﴿عَذاباً﴾ يفسّره، من حيث كان إعداد العذاب يؤول إلى التعذيب، ولا يجوز إضمار «أعدّ» لما قدمته لك فى غير موضع، من أن الفعل إذا تعدّى بالخافض، لا يصحّ إضماره.
وفى مصحف ابن مسعود: «وللظّالمين أعدّ لهم» بلام الجر فى ﴿الظّالِمِينَ﴾ على تقدير: وأعدّ للظالمين أعدّ لهم، ويجوز فى العربية (١) رفع ﴿الظّالِمِينَ﴾ بالابتداء، والجملة التى هى ﴿أَعَدَّ لَهُمْ عَذاباً﴾ خبره.
وروى عن الأصمعىّ أنه سمع من يقرأ بذلك، وليس بمعمول به فى القرآن، لأنه مخالف لخطّ المصحف، وللقراءة المجمع عليها.
وأجاز الفرّاء (٢) أن يكون الرفع فيه بمنزلة الرفع فى قوله: (٣) ﴿وَالشُّعَراءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغاوُونَ﴾ وليس بمثل له، لأنّ قبل قوله: ﴿وَالشُّعَراءُ﴾ جملة من مبتدأ وخبر، وقبل ﴿الظّالِمِينَ﴾ جملة فعلية، فالرفع فى ﴿الشُّعَراءُ﴾ هو الوجه، على ما ذكرته لك، والقرّاء مجمعون على الرفع فيه، والنصب فى ﴿الظّالِمِينَ﴾ هو الوجه.
...
стр. 737
المجلس الحادى والأربعون
يتضمّن ما بقى من ذكر النصب على شريطة التفسير
فى العطف
، وما يلى ذلك من الضّروب
اختلف القرّاء فى رفع ﴿الْقَمَرَ﴾ ونصبه، من قوله تعالى: ﴿وَالْقَمَرَ قَدَّرْناهُ مَنازِلَ﴾ (١) فرفعه (٢) ابن كثير ونافع وأبو عمرو، فوجه الرفع أن قبله جملة من مبتدأ وخبر، وهى قوله: ﴿وَالشَّمْسُ تَجْرِي﴾ (٣) ووجه النّصب عند أبى على: أنه تقدّمه فعل وفاعل، فالفعل ﴿تَجْرِي﴾ وفاعله الضمير المستكنّ فيه، ولمّا جرى ذكر فعل، حسن إضمار الفعل، قال أبو على: من نصب، فقد حمله سيبويه (٤) على: زيدا ضربته، قال: /وهو عربىّ، يعنى أنه قد يجوز إضمار الفعل، وإن لم يتقدّم ذكر فعل، فكأن سيبويه لم يعتدّ بذكر ﴿تَجْرِي﴾ فنصب بعد ذكر الجملة المبتدئية، كما تقول مبتدئا:
زيدا ضربته، فتنصبه وإن لم يتقدّمه فعل.
قال أبو علىّ: ويجوز فى نصبه وجه آخر، وهو أن تحمله على الفعل الذى هو خبر المبتدأ، على ما أجازه سيبويه، من قولك: زيد ضربته وعمرا أكرمته، وهو أن تحمله مرّة على الابتداء، ومرّة على الخبر الذى هو جملة من فعل وفاعل، وهو ﴿تَجْرِي﴾ من قوله: ﴿وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَها﴾ ﴿وَالْقَمَرَ قَدَّرْناهُ﴾ انتهى كلام أبى على.
стр. 738
وأقول: إن الرّفع فى هذا الحرف أقوى، لأمرين: أحدهما: تقدّم المبتدأ الذى هو ﴿الشَّمْسُ﴾ على الخبر الذى هو ﴿تَجْرِي﴾ (١) فمراعاة الاسم الذى الفعل فى ضمنه أولى، ألا ترى أنّ سيبويه (٢) لم يعتدّ بالفعل الذى هو ﴿تَجْرِي﴾ وحمل نصب ﴿الْقَمَرَ﴾ على قولك: زيدا ضربته.
