← Адаб

Адаб · id 120922

أمالي ابن الشجري ت الطناحي

ابن الشجري

Полный текст (1 931 стр.). Показаны 701–740 · переход к 706.

стр. 701

المجلس التاسع والثلاثون اسم الفاعل (١) إذا جرى على غير من هوله ، خبرا أو وصفا، لزمك إبراز ضمير المتكلّم والمخاطب والغائب، مخافة اللّبس، وليس كذلك الفعل؛ لأن ما فى أوائل الأفعال المضارعة، من الزوائد الدالّة على المتكلّمين والمخاطبين والغائبين، وما يتّصل بأواخر الأفعال الماضية، من الضمائر الموضوعة لهؤلاء الفرق الثلاث، يمنع من اللبس، كقولك فى المضارع، إذا عنيت نفسك أو مخاطبا: زيد أكرمه، وجعفر تكاتبه، وفى الماضى: زيد أكرمته، وجعفر كاتبته، ألا ترى أن هذا كلام غير مفتقر إلى إبراز الضمير، الذى هو أنا وأنت، لدلالة حرف المضارعة عليهما، وللاستغناء فى الماضى بتاء المتكلم وتاء المخاطب عنهما، ولو قلت: زيد مكرمه، وجعفر مكاتبه، لم يدلّ مكرمه ومكاتبه على ما دلّ عليه أكرمه وتكاتبه، وأكرمته وكاتبته، فلزمك أن تقول: مكرمه أنا، ومكاتبه أنت، ولو قلت: زيد مكرمى، وجعفر مكاتبك، لم يلزمك إبراز المضمر (٢) فيه، لأنه قد جرى خبرا على من هوله، وكذلك تقول: زيد نكرمه، وجعفر أكرمناه، فلا تضطرّ إلى إبراز الضمير، فإن قلت: زيد مكرموه، وجب أن تقول: نحن. وكذلك قولك: زيد تكرمونه، كلام مستقيم، فإن وضعت فى موضع تكرمونه اسم الفاعل، قلت: مكرموه أنتم.

стр. 702

وتقول فى إضمار الغائب: زيد جعفر مكرمه هو، فزيد (١) مبتدأ وجعفر مبتدأ ثان، أخبرت عنه باسم الفاعل، الذى هو مكرمه، /واسم الفاعل لزيد، فلزمك إبراز الضمير، مخافة الالتباس، فإن كان مكرمه لجعفر، لم يلزمك إبراز الضمير، لأنك أخبرت به عمّن هوله. والفعل فى هذه المسألة بمنزلة اسم الفاعل، تقول: زيد جعفر يكرمه هو، إذا جعلت يكرمه لزيد، وزيد جعفر يكرمه، إذا جعلته لجعفر. وتقول: هند زيد تكرمه، فلا تبرز ضميرها المستتر فى الفعل، فإن قلت: هند زيد مكرمته، قلت: هى، فأبرزت ضميرها، كما أبرزت ضمير زيد، فى قولك: زيد جعفر مكرمه هو. فإن قيل: إنّما أبرزنا المضمر (٢) فى قولنا: زيد جعفر مكرمه هو، مخافة اللّبس، وليس فى قولنا: هند زيد مكرمته، لبس، لأن تأنيث اسم الفاعل يشهد بأنه لهند، كما يشهد التأنيث فى قولنا: هند زيد تكرمه. فالجواب: أنه لما لزمنا إبراز الضمير من اسم الفاعل فيما يخاف فيه اللّبس، أبرزناه فيما لا يخاف اللّبس فيه، ليستمرّ بابه على قياس واحد، ألا ترى أنهم حذفوا الواو من مضارع وعد، لوقوعها بين ياء وكسرة، فقالوا: يعد، ثم حملوا الهمزة والنون والتاء على الياء، فقالوا: أعد ونعد وتعد، وليس فيهنّ مع الكسرة ما فى الياء من الثّقل، ولكنهم أرادوا أن يستمرّ الباب على سنن واحد، ومثل هذا استثقالهم اجتماع الهمزتين فى مضارع أفعل، نحو أكرم وأحسن، كرهوا أن يقولوا: أأكرم، كما قالوا:

стр. 703

أدحرج، فحذفوا الهمزة، فأصاروه إلى أكرم (١)، واعتمدوا حذفها مع بقيّة حروف المضارعة، فقالوا: نكرم وتكرم ويكرم، مع عدم الثّقل الذى كرهوه فى اجتماع الهمزتين. وتقول فى الوصف باسم الفاعل: مرّ زيد بامرأة مكرم لها هو، ومرّت هند برجل مكرمة له هى، فإن استعملت فى موضعه الفعل قلت: مرّ زيد بامرأة يكرمها، ومرّت هند برجل تكرمه، فلم تحتج إلى إبراز الضمير من الفعل، وتقول فى التثنية: مرّ/الزيدان بامرأتين مكرمين لهما هما، وفى الجمع: مرّ الزيدون بنساء مكرمين لهنّ هم، ومرّت الهندات برجال مكرمات لهم هنّ. وإذا عرفت هذا، فاعلم أن قول النحويين: أبرزت الضمير، يريدون أخليت اسم الفاعل من المضمر المستكنّ فيه، وأسندته إلى هذا الضمير الملفوظ به، فنزّلته منزلة الفاعل الظاهر، فليست هذه الضمائر كالضمائر المؤكّدة للضمائر المستكنّة، كقولك: زيد منطلق هو، وهند جالسة هى، والهندان جالستان هما، والقوم جالسون هم، والهندات جالسات هنّ، وكذلك حكم الفعل الذى يبرز فاعله، إذا قلت: زيد جعفر يكرمه هو، فجعلت يكرمه لزيد، وذلك لأنك أخبرت به عن غير من هو له، فهو الآن خال من ضمير مستكنّ، واسم المفعول حكمه فى هذا الإضمار حكم اسم الفاعل، تقول: هند زيد محمولة إليه هى، وزيد هند محمول إليها هو. قال أبو إسحاق الزّجّاج، فى قول الله : ﴿إِلاّ أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ إِلى طَعامٍ غَيْرَ ناظِرِينَ إِناهُ﴾ (٢): غير منصوبة على الحال، المعنى إلا أن يؤذن لكم غير

стр. 704

منتظرين، قال: «ولا يجوز الخفض فى غير، لأنها إذا كانت نعتا لطعام، لم يكن بدّ من إظهار الفاعل، فلا يجوز إلاّ: غير ناظرين إناه أنتم». أراد أن غيرا مضاف إلى اسم الفاعل، فلو وصف به الطعام أجرى (١) على غير من هو له، فوجب إبراز الضمير الذى فى ناظرين. ومعنى إناه: نضجه (٢) وبلوغه، يقال: أنى يأنى إنى: إذا نضج وبلغ، وقد جاء نظرت بمعنى انتظرت، وهذا منه، ومنه: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلاَّ السّاعَةَ أَنْ تَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً﴾ (٣) أى ينتظرون. واعلم أن الكوفيين خالفوا البصريين، فى التزام إبراز الضمير إذا جرى على غير من هو له، خبرا أو نعتا، واحتجّوا بقول الأعشى (٤): وإنّ امرأ أسرى إليك ودونه ... من الأرض موماة ويهماء سملق

стр. 705

لمحقوقة أن تستجيبى لصوته ... وأن تعلمى أنّ المعان موفّق قالوا: وقد أجرى اسم المفعول، وهو قوله: «لمحقوقة» على اسم إنّ، خبرا، وهو للمرأة (١) المخاطبة. ودفع أبو علي هذا الاعتراض، بأن قال: ليس فى قوله: «لمحقوقة» ضمير، لأنه مسند إلى المصدر، الذى هو «أن تستجيبى» فالتقدير: لمحقوقة استجابتك، فجعل التأنيث فى قوله: «لمحقوقة» للاستجابة. والموماة: الأرض التى ليس فيها ماء. واليهماء: التى لا طريق بها (٢) والسّملق: الأرض المستوية، ويقال أيضا: عجوز سملق: إذا كانت سيّئة الخلق. ... قال أبو علي فى باب تخفيف الهمزة (٣): «ولا تخفّف الهمزة إلاّ فى موضع يجوز أن يقع فيه ساكن غير مدغم، إلا أن يكون الساكن الذى بعده (٤) الهمزة المخفّفة الألف، نحو هباءة».

