ثلاثا (١)» ولا تحمل هذه الصيغة على التنزيه إلاّ بدليل.
وقد ورد النهى بغير هذه الصّيغة، وذلك نحو قوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهاتُكُمْ﴾ (٢) و ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ﴾ (٣).
وقد جاء النهى بلفظ الوعيد، كقوله جلّ اسمه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوالَ الْيَتامى ظُلْماً إِنَّما يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ ناراً﴾ (٤) /وكقوله ﵇: (٥) «من شرب فى آنية الفضّة فإنما يجرجر فى جوفه نار جهنّم».
وممّا جاء من النّهى بلفظ النّفى قوله جلّ وعزّ: ﴿ما كانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ﴾ (٦) أراد: لا يستغفروا لهم، ومنه: ﴿ذلِكَ الْكِتابُ لا رَيْبَ فِيهِ﴾ (٧) أى لا ترتابوا فيه، أى لا تشكّوا فيه، ومثله: ﴿لا تَبْدِيلَ لِكَلِماتِ اللهِ﴾ (٨) أى لا تبدّل أيّها الإنسان كلمات الله، ومنه: ﴿لا إِكْراهَ فِي الدِّينِ﴾ (٩) أى لا تكرهوا فى الدّين، وكان هذا قبل أن يؤمر بالقتال، ومنه: ﴿فَلا رَفَثَ وَلا فُسُوقَ وَلا جِدالَ فِي الْحَجِّ﴾ (١٠) أى لا ترفثوا فى الحجّ ولا تفسقوا ولا تجادلوا، ومعنى لا رفث
стр. 632
ولا فسوق: أى لا جماع (١) ولا كلمة من أسباب الجماع، ومعنى: ولا جدال فى الحجّ:
أى لا يسوغ للرجل أن يجادل أخاه فى الحجّ، فيخرجه جداله إلى ما لا ينبغى.
ومن النّهى بلفظ الخبر أيضا: ﴿أَلْهاكُمُ التَّكاثُرُ﴾ (٢) ومعناه: لا يلهكم التكاثر، كما قال: ﴿لا تُلْهِكُمْ أَمْوالُكُمْ وَلا أَوْلادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللهِ﴾ (٣) ومنه: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا الَّذِينَ كَفَرُوا يَرُدُّوكُمْ عَلى أَعْقابِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خاسِرِينَ﴾ (٤) يقول:
لا تطيعوهم، ومنه: ﴿وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِما غَلَّ يَوْمَ الْقِيامَةِ﴾ (٥) يقول: لا تغلّوا واستنّوا بنبيّكم، ومنه: ﴿قُلْ مَتاعُ الدُّنْيا قَلِيلٌ وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ لِمَنِ اِتَّقى﴾ (٦) يقول: لا ترغبوا فى متاع الدنيا، وارغبوا فى الآخرة، ومنه: ﴿أَيْنَما تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ﴾ (٧) معناه: لا تجزعوا من الموت، وقاتلوا فإنّ الموت ملاقيكم. تمّ المجلس.
...
стр. 633
المجلس الخامس والثلاثون
القول فى النّداء (١) وهو الدّعاء
عامّة الناظرين فى المعانى يزعمون أنّ لفظ النداء لمعنى واحد، لا يتجاوزه/إلى غيره، قالوا: لأنّ قولك: يا زيد، ويا عبد الله، صوت يدلّ المدعوّ على أنك تريد منه أن يقبل عليك، لتخاطبه بما تريد أن تخاطبه به، وليس النداء إخبارا ولا استخبارا، ولا أمرا ولا نهيا، ولا تمنّيا ولا عرضا، وإنما تلقى إلى المدعوّ من هذه المعانى ما شئت بعد دعائك إيّاه، قالوا: والدّليل على أنه صوت خال من هذه المعانى أنّ البهائم تنادى بأصوات موضوعات لها، وهى لا تخبر ولا تستخبر، كقولهم للإبل إذا دعوها للشّرب: جأجأ، مهموز، يقولون: جأجأت بإبلى، ويقولون للضأن إذا دعوها: حاحا، وللمعز: عاعا، غير مهموزين، والفعل منهما: حاحيت وعاعيت، والمصدر الحيحاء والعيعاء (٢)، عن ابن السّكّيت، وأنشد:
يا عنز هذا شجر وماء ... وحجرة فى جوفها صلاء (٣)
عاعيت لو ينفعنى العيعاء ... وقبل ذاك ذهب الحيحاء
стр. 634
وقد وجدت للنّداء وجوها، أكثرها لا تخرجه عن كونه نداء، فمن ذلك أنّ نداءك لله سبحانه فى قولك: يا الله يا رحمن يا رحيم، إلى غير ذلك من أسمائه الحسنى وصفاته العلى، يكون خضوعا وتضرّعا وتعظيما. وقد يقتصر على ألفاظ المدح للمدعوّ، إذا كان قصدك تعظيمه، ومرادك مدحه، كقولك: يا سيّد الناس، ويا خير مطلوب إليه، ويا فارس الهيجاء، تريد: أنت سيّد الناس، وأنت خير مطلوب إليه، وأنت فارس الهيجاء، فيكون نداؤه بذلك داخلا فى الخبر، كما يكون نداؤك لله جلّت عظمته، إقرارا منك بالرّبوبيّة [وتعبّدا (١)] وبحسب ذلك يكون النداء ذمّا للمنادى وتقصيرا به، وزريا عليه، كقولك: يا فسق ويا خبث، ويا أبخل الناس، ويا مستحلّ الحرام، وما أشبه هذا، ممّا تقتصر عليه ولا تذكر معه شيئا غيره، كما اقتصرت على نداء الممدوح بما ناديته، فالنّداء فى هذا الوجه/داخل فى حيّز الخبر، وقد ورد النّداء مرادا به الخبر فى شيء من كلامهم، وذلك فى قولهم:
«اللهمّ اغفر لنا أيّتها العصابة» قال أبو العباس محمد بن يزيد (٢): معناه أخصّ هذه العصابة.
وقد يكون دعاؤك لمن هو مقبل عليك، ومستغن عن دعائك له، على جهة التوكيد، حتى إن الداعى قد ينادى نفسه وقلبه، كقول القائل (٣):
فيا نفس صبرا لست والله فاعلمى ... بأوّل نفس غاب عنها حبيبها
وكقول الآخر (٤):
فلو يا قلب كنت اليوم حرّا ... زجرت النّفس ويحك عن هواها
стр. 635
وقد يوجّه النداء إلى من لم يقصد إسماعه، وذلك إلى غائب تكتب إليه، تتشوّقه أو تمدحه أو تذمّه، كقولك فى مكتوبك: يا زيد، جمع الله بينى وبينك، ويا محمد، ما أكرمك، ويا خالد ما ألأمك، أو تقول لميّت تندبه: يا زيد، ما أجلّ مصيبتنا بفقدك، ويا عبد الله، لقد هدّنا هلكك، غير أنّ أكثر العرب يخالفون بين اللّفظ بالنّدبة، واللفظ بالنّداء، فيجعلون «وا» مكان «يا» ويلحقون آخر الاسم ألفا، فإذا سكتوا ألحقوها هاء ساكنة، كقولك: وا سيّد المسلميناه، وا أمير المؤمنيناه، فاقتصارك على قولك: يا سيّد الناس، ويا فارس الهيجاء، كاقتصارهم على مدح المندوب.
