والمضمر، وذلك أسماء الاشارة، وعلى تباين الأسماء فى الدلالة على المسمّيات، من الأعيان والأحداث، وما سمّيت به الأفعال، من نحو صه وإيه ورويد وبله وأفّ وهيهات، فالمسمّى بصه: قولك: اسكت، وبإيه: حدّث، وبرويد: أمهل وببله: دع (١)، وبأفّ: أتضجّر، وبهيهات: بعد، وكذلك ما ضمّن معنى الحرف، نحو متى وأين وكم وكيف، فمتى وضع ليدلّ على الأزمنة، وأين على الأمكنة، وكم على الأعداد، وكيف على الأحوال.
وهذه الكلم ونظائرها من نحو من وما وأيّان وأنّى، مما طعن به على الحدّ الأول، لقول قائله: كلمة تدلّ على معنى فى نفسها، فقال الطاعن: إنّ كلّ واحد من هذه الأسماء قد دلّ على الاستفهام أو الشرط، وعلى معنى آخر، كدلالة أين على المكان، وعلى الاستفهام أو الشرط، وكذلك متى ومن وما، فقد دلّ الاسم منها على معنيين، كدلالة الفعل على معنيين، الزمان المعيّن والحدث.
وليس لمعترض أن يعترض بهذا على الحدّ الذى قرّرناه، لأننا قلنا: ما دلّ على مسمّى به دلالة الوضع، ولم نقل: ما دلّ على معنى.
...
стр. 667
[الجواب عن] المسألة الرابعة
السؤال عن قول الشاعر، وهو يزيد بن الحكم الثّقفىّ:
فليت كفافا كان خيرك كلّه ... وشرّك عنى ما ارتوى الماء مرتوى
تعريب هذا البيت قد تقدّم فيما سلف (١) من الأمالى، ولكنّا أعدنا تعريبه هاهنا لزيادة فائدة وإيضاح مشكل، ولكونه فى جملة المسائل الواردة.
فنقول: إن اسم ليت محذوف، وهو ضمير الشأن والحديث، وحذفه مما /لا يسوغ إلا فى الضّرورة، ومثله:
فليت دفعت الهمّ عنّى ساعة ... فبتنا على ما خيّلت ناعمى بال (٢)
ألا ترى أن «ليت» لا تباشر الأفعال، فلو لم يكن التقدير: فليته، لم تجز ملاصقته للفعل، ومن ذلك قول الآخر (٣):
إنّ من لام فى بنى بنت حسّا ... ن ألمه وأعصه فى الخطوب
انجزام «ألمه» دلّ على أن «من» شرطية، وإذا كانت شرطية، لم يكن بدّ من الفصل بينها وبين إنّ، لأن أسماء الشرط حكمها حكم أسماء الاستفهام، فى أن
стр. 668
العامل فيها يقع بعدها، كقولك: أيّهم تكرم أكرم، كما تقول إذا استفهمت: أيّهم أكرمت؟ ونظير ذلك قول الآخر:
إنّ من يدخل الكنيسة يوما ... يلق فيها جآذرا وظباء (١)
وأنشد سيبويه (٢):
ولكنّ من لا يلق أمرا ينوبه ... بشكّته ينزل به وهو أعزل
الأعزل: الذى لا سلاح معه، وعلى هذا قول أبى الطيب أحمد بن الحسين:
وما كنت ممّن يدخل العشق قلبه ... ولكنّ من يبصر جفونك يعشق (٣)
وإذا عرفت هذا، فإن كفافا خبر كان، وخيرك: اسمها، وكله: توكيد له، والجملة التى هى كان واسمها وخبرها: خبر ليت، فالتقدير: ليته، أى ليت الشأن كان خيرك كلّه كفافا عنّى، أى كافّا.
ومن روى: «وشرّك» رفعه بالعطف على قوله: «خيرك» فدخل فى حيّز كان، فكأنه قال: وكان شرّك، فغير أبى علي يقدّر خبر كان المضمر محذوفا، دلّ
стр. 669
عليه خبر كان المظهر، ويقدّر المحذوف بلفظ المذكور (١)، وهو القياس، ونظير ذلك فى حذف الخبر لدلالة الخبر الآخر عليه، وهما من لفظ واحد، قول الشاعر (٢):
/نحن بما عندنا وأنت بما ... عندك راض والرأى مختلف
أراد: نحن بما عندنا راضون، فحذفه لدلالة راض عليه، ومثله فى دلالة أحد الخبرين على الآخر، فى التنزيل: ﴿وَاللهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ﴾ (٣) التقدير: والله أحقّ أن يرضوه، ورسوله أحقّ أن يرضوه، ولو كان خبرا عنهما لكان: يرضوهما (٤).
فالتقدير على هذا: وكان شرّك كفافا، وهذا على أن يكون «ارتوى» مسندا إلى مرتوى.
وذهب أبو عليّ (٥) إلى أن الخبر مرتو، وكان حقّه مرتويا، ولكنه أسكن الياء
стр. 670
لإقامة الوزن والقافية، وهو من الضّرورات المستحسنة، لأنه ردّ حالة إلى حالتين، أعنى أن الشاعر حمل حالة النصب على حالة الرفع والجرّ، ومثله قول الآخر (١):
كفى بالنّأى من أسماء كافى
وقوله (٢):
يا دار هند عفت إلاّ أثافيها
وحسن الإخبار عن الشّرّ بمرتو، لأن الارتواء يكفّ الشارب عن الشرب، فجاز لذلك تعليق عنّى بمرتوى، كما يتعلّق بكافّ أو كفاف، فكأنه قال: وكان شرّك كافّا عنّى.
ومن قال: «وشرّك» بالنصب، حمله على ليت، ولا يجوز أن يكون محمولا على ليت المذكورة، لأن ضمير الشأن لا يصحّ العطف عليه لو كان ملفوظا به، فكيف وهو محذوف؟ وإذا امتنع حمله على ليت المذكورة، حملته على أخرى مقدّرة، وحسن ذلك، لدلالة المذكورة عليها، كما حسن حذف «كلّ» فيما أورده سيبويه، من قول الشاعر (٣):
أكلّ امرئ تحسبين امرأ ... ونار توقّد باللّيل نارا
أراد: وكلّ نار، فحذف «كلّ» وأعملها مقدّرة، كما كان يعملها
стр. 671
لو ظهرت، فكأنه على هذا [المثل (١)] قال: وليت شرّك مرتو عنى، فمرتو فى هذا التقدير على ما يستحقّه من إسكان يائه، لكونه خبرا لليت، وعلى مذهب أبى عليّ فى كون مرتو خبرا لكان/أو لليت، يجوز فى الماء الرفع، ورفعه بتقدير حذف مضاف، أى ما ارتوى أهل الماء، كما جاء: ﴿وَسْئَلِ الْقَرْيَةَ﴾ (٢) أى أهل القرية، و ﴿حَتّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزارَها﴾ (٣) أى يضع أهل الحرب أسلحتهم، ومن كلامهم: «صلّى المسجد» (٤) أى أهل المسجد، و «ما زلنا نطأ السماء حتى أتيناكم» (٥) يريدون ماء السماء.