والثانى: أن «قدّر» يتعدّى إلى مفعول واحد، وقد تعدّى هاهنا إلى مفعولين، الهاء والمنازل، وإنما تعدّى إلى الهاء بتقدير حرف الخفض، أى قدّرنا له منازل (٣)، هذا هو المعنى، ألا ترى أنك تقول: قدّرت لزيد دينارا، ولا تقول: قدّرت زيدا دينارا، وإذا كان حق «قدّر» أن يتعدّى بالجار، وكان إضماره مخالفا للقياس، كما أن (٤) [إضمار] «مررت» فى قولك: خرج زيد وعمرا مررت به، لا يجوز، وموجب نصب ﴿الْقَمَرَ﴾ عندى ذكر المصدر، الذى هو التقدير فى قوله:
﴿ذلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ﴾ ألا ترى أن المصدر إذا وقع هذا الموضع، فإنه فى تقدير التحليل إلى أن والفعل، كقوله: ﴿وَلَوْلا دَفْعُ اللهِ النّاسَ﴾ (٥) أى: ولولا أن دفع الله الناس، فكأنه قيل: ذلك أن قدّره العزيز العليم، أى قدّر جريان الشمس لمستقرّ لها، أى إلى مستقرّ لها، ومعنى اللام هاهنا معنى «إلى» كما قال تعالى:
﴿بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحى لَها﴾ (٦) أى: إليها، والإشارة بقوله: ﴿ذلِكَ﴾ إلى الجريان الذى/ دلّ عليه ﴿تَجْرِي﴾ وجّهت الإشارة إلى المصدر، الذى دلّ عليه فعله، كما عاد الضمير إلى الشكر، لدلالة فعله عليه، فى قوله تعالى: ﴿وَإِنْ تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ﴾ (٧).
стр. 739
وإذا عرفت هذا، فالناصب للقمر فعل مقدّر، معطوف على الفعل الذى انسبك منه ومن «أن» المصدر الذى هو التقدير، فالقمر داخل بالعطف فى صلة التقدير، فكأنه قال: ذلك أن قدّره العزيز العليم، وقدّر القمر، أى قدّر جريان القمر، ثم استأنف الجملة التى بعده، فقال: قدّرناه منازل، أى قدّرنا له منازل، وحذفت اللام هاهنا كما حذفت من قوله: ﴿وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللهِ وَيَبْغُونَها عِوَجاً﴾ (١) أى: ويبغون لها عوجا، فعلى هذا التقدير الذى قدّرته، لا يكون ﴿قَدَّرْناهُ﴾ مفسّرا لناصب القمر، بل يكون جملة مستأنفة، فى استئنافها التخلّص من كون الفعل المفسّر متعدّيا بالجارّ، فتأمّل ما قرّرته فى هذا الفصل فهو ممّا خطر لى.
ومن هذا الضّرب قوله تعالى: ﴿وَقَوْمَ نُوحٍ لَمّا كَذَّبُوا الرُّسُلَ أَغْرَقْناهُمْ﴾ (٢) حسن النصب هاهنا بإضمار ﴿أَغْرَقْنا»﴾ لتقدّم قوله: ﴿اِذْهَبا إِلَى الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا فَدَمَّرْناهُمْ﴾ ثم جاء بعدها: ﴿وَعاداً وَثَمُودَ وَأَصْحابَ الرَّسِّ وَقُرُوناً بَيْنَ ذلِكَ﴾ فأضمر (٣) ناصب غير «أغرقنا»، وتقديره: وأهلكنا عادا، ثم جاء: ﴿وَكُلاًّ ضَرَبْنا لَهُ الْأَمْثالَ﴾ فأضمر فعل ثالث، فالتقدير: ووعظنا كلاّ، لأنّ ضرب الأمثال وعظ، ثم جاء: ﴿وَكُلاًّ تَبَّرْنا﴾ فلم يضمر ناصب لكلّ، لأن ﴿تَبَّرْنا﴾ لم يشتغل عن العمل فيه.
وقد ورد فى التنزيل حرف منصوب، نصبه فى الظاهر خارج عن القياس، لأنه لا داعى إلى النصب فيه ظاهرا، والقراء مجتمعون على النصب فيه، وهو ﴿كُلَّ﴾ فى قوله تعالى: ﴿إِنّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْناهُ بِقَدَرٍ﴾ (٤) أجمع البصريون على أنّ
-
стр. 740
رفعه أجود (١)، لأنه لم يتقدّمه ما يقتضى إضمار ناصب، وقال الكوفيون: نصبه أجود، لأنه قد تقدّمه عامل ناصب، وهو «إنّ» فاقتضى ذلك/إضمار «خلقنا» وقوله:
﴿خَلَقْناهُ﴾ مفسّر للضمير (٢).