وممّا نادوه مما ليس إسماعه متوهّما، الدّيار والأطلال، كقول النابغة (١):
يا دار ميّة بالعلياء فالسّند ... أقوت وطال عليها سالف الأبد
وكقول امرئ القيس (٢):
ألا عم صباحا أيّها الطّلل البالى ... وهل ينعمن من كان فى العصر الخالى
وقد ينادون الأوقات، بمعنى الاشتكاء لطولها، أو المدح لها بما نالوا من السّرور /فيها، فمن الاشتكاء لطول الليل قول امرئ القيس (٣):
ألا أيّها اللّيل الطويل ألا انجل ... بصبح وما الإصباح فيك بأمثل
وقول الأعشى (٤):
وحتى يبيت القوم فى الصّفّ ليلهم ... يقولون أصبح ليل واللّيل عاتم
стр. 636
أراد: ياليل، فحذف حرف النداء، وحذفه إذا صحّ أن يكون المنادى صفة لأىّ، قليل، لشذوذه عن القياس (١).
ويروى: «يقولون نوّر صبح».
ومن وصف الليل بالقصر، لما نال واصفه فيه من السرور، وأحسن ما شاء، قول الشريف أبى الحسن الرّضىّ، رضى الله عنه وأرضاه، وإن كان متأخّرا، فإنّما نسج المتأخّرون على منوال المتقدّمين:
يا ليلة كاد من تقاصرها ... يعثر فيها العشاء بالسّحر (٢)
ومن ذلك نداء أمير المؤمنين علىّ ﵇ للدّنيا وخطابه لها، فيما ذكره لمعاوية ضرار بن ضمرة النّهشلىّ، وقد سأله عنه فقال فيما وصفه (٣) به:
أشهد لقد رأيته وقد أرخى الليل سدوله، وغارت نجومه، ماثلا فى محرابه، قابضا على لحيته، يتململ تململ السّليم، ويبكى بكاء الحزين، ويقول: «يا دنيا ألى تعرّضت، لا حان حينك، قد بتتّك ثلاثا لا رجعة لى فيك، فعمرك قصير، وعيشك حقير، وخطرك يسير».
وقد جاء النداء تحذيرا، كقوله تعالى: ﴿يا حَسْرَةً عَلَى الْعِبادِ﴾ (٤) وجاء استغاثة، كقول عمر رضى الله عنه (٥)، لمّا طعنه العلج: «يا لله وللمسلمين».
وقال أبو العباس المبرد (٦): من قال: يا بؤسا لزيد، جعل النّداء بمعنى الدعاء على
стр. 637
المذكور، وكذلك قول سعد بن مالك بن ضبيعة:
يا بؤس للحرب الّتى ... وضعت أراهط فاستراحوا (١)
/كأنه دعاء على الحرب، وأراد: يا بؤس الحرب، فزاد اللام.
وقد استعملوا النداء توجّعا وتأسّفا كقوله (٢):
وبعد غد يا لهف نفسى من غد ... إذا راح أصحابى ولست برائح
وقد ورد النداء تعجّبا، كقول الراجز (٣):
يا ريّها اليوم على مبين ... على مبين جرد القصيم
جمع بين الميم والنّون رويّين، لتقارب مخرجيهما، كقول الآخر:
بنىّ إنّ البرّ شيء هيّن ... المنطق الطّيّب والطّعيّم (٤)
стр. 638
ومثله لأبى جهل بن هشام (١):
ما تنقم الحرب العوان منّى ... بازل (٢) عامين حديث السّنّ
لمثل هذا ولدتنى أمّى
وقال آخر، فجمع بين الطاء والدال لتقاربهما:
إذا ركبت فاجعلونى وسطا ... إنّى كبير لا أطيق العنّدا (٣)
العنّد: جمع ناقة عنود، وهى التى لا تستقيم فى سيرها، وهذا يسمّى فى عيوب القوافى الإكفاء.
وممّا جاء فيه النداء تعجّبا قول الحطيئة (٤):
طافت أمامة بالرّكبان آونة ... يا حسنه من قوام ما ومنتقبا
أراد: ما أحسنه من قوام، كما أراد الراجز: ما أرواها اليوم، على الماء المسمّى بمبين، ونصب «منتقبا»، بالعطف على موضع (٥) «من قوام» و «ما» زائدة، والمنتقب: موضع النّقاب، وآونة: جمع أوان، ومثله من التعجّب بلفظ النداء قول امرأة من طيئ:
стр. 639
فيا ضيعة الفتيان إذ يعتلونه ... ببطن الشّرى مثل الفنيق المسدّم (١)
/أى ما أضيع الفتيان بعده، إذ يعتلونه، أى يقودونه، يعنى أعداءه، مثل الفحل من الإبل، والمسدّم: المكعوم الذى حشى فمه بالسّدام، وهو الكعامة ليمنعه من العضّ.
فهذه وجوه شتّى قد احتملها النّداء، وإن كان فى أصل وضعه لتنبيه المدعوّ، والذى حملنى على تلخيصها، ما ذكرته لك من إنكار كثير منهم أن يكون لفظ النداء محتملا لمعنى غيره، وقد أريتك أن أكثر معانى الكلام ليس لفظ من ألفاظها إلا وهو محتمل لمعان مباينة للمعنى الذى وضع له ذلك [اللفظ (٢)] فلا يكون فى احتماله لتلك المعانى ما يخرجه عن معناه الأصلىّ.
وأقول: إنه كما جاز فى الألفاظ المفردة ما يتّفق لفظه ويختلف معناه، كذلك جاز أن يكون فى الألفاظ المركّبة المفيدة ما يختلف معناه واللفظ واحد، كقولهم فى المفرد: العين، لعين الإنسان وكلّ ذى بصر، والعين: الرجل المتجسّس، والعين: سحابة تأتى من ناحية (٣) القبلة، والعين: مطر يدوم خمسا أو ستّا لا يقلع، والعين: الدّنانير الناضّة (٤)، والعين: الميل فى الميزان، وعين الرّكبة: النّقرة التى فيها [وعين الماء (٥)] وعين الشمس، وعين القبلة، وعين الشىء: نفسه (٦).
стр. 640
فصل
الكلام (١) ينقسم فى المعانى عند بعض أصحاب المعانى إلى أربعة أقسام: خبر واستخبار وطلب ودعاء، فالخبر أوسعها، وهو أن يخبر المتكلّم المكلّم بما يفيد معرفته، والاستخبار: أن يطلب المستخبر من المستخبر إخباره بما ليس عنده، فأما الخطاب بلفظة افعل، فلا يخلو أن يكون لمن دونك (٢) أو لنظيرك، أو لمن هو أعلى منك، فإن كان لمن دونك، سمّيته أمرا، وإن كان لنظيرك سمّيته مسألة، وإن كان لمن هو أعلى منك سمّيته طلبا، وإن كان لله سبحانه سمّيته سؤالا ودعاء وطلبا، وإنما اختلفت التسمية، لاختلاف المخاطبين بهذه اللفظة، لأنك تستقبح أن تقول: [أمرت والدى، كما تستقبح أن تقول (٣)]: سألت غلامى.
/والنهى بلفظة: لا تفعل، هو عند قوم بمعنى الأمر، قالوا: لأنك إذا قلت:
نهيته عن كذا، فقد أمرته بغيره، فإذا قلت: لا ترحل، فكأنك قلت: أقم، وإذا قلت: لا تصم، فكأنك قلت: أفطر، وكذلك إذا أمرته بشىء، فكأنك نهيته عن نقيضه، فإذا قلت: ارحل، فكأنك قلت: لا تقم، وإذا قلت: صم، فكأنك قلت: لا تفطر، وهما عند آخرين معنيان، كلّ واحد منهما قائم بنفسه، وإن اشتركا فى بعض المواضع.
وقد أدخل قوم الدعاء الذى هو النّداء، فى باب الأمر، قالوا: لأنك إذا قلت:
يا رجل، فكأنك قلت: تنبّه واسمع، فجعلوا المعانى ثلاثة، وليس قول هؤلاء بشىء، لأنك إذا قلت: يا زيد، لم تقل (٤): أمرته ولا نهيته.