وقد كثر حذف المضاف جدّا، ممّا يشهد فيه ما أبقى على ما ألقى، كقول المرقّش:
ليس على طول الحياة ندم (٦)
أراد على فوت طول الحياة، وكقول الأعشى (٧):
ألم تغتمض عيناك ليلة أرمدا
أراد اغتماض ليلة أرمد، وأضاف الاغتماض المقدّر إلى الليلة، كما أضيف المكر
стр. 672
إلى الليل والنهار، فى قوله جل وعز: ﴿بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ﴾ (١) فانتصاب الليلة انتصاب المصدر، لا انتصاب (٢) الظرف، وكيف يكون انتصابها انتصاب الظرف مع قوله بعد:
وبتّ كما بات السّليم مسهّدا
وأجاز بعض المتأخرين أن يكون الماء رفعا، بأنه فاعل ارتوى، من غير تقدير مضاف، قال: وجاز وصف الماء بالارتواء للمبالغة، كما جاز وصفه بالعطش لذلك فى قوله (٣):
وجبت هجيرا يترك الماء صاديا
ومن نصب الماء متّبعا مذهب أبى على: أراد ما ارتوى الناس الماء، أى من الماء، أضمر الفاعل وحذف الخافض، فوصل الفعل فنصب، كما جاء فى التنزيل:
﴿وَاِخْتارَ مُوسى قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلاً﴾ (٤) أى من قومه، وجاء فيه حذف الباء من قوله: ﴿إِنَّما ذلِكُمُ الشَّيْطانُ يُخَوِّفُ أَوْلِياءَهُ﴾ (٥) أراد يخوّفكم بأوليائه، ودليل ذلك قوله: ﴿فَلا تَخافُوهُمْ وَخافُونِ﴾ وجاء حذف «على» من قوله: ﴿وَلا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكاحِ﴾ (٦).
ومثل إضمار الفاعل هاهنا ولم يتقدّم ذكر ظاهر يرجع الضمير إليه، ما حكاه سيبويه من قولهم (٧): «إذا كان غدا فأتنى»، أى إذا كان ما نحن فيه من الرخاء أو البلاء غدا.
стр. 673
/و «ما» فى قوله: «ما ارتوى» مصدريّة، وأبو طالب (١) العبدىّ لم يعرف فى هذا البيت إلا نصب الماء، ولم يتّجه له إلا إسناد ارتوى إلى مرتو، وذلك أنه قال:
معنى ما ارتوى الماء مرتو: ما شرب الماء شارب.
ثم قال: وأمّا ما ذكره الشيخ أبو على من قوله: وإن حملت العطف على كان، كان «مرتو» فى موضع نصب، وإن حملته على ليت، نصبت قوله:
«وشرّك» ومرتو مرفوع، فكلام لم يفسّره ﵀.
ثم قال: ومرّ بى بعد هذا فى تعليقى، كلام للشيخ أبى علىّ، أنا حاكيه على الوجه، وهو أنه أورد البيت، ثم قال بعد ايراده: ليت محمول على إضمار (٢) الحديث، وكفافا: خبر كان، فأمّا قوله: «وشرّك عنّى ما ارتوى الماء مرتوى» فقياس من أعمل الثانى أن يكون «شرّك» مرتفعا بالعطف على كان، ومرتو فى موضع نصب، إلا أنه أسكن فى الشعر، مثل:
كفى بالنّأى من أسماء كافى (٣)
ومن أعمل الأول نصب «شرّك» بالعطف على ليت، ومرتو فى موضع رفع، لأنه الخبر، وما ارتوى الماء: فى موضع نصب، ظرف، يعمل فيه مرتو، هذا ما ذكره أبو على.
ثم قال العبدىّ: وقد تقدّمت مطالبتى بفاعل ارتوى، وإذا ثبت ما ذكرته، علم أن الأمر على ما قلته، والمعنى عليه لا محالة، انتهى كلام العبدىّ.
стр. 674
وقد مرّ بى كلام لأبى علىّ فى «التذكرة»، يشير فيه إلى ما قاله العبدىّ.
واختيار أبى علىّ ما اختاره فى هذا البيت، من كون «مرتو» خبرا لكان، أو ليت، مع صحة إسناد ارتوى إلى مرتو، معنى وإعرابا، من مراميه البعيدة.
...
стр. 675
[الجواب عن] المسألة الخامسة
وأما «مزيّن» فلفظة تحتمل معنيين، لكلّ واحد منهما وزن غير وزن الآخر، أحدهما أن تكون عبارة عن مكبّر، ووزنه مفعّل، وهو اسم الفاعل من قولك: /زيّن يزيّن فهو مزيّن، كقولك: بيّن يبيّن فهو مبيّن.
والآخر أن تكون عبارة عن مصغّر، وزنه مفيعل، وهو مصغّر مزدان، ومزدان أصله مزتين، مفتعل من الزّينة، فقلبت ياؤه ألفا، لتحرّكها وانفتاح ما قبلها، فصار إلى مزتان، فكره اجتماع الزاى والتاء، لأنّ الزاى مجهور، والتاء حرف مهموس، فكرهوا التّنافر، فأبدلوا التاء دالا، لأن الدال توافق الزاى فى الجهر، وتقارب التاء فى المخرج، ولما أريد تصغير مزدان، وعدّة حروفه [خمسة (١)] اثنان زائدان، الميم والدال، ووجب (٢) أن يردّ إلى أربعة بحذف (٣) أحد الزائدين، لم يخل من أن تحذف الميم أو الدال، فكان حذف الدال أولى، لأمرين، أحدهما أن الميم تدلّ على اسم الفاعل، والحرف الدالّ على معنى أولى بالمحافظة عليه، والثانى أن الدال أقرب إلى الطّرف، والطّرف وما قاربه أحقّ بالحذف، ولمّا حذفت الدال بقى مزان، فقيل فى تصغيره: مزيّن، كقولك فى تصغير غراب: غريّب، فالضّمة التى فى المصغّر غير الضمة التى فى المكبّر، كما أن الضّمة التى فى أول بلبل تزول إذا قلت: بليبل.
...
стр. 676
[الجواب عن] المسألة السادسة
وأما فتح (١) التاء فى: أرأيتكم وأ رأيتكما وأ رأيتك يا هذه وأ رأيتكّن، فقد علمت أنك إذا قلت: رأيت يا رجل، فتحت التاء، وإذا قلت: رأيت يا فلانة، كسرتها، وإذا خاطبت اثنين أو اثنتين أو جماعة ذكورا أو إناثا، ضممتها، فقلت: رأيتما ورأيتم ورأيتنّ، وقد ثبت واستقر أن التذكير أصل للتأنيث، وأن التوحيد أصل للتثنية والجمع، فلما خصّوا الواحد المذكر المخاطب بفتح التاء، ثم جرّدوا التاء من الخطاب، فانفردت به الكاف فى أرأيتك، وأ رأيتك يا زينب، والكاف وما زيد عليها فى أرأيتكما وأ رأيتكم وأ رأيتكنّ، ألزموا التاء الحركة الأصلية، وذلك لما ذكرته لك من كون الواحد أصلا للاثنين وللجماعة، وكون/المذكّر أصلا للمؤنث، فاعرف هذا واحتفظ به.