стр. 706

قلت: قد ألغز فى كلامه هذا، وما وجدت لأحد من مفسّرى كتابه، الذى وسمه بالإيضاح (١)، تفسير هذا الكلام، ولكنهم حادوا عنه إلى تفسير قوله بعد: «فإنّ الألف احتملت ذلك لزيادة المدّ فيها، واختصاصها بما لا يكون فى الياء والواو، كاختصاصها بالتأسيس، وانفرادها بالرّدف» وأنا بمشيئة الله أكشف لك من غامضه. فأقول: إن مراده بهذا أنه لا يجوز تخفيف الهمزة بين بين، إلاّ إذا وقعت بعد حرف متحرّك، وذلك فى نحو: سأل ولؤم وسئم (٢)، وإنما لم يجز أن تخفّف بين بين إذا وقعت بعد حرف ساكن، فى نحو: يسأل ويلؤم ويزئر (٣)، مضارع زأر الأسد، لأنها إذا انفتحت جعلتها بين الهمزة والألف، وإذا انضمّت جعلتها بين/الهمزة والواو الساكنة، وإذا انكسرت جعلتها بين الهمزة والياء الساكنة، ولذلك قال سيبويه (٤): ألا ترى أنك لا تتمّ الصّوت هاهنا وتضعّفه، لأنك تقرّبها من الساكن، ولولا ذلك لم يدخل الحرف وهن. انتهى كلامه. وإذا قرّبتها من الساكن، لم يجز أن تأتى بها بعد حرف ساكن، كما لا يجوز أن تجمع بين ساكنين، فإذا كان الساكن الذى قبل الهمزة ألفا، جاز تخفيفها بعده بين بين، لأن زيادة المدّ الذى فى الألف يقوم مقام الحركة، ولا يكون ذلك فى الواو والياء الساكنتين، فى نحو: مكلوءة (٥) وخطيئة، وساغ فى نحو هباءة؛ لأن الألف أمكن منهما فى المدّ، من حيث (٦) لا يفارق المدّ، والواو والياء يتحرّك ما قبلهما بحركة

стр. 707

لا تجانسهما، فضعف بذلك مدّهما، كالواو فى سوء ونوء، والياء فى شيء وفىء، ولذلك انفردت الألف بوقوعها ردفا فى القصيدة، كقول القائل: قوم إذا أكلوا أخفوا كلامهم ... واستوثقوا من رتاج الباب والدار (١) لا يقبس الجار منهم فضل نارهم ... ولا تكفّ يد عن حرمة الجار فلو وضعت فى هذه القافية مع الجار: النّور أو الخير، كان خطا بإجماع العرب، فالواو والياء يجيئان ردفين فى القصيدة، وربّما جاءا فى بيت كقوله (٢): أجارة بيتينا أبوك غيور ... وميسور ما يرجى لديك عسير واختصّت الألف بكونها تأسيسا، وذلك أن يكون بينها وبين الحرف المسمّى رويّا، حرف لقّبه القوافيّون الدّخيل، كالزاى من المنازل، فى قول ذى الرمة: (٣) خليليّ عوجا من صدور الرّواحل ... بوعساء حزوى فابكيا فى المنازل والرّدف: كلّ حرف مدّ قبل الرّوىّ، بغير فصل. وإنما قال: «ساكن (٤) غير مدغم»، تحرّزا من الياء والواو الساكنين، وذلك أن الساكن المدغم يصحّ وقوعه/بعدهما، كقولهم في تحقير أصمّ: أصيم، وفى تفوعل من المدّ: تمودّ (٥) الثّوب، فلهما بذلك مزيّة على السّواكن الصّحيحة،

стр. 708

وللألف عليهما مزيّة، بوقوع الساكن غير المدغم بعدها، فى قراءة من قرأ ﴿مَحْيايَ وَمَماتِي﴾ (١) بسكون الياء من ﴿مَحْيايَ﴾ وإذا صحّ وقوع الساكن غير المدغم بعدها، فوقوع المدغم أصحّ وأمكن، كقولهم: دابّة وشابّة (٢)، فلذلك جاز أن تخفّف الهمزة بعدها بين بين، كما تخفّف بعد الحرف الصّحيح، إذا تحرّك فى نحو ما مثّلته لك من قولهم: سأل ولؤم وسئم، فإذا خفّفتها مفتوحة بعد الألف، جعلتها بين الهمزة والألف، وإذا خفّفتها مضمومة بعدها، جعلتها بين الهمزة والواو الساكنة، وإذا خفّفتها مكسورة بعدها، جعلتها بين الهمزة والياء الساكنة، فالأولى فى نحو: تساءلنا، والثانية فى نحو: التّساؤل، والثالثة فى نحو: المسائل. وقال سيبويه (٣) فى هذا الفصل: واعلم أنه لا يجوز أن تجعل الهمزة بين بين إلاّ فى موضع لو كان فيه ساكن جاز، إلاّ الألف وحدها، لأنك تجيز ذلك فيها، لأن الألف يكون بعدها الساكن. فقوله: لا يجوز أن تجعل الهمزة بين بين إلاّ فى موضع لو كان فيه ساكن جاز، معناه أنك لا تخفّفها إلا بعد متحرّك، ولا تخفّفها بين بين بعد ساكن، لأن الساكن لا يجتمع مع الساكن، وكذلك لا يجتمع مع ما قرّب إلى الساكن، ثم استثنى الألف من السّواكن، لأن الساكن يقع بعدها، كما يقع بعد المتحرّك. فاعرف ما ذكرته فى هذا الفصل، فإنه فى كلام أبى عليّ أغمض منه فى كلام سيبويه. ...

стр. 709

فصل فى الحذوف الواقعة بالأسماء والأفعال والحروف فالأسماء التى وقع بها الحذف ثلاثة عشر ضربا، الأول: المبتدأ وخبره. /والثانى: خبر كان وإنّ ولا، والثالث: المفعول به، والرابع: المضاف، والخامس: الموصوف، والسادس: المنادى، والسابع: المفسّر، والثامن: الضمير العائد إلى الموصول، والتاسع: العائد إلى الموصوف، والعاشر: العائد إلى المبتدأ، والحادى عشر: المضاف إليه فى باب الغايات، والثانى عشر: ياء المتكلّم، والثالث عشر: الاسم الذى ينوب عنه الظّرف، خبرا وصفة وحالا. فممّا جاء فيه حذف المبتدأ قوله تعالى: ﴿لا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي الْبِلادِ. مَتاعٌ قَلِيلٌ (١)﴾ (٢) [تقديره: تقلّبهم متاع قليل، أو ذاك متاع قليل] ومثله: ﴿فَصَبْرٌ جَمِيلٌ﴾ (٣) أى شأنى صبر جميل، ومثله: ﴿وَما أَدْراكَ مَا الْحُطَمَةُ. نارُ اللهِ الْمُوقَدَةُ﴾ (٤) التقدير: الحطمة نار الله الموقدة، وجاء الحذف فى قوله تعالى: ﴿طاعَةٌ وَقَوْلٌ مَعْرُوفٌ﴾ (٥) فقيل: تقديره: أمرنا طاعة، واحتجّ صاحب هذا القول بقول الشاعر (٦): فقالت على اسم الله أمرك طاعة ... وإن كنت قد كلّفت ما لم أعوّد