стр. 641
وقال قوم: الجزاء قسم آخر، إذا قلت: من يأتنى آته. وقال قوم: التعجّب قسم آخر، إذا قلت: ما أحسن زيدا، وقال آخرون: تعظيم الله قسم آخر، إذا قلت: لا إله إلا الله، وقالوا: العرض قسم آخر، إذا قلت: ألا تنزل عندنا، وقالوا: التحضيض قسم آخر، إذا قلت: هلاّ صنعت كذا، وقالوا: التمنّى قسم آخر، إذا قلت: ليت لى مالا.
وأقول: إن هذا كلّه يرجع إلى ما قدّمت ذكره، إلا التمنّى، لأنه إذا قال: من يأتنى آته، فقد أخبر، وإذا قال: ما أحسن زيدا، فقد أخبر أن زيدا حسن جدّا، وإذا قال: لا إله إلا الله، سبحان الله، فقد أخبر بأنه يعترف بذلك، وأنه من أهل هذه المقالة، وإذا قال: ألا تنزل عندنا، فلفظه لفظ الاستفهام ومعناه الطّلب، فكأنه قال: انزل عندنا.
وأما التحضيض فإنه داخل فى حيّز الأمر، وأدوات التحضيض: هلاّ وألا ولولا ولوما، واختصاصه بالفعل كاختصاص الشّرط بالأفعال، تقول: هلاّ أكرمت زيدا، ولولا تعطى جعفرا، وفى التنزيل: ﴿لَوْ ما تَأْتِينا بِالْمَلائِكَةِ﴾ (١)، وقال عنترة (٢):
هلاّ سألت الخيل يا ابنة مالك ... إن كنت جاهلة بما لم تعلمى
أراد: هلاّ سألت الخيل بما لم تعلمى، أى عمّا لم تعلمى، ومثل تأدية الباء هاهنا معنى «عن» تأديتها فى قوله تعالى: ﴿الرَّحْمنُ فَسْئَلْ بِهِ خَبِيراً﴾ (٣) أى فسل عنه خبيرا.
ويجوز حذف الفعل من هذا الضّرب، إذا دلّ عليه دليل حال، أو دليل لفظ،
стр. 642
فدليل الحال كقولك لمن تراه يعطى: هلاّ زيدا، تريد: هلاّ تعطى زيدا، ولمن تراه يضرب: لولا خالدا، تريد: لولا تضرب خالدا، ودليل اللفظ كقول الشاعر:
تعدّون عقر النّيب أفضل مجدكم ... بنى ضوطرى لولا الكمىّ المقنّعا (١)
أراد: لولا عددتم أو تعدّون الكمىّ، وإن شئت قدّرت: لولا عقرتم أو تعقرون، بدلالة العقر عليه.
وقد جاء التوبيخ بلفظ التحضيض فى قوله: ﴿لَوْلا جاؤُ عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَداءَ﴾ (٢).
وأما التمنّى فزعم قوم أنه داخل فى الخبر، لأنه إذا قال: ليت لى مالا، فقد أخبر بأنه تمنّى ذلك، فكأنه قال: وددت أنّ لى مالا، وليس الأمر عندى على ما قالوا، لأن التمنّى مما أجابته العرب بالفاء، كما أجابوا الأمر والنهى والاستفهام، كما
стр. 643
جاء فى التنزيل: ﴿يا لَيْتَنِي كُنْتُ مَعَهُمْ فَأَفُوزَ فَوْزاً عَظِيماً﴾ (١) والفاء لا يجاب بها الخبر الموجب إلا فى ضرورة شعر، كقوله:
سأترك منزلى لبنى تميم ... وألحق بالحجاز فأستريحا (٢)
ويقوّى ذلك أنك لو قلت: ليت لى مالا، لما عورضت بتصديق ولا تكذيب، فقد خرج التمنّى عن حيّز الخبر بهذين.
ومن التمنّى قوله تعالى، حاكيا عن الكفار: ﴿فَلَوْ أَنَّ لَنا كَرَّةً فَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (٣) /فالنصب فى قوله: ﴿فَنَكُونَ﴾ يحتمل وجهين، أحدهما: أن يجعل ﴿فَنَكُونَ﴾ جوابا مثل ﴿فَأَفُوزَ﴾ (٤) والآخر أن يكون معطوفا على المصدر الذى هو ﴿كَرَّةً﴾ كأنه قيل: فلو أنّ لنا أن نكرّ إلى الدنيا فنكون من المؤمنين، ومثل ذلك فى عطف الفعل المنصوب بأن مضمرة، على مصدر، قول امرأة أعرابية (٥) من نساء معاوية، اشتاقت أهلها:
للبس عباءة وتقرّ عينى ... أحبّ إلىّ من لبس الشّفوف
الشّفوف: الثّياب الرّقاق، واحدها شفّ، وإنما أضمروا فى هذا النحو
стр. 644
«أن» ليوافق المعطوف المعطوف عليه، فى الاسمية.
والتحضيض كالتمنّى، فى إجابته بالفاء، فى قوله: ﴿لَوْلا أَخَّرْتَنِي إِلى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُنْ﴾ «وأكون» ﴿مِنَ الصّالِحِينَ﴾ (١) كما أجيب بها التمنّى فى قوله: ﴿فَأَفُوزَ﴾ - و- ﴿فَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ وقوله: «وأكون» ممّا انفرد به أبو عمرو (٢)، فأمّا من قرأ: ﴿وَأَكُنْ﴾ فإنه جزمه بالعطف على موضع فأصّدّق، ألا ترى أن الفاء إذا حذفت من هذا النحو، انجزم الفعل، كقولك: زرنى أكرمك، وكما قال تعالى:
﴿ذَرْهُمْ يَأْكُلُوا وَيَتَمَتَّعُوا﴾ (٣) -و- ﴿أَرْسِلْهُ مَعَنا غَداً﴾ «نرتع ونلعب» (٤) ومثله فى الجزم بالعطف على الموضع، قراءة حمزة والكسائىّ: ﴿مَنْ يُضْلِلِ اللهُ فَلا هادِيَ لَهُ وَيَذَرُهُمْ﴾ (٥) جزما ﴿يَذَرُهُمْ﴾ لأنهما عطفاه على موضع ﴿فَلا هادِيَ لَهُ﴾ ومثله قول الشاعر (٦):
فأبلونى بليّتكم لعلّى ... أصالحكم وأستدرج نويّا
جزم «أستدرج» بالعطف على موضع «لعلّى أصالحكم» ألا ترى أنه لو حذف لعلّى انجزم «أصالحكم» جوابا للأمر.
стр. 645
وقوله: «نويّا» قلب ألف «النّوى» ياء لمّا أضافها إلى ياء المتكلّم، وإنما فعل ذلك بعض العرب، لأن إضافة الاسم إلى ياء المتكلم توجب كسر ما قبل الياء، ولمّا لم يصحّ تحريك الألف جعلوا قلبها إلى الياء عوضا من الكسرة التى/تقتضيها ياء المتكلم، وعلى هذا قرأ بعض القراء: «فمن تبع هدىّ» (١) و «قال هى عصىّ» (٢) و ﴿يا بُشْرى هذا غُلامٌ﴾ (٣) وعليه أنشدوا لأبى ذؤيب (٤):
سبقوا هوىّ وأعنقوا لهواهم ... فتخرّموا ولكلّ جنب مصرع
والنّوى من الكلم المؤنّثة، لأن معناها النّية التى ينويها المفارق، طالبا للمكان الشاطّ، وسمع الأصمعىّ منشدا ينشد:
فما للنّوى جدّ النّوى قطع النّوى ... كذاك النّوى قطّاعة للقرائن (٥)
فقال: لو قيّض لهذا البيت شاة لأتت عليه. انقضى الكلام فى معانى الكلام.
