← Адаб

Адаб · id 120922

أمالي ابن الشجري ت الطناحي

ابن الشجري

Полный текст (1 931 стр.). Показаны 596–635 · переход к 601.

стр. 596

تعالى: ﴿وَإِنْ يَأْتِ الْأَحْزابُ يَوَدُّوا لَوْ أَنَّهُمْ بادُونَ فِي الْأَعْرابِ﴾ (١) ومما اتفق إعرابه قوله : ﴿وَرَبُّكَ أَعْلَمُ بِمَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَلَقَدْ فَضَّلْنا بَعْضَ النَّبِيِّينَ عَلى بَعْضٍ﴾ (٢) وقوله: ﴿فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ بِسُورٍ لَهُ بابٌ باطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظاهِرُهُ مِنْ قِبَلِهِ الْعَذابُ﴾ (٣) وليس ﴿الْعَذابُ﴾ رأس آية عند جميع أصحاب الأعداد، إلا الكوفيّين (٤). وقولها: يحفز أحشاءها الخوف حفزا الحفز: الدّفع، والحفز: الطّعن بالرّمح، والحفز: السّوق والحثّ. وقولها: «بملمومة رداح» أى بكتيبة ملمومة، وهى التى كثر عددها، واجتمع فيها المقنب إلى المقنب، والرّداح: الكثيرة الفرسان، وامرأة رداح: ثقيلة الأوراك. والرّكز: الصوت الخفىّ، وفى التنزيل: ﴿أَوْ تَسْمَعُ لَهُمْ رِكْزاً﴾ (٥). وقولها: «ببيض الصّفاح وسمر الرّماح» جمعها بين الصّفاح والرّماح، كجمعها القديم والأديم، ويقال لكلّ سيف عريض: صفيحة، وقياسها فى الجمع صفائح، كسفينة وسفائن، وليس حقها أن تجمع على فعال، وجمعها على الصّفاح يحتمل وجهين، أحدهما: أن يكونوا جمعوها أوّلا على الصّفيح، كالسفينة والسّفين، ثم جمعوا الصّفيح على الصّفح، قياسا على رغيف ورغف، وكثيب وكثب، ثم جمعوا الصّفح على الصّفاح، كالمشط والمشاط، ومثله جمع الجمد،

стр. 597

وهو المكان/المرتفع، على الجماد، ومما (١) جاء جمع جمع الجمع قولهم: أصائل، والواحد: أصيل، فقدّروا جمعه على أصل، كقضيب وقضب، ثم جمعوا الأصل فى

стр. 598

التقدير على آصال، كمشط وأمشاط، وعنق وأعناق، ثم جمعوا الآصال على أصائل، وكان قياسه: أصائيل، على أفاعيل، كأقوال وأقاويل، وأنعام وأناعيم، ولكنهم ألزموه القصر، استثقالا لتوالى ثلاثة أحرف معتلّة: الألف والهمزة والياء، والهمزة مقاربة للألف فى المخرج. والوجه الآخر فى الصّفاح: أن يكون جمع صفحة، كجفنة وجفان، والصّفحة: وجه السيف، فالتقدير على هذا: بسيوف بيض الصّفاح. وأمّا وصفهم الرّماح بالسّمرة، إذا بالغوا فى مدحها، فإنّ القنا إذا بقى حتى يسمّر فى منابته، دلّ ذلك على نضجه وشدّته. ...

стр. 599

المجلس الثالث والثلاثون يتضمّن تتمّة تفسير أبيات الخنساء، وغير ذلك، وهو مجلس يوم السبت، الخامس عشر من شهر ربيع الأول، من سنة ستّ وثلاثين وخمسمائة. قولها: «ببيض الصّفاح»: الباء متعلّقة بحال من المضمر فى «تغادر» أى تغادر الملمومة للأرض ركزا ملتبسة ببيض الصّفاح. والباء من قولها: «فالبيض ضربا» متعلّقة بالفعل الناصب للمصدر، أى فيضربون بالبيض ضربا، وكذلك «وبالسّمر وخزا» تقديره: ويخزون بالسّمر وخزا، والوخز: الطّعن بالرمح وغيره، ولا يكون نافذا. وقولها: وخيل تكدّس بالدّارعين التكدّس: مشى الفرس مثقلا. وقولها: «يجمزن جمزا» الجمز من السّير: أشدّ من العنق (١)، ومنه قيل للبعير: جمّاز. والباء فى قولها: «بأن لا يصاب» زائدة، كما زيدت فى قوله تعالى: ﴿أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللهَ يَرى﴾ (٢) ولو أسقطتها لكان الجزء بإسقاطها مخروما، وهذا الوزن من/

стр. 600

المتقارب، فوزن الجزء فعولن، فلو سقطت الباء (١) صار فعلن، والخرم إنما يأتى فى الجزء الأول من البيت، وقد جاء فى الجزء الأوّل من النصف الثانى من قول امرئ القيس: وعين لها حدرة بدرة ... شقّت مآقيهما من أخر (٢) وقد ذكرت هذا البيت وما فيه فيما قدّمته من الأمالى. ويجوز فى قولها: «يصاب» الرفع، على أن تكون «أن» مخفّفة من الثقيلة، والنصب على أن تكون المصدرية التى وضعت خفيفة، والقول فيهما أنّ كلّ واحدة منهما مختصّة بنوع من الفعل، ولهما اشتراك فى نوع منه، فالمخفّفة من الثقيلة تقع بعد الأفعال الثابتة المستقرّة فى النفوس، نحو أيقنت وعلمت ورأيت، فى معنى علمت، فحكمها فى ذلك حكم الثقيلة، وقد عرفت أن الثقيلة موضوعة للتوكيد، فهى ملائمة فى المعنى لما ثبت واستقرّ من الأفعال، لأن التوكيد لا يقع بما لا يثبت فى النّفوس، تقول: علمت أنك منطلق، وأيقنت أنك جالس، وكذلك تقول: أعلم أن لا يقوم زيد، وأرى أن سيقوم [بكر (٣)] برفع يقوم، كما جاء فى التنزيل: ﴿أَفَلا يَرَوْنَ أَلاّ يَرْجِعُ إِلَيْهِمْ قَوْلاً﴾ (٤) وجاء فيه: ﴿لِئَلاّ يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتابِ أَلاّ يَقْدِرُونَ عَلى شَيْءٍ مِنْ فَضْلِ اللهِ﴾ (٥) المعنى أنهم لا يقدرون (٦)، وكذلك [هى (٧)] فى مصحف أبىّ.

стр. 601

والناصبة للفعل ليست من التوكيد فى شيء، وهى مع ذلك تصرف الفعل إلى الاستقبال الذى لا ينحصر وقته، فهى بهذا ملائمة للفعل الذى ليس بثابت، نحو الطمع والرجاء والخوف والتمنّى والإشفاق والاشتهاء، تقول: أرجو أن يقوم، وأطمع أن تعطينى، وأخاف أن تسبقنى، وأشفق أن تفوتنى، وأشتهى أن تزورنى، كما جاء فى القرآن: ﴿وَالَّذِي أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي﴾ (١) وجاء فيه: / ﴿وَأَخافُ أَنْ يَأْكُلَهُ الذِّئْبُ﴾ (٢) و ﴿أَأَشْفَقْتُمْ أَنْ تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْواكُمْ صَدَقاتٍ﴾ (٣). وأمّا ما اشتركا فيه من الفعل، فالظنّ والحسبان والزّعم والخيلان، فهذا النحو لا يمتنع وقوع كلّ واحدة منهما بعده، تقول فى الناصبة للفعل: ظننت أن تنطلق، وأظنّ أن تخرج، وفى التنزيل: ﴿إِنْ ظَنّا أَنْ يُقِيما حُدُودَ اللهِ﴾ (٤) وفيه: ﴿تَظُنُّ أَنْ يُفْعَلَ بِها فاقِرَةٌ﴾ (٥) وتقول فى الثّقيلة والمخفّفة منها: أظنّ أنّك منطلق، وأظنّ أن لا تقوم يا فتى، وإنما حسن هذا لأنه شيء قد استقرّ فى ظنّك، كما استقرّ فى علمك، إذا قلت: علمت أنك منطلق، وكذلك تقول فيما يستقرّ فى حسبانك: حسبت [أنك جالس، وأحسب أن ستقوم، وفيما لم يستقرّ: حسبت (٦)] أن تكرمنى، وعلى الوجهين قرأ القرّاء: ﴿وَحَسِبُوا أَلاّ تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾ (٧) فرفع ﴿تَكُونَ﴾ أبو عمرو، وحمزة والكسائىّ، وفتحها ابن كثير ونافع وعاصم وابن عامر، ومثل ذلك قولك فيما استقرّ فى زعمك: زعمت أن ستنطلق، قال (٨):

