لا يصعب الأمر إلاّ ريث يركبه ... وكلّ شيء سوى الفحشاء يأتمر
معنى لا يصعب الأمر: لا يجده صعبا، كقولهم: أحمدت الرجل، أى وجدته محمودا، وأبخلته: وجدته بخيلا، ومنه قول عمرو بن معديكرب لبنى الحارث بن كعب: «والله لقد قاتلناكم فما أجبنّاكم، وسألناكم فما أبخلناكم، وهاجيناكم فما أفحمناكم (١)» أى ما وجدناكم جبناء ولا بخلاء ولا مفحمين، وكذلك أصعبت الأمر:
وجدته صعبا.
والرّيث: الإبطاء، يقال: راث الخبر: أى أبطأ، يقول: لا يجد الأمر صعبا إلا وقت (٢) [إبطاء] ركوبه إياه.
... /وسئلت عن قول سحيم عبد بنى الحسحاس (٣):
جنونا بها فيما اعتشرنا علاقة ... علاقة حبّ مستسرّا وباديا
فأجبت بأن «جنونا» نصب على المصدر، أى جننت جنونا، وقوله:
«علاقة» مفعول من أجله، والعلاقة، والعلق: الحبّ الشديد، ومن كلامهم:
«نظرة من ذى علق (٤)» أى من ذى هوى قد علق بمن يهواه قلبه، قال الشاعر (٥):
стр. 562
علق الأحشاء من هند علق ... مستسرّ فيه نصب وأرق
أراد: جننت بها لعلاقة، أى لحبّ شديد، ويجوز أن تنصب «علاقة» على البدل من «جنونا»، وقوله: «علاقة حبّ» بدل من قوله: «علاقة» كما تقول:
لقيت غلاما غلام بزّاز، فتبين الأول بالثانى.
و «مستسرّا» نصب على النعت لقوله: «علاقة حبّ» وذكّر الوصف، والموصوف مؤنّث لأمرين، أحدهما: أن العلاقة بمعنى العلق، والآخر: أنها إذا كانت بدلا من «جنونا» فهى الجنون، وقد ورد تذكير المؤنّث للحمل على المعنى كثيرا، كقول الأعشى (١):
يضمّ إلى كشحيه كفّا مخضّبا
ذكّر الكفّ، لأنه ذهب بها مذهب العضو، ومنه قوله (٢):
فإمّا ترينى ولى لمّة ... فإنّ الحوادث أودى بها
ذكّر ضمير الحوادث، لأنه ذهب بها مذهب الحدثان، ومنه فى التنزيل تذكير خبر الرّحمة فى قوله تعالى: ﴿إِنَّ رَحْمَتَ اللهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾ (٣) لأن المراد بالرحمة هاهنا فى بعض التفسير: الغيث.
ويجوز أن تجعل «مستسرّا» نعتا لجنونا، والقول الأول أحسن، لقرب النعت من المنعوت، وإذا حقّقنا القول فى معنى العلاقة فهى التعلّق بالحبّ، فلهذا أضافها الشاعر إليه، فيجوز على هذا فى نصب «مستسرّا» وجهان آخران: أحدهما أن تجعله حالا من «حبّ» وإن كان نكرة، وكان مجىء الحال منها ضعيفا، وإنما
стр. 563
أجزت هذا لأمرين، أحدهما: /أن كون الحال من النكرة جائز، يجوز أن تقول:
مررت بامرأة جالسة، وهذا رجل مقبلا.
والثانى: أن المضاف إلى «حبّ» مصدر، فحبّ منصوب فى المعنى بعلاقة، على أنه مفعول به، وفاعل المصدر محذوف، فالتقدير: علاقتى حبّا، أى تعلّقى إياه، فالعامل فى الحال المضاف الذى هو العلاقة، فليست كالحال التى عمل فيها ما قبل المضاف فى نحو «سلبت سلاحى بائسا (١)».
والوجه الآخر من وجهى النصب فى «مستسرّ» أن يكون نعتا لحبّ، على معناه، وانتصابه فى هذا الوجه أقوى من انتصابه على الحال، ألا ترى أن مفعول المصدر المجرور، قد عطف عليه المنصوب فى قول الشاعر (٢):
قد كنت داينت بها حسّانا ... مخافة الإفلاس واللّيّانا
كما وصف فاعل المصدر مجرورا بمرفوع، فى قول لبيد (٣)، فى وصف العير والأتان:
يوفى ويرتقب النّجاد كأنّه ... ذو إربة كلّ المرام يروم
حتّى تهجّر فى الرّواح وهاجها (٤) ... طلب المعقّب حقّه المظلوم
стр. 564
فعلى هذا تقول: عجبت من ضرب زيد الظريف عمرا، والظريف، خفضا ورفعا، وعجبت من ضرب زيد الظريف عمرو، والظريف، خفضا ونصبا، فهذان وجهان آخران فى نصب «مستسرّ» واضحان.
ويروى:
جننت بها فيما اعتشرنا علالة
والعلالة: البقيّة من كلّ شيء، يقال لبقيّة الحبّ: علالة، وكذلك بقيّة (١) اللّبن فى الضّرع، وبقيّة جرى الفرس، فالمعنى: جننت بها لبقية حبّى، والوجه هو الرواية الأولى.
واعتشرنا: من المعاشرة، وهى المصاحبة، والعشير: الصاحب، وفى التنزيل:
﴿لَبِئْسَ الْمَوْلى وَلَبِئْسَ الْعَشِيرُ﴾ (٢).
/ وسئلت فى جملة المسائل الواردة
من الموصل، عمّا دار من الكلام بين سيبويه والكسائىّ، بحضرة يحيى بن خالد البرمكىّ.
فقلت: إن الكسائىّ، فيما وردت به الرواية، سأل سيبويه، فقال: كيف تقول: «كنت أظنّ أنّ العقرب أشدّ لسعة من الزّنبور، فإذا هو هى، أم فإذا هو إيّاها (٣)»؟ فقال سيبويه: «فإذا هو هى» ولا يجوز النصب، فقال له الكسائىّ:
أخطأت، ثم سأله عن مسائل من هذا النحو، منها: خرجت فإذا عبد الله القائم، والقائم، برفع القائم ونصبه، فقال سيبويه فى ذلك بالرفع دون النصب، فقال الكسائىّ:
стр. 565
العرب ترفع هذا كلّه وتنصبه، فدفع سيبويه قوله.
فقال يحيى بن خالد: قد اختلفتما وأنتما رئيسا بلديكما، فمن ذا يحكم بينكما؟
فقال الكسائىّ: هذه العرب ببابك، قد اجتمعت من كلّ أوب، ووفدت عليك من كلّ صقع، وهم فصحاء الناس، وقد قنع بهم أهل المصرين، وسمع أهل البصرة وأهل الكوفة منهم، فليحضروا ويسألوا.
فقال يحيى وابنه جعفر: قد أنصفت، وأمر بإحضارهم، فدخلوا، وفيهم أبو فقعس وأبو زياد (١) وأبو الجرّاح وأبو ثروان، فسئلوا عمّا جرى بين الكسائىّ وسيبويه، فتابعوا الكسائىّ، وقالوا بقوله، فأقبل يحيى على سيبويه، فقال له: قد تسمع! فاستكان سيبويه، وأقبل الكسائىّ على يحيى، فقال: أصلح الله الوزير، إنه قد وفد عليك من بلده مؤمّلا، فإن رأيت أن لا تردّه خائبا، فأمر له بعشرة آلاف درهم، فخرج وصيّر وجهه إلى فارس، فأقام هناك ولم يعد إلى البصرة.