...
стр. 646
فصل (١)
كتب إلىّ رجل من أماثل كتّاب العجم، يسأل عن هذا البيت، أصحيح إعرابه أم فاسد؟ وذكر أنه لشاعر أصفهانىّ (٢) من أهل هذا العصر، وهو:
يؤلّل عصلا لا بناهنّ هينة ... ضعافا ولا أطرافهنّ نوابيا
رفع «بناهنّ» بلا، ونصب «هينة» بأنه خبرها، وإنما فعل [ذلك (٣)] لينصب القافية، لأنه لمّا أعمل «لا» الأولى هذا العمل، أعمل «لا» الثانية عمل الأولى، ولحّنه فى هذا نحويّ من أهل أصفهان، لأنه جعل اسم لا معرفة، وقال: إنّ من شبّه لا بليس [من العرب (٤)] رفعوا بها النكرة دون المعرفة.
فأجبت عن هذا بأنى وجدت قوما من النحويين معتمدين على أن «لا» المشبهة بليس، إنما ترفع النّكرات خاصّة، كقولك: لا رجل حاضرا، ولم يجيزوا: لا الرجل حاضرا، كما يقال: ليس الرجل حاضرا، وعلّلوا هذا بأن «لا» ضعيفة فى باب العمل، لأنّها إنما تعمل بحكم الشّبه، لا بحكم الأصل فى العمل، والنكرة ضعيفة
стр. 647
جدّا، فلذلك لم يعمل العامل الضعيف إلا فى النّكرات، كقولك: عشرون رجلا، / ولى مثله فرسا، وزيد أحسنهم أدبا، فلما كانت «لا» أضعف العاملين (١)، والنكرة أضعف المعمولين، خصّوا الأضعف بالأضعف، وجاء فى شعر أبى الطيب أحمد بن الحسين إعمال «لا» فى المعرفة فى قوله (٢):
إذا الجود لم يرزق خلاصا من الأذى ... فلا الحمد مكسوبا ولا المال باقيا
ووجدت أبا الفتح عثمان بن جنّى غير منكر لذلك، فى تفسيره لشعر المتنبى، ولكنه قال بعد إيراد البيت: شبّه «لا» بليس، فنصب بها الخبر.
وأقول: إن مجيء مرفوع «لا» منكورا فى الشعر القديم هو الأعرف، إلا أنّ خبرها كأنهم ألزموه الحذف، وذلك فى قول سعد بن مالك بن ضبيعة:
من صدّ عن نيرانها ... فأنا ابن قيس لا براح (٣)
أراد: لا براح لى، أو عندى، وفى قول رؤبة (٤) بن العجاج:
والله لولا أن يحشّ الطّبّخ ... بى الجحيم حين لا مستصرخ
أراد: لا مستصرخ لى، ومرّ بى بيت للنابغة الجعدىّ، فيه مرفوع «لا» معرفة (٥)، وهو:
стр. 648
وحلّت سواد القلب لا أنا مبتغ ... سواها ولا عن حبّها متراخيا (١)
وقبله:
دنت فعل ذى حبّ فلما تبعتها ... تولّت وردّت حاجتى فى فؤاديا
وبعده (٢):
وقد طال عهدى بالشّباب وظلّه ... ولاقيت أيّاما تشيب النّواصيا
وإنما ذكرت هذين البيتين، مستدلاّ بهما على نصب القافية، لئلا يتوّهم متوهّم، أن البيت فرد مصنوع، لأن إسكان الياء فى قوله «متراخيا» ممكن مع تصحيح الوزن، على أن يكون البيت من الطويل (٣) الثالث، مثل:
/أقيموا بنى النّعمان عنّا صدوركم ... وإلاّ تقيموا صاغرين الرّءوسا (٤)
وإذا صحّ نصب قافية البيت، فلا تخلوا [لا (٥)] الأولى أن تكون معملة أو ملغاة فإن كانت معملة، فمبتغ خبرها، وكان حقّه أن ينصب، ولكنه أسكن الياء فى موضع النصب، كما أسكنها الآخر فى قوله (٦):
كفى بالنّأى من أسماء كافى
стр. 649
وكان حقّه «كافيا» لأنه حال بمنزلة المنصوب فى قوله تعالى: ﴿وَكَفى بِاللهِ وَلِيًّا وَكَفى بِاللهِ نَصِيراً﴾ (١) ومثله فى إسكان الياء فى موضع النصب، قول الفرزدق (٢):
يقلّب رأسا لم يكن رأس سيّد ... وعينا له حولاء باد عيوبها
قال: «باد»، وكان حقّه: باديا، إتباعا لقوله: «عينا» ولا يجوز أن يكون «عيوبها» مبتدأ وخبره «باد» لأنه لو أراد ذلك لزمه أن يقول: بادية، ألا ترى أنك لو قدّمت العيوب، لم يصحّ أن تقول: عيوبها باد، كما لا تقول: الرجال جالس، وإذا كان كذلك فالنصب فى قوله: «متراخيا» بالعطف على مبتغ، لأنه منصوب الموضع فكأنه قال: لا أنا مبتغيا سواها، ولا متراخيا عن حبها.
فإن جعلت «لا» الأولى ملغاة كان قوله: «أنا مبتغ» مبتدأ وخبرا، ولزمك أن تعمل الثانية، ويكون اسمها محذوفا، تقديره: ولا أنا عن حبّها متراخيا، وحسن حذفه لتقدّم ذكره.
فإن قيل: فهل يجوز أن يكون قوله: «متراخيا» حالا، والعامل فيه الظرف الذى هو «عن» كما يعمل الظرف فى الحال، إذا قلنا: زيد فى الدار جالسا؟
قيل: لا يجوز ذلك، لأن «عن» ظرف ناقص، وإنما يعمل فى الحال الظرف التامّ، ألا ترى أن قولك: زيد فى الدار، كلام مفيد، ولو قلت: زيد عنك راحلا، ومحمد فيك راغبا، لم يجز، لأنك لو أسقطت راحلا وراغبا، فقلت: زيد عنك، ومحمد فيك، لم يكن كلاما مفيدا، فإذن لا يصحّ إلا أن ترفع راحلا وراغبا، وتعلّق الجارّين بهما.
/ووجدت بعد انقضاء هذه الأمالى، فى كتاب عتيق يتضمّن المختار من شعر الجعدىّ: «لا أنا باغيا سواها» فهذه الرواية تكفيك تكلّف الكلام على «مبتغ».
стр. 650
فأما قوله: «يؤلّل عصلا» فمعنى يؤلّل: يحدّد أنيابا عصلا، والعصل: شدّة الناب مع اعوجاج فيه، وهو ناب أعصل.
والبنى: جمع بنية، يريد أصول الأنياب. وقوله: «هينة» مخفّف هيّنة، كقولهم فى ميّت: ميت، وكما جاء فى الحديث: «المؤمن هين لين (١)».
والنّوابى: من قولهم: نبا السّيف ينبو: إذا ضربت به فرجع إليك، ولم يعمل فى الضّربية.
وقول رؤبة: «يحشّ الطّبّخ» يقال: حششت النار أحشّها: إذا أذكيتها، والطّبّخ: واحدهم: طابخ، كساجد وسجّد، وراكع وركّع، شبّه ملائكة النار بالطّبّاخين.
وقوله: «حين لا مستصرخ» أى حين لا أحد هناك يستصرخ، كما يوجد ذلك فى الدنيا.