стр. 710

فقال: قد أظهر الشاعر المبتدأ المحذوف فى الآية. والقول الآخر: أن قوله: ﴿طاعَةٌ﴾ مبتدأ، وخبره محذوف، والتقدير: طاعة وقول معروف أمثل من غيرهما (١). ويقول القائل: الهلال والله (٢)، أى هذا الهلال، وكذلك تقول على التوقّع والانتظار: زيد والله، أى هذا زيد، واسم الإشارة الذى هو «هذا»، كثيرا ما يحذف مبتدأ، لأنّ حذفه كالنطق به، لكثرته على الألسنة، فممّا جاء حذفه فيه فى التنزيل قوله: ﴿وَإِنْ يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا وَيَقُولُوا سِحْرٌ﴾ (٣) أى هذا سحر، وقوله: ﴿كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَ ما يُوعَدُونَ لَمْ يَلْبَثُوا إِلاّ ساعَةً مِنْ نَهارٍ بَلاغٌ﴾ (٤) أراد: هذا بلاغ، فحذف الذى أظهره فى قوله: ﴿هذا بَلاغٌ لِلنّاسِ وَلِيُنْذَرُوا بِهِ﴾ (٥) ومثله: ﴿سُورَةٌ أَنْزَلْناها﴾ (٦) أى هذه سورة أنزلناها. ويقول لك القائل: من عندك؟ فتقول: زيد، أى زيد عندى، فتحذف الخبر، ويقول: من/جاءك؟ فتقول: أخوك، تريد أخوك جاءنى، قال الله سبحانه: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللهُ﴾ (٧) أى الله خالقنا، وتقول: زيد

стр. 711

أكرمت أباه وجعفر، أردت: وجعفر أكرمت أباه، فحذفت خبر الثانى لدلالة خبر الأول عليه، كما حذف خبر المبتدأ الموصول المعطوف، لدلالة خبر الموصول الأوّل عليه، فى قوله تعالى: ﴿وَاللاّئِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسائِكُمْ إِنِ اِرْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلاثَةُ أَشْهُرٍ وَاللاّئِي لَمْ يَحِضْنَ﴾ (١) فقوله: ﴿إِنِ اِرْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلاثَةُ أَشْهُرٍ﴾ جملة شرطيّة، وقعت خبرا للمبتدإ الذى هو ﴿اللاّئِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ﴾ وقوله: ﴿وَاللاّئِي لَمْ يَحِضْنَ﴾ مبتدأ ثان محذوف الخبر، وتقديره: واللائي لم يحضن فعدّتهنّ ثلاثة أشهر. ومن الأخبار التى ألزموها الحذف، خبر المبتدأ الواقع بعد لولا، فى قولك: لولا زيد لعاقبتك، تريد: لولا زيد موجود أو حاضر، وإنما ألزموا هذا الخبر الحذف، لطول الكلام بجواب لولا، ومثله حذف الخبر فى قولهم: لعمر الله لأفعلنّ، وليمن الله لأذهبنّ، تريد: لعمر الله المقسم به، وكذلك ليمن الله المحلوف به، ولكنّ قولك: لأفعلنّ ولأذهبنّ، طوّل الكلام، فحسن لذلك حذف الخبر، ومثل هذا سدّ الفاعل مسدّ الخبر فى نحو: أذاهب أخواك؟ فذاهب مبتدأ، ارتفع أخواك به، ارتفاع الفاعل بإسناد الفعل إليه، فى قولك: أيذهب أخواك؟ ولمّا تنزّل اسم الفاعل منزلة الفعل، وارتفع الاسم بعده به، على حدّ ارتفاعه، أغنى ذلك عن تقدير خبر هذا المبتدأ، ولم يصحّ الإخبار عنه لفظا ولا تقديرا، كما لا يصحّ الإخبار عن الفعل. ومما حذف خبره لدلالة المعنى عليه، المبتدأ الذى هو «أنت» فى قول ذى الرمّة (٢):

стр. 712

هيا ظبية الوعساء بين جلاجل ... وبين النّقا آنت أم أمّ سالم أراد: أأنت أم أمّ سالم أحسن؟ ومثال حذف (١) خبر كان، أن يقول لك: من كان/فى الدار؟ فتقول: كان أبوك، فتحذف الظرف، ويقول: من كان قائما؟ فتقول: كان حموك، فتحذف «قائما» وجاء حذف خبر «إنّ» فى قول الأعشى (٢): إنّ محلاّ وإنّ مرتحلا ... وإنّ فى السّفر إذ مضوا مهلا أراد: إنّ لنا محلاّ، وإنّ لنا مرتحلا، وقال الأخطل (٣): سوى أنّ حيّا من قريش تفضّلوا ... على الناس أو (٤) أنّ الأكارم نهشلا أراد: أو أنّ الأكارم نهشلا تفضّلوا على الناس، والبيت آخر القصيدة (٥). وقال أبو عبيد (٦) فى حديث النبيّ ﵌: «إنّ المهاجرين

стр. 713

قالوا: يا رسول الله، إنّ الأنصار قد فضلونا، إنهم آوونا، وفعلوا بنا وفعلوا، فقال: «ألستم تعرفون ذلك لهم؟ قالوا: بلى (١)، قال: فإنّ ذلك» (٢). قوله: «فإنّ ذلك» معناه: فإن ذلك مكافأة منكم لهم، أى معرفتكم بصنيعهم وإحسانهم مكافأة لهم، وهذا كحديثه الآخر: «من أزلّت إليه نعمة فليكافئ بها فإن لم يجد فليظهر ثناء حسنا» (٣) فقوله ﵇: «فإن ذلك» يريد به هذا المعنى. قال أبو عبيد: وهذا اختصار من كلام العرب (٤)، يكتفى منه بالضمير، لأنه قد علم ما أراد به قائله. وروى أن رجلا جاء (٥) إلى عمر بن عبد العزيز، فجعل يمتّ بقرابته، فقال عمر: فإنّ ذاك، ثم ذكر له حاجته فقال: لعلّ ذاك. لم يزده على أن قال: فإنّ ذاك، ولعلّ ذاك، أى إنّ ذاك كما قلت، ولعلّ حاجتك أن تقضى، وقال ابن قيس الرّقيّات.

стр. 714

بكرت علىّ عواذلى ... يلحيننى وألومهنّه (١) ويقلن شيب قد علا ... ك وقد كبرت فقلت إنّه أى إنه قد كان ما يقلن. انتهى كلام أبى عبيد. وأقول: إنّ بعض النحويين (٢) جعل «إنّ» فى هذا البيت بمعنى نعم، وجعل الهاء/للسّكت، ومثله فى استعمال «إنّ» بمعنى نعم قول الآخر: قالوا غدرت فقلت إنّ وربّما ... نال المنى وشفى الغليل الغادر (٣) والهاء فى تفسير أبى عبيد ضمير الشأن (٤). وجاء حذف خبر «لا» فى قولهم: لا بأس (٥) [يريدون: لا بأس] عليك، وكذلك قولنا: «لا إله إلاّ الله» تقدير الخبر: لا إله لنا، أو فى الوجود إلا الله (٦)،

стр. 715

وقوله تعالى: ﴿لا بَيْعٌ فِيهِ وَلا خُلَّةٌ وَلا شَفاعَةٌ﴾ (١) التقدير: ولا خلّة فيه ولا شفاعة فيه، فحذف خبر الثانية والثالثة، لدلالة الخبر الأوّل [عليهما (٢)] وكذلك خبر لا المشبّهة بليس، فى قوله: من صدّ عن نيرانها ... فأنا ابن قيس لا براح (٣) وقد تقدم ذكر ذلك. فأما حذف المفعول فكثير فى باب إعمال الفعلين، كقولك: أكرمت وأكرمنى زيد، أردت: أكرمت زيدا وأكرمنى زيد، فحذفت مفعول الأول لدلالة فاعل الثانى عليه، وقريب من هذا حذف مفعول الثانى لدلالة مفعول الأول عليه، فى قوله تعالى: ﴿وَالْحافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحافِظاتِ وَالذّاكِرِينَ اللهَ كَثِيراً وَالذّاكِراتِ﴾ (٤) التقدير: والحافظات فروجهنّ، والذاكرات الله كثيرا. وممّا حذف لدلالة ما قبله عليه، المنصوب فى قوله تعالى: ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّماواتُ﴾ (٥) أراد: والسموات غير السموات. وحذف المفعول يكثر للعلم به، وذلك لاقتضاء الفعل له كقوله: ﴿ما وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَما قَلى﴾ (٦) أراد: وما قلاك (٧)، وكذلك: ﴿أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيماً فَآوى﴾ أى فآواك، ﴿وَوَجَدَكَ ضَالاًّ فَهَدى﴾ أى فهداك، ﴿وَوَجَدَكَ عائِلاً فَأَغْنى﴾ أى فأغناك.