стр. 677
[الجواب عن] المسألة السابعة
وأمّا قول الشاعر:
وبعد غد يا لهف نفسى من غد ... إذا راح أصحابى ولست برائح
فالعامل فى الظرف المصدر الذى هو اللهف، وإن جعلت «من» زائدة، على ما كان يراه أبو الحسن الأخفش من زيادتها فى الواجب (١)، وعليه حمل قوله تعالى:
﴿فَكُلُوا مِمّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ﴾ (٢) وقوله: ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصارِهِمْ﴾ (٣) فالتقدير فى هذا القول: يا لهف نفسى غدا، فإذا قدرت هذا جعلت إذا بدلا من غد، فهذان وجهان واضحان.
ولك وجه ثالث، وهو أن تعمل فى «إذا» معنى الكلام، وذلك أن قوله:
«يا لهف نفسى» لفظه لفظ النداء، ومعناه التوجّع، فإذا حملته على هذا، فالتقدير: أتأسّف وأتوجّع وقت رواح أصحابى وتخلّفى عنهم.
...
стр. 678
[الجواب عن] المسألة الثامنة
قول أبى على: «أخطب (١) ما يكون الأمير قائما» أخطب من باب أفعل الذى هو بعض ما يضاف إليه، كقولك: زيد أكرم الرجال، وحمارك أفره الحمير، والياقوت أفضل الحجارة، فزيد بعض الرجال، والحمار بعض الحمير، والياقوت بعض الحجارة، ولا تقول: الياقوت أفضل الزّجاج، لأنه ليس (٢) منه، كما لا تقول: حمارك أحسن الرجال، وإذا ثبت هذا، فإن «ما» التى أضيف إليها «أخطب» مصدريّة زمانية، كالتى فى قوله تعالى: ﴿خالِدِينَ فِيها ما دامَتِ السَّماواتُ﴾ (٣) أى مدّة دوام السموات، فقوله: أخطب ما يكون الأمير، تقديره: أخطب أوقات كون الأمير، كما قدّرت في الآية مدّة دوام السموات، أو مدد دوام السموات، فقد صار أخطب بإضافته/إلى الأوقات فى التقدير وقتا، لما مثّلته لك من كون أفعل هذا بعضا لما يضاف إليه، وإضافة الخطابة إلى الوقت توسّع وتجوّز، كما وصفوا الليل بالنوم، فى قولهم: نام ليلك، وذلك لكون النوم فيه، قال:
لقد لمتنا يا أمّ غيلان في السّرى ... ونمت وما ليل المطيّ بنائم (٤)
ومثله إضافة المكر إلى الليل والنهار فى قوله : ﴿بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ﴾ (٥) وإنما حسن إضافة المكر إليهما لوقوعه فيهما، والتقدير: بل مكركم فى الليل والنهار.
стр. 679
وإذا عرفت هذا، فأخطب مبتدأ محذوف الخبر، والحال التى هى «قائما» سادّة مسدّ خبره، فالتقدير: أخطب أوقات كون الأمير إذا كان قائما.
ولمّا كان أخطب مضافا إلى الكون لفظا، وإلى الأوقات تقديرا، وقد بيّنت لك أن أفعل هذا بعض لما يضاف إليه، وقد صار فى هذه المسألة وقتا وكونا، فجاز لذلك الإخبار عنه بظرف الزمان، الذى هو إذا الزمانية، وإذا كان «قائما» نصبا على الحال، فكان المقدّرة فى هذا النحو هى التامّة المكتفية بمرفوعها، التى بمعنى حدث ووقع ووجد، ولا يجوز أن تكون الناقصة، لأن الناقصة لا يلزم منصوبها التنكير، والمنصوب هاهنا لا يكون إلا نكرة، فثبت بلزوم التنكير له أنه حال، وإذا ثبت أنه حال، فهو حال من ضمير فاعل مستكنّ فى فعل، موضعه مع مرفوعه جرّ، بإضافة ظرف إليه، عمل فيه اسم فاعل محذوف، وتفسير هذا أن قائما حال من الضمير المستتر فى كان، وكان مع الضمير جملة فى موضع جرّ بإضافة «إذا» إليها، لأن إذا وإذ تلزمهما الإضافة إلى جملة توضّح معنييهما، كما توضّح الصّلة معنى الموصول، ولذلك بنيا، فإذا تضاف، إلى جملة فعلية، لأنها شرطية، والشرط إنما يكون بالفعل، وإذ تضاف إلى جملة الاسم، كما تضاف إلى جملة الفعل، فإذا فى المسألة ظرف أوقع خبرا عن المبتدأ/الذى هو أخطب، والظرف متى وقع خبرا، عمل فيه اسم فاعل محذوف، مرفوض إظهاره، نحو قولك: زيد خلفك، والخروج يوم السبت، فالتقدير: مستقرّ خلفك، وواقع يوم السبت.
فتأمّل جملة الكلام فى هذه المسألة، فقد أبرزت لك غامضها، وكشفت لك مخبوءها.
وأما قوله: «شربى (١) السّويق ملتوتا» فداخل فى هذا الشرح، وأقول: إنّ شربى
стр. 680
مضاف ومضاف إليه، فشرب مصدر أضيف إلى فاعله، والسويق انتصب بأنه مفعوله، وخبره على ما قرّرته محذوف، سدّت الحال مسدّه، فقولك: ملتوتا كقولك فى المسألة الأولى: قائما، غير أن الظرف المقدّر فى الأولى هو إذا، والمقدّر فى هذه محمول على المعنى، فإن كان الإخبار قبل الشّرب، أردت شربى السويق إذا كان ملتوتا، وإن كان الشرب سابقا للإخبار أردت شربى السويق إذ كان ملتوتا، وبالله التوفيق.
...
стр. 681
المجلس الثامن والثلاثون
يتضمّن فنونا من المعانى والإعراب، فمن ذلك قول مهيار فى مرثية (١):
أحسنت فيك فساءهم تقصيرهم ... ذنب المصيب إلى المعين المقصد
معناه مشكل، مفتقر إلى تفسير مستوفى، وذلك أن المعين هو اسم المفعول، من قولهم: عانه: إذا أصابه بعينه، وأصله معيون، كقولك: بعت الثوب فهو مبيع، وأصله مبيوع، فحذفت ضمة الياء، فالتقى ساكنان، الياء والواو، فحذفت إحداهما، على الخلاف بين سيبويه والأخفش، وقد مضى ذكر ذلك فى الأمالى السالفة (٢).
والمقصد: هو المقتول، من قولهم: رماه فأقصده: إذا قتله فى مكانه، وفى الكلام تقدير مبتدأ ومضاف محذوفين، كأنه لما تمّت الجملتان اللتان هما أحسنت فيك فساءهم تقصيرهم، ابتدأ بجملة أخرى، فقال: ذنبى إليهم مثل ذنب المصيب /بالعين إلى المصاب، فحذف المبتدأ الذى هو ذنبى، ثم حذف المضاف الذى هو مثل، والمعنى: إن المصيب بالعين لا ذنب له فى الحقيقة، لأن كلّ من أبصر لا يعدّ مذنبا بنظره إلى المستحسنات، ولا يكون أيضا مذنبا إذا استحسن بقلبه كلّ مستحسن ينظر إليه، لأنه لم يقصد بذلك المنظور إليه، وإنما نظره واستحسانه طبع، لا يقدر على تركه، فقال: كذلك أنا جوّدت فى هذا الشعر ووصفك أيّها المرثىّ بطبعى، فساء هؤلاء القوم تقصيرهم عن مثله، وإن كنت لم أقصد بذلك
стр. 682
مساءتهم، فكنت كالعاين الذى ينظر ويستحسن بطبعه، فيصيب بعينه، فهو غير قاصد ضرر المعين، فمن هذا الوجه شبّه نفسه بالعائن، وشبّههم بالمصاب بالعين، ويشبه ذلك قول أبى الطيب أحمد بن الحسين (١):
نلومك يا عليّ لغير ذنب ... لأنك قد زريت على العباد
يعنى أنه فعل أفعالا حسنة، لم يفعلها غيره من الناس، فعيبوا بتقصيرهم عن مثلها، فصار بذلك كأنه زار عليهم، يقال: زريت عليه: إذا عبته، وأزريت به:
إذا قصّرت (٢) به.