وقول سعد بن مالك: «وضعت أراهط» ذكر «أراهط» أبو علىّ، فى باب ما جاء بناء جمعه على غير بناء واحده (٢)، كقولهم فى جمع باطل: أباطل وأباطيل، كأنه جمع إبطال أو إبطيل، وأراهط كأنه جمع أرهط، قال: وأفعل لم يستعمل
стр. 651
عنده فى هذا [قوله: عنده، يعنى سيبويه. وقوله: وأفعل لم يستعمل فى هذا (١)] يعنى أنه لم يثبت عنده أنهم جمعوا الرّهط الذى هو العصابة دون العشرة على أرهط، ولكنهم استعملوا الأرهط فى الرّهط الذى هو أديم تلبسه الحائض، يكون قدره ما بين السّرّة إلى الرّكبة.
وغير سيبويه قد حكى فى الرّهط الذى هو العصابة أنهم جمعوه على أرهط، وجمعوا الأرهط على الأراهط، كما جمعوا الكلب على الأكلب، ثم جمعوا الأكلب على الأكالب.
وممّا جمعوه على غير القياس: «حديث» قالوا فى جمعه: أحاديث (٢)، وأحاديث كأنه جمع إحداث، كإعصار وأعاصير، ولا يجوز أن يكون أحاديث جمع أحدوثة، /كأغلوطة وأغاليط، لأنهم قد قالوا: حديث النبىّ، وأحاديث النبىّ ﵌، ولم يقولوا: أحدوثة النبىّ.
وممّا جمعوه على غير القياس قولهم فى جمع الرّبّى، وهى الشاة التى تحبس للّبن، وقيل: الحديثة العهد بالولاد: رباب، مضموم الأول، ومثله قولهم فى جمع التّوأم وهو الذى يولد مع آخر: تؤام، وفى جمع الظّئر وهى الدّاية: ظؤار، وفى جمع الثّنيّ: ثناء، وهو ولد الشاة إذا دخل فى السنة الثانية، والبعير إذا ألقى ثنيّته، وذلك إذا دخل فى السنة السادسة، وفى جمع الرّخل: رخال وهى الأنثى من أولاد الضّأن، وفى جمع النّفساء، وهى المرأة التى وضعت: نفاس، وقيل أيضا:
نفاس، بكسر أوله، والنّفاس أيضا بالكسر: ولادها. . . تم المجلس.
[آخر الجزء الأول من أمالى ابن الشجري، ﵀، بتجزئة محققه، غفر الله له، ويليه الجزء الثانى وأوله: المجلس السادس والثلاثون].
...
стр. 652
[الجزء الثاني]
المجلس السادس والثلاثون
[مسائل:]
/ يذكر فيه، وفيما يليه المسائل (١) الواردة من الموصل، وهى ثمانى مسائل:
[المسألة:] الأولى:
السؤال عن الراجع إلى «القتال» من خبره، فى قول الشاعر (٢):
فأمّا القتال لا قتال لديكم ... ولكنّ سيرا فى عراض المواكب
وعن معنى البيت.
[المسألة:] الثانية:
السؤال عن قول الله تعالى: ﴿قُلْ أَرَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتاكُمْ عَذابُ اللهِ﴾ (٣) لم لم يجمع الضمير الذى هو التاء فى ﴿أَرَأَيْتَكُمْ﴾ ولم يثنّ فى أرأيتكما؟
[المسألة:] الثالثة:
السؤال عن حدّ الاسم الذى يسلم من الطّعن.
[المسألة:] الرابعة:
السؤال عن وجه رفع «الشّرّ» ونصبه، ونصب «الماء» ورفعه فى قول الشاعر (٤):
стр. 653
فليت كفافا كان خيرك كلّه ... وشرّك عنّى ما ارتوى الماء مرتوى
[المسألة:] الخامسة:
السّؤال عن «مزيّن» تصغير أىّ شيء هو؟
[المسألة:] السادسة:
/ السؤال عن العلّة الموجبة لفتح التاء فى «أرأيتكم» وهو لجماعة
[المسألة:] السابعة:
السؤال عن العامل فى «إذا» من قول الشاعر:
وبعد غد يا لهف نفسى من غد ... إذا راح أصحابى ولست برائح (١)
[المسألة:] الثامنة:
السؤال عن تبيين إعراب قول أبى على: «أخطب ما يكون الأمير (٢) قائما، وشربى السّويق ملتوتا».
[الجواب:]
[الجواب عن المسألة الأولى:]
بتوفيق الله وحسن تسديده، عن المسألة الأولى:
إنّ الجملة المركبة من «لا» واسمها وخبرها، وقعت خبرا عن القتال، فى قوله:
فأمّا القتال لا قتال لديكم
وهى عارية عن ضمير عائد منها إلى المبتدأ، وإنما جاز ذلك، لأن اسم «لا» نكرة شائعة مستغرقة للجنس المعرّف بالألف واللام، فقتال المنكور مشتمل على القتال الأول، ألا ترى أنك إذا قلت: لا إله إلاّ الله، عمّت لفظة «إله» جميع ما يزعم المبطلون أنه مستحقّ لإطلاق هذه اللفظة عليه، وليس يجرى قولك: لا رجل فى الدار، إذا رفعت، مجرى قولك: لا رجل فى الدار، إذا ركّبت، لأنك إذا قلت:
لا رجل فى الدار، جاز أن تعقبه بقولك: بل رجلان، وبل ثلاثة، ولا يجوز ذلك مع تركيب «لا» لأنك إذا رفعت فإنما نفيت واحدا، وإذا ركّبت فإنما نفيت الجنس
стр. 654
أجمع، وإذا عرفت هذا فدخول القتال الأول تحت الثانى يقوم مقام عود الضمير إليه، ومثل هذا البيت ما أنشده سيبويه (١):
ألا ليت شعرى هل إلى أم معمر ... سبيل فأما الصّبر عنها فلا صبرا
فالصبر من حيث كان معرفة داخل تحت الصبر المنفىّ، لشياعه بالتنكير، ونظير هذا أنّ قولهم: نعم الرجل زيد، فى قول من رفع زيدا بالابتداء، فأراد: /زيد نعم الرجل، يدخل فيه زيد تحت الرجل، لأن المراد بالرجل هاهنا الجنس، فيستغنى المبتدأ بدخوله تحت الخبر عن عائد إليه من الجملة، ويوضّح لك هذا أن قولك: زيد نعم الرجل، كلام مستقلّ، وقولك: زيد قام الرجل، كلام غير مستقلّ، وإن كان قولك: قام الرجل، جملة من فعل وفاعل، كما أن قولك: نعم الرجل كذلك، ولم يستقم قولك: زيد قام الرجل، حتى تقول: إليه أو معه، أو نحو ذلك، لكون الألف واللام فيه لتعريف العهد، فالمراد به واحد بعينه، والرجل فى قولك: زيد نعم الرجل، بمنزلة الإنسان فى قوله تعالى: ﴿إِنَّ الْإِنْسانَ لَفِي خُسْرٍ﴾ (٢) ألا ترى أنه استثنى منه ﴿الَّذِينَ آمَنُوا﴾ والاستثناء من واحد مستحيل، لا يصحّ إذا استثنيت واحدا من واحد، فكيف إذا استثنيت جمعا من واحد، ومثله: ﴿(وَإِنّا إِذا أَذَقْنَا الْإِنْسانَ مِنّا رَحْمَةً فَرِحَ بِها)﴾ (٣) والمراد بالإنسان هاهنا الناس كافة، فلذلك قال: ﴿وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ فَإِنَّ الْإِنْسانَ كَفُورٌ﴾.