стр. 602

زعم الفرزدق أن سيقتل مربعا ... أبشر بطول سلامة يا مربع وتقول فيما ليس بثابت عندك: أزعم أن تخرج يا فتى، ولا يجوز: علمت أن تخرجوا، فأمّا إجازة سيبويه (١): ما علمت إلا أن تقوم، فأتى بعد العلم بالناصبة للفعل، فلأنه كلام (٢) خرج مخرج الإشارة، فجرى مجرى فعلها إذا قلت: أشير عليك أن تقوم، ولو أراد العلم القاطع جعلها المخفّفة، وأتى بالعوض، فقال: ما علمت إلا أن ستقوم، ويقبح أن تقول: أرجو أنّك تفعل، وأطمع أن ستقوم، قال سيبويه: ولو قال: أخشى أن (٣) لا تفعل، يريد أن يخبره أنه يخشى أمرا قد استقرّ عنده أنه كائن، جاز، وليس وجه الكلام. وأنكر أبو العباس محمد بن يزيد ما أجازه سيبويه، من إيقاع الناصبة للفعل بعد العلم، على الوجه الذى قرّره سيبويه، وأنكر أيضا إيقاعه بعد الخوف والخشية، المخففة من الثقيلة، فقال فى المقتضب (٤)، فى باب الأفعال التى لا تكون معها/إلا أنّ الثقيلة، والأفعال التى لا تكون معها إلا الخفيفة، والأفعال المحتملة للثقيلة والخفيفة: وزعم سيبويه أنه يجوز (٥): خفت أن لا تقوم يا فتى، إذا خاف شيئا كالمستقر [عنده (٦)] وهذا بعيد، قال: وأجاز أن تقول: ما أعلم إلاّ أن تقوم يا فتى، إذا لم ترد علما واقعا، وكان هذا القول على معنى المشورة، أى أرى من الرأى أن تقوم، قال: وهذا فى البعد كالذى قبله. وأقول: إنّ استبعاد أبى العباس لما أجازه سيبويه، من إيقاع المخفّفة بعد الخوف،

стр. 603

على المعنى الذى عناه سيبويه، استبعاد غير واقع موقعه، لأنّ الشعر القديم قد ورد بما أنكره أبو العباس، وذلك قول أبى محجن الثّقفىّ: إذا متّ فادفنّى إلى أصل كرمة ... تروّى عظامى بعد موتى عروقها (١) ولا تدفننّى بالفلاة فإنّنى ... أخاف إذا ما متّ أن لا أذوقها وقد جاءت الثقيلة بعد الخوف فى الشّعر وفى القرآن، ومجىء الثقيلة أشدّ، فالشّعر قوله (٢): وما خفت يا سلاّم أنّك قاطعى والقرآن قوله تعالى: ﴿وَلا تَخافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُمْ بِاللهِ﴾ (٣)، وكذلك استبعاده لإجازة سيبويه: ما أعلم إلا أن تقوم، استبعاد فى غير حقّه، لأنّ سيبويه قد أوضح المعنى الذى أراده به فى قوله: «وتقول: ما علمت إلا أن تقوم، إذا أردت (٤) أنك لم تعلم شيئا كائنا ألبتّة، ولكنك تكلّمت به على وجه الإشارة، كما تقول: أرى من الرأى أن تقوم، فأنت لا تخبر أنّ قياما قد ثبت كائنا أو يكون فيما يستقبل» والذى

стр. 604

قاله سيبويه غير مدفوع مثله، لأنهم كثيرا ما يستعملون معنى بلفظ معنى آخر، ألا ترى أنهم يستعملون علم الله، بمعنى أقسم بالله، فيقولون: علم الله لأفعلنّ، فهذا عندهم قسم صريح، فكما استعملوا علم الله، بمعنى أقسم بالله، كذلك استعملوا العلم بمعنى المشورة، فيما قاله سيبويه، وقد (١) تلقّوا العلم والظنّ بما يتلقّون به الأقسام، وإن/لم يريدوا بهما معنى القسم، كقوله تعالى: ﴿وَظَنُّوا ما لَهُمْ مِنْ مَحِيصٍ﴾ (٢) وكقوله: ﴿لَقَدْ عَلِمْتُمْ ما جِئْنا لِنُفْسِدَ فِي الْأَرْضِ﴾ (٣) جاءت «ما» بعد الظنّ والعلم، مجيئها فى قولك: أقسم بالله ما فعلت، وإذا تأمّلت ما ذكرته لك، من استعمال معنى بلفظ معنى آخر، فى الكتاب العزيز، وفى الشّعر القديم، وفى الكلام الفصيح، وقفت من ذلك على أمر عجيب، فأول فهمك ما أذكره لك من هذا الفنّ، بعد ذكر أصول المعانى وفروعها. قال أبو الحسن الأخفش، فى كتابه الذى سمّاه: الأوسط: معانى الكلام ستّة، وهى محيطة بالكلام: خبر واستخبار، وهو الاستفهام، ودعاء نحو: يا زيد ويا عبد الله، وتمنّ، نحو: ليت زيدا أتانا، وأ لا ماء باردا، وأمر، نحو قولك: أقبل وأدبر، وطلب [وهو (٤)] بصيغة الأمر، كقولك للخليفة: أجرنى (٥)، انظر فى أمرى، فالأمر لمن هو دونك، والطّلب إلى من أنت دونه. وقال غير الأخفش: معانى الكلام، خبر واستخبار-وهو طلب الخبر-وافعل ولا تفعل، ونداء وتمنّ وعرض، وقال آخرون: وإباحة وندب. ولعمرى إنّ صيغة افعل، تتناول مع تناولها الأمر الإباحة والنّدب وغيرهما، ممّا ستقف عليه.

стр. 605

وقوم جعلوا النهى داخلا فى حيّز الأمر، ولذلك لم يذكره الأخفش، قالوا: لأنك إذا قلت: لا تأكل، كان بمنزلة قولك: دع الأكل. وعند قوم من المحقّقين أن الصّيغتين تدلاّن على معنيين، كلّ واحد منهما قائم بنفسه، وإن اشتركا فى بعض المواضع. وقد أدخل قوم النّداء فى باب الأمر، فقالوا: إذا قلت: يا رجل، فكأنك قلت: تنبّه، وليس هذا القول بشىء، لأنك إذا قلت: يا زيد، لم تقل (١): قد أمرته، وقال بعضهم: النداء خبر من/وجه، وغير خبر من وجه، فإذا قلت: يا فسق، فهذا خبر، لدخول التصديق والتكذيب فيه، فلذلك أوجب الفقهاء الحدّ على القاذف (٢) بهذا اللفظ، فإذا قلت: يا زيد، فليس بخبر، لامتناع التصديق والتكذيب فيه. وجعل بعض أهل العلم التعظيم (٣) لله سبحانه، معنى مفردا، وكذلك التعجّب، وأدخلهما آخرون فى الخبر، فقالوا: إذا قال القائل: لا إله إلا الله، فقد أخبر أنه معترف بذلك، وأنه من أهل هذه المقالة، وقال من جعله معنى بنفسه: لو كان تعظيم الله خبرا محضا، لما جاز أن يتكلّم به المرء خاليا ليس معه من يخاطبه [به (٤)] ولكنه تعبد لله، وإقرار بربوبيّته، يتعرّض به قائله للثواب، ويتجنّب العقاب، فهؤلاء جعلوا هذا الضّرب من الكلام خارجا عن الخبر المحض، كقول المرء خاليا بنفسه: أساء إلىّ فلان، وغصبنى مالى، وأشمت بى عدوّى، يقول ذلك على وجه التحزّن والتفجّع، وكذلك يقول على وجه التشكّر (٥): أحسن إلىّ فلان، وبذل لى ماله وجاهه، فجعلوا التعظيم لله معنى على حدته، وإن كان بلفظ الخبر.