ووجدت بعض معربى (٣) القرآن مسدّدا ومقويّا لمذهب الكوفيّين، لأن ما ذهبوا إليه يقتضى العموم فى المخلوقات، أنها كلّها لله، من حيث كان التقدير: إنا خلقنا كلّ شيء بقدر، فقوله: ﴿بِقَدَرٍ﴾ متعلّق بخلقنا، ولو رفع ﴿كُلَّ﴾ لكان ﴿خَلَقْناهُ﴾ صفة لشيء، وتعلّق قوله: ﴿بِقَدَرٍ﴾ بمحذوف، لكونه خبرا للمبتدإ، فالتقدير: كلّ شيء مخلوق لنا بقدر، وهذا يقتضى الخصوص فى المخلوقات، وإذا كان ﴿خَلَقْناهُ﴾ مفسّرا للناصب، الذى هو «خلقنا» لم يجز أن يكون وصفا لشيء، لأن الصّفة لا تكون مفسّرة لما قبل الموصوف، فحكمها فى ذلك حكم الصّلة.
وذكر بعض النحويين وجها آخر فى نصب ﴿كُلَّ﴾، وهو أن يكون منصوبا بخلقناه، على أن تكون الهاء ضمير المصدر، الذى دلّ عليه ﴿خَلَقْناهُ﴾ كما كانت الهاء فى قول الشاعر:
هذا سراقة للقرآن يدرسه ... والمرء عند الرّشا إن يلقها ذيب (٤)
стр. 741
ضمير المصدر الذى هو الدرس (١)، فالتقدير: للقرآن يدرس درسا، وكذلك التقدير: إنا كلّ شيء خلقناه خلقا، وهذا القول وإن كان يصح به النصب فى ﴿كُلَّ﴾ فإنه مقتض للعموم فى المخلوقات أنها كلّها لله جلّت عظمته، لأن قوله:
﴿بِقَدَرٍ﴾ يتعلّق فى هذا الوجه بخلقنا.
стр. 742
وخطر لى فى نصب ﴿كُلَّ﴾ وجه مخالف للوجهين المذكورين، وهو أن يكون قوله: ﴿كُلَّ شَيْءٍ﴾ نصبا على البدل من اسم إنّ، وهو بدل الاشتمال، لأن الله سبحانه محيط بمخلوقاته، فيكون التقدير: إنّ كلّ شيء خلقناه بقدر، فيكون قوله: ﴿خَلَقْناهُ﴾ صفة لشيء، وقوله: ﴿بِقَدَرٍ﴾ متعلّقا بمحذوف، لأنه خبر إنّ.
فإن عورض هذا القول بأنّ ضمير المتكلّم وضمير المخاطب لا يبدل منهما، لأن البدل إنما/يراد به تخصيص المبدل منه، وضمير المتكلّم والمخاطب فى غاية التعريف، فلا حاجة بهما إلى التخصيص.
فالجواب عن هذه المعارضة، بأن الإبدال من ضمير المتكلّم وضمير المخاطب لا يسوغ إذا كان البدل هو المبدل منه، وذلك بدل الشىء من الشىء، وهو هو، ويسمّونه بدل الكلّ، وأمّا بدل الاشتمال وبدل البعض، فيسوغان فى ضمائر المتكلّمين والمخاطبين، لأن بدل الاشتمال وبدل البعض لا يخصّصان المبدل منه، لأنهما ليسا إياه، ألا تراك إذا قلت: إنك كلامك يثقل عليّ، فنصبت «كلامك» لأنك أبدلته من الكاف، كان حسنا، فالتقدير: إن كلامك يثقل علي، وكذلك لو قلت: إنى لأبغضك كلامك، كان مستقيما، وكذلك بدل البعض، كقولك: إنى أحبّك وجهك، تريد أحبّ وجهك، وكذلك إذا قلت:
زيد يحبّنى علمى، أردت: يحبّ علمى، فكلام مستقيم.