стр. 716

وأما حذف المضاف وإقامة المضاف إليه مقامه، فكثير جدّا، وقد قدّمت (١) ذكر طرف منه، وذلك نحو قولهم: «صلّى المسجد»، أى أهل المسجد، ومنه قول/مهلهل بن ربيعة: نبّئت أن النار بعدك أو قدت ... واستبّ بعدك يا كليب المجلس (٢) أراد: استبّ أهل المجلس، ومنه: ﴿وَإِلى مَدْيَنَ أَخاهُمْ شُعَيْباً﴾ (٣) أى إلى أهل مدين، ألا ترى أن الضّمير الذى هو الهاء والميم فى ﴿أَخاهُمْ﴾ لا يعود على ﴿مَدْيَنَ﴾ نفسها، وإنما يعود على أهلها، وقد أظهر هذا المحذوف فى موضع آخر، وهو قوله: ﴿وَما كُنْتَ ثاوِياً فِي أَهْلِ مَدْيَنَ﴾ (٤) ومنه قول حميد بن ثور (٥): قصائد يستحلى الرّواة نشيدها ... ويلهو بها من لاعب الحىّ سامر يعضّ عليها الشيخ إبهام كفّه ... ويخزى بها أحياؤكم والمقابر أى: وأهل المقابر، ومنه: ﴿وَسْئَلِ الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنّا فِيها﴾ (٦) أى أهل القرية ﴿وَالْعِيرَ الَّتِي أَقْبَلْنا فِيها﴾ أى أصحاب العير ﴿وَلكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللهِ﴾ (٧) أى برّ من آمن بالله، وإن شئت قدّرت: ولكنّ ذا البرّ من آمن بالله، ومنه ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُوماتٌ﴾ (٨) أى أشهر الحجّ أشهر معلومات، وإن شئت قدّرت: الحجّ حجّ أشهر معلومات، ومن ذلك قول النابغة:

стр. 717

وقد خفت حتى ما تزيد مخافتى ... على وعل فى ذى المطارة عاقل (١) أى على مخافة وعل، ومنه قول الآخر: كأنّ خزّا تحته وقزّا ... وفرشا محشوّة إوزّا (٢) أى ريش إوزّ، ومثله: أنا أبو شرفاء منّاع الخفر (٣) أى منّاع ذوات الخفر، يعنى النساء، ومنه قولهم: الليلة الهلال، أى طلوع الهلال، ومن رفع الليلة، أراد الليلة ليلة الهلال، ومثل النصب فى الليلة، النصب فى اليوم وغد، من قولهم (٤): «اليوم خمر وغدا أمر» أى اليوم شرب خمر، وغدا حدوث أمر. /وأمّا حذف الموصوف وإقامة الصفة مقامه، فكقولهم: صلاة الأولى (٥)، ومسجد الجامع، أى صلاة الساعة الأولى من زوال الشمس، ومسجد الوقت الجامع، أو اليوم الجامع، ومنه ﴿حَقُّ الْيَقِينِ﴾ (٦) ﴿وَحَبَّ الْحَصِيدِ﴾ (٧) أى حقّ العلم اليقين، وحبّ النبت الحصيد، ومن ذلك دار الآخرة، قال أبو العباس محمد بن يزيد، فى قول الله سبحانه: ﴿وَلَدارُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ﴾ (٨) إن المراد: ولدار الساعة

стр. 718

الآخرة، قال: لأن الساعة مراد بها يوم القيامة، وكذلك قال أبو علىّ الحسن بن أحمد، فى الإيضاح (١)، وخطر لى فى تقدير إضافتها أنّ التقدير: ولدار الحياة الآخرة، وقوّى ذلك عندى قوله: ﴿مَتاعُ الْحَياةِ الدُّنْيا﴾ (٢) وقوله: ﴿وَمَا الْحَياةُ الدُّنْيا إِلاّ مَتاعُ الْغُرُورِ﴾ (٣) فالحياة الدانية نقيض الحياة الآخرة. ومن حذف الموصوف وإقامة الصفة مقامه قوله: ﴿وَذلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ﴾ (٤) أى دين الأمّة (٥) القيّمة، ومثله: ﴿أَنِ اِعْمَلْ سابِغاتٍ﴾ (٦) أى دروعا سابغات. وجاء حذف المنادى فى قراءة من قرأ: (ألا يا اسجدوا لله (٧)) أراد: ألا يا هؤلاء اسجدوا لله، ومثله: يا لعنة الله والأقوام كلّهم ... والصالحين على سمعان من جار (٨)

стр. 719

أراد: يا هؤلاء لعنة الله على سمعان، وأنشد سيبويه (١): ألا يا إنّنى سلم ... لأهلك فاقبلى سلمى أراد: ألا يا هذه. وحذف المفسّر كقولهم: الكرّ (٢) بعشرين، يريدون: بعشرين دينارا، فحذفوا المفسّر للعلم به. ...

стр. 720

المجلس الموفى الأربعين يتضمّن ما بقي من ذكر حذف الاسم ، وضروبا من ذكر حذف الفعل. أما حذف الضمير العائد إلى الموصول من صلته، فحسن (١) كثير فى التنزيل، /كقوله: ﴿أَهذَا الَّذِي بَعَثَ اللهُ رَسُولاً﴾ (٢) و ﴿ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيداً﴾ (٣) يريد: بعثه (٤)، وخلقته، ومنه قوله تعالى: ﴿اُدْخُلُوا الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللهُ لَكُمْ﴾ (٥) حذف «ها» من «كتبها» كما حذف «هم» من قوله: ﴿وَسَلامٌ عَلى عِبادِهِ الَّذِينَ اِصْطَفى﴾ (٦). وجاء حذف العائد من جملة الصّفة إلى الموصوف، فى قول جرير: أبحت حمى تهامة بعد نجد ... وما شيء حميت بمستباح (٧) حذف الهاء من «حميته» ومثله للحارث بن كلدة الثّقفىّ: فما أدرى أغيّرهم تناء ... وطول العهد أم مال أصابوا (٨) أراد: أصابوه، وفى التنزيل: ﴿وَاِتَّقُوا يَوْماً لا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئاً﴾ (٩)

стр. 721

أراد: لا تجزى فيه، فحذف الجارّ والمجرور المقرّين فى قوله تعالى: ﴿وَاِتَّقُوا يَوْماً تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللهِ﴾ (١) والعرب تقول فى أشهر الشتاء (٢): «شهر ثرى وشهر ترى وشهر مرعى» فالأول حذفوا منه المضاف، أى شهر ذو ثرى، والثّرى: التراب النّدىّ، والثانى حذفوا منه العائد إلى الموصوف، وحذفوا معه المفعول، أى شهر ترى فيه أطراف العشب، والثالث كالأول، حذفوا منه المضاف، أى شهر ذو مرعى. وأما حذف الهاء من خبر المبتدأ، فقد جاء وهو ضعيف، قالوا فيما رواه النحويون: زيد ضربت، وجاء فى شعر امرئ القيس: فلمّا دنوت تسدّيتها ... فثوب نسيت وثوب أجرّ (٣) أراد: فثوب نسيته، وثوب أجرّه، ومعنى تسدّيتها: ركبتها، وأنشد سيبويه: قد أصبحت أمّ الخيار تدّعى ... عليّ ذنبا كلّه لم أصنع (٤) أراد: لم أصنعه، وكذلك أنشدوا برفع «كلّ»: ثلاث كلّهن قتلت عمدا ... فأخزى الله رابعة تعود (٥) ومنه قراءة ابن عامر: «وكلّ وعد الله الحسنى» (٦) رفع «كلاّ» بتقدير: وعده الله. /وإنما ضعف حذف العائد من الخبر، لأنّ الجملة التى تقع خبرا عن المبتدأ