стр. 606

ومن أخرج التعجّب من الخبر، وجعله معنى منفردا على حياله، قال: إنّ فى لفظه من معنى المبالغة ما ليس فى الخبر المحض. والصحيح أنه داخل فى حيّز الخبر، لأنك إذا قلت: ما أحسن زيدا، فكأنك قلت: زيد حسن جدّا، وتمثيله عند الخليل وسيبويه: شيء (١) أحسن زيدا، وعند الأخفش: الذى أحسن زيدا شيء وعند آخرين: شيء أحسن زيدا كائن. واختلفوا فى العرض، فقال قوم: هو من الخبر، لأنه إذا عرض عليك النزول فقال: ألا تنزل، فقد أخبر بأنه يحبّ نزولك عنده، وأدخله قوم فى الاستفهام؛ لأن لفظه كلفظه، ولو كان استفهاما لم يكن المخاطب به مكرما لمن خاطبه، ولا موجبا عليه بذلك شكرا. وزعم قوم أن التحضيض معنى منفرد، وقال آخرون: إنه إذا قال: هلاّ فعلت كذا، /فقد أمر المحضوض بذلك الفعل. وقال بعضهم: التمنّى داخل فى الخبر، وكذلك التّرجّى، لأنه إذا قال: ليت لى مالا، فقد أخبر أنه تمنّى ذلك، ولو كان الأمر على ما قال لما امتنع فيه التصديق والتكذيب. وذهب بعضهم إلى أن الجزاء قسم منفرد، وليس الأمر كذلك، لأن قول الله سبحانه: ﴿فَمَنْ يُؤْمِنْ بِرَبِّهِ فَلا يَخافُ بَخْساً﴾ (٢) يدخله التصديق. وإذا عرفت هذا، فالخبر أوسع المعانى، وهو أن يخبر المتكلّم غيره بما يفيده معرفته، وحدّه دخول التصديق والتكذيب فيه، وهو على ضربين: موجب وغير موجب، فالموجب: ما عرى من أدوات النفى، وهى «لا-ولن-وما-ولم-ولمّا»

стр. 607

فى نحو ﴿بَلْ لَمّا يَذُوقُوا عَذابِ﴾ (١) و «إن» فى نحو: ﴿إِنْ عِنْدَكُمْ مِنْ سُلْطانٍ بِهذا﴾ (٢) ولات فى نحو: ﴿وَلاتَ حِينَ مَناصٍ﴾ (٣) أى وليس الحين حين مهرب. ومن الأفعال: «ليس وأبى» يدلّك على أن «أبى» نفى (٤) صريح، قولك: أبى زيد إلا أن يقوم، كقولك: لم يرد زيد إلا أن يقوم، كما جاء فى التنزيل: ﴿وَيَأْبَى اللهُ إِلاّ أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ﴾ (٥). ومن أدوات النّفى «غير» لأنها للمخالفة، فهى نقيض «مثل» تقول: جاءنى رجل مثلك، أى يشابهك، ورجل غيرك: أى يخالفك. فمثال الموجب: زيد منطلق، وفى الدار زيد، وجاء محمد، وسيخرج خالد، ودحرج العدل، وسيباع الثّوب. وقد يكون النفى جحدا، فإذا كان النافى (٦) صادقا فيما قاله سمّى كلامه نفيا، وإن كان يعلم أنه كاذب فيما نفاه سمّى ذلك النفى جحدا، فالنفى إذن أعمّ من الجحد، لأن كلّ جحد نفى، وليس كلّ نفى جحدا، فمن النفى قوله تعالى: ﴿ما كانَ مُحَمَّدٌ أَبا أَحَدٍ مِنْ رِجالِكُمْ﴾ (٧) ومن الجحد نفى فرعون وقومه لآيات موسى، فى قوله تعالى: ﴿فَلَمّا جاءَتْهُمْ آياتُنا مُبْصِرَةً﴾ -أى واضحة- ﴿قالُوا هذا سِحْرٌ مُبِينٌ. وَجَحَدُوا بِها وَاِسْتَيْقَنَتْها أَنْفُسُهُمْ ظُلْماً وَعُلُوًّا﴾ (٨) المعنى: جحدوا بها ظلما وعلوّا، أى ترفّعا عن الإيمان بما جاء به موسى، فقولهم: ﴿هذا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾

стр. 608

خبر موجب، يراد به النّفى، أى ما هذا حقّ، فلذلك قال: ﴿وَجَحَدُوا بِها﴾ أى نفوها وهم يعلمون أنها من عند الله. ومن العلماء بالعربيّة من لا يفرّق بين النّفى والجحد، والأصل فيه ما ذكرت لك. وقد ورد الخبر والمراد به الأمر، فمن ذلك فى التنزيل قوله تعالى: ﴿وَالْمُطَلَّقاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ﴾ (١) وقوله: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْواجاً يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْراً﴾ (٢) فظاهر هذا الكلام خبر إلا أنّ علماء المسلمين اتّفقوا على أن النساء عليهنّ أن يعتددن لطلاقهنّ ثلاثة أقراء، إذا كان الحيض موجودا، وأن يتربّصن بأنفسهنّ إذا توفّى عنهنّ أزواجهنّ أربعة أشهر وعشرا، فعلم بإجماع علماء المسلمين أن المراد بذلك الأمر. وممّا يدخل فى هذا المعنى باتفاق أهل الإسلام قوله جلّ وعز: ﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اِسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيامُ ثَلاثَةِ أَيّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذا رَجَعْتُمْ﴾ (٣) وقوله: ﴿وَمَنْ كانَ مَرِيضاً أَوْ عَلى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيّامٍ أُخَرَ﴾ (٤) وقوله: ﴿فَمَنْ كانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً أَوْ بِهِ أَذىً مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾ (٥) فالهدى أو ما ذكر معه متّفق على أنه واجب على المتمتّع الذى وصفه الله بما وصفه، وكذلك العدّة من الأيام الأخر، متّفق على أنها واجبة على من أفطر إذا كان مريضا أو على سفر، والفدية من الصّيام أو الصدقة أو النّسك واجبة على من كان

стр. 609

به أذى من رأسه، فحلق قبل أن يبلغ الهدى محلّه، فالمعنى: فمن لم يجد فليصم ثلاثة أيام فى الحجّ وسبعة إذا رجع، وكذلك معنى الآية الأخرى: ومن كان [منكم (١)] مريضا أو على سفر فليصم من أيام أخر عدّة ما أفطر، وكذلك المعنى فى الثالثة: فمن كان منكم مريضا أو به أذى من رأسه فليفد بصيام أو صدقة أو نسك، والمرفوعات الثلاثة، رفعها بالابتداء، وأخبارها محذوفة، تقديرها: فعليه عدّة من أيام أخر، أى صيام عدّة، وكذلك فعليه فدية. ونظير هذه الآيات فى مجىء الخبر بمعنى الأمر، قوله: ﴿وَالْوالِداتُ يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كامِلَيْنِ﴾ (٢) أى لترضع الوالدات أولادهنّ، وقوله: ﴿وَلِلّهِ عَلَى النّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ﴾ (٣) أى حجّوا أيّها الناس البيت، وقوله: ﴿قَدْ أَنْزَلْنا عَلَيْكُمْ لِباساً يُوارِي سَوْآتِكُمْ﴾ (٤) معناه: البسوا واستتروا عند الطّواف بالبيت، ولا تطوفوا عراة، ومن الخبر الذى يراد به التعزية والأمر بالصبر، قوله جلّ وعلا: ﴿ما يُقالُ لَكَ إِلاّ ما قَدْ قِيلَ لِلرُّسُلِ مِنْ قَبْلِكَ﴾ (٥) أى اصبر على ما يقول لك المشركون، وتعزّ بمن كان قبلك من الرّسل الذين أوذوا. ومن الخبر الذى أريد به الأمر قولهم: «أمكنك الصّيد» أى ارمه، وقولهم: «اتّقى الله امرؤ وصنع خيرا» (٦) أى ليتّق الله وليصنع خيرا. ومن الخبر الذى أريد به النّهى قوله تعالى: ﴿يَعِظُكُمُ اللهُ أَنْ تَعُودُوا لِمِثْلِهِ أَبَداً﴾ (٧) أى لا تعودوا.

