: تقى، وفى المستقبل: يتقى، والأصل: اتّقى واتّق ويتّقى، فأسقطوا التاء التى هى فاء، وأبقوا تاء افتعل، لأنها لمعنى، فوزن تق [تع (٢)] وتقى تعل، ويتقى يتعل، وإذا كانوا قد حذفوا الفاء وهى سابقة للزائد، والفاء أقوى من

стр. 532

العين، وأبعد من الاعتلال، وأثبتوا (١) الزائد لأنه لمعنى، فحذف العين وإثبات الحرف الزائد لمعنى أسهل. ومن جواب الخليل وسيبويه عن هذا أنّ واو مفعول ليست وحدها دالّة على وضعه للمفعول، ولكنّها والميم مشتركان فى ذلك، ودلالة الميم أقوى من دلالتها عليه، ألا تراها تنفرد بهذا المعنى فيما جاوز الثلاثة، نحو مخرج ومدحرج ومستخرج، وليست الواو كذلك، وإذا كان حكم الميم حكم الواو فى هذا المعنى، جاز حذف الواو، اجتزاء بإحدى الدلالتين. وليس احتجاج الأخفش بحذف التاء من اتّقى، وإثبات التاء الزائدة، بلازم، لأن تاء افتعل علامة مفردة، فلو سقطت بطل المعنى الذى زيدت له، فليس حكم الزيادتين لمعنّى حكم الزيادة الواحدة. فمن جواب أبى الحسن عن هذا: أن الزيادة التى لمعنى إذا شركتها (٢) فى الدلالة عليه زيادة أخرى، جرتا مجرى الزيادة الواحدة، لأن الدلالة تحصل بمجموعهما معا، وإذا حصلت الدلالة/بمجموعهما، لم يجز أن تحذف إحداهما، كما لم يجز أن تحذف الزيادة المفردة (٣) إذ كان وقوع الدلالة على المعنى بهما كوقوع الدلالة بالزيادة الواحدة، فلو جاز أن تحذف إحداهما، وجب حذف الأخرى معها، كما أنهم لمّا حذفوا إحدى الزّيادتين فى سعدان ونحوه للترخيم، أتبعوها الأخرى. فمن جواب سيبويه والخليل عن هذا: أننا إذا جعلنا حكم الزيادة حكم الأصل فى باب الحذف، لم يلزمنا أكثر من ذلك، وقد وجدناهم استجازوا حذف بعض

стр. 533

الحروف الأصول، لدلالة ما يبقى على ما يلقى، كحذفهم النون فى لم يك، والياء فى لا أدر (١)، وفى قوله تعالى: ﴿وَاللَّيْلِ إِذا يَسْرِ﴾ (٢) وإذا استجازوا ذلك فى الأصول، كان فى الزيادة أجوز، فإن لم يكن أجوز كان الزائد مساويا للأصل فى هذا، فإذا ساغ حذف بعض الحروف الأصلية، لدلالة الباقى عليه، كذلك يجوز حذف بعض الزائد، لدلالة الباقى منها عليه. وقوله: إن الحرفين اللذين زيدا معا لمعنى، لو جاز حذف أحدهما تبعه الآخر، كالزائدين فى سعدان ونحوه: غير لازم، لأن السين والتاء زيدا معا فى باب استفعل، وقد قالوا: اسطاع يسطيع، فحذفوا إحداهما لأن الباقية تدلّ على المحذوفة، وهما فى كونهما زائدين معا لمعنى، كالميم والواو فى مفعول. وشيء آخر ينفصل به جنسا الزّيادتين، وهو أن الزيادتين فى مفعول وقعتا متفرّقتين غير متطرّفتين، والألف والنون فى مروان ونحوه، وقعا متلاصقين (٣) متطرّفين فلما وقعا بهذين الوصفين كان الحذف أغلب عليهما، إذ كان الطّرف موضعا تحذف فيه الأصول فى الترخيم والتكسير والتحقير، فقد افترق حكما جنسى الزيادتين بما بيّنته لك. ويزيد ذلك عندك وضوحا، أن من حذف ياءي (٤) النّسب لياءى النّسب، فقال /فى النسب إلى بختىّ: بختىّ، لم يحذف الألف من يمان ونحوه، إذا نسب إليه، وإن كانت الألف كإحدى الياءين من يمنىّ، قد (٥) زيدت هى والياء جميعا لمعنى، وإنما

стр. 534

أجمعوا فى النّسب إلى يمان على يمانىّ، حيث انفصلت الياء عن الألف، كما انفصلت واو مفعول عن ميمه. ومما احتجّ به الأخفش: أن العين لمّا دخلت عليها ألف فاعل، لحقها الإعلال بالإبدال أو الحذف، فالإبدال إبدالهم الهمزة من الواو والياء، فى قائل وبائع، والحذف فى قول بعض العرب: شاك السّلاح، برفع الكاف، وأصله شائك، فاعل من الشوكة، وهى الحدّ، فوزنه فى هذا القول: فال، ومن قال: شاكى السلاح، قدّم اللام على العين، فمثاله: فالع، ولحقها الإعلال فى الماضى بالقلب، وفى المستقبل بالنقل، وإذا كانت قد أعلّت فى اسم الفاعل بالقلب أو الحذف، وفى الفعل بالقلب أو النّقل، فكذلك أعلّت فى اسم المفعول بالحذف. والجواب: أنها قد أعلّت فى اسم المفعول بالنّقل، قياسا على نقلها فى يقول ويبيع، فكما نقلت حركتها فى يقول ويبيع، إلى الفاء، كذلك نقلت فى مقول ومبيع، فمن ادّعى زيادة على هذا فعليه الدليل. ومن حجّته أيضا: أن العين هى التى لحقها الحذف فى قل وبع، فكذلك هى التى حذفت فى مقول ومبيع. والجواب: أنّ هذا لا يلزم، لأنّ الساكن الثانى فى قل وبع، حرف صحيح، وإذا اجتمع حرف علّة وحرف صحّة فحرف العلّة أولى بالحذف، والساكنان فى مفعول متساويان فى الاعتلال. ومن حجّته: أن الساكنين إذا التقيا فى كلمة، حذف الأول منهما، كحذف الياء من قاض، دون التنوين. وهذا لا يلزم؛ لأن التنوين علم للصّرف، فلو حذف/التبس المنصرف بغير المنصرف، ولا دليل عليه لو حذف، كدلالة الميم فى مقول ومبيع على أنه اسم