...
стр. 683
مسألة
سئل عمّا تصدّر به كتب الإقرارات، وهو: «أقرّ فلان وأشهد على نفسه» فقيل: أيّ الألفاظ الثلاثة أولى بالاستعمال، أيقرّ ويشهد، أم أقرّ وأشهد، أم أقرّ ويشهد؟ وهل يكون صادقا فى قوله: أقرّ وأشهد على نفسه، وهو لم يشهد؟
فكان الجواب: إن الإقرار والإشهاد يقعان معا فى وقت واحد، لأنه إذا تلفّظ بالإقرار بمحضر من الشاهد، فقد حصل الإشهاد بحصول الإقرار، من غير فصل، ومن قبل أن يثبت الشاهد خطّه، وإنما كتب الشّروطىّ: أقرّ، لأنه حينئذ أقرّ بقلبه ونيّته، فإذا أقرّ عند الشاهد [بلسانه (١)] فقد وقع الإشهاد مع/الإقرار، وإقراره بلسانه أن يقول له الشاهد: أهكذا تقول؟ فيقول: نعم، وإنما آثروا: أقرّ وأشهد، دون يقرّ ويشهد، لأن لفظ الماضى أوكد وأبعد (٢) من الشّبهة، من حيث كان دالاّ على إقرار قد وقع، فوقع الإشهاد بوقوعه، والمستقبل يدلّ على إقرار متوقّع، على أن العرب قد أوقعت بعض أمثلة الأفعال موقع بعض، مع حصول العلم بما يقصدونه، فأوقعوا الماضى فى موضع المستقبل، والمستقبل فى موضع الماضى، فمن إيقاع المستقبل فى موضع الماضى، قوله تعالى: ﴿فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنْبِياءَ اللهِ مِنْ قَبْلُ﴾ (٣) أوقع «تقتلون» فى موضع «قتلتم» ومثله: ﴿ما يَعْبُدُونَ إِلاّ كَما يَعْبُدُ آباؤُهُمْ مِنْ قَبْلُ﴾ (٤) المعنى: كما عبد آباؤهم، ومن إيقاع الماضى فى موضع المستقبل قوله تعالى:
﴿وَنادى أَصْحابُ النّارِ أَصْحابَ الْجَنَّةِ﴾ (٥) أراد: ينادى، لأن هذا النداء إنما يكون يوم القيامة، ومثله: ﴿وَإِذْ قالَ اللهُ يا عِيسَى اِبْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنّاسِ اِتَّخِذُونِي﴾
стр. 684
﴿وَأُمِّي إِلهَيْنِ مِنْ دُونِ اللهِ﴾ (١) أراد: وإذا يقول الله، لأنّ هذا القول إنما يوجّه من الله تعالى إلى عيسى بن مريم ﵇ فى يوم البعث، وممّا جاء من ذلك فى الشّعر قول الطّرمّاح:
وإنّى لآتيكم تشكّر ما مضى ... من البرّ واستيجاب ما كان فى غد (٢)
أوقع كان فى موضع يكون، وجاء بعكس ذلك قول زياد الأعجم:
فإذا مررت بقبره فاعقر به ... كوم الهجان وكلّ طرف سابح (٣)
وانضح جوانب قبره بدمائها ... فلقد يكون أخادم وذبائح
أراد: فلقد كان.
قال أبو الفتح عثمان (٤) بن جنى: قال لى أبو على: سألت يوما أبا بكر، يعنى ابن السرّاج، عن الأفعال؛ يقع بعضها موقع بعض، فقال: كان ينبغى للأفعال كلّها أن تكون مثالا واحدا، لأنها لمعنى واحد، ولكن خولف بين صيغها، لاختلاف أحوال الزمان، فإذا اقترن بالفعل ما يدلّ عليه، من لفظ أو حال/جاز وقوع بعضها فى موقع بعض.
قال أبو الفتح: وهذا كلام من أبى بكر عال سديد (٥).
...
بيت
ومن يك باديا ويكن أخاه ... أبا الضّحّاك ينتسج الشّمالا (٦)
стр. 685
الهاء فى قوله: «أخاه» عائدة إلى البدو الذى هو ضدّ الحضر، يقال: بدا فلان يبدو بدوا: إذا حلّ فى البرّ (١)، ودلّ على عود الهاء إلى البدو قوله: باديا، كما دلّ السفيه على السّفه، فأضمره القائل:
إذا نهى السفيه جرى إليه ... وخالف والسّفيه إلى خلاف (٢)
أى جرى إلى السّفه، ومثله قول القطامىّ:
هم الملوك وأبناء الملوك لهم ... والآخذون به والسّاسة الأول (٣)
أراد: والآخذون بالملك، فأضمره لدلالة الملوك عليه، ومثله فى التنزيل قوله جلّ وعزّ: ﴿وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِما آتاهُمُ اللهُ مِنْ فَضْلِهِ هُوَ خَيْراً لَهُمْ﴾ (٤).
стр. 686
قوله: ﴿هُوَ خَيْراً لَهُمْ﴾ هو: ضمير البخل، والبخل هو المفعول الأول، الذى يقتضيه ﴿يَحْسَبَنَّ﴾ وحسن حذفه لدلالة ﴿يَبْخَلُونَ﴾ عليه، وقوله:
﴿هُوَ﴾ يسمّى عمادا عند الكوفيين، وفصلا عند البصريين.
ومثل ذلك فى إضمار المصدر الذى دلّ عليه فعله قوله تعالى: ﴿وَإِنْ تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ﴾ (١) أى يرض الشّكر، وكذلك أضمر المصدر فى قوله ﷻ : ﴿الَّذِينَ قالَ لَهُمُ النّاسُ إِنَّ النّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزادَهُمْ إِيماناً﴾ (٢) أى فزادهم قول الناس إيمانا.
ومما قدّر له فاعل من لفظه «بدا» فى قوله تعالى جدّه: ﴿ثُمَّ بَدا لَهُمْ مِنْ بَعْدِ ما رَأَوُا الْآياتِ لَيَسْجُنُنَّهُ﴾ (٣) التقدير: ثم بدا لهم بداء (٤)، لا بدّ من تقدير هذا الفاعل، لأن الفعل مطالب بفاعله، ولا يصحّ إسناده إلى ﴿لَيَسْجُنُنَّهُ﴾ لأن إسناد الفعل إلى الفعل مستحيل، ولمّا لم يكن للفعل مندوحة عن إسناده إلى فاعل، أو ما يقوم مقام الفاعل، كالمفعول فى/نحو ضرب زيد، أسند بدا إلى الفاعل الذى أظهره الشاعر فى قوله (٥):
لعلك والموعود حقّ لقاؤه ... بدا لك فى تلك القلوص بداء
стр. 687
وألسن العرب متداولة [له (١)] فى قولهم: بدا لى فى هذا الأمر بداء، أى تغيّر رأيى عمّا كان عليه، ويقال: فلان ذو بدوات: إذا بدا له الرأى بعد الرأى.