стр. 610

وممّا جاء بلفظ الخبر والمراد به أمر تأديب قوله تعالى: ﴿إِنَّما كانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذا دُعُوا إِلَى اللهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنا وَأَطَعْنا﴾ (١) معناه: قولوا سمعنا قولك، وأطعنا حكمك. وأمّا قوله : ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللهِ وَرَسُولِهِ وَإِذا كانُوا مَعَهُ عَلى أَمْرٍ جامِعٍ لَمْ يَذْهَبُوا حَتّى يَسْتَأْذِنُوهُ﴾ (٢) فقال بعض المفسّرين: هو أمر معناه: استأذنوا رسول الله ﵌-وقال آخرون: هو ندب. ومن الخبر الذى معناه إباحة، قوله: ﴿لَيْسَ عَلَى الْأَعْمى حَرَجٌ وَلا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ وَلا عَلى أَنْفُسِكُمْ أَنْ تَأْكُلُوا مِنْ بُيُوتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ آبائِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أُمَّهاتِكُمْ﴾ (٣) معناه: كلوا مع هؤلاء، وليأكلوا معكم، وكلوا من هذه البيوت. ومن الخبر الذى معناه ندب قوله: ﴿وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ (٤) معناه: افعلوا بهنّ من المعروف مثل ما يلزمهنّ لكم، وقوله: ﴿وَلِلرِّجالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ﴾ (٥) معناه: أفضلوا عليهنّ وأحسنوا إليهنّ، وخذوا بالفضل. ومن الخبر الذى هو أمر قول النبىّ ﵌: «لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة (٦) الكتاب» أى اقرءوا فى الصّلوات الفاتحة، ومنه ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيامُ﴾ (٧) معناه: صوموا، وقوله: ﴿وَإِنْ كانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلى مَيْسَرَةٍ﴾ (٨) معناه: فأنظروه إلى ميسرته.

стр. 611

ومن الخبر الذى أريد به الدعاء [قولهم (١)]: «غفر الله لك، ورحم الله فلانا، ويرحم الله فلانا» لو كان هذا خبرا على ظاهره، لكنت موجبا لرحمة الله ومغفرته للمدعوّ له، وليس الأمر كذلك، وإنما قصدت الرغبة إلى الله فى إيجاب المغفرة والرحمة له، فمن ذلك فى التنزيل قوله تعالى، حاكيا عن يوسف: ﴿يَغْفِرُ اللهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرّاحِمِينَ﴾ (٢) ومنه قول الشاعر (٣): ويرحم الله عبدا قال آمينا وقول الآخر (٤): أجمعت خلّتى مع الهجر بينا ... جلّل الله ذلك الوجه زينا والقسم ضرب من الخبر، كقولك: أقسم بالله لأفعلنّ، وليمن الله لأذهبنّ، ولعمرك لأنطلقنّ، وقد استعملوه مجرّدا من ألفاظ الأيمان، كقولهم: علم الله لقد كان ذلك، ويعلم الله ما كان ذلك، واختلف النحويون فى قوله تعالى: ﴿هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلى تِجارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذابٍ أَلِيمٍ. تُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَرَسُولِهِ وَتُجاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللهِ﴾ (٥) فذهب أبو العباس المبرّد إلى أن قوله: ﴿تُؤْمِنُونَ﴾ ﴿وَتُجاهِدُونَ﴾ معناه: آمنوا وجاهدوا، واستدلّ بالجزم فى قوله تعالى: ﴿يَغْفِرْ لَكُمْ﴾ ﴿وَيُدْخِلْكُمْ﴾ (٦) لأنه جواب

стр. 612

الأمر، الذى جاء بلفظ الخبر، فهو محمول على المعنى، ودلّ على ذلك أيضا أنه فى حرف (١) عبد الله: (آمنوا وجاهدوا). وقال غير أبى العباس: ﴿تُؤْمِنُونَ﴾ ﴿وَتُجاهِدُونَ﴾ عطف بيان على ما قبله، كأنه لما قال: ﴿هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلى تِجارَةٍ﴾ لم يدر ما التّجارة، فبيّنها بالإيمان والجهاد، فعلم بذلك أن المراد بها الإيمان والجهاد، فيكون ﴿يَغْفِرْ لَكُمْ﴾ على هذا جواب الاستفهام، فهو محمول على المعنى، لأن المعنى: هل تؤمنون وتجاهدون يغفر لكم، لأن التجارة لمّا بيّنت بالإيمان والجهاد، صار ﴿تُؤْمِنُونَ﴾ ﴿وَتُجاهِدُونَ﴾ كأنهما قد وقعا بعد «هل» فحمل ﴿يَغْفِرْ لَكُمْ﴾ ﴿وَيُدْخِلْكُمْ﴾ على هذا المعنى. وقال الفرّاء (٢) ﴿يَغْفِرْ﴾ جواب الاستفهام. فإن كان مراده (٣) المعنى الذى ذكرته فهو حسن، وقد كان يجب عليه أن يوضّح مراده، وإن كان أراد أن قوله: ﴿يَغْفِرْ﴾ جواب لظاهر قوله: ﴿هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلى تِجارَةٍ﴾ فذلك غير جائز، لأن الدلالة على الإيمان والجهاد لا تجب بها المغفرة وإدخال الجنات، وإنما يجبان بالقبول (٤) والعمل. ومما جاء فيه لفظ الخبر بمعنى الإغراء، قول عمر رضوان الله عليه (٥): «أيّها الناس

стр. 613

كذب عليكم الحجّ والعمرة» معناه: عليكم بالحجّ والعمرة [والزموا الحجّ والعمرة (١)] ومثله قول معقّر بن حمار البارقىّ: وذبيانيّة أوصت بنيها ... بأن كذب القراطف والقروف (٢) أى عليكم بالقراطف، وهى القطف (٣)، وبالقروف فاغنموهما (٤)، والقروف: أوعية من أدم يتّخذ فيها الخلع، وهو لحم يقطّع صغارا، ويحمل فى السّفر، وقيل: هو القديد المشوىّ، ومثله قول عنترة، وقال أبو عبيدة والأصمعى: هو لخزز بن لوذان: كذب العتيق وماء شنّ بارد ... إن كنت سائلتى غبوقا فاذهبى (٥) وقبل هذا البيت: لا تذكرى فرسى وما أطعمته ... فيكون جلدك مثل جلد الأجرب إنّ الغبوق له وأنت مسوءة ... فتأوّهى ما شئت ثمّ تحوّبى قال ابن السّكّيت: كان لعنترة امرأة بخيلة (٦)، لا تزال تلومه فى فرس كان يؤثره بالغبوق، وهو شرب العشىّ، فتهدّدها بالضّرب الأليم، فى قوله: فيكون جلدك مثل جلد الأجرب

стр. 614

أى أضربك فيبقى أثر الضّرب عليك كالجرب، وقيل: بل أراد أدعك وأجتنبك، كما يجتنب الجرب. وقوله: «تحوّبى» التحوّب: التوجّع، ثم قال: «كذب العتيق» أى عليك بالعتيق، وهو التّمر، والشّنّ: القربة الخلق، والماء يكون فيها أبرد منه فى القربة الجديدة، يقول: عليك بالتمر فكليه، والماء البارد فاشربيه، ودعينى أوثر فرسى [باللّبن (١)] ثم قال: إنّ العدوّ لهم إليك وسيلة ... أن يأخذوك تكحّلى وتخضّبى الوسيلة: القربة، وقيل: المنزلة القريبة، وقوله: «أن يأخذوك» موضعه نصب (٢)، بتقدير حذف الخافض، أى: فى أن يأخذوك، أى لهم قربة إليك فى أخذهم إيّاك، قذفها بإرادتها أن تؤخذ مسبيّة، فلذلك قال: «تكحّلى وتخضّبى»، ثم قال: ويكون مركبك القعود وحدجه ... وابن النّعامة عند ذلك مركبى أى ليس عليك من الأمر ما علىّ، والحدج (٣): مركب من مراكب النساء، وابن النّعامة: فرسه، وقيل: أراد باطن قدمه، وقيل: أراد الطريق، والأول أصحّ (٤)، ثم قال: وأنا امرؤ إن يأخذونى عنوة ... أقرن إلى شرّ الرّكاب وأجنب قوله: «عنوة» أى قسرا، والرّكاب: الإبل [التى (٥)] يحمل عليها الأثقال،

стр. 615

الواحد منها: راحلة، ثم قال: إنى أحاذر أن تقول ظعينتى ... هذا غبار ساطع فتلبّب يقال للمرأة: ظعينة، ما دامت فى هودج، والتلبّب: التحزّم (١)، أى تحزّم للمحاربة. وممّا جاء فيه الوعيد بلفظ الخبر فى التنزيل، قوله تعالى: ﴿سَنَكْتُبُ ما قالُوا وَقَتْلَهُمُ الْأَنْبِياءَ بِغَيْرِ حَقٍّ﴾ (٢) ﴿سَتُكْتَبُ شَهادَتُهُمْ وَيُسْئَلُونَ﴾ (٣) ﴿سَنَفْرُغُ لَكُمْ أَيُّهَ الثَّقَلانِ﴾ (٤) ﴿إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصادِ﴾ (٥). وقد ورد الخبر الموجب، والمراد به النّفى، كقول الأعشى (٦): أتيت حريثا زائرا عن جنابة ... فكان حريث عن عطائى جامدا أى لم يعطنى شيئا. ...