وأقول: إن الصحيح فى هاتين المسألتين قول سيبويه، لأن «إذا» هذه هى المكانيّة الموضوعة للمفاجأة، فهى (٢) تؤدّى معنى الظّرف الذى يشار به إلى المكان، / وهو هناك وثمّ، فيجوز أن يقتصر على الاسم المرفوع بعدها، على أنه مبتدأ، وهى خبره، كقولك: خرجت فإذا زيد، المعنى: فثمّ زيد، أو فهناك زيد، فإن جئت بعد المرفوع بنكرة، فلك فيها مذهبان، أحدهما: أن ترفعها بأنها خبر المبتدأ، فتكون «إذا» فضلة، يعمل فيها الخبر، تقول: فإذا زيد قائم، كما تقول: هناك زيد قائم، وفى الدار زيد قائم، والمذهب الآخر: أن تنصب النكرة على الحال، تقول:
стр. 566
فإذا زيد قائما، فتكون «إذا» مستقرّا، موضعها رفع بأنها خبر المبتدأ، وهى الناصبة للحال، لنيابتها عن الاستقرار.
وقول الكسائىّ: فإذا عبد الله القائم، بنصب القائم، لا وجه له، لأن الحال لا تكون معرفة، وإذا بطل النصب فى القائم، فهو فى الضمير من قوله: فإذا هو إيّاها، أشدّ بطولا.
وإنما أنكر سيبويه النصب، لأنه لم يره مطابقا للقياس، ولم ير له وجها يقارب الصّواب، ولما لم يظفر الكسائىّ بحجّة قياسيّة، يدفع بها إنكار سيبويه للنصب، كان قصاراه الالتجاء إلى السّماع، والتشبّث بقول أعراب أحضروا فسئلوا عن ذلك، وكان للكسائىّ بهم أنسة، وسيبويه إذ ذاك غريب طارئ عليهم.
وذكر قوم من البصريّين أن الكسائىّ جعل لهم جعلا، استمالهم به إلى تصويب قوله، وقيل: إنما قصد الكسائىّ بسؤاله عمّا علم أنه لا وجه له فى العربية، واتّفق هو والفرّاء على ذلك، ليخالفه سيبويه، فيكون الرّجوع إلى السّماع، فينقطع المجلس عن النّظر والقياس.
... وممّا قاله أبو الطيّب فى صباه قوله (١):
أحيا وأيسر ما قاسيت ما قتلا ... والبين جار على ضعفى وما عدلا
أحيا (٢): فعل متكلّم، والجملة التى هى «أيسر» وخبره فى موضع نصب على الحال من المضمر فى «أحيا» أى أعيش وأقل ما قاسيت، أو أهون ما قاسيت ما قتل غيرى، /أخبر بحياته فى هذه الحال كالمتعجّب، وحقيقة المعنى: كيف أعيش وأهون الأشياء التى قاسيتها فى الهوى الشىء الذى قتل المحبّين؟
стр. 567
والضّعف والضّعف: لغتان، كالزّعم والزّعم، والفقر والفقر، وزعم قوم أن الضّعف بالضمّ فى الجسم، والضّعف فى العقل، وليس هذا بقول يعتمد (١) عليه، لأن القرّاء قد ضمّوا الضاد وفتحوها فى قوله تعالى: ﴿اللهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ ضَعْفٍ﴾ (٢).
مسألة
إن قيل: كيف كرّر المعنى فى قوله:
والبين جار على ضعفى وما عدلا
لأنه أثبت للبين الجور، ونفى عنه العدل، والمعنى فيهما واحد؟
فالجواب: أن الجائر فى وقت قد يعدل فى وقت آخر، فيوصف بالجور إذا جار، وبالعدل إذا عدل، وشبيه بذلك فى التنزيل قوله تعالى، فى وصف الأوثان:
﴿أَمْواتٌ غَيْرُ أَحْياءٍ﴾ (٣) فوصفها بأموات قد دلّ (٤) على أنها غير أحياء، والمعنى أنها أموات لا تحيى فى مستقبل الأزمان، كما يحيى الناس عند قيام الساعة.
ومنها (٥):
стр. 568
لولا مفارقة الأحباب ما وجدت ... لها المنايا إلى أرواحنا سبلا
هذا مأخوذ من قول أبى تمام (١):
لو حار مرتاد المنيّة لم يجد ... إلاّ الفراق على النّفوس دليلا
الأحباب: جمع حبّ، كعدل وأعدال، ومثله من الوصف: نقض وأنقاض، ولا ينبغى أن يكون جمع حبيب، كشريف وأشراف، ويتيم وأيتام، لأمرين، أحدهما: أنّ الأول أقيس وأكثر، والثانى: أن يتيما وشريفا من باب فعيل الذى بمعنى فاعل، وحبيبا: فعيل الذى بمعنى مفعول (٢)، فأصله محبوب، كما أن قتيلا/ أصله مقتول، فقد افترقا.
والمصدر الذى هو «مفارقة» مضاف إلى فاعله، وليس بمضاف إلى مفعوله، كإضافة السّؤال فى قوله تعالى: ﴿لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤالِ نَعْجَتِكَ﴾ (٣) ولا يحسن أن تقدّر: لولا مفارقة المحبّين الأحباب، وإن كان ذلك جائزا من طريق الإعراب، لأن المحبّ لا يوصف بمفارقة محبوبه، وإيجاد سبيل للمنيّة إلى روحه، وإنما هو مفارق لا مفارق.
وقوله: «لها» من الحشو الذى لا فائدة فيه، لأن المعنى غير مفتقر إليه، فهو من الزيادات الموضوعة لإقامة الوزن، وقد حمل عدم الفائدة به بعض أدباء المغرب (٤)
стр. 569
على أن جعله جمع لهاة، على حدّ حصاة وحصى، وأضافه إلى «المنايا» ورفعه بإسناد «وجدت» إليه، فاستعار للمنايا لهوات، على معنى [أنها (١)] كشىء يبتلع الناس، والمراد أفواه المنايا، ولكنه استعمل اللهاة فى موضع الأفواه، لمجاورة اللهاة للفم، وهذا قول محتمل لو كان مرادا للشاعر، وهو لعمر الله يشبه طريقته فى الاستعارات، وإذا لم يكن مرادا له، حملت «لها» على ما تزيده العرب مبالغة فى التبيين، وإن كان الكلام مستغنيا عنه، كقولك: ما وجدت لى إليك طريقا، فقولك «لى» زيادة، ومثله قول محمد بن يزيد الأموىّ:
فلا قدرت عليك يد اللّيالى ... ولا وجدت إليك لها سبيلا
وقد جاء فى بيت للشّمّاخ ما هو أنفر من هذا، وذلك قوله (٢):
وكنت إذا لاقيتها كان سرّنا ... لنا بيننا مثل الشّواء الملهوج (٣)
стр. 570
والمعنى غير مفتقر إلى قوله: «لنا بيننا»، الملهوج من الشّواء: الذى فيه نيوءة.
فأما موضع قوله: «لها» فإنه وصف فى المعنى لسبلا، فالأصل: سبلا كائنة لها، فلما قدّمه صار حالا من سبل، ومثله قوله: «إلى أرواحنا» الأصل: سبلا مسلوكة إلى أرواحنا، فلما قدّم بطلت الوصفية فيه، وحكم بأنه حال.