стр. 722

إنما هى حديث عنه وأجنبيّة منه، فالعائد منها يعلّقها به، ولكنهم شبّهوها بالجملة التى تقع وصفا، كما شبّهوا جملة الصّفة بجملة الصّلة، من حيث كانت الصفة توضّح الموصوف كما توضّح الصّلة الموصول، إلا أنّ الموصول يلزمه أن يوصل، والموصوف لا يلزمه أن يوصف. وإنما حسن وكثر حذف العائد من الصّلة، لأنّ الموصول مع صلته بمنزلة اسم مفرد، فالصّلة منه كبعض أجزاء كلمة، فهى كالفاء والراء من جعفر، فإذا قلت: الذى أكرمه أخوك زيد، فقد تنزّلت أربعة أشياء منزلة اسم مفرد، وهى الذى والفعل وفاعله ومفعوله، وهو الضمير العائد، فآثروا التخفيف بحذف بعض الأربعة (١)، وكان الضمير أولى بالحذف، لأنّ المفعول فضلة، وقد ورد حذفه فى غير الصّلة كثيرا حسنا، كما أريتك آنفا، فى نحو قوله تعالى: ﴿ما وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَما قَلى﴾ (٢) فكان حذفه من الصّلة لهذه العلّة أقوى من حذفه من الصّفة، وحذفه من الصّفة أقوى من حذفه من الخبر. وأما حذف ياء المتكلم فحسن، لدلالة الكسرة قبلها عليها، وإنما يكون ذلك فى النداء، لأنّ النداء ممّا يكثر فيه الحذف والتغيير، لكثرة استعماله، ألا ترى أنّ المخبر يقدّم النداء على إخباره، فيقول: يا زيد قد كان كذا، وكذلك المستخبر يقول: يا فلان هل زيد عندك؟ وكذلك الآمر والناهى، فلما كثر النداء فى كلامهم جدّا، كثر التغيير فيه بالحذف تخفيفا، ولذلك اختصّ به الترخيم، فإذا ناديت غلامك فأفصح الأوجه فيه أن تقول (٣): يا غلام، فتجتزئ بالكسرة من الياء، ومثله: ﴿يا عِبادِ فَاتَّقُونِ﴾ (٤) و ﴿رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيراً مِنَ النّاسِ﴾ (٥) والأصل:

стр. 723

يا غلامى، بفتحها، قياسا لها على كاف الخطاب، ومن قال: يا غلامى، بإسكانها، فلأن السكون أخفّ من الحركة الخفيفة، ومن حذفها واجتزأ بالكسرة، جاء بتخفيف/ثان، كما أنّ من قال: يا غلاما، فأبدل من الكسرة فتحة، ومن الياء ألفا، جاء بتخفيف أكثر من الأول والثانى، فرارا من ثقل الكسرة والياء، إلى خفّة الفتحة والألف، وقد قرئ فى سورة الزّخرف بالأوجه الثلاثة، فتحها وإسكانها وحذفها، من قوله: ﴿يا عِبادِ لا خَوْفٌ﴾ (١). وأمّا حذف المضاف إليه فى الغايات فمثاله: جئت قبل، وجئت يا فلان بعد، أصله: جئت قبلك، وجئت بعدى، فحذفت المضاف إليه، فاستحقّ الظرف البناء، لأن المحذوف كجزء منه، لأنه يقتضيه، فتنزّل بعد حذفه منزلة بعض كلمة، فأشبه الحرف الذى جاء لمعنى، وبنوه على حركة، لأنهم لما نقلوه من الإعراب إلى البناء، لم يكونوا ليبنوه على أضعف وجوه البناء، فيسوّوا بينه وبين ما بنى فى أصل وضعه، كمن وكم. ومن قال إن الحركة فى قبل وبعد لالتقاء الساكنين، عورض بما ليس فيه التقاء ساكنين من الغايات، كقولهم: جئت من عل، وابدأ بهذا أوّل، كما قال (٢): لعمرك ما أدرى وإنّى لأوجل ... على أيّنا تعدو المنيّة أوّل وإنما بنوا هذا الضرب على الضمّة دون الفتحة والكسرة، لأنه إنما يعرب

стр. 724

بالنصب والخفض، دون الرفع، فلو بنوه (١) على أحدهما التبست حركة بنائه بحركة إعرابه، وفى التنزيل: ﴿قالُوا أُوذِينا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَأْتِيَنا وَمِنْ بَعْدِ ما جِئْتَنا﴾ (٢) وفيه ﴿لِلّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ﴾ (٣) أى من قبل غلبهم ومن بعد غلبهم، فلمّا حذف ما أضيفا إليه بنيا. فهذان الظّرفان أصل الغايات، وما عداهما من الظروف محمول عليهما، وإنما سمّيت غايات؛ لأن المضاف إليه كان غاية كلامك، كقولك: جئت قبل زيد وبعد محمد، فلما حذفت المضاف إليه صار المضاف غاية كلامك ومنتهاه. والمضاف من هذا الضّرب يتعرّف بالمضاف إليه/محذوفا، كما كان يتعرّف به مذكورا؛ لأنك تنويه وتقدّره، تقول: جاء زيد قبل جعفر، وجاء خالد بعد، أردت بعده، أى بعد جعفر، فحذفته وأنت تريده، وتقول: جاء القوم وأخوك خلف، ومحمد قدّام، تريد: خلفهم وقدّامهم، أنشد أبو عمر محمد بن عبد الواحد المعروف بالزاهد، قال: أنشدنا (٤) [أبو العباس أحمد بن يحيى، قال: أنشدنا] أبو عبد الله بن الأعرابى: ألبان إبل تعلّة بن مسافر ... ما دام يملكها عليّ حرام (٥)

стр. 725

وطعام حجناء بن أوفى مثلها ... ما دام يسلك فى البطون طعام (١) إن الذين يسوغ فى أحلاقهم ... زاد يمنّ عليهم للئام لعن الإله تعلّة بن مسافر ... لعنا يشنّ عليه من قدّام أراد من قدّامه، فلما حذف الهاء بناه. الحلق: يجمع حلوقا، على القياس، وجمعه على أفعال شاذّ، كزند وأزناد، وفرد وأفراد، وفرخ وأفراخ، قال الأعشى (٢): وزندك أثقب أزنادها أثقب: من ثقّبت النار، بتشديد القاف: إذا أذكيتها، وقال الحطيئة (٣): ماذا تقول لأفراخ بذى مرخ ... زغب الحواصل لا ماء ولا شجر وقد كثر فى فعل: أفعال، وإن كان خارجا عن القياس، فجاء فى حبر: أحبار، ونطق به التنزيل (٤)، وجاء مع ما ذكرناه من زند وفرد وفرخ: أهل وآهال، ولحظ وألحاظ، وسمع وأسماع، واتّسع فى المضاعف، فقيل فى ربّ وجدّ وعمّ ومنّ: أرباب وأجداد وأعمام وأمنان (٥). وأما أفنان فجمع فنن، وهو الغصن، لا جمع فنّ، وفى

стр. 726

التنزيل: ﴿ذَواتا أَفْنانٍ﴾ (١) وإنما جمعوا الفنّ على القياس، فقالوا: فنون، كصكّ، وصكوك، وبتّ وبتوت، وهو الكساء الغليظ. وقوله: «يشنّ عليه» أى يصبّ عليه، من قولهم: شننت علىّ الماء. /وأما حذف الاسم الذى ينوب عنه الظّرف، خبرا وصفة وحالا، فمثال الخبر: زيد خلفك، أى مستقرّ (٢) خلفك، وكذلك الرحيل يوم السبت [أى كائن (٣) يوم السبت] ومثال الصفة: مررت برجل عند زيد، وبقوم حول جعفر، التقدير: مستقرّ عند زيد، ومستقرّين حول جعفر، ومثال الحال: مررت بزيد قدّام بكر، أى مستقرّا قدّام بكر، وهذا جعفر خلف محمد، أى كائنا خلف محمد، إذا كانا ماشيين أو راكبين، ومستقرّا خلف محمد، إذا كانا جالسين. واسم الفاعل فى هذا الموضع ممّا رفضوا إظهاره تخفيفا، وللعلم به، فحذفوه وأنابوا الظرف منابه، وانتقل الضمير الذي فيه إلى الظرف، فتضمّنه الظرف، وحسن العطف عليه والتوكيد له بالضمير المنفصل، تقول: مررت برجل قدامك هو وبكر، وقد أكّده كثيّر بن عبد الرحمن بأجمع، فى قوله:

стр. 727

فإن يك جثمانى بأرض سواكم ... فإنّ فؤادى عندك الدّهر أجمع (١) ليس قبل «أجمع» ما يصحّ أن يحمل عليه إلاّ اسم إنّ، والضمير الذى فى الظرف والدهر، فاسم إنّ والدهر منصوبان، فبقى حمله على المضمر فى قوله: «عندك» وإنما أضمر فيه لكونه خبرا، فالتقدير: مستقرّ عندك أجمع. ...