وقد جاء فى التنزيل إبدال البعض من ضمير المخاطبين المجرور، وأعيد فى البدل حرف الجر، فى قوله تعالى: ﴿لَقَدْ كانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كانَ يَرْجُوا اللهَ﴾ (١) فقوله: ﴿لِمَنْ كانَ يَرْجُوا اللهَ﴾ بدل (٢) من قوله: ﴿لَكُمْ﴾
стр. 743
وأعيدت اللام فى البدل، كما أعيدت فى قوله تعالى: ﴿قالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ اِسْتَكْبَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لِلَّذِينَ اُسْتُضْعِفُوا لِمَنْ آمَنَ مِنْهُمْ﴾ (١) وكذلك أعيدت فى قوله: ﴿لَجَعَلْنا لِمَنْ يَكْفُرُ بِالرَّحْمنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفاً مِنْ فِضَّةٍ﴾ (٢) فقوله: ﴿لِمَنْ آمَنَ مِنْهُمْ﴾ بدل البعض، وقوله: ﴿لِبُيُوتِهِمْ﴾ بدل الاشتمال.
فإن قيل: إنّ بدل الاشتمال حقّه أن يكون الأول مشتملا على الثانى، كقوله تعالى: ﴿يَسْئَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرامِ قِتالٍ فِيهِ﴾ (٣) فالشهر مشتمل على القتال، وقوله: ﴿لِمَنْ يَكْفُرُ بِالرَّحْمنِ لِبُيُوتِهِمْ﴾ بعكس ذلك، لأن البيوت تشتمل عليهم.
قيل: إن المراد هاهنا اشتمال الملكيّة، ومثل ذلك: سرق زيد ثوبه.
стр. 744
فصل
/ قد مضى إضمار الفعل على شريطة التفسير، ويليه إضماره مع «إن» وذلك فى قولهم (١): «الناس مجزيّون بأعمالهم، إن خيرا فخير وإن شرّا فشرّ» التقدير: إن كان عملهم (٢) [خيرا فجزاؤهم خير، وإن كان عملهم] شرّا فجزاؤهم شرّ، ومثله فى إضمار «كان» قول ليلى الأخيلية:
لا تقربنّ الدّهر آل مطرّف ... إن ظالما فيهم وإن مظلوما (٣)
أى إن كنت ظالما وإن كنت مظلوما، ومثله قول النعمان بن المنذر، للربيع ابن زياد العبسىّ، من أبيات فى قصّة جرت له مع نفر من بنى عامر بن صعصعة:
стр. 745
قد قيل ذلك إن حقّا وإن كذبا ... فما اعتذارك من شيء إذا قيلا (١)
أى إن كان حقّا وإن كان كذبا، وتقول: افعل هذا وإلا هجرتك (٢) [تريد:
وإلا تفعله هجرتك] فتحذف جملة الشرط، وجاء فى شعر للأحوص بن محمد الأنصارى (٣):
سلام الله يا مطر عليها ... وليس عليك يا مطر السّلام
فإن يكن النكاح أحلّ أنثى ... فإنّ نكاحها مطر حرام
فطلّقها فلست لها بكفء ... وإلاّ يعل مفرقك الحسام
أراد: وإن لا تطلّقها يعل، وسيبويه (٤) يروى: «يا مطر» بالرفع والتنوين، يشبّهه بالمرفوع الذى لا ينصرف، فينوّنه على لفظه اضطرارا كقولك فى الشعر: هذا أحمد يا فتى، وأبو عمرو بن العلاء ومن أخذ أخذه، يردّون المنادى إلى الأصل، فينصبون وينوّنون.
ومثل بيت الأحوص، فى حذف جملة الشرط قول الآخر:
أقيموا بنى النّعمان عنّا صدوركم ... وإلاّ تقيموا صاغرين الرّءوسا (٥)
التقدير: وإن لا تقيموا صدوركم تقيموا الرءوس.
стр. 746
/والضّرب الثالث من حذف الفعل، حذفه للدلالة عليه، كقولك إذا كنت محذّرا: الأسد الأسد، وكذلك: الطريق الطريق، تريد: خلّ الطريق، وقد أظهر الشاعر هذا الفعل، فى قوله (١):
خلّ الطّريق لمن يبنى المنار به ... وابرز ببرزة حيث اضطرّك القدر
ومثله: النّجاء النّجاء، تريد: انج النّجاء، ولا بدّ من تكرير المنصوب إذا حذفت الفعل، فإن أظهرته لم تكرّره، ولكن تقول: انج النّجاء، وخلّ الطريق، واحذر الأسد، وقد يقوم العطف مقام التكرير، كقولهم: «أهلك واللّيل»، فهذا تقديره فى الإعراب: بادر أهلك (٢) وبادر اللّيل، وتقديره فى المعنى: بادر أهلك قبل الليل، ومثله: رأسه والجدار، تقديره فى الإعراب: انطح رأسه والجدار، وفى المعنى: انطح رأسه بالجدار، ومثله فى العطف: ﴿ناقَةَ اللهِ وَسُقْياها﴾ (٣) أى احذروا ناقة الله وسقياها، وفيه تقدير حذف مضافين، أى احذروا عقر ناقة الله، وقطع سقياها، ومنه قول الحطيئة (٤):
فإيّاكم وحيّة بطن واد ... هموز النّاب ليس لكم بسيّ
قدّره النحويّون: إيّاكم احذروا، كأنه حذّرهم أنفسهم مع الحيّة الذى (٥) وصفه، أى احذروا تسويل أنفسكم عداوة حيّة، من صفته كذا وكذا.