стр. 535

مفعول، فلذلك وجب حذف ياء قاض، دون التنوين، ولأن الكسرة قبل يائه تدلّ عليها، ولأن التنوين حرف صحيح، وقد تقدّم أن الساكنين إذا التقيا وأحدهما معتلّ وقع الحذف بالمعتلّ. ومن حجج أبى الحسن أيضا: أن واو مفعول لو كانت هى المحذوفة، وقع بذلك لبس، بين اسم المفعول والمصدر الذى جاء على المفعل، كالمسير والمبيت. وهذا القول ليس بشىء، لأن هذا النحو من المصادر إنما يوافق اسم المفعول، مما عينه ياء، فى هجائه وزنته، على قول الخليل وسيبويه، فالمصدر واسم المفعول فى مذهب الخليل وسيبويه، مثاله بعد النّقل من مفعل: مفعل، مكسور الفاء ساكن العين، وهما متّفقان على مذهب الأخفش فى الهجاء، وإن كانا مختلفين فى الزّنة، فوزن مبيع فى قوله، إذا أردت به اسم المفعول: مفيل، وإذا أردت به المصدر: مفعل، بكسر الفاء وسكون العين، فاللفظ فى كلا القولين واحد، وإن اختلفا فى التقدير، فكيف يقع لبس بين المصدر واسم المفعول فى مذهب الخليل وسيبويه دون مذهبه؟ ولا فرق بينهما على المذهبين فى اللفظ، ثم إن اسم المفعول ينفصل من المصدر فى المعنى، بما يصحب كلّ واحد منهما من القرينة، كقولك: قبضت المبيع، وبعت الثوب مبيعا، وهل اتفاق المصدر واسم المفعول هاهنا إلا كاتّفاقهما فى الزّنة، إذا بنيتهما ممّا جاوز الثلاثة، نحو أكرم ودحرج واستخرج، والقرائن فارقة بينهما، تقول: أخوك المكرم، وعدلك المدحرج، ومالك المستخرج، وأكرمت زيدا مكرما، ودحرجت العدل مدحرجا، واستخرجت المال مستخرجا، ومنه: ﴿وَقُلْ رَبِّ أَنْزِلْنِي مُنْزَلاً﴾ (١) أى إنزالا، وقرأ بعض أصحاب الشّواذّ: ﴿وَمَنْ يُهِنِ اللهُ فَما لَهُ مِنْ مُكْرِمٍ﴾ (٢) أى إكرام.

стр. 536

ومن حجّة سيبويه والخليل: أن الظاهر من ثبات (١) الياء حذف واو مفعول، فثبات الياء فى مبيع، يدلّ على أن المحذوف واو مبيوع، ولو كانت الياء ذاهبة والواو ثابتة، لقالوا مبوع، وادّعاء الأخفش أن ياء مبيع أصلها واو مبيوع، ليس بظاهر، والأخذ بالظاهر أولى. وشيء آخر يحتجّ به عليه: وذلك أنه يزعم أنهم يفرّقون بين ذوات الياء وذوات الواو، بإبدال الضمة كسرة فى الجمع، من نحو: بيض وعين، كراهة أن يقولوا: بوض وعون، فيلتبس بنحو سود وعور، قال: ولو صغت مثال فعل من البياض، أريد به واحدا لقلت: بوض، والخليل وسيبويه يريان هذا الفرق فى الجموع والآحاد، فيقال للأخفش، فى قوله: إنهم أبدلوا من الضمة فى مبيوع كسرة، فانقلبت واو مفعول ياء، لئلاّ تلتبس ذوات الياء بذوات الواو: قد تركت أصلك، لأنك تزعم أن هذا مختصّ (٢) به الجمع دون الواحد. ومما يحتجّ به عليه: أنهم قالوا من الشّوب: مشوب ومشيب، وقالوا: غار منول (٣) ومنيل، وهو من النّول، فلو كانت الواو (٤) من مقول هى واو مفعول لم تقلب ياء فى مشيب ومنيل، لأنّ واو مفعول لا تقلب ياء، إلا أن تدغم فى الياء فى نحو مرميّ ومخشىّ، فلمّا قالوا فى مشوب: مشيب، دلّ على أنّ واو مشوب عين قلبت ياء، كما قلبت عين حور للإتباع ياء، فى قوله (٥):

стр. 537

عيناء حوراء من العين الحير واختلفت العرب فى اسم المفعول من بنات الياء، فتمّمه بنو تميم، فقالوا: معيوب ومخيوط ومكيول ومزيوت، وقال أهل الحجاز (١): معيب ومخيط ومكيل ومزيت، وأجمع الفريقان على نقص ما كان من بنات الواو، إلاّ ما جاء على جهة الشّذوذ، وهو قولهم: ثوب مصوون، ومسك مدووف، وفرس مقوود، وقول مقوول، والأشهر: مصون/ومدوف ومقول ومقود، وأبو العباس محمد بن يزيد (٢) أجاز إتمام ما كان من ذوات الياء فى الشّعر خاصّة، وأنشد فى ذلك قول علقمة (٣): حتّى تذكّر بيضات وهيّجه ... يوم رذاذ عليه الطّلّ مغيوم قال: وأنشد أبو عمرو بن العلاء: وكأنّها تفّاحة مطيوبة (٤) وأنشد، أعنى أبا العباس، لعباس بن مرداس: قد كان قومك يحسبونك سيّدا ... وإخال أنّك سيّد مغيون (٥) مغيون: من قولهم: غين على كذا: أى غطّى عليه، وكأنه مأخوذ من الغين، الذى هو الغيم، ومنه قول الشاعر (٦):

стр. 538

كأنّى بين خافيتى عقاب (١) ... أصاب حمامة فى يوم غين فمعنى مغيون: مغطّى على عقله. وقد روى «معيون» بالعين، أى مصاب بالعين. والبصريّون أجمعون لا يجيزون إتمام ما كان منه من ذوات الواو، إلا أبا العباس (٢)، فإنه جوّز ذلك فى الضرورة، قياسا على السّوور والغوور (٣)، مصدرى سرت سوورا، وغارت عينه غوورا، قال: فهذا أثقل من «مفعول» من الواو، لأن فيه واوين وضمّتين، وذكر مع السّوور النّوور، وهو قريب منه فى الثّقل، وأنشد بيت أبى ذؤيب فى وصف ظبية: فسوّد ماء المرد فاها فلونه ... كلون النّوور وهى أدماء سارها (٤) المرد: ثمر (٥) الأراك، والنّوور: دخان الفتيلة يتّخذ كحلا للوشم، وسارها: بمعنى سائرها، أى باقيها، وارتفاعه على البدل (٦) من «هى» وغوور العين: دخولها، والسّوور: الوثوب فى غضب، قال الأخطل فى وصف الخمر (٧): لمّا أتوها بمصباح ومبزلهم ... سارت إليهم سوور الأبجل الضّارى الأبجل: عرق فى باطن الذّراع، ويقال: ضرا العرق يضرو: إذا نفخ دمه/ولم ينقطع (٨). تم المجلس. ...

стр. 539

هذه زيادة ألحقت بهذا الجزء، فى شهر ربيع الآخر من سنة تسع وثلاثين وخمسمائة، ولم تعدّ فى مجالسه، وهى مضمّنة فوائد جمّة. منها الكلام فى قوله : ﴿هَلْ أَتى عَلَى الْإِنْسانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئاً مَذْكُوراً﴾ (١) قيل فى الإنسان هاهنا قولان: أحدهما أنه آدم ﵇، والآخر: أنّ المراد به الناس، كما جاء: ﴿إِنَّ الْإِنْسانَ لَفِي خُسْرٍ﴾ (٢) فلذلك استثنى منه فقيل: ﴿إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ واختلف فى «هل» هاهنا فقيل: هى بمعنى قد، وقيل: هى على بابها فى الاستفهام. قال بعض المفسّرين (٣) والأحسن أن تكون للاستفهام الذى معناه التقرير، وإنما هو تقرير لمن أنكر البعث، فلا بدّ أن يقول: نعم قد مضى دهر طويل لا إنسان فيه، فيقال له: فالذى أحدث الناس وكوّنهم بعد عدمهم، كيف يمتنع عليه إحياؤهم بعد موتهم؟ وهى معنى (٤) قوله: ﴿وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ النَّشْأَةَ الْأُولى فَلَوْلا تَذَكَّرُونَ﴾ (٥) أى فهلاّ تذكّرون فتعلمون أنّ من أنشأ شيئا بعد أن لم يكن، قادر على إعادته بعد عدمه. وقال أبو إسحاق الزجاج (٦) قوله : ﴿هَلْ أَتى عَلَى الْإِنْسانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئاً مَذْكُوراً﴾ المعنى: ألم يأت على الإنسان حين من الدّهر، وإنما قال: لم يكن شيئا مذكورا؛ لأنه كان ترابا وطينا إلى أن نفخ فيه الروح، ويجوز أن يعنى به جميع الناس، أنهم كانوا نطفا ثم علقا ثم مضغا، إلى أن صاروا شيئا مذكورا.