وقوله: «أبا الضحّاك» نصب على النداء، فكأنه قال: ومن يك باديا ويكن أخا البدو، يا أبا الضّحّاك، وجعله أخا البدو، كقولك: يا أخا العرب، ويا أخا الحضر.
وإنما قال: ومن يك باديا، ثم قال: ويكن أخا البدو، لأنه قد يحلّ فى البدو من ليس من أهل البدو، فيسمّى باديا ما دام مقيما فى البدو.
فأما الشّمال فقد جاءت فى العربية على معان، منها اليد الشّمال، ومنها خليقة الإنسان، وجمعها شمائل، يقال: فلان كريم الشمائل، أى كريم الخلائق، قال عنترة (٢).
وكما علمت شمائلى وتكرّمى
وقد جمعت اليد الشّمال أيضا على الشّمائل، فى قوله جلّ اسمه: ﴿يَتَفَيَّؤُا ظِلالُهُ عَنِ الْيَمِينِ وَالشَّمائِلِ﴾ (٣) وجمعت على الأشمل، فى قول الراجز (٤):
يبرى لها عن أيمن وأشمل
يبرى لها: يعرض لها.
والشّمال: وعاء كالكيس يجعل فيه ضرع الشاة، يحفظ به، يقال:
стр. 688
شملت الشاة: أى جعلت لها شمالا، وهذا هو المراد هاهنا.
وينتسج: يفتعل، من قولك: نسجت الثوب، فالمعنى: من يكن من أهل البدو يمارس ما يحتاج إليه الغنم.
بيت
إنّ هند الكريمة الحسناء ... وأي من أضمرت لوأى وفاء (١)
إنّ: هاهنا فعل أمر من قولهم: وأيت، أي وعدت، وهو موجّه إلى امرأة، وقد أكّد بالنون الثقيلة، فأصله: إى (٢)، كما تقول إذا أمرتها من وفيت: فى بقولك، ومن/وعيت: عى كلامى، ولمّا اتّصل بالنون أوجب ذلك إسقاط الياء، لالتقاء الساكنين، فقيل: إنّ، كما تقول من الوفاء: فنّ بما تقولين.
وأما «هند» فضمّتها بناء، لأنها مناداة، وحذف حرف النداء، كما حذف من قوله تعالى: ﴿يُوسُفُ أَيُّهَا الصِّدِّيقُ﴾ (٣)
وقوله: «الكريمة الحسناء» صفتان، ووجه نصبهما أنهما محمولتان على الموضع، لأن المنادى المفرد المعرفة يجوز فى صفته المفردة المعرّفة بالألف واللام، النصب حملا على الموضع، لأن النصب الذى ظهر فى قولك: يا عبد الله، ويا مكرما زيدا، ويا غلاما هلمّ، إذا لم ترد غلاما بعينه، محكوم به على موضع زيد فى قولك:
يا زيد، ويجوز فى صفته الرفع، حملا على اللفظ، لأن ضمّته وإن كانت بناء، تشبه ضمة الإعراب، لاطّرادها فى كل اسم منادى مفرد معرفة، كاطّراد الضمّة فى كلّ
стр. 689
اسم مبتدأ مسند إليه خبر، فتقول على هذا: يا زيد الطويل، فتصفه بالمرفوع رفعا صريحا، لما ذكرته لك، وإن شئت الطويل، تنصبه، كما نصب جرير صفة عمر، فى قوله يمدح عمر بن عبد العزيز:
يعود الفضل منك على قريش ... وتفرج عنهم الكرب الشّدادا (١)
وتبنى المجد يا عمر بن ليلى ... وتكفى الممحل السّنة الجمادا
فما كعب بن مامة وابن سعدى ... بأجود منك يا عمر الجوادا
كان كعب بن مامة الإيادىّ، وأوس بن حارثة بن لام الطائىّ، وأمّه سعدى، من سادات أجواد العرب فى الجاهلية.
وقوله: «وأي من أضمرت» نصب على المصدر، لأن المعنى: إى وأى من أضمر الوفاء، أى عدى عدة وفيّة.
وهذا البيت والذى قبله من الأبيات المصنوعة لرياضة المبتدئين، لا تزال تداولها ألسن الممتحنين.
وإنما قال: «من أضمرت» فأنّث، لأن «من» لفظة موغلة/فى الإبهام، تقع لشدّة إبهامها على الواحد المذكّر والمؤنّث، وعلى الاثنين، وعلى الجماعة ذكورا، والجماعة إناثا، فعود الضمير إليها مفردا مذكّرا حمل على اللفظ، وعوده مؤنّثا أو مثنّى أو مجموعا، على المعنى، فعلى المعنى قال: «وأي من أضمرت» كأنه قال:
وأي امرأة أضمرت، وجاء على التثنية قول الفرزدق (٢):
стр. 690
نكن مثل من يا ذئب يصطحبان
وجاء على الجمع فى التنزيل قوله تعالى: ﴿وَمِنَ الشَّياطِينِ مَنْ يَغُوصُونَ لَهُ﴾ (١) وقوله: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ﴾ (٢) وعلى اللفظ قوله: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ﴾ (٣) وجاء على اللفظ ثم على المعنى قوله: ﴿وَمَنْ يَقْنُتْ مِنْكُنَّ لِلّهِ وَرَسُولِهِ وَتَعْمَلْ صالِحاً نُؤْتِها أَجْرَها مَرَّتَيْنِ﴾ (٤) ومثله: ﴿مَنْ آمَنَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صالِحاً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ (٥).
...
стр. 691
فصل
اقتضاه ذكر «إنّ» فى أول البيت المذكور آنفا
اعلم أنّ «إنّ» المكسورة المشدّدة على ضربين: لغويّ وصناعيّ، فمن اللّغوىّ المؤكّدة الداخلة على الجملة، ومنه المستعملة جوابا بمعنى نعم، في نحو قوله:
قالوا غدرت فقلت إنّ وربّما ... نال المنى وشفى الغليل الغادر (١)
ومنه قولك: إنّ يا هذا، إذا أمرته بالأنين، ومن ذلك قولك: إنّ ذاهب، تريد: إن أنا ذاهب، فهذه إن النافية التى فى قوله تعالى: ﴿إِنْ عِنْدَكُمْ مِنْ سُلْطانٍ بِهذا﴾ (٢) أى ما عندكم، خفّفت (٣) همزة «أنا» بإلقاء فتحتها على نون «إن» ثم حذفتها فصار «إن نا» ذاهب، فتوالى مثلان متحرّكان، فأسكنت الأوّل وأدغمته.