مسألة
إن قيل: إنّ العادة جرت بأن يقال: ما وجدت إليه سبيلا، ولا يقال:
ما وجدت إليه سبلا، فما معنى الجمع هاهنا؟
فالجواب: إنّ ذكر الجمع هاهنا أصحّ فى المعنى، لأنّ فراق المحبوب للمحبّ يوجد للمنيّة سبلا إلى روحه، مباينة للسّبيل الذى جرت عادة المنيّة به، وذلك أن فراقه له إنما يكون فى الأغلب مع الهجر، فالمنيّة تدرك روحه، من طريق العشق، وطريق الفراق، وطريق الشوق، وطريق الهجر، فقد سلكت إلى روحه سبلا شتّى، فلذلك استعمل الجمع.
ومنها قوله (١):
بما بجفنيك من سحر صلى دنفا ... يهوى الحياة وأمّا إن صددت فلا
الدّنف: المرض الملازم، ويقال للمريض: دنف ودنف، بالكسر والفتح، فإن فتحت لم تثنّ ولم تجمع ولم تؤنّث، لأنه مصدر موصوف به الشخص، كما قالوا:
رجل كرم [ورجلان كرم (٢)] ورجال كرم، وكذلك المؤنّث وتثنيته وجمعه.
стр. 571
قال الشاعر (١):
وأن يعرين إن كسى (٢) ... الجوارى
فتنبو العين عن كرم عجاف
فإن كسرت ثنّيت وجمعت وأنّثت، لأنه صفة، كحذر وبطر.
والباء التى فى قوله: «بما» متعلّقة بحال محذوفة، وهى حال من الياء فى «صلى»
стр. 572
والباء التى فى قوله: «بجفنيك» نائبة مناب «فى» كما تقول: زيد بالبصرة، ومثله:
﴿لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبارَكاً﴾ (١) وهى متعلقة فى التقدير بفعل لا باسم فاعل، لأنها صلة «ما» والظّروف وحروف الخفض إذا كانت صلات، لم تتعلّق باسم فاعل، لأن اسم الفاعل مفرد، وإن تضمّن ضميرا، من حيث لا اعتداد بالمضمر فيه، والصّلة لا تكون إلا جملة أو ما يقوم مقام الجملة، كالظرف، فالتقدير: صلى دنفا، مسئولة بما فى جفنيك من السحر، /كما تقول: بالله زرنى، أى زرنى مسئولا بالله.
قال أبو الفتح: الفاء فى قوله: «فلا» جواب «أمّا» لا جواب «إن»، ومثله:
﴿وَأَمّا إِنْ كانَ مِنْ أَصْحابِ الْيَمِينِ. فَسَلامٌ لَكَ مِنْ أَصْحابِ الْيَمِينِ﴾ (٢) انقضى كلامه.
وأقول: إنما كانت الفاء جواب «أمّا» لأن «أمّا» أسبق المجابين، وجواب الشرط محذوف، دلّ عليه الجواب المذكور، ونظير ذلك قولك: «والله إن زرتنى لأكرمنّك» جعل (٣) الجواب للقسم لتقدّمه، وسدّ جواب القسم مسدّ جواب الشرط، وكذلك إن قدّمت الشرط جعلت الجواب له، فقلت: إن تزرنى والله أكرمك، وممّا جاء فى التنزيل، من ذكر خبر الأسبق قوله تعالى: ﴿لَئِنْ أُخْرِجُوا لا يَخْرُجُونَ مَعَهُمْ﴾ (٤) لما كانت اللام فى «لئن» مؤذنة بالقسم، كان الجواب للقسم، وكذلك مجىء لولا فى قوله تعالى: ﴿وَلَوْلا رِجالٌ مُؤْمِنُونَ﴾ (٥) ثم مجىء «لو» بعدها فى قوله:
стр. 573
﴿لَوْ تَزَيَّلُوا﴾ وجاء الجواب فى قوله: ﴿لَعَذَّبْنَا الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ وجب الحكم بأنه جواب «لولا» لتقدّمها، وهو سادّ مسدّ جواب «لو».
وقوله: «يهوى الحياة» تحتمل ألف «يهوى» الإثبات فى الخطّ والحذف، فحذفها للجزم على جواب الأمر، لأن الأمر أحد الأشياء التى تنوب عن الشرط، فالتقدير: صلى دنفا فإن تصليه يهو الحياة، وإثباتها على إجرائه وصفا لدنف، كما جاء الجزم والرفع فى ﴿يُصَدِّقُنِي﴾ من قوله تعالى: ﴿فَأَرْسِلْهُ مَعِي رِدْءاً يُصَدِّقُنِي﴾ (١)
وقول الشاعر: «وأما إن صددت فلا» ممّا حذف منه جملة، حذفها كالنّطق بها، لأن قوله: «يهوى الحياة» دالّ على أنه أراد: فلا يهوى الحياة، والمعنى من قول دعبل (٢):
ما أطيب العيش فأمّا على ... أن لا أرى وجهك يوما فلا
لو أنّ يوما منك أو ساعة ... تباع بالدّنيا إذن ما غلا
... /كرّر المتنبى معنى فى أبيات مختلفة الألفاظ، فضّل فيها الفرع على أصله، فأحسن فيها كلّ الإحسان، فمنها قوله (٣):
فإن تفق الأنام وأنت منهم ... فإنّ المسك بعض دم الغزال
وقوله فى مرثية أخت سيف الدولة (٤):
فإن تكن تغلب الغلباء (٥) ... عنصرها
فإنّ فى الخمر معنى ليس فى العنب
стр. 574
وقوله (١):
فإن يك سيّار بن مكرم انقضى ... فإنّك ماء الورد إن ذهب الورد
وقوله (٢):
وما أنا منهم بالعيش فيهم ... ولكن معدن الذّهب الرّغام
الرّغام: التّراب.
...
стр. 575
فصل فى سوى
سوى فى الاستثناء معدودة فى الظّروف، فهى فى محلّ نصب على الظّرف، ومؤدية معنى «غير»، فإن فتحت أوّلها مددتها ونصبتها نصب الظرف، فقلت:
خرج القوم سواء زيد، ولا يدخل الخافض عليهما إلا فى الشّعر كقوله (١):
تجانف عن جلّ اليمامة ناقتى ... وما قصدت من أهلها لسوائكا
أى لغيرك، وأراد عن جلّ أهل اليمامة، أى أكثرهم، وإنما لم يدخل الخافض عليهما، لأنهما من الظروف التى لا تتصرّف، ووجه الظرفية فيهما أنك تقول:
أخذت رجلا ليعمل ما أكلّفه سوى زيد، أى مكان زيد، وأنهم قد وصلوا بهما، فقالوا: جاء الذى سوى زيد، ومررت بالذى سواء بكر، وليستا فى باب الاستثناء من/المساواة، وإنما هما مشتملتان على حروف المساواة، ومعناهما معنى «غير»، فإن أخرجتهما من باب الاستثناء جاءتا على ضروب، أحدها: استعمالهما بمعنى المكان المتوسّط بين المكانين، فمن ذلك فى التنزيل: ﴿فَاجْعَلْ بَيْنَنا وَبَيْنَكَ مَوْعِداً لا نُخْلِفُهُ نَحْنُ وَلا أَنْتَ مَكاناً سُوىً﴾ (٢) أى مكانا يكون النّصف ممّا بيننا وبينك، وكذلك تقول فى الممدودة: هذا مكان سواء، أى متوسّط بين المكانين، وجاء فى
стр. 576
الآية: ﴿سُوىً﴾ و ﴿سُوىً﴾ مكسور الأول ومضمومه، وقد استعملوا المقصورة بمعنى القصد فقالوا: قصدت سوى فلان، أى قصدت قصده، وهذا أغرب (١) ما جاء فيها، قال (٢):
فلأصرفنّ سوى حذيفة مدحتى ... لفتى العشىّ وفارس الأجراف
أراد قصد حذيفة.