стр. 655
وإذا كان الاسم المعرّف بالألف واللام نحو الرجل والإنسان، قد استوعب الجنس، فما ظنّك باسم الجنس المنكور المنفىّ فى قوله: «لا قتال لديكم» وقول الآخر: «فأمّا الصبر عنها فلا صبرا» والتنكير والنفى يتناولان من العموم مالا يتناوله التعريف والإيجاب، ألا ترى أن قولهم: ما أتاني من أحد، وقوله تعالى: ﴿ما سَبَقَكُمْ بِها مِنْ أَحَدٍ﴾ (١) متناول غاية العموم، ولو حاولت أن تقول: أتانى من أحد، كان ذلك داخلا فى باب استحالة الكلام.
ويشبه ما ذكرته من الاستغناء بدخول الاسم المبتدأ فى اسم العموم الذى بعده، عن عود ضمير إليه من الجملة، تكرير الاسم الظاهر مستغنى به عن ذكر المضمر، وذلك إذا أريد تفخيم الأمر وتعظيمه، كقول عديّ بن زيد:
/لا أرى الموت يسبق الموت شيء ... نغّص الموت ذا الغنى والفقيرا (٢)
واستغنى بإعادة ذكر الموت عن الهاء، لو قال مع صحّة الوزن: يسبقه، ومثله فى التنزيل: ﴿الْحَاقَّةُ. مَا الْحَاقَّةُ﴾ (٣) ﴿الْقارِعَةُ. مَا الْقارِعَةُ﴾ (٤) ﴿وَأَصْحابُ الْيَمِينِ ما أَصْحابُ الْيَمِينِ﴾ (٥) فالحاقّة مبتدأ، وقوله: ما الحاقّة: جملة من مبتدأ وخبر خالية من ضمير يعود على المبتدأ؛ لأن تكرير الظاهر أغنى عن الضمير العائد، فالتقدير:
أىّ شيء الحاقة؛ وكذلك: ما القارعة، وما أصحاب اليمين، التقدير فيهما: أىّ شيء القارعة، وأىّ شيء أصحاب اليمين، كما تقول: زيد رجل أىّ رجل، فاستغنى بتكرير الظاهر عن أن يقال: الحاقّة ما هي، والقارعة ما هي، وأصحاب اليمين ما هم. وإنما حسّن تكرير الاسم الظاهر فى هذا النحو، أنّ (٦) تكريره هو الأصل،
стр. 656
ولكنهم استعملوا المضمرات، فاستغنوا بها عن تكرير المظهرات، إيجازا واختصارا، فلما أرادوا الدلالة على التفخيم، جعلوا تكرير الظاهر أمارة لما أرادوه (١) [من ذلك.
وأما معنى البيت: فإنه أراد] ذمّ الذين خاطبهم فيه، فأراد: ليس عندكم قتال وقت احتياجكم إليه، ولا تحسنونه، وإنما عندكم أن تركبوا الخيل وتسيروا فى المواكب العراض.
وفى البيت حذف اقتضاه إقامة الوزن، لم يسأل عنه صاحب هذه المسائل، وهو حذف الفاء من جواب أمّا، وذلك أن «أمّا» حرف استئناف، وضع لتفصيل الجمل، وحكم الفاء بعده حكم (٢) الفعل، فى امتناعها من ملاصقة «أمّا» لأن الفاء إذا اتصلت بالجزاء صارت كحرف من حروفه، فكما لا يلاصق فعل الجزاء فعل الشرط، كذلك الفاء، ألا ترى أن الفاء فى قولك: إن يقم زيد فعمرو يكرمه، قد فصل بينها وبين الشرط زيد، وكذلك إذا قال: إن تقم فعمرو يكرمك، فقد فصل بين الشرط والفاء الضمير المستكنّ فيه، فلما تنزّلت «أمّا» منزلة الفعل الذى هو الشرط لم يجز أن تلاصقه الفاء.
فإن قال قائل: هل يجوز أن تكون هذه الفاء زائدة، فلذلك (٣) /جاز حذفها فى الشعر.
قيل: لا تخلو أن تكون عاطفة أو زائدة أو جزاء (٤)، فلا يجوز أن تكون عاطفة، لدخولها على خبر المبتدأ، وخبر المبتدأ لا يعطف على المبتدأ، ولا يجوز أن تكون زائدة، لأن الكلام لا يستغنى عنها فى حال السّعة، فلم يبق إلا أن تكون جزاء.
стр. 657
وهى حرف وضع لتفصيل الجمل، وقطع ما قبله عما بعده عن العمل، وأنيب (١) عن جملة الشرط وحرفه، فإذا قلت: أمّا زيد فعاقل، فالمعنى والتقدير عند النحويين: مهما يكن من شيء فزيد عاقل، فاستحقّ بذلك جوابا، وجوابه جملة تلزمها الفاء، إمّا أن تكون مبتدئيّة أو فعليّة، والفعليّة إما أن تكون خبريّة أو أمريّة أو نهييّة.
ولا بدّ أن يفصل بين «أمّا» وبين الفاء فاصل، مبتدأ أو مفعول أو جارّ ومجرور، فالمبتدأ كقولك: أمّا زيد فكريم، وأما بكر فلئيم، والمفعول كقولك: أمّا زيدا فأكرمت، وأما عمرا فأهنت، والجارّ والمجرور، كقولك: أمّا فى زيد فرغبت، وأمّا على بكر فنزلت، ومثال [وقوع (٢)] الجملة الأمرية قولك: أما محمدا فأكرم (٣)، وأمّا عمرا فأهن، كأنّك قلت: مهما يكن من شيء فأكرم محمدا، ومهما يكن من شيء فأهن عمرا، ومثال النهى قولك: أمّا زيدا فلا تكرم، وأمّا عمرا فلاتهن، ومثله فى التنزيل: ﴿فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلا تَقْهَرْ. وَأَمَّا السّائِلَ فَلا تَنْهَرْ﴾ (٤).
ومثال فصلك بالجارّ والمجرور، فى قولك: أمّا بزيد فامرر، قوله تعالى:
﴿وَأَمّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ﴾ (٥).
وإنما لم يجز أن تلاصق «أمّا» الفعل، لأن «أما» لما تنزّلت منزلة الفعل الشّرطى، والفعل لا يلاصق الفعل، امتنعت من ملاصقة الأفعال.
فإن قيل: فقد تقول: زيد كان يزورك، وعمرو ليس يعلم بك، فيلاصق كان وليس، الفعل.
стр. 658
فالجواب: أن الضمير المستتر فى كان وليس (١)، فاصل فى التقدير بينهما وبين ما يليهما، وهذا الفاصل يبرز إذا قلت: الزيدان كانا يزورانك، والعمران ليسا يلمّان بك، وكذلك حكم الجمع إذا قلت: كانوا وليسوا، وحكم (٢) الفاء حكم/الفعل فى امتناعها من ملاصقة «أمّا» لأن الفاء إذا اتصلت بالجزاء صارت كحرف من حروفه، فكما لا يلاصق الجزاء الشرط، كذلك الفاء، ألا ترى [أنّ (٣)] الفاء فى قولك: إن يقم زيد فعمرو يكرمه، قد فصل بينها وبين الشرط زيد، وكذلك إذا قلت: إن تقم فعمرو يكرمك، فقد فصل بين الشرط والفاء الضمير المستكنّ فيه، فلما تنزّلت «أمّا» منزلة الفعل الذى هو الشرط، لم يجز أن تلاصقه الفاء.
فإن قال قائل: هل يجوز أن تكون هذه الفاء زائدة، لحذفها فى الشّعر؟.
قيل: لا يخلو أن تكون عاطفة أو زائدة أو جزاء، فلا يجوز أن تكون عاطفة لدخولها على خبر المبتدأ، وخبر المبتدأ لا يعطف على المبتدأ، ولا يجوز أن تكون زائدة، لأن الكلام لا يستغنى عنها فى حال السّعة، فلم يبق إلا أن تكون جزاء.