стр. 747
والهمز: الكدم والعضّ، والسّيّ: المثل.
ومن هذا الضّرب قولهم فى الدعاء: سقيا لك ورعيا، يريدون: سقاك الله سقيا، ورعاك الله رعيا، وقولهم: لك، يسمّيه النحويون تبيينا، فهو فى تقدير الانقطاع، والتعلّق بمحذوف، أى هذا لك.
ومن المنصوب فى الدّعاء بفعل محذوف، ما حكى عن الحجّاج (١)، أنه قال فى خطبته: «امرأ اتّقى الله، امرأ حاسب نفسه، امرأ أخذ بعنان قلبه فعلم ما يراد به» أراد: رحم الله امرأ، فإن قلت: امرؤ، فهو على تقدير: ليتق (٢) الله امرؤ.
ومن هذا الباب، أعنى/باب الدعاء، قولهم للقادم: خير (٣) مقدم، يضمرون: قدمت، ويجوز: خير مقدم، أى مقدمك خير مقدم.
وممّا جاء فيه الحذف قولهم: وراءك (٤) أوسع لك، وحسبك خيرا لك،
стр. 748
التقدير: ارجع وراءك وائت مكانا أوسع لك، فحذفوا الفعلين والموصوف الذى هو المكان، وكذلك حسبك خيرا لك، معناه: اكتف ائت أمرا خيرا لك، وأمّا قوله تعالى: ﴿وَلا تَقُولُوا ثَلاثَةٌ اِنْتَهُوا خَيْراً لَكُمْ﴾ (١) ففيه ثلاثة أقوال:
أحدها: أن التقدير: يكن خيرا، وهذا قول الكسائى (٢)، ومن مذهب سيبويه أنّ «كان» لا يجوز إضمارها إلا مع «إن» فيما قدّمته من قولهم: «الناس مجزيّون بأعمالهم، إن خيرا فخير وإن شرّا فشرّ».
والثانى: أن ﴿خَيْراً﴾ صفة مصدر محذوف، تقديره: انتهوا انتهاء خيرا لكم، وهو قول (٣) الفرّاء، وهذا القول ليس فيه زيادة فائدة على ما دلّ عليه ﴿اِنْتَهَوْا﴾ لأن انتهوا يدلّ على الانتهاء بلفظه، فيفيد ما يفيده الانتهاء (٤).
والثالث: قول سيبويه (٥)، وهو أن التقدير: ائتوا خيرا لكم، وفى هذا التقدير فائدة عظيمة، لأنه نهاهم بقوله: ﴿اِنْتَهَوْا﴾ عن التثليث، وأمرهم بقوله: ائتوا خيرا لكم، بالدخول فى التوحيد، فكأنه قال: انتهوا عن قولكم: آلهتنا ثلاثة، وأتوا خيرا
стр. 749
لكم، فقولوا: إنما الله إله واحد، فقد أخرجهم بهذا التقدير عن أمر فظيع، وأدخلهم فى أمر حسن جميل، ومنه ما أنشده أبو علي، فى كتابه الذى وسمه بالإيضاح (١):
تروّحي أجدر أن تقيلى ... غدا بجنبى بارد ظليل
وفيه على ما ذهب إليه، ولم يذكره فى الإيضاح، خمسة (٢) حذوف، لأنه قدّر ائتى مكانا أجدر بأن تقيلى فيه، فحذف الفعل، وحذف المفعول الموصوف الذى /هو مكانا، وحذف الباء التى يتعدّى بها أجدر، وحذف الجارّ من فيه، فصار:
تقيليه، فحذف العائد إلى الموصوف، كما حذف فى قوله سبحانه: ﴿وَاِتَّقُوا يَوْماً لا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئاً﴾ (٣) أى لا تجزى فيه، وقال الخليل وسيبويه فى قول عمر ابن أبى ربيعة (٤):
فواعديه سرحتى مالك ... أو الرّبا بينهما أسهلا
إن التقدير: ائتى مكانا سهلا، وضع أسهل، مكان سهل، كما وضع أفعل
стр. 750
موضع فعيل، فى قوله تعالى: ﴿وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ﴾ (١) أى هيّن.