стр. 540

وروى عن أبى أحمد عبد السلام بن الحسين البصرىّ (١): أنه قال: كتب إلىّ شيخنا أبو القاسم الحسن بن بشر بن يحيى الآمدىّ (٢) رقعة نسختها: أريد، قدّمت قبلك، أن تسأل القاضى أبا (٣) سعيد، أدام الله عزّه، عمّا أنا ذاكره فى هذه الرّقعة، وتتطوّل بتعريفى ما يكون فى الجواب: /ذكر أبو العباس محمد بن يزيد فى الكتاب المقتضب (٤)، عند تحديد حروف المعانى مواضع «قد» فقال: تكون اسما بمعنى حسب، فى قولك: قدك، وتكون حرفا فى موضعين، أحدهما أن يكون قوم يتوقّعون جواب: هل قام زيد؟ فيقال: قد قام، وتكون فى موضع ربّما كقوله (٥): قد أترك القرن مصفرّا أنامله ثم ذكر «هل» فقال: ومن الحروف هل، وهى لاستقبال الاستفهام نحو [قولك (٦)]: هل جاء زيد؟ وتكون بمنزلة قد، فى قوله جلّ اسمه: ﴿هَلْ أَتى عَلَى الْإِنْسانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ﴾. وهو قد ذكر مواضع «قد» وحصرها، ففى أىّ مواضع «قد» الثلاثة تكون «هل»

стр. 541

بمعناها؟ والعلم محيط بأنها لا تكون بمعنى حسب، ولا تكون جوابا لقول من قال: هل قام زيد؟ فيقال: [هل قام] بمعنى قد قام، لأن المجيب [يكون] كأنه قد حكى كلام المستفهم، وهذا غير معروف فى كلام العرب، ولا يحسن أن تكون بمعنى «ربّما» فى قوله: «قد أترك القرن» لأن المعنى ربّما أترك القرن، و «هل» لا تتضمّن هذا المعنى، وما علمت أحدا من أهل اللغة قال إن «هل» تكون فى شيء من الكلام ولا القرآن بمعنى «قد» والنحويون يقولون فى قوله جلّ اسمه: ﴿هَلْ أَتى عَلَى الْإِنْسانِ﴾ إن المعنى ألم يأت؟ منهم الزجاج، فمنّ، جعلنى الله فداءك، علىّ بتعجيل الجواب، فإنى أتطلّعه. فوقفت القاضى أبا سعيد على الرّقعة، فأملى علىّ ما كتبته على ظهرها: بسم الله الرحمن الرحيم ﴿هَلْ أَتى عَلَى الْإِنْسانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ﴾ على قول من جعله بمنزلة «قد» إنما تكون «قد» من قسم دخولها للفعل (١) المتوقّع، فكأنه قيل لقوم يتوقّعون الإخبار عما أتى على الإنسان، والإنسان آدم: قد أتى على الإنسان حين من الدهر لم يكن شيئا مذكورا، لأن آدم بقى زمانا طينا. ... /قول أبى الطّيّب (٢): ويصطنع المعروف مبتدئا به ... ويمنعه من كلّ من ذمّه حمد قال أبو الفتح: معناه يعطى معروفه المستحقّين، ومن تزكو عنده الصّنيعة، ويمنعه من كلّ ساقط، إذا ذمّ أحدا فقد مدحه. قوله: «إذا ذمّ أحدا فقد مدحه» تفسير غير مرضىّ، لأنه لا يخلو من أحد معنيين: أحدهما أنه يورّى عن الذمّ الصّريح بكلام يشبه المدح، أو يريد أنه يضع

стр. 542

المدح الصريح موضع الذمّ، وليس يلحقه بهذين عيب، ولا يستحقّ أن يحرم بذلك معروفا. والمعنى غير ما ذهب إليه أبو الفتح، وذلك أنه وصف الممدوح بالتيقّظ، ومعرفة ما يأتى وما يدع، فيضع الصّنائع فى موضعها، فيعطى ذوى الأقدار قبل أن يسألوه، كما قيل: «السّخىّ من جاد بماله تبرّعا، وكفّ عن أموال الناس تورّعا (١)» ويمنع ماله من كل دنىء، إذا ذمّه الناس فقد مدحوه، أى يقوم الذمّ له مقام المدح لغيره، لدناءة عرضه ولؤم أصله، فالمعنى أنه يقلّ عن الذمّ، كما قال (٢): صغرت عن المديح فقلت أهجى ... كأنّك ما صغرت عن الهجاء والذّمّ من قوله: «من ذمّه حمد» مضاف إلى المفعول، والفاعل محذوف، فالتقدير من ذمّ الناس إيّاه، كما جاء: ﴿لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤالِ نَعْجَتِكَ إِلى نِعاجِهِ﴾ (٣) والمعنى بسؤاله (٤) نعجتك، وأبو الفتح ذهب إلى أن الذّم مضاف إلى الفاعل، وأن المفعول محذوف، ففسّر (٥) على هذا التقدير، فأفسد المعنى، لأنه أراد من ذمّه الناس حمد (٦). ومن [فى (٧)] قوله: «من ذمّه» اسم نكرة، والجملة بعده نعت له، كأنه قال:

стр. 543

من كلّ إنسان ذمّه حمد، ولا يجوز أن يكون بمعنى الذى، لأن «كلاّ» لا تضاف إلى (١) واحد معرفة، /إلا أن يكون مما يصحّ تبعيضه، كقولك: رأيت كلّ البلد، ولا تقول: لقيت كلّ الرجل الذى أكرمته، فإن قلت: لقيت كلّ رجل أكرمته، حسن ذلك، وصحّت إضافته إلى المفرد النكرة، كما تصحّ إضافته إلى الجمع المعرفة، نحو: لقيت كلّ الرجال الذين أكرمتهم، وقد ذكرت «من» إذا كانت نكرة موصوفة فى مواضع (٢). وقال وقد عرض عليه ابن طغج سيفا، فأشار به أبو الطيّب إلى رجل من الحاضرين كان يشنؤه: أتأذن لى ولك السّابقات ... أجرّبه لك فى ذا الفتى (٣) يقال فى قوله: «أتأذن» أهو استفهام صريح، أم المراد به غير الاستفهام؟ ويقال: السابقات صفة لمحذوف، فما تقدير المحذوف؟ ويقال: هل لهذه الجملة، أعنى «ولك السابقات» موضع من الإعراب؟ ويقال: ما معنى هذه الواو؟ ويقال: كم حذفا فى قوله: «أجرّبه»، وما معنى «لك» هاهنا؟ ولو قال: أجرّبه، استغنى الكلام عن لك. الجواب: أنّ قوله: «أتأذن (٤)» استفهام لفظى، وهو فى المعنى طلب، كأنه قال: ائذن لى، ومثل ذلك فى التنزيل: ﴿وَقُلْ لِلَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ وَالْأُمِّيِّينَ أَأَسْلَمْتُمْ﴾ (٥) والمعنى: أسلموا. وأما السابقات، فتقدير موصوفها: الحسنات السابقات، أو الأيادى