وإذا عرفت هذا، فالفاء بعد «أمّا» لازمة؛ لما ذكرت لك من نيابة «أمّا» عن الشرط وحرفه، فإن حذفها الشاعر فللضرورة، كما جاز له حذفها من جواب الشرط، كقول عبد الرحمن بن حسان بن ثابت:
من يفعل الحسنات الله يشكرها ... والشرّ بالشرّ عند الله سيّان (٤)
كان الوجه أن يقول: فالله، ومثل حذفها من قوله:
стр. 659
فأمّا القتال لا قتال لديكم
حذفها من قول بشر بن أبى خازم (١):
وأمّا بنو عامر بالنّسار ... غداة لقوا القوم كانوا نعاما
ومع هذا التشديد فى حذف الفاء من جواب «أمّا» قد جاء حذفها فى التنزيل، ولكنه حذف كلا حذف، وإنما حسّن ذلك حتى جعله كطريق مهيع (٢)، حذفها مع ما اتصلت به من القول، لأن القول قد كثر حذفه (٣) فى التنزيل، لأنه جار فى/حذفه مجرى المنطوق به، فمن ذلك قوله: ﴿وَالْمَلائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بابٍ. سَلامٌ عَلَيْكُمْ﴾ (٤) أى يقولون سلام عليكم، ومثله: ﴿وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْراهِيمُ الْقَواعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْماعِيلُ رَبَّنا تَقَبَّلْ مِنّا﴾ (٥) أى يقولان (٦) ربّنا تقبّل منا، ومثله:
﴿وَلَوْ تَرى إِذِ الْمُجْرِمُونَ ناكِسُوا رُؤُسِهِمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ رَبَّنا أَبْصَرْنا وَسَمِعْنا﴾ (٧) والآية التى ورد فيها حذف الفاء قوله: ﴿يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ فَأَمَّا الَّذِينَ اِسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَكَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمانِكُمْ﴾ (٨) التقدير: فيقال لهم: أكفرتم بعد (٩) [إيمانكم] فحذفها هاهنا من أحسن الحذوف، وأجراها فى ميدان البلاغة.
стр. 660
والغالب على «أمّا» التكرير، كقوله تعالى: ﴿أَمَّا السَّفِينَةُ فَكانَتْ لِمَساكِينَ﴾ (١) ثم قال: ﴿وَأَمَّا الْغُلامُ فَكانَ أَبَواهُ مُؤْمِنَيْنِ﴾ ثم قال: ﴿وَأَمَّا الْجِدارُ فَكانَ لِغُلامَيْنِ﴾ وقد جاءت غير مكررة فى قوله: ﴿يا أَيُّهَا النّاسُ قَدْ جاءَكُمْ بُرْهانٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَأَنْزَلْنا إِلَيْكُمْ نُوراً مُبِيناً. فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا بِاللهِ وَاِعْتَصَمُوا بِهِ فَسَيُدْخِلُهُمْ فِي رَحْمَةٍ مِنْهُ وَفَضْلٍ﴾ (٢).
واعلم أن «أمّا» لمّا نزّلت منزلة الفعل نصبت، ولكنها لم تنصب المفعول به، لضعفها، وإنما نصبت الظرف الصحيح، كقولك: أمّا اليوم فإنى منطلق، وأمّا عندك فإنى جالس، وتعلّق بها حرف الظرف، فى نحو قولك: أمّا فى الدار فزيد نائم، وإنما لم يجز أن يعمل ما بعد الظرف فى الظرف، لأن ما بعد «إنّ» لا يعمل فيما قبلها، وعلى ذلك يحمل قول أبى على (٣): «أمّا على إثر ذلك فإنّى جمعت» ومثله قولك: أمّا فى زيد فإنى رغبت، ففى متعلقة بأمّا نفسها فى قول سيبويه وجميع النحويين، إلا أبا العباس المبرّد، فإنه (٤) زعم أن الجارّ متعلق برغبت، وهو قول مباين للصحّة، خارق للإجماع، لما ذكرته لك من أن «إنّ» تقطع ما بعدها عن العمل فيما قبلها، فلذلك أجازوا: زيدا جعفر ضارب، ولم يجيزوا: زيدا إنّ جعفرا ضارب.
/فإن قلت: أمّا زيدا فإنّى ضارب، فهذه المسألة فاسدة فى قول جميع النحويين، لما ذكرته لك من أن «أمّا» لا تنصب المفعول الصريح، وأنّ «إنّ»
стр. 661
لا يعمل ما بعدها فيما قبلها، وهو فى مذهب أبى العباس (١) جائز، وفساده واضح.
آخر المجلس ولله الحمد والمنّة.
...
стр. 662
المجلس السابع والثلاثون
[الجواب عن] المسألة الثانية:
أمّا مجىء الفاعل المضمر مفردا فى قوله: ﴿قُلْ أَرَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتاكُمْ عَذابُ اللهِ﴾ وكذلك فى التثنية إذا قلت (١): أرأيتكما، وفى خطاب جماعة النساء إذا قلت: أرأيتكنّ، فإنما أفرد الضمير فى هذا النحو، لأنه لو ثنّي وجمع، فقيل: أرأيتما كما وأ رأيتموكم، وأ رأيتنّكنّ، كان ذلك جمعا بين خطابين، ولا يجوز (٢) الجمع بين خطابين، كما لا يجوز الجمع بين استفهامين، ألا ترى أنك إذا قلت:
يا زيد، فقد أخرجته بالنداء من الغيبة إلى الخطاب، لوقوعه موقع الكاف من قولك: أدعوك وأناديك، فلذلك قال الشاعر (٣):
يا أيّها الذّكر الذي قد سؤتنى ... وفضحتنى وطردت أمّ عياليا
وكان القياس أن يقول: قد ساءنى وفضحنى وطرد، لأن الذى (٤) اسم غيبة،
стр. 663
ولكنه لما أوقع الذى صفة للذّكر، وقد وصف المنادى بالذكر، جاز له إعادة ضمائر الخطاب إليه، ويوضّح لك هذا أنك تقول: يا غلامى ويا غلامنا ويا غلامهم، ولا تقول:
يا غلامكم، لأنه جمع بين خطابين، خطاب النداء والخطاب بالكاف، فلذلك وحدّوا التاء فى التثنية والجمع، وألزموها الفتح فى الحالين، وفى خطاب المرأة إذا قلت: أرأيتك، لأنهم جرّدوها من الخطاب.
...
стр. 664
[الجواب عن] المسألة الثالثة
أما حدّ الاسم، فإنّ سيبويه (١) حدّ الفعل ولم يحدّ الاسم، لما يعتور حدّ الاسم من/الطّعن، وعوّل على أنه إذا كان الفعل محدودا والحرف محصورا معدودا فما فارقهما فهو اسم.
وحدّ بعض النحويين المتأخرين (٢) الاسم، فقال: الاسم كلمة تدلّ على معنى فى نفسها، غير مقترنة بزمان محصّل، وإنما قال: تدلّ على معنى فى نفسها، تحرّزا من الحرف، لأن الحرف يدلّ على معنى فى غيره، وقال: غير مقترنة بزمان، تحرّزا من الفعل، لأن الفعل وضع ليدلّ على الزمان، ووصف الزمان بمحصّل، ليدخل فى الحدّ أسماء الفاعلين وأسماء المفعولين والمصادر، من حيث كانت هذه الأشياء دالّة على الزمان، لاشتقاق بعضها من الفعل، وهو اسم الفاعل واسم المفعول، واشتقاق الفعل من بعضها، وهو المصدر، إلا أنها تدلّ على زمان مجهول، ألا ترى أنك إذا
стр. 665
قلت: ضربى زيدا شديد، احتمل أن يكون الضرب قد وقع، وأن يكون متوقّعا، وأن يكون حاضرا.