وما يحذف لدلالة الحال عليه، الفعل (٢) [من قولك] إذا رأيت رجلا متوجّها وجهة الحجّ، عليه آثاره: مكة والله، أى يريد مكة، وكذلك قولك إذا سمعت صوت السهم، بعد أن رأيت الرامى يسدّده: القرطاس والله، أى أصاب القرطاس، وكذلك إذا رأيت رجلا فى حال ضرب أو إعطاء، قلت: زيدا، أى اضرب زيدا، أو أعط زيدا.
ومنه النصب على إضمار «أعنى» للمدح، أو للذّمّ، فمن المدح قولك:
جاءنى زيد الفاضل الكريم، تريد أعنى الفاضل الكريم، والذّم قولك: مررت بعمرو الخبيث اللئيم، فمن الذّم قراءة عاصم: ﴿حَمّالَةَ الْحَطَبِ﴾ (٣) يريد أعنى أو أذمّ حمّالة الحطب.
قال أبو عليّ: فكأنها كانت اشتهرت بذلك، فجرت عليها الصّفة للذمّ، لا للتخصيص والتخليص من موصوف غيرها، كقوله (٤):
ولا الحجّاج عينى بنت ماء ... تقلّب طرفها حذر الصّقور
стр. 751
لم يرد وصفه إياه بالجبن، ولكن ذمّه (١) وسبّه، ومن الذمّ قول النابغة (٢):
أقارع عوف لا أحاول غيرهم ... وجوه كلاب تبتغى من تجادع
ومن المدح قول الخرنق بنت هفّان (٣):
/لا يبعدن قومى الذين هم ... سمّ العداة وآفة الجزر
النازلين بكلّ معترك ... والطّيّبين معاقد الأزر
أرادت: أعنى أو أمدح النازلين والطّيّبين.
ومن المدح فى التنزيل قوله: ﴿وَالصّابِرِينَ فِي الْبَأْساءِ﴾ (٤) بعد قوله: ﴿وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذا عاهَدُوا﴾ أراد: وأعنى الصابرين، ومثله: ﴿وَالْمُقِيمِينَ الصَّلاةَ﴾ (٥) وبعده ﴿وَالْمُؤْتُونَ الزَّكاةَ﴾ ذهب سيبويه (٦) إلى أن ﴿الْمُقِيمِينَ﴾ منصوب على المدح، وهو أصحّ ما قيل فيه؛ لأنّ بعض معربى القرآن زعم أن ﴿الْمُقِيمِينَ﴾ مجرور بالعطف على
стр. 752
الهاء والميم، فى ﴿مِنْهُمْ﴾ من قوله تعالى: ﴿لكِنِ الرّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ مِنْهُمْ﴾ فالتقدير على هذا القول: منهم ومن المقيمين الصلوة، وزعم آخر أنه معطوف على الكاف من ﴿إِلَيْكَ﴾ فالتقدير: يؤمنون بما أنزل إليك وإلى المقيمين الصلوة، وقال آخر: هو معطوف على الكاف من ﴿قَبْلِكَ﴾ فالتقدير: وما أنزل من قبلك وقبل المقيمين الصلوة.
وقال الكسائىّ: هو مخفوض (١) بالعطف على ﴿ما﴾ من قوله: ﴿بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ﴾ فالمعنى على هذا القول: يؤمنون بالذى أنزل إليك وبالمقيمين الصلوة، وهذا قول بعيد من جهة المعنى، والأقوال الثلاثة فاسدة من جهة الإعراب، وذلك أن الاسم الظاهر لا يسوغ عطفه على الضمير المجرور إلا بإعادة الجارّ (٢)، لأمرين:
أحدهما: أنهم لا يعطفون المجرور إلاّ بإعادة الجارّ، كقولك: مررت بزيد وبك، ولا تقول: بزيد وك، فوجب أن ينزّل عطف الظاهر عليه منزلة عطفه على الظاهر، فيقال: بك وبزيد، كما قيل: بزيد وبك، ولا يقال: بك وزيد، كما لا يقال: بزيد وك، وهذا قول أبى عثمان المازنىّ.