стр. 728

فصل أمّا الحذف الواقع بالفعل، فإنه ينقسم إلى ستّة أضرب، الأول: حذفه على شريطة التفسير، والثانى: حذفه مع إن، والثالث: حذفه للدلالة عليه، والرابع: حذفه مع أمّا، والخامس: حذفه جوابا، والسادس: حذفه اختصارا وإيجازا. فحذف الفعل على شريطة التفسير (١)، يقع فى سبعة مواضع: الاستفهام والأمر والنهى والشرط والتحضيض والنفى والعطف. فحذفه فى الاستفهام، كقولك: أزيدا أكرمته، أزيدا مررت به، أزيدا ضربت أخاه؟ / ﴿أَبَشَراً مِنّا واحِداً نَتَّبِعُهُ﴾ (٢) فالعوامل فى هذه المنصوبات أفعال مقدّرة قبلها، تفسّرها الأفعال المذكورة بعدها، ولا يجوز أن تنصبها بالتى بعدها، لأن تلك قد تعدّت إلى ما تقتضيه من المفعول، ظاهرا أو مضمرا، فالتقدير: أأكرمت زيدا أكرمته، أجزت زيدا مررت به، أأهنت زيدا ضربت أخاه، أنتّبع بشرا منّا واحدا نتّبعه؟ وإنما أضمرت جزت، ولم تضمر مررت، لأن مررت لا يتعدّى إلا بالجارّ، فلو أضمرته أضمرت حرف الجرّ، وحرف الجرّ لا يضمر، وأضمرت أهنت فى قولك: أزيدا ضربت أخاه؟ لأن الضرب لم يقع بزيد، وإنما وقعت به الإهانة بضرب أخيه، ومثل تقديرك جزت زيدا، ولم تقدّر مررت، التقدير فى قول جرير (٣): أثعلبة الفوارس أو رياحا ... عدلت بهم طهيّة والخشابا

стр. 729

مدح فى هذا البيت ثعلبة ورياحا، وذمّ طهيّة والخشاب، فلذلك وصف ثعلبة بالفوارس، فالتقدير إذن: أحقرت ثعلبة؟ ولم يجز إضمار عدلت، لتعدّيه بالباء. وتقول فى الأمر والنهى: زيدا أكرمه، وعمرا لا تضربه، تقدّر الناصب على ما مثّلته لك، فتقدّر للأول: أكرم، وللثانى: لا تضرب. ولو رفعت فى هذه المواضع، فقلت: أزيد ضربته؟ وزيد أكرمه، وعمرو لا تضربه، جاز ذلك على ضعف، وإنما ضعف فى الاستفهام، لأن الاستفهام يطلب الفعل، ولو أنك حذفت حرف الاستفهام من قولك: أزيدا ضربته، عمل الابتداء، وضعف النصب، لزوال المقتضى له، كما يضعف الرفع إذا قلت: أزيد ضربته؟ والجملتان الأمريّة والنّهييّة يضعف الإخبار بهما، لأن الخبر حقّه أن يكون محتملا للتصديق والتكذيب (١) قال أبو علي: قد كنت أستبعد إجازة سيبويه الإخبار بجملتى الأمر والنهى، /حتى مرّ بى قول الشاعر: إن الذين قتلتم أمس سيّدهم ... لا تحسبوا ليلهم عن ليلكم ناما (٢)

стр. 730

ومثله قول الآخر (١): ولو أصابت لقالت وهى صادقة ... إنّ الرياضة لا تنصبك للشّيب ومثال إضمار الفعل بعد حرف الشرط ناصبا، قولك: إن زيدا أكرمته نفعك، تريد: إن أكرمت زيدا، ومثله قول النّمر بن تولب: لا تجزعى إن منفسا أهلكته ... وإذا هلكت فعند ذلك فاجزعى (٢) ومثال إضماره رافعا، قولك: إن زيد زارنى أحسنت إليه، ومثله فى التنزيل: ﴿إِنِ اِمْرُؤٌ هَلَكَ﴾ (٣) ﴿وَإِنِ اِمْرَأَةٌ خافَتْ﴾ (٤) ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اِسْتَجارَكَ فَأَجِرْهُ﴾ (٥) ولو قلت: إن زيد يزرنى أحسن إليه، فجزمت، جاز ذلك على ضعف (٦)، وجاز فى «إن» لأنها أصل الباب، ولا يجوز هذا فى غيرها إلا فى الشعر، كما قال (٧): ومتى واغل ينبهم يحيّو ... هـ وتعطف عليه كأس السّاقى الواغل: الذى يدخل على القوم وهم على شرابهم من غير إذن. وقال آخر (٨):

стр. 731

صعدة نابتة فى حائر ... أينما الرّيح تميّلها تمل وإضمار الماضى بعد إذا الزمانيّة، كقولك: إذا زيد حضر أعطيته، ومثله فى التنزيل: ﴿إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ﴾ (١) و ﴿إِذَا السَّماءُ اِنْفَطَرَتْ﴾ (٢) وهو كثير، وارتفاعه عند سيبويه بالفعل المقدّر، وأبو الحسن الأخفش يرفع الاسم بعد «إذا» هذه بالابتداء، وهو قول ضعيف (٣)، لاقتضاء هذا الظرف جوابا، كما يقتضيه حرف الشرط، ولأنه ينقل الماضى إلى الاستقبال، كقولك: إذا جاء زيد غدا أكرمته، كما تقول: إن جاء زيد غدا، وقد جزموا به فى الشّعر، كقوله (٤): ترفع لى خندف والله يرفع لى ... نارا إذا خمدت نيرانهم تقد وكقول الآخر (٥): إذا قصرت أسيافنا كان وصلها ... خطانا إلى أعدائنا فنضارب وإنما (٦) لم يجزموا به فى حال السّعة، كما جزموا بمتى، لأنه خالف «إن» من حيث شرطوا (٧) به فيما لا بدّ من كونه، كقولك: إذا جاء الصيف سافرت، وإذا

стр. 732

انصرم الشتاء قفلت، ولا تقول: إن جاء الصيف، ولا إن انصرم الشتاء، لأن الصيف لا بدّ من مجيئه، والشتاء لا بدّ من انصرامه، وكذا لا تقول: إن جاء شعبان، كما تقول: إذا جاء شعبان، وتقول: إن جاء زيد لقيته، فلا تقطع بمجيئه، فإن قلت: إذا جاء، قطعت بمجيئه، فلما خالفت إذا إن، فيما تقتضيه إن من الإبهام، لم يجزموا بها فى سعة الكلام. و «لو» من الحروف التى تقتضى الأجوبة، وتختصّ بالفعل، ولكنهم لم يجزموا به، لأنه لا ينقل الماضى إلى الاستقبال، كما تفعل حروف الشرط، تقول: لو زارنى زيد أمس أكرمته، وربّما جزموا به فى الضرورة، قالت امرأة من بنى الحارث بن كعب: فارسا ما غادروه ملحما ... غير زمّيل ولا نكس وكل (١) لو يشاء طار به ذو ميعة ... لاحق الآطال نهد ذو خصل غير أن البأس منه شيمة ... وصروف الدّهر تجرى بالأجل واقتدى بها فى الجزم (٢) [به] أبو الحسن الرضىّ، ﵁، فقال فى قصيدة، رثى بها أبا إسحاق إبراهيم بن هلال الصابىّ: إنّ الوفاء كما اقترحت فلو تكن ... حيّا إذا ما كنت بالمزداد (٣) قولها: «فارسا ما غادروه» نصبت «فارسا» بمضمر فسّره «غادروه»، و «ما» زيادة/والملحم: الذى أحيط به فى الملحمة، وهو الموضع الذى يلتحم فيه المحاربون. والزّمّيل: الجبان الضّعيف.