واستعملوا الممدودة بمعنى الوسط، كما جاء فى التنزيل: ﴿فَاطَّلَعَ فَرَآهُ فِي سَواءِ الْجَحِيمِ﴾ (٣) أراد فى وسط الجحيم.
واستعملوها مصدرا فى معنى اسم الفاعل المشتقّ من الاستواء، كقوله جلّ ذكره: ﴿سَواءً الْعاكِفُ فِيهِ وَالْبادِ﴾ (٤) أى مستو فيه هذا وهذا، ومنه قولهم:
«مررت برجل سواء والعدم (٥)» برفع العدم بالعطف على المضمر فى سواء، والوجه أن تؤكّده بمنفصل فتقول: هو والعدم، فإن رفعت سواء، فلا بد من المنفصل، تقول:
سواء هو والعدم، فهو مبتدأ والعدم معطوف عليه، وسواء خبر عنهما.
وقد استعملوها للتسوية بين الشيئين المتضادّين، كقولهم: سواء علىّ أقمت أم قعدت، كما جاء فى التنزيل: ﴿سَواءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ﴾ (٦) أى سواء عليهم
стр. 577
إنذارك لهم وترك إنذارك، ومثله: ﴿سَواءٌ عَلَيْنا أَجَزِعْنا أَمْ صَبَرْنا﴾ (١) أى سواء علينا جزعنا وصبرنا.
... سأل حبشىّ (٢) بن محمد بن شعيب الواسطىّ، عن إعراب قول المتنبى (٣):
/ما لمن ينصب الحبائل فى الأر ... ض ومرجاه أن يصيد الهلالا
فأجبت (٤) بأنه يروى «مرجاه» بإضافة «مرجا» إلى الهاء، و «مرجاة» بتاء التأنيث منصوبة نصب المفعول معه، كما تقول: مالك وزيدا؟ فمرجاة مثل مسعاة ومرضاة ومعلاة، وأجاز أبو الفتح فيها الخفض بالعطف على «من» ومن روى «مرجاه» فيحتمل أن يكون فى موضع رفع بالابتداء، و «أن يصيد» خبره، والجملة فى موضع الحال، ويحتمل أن يكون موضعه نصبا على أنه مفعول معه، فالواو فى القول الأول واو الحال، وفى الثانى بمعنى مع، وإن حملته على ما أجازه أبو الفتح فى «مرجاة» من الخفض، فالواو عاطفة، قال أبو الفتح: وهذا مثل ضربه، فأراد: أين هم من الظّفر بك على بعدهم من ذلك؟
وسأل عن قول كعب بن سعد:
فقلت ادع أخرى وارفع الصّوت بعدها ... لعلّ أبى المغوار منك قريب (٥)
стр. 578
فأجبت بأنه أراد: لعلّ (١) لأبى المغوار منك مكان قريب، فخفف (٢) «لعل» وألغاها كما يلغون «إنّ وأنّ ولكنّ»، إذا خفّفوهن، وكذلك «كأنّ» فى قوله (٣):
وصدر مشرق النّحر ... كأن ثدياه حقّان
ولمّا حذف اللام المتطرّفة بقى «لعل» ساكن اللام، فأدغمها فى لام الجر، وفتح لام الجر لاستثقال الكسرة على المضاعف، والقياس فى الخطّ أن تكتب منفصلة من لعل.
... ونولك فى قولهم: لا نولك أن تفعل (٤)، مأخوذ من التّناول للشيء، وهم يريدون به الاختيار، فإذا قالوا: نولك أن تفعل كذا، فمعناه ينبغى لك أن تفعل، والاختيار لك أن تفعل، ويقولون: لا نولك أن تفعل كذا، ومعناه: لا ينبغى لك أن تفعل كذا، ولم يلزم تكريره وإن كان معرفة، لأنه بمعنى لا ينبغى لك، فلم يلزم /تكريره، كما لا يلزم تكرير الفعل إذا دخلت (٥) عليه «لا» وعلّل المبرّد هذا بقوله: إن الأفعال وقعت موقع الأسماء النكرات التى تنصبها «لا»، وتبنى معها، لأن الأفعال تقع فى مواقع النّكرات، أوصافا وأحوالا، فلذلك لم تحتج إلى تكرير «لا»، ولو قدّرتها تقدير: لا رجل فى الدار ولا امرأة، لقلت: لا يقوم زيد ولا ينطلق، وصار جوابا لمن قال: أيقوم زيد أم ينطلق؟.
стр. 579
قال أبو سعيد: وهذا القول لا يصحّ على موضوع أصحابنا، لأنهم يقولون:
عوامل الأسماء لا تدخل على الأفعال، والصحيح عندى أن «لا» الواقعة على الفعل، لا يلزمها التكرير، لأنها جواب يمين، واليمين قد تقع على فعل واحد مجحود، فلا يلزم فيها تكرير «لا» كقولك: والله لا أخرج إلى البصرة، بل لا معنى لتكريرها ويمينك واقعة على شيء واحد.
ووجه آخر أيضا، وهو أن قولك: لا أفعل، نقيض قولك: لأفعلنّ، كقولك فى نفى: والله لأضربنّ زيدا: والله لا أضرب زيدا، فمن حيث لم يجب ضمّ فعل آخر إلى قولك: لأضربنّ، لم يجب ضمّ فعل آخر إلى قولك: لا أضرب، وأيضا فإن الفعل قد ينفى بلم ولن، ولا يلزمهما تكرير، ف «لا» مثلهما فى أنها تنفى الفعل، وإن كانت تختصّ بجواب اليمين.
قال سيبويه (١): اعلم أن «لا» قد تكون فى بعض المواضع هى والمضاف إليه بمنزلة اسم واحد، وذلك قولهم: أخذته (٢) بلا ذنب، وغضبت من لا شيء، وذهبت بلا عتاد، والمعنى: ذهبت بغير عتاد، ومثل ذلك: أجئتنا بغير شيء؟ أى رائقا، وتقول إذا قلّلت الشىء: ما كان إلاّ كلا شيء، وإنك ولا شيئا سواء، ومن هذا النحو قول الشاعر (٣):
/تركتنى حين لا مال أعيش به ... وحين جنّ زمان الناس أو كلبا
стр. 580
والرفع (١) عربىّ جيّد، على قوله: «حين (٢) لا مستصرخ» و «لا براح (٣)» والنصب أجود من الرفع، يعنى فى غير البيت الذى أنشده، قال:
لأنك إذا قلت: لا غلام، فهى أكثر من الرافعة التى بمعنى ليس، قال الشاعر:
حنّت قلوصى حين لا حين محنّ (٤)
وأما قول جرير (٥):
ما بال جهلك بعد الحلم والدّين ... وقد علاك مشيب حين لا حين
стр. 581
فإنما هو حين حين، و «لا» بمنزلة «ما» إذا ألغيت.