والقول الآخر، وهو قول أبى علىّ: أن الضمير المجرور نحو الكاف فى بك، وفى غلامك، والياء فى بى/وفى غلامى، أشبه التنوين، من حيث صيغ على حرف واحد، كما أن التنوين كذلك، ومن حيث حذفوا ياء المتكلّم فى النداء، فقالوا: يا غلام، و ﴿يا عِبادِ فَاتَّقُونِ﴾ (٣) فكان حذفها أكثر من إثباتها، وألزموها الحذف فى نحو: ﴿قالَتْ رَبِّ أَنّى يَكُونُ لِي وَلَدٌ﴾ (٤) بإجماع القرّاء، كما ألزموا التنوين
стр. 753
الحذف فى قولهم: يا غلام، بالضم، ومن حيث لم يجمعوا بين التنوين فى اسم الفاعل، وبين الضمير المتّصل، فيعدّوا اسم الفاعل إليه، فيقولوا: مكرمنك وضاربنك، كما قالوا فى الظاهر: مكرم زيدا، وضارب عمرا، ولكنهم ألزموه الإضافة، فقالوا: مكرمك وضاربك، كرهوا الجمع بينه وبين التنوين، كما كرهوا الجمع بين خطابين وبين تأنيثين وبين تعريفين، ولذلك امتنع الجرّ فى قوله تعالى:
﴿إِنّا مُنَجُّوكَ وَأَهْلَكَ﴾ (١) فلم يجز فيه إلا النصب، بإضمار فعل دلّ عليه اسم الفاعل، تقديره: وننجّى أهلك، وقد أشبعت القول فى هذه المسألة فيما تقدّم (٢).
وقول أبى علىّ: أشبه التنوين لأنه صيغ على حرف واحد، يتوجّه عليه اعتراض، لأنه قد صيغ على أكثر من حرف، كقولهم: بكما وبكم وبكنّ، وكرهوا مع ذلك الجمع بينه وبين التنوين، والقول فى ذلك أنهم كرهوا الجمع بين التنوين وضمير الواحد، ثم حملوا الفرع الذى هو التثنية والجمع، على الأصل الذى هو الواحد.
ومما حذف منه الفعل، وقامت الحال مقامه، قولهم: هنيئا لك قدومك، قال أبو الفتح فى قول أبى الطيّب:
هنيئا لك العيد الذى أنت عيده ... وعيد لمن سمّى وضحّى وعيّدا (٣)
العيد مرفوع بفعله، وتقديره: ثبت هنيئا لك العيد، فحذف الفعل وقامت الحال مقامه، فرفعت الحال العيد، كما كان الفعل يرفعه.
وقال أبو العلاء المعرّى: هنيئا ينتصب عند قوم على قولهم: ثبت لك هنيئا، وقيل: هو اسم فاعل، وضع موضع/المصدر، كأنه قال: هنأك هناء،
стр. 754
لأنهم ربّما وضعوا اسم الفاعل موضع المصدر، كما قالت بعض نساء العرب، وهى ترقّص ابنها:
قم قائما قم قائما ... لاقيت عبدا نائما (١)
أرادت: قم قياما.
...
стр. 755
المجلس الثانى والأربعون
يتضمّن ذكر فصول من إضمار الأفعال
ذكر سيبويه (١)، فى (باب ما ينتصب من المصادر على إضمار الفعل المتروك إظهاره) قولهم: سبحان الله، وعمرك الله، وقعدك الله، فقال: وذلك قولك:
سبحان الله وريحانه، وعمرك الله إلاّ فعلت، وقعدك الله إلاّ فعلت، فكأنه حيث قال: سبحان الله، قال: تسبيحا، وحيث قال: وريحانه، قال: استرزاقا، لأنّ معنى الرّيحان الرزق، فنصب هذا على أسبّح (٢) تسبيحا، وأسترزق استرزاقا، وخزل الفعل هاهنا، لأن المصدر بدل من اللفظ بقوله (٣) [أسبّحك] وأسترزقك. انتهى كلامه.