ومما اعترض به على هذا الحدّ قولهم: آتيك مضرب الشّول (١)، ومقدم الحاج، وخفوق النّجم (٢)، لدلالة هذه الأسماء على الزمان، مع دلالتها على الحدث الذى هو الضّراب والقدوم والخفقان، فقد دلّت على معنيين.
وأسلم حدود الاسم من الطعن قولنا: الاسم ما دلّ على مسمّى به دلالة الوضع (٣).
وإنما قلنا: ما دلّ، ولم نقل: كلمة تدل، لأننا وجدنا من الأسماء ما وضع من كلمتين، كمعدى كرب، وأكثر من كلمتين كأبى عبد الرحمن.
وقلنا: دلالة الوضع، تحرّزا مما دلّ دلالتين، دلالة الوضع ودلالة الاشتقاق، كمضرب الشّول وأخويه، وذلك أنهن وضعن ليدللن على الزمان فقط، ودللن على اسم الحدث، لأنهن اشتققن منه، فلسن كالفعل فى دلالته على الحدث والزمان، لأن الفعل وضع ليدلّ على هذين المعنيين معا.
فقولنا: دلالة الوضع، يزيح عن هذا الحدّ اعتراض من اعترض على الحدّ الأول، بمضرب الشّول وأخويه.
وإذا تأملت/الأسماء كلّها حقّ التأمل، وجدتها لا يخرج شيء منها عن هذا الحدّ، على اختلاف ضروبها، فى الإظهار والإضمار، وما كان واسطة بين المظهر
стр. 666
والمضمر، وذلك أسماء الاشارة، وعلى تباين الأسماء فى الدلالة على المسمّيات، من الأعيان والأحداث، وما سمّيت به الأفعال، من نحو صه وإيه ورويد وبله وأفّ وهيهات، فالمسمّى بصه: قولك: اسكت، وبإيه: حدّث، وبرويد: أمهل وببله: دع (١)، وبأفّ: أتضجّر، وبهيهات: بعد، وكذلك ما ضمّن معنى الحرف، نحو متى وأين وكم وكيف، فمتى وضع ليدلّ على الأزمنة، وأين على الأمكنة، وكم على الأعداد، وكيف على الأحوال.
وهذه الكلم ونظائرها من نحو من وما وأيّان وأنّى، مما طعن به على الحدّ الأول، لقول قائله: كلمة تدلّ على معنى فى نفسها، فقال الطاعن: إنّ كلّ واحد من هذه الأسماء قد دلّ على الاستفهام أو الشرط، وعلى معنى آخر، كدلالة أين على المكان، وعلى الاستفهام أو الشرط، وكذلك متى ومن وما، فقد دلّ الاسم منها على معنيين، كدلالة الفعل على معنيين، الزمان المعيّن والحدث.
وليس لمعترض أن يعترض بهذا على الحدّ الذى قرّرناه، لأننا قلنا: ما دلّ على مسمّى به دلالة الوضع، ولم نقل: ما دلّ على معنى.
...
стр. 667
[الجواب عن] المسألة الرابعة
السؤال عن قول الشاعر، وهو يزيد بن الحكم الثّقفىّ:
فليت كفافا كان خيرك كلّه ... وشرّك عنى ما ارتوى الماء مرتوى
تعريب هذا البيت قد تقدّم فيما سلف (١) من الأمالى، ولكنّا أعدنا تعريبه هاهنا لزيادة فائدة وإيضاح مشكل، ولكونه فى جملة المسائل الواردة.
فنقول: إن اسم ليت محذوف، وهو ضمير الشأن والحديث، وحذفه مما /لا يسوغ إلا فى الضّرورة، ومثله:
فليت دفعت الهمّ عنّى ساعة ... فبتنا على ما خيّلت ناعمى بال (٢)
ألا ترى أن «ليت» لا تباشر الأفعال، فلو لم يكن التقدير: فليته، لم تجز ملاصقته للفعل، ومن ذلك قول الآخر (٣):
إنّ من لام فى بنى بنت حسّا ... ن ألمه وأعصه فى الخطوب
انجزام «ألمه» دلّ على أن «من» شرطية، وإذا كانت شرطية، لم يكن بدّ من الفصل بينها وبين إنّ، لأن أسماء الشرط حكمها حكم أسماء الاستفهام، فى أن
стр. 668
العامل فيها يقع بعدها، كقولك: أيّهم تكرم أكرم، كما تقول إذا استفهمت: أيّهم أكرمت؟ ونظير ذلك قول الآخر:
إنّ من يدخل الكنيسة يوما ... يلق فيها جآذرا وظباء (١)
وأنشد سيبويه (٢):
ولكنّ من لا يلق أمرا ينوبه ... بشكّته ينزل به وهو أعزل
الأعزل: الذى لا سلاح معه، وعلى هذا قول أبى الطيب أحمد بن الحسين:
وما كنت ممّن يدخل العشق قلبه ... ولكنّ من يبصر جفونك يعشق (٣)
وإذا عرفت هذا، فإن كفافا خبر كان، وخيرك: اسمها، وكله: توكيد له، والجملة التى هى كان واسمها وخبرها: خبر ليت، فالتقدير: ليته، أى ليت الشأن كان خيرك كلّه كفافا عنّى، أى كافّا.
ومن روى: «وشرّك» رفعه بالعطف على قوله: «خيرك» فدخل فى حيّز كان، فكأنه قال: وكان شرّك، فغير أبى علي يقدّر خبر كان المضمر محذوفا، دلّ
стр. 669
عليه خبر كان المظهر، ويقدّر المحذوف بلفظ المذكور (١)، وهو القياس، ونظير ذلك فى حذف الخبر لدلالة الخبر الآخر عليه، وهما من لفظ واحد، قول الشاعر (٢):
/نحن بما عندنا وأنت بما ... عندك راض والرأى مختلف
أراد: نحن بما عندنا راضون، فحذفه لدلالة راض عليه، ومثله فى دلالة أحد الخبرين على الآخر، فى التنزيل: ﴿وَاللهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ﴾ (٣) التقدير: والله أحقّ أن يرضوه، ورسوله أحقّ أن يرضوه، ولو كان خبرا عنهما لكان: يرضوهما (٤).
فالتقدير على هذا: وكان شرّك كفافا، وهذا على أن يكون «ارتوى» مسندا إلى مرتوى.
وذهب أبو عليّ (٥) إلى أن الخبر مرتو، وكان حقّه مرتويا، ولكنه أسكن الياء
стр. 670
لإقامة الوزن والقافية، وهو من الضّرورات المستحسنة، لأنه ردّ حالة إلى حالتين، أعنى أن الشاعر حمل حالة النصب على حالة الرفع والجرّ، ومثله قول الآخر (١):
كفى بالنّأى من أسماء كافى
وقوله (٢):
يا دار هند عفت إلاّ أثافيها
وحسن الإخبار عن الشّرّ بمرتو، لأن الارتواء يكفّ الشارب عن الشرب، فجاز لذلك تعليق عنّى بمرتوى، كما يتعلّق بكافّ أو كفاف، فكأنه قال: وكان شرّك كافّا عنّى.
ومن قال: «وشرّك» بالنصب، حمله على ليت، ولا يجوز أن يكون محمولا على ليت المذكورة، لأن ضمير الشأن لا يصحّ العطف عليه لو كان ملفوظا به، فكيف وهو محذوف؟ وإذا امتنع حمله على ليت المذكورة، حملته على أخرى مقدّرة، وحسن ذلك، لدلالة المذكورة عليها، كما حسن حذف «كلّ» فيما أورده سيبويه، من قول الشاعر (٣):
أكلّ امرئ تحسبين امرأ ... ونار توقّد باللّيل نارا
أراد: وكلّ نار، فحذف «كلّ» وأعملها مقدّرة، كما كان يعملها