стр. 616

المجلس الرابع والثلاثون يتضمّن القول فى الاستخبار الاستخبار والاستفهام والاستعلام واحد، فالاستخبار: طلب الخبر، والاستفهام: طلب الفهم، والاستعلام: طلب العلم، والاستخبار نقيض الإخبار، من حيث لا يدخله صدق ولا كذب، وأدواته حروف وأسماء وظروف، فالحروف: الهمزة وهل وأم، والهمزة أمّ الباب، ألا تراها تكون للإثبات، كقوله (١): أطربا وأنت قنّسرىّ خاطب (٢) نفسه مستفهما، وهو مثبت، أى قد طربت (٣)، ولا يجوز: هل طربا؟ ويدلّك على قوّة الهمزة فى بابها أنّ حرف العطف الذى من شأنه أن يقع قبل المعطوف، لا يتقدّم عليها، بل لها الرّتبة الصّدريّة عليه، كقولك: أفلم أكرمك، أولم أحسن إليك؟ كما جاء فى التنزيل: ﴿أَفَكُلَّما جاءَكُمْ رَسُولٌ﴾ (٤) - ﴿أَوَكُلَّما﴾

стр. 617

﴿عاهَدُوا عَهْداً﴾ (١) وجاء تقديم العاطف على «هل» على القياس، تقول: هل جاء زيد، وهل عندك محمد؟ والأسماء المستفهم بها «من وما وكم وأىّ» فى نحو: أىّ القوم عندك؟ وأىّ/ الخيل ركبت؟ فإن أضفتها إلى اسم من أسماء الزمان أو المكان، أخرجتها بذلك إلى الظّرفية، لأنها بعض ما تضاف إليه، كقولك: أىّ الشّهور خرجت؟ وأىّ المنازل نزلت؟ والظّروف المستفهم بها «أين وكيف ومتى وأيّان وأنّى» وإنما عدّوا «كيف» فى الظّروف، للاستفهام بها عن الحال، والحال تشبه الظّرف (٢)، لأنها عبارة عن الهيئة التى يقع فيها الفعل، ولذلك تقول: كيف زيد جالسا؟ أى على أىّ هيئة جلوسه، كما تقول: أين زيد قائما؟ فينوب «كيف» مناب اسم الفاعل فى نصب الحال، كنيابة أين. فأمّا أوضاع هذه الكلم: فأين وضعت فى هذا الباب للاستفهام عن المكان [ومتى (٣)] وأيّان للاستفهام عن الزمان، وإنما قلت: فى هذا الباب، لأن «أين» تفارق الاستفهام إلى الشّرط، وكذلك متى، وكيف يستفهم بها عن الأحوال، وأنّى يتجاذبها شبهان، شبه أين، وشبه كيف، وقد جاء التنزيل بهما، فى قوله: ﴿يا مَرْيَمُ أَنّى لَكِ هذا﴾ (٤) أى من أين لك هذا؟ وفى قوله: ﴿أَنّى يُحْيِي هذِهِ اللهُ بَعْدَ مَوْتِها﴾ (٥) أى كيف يحيى هذه الله؟

стр. 618

و «من» للاستفهام عن العقلاء، و «ما» يستفهم بها عن ذوات غير العقلاء، وعن صفات العقلاء، فذوات غير العقلاء ضربان: أجسام وأحداث، والأجسام ضربان: أحدهما الحيوانات الصّوامت، والآخر الجمادات والنباتات والمائعات، وغير ذلك، يقول القائل: ما معك؟ فتقول: فرس أو دينار أو غصن آس، أو ماء ورد، ومثال الاستفهام بها عن صفات العقلاء، أن تقول: من عندك؟ فتقول: زيد، فيستفهمك بعد ذلك عن صفته، فيقول: وما زيد؟ فتقول: رجل طويل أسمر بزّاز، وفى التنزيل: ﴿قالَ فِرْعَوْنُ وَما رَبُّ الْعالَمِينَ﴾ (١). و «كم» يستفهم بها عن الأعداد، وأىّ تستغرق هذا كلّه، لأن الإضافة/ تلزمها، لفظا أو تقديرا، فهى عبارة عن بعض ما تضاف إليه. فصل والاستفهام يقع صدر الجملة، وإنما لزم تصديره، لأنك لو أخّرته تناقض كلامك، فلو قلت: جلس زيد أين؟ وخرج محمد متى؟ جعلت أول كلامك جملة خبرية، ثم نقضت الخبر بالاستفهام، فلذلك وجب أن تقدّم الاستفهام، فتقول: أين جلس (٢) زيد؟ ومتى خرج محمد؟ لأنّ مرادك أن تستفهم عن مكان جلوس زيد، وزمان خروج محمد، فزال بتقديم الاستفهام التناقض. فصل وقد ورد الاستفهام بمعان مباينة له، فمن ذلك مجيئه بمعنى الأمر، كقوله تعالى: ﴿فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ﴾ (٣) أى انتهوا، ومثله: ﴿أَلا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللهُ لَكُمْ﴾ (٤) أى

стр. 619

أحبّوا هذا، وكذلك ﴿أَفَلا تَذَكَّرُونَ﴾ (١) أى تذكّروا، و ﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللهِ﴾ (٢) أى اخشعوا، ﴿وَقُلْ لِلَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ وَالْأُمِّيِّينَ أَأَسْلَمْتُمْ﴾ (٣) أى أسلموا، ﴿وَما لَكُمْ لا تُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللهِ﴾ (٤) أى قاتلوا. ومما جاء فى الشعر من مجىء الاستفهام بمعنى الأمر والنهى، قول امرئ القيس (٥): قولا لدودان عبيد العصا ... ما غرّكم بالأسد الباسل أى لا تغترّوا وكونوا على حذر، ومثله للأعشى (٦): ألست منتهيا عن نحت أثلتنا ... ولست ضائرها ما أطّت الإبل أى انته عنّا فلست تضرّنا. وممّا جاء بمعنى الأمر بالتنبّه قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْراهِيمَ فِي رَبِّهِ﴾ (٧)، ﴿أَلَمْ تَرَ إِلى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ﴾ (٨)، ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ﴾ (٩) كلّ هذا بمعنى تنبّه على هذا، واصرف فكرك إليه، واعجب منه. /ويكون تنبيها على الشّكر (١٠) كقوله: ﴿أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيماً فَآوى﴾ (١١). ويكون توبيخا كقوله: ﴿أَكَذَّبْتُمْ بِآياتِي وَلَمْ تُحِيطُوا بِها عِلْماً﴾ (١٢)، ﴿أَفَبِالْباطِلِ﴾

стр. 620

﴿يُؤْمِنُونَ﴾ (١)، ﴿أَتَعْبُدُونَ ما تَنْحِتُونَ﴾ (٢)، ﴿كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللهِ وَكُنْتُمْ أَمْواتاً فَأَحْياكُمْ﴾ (٣) ﴿أَذْهَبْتُمْ طَيِّباتِكُمْ فِي حَياتِكُمُ الدُّنْيا﴾ (٤) وكذلك هى توبيخ فى قراءة من قرأها بلفظ الخبر. ومن الاستفهام الذى ورد بمعنى الأمر، والمراد به التوبيخ قوله: ﴿أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللهِ واسِعَةً فَتُهاجِرُوا فِيها﴾ (٥) أى هاجروا (٦). وقد جاء التوبيخ فى الظاهر لغير المذنب، مبالغة فى تعنيف فاعل الذنب، وفى تكذيبه، كقول الله سبحانه لعيسى ﵇: ﴿أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنّاسِ اِتَّخِذُونِي وَأُمِّي إِلهَيْنِ مِنْ دُونِ اللهِ﴾ (٧) وبّخه، والمراد بذلك تكذيب قومه، ومثله: ﴿أَأَنْتُمْ أَضْلَلْتُمْ عِبادِي هؤُلاءِ﴾ (٨). وقد جاء الاستخبار والمراد به الخبر، كقوله تعالى: ﴿أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوىً لِلْكافِرِينَ﴾ (٩) أى جهنّم مثواهم، وكقوله: ﴿فَما لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ﴾ (١٠) أى قد حكمتم بالباطل، حين جعلتم لله ما تكرهونه لأنفسكم، ومنه: ﴿أَفَمَنْ يَتَّقِي بِوَجْهِهِ سُوءَ الْعَذابِ يَوْمَ الْقِيامَةِ﴾ (١١) خبر «من» محذوف، تقديره: كمن ينعم فى الجنة،