стр. 544

السابقات، أى فاجعل تجريبى (١) لهذا السيف فى ذا الرجل يدا من أياديك. وأمّا الواو فى «ولك السابقات» فواو (٢) ابتداء، لا واو الحال، وإنما لم تكن واو الحال، لأنها معترضة، والجملة المعترضة لا يكون لها موضع من الإعراب، ومعنى قولهم: جملة معترضة، أنها تقع بين مخبر عنه وخبره، أو بين فعل وفاعله، أو بين موصوف وصفته، أو بين الفعل ومفعوله، فالموصوف والصّفة كقوله تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ﴾ (٣) والفعل والفاعل كقول/قيس بن زهير العبسىّ: ألم يأتيك والأنباء تنمى ... بما لاقت لبون بنى زياد (٤) قوله: «بما لاقت» فاعل «يأتيك»، والباء زائدة، ومثله قول آخر (٥): وقد أدركتنى والحوادث جمّة ... أسنّة قوم لاضعاف ولا عزل الأعزل: الذى لا رمح معه، والمخبر عنه وخبره كقول ابن هرمة (٦): إنّ سليمى والله يكلؤها ... ضنّت بشىء ما كان يرزؤها ويدلّ على أنّ الواو الداخلة على الجملة المعترضة ليست واو الحال شيئان:

стр. 545

أحدهما أنّ الحال لا تقع معترضة، والثانى أنّ قوله: «والله يكلؤها» دعاء، وجملة الدعاء لا تقع حالا، وقد جاء الدعاء بالفعل مع هذه الواو فى قول أبى محلّم الشّيبانىّ: إنّ الثّمانين وبلّغتها ... قد أحوجت سمعى إلى ترجمان (١) فقوله: «ولك السابقات» اعتراض بين «تأذن» ومفعوله. وفى قوله: «أجرّبه» حذفان، لأنّ الأصل: فى أن أجرّبه، فحذف الجارّ، وحذف «أن» فارتفع الفعل، ولو نصبته بتقدير «أن» لجاز على المذهب الكوفى (٢). وقوله: «لك» اللام لام المفعول من أجله، والتقدير: أجرّبه لاختبارك [أى لاختبارك (٣)] إياه، فحذف المضاف، وفى التنزيل: ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ﴾ (٤) ولو قيل: ألم نشرح صدرك، اكتفى الكلام، ولكن جيء بك على معنى: لهدايتك. وقوله يخاطب سيف الدّولة (٥): إذا الجود أعط الناس ما أنت مالك ... ولا تعطينّ الناس ما أنا قائل فيه قولان [أحدهما (٦)] قال أبو الفتح: أى لا تعط الناس أشعارى فيفسدوها بسلخ معانيها. وقال المعرّى: يقول: أعط الناس مالك، ولا تعطهم شعرى، أى لا تجعلهم فى طبقتى فتقل للشاعر: أنت مثل فلان، وشعرك مثل شعره.

стр. 546

/وأقول: إن الذى أراده المتنبي غير ما قالاه، أمّا قول أبى الفتح: لا تعط الناس أشعارى فيفسدوها بسلخ معانيها، فليس بشىء، لأمرين: أحدهما أنه (١) لا يمكنه ستر مدائحه له عن الناس، والآخر: أنّ المراد بالمديح أن يسير فى الناس، وأجود الشعر ما تداولته الألسن، وتناقلته الرّواة. وأمّا قول المعرّى فهو معنى قريب، وإن كان أبو الطيب لم يرده، وإنما أراد: لا تحوجنى (٢) إلى مدح غيرك، وحكى أبو زكريّا، قوليهما فقط. قوله (٣): لم لا تحذر العواقب فى غي ... ر الدّنايا أو ما عليك حرام أصل لم: لما، وسقطت ألف «ما» حين وليتها اللام الجارّة، لأنها استفهاميّة [ومن لغتهم العليا إسقاط ألف «ما» إذا كانت استفهاما ووليها الجارّ، وذلك للفرق بين الاستفهامية والخبرية فمثال الاستفهامية (٤)] فى التنزيل: ﴿عَمَّ يَتَساءَلُونَ﴾ (٥) ومثال الخبريّة: ﴿وَما رَبُّكَ بِغافِلٍ عَمّا تَعْمَلُونَ﴾ (٦). واللام فى «لم» متعلّقة بتحذر، ولزم اللام التقديم، لاتّصالها بالاستفهام، ومن شأن الاستفهام التصدّر.

стр. 547

فأمّا «ما» الثانية فهى موصولة بمعنى الذى، أو موصوفة بمعنى شيء، وقد حذف المبتدأ من الصّلة أو الصّفة، وموضع «ما» خفض بالعطف على «الدّنايا» كأنه قال: أو الذى هو عليك حرام، وإن شئت قدّرت: أو شيء هو عليك حرام، وإنما حسن حذف المبتدأ من الصّلة، لطول الكلام بعليك، كما روى الخليل عن العرب: «ما أنا بالذى قائل لك [شيئا (١)]» ومثله فى التنزيل: ﴿وَهُوَ الَّذِي فِي السَّماءِ إِلهٌ﴾ (٢) التقدير: وهو الذى هو فى السماء إله، وحسن حذف «هو» لتقدّم ذكره، ولطول الكلام بفى ومجرورها، وهما فضلة متعلّقة بإله، كأنه قيل: الذى [هو (٣)] معبود فى السماء. فإن قيل: فهلاّ رفع «إله» بالابتداء، وقوله: «فى السماء» خبره، وكانت الجملة صلة «الذى» واستغنى بذلك عن تقدير «هو»؟ فالجواب: أن ذلك يمتنع، من حيث كانت الجملة تخلو حينئذ من عائد إلى «الذى» ظاهر ومقدّر، لأنه إذا ارتفع «إله» بالابتداء، كان المضمر فى الظرف عائدا على المبتدأ، وتعرّت الجملة من ضمير يعود على الموصول لفظا وتقديرا، وذلك ممّا لا يجوز مثله. والدّنايا: جمع دنيئة، مهموزة، وأصله الدّنائئ، بهمزتين، الأولى منقلبة عن الياء التى فى دنيئة (٤)، والثانية لام الكلمة، وهى الظاهرة فى الواحد، وتقديره: الدّناعع، فثقل الجمع بين الهمزتين المتحركتين، فأبدل من الثانية للكسرة قبلها ياء، فصار الدّنائى، فى تقدير: الدّناعى، ثم طلبوا التخفيف بتغيير آخر، فأبدلوا من الكسرة