ومن ضروبها أنهم قالوا: أنّ الماء في الحوض [يؤنّه (٤)] أنّا، إذا صبّه، فإن بنيته للمفعول قلت: قد أنّ الماء، وإن كسرت أوّله على قول من كسر أول الفعل المبنيّ للمفعول، من/المضاعف، نحو شددت الحبل، وقددت الجلد، فقال: قد شدّ الحبل وقد الجلد، والأصل: شدد وقدد، فنقلوا الكسرة إلى أوله، وأدغموا المثل فى المثل، كما قالوا فى المعتلّ العين: قيل القول، وغيض الماء، والأصل: قول وغيض -قلت على هذا: إنّ الماء، أى صبّ، ومنه قراءة من كسر فقال: ﴿وَلَوْ رُدُّوا﴾
стр. 692
﴿لَعادُوا﴾ (١) وهذا الوجه والذى قبله يتجاذبهما اللغوىّ والصناعىّ.
«وإنّ» من قوله:
إنّ هند الكريمة الحسناء
صناعىّ لا غير.
...
стр. 693
مسألة
سئلت عن قول فقيه، ناظر فقيها، فقال فى مناظرته: العشر والخراج مئونة فلا يجتمعان، فأنكر مناظره قوله «مئونة»، وقال: يجب أن يقال: مئونتان.
فأجبت بأن ذلك جائز من وجهين، أحدهما أن العشر والخراج ينزّلان منزلة شيء واحد، لاتّفاقهما فى أنهما من الحقوق السّلطانيّة، فجاز أن يخبر عنهما بخبر مفرد، ونظير ذلك قول حسّان (١):
إنّ شرخ الشّباب والشّعر الأس ... ود ما لم يعاص كان جنونا
قال: «ما لم يعاص» فأفرد الضمير، وإن كان لاثنين، وذلك لأن كلّ واحد منهما بمنزلة الآخر، فجريا مجرى الواحد، ألا ترى أن شرخ الشباب هو اسوداد الشّعر، ولولا أنهما لاصطحابهما صارا بمنزلة المفرد، كان حقّ الكلام أن يقال:
يعاصيا.
وأشدّ من هذا القول قول القائل (٢) يصف رجلا متعرّبا (٣) فى فلاة:
أخو الذّئب يعوى والغراب ومن يكن ... شريكيه يطمع نفسه شرّ مطمع
جعل الذئب والغراب بمنزلة الواحد، فأعاد إليهما ضميرا مفردا؛ لأنهما (٤) كثيرا
стр. 694
ما يصطحبان فى الوقوع على الجيف، ولولا ذلك كان حقّه أن يقول: ومن/يكونا شريكيه، فهذا أشدّ من الإفراد فى بيت حسّان، لأنه أفرد المضمر فى «يكن» وجاء بالخبر مثنّى، فهذا أحد القولين فى المسألة.
والقول الآخر: أن يكون قوله: «مئونة» خبرا عن العشر وحده، وخبر الخراج محذوف، لدلالة الخبر الأوّل عليه، كأنه قال: العشر مئونة والخراج مئونة، فحذف خبر الثانى، وإن شئت قدّرت خبر الأول محذوفا، كما قال (١):
نحن بما عندنا وأنت بما ... عندك راض والرأى مختلف
أراد: نحن بما عندنا راضون، فحذفه لدلالة راض عليه، ومثل ذلك فى حذف أحد الخبرين فى التنزيل قوله: ﴿وَاللهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ﴾ (٢) قال:
يرضوه، ولم يقل: يرضوهما، لأن الضمير عاد إلى أحد المبتدأين، إن شئت أعدته إلى اسم الله تعالى، وإن شئت أعدته إلى رسوله (٣) [ومذهب صاحب الكتاب أن الضمير عائد إلى رسوله] لأنه أقرب الاسمين إليه، والخبر عن الله سبحانه محذوف، ويصحّ هذا التقدير فى بيت حسّان، ولا يصحّ فى البيت الآخر، لمجيء الضمير فى «يكن» مفردا، ومجىء الخبر مثنّى، فيصحّ: إنّ شرخ الشباب ما لم يعاص كان جنونا، والشّعر الأسود كذلك، ولا يصح: ومن يكن الذئب شريكيه، فلا يحمل الذئب والغراب إلاّ على الاتّحاد، لكثرة الاصطحاب.
وممّا جاء فى التنزيل نظير المسألة، حذو القذّة (٤) بالقذّة، قوله جلّ وعزّ:
стр. 695
﴿الْمالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَياةِ الدُّنْيا﴾ (١) جاء الخبر مفردا، لاتفاق المال والبنين فى التزيين، كاتّفاق العشر والخراج، فى كونهما حقّين سلطانيّين، وإن شئت كان على حذف أحد الخبرين، وقد جاء فيما شذّ من القراءات (٢): «زينتا الحياة» بألف، على التثنية.
...
стр. 696
مسألة
سئل عن قول الله : ﴿ثُمَّ اِسْتَوى إِلَى السَّماءِ وَهِيَ دُخانٌ فَقالَ لَها /وَلِلْأَرْضِ اِئْتِيا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً قالَتا أَتَيْنا طائِعِينَ﴾ (١).
فقيل: ما معنى ﴿اِسْتَوى﴾ وكيف كان قول الله لهما، وقولهما له، هل كان كخطاب بعضنا لبعض، وكيف جاء ﴿قالَتا﴾ على التثنية، وكذلك ﴿أَتَيْنا﴾ وجاء ﴿طائِعِينَ﴾ على الجمع، وكيف جاء طائعين دون طائعات، مع تأنيث السماء والأرض؟
الجواب: أن معنى استوى: عمد وقصد (٢).
وأما التثنية فى ﴿قالَتا﴾ وفى قوله: ﴿اِئْتِيا﴾ فإنّ الضميرين عادا مثنّيين إلى لفظ السماء والأرض، لأنّ لفظهما لفظ الآحاد، وإن كان معناهما على الجمع، لأن السماء جمع سماوة، كحمام وحمامة، وسحاب وسحابة، ألا ترى أنه قد جاء وصف السحاب بالجمع فى قوله: ﴿وَيُنْشِئُ السَّحابَ الثِّقالَ﴾ (٣) وإن كان قد جاء وصفه (٤) بالواحد فى قوله: ﴿وَالسَّحابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّماءِ وَالْأَرْضِ﴾ (٥) فالسّحاب والحمام والنخل والشجر، وما أشبههنّ مما وقع الفرق بينه وبين واحده بتاء التأنيث، فليست بجموع حقيقية، وإنما هنّ أسماء للجمع، فلذلك يجوز فيها التذكير والتأنيث، كقوله: ﴿أَعْجازُ نَخْلٍ مُنْقَعِرٍ﴾ (٦) و ﴿أَعْجازُ نَخْلٍ خاوِيَةٍ﴾ (٧) ويدلّك على
стр. 697
أن السماء من هذا الباب تقع على جماعة قوله ﴿ثُمَّ اِسْتَوى إِلَى السَّماءِ فَسَوّاهُنَّ سَبْعَ سَماواتٍ﴾ (١) وكذلك قوله: ﴿فَقَضاهُنَّ سَبْعَ سَماواتٍ﴾ (٢) بعد قوله: ﴿ثُمَّ اِسْتَوى إِلَى السَّماءِ وَهِيَ دُخانٌ﴾.