стр. 621

والمعنى: ليس هذا هكذا، ومثله فى مجىء الاستفهام والمراد به الخبر المنفىّ قوله تعالى: ﴿أَرُونِي ماذا خَلَقُوا مِنَ الْأَرْضِ﴾ (١) أى لم يخلقوا شيئا، وجاء بمعنى الخبر الموجب فى قوله: ﴿أَلَيْسَ اللهُ بِكافٍ عَبْدَهُ﴾ (٢) المعنى: الله يكفى عبده، و ﴿هَلْ لَكَ إِلى أَنْ تَزَكّى﴾ (٣) أى أدعوك إلى أن تزكّى، وبمعنى الخبر المنفىّ قوله: ﴿أَفَمَنْ يُلْقى فِي النّارِ خَيْرٌ أَمْ مَنْ يَأْتِي آمِناً يَوْمَ الْقِيامَةِ﴾ (٤) أى ليسا سواء، ويكون خبرا بافتخار، كقوله تعالى حاكيا عن فرعون: ﴿أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ﴾ (٥) ومما جاء فيه الاستفهام بمعنى الخبر الموجب، قول جرير (٦): ألستم خير من ركب المطايا ... وأندى العالمين بطون راح أى أنتم خير من ركب المطايا، فلذلك قال عبد الملك حين أنشده هذا البيت: /نحن كذلك، ولو قال جرير هذا على جهة الاستخبار، لم يكن مدحا، وكيف يكون هذا استفهاما، وقد جعل الرواة لهذا البيت مكانا عليّا، حتى قال بعضهم: هو أمدح بيت (٧). وقد جاء لفظ الاستفهام الصريح المستعمل بالهمزة وأم، خبرا فى قول القائل (٨): ما ضرّ تغلب وائل أهجوتها ... أم بلت حيث تناطح البحران

стр. 622

المعنى: ما ضرّها هجاؤك وبولك، وأكثر ما يجيء هذا بعد التسوية كقولك: سواء علىّ أقمت أم قعدت، أى سواء علىّ قيامك وقعودك، ﴿وَسَواءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ﴾ (١) أى سواء عليهم إنذارك إيّاهم وترك إنذارك، ومثله: ﴿سَواءٌ عَلَيْنا أَجَزِعْنا أَمْ صَبَرْنا﴾ (٢) التقدير: جزعنا وصبرنا سواء، فسواء فى هذا ليس بمبتدإ، كما ظنّ بعضهم، وإنما هو خبر المبتدأ المقدّر، على ما مثّلته لك، وكيف يكون قولك: «أقمت» خبرا لسواء، وهو جملة خالية من عائد إلى «سواء» ظاهر أو مقدّر، وكذلك «ضرّ» فى قوله: ما ضرّ تغلب وائل أهجوتها مسند إلى الفاعل المقدّر، الذى هو هجاؤك. ومثل مجىء الاستفهام بمعنى الخبر بعد التسوية، مجيئه فى قولك: ما أدرى أزيد فى الدار أم عمرو؟ ومنه قول زهير (٣): وما أدرى وسوف إخال أدرى ... أقوم آل حصن أم نساء وحذف الآخر الهمزة فى قوله (٤):

стр. 623

لعمرك ما أدرى وإن كنت داريا ... بسبع رمين الجمر أم بثمان أراد: أبسبع؟ وقد قيل فى قول عمر بن أبى ربيعة (١): ثم قالوا تحبّها قلت بهرا ... عدد القطر والحصى والتّراب إنه أراد: أتحبّها؟ فحذف همزة الاستفهام، وقيل: إنه أراد الخبر، أى أنت تحبّها. ومعنى: «قلت بهرا»: أى قلت: نعم أحبّها حبّا بهرنى بهرا. ومما لم يختلف فى حذف/همزة الاستفهام منه قول الكميت بن زيد: ولا لعبا منّى وذو الشّيب يلعب (٢) أراد: أوذو الشيب يلعب؟ وقول عمران بن حطّان: وأصبحت فيهم آمنا لا كمعشر ... أتونى فقالوا من ربيعة أو مضر (٣) أم الحىّ قحطان (٤) .... أراد: أمن ربيعة؟ وكذلك قيل فى حكاية [قول (٥)] موسى ﵇: ﴿وَتِلْكَ نِعْمَةٌ تَمُنُّها عَلَيَّ﴾ (٦) إن المراد: أو تلك؟ ومن الاستفهام الذى أريد به النفى قوله جلّ اسمه: ﴿فَاسْتَفْتِهِمْ أَلِرَبِّكَ الْبَناتُ وَلَهُمُ الْبَنُونَ﴾ (٧) أى لا يكون هذا، وقوله حاكيا عنهم: ﴿أَأُنْزِلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ مِنْ﴾

стр. 624

﴿بَيْنِنا﴾ (١) أى ما أنزل عليه الذّكر، ومثله: ﴿أَشَهِدُوا خَلْقَهُمْ﴾ (٢) أى لم يشهدوا ذلك، وكذلك قوله: ﴿أَفَأَنْتَ تُسْمِعُ الصُّمَّ أَوْ تَهْدِي الْعُمْيَ﴾ (٣) معناه: ليس ذلك إليك، كما قال: ﴿إِنَّكَ لا تُسْمِعُ الْمَوْتى وَلا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعاءَ﴾ (٤) وكذلك قوله: ﴿فَمَنْ يَهْدِي مَنْ أَضَلَّ اللهُ﴾ (٥) معناه: لا يهديه أحد، وقوله: ﴿أَفَعَيِينا بِالْخَلْقِ الْأَوَّلِ﴾ (٦) أى لم نعى به، ومنه قول النابغة (٧): ولست بمستبق أخا لا تلمّه ... على شعث أىّ الرّجال المهذّب أى ليس أحد (٨) من الرجال مهذّبا بلا ذنب له، ومثله: فهذى سيوف يا صدىّ بن مالك ... حداد ولكن أين بالسّيف ضارب (٩) أى ليس أحد يضرب بالسّيف، ومثله: ألا هل أخو عيش لذيذ بدائم (١٠)

стр. 625

أى ليس يوجد هذا. وممّا جاء بلفظ الاستفهام ومعناه الوعيد قوله: ﴿أَفَنَضْرِبُ عَنْكُمُ الذِّكْرَ صَفْحاً﴾ (١) معناه: أفنترككم ولا نذكّركم بعقابنا؟ وممّا جاء بمعنى الحثّ قوله: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللهَ قَرْضاً حَسَناً﴾ (٢) ويكون تهدّدا على جهة التنبيه، كقوله: ﴿أَلَمْ نُهْلِكِ الْأَوَّلِينَ﴾ (٣) إلى آخر القصة، ويكون تحذيرا كقوله: ﴿فَكَيْفَ إِذا جَمَعْناهُمْ لِيَوْمٍ لا رَيْبَ فِيهِ﴾ (٤)، ويكون/تعجّبا، كقول جرير: (٥): غيّضن من عبراتهنّ وقلن لى ... ماذا لقيت من الهوى ولقينا وكقول الآخر: وكيف يسيغ المرء زادا وجاره ... خفيف المعى بادى الخصاصة والجهد (٦) وكقول الأعشى (٧): شباب وشيب وافتقار وثروة ... فلله هذا الدّهر كيف تردّدا جعل الخبر والاستفهام جميعا تعجّبا، ويكون عرضا، كقولك: ألا تنزل عندنا؟ ألا تنال من طعامنا؟ والعرض بأن يكون طلبا أولى من أن يكون استفهاما، وإنما أدخله من أدخله فى حيّز الاستفهام، لأنّ لفظه لفظ الاستفهام، وليس كلّ