стр. 548

فتحة، فصارت الياء ألفا، لانفتاح ما قبلها، وكونها فى موضع حركة، فصار الدّناء، فى [تقدير (١)] الدّناعا، وإذا كانوا قد قالوا فى الصّحارى والمدارى: صحارا ومدارا، كان التغيير فى ذوات الهمز أوجب، ولمّا آل فى التقدير إلى الدّناء، استثقلوا الجمع بين ثلاثة أمثال، الألفين والهمزة بينهما، فأبدلوا منها الياء. فأمّا معنى البيت، فالمراد بالاستفهام النّفى، كأنه قال: لست تحذر عاقبة فعل، إلا أن يكون دنيئة، أو شيئا محرّما، فإنك تتهيّب هذين، فتعفّ عن فعلهما، خوفا من عاقبتهما، فعاقبة الدّنيئة العار، وعاقبة الحرام النار، ولا تحذر العاقبة فى غير هذين، كبذل الأموال وعاقبته الفقر، والإقدام على الأهوال، وعاقبته القتل. وممّا اختلف فيه قوله (٢): وإنّ الّذى حابى جديلة طيّىء ... به الله يعطى من يشاء ويمنع ذهب أبو الفتح إلى أن «حابى» بمعنى حبا، مأخوذ من الحباء، وهو العطيّة، واسم الله تعالى مرتفع به، أى إن الذى حبا الله به جديلة يعطى، فالجملة التى هى «يعطى» وفاعله خبر اسم إنّ. وخولف أبو الفتح فى هذا القول، على أنّ عليه أكثر مفسّرى شعر المتنبى، والذى قاله الرادّ (٣) على أبى الفتح أنّ معنى حابى: بارى، من/قولهم: حابيت فلانا، أى باريته فى الحباء، مثل باهيته فى العطاء، كما يقال: كارمته، أى باريته فى الكرم، قال: وليس بمعروف أنّ معنى حابيته بكذا: حبوته به.

стр. 549

فعلى هذا القول يكون فاعل «حابى (١)» مضمرا فيه، يعود على «الذى» واسم الله مرفوعا بالابتداء، وخبره الجملة التى هى «يعطى» وفاعله ومفعوله، أى إنّ الذى بارى جديلة طيّئ فى الحباء، الله يعطى به من يشاء، ومفعول «يمنع» محذوف، دل عليه مفعول «يعطى» ومفعول «يشاء» المذكور، و «يشاء» المحذوف، محذوفان، فالتقدير: يعطى به الله من يشاء أن يعطيه، ويمنع به من يشاء أن يمنعه، على أن المضمرين فى يعطيه ويمنعه يعودان على الممدوح، والمعنى أنه ملك قد فوّض الله إليه أمر الخلق، فى الإعطاء والمنع، فالمدح على هذا يتوجّه إليه وإلى عشيرته، لأن المباراة فى العطاء أنهم يعطون فيعطى مباهيا لهم بعطائه، والمعنى فى قول أبى الفتح: إن الذى حبا الله به جديلة طيّىء بأن جعله منهم، يعطى من يشاء إعطاءه، ويمنع من يشاء منعه، لأنه يعطى تكرّما لا قهرا، ويمنع عزّة لا بخلا. وأقول: إنّ أصل فاعلته أن يكون من اثنين فصاعدا، وأنّ فاعله مفعول فى المعنى ومفعوله فاعل فى المعنى، كقولك: خاصمته وسابقته وشاريته وشاركته (٢)، ولم يأت من واحد إلا فى أحرف نوادر، كقولهم: طارقت النّعل، وعاقبت اللّصّ، وعافاك الله، وقاتلهم الله، فأبو الفتح ذهب بقولهم: حابيت زيدا مذهب هذه الألفاظ الخارجة من القياس، وقد جاء حابى بمعنى حبا فى قول أشجع بن عمرو السّلمىّ، يمدح جعفر [بن يحيى (٣)] بن خالد البرمكىّ، حين ولاّه الرشيد خراسان: إنّ خراسان وإن أصبحت ... ترفع من ذى الهمّة الشانا /لم يحب هارون بها جعفرا ... لكنّه حابى خراسانا أى لم يحب جعفرا بخراسان، لكن حبا خراسان بجعفر، فهذا يعضد قول

стр. 550

أبى الفتح، ولو وضع منشد «حبا» فى موضع «حابى» لم يكسر الوزن، لأنّ الجزء الذى هو حابى: مستفعلن، فإذا وضعت مكانه «حبا» دخله الزّحاف الذى يسمّى الخبن، فصار مفاعلن. وهو من البحر المسمّى السّريع، ولكنّ التعويل فى مثل هذا على الرّواية. وممّا جاء فيه يحابى بمعنى يبارى فى الحباء، قول سبرة بن عمرو الفقعسىّ: أعيّرتنا ألبانها ولحومها ... وذلك عار يا ابن ريطة ظاهر (١) [ظاهر هاهنا: بمعنى زائل (٢)]. نحابى بها أكفاءنا ونهينها ... ونشرب فى أثمانها ونقامر فقوله: «نحابى بها أكفاءنا» لا يكون إلاّ بمعنى نباريهم فى الحباء، وقد ورد أحابى فى شعر زهير بمعنى أخصّ، وذلك فى قوله (٣): أحابى به ميتا بنخل وأبتغى ... إخاءك بالقيل الذى أنا قائل قالوا: أراد أحابى بهذا الشّعر ميتا بنخل، يعنى بالميّت أبا الممدوح، أى أخصّه به، ونخل: أرض (٤) بها قبره. والإعراب فى هذا البيت كالإعراب فى قول أبى الفتح، لا فرق بينهما إلا من جهة أن «حابى» فى قول أبى الفتح بمعنى أعطى، وأحابى هاهنا بمعنى أخصّ، ولو قال قائل: إن «أحابى به» فى بيت زهير بمعنى أحبو به، لم يبعد قوله من الصواب، لأنّ فى مدح الابن الحىّ طيب ذكر للأب الميّت.

стр. 551

وإنما قال: «جديلة طيّىء» فخصّ، لأنّ الجدائل ثلاثة: جديلة طيّىء فى قحطان، وهو جديلة بن خارجة بن سعد العشيرة بن مذحج، وفى مضر: جديلة، قال أبو عبيدة: هم فهم وعدوان ابنا عمرو بن قيس عيلان بن مضر بن نزار، وفى ربيعة: جديلة بن أسد بن ربيعة بن نزار. / ممّا أنكر على أبى الطيّب تشديد النون من «لدن» فى قوله (١): فأرحام شعر يتّصلن لدنّه ... وأرحام مال ما تنى تتقطّع وقيل: إنّ هذا غير معروف فى لغة العرب، وقال أبو الفتح: قوله: «لدنّه» فيه قبح وبشاعة، لأنّ النون إنما تشدّد إذا كان بعدها نون، نحو لدنّى ولدنّا، كما قال جلّ ثناؤه: ﴿قَدْ بَلَغْتَ مِنْ لَدُنِّي عُذْراً﴾ (٢) ﴿وَعَلَّمْناهُ مِنْ لَدُنّا عِلْماً﴾ (٣) وأقرب ما يصرف هذا إليه أن يقال: شبّه بعض الضمير ببعض ضرورة، فكما قال: لدنّى، قال: لدنّه، فحمل أحد الضميرين على صاحبه، وإن لم يكن فى الهاء ما يوجب الإدغام من زيادة نون قبلها، كما قالوا: يعد، فحذفوا الواو، لوقوعها بين ياء وكسرة، ثم قالوا: أعد وتعد ونعد، فحذفوا الواو، وإن لم يكن هناك ما يجب له حذفها، قال: ويجوز أن يكون ثقّل النون ضرورة، لا لمصاحبتها الضمير، كما قالوا فى القطن: القطنّ، وفى الجبن: الجبنّ، وأنشد أبو زيد: مثل الجمان جال فى سلكنّه (٤) زاد نونا شديدة.