قال أبو سعيد: جئت بغير شيء، إنما يراد به جئت خاليا من (١) شيء معك، وهذا معنى قوله: رائقا، لأن الرائق هو الخالى، واشتقاقه من راق الشّراب: إذا صفا، كأنه جاء ولم يعلق به شيء.
وقوله: «حين لا حين محن» حين منصوب بلا، كقولك: لا مثل زيد، ولا غلام امرأة، وخبره محذوف، التقدير [حين (٢)] لا حين محنّ لنا (٣)، و «حين» الأول مضاف إلى الجملة، التى هى لا حين محنّ لنا، كما تضاف أسماء الزمان إلى الجمل.
وأما قول جرير: «حين لا حين» فحين الأول مضاف إلى الثانى، وفصلت «لا» بين الخافض والمخفوض، كفصلها فى: جئت بلا شيء، كأنه قال: حين لا حين فيه لهو ولعب، أو نحو ذلك من الإضمار، لأن المشيب يمنع من اللهو واللّعب.
قال سيبويه (٤): واعلم أن المعارف لا تجرى مجرى النكرات فى هذا الباب، لأن «لا» لا تعمل فى معرفة، فأما قول الشاعر:
لا هيثم اللّيلة للمطىّ (٥)
فإنه جعله نكرة، أراد لا مثل هيثم، وقال ابن الزّبير (٦) الأسدىّ:
أرى الحاجات عند أبى خبيب ... نكدن ولا أميّة فى البلاد
стр. 582
أراد: ولا أمثال أمية، وقالوا: «قضية ولا أبا حسن (١)» قال الخليل: تجعله نكرة، فقلت: كيف يكون هذا، وإنما أرادوا عليّا ﵇؟ فقال: لأنه لا يجوز/لك أن تعمل «لا» إلا فى نكرة، فإذا جعلت «أبا حسن» نكرة، حسن لك أن تعمل «لا» وعلم المخاطب أنه قد دخل فى هؤلاء المنكورين (٢).
فإن قلت: لم يرد أن ينفى كلّ من اسمه علىّ، فإنما أراد أن ينفى منكورين، كلّهم فى صفة علىّ، كأنه قال: لا أمثال علىّ لهذه القضية، ودلّ هذا الكلام على أنه ليس لها علىّ، وأنه مغيّب عنها، وإن جعلته نكرة ورفعته كما رفعت «لا براح» فجائز (٣).
...
стр. 583
مسألة (١)
إذا قال رجل لامرأته: إن أكلت إن شربت فأنت طالق.
الفتيا: أنها إن أكلت ثم شربت، لا يحنث، وإن شربت ثم أكلت حنث، فيكون الشرط الثانى هو الأول فى المعنى، هذا هو الحكم بإجماع الفقهاء.
وأما العلّة عند أهل العربية، فينبغى أن تعلم أولا أنه متى كان فى الكلام قسم وشرط، فإنّ الجواب يكون عن الأسبق منهما، مثل أن تقول: والله إن قمت لأقومنّ، لأقومنّ جواب القسم، والشرط معترض، وجوابه فى الكلام، كما سنذكر، وإن تقدّم الشرط كان القسم معترضا، والجواب للشرط، مثل: إن قمت والله قمت، ولا يجوز أن تقول: إن قمت والله لأقومنّ، فتأتى بجواب القسم، وقد تقدّم الشرط، ولا: والله إن قمت قمت، فتأتى بجواب الشّرط وقد تقدّم القسم.
فإذا استقرّ هذا وعلم، عدنا إلى المسألة فقلنا: قوله: «إن أكلت إن شربت فأنت طالق» فأنت طالق، جزاء «إن أكلت» وإن شربت، شرط آخر، جوابه إن أكلت فأنت طالق، فقوله: «إن أكلت» فى نية التأخير، وإن تقدّم لفظا، فإذا فعلت الشّرب الذى هو المقدّم فى المعنى وأكلت بعده، وقع الحنث، ومثل هذا قولك: ظننت زيدا قائما، إذا تقدمت ظننت، فليس إلا إعمالها، فإن توسّطت جاز الإلغاء والإعمال، تقول فى الإعمال: قائما ظننت زيدا، فقائما/فى نية التأخير وإن تقدّم فى اللفظ، كذلك قوله: إن أكلت إن شربت فأنت طالق، لمّا كان الجزاء عن الأول، وجب أن يكون الأول بعد الثانى، يتلو الجزاء حكما وتقديرا، فهذه علّة المسألة، فاعلم ذلك إن شاء الله تعالى، والحمد لله وحده، وصلواته على محمد وآله وسلامه.
...
стр. 584
المجلس الثانى والثلاثون
وهو مجلس يوم السبت، ثامن شهر ربيع الأول، من سنة ستّ وثلاثين وخمسمائة.
قالت الخنساء، واسمها تماضر بنت عمرو بن الشّريد السّلمية، تبكى من هلك من قومها، وتفتخر بهم:
تعرّقنى الدهر نهسا وحزّا ... وأوجعنى الدهر قرعا وغمزا (١)
وأفنى رجالى فبادوا معا ... فأصبح قلبى بهم مستفزّا
كأن لم يكونوا حمى يتّقى ... إذ الناس إذ ذاك من عزّ بزّا
وكانوا سراة بنى مالك ... وزين العشيرة فخرا وعزّا
وهم فى القديم سراة الأدي ... م والكائنون من الخوف حرزا
وهم منعوا جارهم والنّسا ... ء يحفز أحشاءها الخوف حفزا
غداة لقوهم بملمومة ... رداح تغادر للأرض ركزا
ببيض الصّفاح وسمر الرّماح ... فبالبيض ضربا وبالسّمر وخزا
وخيل تكدّس بالدارعين ... وتحت العجاجة يجمزن جمزا
جززنا نواصى فرسانها ... وكانوا يظنّون أن لا تحزّا
стр. 585
ومن ظنّ ممّن يلاقى الحروب ... بأن لا يصاب فقد ظنّ عجزا (١)
نعفّ ونعرف حقّ الجوار ... ونتّخذ الحمد والمجد كنزا
/تفسير قولها: «تعرّقنى الدهر» البيت (٢) يقال: عرقت العظم وتعرّقته:
إذا أخذت ما عليه من اللحم، ويقال للعظم الذى أخذ لحمه: العراق.
والنّهس (٣): القبض على اللحم بالأسنان ونتره، ومثله النّهش، وقيل: بل النّهش بمقدّم الفم، وهو قول أبى زيد، والأول قول الأصمعىّ.
والحزّ: قطع غير نافذ، ومثله الفرض (٤)، ويكون نافذا، لقولهم: حزّة من بطّيخ، وحزّة من كبد.
والقرع: مصدر قرعته بالعصا وبالسيف، والمقارعة بالسّيوف.
والغمز: غمزك الشىء اللّيّن بيدك كالتّين ونحوه، أرادت أن الدهر أوجعها بكبريات نوائبه وصغرياتها.