стр. 733

والنّكس من الرجال: الذى لا خير فيه، شبّهوه بالسهم الذى ينكسر فوقه، فيجعل أعلاه (١) أسفله. ويقال: رجل وكل ووكلة، وهو العاجز الذى يكل أمره إلى غيره. والميعة: النشاط وأول جرى الفرس. ولاحق الآطال: ضامر الخواصر، وواحد الآطال: إطل. والنّهد من الخيل: العظيم المشرف، وقد تقدم ذكر هذه الأبيات فى الأمالى الأول، وذكرت هنا لطول العهد. وأما «إذا (٢)» المكانيّة، فهى حرف استئناف، موضوع للمفاجأة، فجملة الابتداء والخبر تقع بعده، كقولك: خرجت فإذا زيد جالس، المعنى: فهناك زيد جالس، ولما كانت اسما للمكان أخبروا بها عن الأعيان، فقالوا: خرجت فإذا أخوك جالسا، فأخوك مبتدأ، وإذا خبره، ونصبوا بها الحال، كما ينصبون الحال بالظرف، فى قولك: خلفك زيد جالسا. ومثال إضمار الفعل بعد حرف التحضيض، كقولك: هلاّ زيدا أعطيته، ولولا أخاك أكرمته، ومنه قوله: تعدّون عقر النّيب أفضل مجدكم ... بنى ضوطري لولا الكميّ المقنّعا (٣) أراد: لولا تعدّون الكمىّ، أو لولا تعقرون الكمىّ، وقد تقدّم ذكر هذا البيت.

стр. 734

وسبيل النفى سبيل الاستفهام، تقول: ما زيدا ضربته، وما زيدا مررت به، وما زيدا ضربت أخاه، تقدّر هاهنا من الأفعال ما قدّرته هناك، قال الشاعر (١): فلا ذا جلال هبنه لجلاله ... ولا ذا ضياع هنّ يتركن للفقر أراد: فلا هبن ذا جلال، ونصب ذا ضياع، بيتركن، لأنه لم يشغل بالعمل فى غيره، وهذا كقولك: زيدا جعفر يضرب. وأمّا حذف الفعل فى العطف على شريطة التفسير، فيقتضى أن تكون الجملة /المبدوء (٢) بها فعليّة، كقولك: خرج زيد وعمرا كلّمته، ومررت بجعفر وخالدا أهنته، وضربت بكرا ومحمدا أكرمته، ولا تبالى كان الفعل الأول متعدّيا أو غير متعدّ. وإنما قوى إضمار الفعل إذا بدئ بجملة الفعل، طلبا للتشاكل بين الجملتين، فأضمرت فعلا، لتكون قد عطفت جملة على جملة تشاكلها، فشاكلت بين الكلامين، ولو رفعت فقلت: أكرمت زيدا وخالد أهنته، خالفت بين الجملتين. فإن كانت الجملة المبدوء بها اسميّة، قوى الرفع، لمشاكلة الثانية للأولى، كقولك: زيد منطلق وخالد ضربته، ومثله فى التنزيل: ﴿وَأَكْثَرُهُمْ كاذِبُونَ.﴾ ﴿وَالشُّعَراءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغاوُونَ﴾ (٣) ولو نصب ﴿الشُّعَراءُ﴾ بتقدير: ويتّبع الغاوون الشّعراء،

стр. 735

كان النصب ضعيفا، لتخالف الكلامين، ونقيض ذلك قوّة النصب فى قوله تعالى: ﴿وَكُلَّ شَيْءٍ فَصَّلْناهُ تَفْصِيلاً﴾ (١) وذلك لتقدّم جمل فعليّة، فى قوله : ﴿وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهارَ آيَتَيْنِ فَمَحَوْنا آيَةَ اللَّيْلِ وَجَعَلْنا آيَةَ النَّهارِ مُبْصِرَةً لِتَبْتَغُوا فَضْلاً مِنْ رَبِّكُمْ وَلِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسابَ﴾ فلو رفع قارئ ممّن يؤخذ بقراءته فقال: ﴿وَكُلَّ شَيْءٍ فَصَّلْناهُ﴾ ساغ الرفع فى العربيّة على ضعف. وفى قوله تعالى: ﴿فَرِيقاً هَدى وَفَرِيقاً حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلالَةُ﴾ (٢) قولان: أحدهما أن تنصب ﴿فَرِيقاً﴾ الأول، على أنه مفعول قدّم على ناصبه، لأن ﴿هَدى﴾ لم يشغل عنه بالعمل فى غيره، وتنصب ﴿فَرِيقاً﴾ الثانى بإضمار فعل، فى معنى قوله: ﴿حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلالَةُ﴾ تقديره: وأضلّ فريقا، فعلى هذا القول يكون الوقف على قوله: ﴿كَما بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ﴾ (٣) والقول الثانى: أن تنصب فريقا وفريقا، على الحال من المضمر فى ﴿تَعُودُونَ﴾ أى تعودون فريقا مهديّا وفريقا مضلاّ، فعلى هذا القول لا يجوز الوقف على ﴿تَعُودُونَ﴾ لتعلق الحال بما قبلها، ويقوّى هذا القول قراءة (٤) أبىّ بن كعب: «تعودون فريقين فريقا هدى وفريقا حقّ عليهم الضّلالة». /وقوله جلّ وعلا: ﴿يُدْخِلُ مَنْ يَشاءُ فِي رَحْمَتِهِ وَالظّالِمِينَ أَعَدَّ لَهُمْ عَذاباً أَلِيماً﴾ (٥) انتصاب (٦) ﴿الظّالِمِينَ﴾ فيه بتقدير حذف «يعذّب» لأن قوله: ﴿أَعَدَّ لَهُمْ﴾

стр. 736

﴿عَذاباً﴾ يفسّره، من حيث كان إعداد العذاب يؤول إلى التعذيب، ولا يجوز إضمار «أعدّ» لما قدمته لك فى غير موضع، من أن الفعل إذا تعدّى بالخافض، لا يصحّ إضماره. وفى مصحف ابن مسعود: «وللظّالمين أعدّ لهم» بلام الجر فى ﴿الظّالِمِينَ﴾ على تقدير: وأعدّ للظالمين أعدّ لهم، ويجوز فى العربية (١) رفع ﴿الظّالِمِينَ﴾ بالابتداء، والجملة التى هى ﴿أَعَدَّ لَهُمْ عَذاباً﴾ خبره. وروى عن الأصمعىّ أنه سمع من يقرأ بذلك، وليس بمعمول به فى القرآن، لأنه مخالف لخطّ المصحف، وللقراءة المجمع عليها. وأجاز الفرّاء (٢) أن يكون الرفع فيه بمنزلة الرفع فى قوله: (٣) ﴿وَالشُّعَراءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغاوُونَ﴾ وليس بمثل له، لأنّ قبل قوله: ﴿وَالشُّعَراءُ﴾ جملة من مبتدأ وخبر، وقبل ﴿الظّالِمِينَ﴾ جملة فعلية، فالرفع فى ﴿الشُّعَراءُ﴾ هو الوجه، على ما ذكرته لك، والقرّاء مجمعون على الرفع فيه، والنصب فى ﴿الظّالِمِينَ﴾ هو الوجه. ...