стр. 626

ما كان بلفظ الاستفهام يكون استفهاما حقيقيّا، على ما بيّنته (١) لك، ولو كان العرض استفهاما، ما كان المخاطب به مكرما، ولا أوجب لقائله على المقول له شكرا. فصل يتضمّن القول فى الأمر وأقول: حدّ الأمر: استدعاء الفعل بصيغة مخصوصة مع علوّ الرّتبة، وقد استحقّ هذا الاسم باجتماع هذه الثلاثة، فأما علوّ الرتبة، فإنّ أصحاب المعانى قالوا: الأمر لمن دونك، والطّلب والمسألة لمن فوقك، كقولك للخليفة: أجرنى، وسمّوا هذه الصيغة إذا وجّهت إلى الله تعالى: دعاء، لأنّ الدعاء الذى هو النداء يصحبها، كقولك: اللهمّ اغفر لى، ويا ربّ ارحمنى، وإذا كانت لمن فوقك من الآدميين سمّوها سؤالا وطلبا، فهى بهذين الاسمين إذا وجّهت إلى الله سبحانه أولى. وقد قدّمنا أن للأمر صيغتين، إحداهما للمواجه، وهى افعل، والأخرى للغائب، وهى ليفعل، فمثال الأمر الواجب: ﴿كُونُوا قَوّامِينَ لِلّهِ﴾ (٢) - ﴿قاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللهِ﴾ (٣) - ﴿اُعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ﴾ (٤) - ﴿أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ﴾ (٥) ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ (٦) - ﴿ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ (٧). وقد وردت هذه الصيغة والمراد بها النّدب والاستحباب، والنّدب: كلّ ما فى فعله

стр. 627

ثواب، وليس فى تركه عقاب، كقوله: ﴿اُذْكُرُوا اللهَ ذِكْراً كَثِيراً﴾ (١) وقوله: ﴿فَإِذا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفاتٍ فَاذْكُرُوا اللهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرامِ﴾ (٢) وكقول النبىّ عليه وآله السّلام: «من جاء منكم إلى الجمعة فليغتسل (٣)». وقد جاءت هذه الصيغة والمراد بها إباحة الشىء بعد حظره، كقوله: ﴿فَإِذا قُضِيَتِ الصَّلاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَاِبْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللهِ﴾ (٤) بعد قوله: ﴿إِذا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلى ذِكْرِ اللهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ﴾ وكذلك قوله: ﴿وَإِذا حَلَلْتُمْ فَاصْطادُوا﴾ (٥) بعد قوله: ﴿لا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ﴾ (٦) ومنه: ﴿فَإِذا وَجَبَتْ جُنُوبُها فَكُلُوا مِنْها﴾ (٧) ومنه: ﴿فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ﴾ (٨) ومنه: ﴿وَاُهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضاجِعِ وَاِضْرِبُوهُنَّ﴾ (٩) ومنه: ﴿فَكُلُوا مِمّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ﴾ (١٠) فكلّ هذا مما ليس فى فعله ثواب، ولا فى تركه عقاب. ويكون هذا اللفظ الأمرىّ بمعنى الوعيد كقوله تعالى: ﴿اِعْمَلُوا ما شِئْتُمْ﴾ (١١) - ﴿فَمَنْ شاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾ (١٢) - ﴿فَاعْبُدُوا ما شِئْتُمْ مِنْ دُونِهِ﴾ (١٣) - ﴿وَاِسْتَفْزِزْ مَنِ اِسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ وَأَجْلِبْ عَلَيْهِمْ بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ وَشارِكْهُمْ﴾

стр. 628

﴿فِي الْأَمْوالِ وَالْأَوْلادِ وَعِدْهُمْ﴾ (١) - ﴿قُلْ تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ قَلِيلاً﴾ (٢) - ﴿ذَرْهُمْ يَأْكُلُوا وَيَتَمَتَّعُوا﴾ (٣) - ﴿فَذَرْنِي وَمَنْ يُكَذِّبُ بِهذَا الْحَدِيثِ﴾ (٤). وقد جاء اللفظ تأديبا وإرشادا إلى أصلح الأمور وأحزمها، كقوله: ﴿وَأَشْهِدُوا إِذا تَبايَعْتُمْ﴾ (٥) ثم لم يختلف (٦) أهل العلم فى أنّ ترك الإشهاد عند التبايع لا يكون مفسدا للبيع، وأنّ قوله: ﴿فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضاً فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اُؤْتُمِنَ أَمانَتَهُ﴾ (٧) دليل على أنّ/الأمر بالإشهاد عند التبايع إرشاد وتأديب، ومثله فى مجىء هذا اللفظ إرشادا على غير إلزام قوله: ﴿فَانْكِحُوا ما طابَ لَكُمْ مِنَ النِّساءِ مَثْنى وَثُلاثَ وَرُباعَ﴾ (٨). وكما جاء الخبر معناه الأمر فيما قدّمت ذكره، من نحو ﴿وَالْمُطَلَّقاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ﴾ (٩) كذلك جاء لفظ الأمر والمراد به الخبر، فى قوله تعالى: ﴿قُلْ مَنْ كانَ فِي الضَّلالَةِ فَلْيَمْدُدْ لَهُ الرَّحْمنُ مَدًّا﴾ (١٠) المعنى: فيمدّ له الرحمن مدّا. ويكون أيضا لفظ الأمر للخضوع، كما كان دعاء فى نحو: اللهمّ اغفر لنا، وليرحم (١١) الله

стр. 629

زيدا، وذلك نحو قول المذنب لسيّده، أو لذى سلطان [عليه (١)]: افعل بى ما شئت، وابلغ منّى رضاك، تذلّلا منه وإقرارا بذنبه. ويكون لفظ الأمر أيضا لإظهار عجز الذى وجّه إليه ذلك اللفظ، ويسمّى هذا الضرب تحدّيا، كقوله جلّ وعلا: ﴿أَمْ يَقُولُونَ اِفْتَراهُ قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَياتٍ﴾ (٢) فلما عجزوا عن ذلك قال: ﴿فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ﴾ (٣) وقال: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمّا نَزَّلْنا عَلى عَبْدِنا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ﴾ (٤) يدلّك على أن المعنى تبيين عجزهم عن ذلك قوله: ﴿فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا﴾ (٥) وقوله: ﴿قُلْ لَئِنِ اِجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيراً﴾ (٦). ويكون لفظ الأمر أيضا تنبيها على القدرة، والمخاطب غير مأمور بأن يحدث فعلا، فيكون بفعل ذلك الفعل مطيعا، وبتركه له عاصيا، كقوله تعالى: ﴿قُلْ كُونُوا حِجارَةً أَوْ حَدِيداً﴾ (٧) يعنى لو كنتم حجارة أو حديدا لأعدناكم، ألم تسمع إلى قوله حاكيا عنهم ومجيبا لهم: ﴿فَسَيَقُولُونَ مَنْ يُعِيدُنا قُلِ الَّذِي فَطَرَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ (٧) فهذا يبيّن لك أنّ لفظ الأمر فى هذا الموضع تنبيه على قدرته سبحانه. ويكون لفظ الأمر أيضا لما لا فعل فيه لمن وجّه إليه أصلا، كقوله: ﴿فَقُلْنا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خاسِئِينَ﴾ (٨) المعنى: فكوّنّاهم قردة، ألا ترى أن هذا ليس من الأمر

стр. 630

/الذى يمكن المأمور أن يفعله أو يتركه، ولكنه فعل واقع به من الله . واعلم أنّ من أصحاب المعانى من قال: إن صيغة الأمر مشتركة بين هذه المعانى، وهذا غير صحيح، لأن الذى يسبق إلى الفهم هو طلب الفعل، فدلّ على أن الطلب حقيقة فيها دون غيره، ولكنّها حملت على غير الأمر الواجب بدليل، والأمر الواجب هو الذى يستحقّ بتركه الذّمّ، كقوله تعالى: ﴿وَإِذا قِيلَ لَهُمُ اِرْكَعُوا لا يَرْكَعُونَ﴾ (١) فذمّهم على ترك الركوع، بقوله: ﴿فَوَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ (١). فصل النهى: هو المنع من الفعل بقول مخصوص، مع علوّ الرّتبة، وصيغته: لا تفعل ولا يفعل فلان، فمن النهى للمواجه: ﴿وَلا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللهُ إِلاّ بِالْحَقِّ﴾ (٢) - ﴿وَلا تَدْعُ مَعَ اللهِ إِلهاً آخَرَ﴾ (٣) ومنه قوله ﵇: «لا تباغضوا ولا تحاسدوا (٤)» ومن النهى للغائب: ﴿لا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكافِرِينَ أَوْلِياءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (٥) - ﴿وَلا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضاً﴾ (٦) فهذا كلّه يراد به التحريم. وقد ترد هذه الصيغة والمراد بها التنزيه، كقوله تعالى: ﴿وَلا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ﴾ (٧) أى لا تتركوه، وليس ذلك بحتم، وكقول النبىّ ﵌: «إذا استيقظ أحدكم من نومه فلا يغمس يده فى الإناء حتى يغسلها