وانتصاب «نهسا وحزّا» بتقدير: نهسنى نهسا، وحزّنى حزّا، وإضمار ناصب المصدر المأخوذ من لفظه كثير الاستعمال، كقولهم: «ما أنت إلا نوما وما أنت إلاّ أكلا وشربا (٥)» يريدون: تنام نوما، وتأكل أكلا، وتشرب شربا، ويجوز أن يكون انتصاب «نهسا وحزّا» على الحال، ووقوع المصدر فى موضع اسم الفاعل،
стр. 586
وموضع اسم المفعول حالا، مما اتّسع استعماله، ويجوز أن يكون انتصابهما بتقدير حذف الجارّ: أى تعرّقنى بنهس وحزّ، ويجوز أن تنصبهما على التمييز، لأن التعرّق لمّا احتمل أكثر من وجه، فجاز أن يكون بالنّهس وأن يكون بالحزّ أو الكشط أو غير ذلك، كان ذكر كلّ واحد منهما تبيينا.
وقولها: «قرعا وغمزا» يحتمل الأوجه الأربعة.
وكرّرت لفظ «الدهر» فلم تضمره، تعظيما للأمر.
والتكرير (١) للتعظيم على ضربين، أحدهما: استعماله بعد تمام الكلام، كما جاء فى هذا البيت، وهو كثير فى القرآن، كقوله تعالى: ﴿وَاِتَّقُوا اللهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللهُ وَاللهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ (٢) ومنه: ﴿فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا قَوْلاً غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ فَأَنْزَلْنا عَلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا رِجْزاً مِنَ السَّماءِ﴾ (٣).
/والضّرب الآخر: مجىء تكرير الظاهر فى موضع المضمر، قبل أن يتمّ الكلام، كقول الشاعر (٤):
ليت الغراب غداة ينعب دائبا ... كان الغراب مقطّع الأوداج
ومثله فى التنزيل: ﴿الْحَاقَّةُ. مَا الْحَاقَّةُ﴾ (٥) ﴿الْقارِعَةُ. مَا الْقارِعَةُ﴾ (٦) كان القياس، لولا ما أريد به من التعظيم والتفخيم: الحاقة ما هى، ومنه قول عدىّ بن زيد (٧):
لا أرى الموت يسبق الموت شيء ... نغّص الموت ذا الغنى والفقيرا
стр. 587
فكرّر لفظة «الموت» ثالثة، وهو من الضّرب الأول.
ومثل قوله تعالى: ﴿الْحَاقَّةُ. مَا الْحَاقَّةُ﴾ قوله: ﴿فَأَصْحابُ الْمَيْمَنَةِ ما أَصْحابُ الْمَيْمَنَةِ. وَأَصْحابُ الْمَشْئَمَةِ ما أَصْحابُ الْمَشْئَمَةِ﴾ (١) كرّر لفظ ﴿أَصْحابُ الْمَيْمَنَةِ﴾ تفخيما لما ينيلهم من جزيل الثّواب، وكرّر لفظ ﴿أَصْحابُ الْمَشْئَمَةِ﴾ تعظيما لما ينالهم من أليم العذاب.
وأمّا قوله تعالى: ﴿وَالسّابِقُونَ السّابِقُونَ﴾ (٢) فليس هذا تكريرا من الفنّ الذى قدّمت ذكره، ولكنه يحتمل وجهين، أحدهما: أن يكون توكيدا، كتكرير الجمل للتوكيد، نحو قوله تعالى: ﴿فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً. إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً﴾ (٣) وكقول الخنساء (٤):
هممت بنفسى بعض الهموم ... فأولى لنفسى أولى لها
وكقول القائل (٥):
وكلّ حظّ امرئ دونى سيأخذه ... لا بدّ لا بدّ أن يحتازه دونى
وكقول عمرو بن كلثوم (٦):
стр. 588
إليكم يا بنى بكر إليكم
وممّا جاء فيه من هذا الضرب تكرير ثلاث جمل، قول الآخر:
فأين إلى أين النّجاء ببغلتى ... أتاك أتاك اللاّحقوك احبس احبس (١)
أراد: إلى أين تذهب؟ إلى أين تذهب؟ أتاك اللاّحقوك، أتاك اللاحقوك، احبس البغلة احبس البغلة، فحذف الفعل والفاعل من اللّفظين الأوّلين، وحذف الفاعل من أحد اللفظين الثانيين، وحذف المفعولين من اللّفظين الثالثين، وحذف أحد الفاعلين من قوله: «أتاك أتاك اللاّحقوك» يقوّى (٢) ما ذهب إليه الكسائىّ من حذف الفاعل، فى باب إعمال الفعلين، ألا تراه لو أضمر الفاعل ولم يحذفه، لقال: أتوك أتاك اللاّحقوك، أو أتاك أتوك اللاّحقوك.
ومن تكرير المفرد قول القائل (٣):
أبوك أبوك أربد غير شكّ ... أحلّك فى المخازى حيث حلاّ
стр. 589
رفع الأب الثانى على الإبدال من الأول، ورفع «أربد» بدلا من الثانى، وقوله:
«أحلّك فى المخازى حيث حلاّ» خبر عن الأوّل، ولم يكفه هذا التكرير للتوكيد، حتى زاد فى توكيده، فقال: «غير شكّ» وأجازوا فيه أن يكون الأب الثانى خبرا عن الأول، كقول العجلىّ (١):
أنا أبو النّجم وشعرى شعرى
أى شعرى شعرى الذى قد سمعتم به، ونحوه قول الآخر:
إذ الناس ناس والبلاد بلاد (٢)
فعلى هذا يكون المعنى: أبوك أبوك الذى شاعت مخازيه، والمخازى: جمع مخزاة، وهى كلّ فعل قبيح، يخزى فاعله، أى يعرّضه للخزى، وهو الطّرد والمقت، ويقال منه: أخزاه الله.
وقوله: «غير شكّ» أى حقّا (٣)، كأنه قال: لا شكّا، أى لا أشكّ شكّا.
ومن تكرير الجملة قول عنترة (٤):
أبينا أبينا أن تضبّ لثاتكم ... على مرشقات كالظّباء عواطيا
اللّثة: لحم الأسنان، وتضبّ: تسيل من الشّهوة، يقال: ضبّ فوه يضبّ،
стр. 590
وبضّ يبضّ: إذا سال، ويقال لمن اشتهى شيئا: إنّ فمه يتحلّب من الشّهوة، ويقال: جاء فلان تضبّ لثته: إذا جاء وهو حريص على الشىء.
يقول: أبينا أن تضبّ لثاتكم على نسائنا، من الشّهوة لهنّ، أى أبينا أن تأخذوهنّ/وأنتم حراص عليهنّ.
والمرشقات من الظّباء: اللّواتى يمددن أعناقهنّ إذا نظرن، يقال: أرشقت الظّبية، وروى بعضهم: رشقت، وليست بشائعة.
والعواطى: اللّواتى يتناولن الأغصان يجذبنها ليأكلن ما فيها من الثمر، ونصب «عواطى» على الحال.
والوجه الثانى من وجهى: ﴿وَالسّابِقُونَ السّابِقُونَ﴾ أن يكون السّبق الثانى غير الأول، فيكون الثانى خبرا عن الأول، والمراد: السابقون إلى الإيمان السابقون إلى الجنّة، وإذا جعلت الثانى توكيدا، فخبر الأول ﴿أُولئِكَ الْمُقَرَّبُونَ﴾.