وأما الأرض هاهنا فهى من الآحاد التى استغنى بلفظها عن لفظ الجمع، كقوله تعالى: ﴿ثُمَّ يُخْرِجُكُمْ طِفْلاً﴾ (٣) وكقوله: ﴿وَالْمَلائِكَةُ بَعْدَ ذلِكَ ظَهِيرٌ﴾ (٤) و ﴿فِي جَنّاتٍ وَنَهَرٍ﴾ (٥) وكقول الشاعر:
كلوا فى نصف بطنكم تعفّوا ... فإنّ زمانكم زمن خميص (٦)
فالمراد بالأرض هاهنا سبع أرضين، يدلّك على ذلك قوله تعالى: ﴿اللهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَماواتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ﴾ (٧) فالسماء والأرض هاهنا تجريان/مجرى الفرقتين أو الفريقين، تقول: الفرقتان قالتا، والفريقان قالا، ولو قلت: الفرقتان قالوا، كان حسنا، كما قال تعالى: ﴿وَإِنْ طائِفَتانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اِقْتَتَلُوا﴾ (٨).
وجاء قوله: ﴿طائِعِينَ﴾ جمعا منصوبا على الحال من السماء والأرض، حملا
стр. 698
على المعنى، كما تقول: جاء الفريقان متسلّحين، وجاء الجيشان متفرّقين.
وأما مجىء الحال أعنى طائعين، بلفظ جمع التذكير، ففيه قولان:
أحدهما: أن الأشياء التى أخبر (١) [الله عنها بأنها خوطبت وخاطبت، كالسماء والأرض، والأشياء التى أخبر] عنها بالسجود، فى قوله: ﴿إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَباً وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي ساجِدِينَ﴾ (٢) والنملة التى أخبر الله عنها بأنها تكلّمت فقالت: ﴿يا أَيُّهَا النَّمْلُ اُدْخُلُوا مَساكِنَكُمْ لا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمانُ وَجُنُودُهُ﴾ (٣) والنّمل التى فهمت ذلك الكلام، أجريت كلّها مجرى العقلاء، لأن الخطاب والإجابة عنه مما يختصّ به العقلاء، وكذلك السجود والكلام وفهمه، ممّا يوصف به ذوو العقول، فلذلك قال: طائعين، ولم يقل: طائعات، وقال: ﴿رَأَيْتُهُمْ لِي ساجِدِينَ﴾، ولم يقل: رأيتها لى ساجدات، وقال فى خطاب النملة (٤) [للنمل] ﴿اُدْخُلُوا مَساكِنَكُمْ لا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمانُ﴾ ولم يقل: ادخلن مساكنكنّ لا يحطمنّكنّ.
والقول الآخر فى طائعين: أن المراد أتينا نحن ومن فينا طائعين، والقول الأول أشبه.
وأما قوله: ﴿طَوْعاً أَوْ كَرْهاً﴾ فطوعا وكرها مصدران، وضعا فى موضع الحال، كقولك: جئته ركضا (٥) [أى راكضا] وقتلته صبرا، أى مصبورا، والمصبور المحبوس، قال عنترة:
فصبرت عارفة لذلك حرّة ... ترسو إذا نفس الجبان تطلّع (٦)
стр. 699
أى حبست عن الفرار نفسا حرّة، تثبت إذا تطلّعت أنفس الجبناء، فالتقدير: ائتيا طائعتين أو كارهتين.
وقوله: ﴿طَوْعاً﴾ مصدر طعت طوعا، كقولك: عدت/عودا، ودرت دورا، وهو بمعنى أطعت إطاعة.
وأمّا القول فإن العرب قد تصرّفت فيه على معان، فمنها أنهم نزّلوه بمنزلة الكلام، فعبّروا به عن الصوت والحرف، وفرّق النحويون بينه وبين الكلام، فقالوا:
إن الكلام يتناول المفيد خاصّة، والقول يقع على المفيد وغير المفيد، فهو أعمّ، لأن كلّ كلام قول، وليس كلّ قول كلاما.
ومن معانى القول: أنهم عبّروا به عن حديث النّفس، فقالوا: قلت فى نفسى كذا وكذا، ومن هذا الضّرب فى التنزيل: ﴿وَيَقُولُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ لَوْلا يُعَذِّبُنَا اللهُ بِما نَقُولُ﴾ (١) والكلام لا يكون إلا بحرف وصوت، فلذلك لا يجوز: تكلّمت فى نفسى، كما جاز: قلت فى نفسى.
ومنها: أنهم استعملوه بمعنى الاعتقاد والرأى، فقالوا: هذا قول الخوارج، أى اعتقادهم ورأيهم.
ومنها: أنهم استعملوه بمعنى الحركة والإيماء بالشىء، فقالوا: قال برأسه كذا فنطحنى، وقال بيده كذا فطرف عينه، وقالت النخلة هكذا (٢) فمالت، فعبّروا بالقول عن الفعل الذى هو حركة.
وقد أسندوا القول إلى مالا يصحّ منه نطق من (٣) الجمادات وغيرها، كقول الراجز:
стр. 700
امتلأ الحوض وقال قطنى ... سلاّ رويدا قد ملأت بطنى (١)
وإنما أراد أن الحوض لما امتلأ فلم تبق فيه سعة لزيادة، عبّر عنه بأنه قال:
قطنى، أى حسبى، فسلّ الماء منى سلاّ رفيقا، فقد ملأت بطنى، وإنما أراد أنه لو كان للحوض عقل وصحّ منه نطق، لقال هذا القول، ومثله قول الآخر:
فقالت له العينان سمعا وطاعة ... وحدرتا كالدّرّ لمّا يثقّب (٢)
المعنى أنه لما أراد انهمال عينيه بالدمع، فوافق انهمالهما إرادته، عبّر عن ذلك بالقول تشبيها، فكأنه قال لهما: انهملا فقالتا سمعا وطاعة، وكذلك القول/ فى الآية، وهو أن الله ﷻ ، عمد إلى السماء وهى دخان، وإلى الأرض وهى زبد، فأراد أن يكوّنهما على غير الوصفين اللذين كانتا عليهما، فتكوّنتا بإرادته، على الوصفين اللذين هما الآن عليهما، فعبّر عن إرادته بأنه قال لهما: ائتيا طوعا أو كرها، وعبّر عن انقيادهما لمشيئته، بأنهما قالتا: أتينا طائعين.
стр. 701
المجلس التاسع والثلاثون
اسم الفاعل (١) إذا جرى على غير من هوله
، خبرا أو وصفا، لزمك إبراز ضمير المتكلّم والمخاطب والغائب، مخافة اللّبس، وليس كذلك الفعل؛ لأن ما فى أوائل الأفعال المضارعة، من الزوائد الدالّة على المتكلّمين والمخاطبين والغائبين، وما يتّصل بأواخر الأفعال الماضية، من الضمائر الموضوعة لهؤلاء الفرق الثلاث، يمنع من اللبس، كقولك فى المضارع، إذا عنيت نفسك أو مخاطبا: زيد أكرمه، وجعفر تكاتبه، وفى الماضى: زيد أكرمته، وجعفر كاتبته، ألا ترى أن هذا كلام غير مفتقر إلى إبراز الضمير، الذى هو أنا وأنت، لدلالة حرف المضارعة عليهما، وللاستغناء فى الماضى بتاء المتكلم وتاء المخاطب عنهما، ولو قلت: زيد مكرمه، وجعفر مكاتبه، لم يدلّ مكرمه ومكاتبه على ما دلّ عليه أكرمه وتكاتبه، وأكرمته وكاتبته، فلزمك أن تقول: مكرمه أنا، ومكاتبه أنت، ولو قلت: زيد مكرمى، وجعفر مكاتبك، لم يلزمك إبراز المضمر (٢) فيه، لأنه قد جرى خبرا على من هوله، وكذلك تقول: زيد نكرمه، وجعفر أكرمناه، فلا تضطرّ إلى إبراز الضمير، فإن قلت: زيد مكرموه، وجب أن تقول: نحن.