стр. 737

المجلس الحادى والأربعون يتضمّن ما بقى من ذكر النصب على شريطة التفسير فى العطف ، وما يلى ذلك من الضّروب اختلف القرّاء فى رفع ﴿الْقَمَرَ﴾ ونصبه، من قوله تعالى: ﴿وَالْقَمَرَ قَدَّرْناهُ مَنازِلَ﴾ (١) فرفعه (٢) ابن كثير ونافع وأبو عمرو، فوجه الرفع أن قبله جملة من مبتدأ وخبر، وهى قوله: ﴿وَالشَّمْسُ تَجْرِي﴾ (٣) ووجه النّصب عند أبى على: أنه تقدّمه فعل وفاعل، فالفعل ﴿تَجْرِي﴾ وفاعله الضمير المستكنّ فيه، ولمّا جرى ذكر فعل، حسن إضمار الفعل، قال أبو على: من نصب، فقد حمله سيبويه (٤) على: زيدا ضربته، قال: /وهو عربىّ، يعنى أنه قد يجوز إضمار الفعل، وإن لم يتقدّم ذكر فعل، فكأن سيبويه لم يعتدّ بذكر ﴿تَجْرِي﴾ فنصب بعد ذكر الجملة المبتدئية، كما تقول مبتدئا: زيدا ضربته، فتنصبه وإن لم يتقدّمه فعل. قال أبو علىّ: ويجوز فى نصبه وجه آخر، وهو أن تحمله على الفعل الذى هو خبر المبتدأ، على ما أجازه سيبويه، من قولك: زيد ضربته وعمرا أكرمته، وهو أن تحمله مرّة على الابتداء، ومرّة على الخبر الذى هو جملة من فعل وفاعل، وهو ﴿تَجْرِي﴾ من قوله: ﴿وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَها﴾ ﴿وَالْقَمَرَ قَدَّرْناهُ﴾ انتهى كلام أبى على.

стр. 738

وأقول: إن الرّفع فى هذا الحرف أقوى، لأمرين: أحدهما: تقدّم المبتدأ الذى هو ﴿الشَّمْسُ﴾ على الخبر الذى هو ﴿تَجْرِي﴾ (١) فمراعاة الاسم الذى الفعل فى ضمنه أولى، ألا ترى أنّ سيبويه (٢) لم يعتدّ بالفعل الذى هو ﴿تَجْرِي﴾ وحمل نصب ﴿الْقَمَرَ﴾ على قولك: زيدا ضربته. والثانى: أن «قدّر» يتعدّى إلى مفعول واحد، وقد تعدّى هاهنا إلى مفعولين، الهاء والمنازل، وإنما تعدّى إلى الهاء بتقدير حرف الخفض، أى قدّرنا له منازل (٣)، هذا هو المعنى، ألا ترى أنك تقول: قدّرت لزيد دينارا، ولا تقول: قدّرت زيدا دينارا، وإذا كان حق «قدّر» أن يتعدّى بالجار، وكان إضماره مخالفا للقياس، كما أن (٤) [إضمار] «مررت» فى قولك: خرج زيد وعمرا مررت به، لا يجوز، وموجب نصب ﴿الْقَمَرَ﴾ عندى ذكر المصدر، الذى هو التقدير فى قوله: ﴿ذلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ﴾ ألا ترى أن المصدر إذا وقع هذا الموضع، فإنه فى تقدير التحليل إلى أن والفعل، كقوله: ﴿وَلَوْلا دَفْعُ اللهِ النّاسَ﴾ (٥) أى: ولولا أن دفع الله الناس، فكأنه قيل: ذلك أن قدّره العزيز العليم، أى قدّر جريان الشمس لمستقرّ لها، أى إلى مستقرّ لها، ومعنى اللام هاهنا معنى «إلى» كما قال تعالى: ﴿بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحى لَها﴾ (٦) أى: إليها، والإشارة بقوله: ﴿ذلِكَ﴾ إلى الجريان الذى/ دلّ عليه ﴿تَجْرِي﴾ وجّهت الإشارة إلى المصدر، الذى دلّ عليه فعله، كما عاد الضمير إلى الشكر، لدلالة فعله عليه، فى قوله تعالى: ﴿وَإِنْ تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ﴾ (٧).

стр. 739

وإذا عرفت هذا، فالناصب للقمر فعل مقدّر، معطوف على الفعل الذى انسبك منه ومن «أن» المصدر الذى هو التقدير، فالقمر داخل بالعطف فى صلة التقدير، فكأنه قال: ذلك أن قدّره العزيز العليم، وقدّر القمر، أى قدّر جريان القمر، ثم استأنف الجملة التى بعده، فقال: قدّرناه منازل، أى قدّرنا له منازل، وحذفت اللام هاهنا كما حذفت من قوله: ﴿وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللهِ وَيَبْغُونَها عِوَجاً﴾ (١) أى: ويبغون لها عوجا، فعلى هذا التقدير الذى قدّرته، لا يكون ﴿قَدَّرْناهُ﴾ مفسّرا لناصب القمر، بل يكون جملة مستأنفة، فى استئنافها التخلّص من كون الفعل المفسّر متعدّيا بالجارّ، فتأمّل ما قرّرته فى هذا الفصل فهو ممّا خطر لى. ومن هذا الضّرب قوله تعالى: ﴿وَقَوْمَ نُوحٍ لَمّا كَذَّبُوا الرُّسُلَ أَغْرَقْناهُمْ﴾ (٢) حسن النصب هاهنا بإضمار ﴿أَغْرَقْنا»﴾ لتقدّم قوله: ﴿اِذْهَبا إِلَى الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا فَدَمَّرْناهُمْ﴾ ثم جاء بعدها: ﴿وَعاداً وَثَمُودَ وَأَصْحابَ الرَّسِّ وَقُرُوناً بَيْنَ ذلِكَ﴾ فأضمر (٣) ناصب غير «أغرقنا»، وتقديره: وأهلكنا عادا، ثم جاء: ﴿وَكُلاًّ ضَرَبْنا لَهُ الْأَمْثالَ﴾ فأضمر فعل ثالث، فالتقدير: ووعظنا كلاّ، لأنّ ضرب الأمثال وعظ، ثم جاء: ﴿وَكُلاًّ تَبَّرْنا﴾ فلم يضمر ناصب لكلّ، لأن ﴿تَبَّرْنا﴾ لم يشتغل عن العمل فيه. وقد ورد فى التنزيل حرف منصوب، نصبه فى الظاهر خارج عن القياس، لأنه لا داعى إلى النصب فيه ظاهرا، والقراء مجتمعون على النصب فيه، وهو ﴿كُلَّ﴾ فى قوله تعالى: ﴿إِنّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْناهُ بِقَدَرٍ﴾ (٤) أجمع البصريون على أنّ -

стр. 740

رفعه أجود (١)، لأنه لم يتقدّمه ما يقتضى إضمار ناصب، وقال الكوفيون: نصبه أجود، لأنه قد تقدّمه عامل ناصب، وهو «إنّ» فاقتضى ذلك/إضمار «خلقنا» وقوله: ﴿خَلَقْناهُ﴾ مفسّر للضمير (٢). ووجدت بعض معربى (٣) القرآن مسدّدا ومقويّا لمذهب الكوفيّين، لأن ما ذهبوا إليه يقتضى العموم فى المخلوقات، أنها كلّها لله، من حيث كان التقدير: إنا خلقنا كلّ شيء بقدر، فقوله: ﴿بِقَدَرٍ﴾ متعلّق بخلقنا، ولو رفع ﴿كُلَّ﴾ لكان ﴿خَلَقْناهُ﴾ صفة لشيء، وتعلّق قوله: ﴿بِقَدَرٍ﴾ بمحذوف، لكونه خبرا للمبتدإ، فالتقدير: كلّ شيء مخلوق لنا بقدر، وهذا يقتضى الخصوص فى المخلوقات، وإذا كان ﴿خَلَقْناهُ﴾ مفسّرا للناصب، الذى هو «خلقنا» لم يجز أن يكون وصفا لشيء، لأن الصّفة لا تكون مفسّرة لما قبل الموصوف، فحكمها فى ذلك حكم الصّلة. وذكر بعض النحويين وجها آخر فى نصب ﴿كُلَّ﴾، وهو أن يكون منصوبا بخلقناه، على أن تكون الهاء ضمير المصدر، الذى دلّ عليه ﴿خَلَقْناهُ﴾ كما كانت الهاء فى قول الشاعر: هذا سراقة للقرآن يدرسه ... والمرء عند الرّشا إن يلقها ذيب (٤)
следующие страницы →