стр. 552

وقال آخر: إنّ شكلى وإنّ شكلك شتّى ... فالزمى الخصّ واخفضى تبيضّضى (١) فزاد ضادا، وقال سحيم العبد (٢): وما دمية من دمى ميسنا ... ن معجبة نظرا واتّصافا قالوا: أراد ميسان، فزاد النون، وقال الأسدىّ (٣): وجاشت من جبال السّغد نفسى ... وجاشت من جبال خُوارَرَزْمِ أراد خُوارَزْم، فغيّرها. واحتجّ لأبى الطيّب غير أبى الفتح، فيما ذكره القاضى أبو الحسن علىّ بن عبد العزيز الجرجانىّ (٤)، فقال: إن العلّة فى جواز هذه الزيادة أن الهاء لمّا كانت خفيّة (٥) وكانت النون ساكنة، ومن حقّ النون الساكنة أن تبيّن عند حروف الحلق، حسن تشديدها، لتظهر ظهورا شافيا، فهذه علّة قريبة قد يحتمل للشاعر تغيير الكلام لأجلها، ويؤكّد ذلك أن النون أقرب الحروف إلى حرفى العلّة، الياء والواو، وأكثرها شبها بهما ومناسبة لهما، لأنها تدغم فيهما، وزيدت ثالثة ساكنة، فى نحو جحنفل (٦)، كما

стр. 553

زيدت حروف العلّة بهذا الوصف، فى نحو: فدوكس (١) وسميدع وعذافر، وتبدل منها الألف فى الوقف، إذا كانت خفيفة، فى نحو: اضربا، وجعلت إعرابا فى الأمثلة الخمسة، تفعلان ويفعلان وتفعلون ويفعلون وتفعلين، كما جعلا إعرابا فى التثنية والجمع الذى على حدّها، وتحذف إذا كانت ساكنة لالتقاء الساكنين، فى نحو: اضرب الغلام، بفتح الباء، فلما حلّت من مناسبتهنّ هذا المحلّ، احتملت ما يحتملنه من الزيادة، وحروف العلة أوسع الحروف تصرّفا، ولذلك استجازوا زيادة الياء فى الصّياريف، والواو فى فأنظور، والألف فى منتزاح. انتهى كلامه، أراد زيادة الياء فى الصّياريف من قول القائل (٢): تنفى يداها الحصى فى كلّ هاجرة ... نفى الدّراهيم تنقاد الصّياريف وزيادة الواو فى: فأنظر، من قول الآخر: من حيث ما سلكوا أدنو فأنظور (٣) وزيادة الألف فى: منتزح من قول الآخر (٤):

стр. 554

وأنت من الغوائل (١) ... حين ترمى ومن ذمّ الرّجال بمنتزاح وقد كان أبو الطيّب، فيما ذكر الجرجانىّ (٢)، خوطب فى ذلك، فجعل مكان «لدنّه»: «ببابه» وروى: «بجوده» واحتجّ بنحو ما احتجّ به أبو الفتح، من الأبيات التى تتضمّن الزيادة والتغيير. قال أبو الفتح: واستعمل «لدن» بغير «من» وهو قليل فى الكلام، لا يكادون /يستعملونها إلاّ ومعها «من» كما جاء فى التنزيل: ﴿مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ عَلِيمٍ﴾ (٣) و ﴿قَدْ بَلَغْتَ مِنْ لَدُنِّي عُذْراً﴾ (٤) وأنشد سيبويه (٥): من لد شولا وإلى إتلائها نصب «شولا» بإضمار كان، أى من لدن أن كانت شولا إلى أن أتلت، أى تلتها أولادها، هذا قول أبى علىّ (٦)، مضافا إلى قول أبى الفتح. وقد جاء «لدن» بغير «من» فيما أنشده يعقوب من قوله (٧): فإنّ الكثر أعيانى قديما ... ولم أقتر لدن أنّى غلام وقال كثيّر:

стр. 555

وما زلت من ليلى لدن أن عرفتها ... لكالهائم المقصى بكلّ مكان (١) زاد اللام فى قوله: لكالهائم. ولدن (٢) من الظّروف التى لم تتمكّن، لغلبة الإبهام عليها، وفيه لغات: أولها لدن مثل عضد، والثانية لدن مثل عضد، والثالثة لدن مثل عضد، خفّفوه تارة بإسكان أوسطه، وتارة بنقل الحركة إلى أوله، وحرّكوا النون لالتقاء الساكنين، وخصّوها بالحركة التى كانت للدال. والرابعة لد، بحذف النون، كما أنشد سيبويه: «من لد شولا» ووجه حذف النون فيما ذكره أبو علىّ (٣)، أنهم حذفوها لالتقاء الساكنين، فى قولهم: لد الصّلاة، كما حذفوا التنوين من الأسماء الأعلام، فى نحو زيد بن فلان، ثم أجروا النون فى الحذف، ولم يلقها ساكن، مجراها فى الحذف لالتقاء الساكنين. والخامسة لد، بحذف النون، بعد نقل الضمة إلى اللام. والسادسة لد، بحذف النون وضم اللام، إتباعا لضمة الدال، وإنما يحذفون النون إذا أضافوه إلى المظهر، فإن أضافوه إلى المضمر ردوها، فقالوا: لدنك ولدنه ولدنّا. والسابعة لدن بفتح الدال، وأصل هذه اللغة أنهم حذفوا النون بعد إسكان الدال

стр. 556

ثم ردّوها، ففتحوا الدال لالتقاء الساكنين، تشبيها للدال بآخر الفعل مع النون الخفيفة، فى نحو: ﴿لَنَسْفَعاً﴾ (١) ولا يكون هذا العمل إلا مع غدوة، قال أبو زيد: قالوا (٢): جئت فلانا لدن غدوة، ففتحوا الدال. وقال سيبويه: شبّهوها بالخفيفة مع الفعل، ففتحوا الدال، كما فتحوا آخر الفعل. قال أبو علىّ: ولم يكن حقّها أن تحذف النون منها، لأن الحذف إنما يكون فى الأسماء المتمكّنة، ولمّا أشبه «لدن» الحروف، لم يحسن الحذف منه، فاستكرهوه وجعلوا النون بمنزلة الزائد، وقد أضيف إلى الفعل فى قول القطامىّ (٣): صريع غوان راقهنّ ورقنه ... لدن شبّ حتّى شاب سود الذّوائب ويمكن أن تكون إضافته إلى الفعل، كإضافة «حيث» إليه، لأنه فى الإبهام مثله، ويمكن أن يكون المعنى: لدن أن شبّ، فحذف «أن» ويقوّى ذلك ثبات «أن» فى قول الأعشى (٤): أرانى لدن أن غاب رهطى كأنّما ... يرى (٥) بى فيكم طالب الضّيم أرنبا وقال أبو علىّ أيضا: فأمّا ما روي عن عاصم من قراءته ﴿لَدُنْهُ﴾ (٦) فالكسرة فيه

стр. 557

ليست كسرة جرّ، وإنما هى كسرة التقاء الساكنين، وذلك أن الدال أسكنت كما أسكنت الباء، من سبع، والنون ساكنة، فلما التقيا كسر الثانى منهما. وقوله: «فأرحام شعر (١)» استعار الأرحام للشّعر، وجعلها [متّصلة عند الممدوح، ثم قال: وأرحام مال، فاستعارها للمال وجعلها (٢)] متقطّعة عند الممدوح، لما سنذكره، والرّحم: علاقة القرابة، ومعنى «تنى» تفتر، قال العجّاج (٣): فما ونى محمد مذ أن غفر ... له الإله ما مضى وما غبر وفى التنزيل: ﴿وَلا تَنِيا فِي ذِكْرِي﴾ (٤) ومنه قولهم: امرأة وناة: إذا كان فيها فتور عند القيام، فالمعنى: ما تفتر عن التقطّع، والأصل: ما تنى عن أن تتقطّع، فحذف «عن» ثم حذف «أن» فارتفع الفعل. ولدن ولدى وعند نظائر، إلا أن «عند» أمكن منهما. ومن الفرق (٥) بينها وبينهما أنك تقول: هذا القول عندى صواب، ولا تقول: هو لدىّ صواب، وكذلك لا تقول: قولك لدنّى صواب، وقال أبو هلال الحسن بن عبد الله بن سهل العسكرىّ: تقول: عندى مال [وإن كان غائبا عنك، ولا تقول: لدىّ مال إلاّ فى المال الحاضر، لأن لدىّ إنما هو لما يليك، ولا تقول: لدنّى مال (٦)] وإن كان حاضرا. فقد جعل لعند مزيّة على لدى، وجعل للدى مزيّة على لدن.