стр. 631

ثلاثا (١)» ولا تحمل هذه الصيغة على التنزيه إلاّ بدليل. وقد ورد النهى بغير هذه الصّيغة، وذلك نحو قوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهاتُكُمْ﴾ (٢) و ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ﴾ (٣). وقد جاء النهى بلفظ الوعيد، كقوله جلّ اسمه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوالَ الْيَتامى ظُلْماً إِنَّما يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ ناراً﴾ (٤) /وكقوله ﵇: (٥) «من شرب فى آنية الفضّة فإنما يجرجر فى جوفه نار جهنّم». وممّا جاء من النّهى بلفظ النّفى قوله جلّ وعزّ: ﴿ما كانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ﴾ (٦) أراد: لا يستغفروا لهم، ومنه: ﴿ذلِكَ الْكِتابُ لا رَيْبَ فِيهِ﴾ (٧) أى لا ترتابوا فيه، أى لا تشكّوا فيه، ومثله: ﴿لا تَبْدِيلَ لِكَلِماتِ اللهِ﴾ (٨) أى لا تبدّل أيّها الإنسان كلمات الله، ومنه: ﴿لا إِكْراهَ فِي الدِّينِ﴾ (٩) أى لا تكرهوا فى الدّين، وكان هذا قبل أن يؤمر بالقتال، ومنه: ﴿فَلا رَفَثَ وَلا فُسُوقَ وَلا جِدالَ فِي الْحَجِّ﴾ (١٠) أى لا ترفثوا فى الحجّ ولا تفسقوا ولا تجادلوا، ومعنى لا رفث

стр. 632

ولا فسوق: أى لا جماع (١) ولا كلمة من أسباب الجماع، ومعنى: ولا جدال فى الحجّ: أى لا يسوغ للرجل أن يجادل أخاه فى الحجّ، فيخرجه جداله إلى ما لا ينبغى. ومن النّهى بلفظ الخبر أيضا: ﴿أَلْهاكُمُ التَّكاثُرُ﴾ (٢) ومعناه: لا يلهكم التكاثر، كما قال: ﴿لا تُلْهِكُمْ أَمْوالُكُمْ وَلا أَوْلادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللهِ﴾ (٣) ومنه: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا الَّذِينَ كَفَرُوا يَرُدُّوكُمْ عَلى أَعْقابِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خاسِرِينَ﴾ (٤) يقول: لا تطيعوهم، ومنه: ﴿وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِما غَلَّ يَوْمَ الْقِيامَةِ﴾ (٥) يقول: لا تغلّوا واستنّوا بنبيّكم، ومنه: ﴿قُلْ مَتاعُ الدُّنْيا قَلِيلٌ وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ لِمَنِ اِتَّقى﴾ (٦) يقول: لا ترغبوا فى متاع الدنيا، وارغبوا فى الآخرة، ومنه: ﴿أَيْنَما تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ﴾ (٧) معناه: لا تجزعوا من الموت، وقاتلوا فإنّ الموت ملاقيكم. تمّ المجلس. ...

стр. 633

المجلس الخامس والثلاثون القول فى النّداء (١) وهو الدّعاء عامّة الناظرين فى المعانى يزعمون أنّ لفظ النداء لمعنى واحد، لا يتجاوزه/إلى غيره، قالوا: لأنّ قولك: يا زيد، ويا عبد الله، صوت يدلّ المدعوّ على أنك تريد منه أن يقبل عليك، لتخاطبه بما تريد أن تخاطبه به، وليس النداء إخبارا ولا استخبارا، ولا أمرا ولا نهيا، ولا تمنّيا ولا عرضا، وإنما تلقى إلى المدعوّ من هذه المعانى ما شئت بعد دعائك إيّاه، قالوا: والدّليل على أنه صوت خال من هذه المعانى أنّ البهائم تنادى بأصوات موضوعات لها، وهى لا تخبر ولا تستخبر، كقولهم للإبل إذا دعوها للشّرب: جأجأ، مهموز، يقولون: جأجأت بإبلى، ويقولون للضأن إذا دعوها: حاحا، وللمعز: عاعا، غير مهموزين، والفعل منهما: حاحيت وعاعيت، والمصدر الحيحاء والعيعاء (٢)، عن ابن السّكّيت، وأنشد: يا عنز هذا شجر وماء ... وحجرة فى جوفها صلاء (٣) عاعيت لو ينفعنى العيعاء ... وقبل ذاك ذهب الحيحاء

стр. 634

وقد وجدت للنّداء وجوها، أكثرها لا تخرجه عن كونه نداء، فمن ذلك أنّ نداءك لله سبحانه فى قولك: يا الله يا رحمن يا رحيم، إلى غير ذلك من أسمائه الحسنى وصفاته العلى، يكون خضوعا وتضرّعا وتعظيما. وقد يقتصر على ألفاظ المدح للمدعوّ، إذا كان قصدك تعظيمه، ومرادك مدحه، كقولك: يا سيّد الناس، ويا خير مطلوب إليه، ويا فارس الهيجاء، تريد: أنت سيّد الناس، وأنت خير مطلوب إليه، وأنت فارس الهيجاء، فيكون نداؤه بذلك داخلا فى الخبر، كما يكون نداؤك لله جلّت عظمته، إقرارا منك بالرّبوبيّة [وتعبّدا (١)] وبحسب ذلك يكون النداء ذمّا للمنادى وتقصيرا به، وزريا عليه، كقولك: يا فسق ويا خبث، ويا أبخل الناس، ويا مستحلّ الحرام، وما أشبه هذا، ممّا تقتصر عليه ولا تذكر معه شيئا غيره، كما اقتصرت على نداء الممدوح بما ناديته، فالنّداء فى هذا الوجه/داخل فى حيّز الخبر، وقد ورد النّداء مرادا به الخبر فى شيء من كلامهم، وذلك فى قولهم: «اللهمّ اغفر لنا أيّتها العصابة» قال أبو العباس محمد بن يزيد (٢): معناه أخصّ هذه العصابة. وقد يكون دعاؤك لمن هو مقبل عليك، ومستغن عن دعائك له، على جهة التوكيد، حتى إن الداعى قد ينادى نفسه وقلبه، كقول القائل (٣): فيا نفس صبرا لست والله فاعلمى ... بأوّل نفس غاب عنها حبيبها وكقول الآخر (٤): فلو يا قلب كنت اليوم حرّا ... زجرت النّفس ويحك عن هواها

стр. 635

وقد يوجّه النداء إلى من لم يقصد إسماعه، وذلك إلى غائب تكتب إليه، تتشوّقه أو تمدحه أو تذمّه، كقولك فى مكتوبك: يا زيد، جمع الله بينى وبينك، ويا محمد، ما أكرمك، ويا خالد ما ألأمك، أو تقول لميّت تندبه: يا زيد، ما أجلّ مصيبتنا بفقدك، ويا عبد الله، لقد هدّنا هلكك، غير أنّ أكثر العرب يخالفون بين اللّفظ بالنّدبة، واللفظ بالنّداء، فيجعلون «وا» مكان «يا» ويلحقون آخر الاسم ألفا، فإذا سكتوا ألحقوها هاء ساكنة، كقولك: وا سيّد المسلميناه، وا أمير المؤمنيناه، فاقتصارك على قولك: يا سيّد الناس، ويا فارس الهيجاء، كاقتصارهم على مدح المندوب. وممّا نادوه مما ليس إسماعه متوهّما، الدّيار والأطلال، كقول النابغة (١): يا دار ميّة بالعلياء فالسّند ... أقوت وطال عليها سالف الأبد وكقول امرئ القيس (٢): ألا عم صباحا أيّها الطّلل البالى ... وهل ينعمن من كان فى العصر الخالى وقد ينادون الأوقات، بمعنى الاشتكاء لطولها، أو المدح لها بما نالوا من السّرور /فيها، فمن الاشتكاء لطول الليل قول امرئ القيس (٣): ألا أيّها اللّيل الطويل ألا انجل ... بصبح وما الإصباح فيك بأمثل وقول الأعشى (٤): وحتى يبيت القوم فى الصّفّ ليلهم ... يقولون أصبح ليل واللّيل عاتم
следующие страницы →