وقولها: «فبادوا معا» انتصاب «معا» على الحال، بمنزلة جميعا، وهو فى الأصل ظرف موضوع للصّحبة، وأجاز بعض النحويين أن يكون حرفا، وتنوينه ودخول الجارّ [عليه (١)] يخرجانه من الحرفيّة، وذلك فيما رواه البصرىّ والكوفىّ، فى قولهم:
جئت من معهم، وكان معها فانتزعته من معها، كما تقول: كان عندها فانتزعته من عندها، فتغيّر آخره لتغيّر العامل فيه، وتنوينه إذا استعمل حالا يدخلانه فى حيّز الأسماء، وذهب أبو علىّ إلى أنّ من فتحه، فهو عنده ظرف، ومن أسكنه جعله حرفا، أراد أن من أسكنه نزّله منزلة الأدوات الثّنائية، نحو هل وبل، وقد، وأنشد (٢) فى ذلك:
стр. 591
فريشى منكم وهواى معكم ... وإن كانت زيارتكم لماما (١)
وإنّما ذهب من ذهب إلى كونه حرفا، لمجيئه على حرفين، ولا يعلم له أصل فى بنات الثلاثة.
قال أبو العباس ثعلب: سألت (٢) ابن قادم: ما الفرق بين قام زيد وعمرو معا، وقام زيد وعمرو جميعا؟ فجعل يركض إلى الليل، فلما ضجّ (٣) قلت له: قام زيد وعمرو معا، وقع القيام منهما فى وقت واحد، لا يكون إلا هذا، وقام زيد وعمرو جميعا، /يجوز أن يكون القيام منهما وقع فى وقت واحد، ويجوز أن يكون وقع فى وقتين، وكذلك مات زيد وعمرو جميعا، يكون زمان موتهما مختلفا، ومات ذا مع ذا، لا يكون موتهما إلا فى وقت واحد.
وعند بعض النحويين أن «معا» فى قولك: جاءوا معا، ينتصب على الظرف، كانتصابه فى قولك: معهم، وإنما فكّت إضافته وبقيت علّة نصبه على ما كانت عليه، والصحيح ما ذكرته أولا، لأنه قد نقل من ذلك الموضع، وصار معناه معنى جميعا.
وقولها: «مستفزّا» أى مستخفّا، يقال: استفزّ فلان فلانا، بمعنى استخفّه، وفى التنزيل: ﴿وَاِسْتَفْزِزْ مَنِ اِسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ﴾ (٤).
وقولها: كأن لم يكونوا حمى يتّقى
الحمى: نقيض المباح، وعزّ هاهنا: معناه غلب، من قول الله :
стр. 592
﴿وَعَزَّنِي فِي الْخِطابِ﴾ (١).
وبزّ: معناه سلب، تقول: بززت الرجل: إذا سلبته سلاحه، ويقال للسلاح المسلوب: هذا بزّ فلان.
و «من» فى البيت بمعنى الذى، وموضعها مع «عزّ» رفع بالابتداء، و «بزّ» خبرها، والجملة التى هى المبتدأ وخبره، خبر عن المبتدأ الأول الذى هو «الناس» والعائد إلى الناس محذوف، كما حذفوه من قولهم: «السّمن منوان بدرهم (٢)» يريدون:
منوان منه، وكذلك التقدير: من عزّ منهم بزّ، ولا يجوز أن يكون «إذ ذاك» خبرا عن الناس، لما ذكرته لك من امتناع الإخبار بظروف الزمان عن الأشخاص، وإذا بطل أن يكون «إذ ذاك» خبرا عن «الناس» بقى أن يتعلّق ببزّ. ولا يجوز أن تكون «من» شرطية، لأن الشرط وجوابه لا يعمل واحد منهما فيما قبله بإجماع البصريّين، كما لا يتقدّم على الاستفهام ما يكون فى حيّزه، وأجاز قوم من البغداديين (٣) أن يعمل جواب الشرط فيما تقدّم عليه، لمفارقته الاستفهام بكونه جزاء، فعلى قول هؤلاء تحتمل «من» أن تكون شرطا.
/فأما «ذاك» فموضعه رفع بالابتداء، وخبره محذوف، أى ذاك كائن أو موجود، ولا يجوز أن يكون موضع «ذاك» على انفراده خفضا، لأن «إذ» لا تضاف إلاّ إلى جملة، فموضع الجملة التى هى «ذاك» وخبره جرّ.
وقولها: «وكانوا سراة بنى مالك» سراة القوم: سادتهم، ذوو السخاء والمروءة، واحدهم: سرىّ، وانتصاب «فخرا وعزّا» على التمييز، والعامل فيهما المصدر الذى هو الزّين.
стр. 593
مسألة
إن قيل: لم حذفوا من الخطّ ألف ملك وصلح وخلد، إذا سمّوا بهنّ، ولم يحذفوا ألف سالم وعامر؟
قيل: لمّا كثرت التسمية بهؤلاء الثلاثة وأمنوا اللّبس فيهنّ، لأنهم لم يسمّوا بملك ولا بصلح ولا بخلد، حذفوا ألفاتهنّ، تخفيفا (١)، لأنهم يعتمدون التخفيف فى الخطّ، كما يعتمدونه فى اللفظ، ولم يحذفوا ألف سالم وعامر، مخافة الالتباس بسلم وعمر، ونظيرهنّ فى ذلك حارث (٢)، حذفوا ألفه، لأنهم لم يسمّوا بحرث.
وقولها: «فى القديم سراة الأديم» سراة الشىء: ظاهره، وجمعها فى البيت بين القديم والأديم، يسمّى فى صناعة الشعر: الترصيع، ومنه قول امرأة (٣) جاهلية فى مرثية:
رفّاع ألوية شهّاد أندية ... سدّاد أوهية فتّاح أسداد
قوّال محكمة نقاّض مبرمة ... فرّاج مبهمة طلاّع أنجاد
قولها: «سدّاد أوهية» الوهى: الشّقّ فى الأديم وغيره، والواهى: المنشقّ، وليس (٤) حقّ فاعل أن يجمع على أفعلة، ولكنها أتبعته الألوية والأندية، كما قالوا: إنى لآتيه بالغدايا والعشايا، والغداة لا تجمع على الغدايا، وإنما أتبعوها العشايا، فإذا
стр. 594
أفردوا لم يقولوا: غدايا، ومثله فى الإتباع قول الآخر (١):
هتّاك أخبية ولاّج أبوبة ... يخلط بالجدّ منه البرّ واللّينا
جمع الباب على أبوبة، لمكان أخبية، ولو أفرد لم يقل: أبوبة.
والأندية ليست بجمع ناد، لما قلنا من أن فاعلا (٢) لا يجمع على أفعلة، ولكنها جمع نديّ، كرغيف وأرغفة، وهو مجلس القوم ومتحدّثهم، وفى التنزيل: ﴿وَأَحْسَنُ نَدِيًّا﴾ (٣).
وقولها: «قوّال محكمة» أى قصيدة محكمة.
و «نقّاض مبرمة» أى قضية مبرمة، من قولهم: أبرمت الأمر: أى أحكمته، وأبرمت الحبل: إذا ضفرته فأجدت ضفره، وفى التنزيل: ﴿أَمْ أَبْرَمُوا أَمْراً فَإِنّا مُبْرِمُونَ﴾ (٤).
وقولها: «فرّاج مبهمة» أى خطّة مبهمة، والخطّة: الأمر الشاقّ، وكلّ أمر ملتبس خطّة، وإذا (٥) بولغ فى وصفه بشدة الالتباس، قيل: خطّة عوصاء، والمبهم من الأمور والأبواب: الذى ما له مأتى، قال:
الفارجو باب الأمير المبهم (٦)
стр. 595
وقولها: «طلاّع أنجاد» الأنجاد: جمع نجد، وهو ما ارتفع من الأرض، وقالوا أيضا فى جمعه: أنجد، وهو القياس (١).