стр. 558

وأجاز أبو العلاء المعرىّ أن يقال: لدنّى مال، غائبا كان أو حاضرا، ومنع أن يكون بين عند ولدن فرق، فى جميع أحوالها، وقول أبى هلال أثبت، وقد قاله غيره (١)، والذى ذكرته أوّلا من قولهم: هذا القول عندى صواب، وامتناعهم أن يقولوا: هو لدىّ صواب، فرق واضح. قال أبو الفتح: ومعنى البيت أنه يحبّ المديح، فيهين له المال. وقال أبو العلاء: استعار الأرحام للشّعر والمال، كما يفعل الشعراء، فيخرجون الأشياء من أصولها مستعارة، فيقولون: «ماء الصّبابة، وغمام العطاء» انقضى كلامه. وليست الاستعارة مختصّة بالشعر، وإنما هى ضرب من البديع يتّسع فى النثر كاتّساعه فى النظم، وقد كثر ذلك فى القرآن، فمنه استعارة الجناح للذلّ فى قوله تعالى، موصّيا للولد بوالديه: ﴿وَاِخْفِضْ لَهُما جَناحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ﴾ (٢) أراد: لن لهما من مبالغتك فى الرحمة جانبك متذلّلا، ومنه استعارة الساق لشدّة (٣) الأمر، فى قوله تعالى: ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ ساقٍ﴾ (٤) ألا ترى أنك تقول لمن يحتاج إلى الجدّ فى أمر: شمّر عن ساقك [فيه (٥)] واشدد حيازيمك (٦) له، فيكون هذا القول أوكد فى نفسه من قولك: جدّ فى أمرك. /ومن ذلك قوله تعالى: ﴿وَقَدِمْنا إِلى ما عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْناهُ هَباءً مَنْثُوراً﴾ (٧)

стр. 559

فحقيقة «قدمنا»: عمدنا، وقدمنا أبلغ، لأنه دلّ فيه على ما كان من إمهاله لهم، حتى كأنه كان غائبا عنهم ثم قدم، فاطّلع منهم على غير ما ينبغى، فجازاهم بحسبه، وقوله: ﴿فَجَعَلْناهُ هَباءً مَنْثُوراً﴾ حقيقته: أبطلناه حتى لم يحصل منه شيء، فالاستعارة هاهنا أبلغ من الحقيقة. ومن ذلك قوله: ﴿إِنّا لَمّا طَغَى الْماءُ حَمَلْناكُمْ فِي الْجارِيَةِ﴾ (١) حقيقة «طغا» علا وطما، فالاستعارة أبلغ، لأن فيها دلالة على القهر، وذلك أن الطّغيان علوّ فيه غلبة وقهر. ومن ذلك قوله تعالى: ﴿وَاِشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْباً﴾ (٢) حقيقته: كثر الشّيب فى الرأس وظهر، فاستعار له الاشتعال، لفضل ضياء النار على ضياء الشّيب. ومن ذلك قوله: ﴿إِنّا أَرْسَلْناكَ شاهِداً وَمُبَشِّراً وَنَذِيراً. وَداعِياً إِلَى اللهِ بِإِذْنِهِ وَسِراجاً مُنِيراً﴾ (٣) استعار له السّراج، أو للقرآن، فى قول من قدّر حذف مضاف، فأراد: وذا سراج منير. ومن ذلك استعارة النبىّ ﵌ للغيرة أنفا، وقد رأى عليّا وفاطمة ﵉، فى بيت فردّ الباب عليهما، وقال: «جدع الحلال أنف الغيرة (٤)».

стр. 560

فالاستعارة تتضمّن من زيادة الفائدة ما لا تتضمّنه الحقيقة، ولولا ذلك كان استعمال الحقيقة أولى، فاختصاص المعرّى الشّعر بهذا الضّرب من البديع، قول من لم يقف على ما فى كتاب الله من الاستعارات المعدودة فى إعجاز القرآن. ثم أقول: إنّ اتصال أرحام الشّعر عند الممدوح يحتمل معنيين، أحدهما: أنه يقبل الشّعر ويثيب عليه، فيحصل بينهما اتّصال، كاتّصال القرابات، والآخر: أنه يمدح بأشعار كثيرة، تجتمع عنده، فيتّصل بعضها ببعض، كاتّصال الأرحام. وكذلك تقطّع أرحام المال يحتمل معنيين، أحدهما: أن يكون اجتماعه عنده كالرّحم بينهما، وتفريقه كقطع الرّحم، والثانى: أن المال لا يجتمع عنده، كما قال (١): وكلّما لقى الدّينار صاحبه ... فى ملكه افترقا من قبل يصطحبا فمنعه من اجتماع المال كأنه قطع لأرحام مشتبكة بين صنوف الأموال. ... وسئلت عن قوله، فى جملة مسائل وردت من الموصل: كلّ ما لم يكن من الصّعب فى الأن ... فس سهل فيها إذا هو كانا (٢) فأجبت بأنّ «ما» نكرة موصوفة بالجملة، فموضع الجملة خفض، ويكن وكان تامّتان، فى معنى يقع ووقع، وقوله: «من الصّعب» صفة أخرى، فمن متعلّقة بمحذوف، فهى ومجرورها فى موضع خفض، و «سهل» خبر «كلّ» فالتقدير: كلّ شيء غير واقع صعب فى الأنفس، سهل فيها إذا وقع، والمعنى أنّ الأمر يصعب على النّفس (٣) قبل وقوعه، فإذا وقع سهل، وهذا من قول أعشى باهلة (٤):

стр. 561

لا يصعب الأمر إلاّ ريث يركبه ... وكلّ شيء سوى الفحشاء يأتمر معنى لا يصعب الأمر: لا يجده صعبا، كقولهم: أحمدت الرجل، أى وجدته محمودا، وأبخلته: وجدته بخيلا، ومنه قول عمرو بن معديكرب لبنى الحارث بن كعب: «والله لقد قاتلناكم فما أجبنّاكم، وسألناكم فما أبخلناكم، وهاجيناكم فما أفحمناكم (١)» أى ما وجدناكم جبناء ولا بخلاء ولا مفحمين، وكذلك أصعبت الأمر: وجدته صعبا. والرّيث: الإبطاء، يقال: راث الخبر: أى أبطأ، يقول: لا يجد الأمر صعبا إلا وقت (٢) [إبطاء] ركوبه إياه. ... /وسئلت عن قول سحيم عبد بنى الحسحاس (٣): جنونا بها فيما اعتشرنا علاقة ... علاقة حبّ مستسرّا وباديا فأجبت بأن «جنونا» نصب على المصدر، أى جننت جنونا، وقوله: «علاقة» مفعول من أجله، والعلاقة، والعلق: الحبّ الشديد، ومن كلامهم: «نظرة من ذى علق (٤)» أى من ذى هوى قد علق بمن يهواه قلبه، قال الشاعر (٥):