وكذلك قولك: زيد تكرمونه، كلام مستقيم، فإن وضعت فى موضع تكرمونه اسم الفاعل، قلت: مكرموه أنتم.
стр. 702
وتقول فى إضمار الغائب: زيد جعفر مكرمه هو، فزيد (١) مبتدأ وجعفر مبتدأ ثان، أخبرت عنه باسم الفاعل، الذى هو مكرمه، /واسم الفاعل لزيد، فلزمك إبراز الضمير، مخافة الالتباس، فإن كان مكرمه لجعفر، لم يلزمك إبراز الضمير، لأنك أخبرت به عمّن هوله.
والفعل فى هذه المسألة بمنزلة اسم الفاعل، تقول: زيد جعفر يكرمه هو، إذا جعلت يكرمه لزيد، وزيد جعفر يكرمه، إذا جعلته لجعفر.
وتقول: هند زيد تكرمه، فلا تبرز ضميرها المستتر فى الفعل، فإن قلت:
هند زيد مكرمته، قلت: هى، فأبرزت ضميرها، كما أبرزت ضمير زيد، فى قولك: زيد جعفر مكرمه هو.
فإن قيل: إنّما أبرزنا المضمر (٢) فى قولنا: زيد جعفر مكرمه هو، مخافة اللّبس، وليس فى قولنا: هند زيد مكرمته، لبس، لأن تأنيث اسم الفاعل يشهد بأنه لهند، كما يشهد التأنيث فى قولنا: هند زيد تكرمه.
فالجواب: أنه لما لزمنا إبراز الضمير من اسم الفاعل فيما يخاف فيه اللّبس، أبرزناه فيما لا يخاف اللّبس فيه، ليستمرّ بابه على قياس واحد، ألا ترى أنهم حذفوا الواو من مضارع وعد، لوقوعها بين ياء وكسرة، فقالوا: يعد، ثم حملوا الهمزة والنون والتاء على الياء، فقالوا: أعد ونعد وتعد، وليس فيهنّ مع الكسرة ما فى الياء من الثّقل، ولكنهم أرادوا أن يستمرّ الباب على سنن واحد، ومثل هذا استثقالهم اجتماع الهمزتين فى مضارع أفعل، نحو أكرم وأحسن، كرهوا أن يقولوا: أأكرم، كما قالوا:
стр. 703
أدحرج، فحذفوا الهمزة، فأصاروه إلى أكرم (١)، واعتمدوا حذفها مع بقيّة حروف المضارعة، فقالوا: نكرم وتكرم ويكرم، مع عدم الثّقل الذى كرهوه فى اجتماع الهمزتين.
وتقول فى الوصف باسم الفاعل: مرّ زيد بامرأة مكرم لها هو، ومرّت هند برجل مكرمة له هى، فإن استعملت فى موضعه الفعل قلت: مرّ زيد بامرأة يكرمها، ومرّت هند برجل تكرمه، فلم تحتج إلى إبراز الضمير من الفعل، وتقول فى التثنية: مرّ/الزيدان بامرأتين مكرمين لهما هما، وفى الجمع: مرّ الزيدون بنساء مكرمين لهنّ هم، ومرّت الهندات برجال مكرمات لهم هنّ.
وإذا عرفت هذا، فاعلم أن قول النحويين: أبرزت الضمير، يريدون أخليت اسم الفاعل من المضمر المستكنّ فيه، وأسندته إلى هذا الضمير الملفوظ به، فنزّلته منزلة الفاعل الظاهر، فليست هذه الضمائر كالضمائر المؤكّدة للضمائر المستكنّة، كقولك: زيد منطلق هو، وهند جالسة هى، والهندان جالستان هما، والقوم جالسون هم، والهندات جالسات هنّ، وكذلك حكم الفعل الذى يبرز فاعله، إذا قلت: زيد جعفر يكرمه هو، فجعلت يكرمه لزيد، وذلك لأنك أخبرت به عن غير من هو له، فهو الآن خال من ضمير مستكنّ، واسم المفعول حكمه فى هذا الإضمار حكم اسم الفاعل، تقول: هند زيد محمولة إليه هى، وزيد هند محمول إليها هو.
قال أبو إسحاق الزّجّاج، فى قول الله : ﴿إِلاّ أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ إِلى طَعامٍ غَيْرَ ناظِرِينَ إِناهُ﴾ (٢): غير منصوبة على الحال، المعنى إلا أن يؤذن لكم غير
стр. 704
منتظرين، قال: «ولا يجوز الخفض فى غير، لأنها إذا كانت نعتا لطعام، لم يكن بدّ من إظهار الفاعل، فلا يجوز إلاّ: غير ناظرين إناه أنتم». أراد أن غيرا مضاف إلى اسم الفاعل، فلو وصف به الطعام أجرى (١) على غير من هو له، فوجب إبراز الضمير الذى فى ناظرين.
ومعنى إناه: نضجه (٢) وبلوغه، يقال: أنى يأنى إنى: إذا نضج وبلغ، وقد جاء نظرت بمعنى انتظرت، وهذا منه، ومنه: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلاَّ السّاعَةَ أَنْ تَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً﴾ (٣) أى ينتظرون.
واعلم أن الكوفيين خالفوا البصريين، فى التزام إبراز الضمير إذا جرى على غير من هو له، خبرا أو نعتا، واحتجّوا بقول الأعشى (٤):
وإنّ امرأ أسرى إليك ودونه ... من الأرض موماة ويهماء سملق
стр. 705
لمحقوقة أن تستجيبى لصوته ... وأن تعلمى أنّ المعان موفّق
قالوا: وقد أجرى اسم المفعول، وهو قوله: «لمحقوقة» على اسم إنّ، خبرا، وهو للمرأة (١) المخاطبة.
ودفع أبو علي هذا الاعتراض، بأن قال: ليس فى قوله: «لمحقوقة» ضمير، لأنه مسند إلى المصدر، الذى هو «أن تستجيبى» فالتقدير: لمحقوقة استجابتك، فجعل التأنيث فى قوله: «لمحقوقة» للاستجابة.
والموماة: الأرض التى ليس فيها ماء.
واليهماء: التى لا طريق بها (٢)
والسّملق: الأرض المستوية، ويقال أيضا: عجوز سملق: إذا كانت سيّئة الخلق.
... قال أبو علي فى باب تخفيف الهمزة (٣): «ولا تخفّف الهمزة إلاّ فى موضع يجوز أن يقع فيه ساكن غير مدغم، إلا أن يكون الساكن الذى بعده (٤) الهمزة المخفّفة الألف، نحو هباءة».