ومن مستحسن الترصيع فى الشّعر المحدث قول مروان بن أبى حفصة (٢):
هم القوم إن قالوا أصابوا وإن دعوا ... أجابوا وإن أعطوا أطابوا وأجزلوا
وقول المتنبى (٣):
معطى الكواعب والجرد السّلاهب وال ... بيض القواضب والعسّالة الذّبل
وقوله (٤):
فنحن فى جذل والروم فى وجل ... والبرّ فى شغل والبحر فى خجل
/ومن قيل الخنساء أيضا (٥):
طويل النّجاد رفيع العما ... د ساد عشيرته أمردا
يحمّله القوم ما عالهم ... وإن كان أصغرهم مولدا
يقال: عالنى الشىء: أى أثقلنى وغلبنى، وقد ورد هذا الفنّ من البديع فى القرآن، فمنه ما اختلف إعرابه، ومنه ما جاء متّفق الإعراب، فما اختلف إعرابه قوله
стр. 596
تعالى: ﴿وَإِنْ يَأْتِ الْأَحْزابُ يَوَدُّوا لَوْ أَنَّهُمْ بادُونَ فِي الْأَعْرابِ﴾ (١) ومما اتفق إعرابه قوله : ﴿وَرَبُّكَ أَعْلَمُ بِمَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَلَقَدْ فَضَّلْنا بَعْضَ النَّبِيِّينَ عَلى بَعْضٍ﴾ (٢) وقوله: ﴿فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ بِسُورٍ لَهُ بابٌ باطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظاهِرُهُ مِنْ قِبَلِهِ الْعَذابُ﴾ (٣) وليس ﴿الْعَذابُ﴾ رأس آية عند جميع أصحاب الأعداد، إلا الكوفيّين (٤).
وقولها:
يحفز أحشاءها الخوف حفزا
الحفز: الدّفع، والحفز: الطّعن بالرّمح، والحفز: السّوق والحثّ.
وقولها: «بملمومة رداح» أى بكتيبة ملمومة، وهى التى كثر عددها، واجتمع فيها المقنب إلى المقنب، والرّداح: الكثيرة الفرسان، وامرأة رداح: ثقيلة الأوراك.
والرّكز: الصوت الخفىّ، وفى التنزيل: ﴿أَوْ تَسْمَعُ لَهُمْ رِكْزاً﴾ (٥).
وقولها: «ببيض الصّفاح وسمر الرّماح» جمعها بين الصّفاح والرّماح، كجمعها القديم والأديم، ويقال لكلّ سيف عريض: صفيحة، وقياسها فى الجمع صفائح، كسفينة وسفائن، وليس حقها أن تجمع على فعال، وجمعها على الصّفاح يحتمل وجهين، أحدهما: أن يكونوا جمعوها أوّلا على الصّفيح، كالسفينة والسّفين، ثم جمعوا الصّفيح على الصّفح، قياسا على رغيف ورغف، وكثيب وكثب، ثم جمعوا الصّفح على الصّفاح، كالمشط والمشاط، ومثله جمع الجمد،
стр. 597
وهو المكان/المرتفع، على الجماد، ومما (١) جاء جمع جمع الجمع قولهم: أصائل، والواحد: أصيل، فقدّروا جمعه على أصل، كقضيب وقضب، ثم جمعوا الأصل فى
стр. 598
التقدير على آصال، كمشط وأمشاط، وعنق وأعناق، ثم جمعوا الآصال على أصائل، وكان قياسه: أصائيل، على أفاعيل، كأقوال وأقاويل، وأنعام وأناعيم، ولكنهم ألزموه القصر، استثقالا لتوالى ثلاثة أحرف معتلّة: الألف والهمزة والياء، والهمزة مقاربة للألف فى المخرج.
والوجه الآخر فى الصّفاح: أن يكون جمع صفحة، كجفنة وجفان، والصّفحة: وجه السيف، فالتقدير على هذا: بسيوف بيض الصّفاح.
وأمّا وصفهم الرّماح بالسّمرة، إذا بالغوا فى مدحها، فإنّ القنا إذا بقى حتى يسمّر فى منابته، دلّ ذلك على نضجه وشدّته.
...
стр. 599
المجلس الثالث والثلاثون
يتضمّن تتمّة تفسير أبيات الخنساء، وغير ذلك، وهو مجلس يوم السبت، الخامس عشر من شهر ربيع الأول، من سنة ستّ وثلاثين وخمسمائة.
قولها: «ببيض الصّفاح»: الباء متعلّقة بحال من المضمر فى «تغادر» أى تغادر الملمومة للأرض ركزا ملتبسة ببيض الصّفاح.
والباء من قولها: «فالبيض ضربا» متعلّقة بالفعل الناصب للمصدر، أى فيضربون بالبيض ضربا، وكذلك «وبالسّمر وخزا» تقديره: ويخزون بالسّمر وخزا، والوخز: الطّعن بالرمح وغيره، ولا يكون نافذا.
وقولها:
وخيل تكدّس بالدّارعين
التكدّس: مشى الفرس مثقلا.
وقولها: «يجمزن جمزا» الجمز من السّير: أشدّ من العنق (١)، ومنه قيل للبعير:
جمّاز.
والباء فى قولها: «بأن لا يصاب» زائدة، كما زيدت فى قوله تعالى: ﴿أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللهَ يَرى﴾ (٢) ولو أسقطتها لكان الجزء بإسقاطها مخروما، وهذا الوزن من/
стр. 600
المتقارب، فوزن الجزء فعولن، فلو سقطت الباء (١) صار فعلن، والخرم إنما يأتى فى الجزء الأول من البيت، وقد جاء فى الجزء الأوّل من النصف الثانى من قول امرئ القيس:
وعين لها حدرة بدرة ... شقّت مآقيهما من أخر (٢)
وقد ذكرت هذا البيت وما فيه فيما قدّمته من الأمالى.
ويجوز فى قولها: «يصاب» الرفع، على أن تكون «أن» مخفّفة من الثقيلة، والنصب على أن تكون المصدرية التى وضعت خفيفة، والقول فيهما أنّ كلّ واحدة منهما مختصّة بنوع من الفعل، ولهما اشتراك فى نوع منه، فالمخفّفة من الثقيلة تقع بعد الأفعال الثابتة المستقرّة فى النفوس، نحو أيقنت وعلمت ورأيت، فى معنى علمت، فحكمها فى ذلك حكم الثقيلة، وقد عرفت أن الثقيلة موضوعة للتوكيد، فهى ملائمة فى المعنى لما ثبت واستقرّ من الأفعال، لأن التوكيد لا يقع بما لا يثبت فى النّفوس، تقول: علمت أنك منطلق، وأيقنت أنك جالس، وكذلك تقول: أعلم أن لا يقوم زيد، وأرى أن سيقوم [بكر (٣)] برفع يقوم، كما جاء فى التنزيل: ﴿أَفَلا يَرَوْنَ أَلاّ يَرْجِعُ إِلَيْهِمْ قَوْلاً﴾ (٤) وجاء فيه: ﴿لِئَلاّ يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتابِ أَلاّ يَقْدِرُونَ عَلى شَيْءٍ مِنْ فَضْلِ اللهِ﴾ (٥) المعنى أنهم لا يقدرون (٦)، وكذلك [هى (٧)] فى مصحف أبىّ.