стр. 562

علق الأحشاء من هند علق ... مستسرّ فيه نصب وأرق أراد: جننت بها لعلاقة، أى لحبّ شديد، ويجوز أن تنصب «علاقة» على البدل من «جنونا»، وقوله: «علاقة حبّ» بدل من قوله: «علاقة» كما تقول: لقيت غلاما غلام بزّاز، فتبين الأول بالثانى. و «مستسرّا» نصب على النعت لقوله: «علاقة حبّ» وذكّر الوصف، والموصوف مؤنّث لأمرين، أحدهما: أن العلاقة بمعنى العلق، والآخر: أنها إذا كانت بدلا من «جنونا» فهى الجنون، وقد ورد تذكير المؤنّث للحمل على المعنى كثيرا، كقول الأعشى (١): يضمّ إلى كشحيه كفّا مخضّبا ذكّر الكفّ، لأنه ذهب بها مذهب العضو، ومنه قوله (٢): فإمّا ترينى ولى لمّة ... فإنّ الحوادث أودى بها ذكّر ضمير الحوادث، لأنه ذهب بها مذهب الحدثان، ومنه فى التنزيل تذكير خبر الرّحمة فى قوله تعالى: ﴿إِنَّ رَحْمَتَ اللهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾ (٣) لأن المراد بالرحمة هاهنا فى بعض التفسير: الغيث. ويجوز أن تجعل «مستسرّا» نعتا لجنونا، والقول الأول أحسن، لقرب النعت من المنعوت، وإذا حقّقنا القول فى معنى العلاقة فهى التعلّق بالحبّ، فلهذا أضافها الشاعر إليه، فيجوز على هذا فى نصب «مستسرّا» وجهان آخران: أحدهما أن تجعله حالا من «حبّ» وإن كان نكرة، وكان مجىء الحال منها ضعيفا، وإنما

стр. 563

أجزت هذا لأمرين، أحدهما: /أن كون الحال من النكرة جائز، يجوز أن تقول: مررت بامرأة جالسة، وهذا رجل مقبلا. والثانى: أن المضاف إلى «حبّ» مصدر، فحبّ منصوب فى المعنى بعلاقة، على أنه مفعول به، وفاعل المصدر محذوف، فالتقدير: علاقتى حبّا، أى تعلّقى إياه، فالعامل فى الحال المضاف الذى هو العلاقة، فليست كالحال التى عمل فيها ما قبل المضاف فى نحو «سلبت سلاحى بائسا (١)». والوجه الآخر من وجهى النصب فى «مستسرّ» أن يكون نعتا لحبّ، على معناه، وانتصابه فى هذا الوجه أقوى من انتصابه على الحال، ألا ترى أن مفعول المصدر المجرور، قد عطف عليه المنصوب فى قول الشاعر (٢): قد كنت داينت بها حسّانا ... مخافة الإفلاس واللّيّانا كما وصف فاعل المصدر مجرورا بمرفوع، فى قول لبيد (٣)، فى وصف العير والأتان: يوفى ويرتقب النّجاد كأنّه ... ذو إربة كلّ المرام يروم حتّى تهجّر فى الرّواح وهاجها (٤) ... طلب المعقّب حقّه المظلوم

стр. 564

فعلى هذا تقول: عجبت من ضرب زيد الظريف عمرا، والظريف، خفضا ورفعا، وعجبت من ضرب زيد الظريف عمرو، والظريف، خفضا ونصبا، فهذان وجهان آخران فى نصب «مستسرّ» واضحان. ويروى: جننت بها فيما اعتشرنا علالة والعلالة: البقيّة من كلّ شيء، يقال لبقيّة الحبّ: علالة، وكذلك بقيّة (١) اللّبن فى الضّرع، وبقيّة جرى الفرس، فالمعنى: جننت بها لبقية حبّى، والوجه هو الرواية الأولى. واعتشرنا: من المعاشرة، وهى المصاحبة، والعشير: الصاحب، وفى التنزيل: ﴿لَبِئْسَ الْمَوْلى وَلَبِئْسَ الْعَشِيرُ﴾ (٢). / وسئلت فى جملة المسائل الواردة من الموصل، عمّا دار من الكلام بين سيبويه والكسائىّ، بحضرة يحيى بن خالد البرمكىّ. فقلت: إن الكسائىّ، فيما وردت به الرواية، سأل سيبويه، فقال: كيف تقول: «كنت أظنّ أنّ العقرب أشدّ لسعة من الزّنبور، فإذا هو هى، أم فإذا هو إيّاها (٣)»؟ فقال سيبويه: «فإذا هو هى» ولا يجوز النصب، فقال له الكسائىّ: أخطأت، ثم سأله عن مسائل من هذا النحو، منها: خرجت فإذا عبد الله القائم، والقائم، برفع القائم ونصبه، فقال سيبويه فى ذلك بالرفع دون النصب، فقال الكسائىّ:

стр. 565

العرب ترفع هذا كلّه وتنصبه، فدفع سيبويه قوله. فقال يحيى بن خالد: قد اختلفتما وأنتما رئيسا بلديكما، فمن ذا يحكم بينكما؟ فقال الكسائىّ: هذه العرب ببابك، قد اجتمعت من كلّ أوب، ووفدت عليك من كلّ صقع، وهم فصحاء الناس، وقد قنع بهم أهل المصرين، وسمع أهل البصرة وأهل الكوفة منهم، فليحضروا ويسألوا. فقال يحيى وابنه جعفر: قد أنصفت، وأمر بإحضارهم، فدخلوا، وفيهم أبو فقعس وأبو زياد (١) وأبو الجرّاح وأبو ثروان، فسئلوا عمّا جرى بين الكسائىّ وسيبويه، فتابعوا الكسائىّ، وقالوا بقوله، فأقبل يحيى على سيبويه، فقال له: قد تسمع! فاستكان سيبويه، وأقبل الكسائىّ على يحيى، فقال: أصلح الله الوزير، إنه قد وفد عليك من بلده مؤمّلا، فإن رأيت أن لا تردّه خائبا، فأمر له بعشرة آلاف درهم، فخرج وصيّر وجهه إلى فارس، فأقام هناك ولم يعد إلى البصرة. وأقول: إن الصحيح فى هاتين المسألتين قول سيبويه، لأن «إذا» هذه هى المكانيّة الموضوعة للمفاجأة، فهى (٢) تؤدّى معنى الظّرف الذى يشار به إلى المكان، / وهو هناك وثمّ، فيجوز أن يقتصر على الاسم المرفوع بعدها، على أنه مبتدأ، وهى خبره، كقولك: خرجت فإذا زيد، المعنى: فثمّ زيد، أو فهناك زيد، فإن جئت بعد المرفوع بنكرة، فلك فيها مذهبان، أحدهما: أن ترفعها بأنها خبر المبتدأ، فتكون «إذا» فضلة، يعمل فيها الخبر، تقول: فإذا زيد قائم، كما تقول: هناك زيد قائم، وفى الدار زيد قائم، والمذهب الآخر: أن تنصب النكرة على الحال، تقول:
следующие страницы →