وأقول: إن سبحان اسم للتسبيح، كما أنّ الكلام والسلام اسمان للتكليم والتسليم، وجاء سبحان على زنة الغفران والكفران، فى قولهم: «غفرانك اللهمّ لا كفرانك» (٤) وجاء الكفران فى قوله تعالى: ﴿فَلا كُفْرانَ لِسَعْيِهِ﴾ (٥) ومثله فى الزّنة،
стр. 756
وهو نقيضه فى المعنى، الشّكران، فكما قالوا: كلّمته كلاما، وسلّمت عليه سلاما، فاستعملوهما فى موضع التكليم والتسليم، كما استعمل السّراح فى موضع التّسريح، من قوله تعالى: ﴿وَسَرِّحُوهُنَّ سَراحاً جَمِيلاً﴾ (١) كذلك استعملوا سبحان فى موضع التسبيح.
قال سيبويه (٢): وزعم أبو الخطّاب، يعنى الأخفش الكبير، أنّ سبحان الله براءة الله من السوء، وزعم أن مثله قول الأعشى (٣):
أقول لمّا جاءنى فخره ... سبحان من علقمة الفاخر
/قال: وإنما ترك التنوين فى سبحان، وترك صرفه، يعنى فى بيت الأعشى، لأنه صار عندهم معرفة.
وأقول: إنه لمّا صار علما للتسبيح، وانضمّ إلى العلميّة الألف والنون الزائدتان، تنزّل منزلة عثمان، فوجب ترك صرفه، وقد قطعوه عن الإضافة، ونوّنوه، لأنهم نكّروه، وذلك فى الشّعر، كقول أميّة بن أبى الصّلت، فيما أنشده سيبويه:
سبحانه ثم سبحانا يعود له ... وقبلنا سبّح الجودىّ والجمد (٤)
стр. 757
وقد عرّفوه بالألف واللام، فى قول الشاعر:
سبحانك اللهمّ ذا السّبحان (١)
و «من» فى بيت الأعشى متعلقة بسبحان، كأنه قال: البراءة من علقمة.
وأما قولهم: عمرك الله، فليس كقولهم: عمر الله، لأنهم قالوا: لعمر الله، وعمر الله، رفعوه مع اللام بالابتداء، وألزموا خبره الحذف، لأن الجواب سدّ مسدّ الخبر، إذا (٢) قلت: لعمر الله لأفعلنّ، تريد: لعمر الله قسمى، ونصبوه مع حذف اللام بالفعل المقدّر، وذلك أن الأصل: أقسم بعمر الله، أى ببقائه ودوامه، ثم حذفوا الفعل والجارّ، فنصبوا، كما قالوا: الله لأفعلنّ، والأصل: أقسم بالله، والجواب يلزمه منصوبا كما يلزمه مرفوعا، تقول: عمر الله لاقمت، وعمرك لا ذهبت.
والعمر بمعنى العمر، مصدر قولهم: عمر الرجل يعمر، إذا امتدّ بقاؤه، ولكنهم لم يستعملوا فى القسم إلا المفتوح.
وقولهم: عمرك الله، مخالف لقولهم: عمر الله، من ثلاثة أوجه، أحدها: أن عمرك الله ليس بقسم عند جلّ النحويين، قالوا: والدليل على ذلك أنه لا جواب له، لا ظاهر ولا مقدّر، وإنما هو إخبار بأنك داع للمخاطب بالتعمير، قال عمر بن أبى ربيعة (٣):
أيّها المنكح الثّريّا سهيلا ... عمرك الله كيف يلتقيان
стр. 758
والثانى: أنك تنصب عمر الله، نصب المفعول (١) [به] على ما أريتك، وتنصب عمرك الله نصب (٢) المصادر، لأنّ سيبويه ذكره مع سبحان الله.
والثالث: أن العمر فى قولك: عمر (٣) الله وعمرك يا فلان، بمعنى العمر، وهو فى قولك: عمرك الله، بمعنى التعمير، حذفوا زوائده، ونصبوه بفعل اختزلوه، لأنه صار بدلا من اللفظ بالفعل، فلا يجوز إظهاره معه، والناصب له عمّرتك مشدّدا، أنشد سيبويه للأحوص بن محمد (٤):
عمّرتك الله إلاّ ما ذكرت لنا ... هل كنت جارتنا أيام ذى سلم
وأنشد، ولم يذكر قائله، وهو لابن أحمر (٥):
عمّرتك الله الجليل فإنّنى ... ألوى عليك لو ان لبّك يهتدى
وذكر أبو العباس محمد بن يزيد (٦) فى قولهم: عمرك الله، أن انتصابه على المصدر، بتقدير: عمّرتك الله تعميرا، على ما قرّره سيبويه، وأجاز فيه أبو العباس أن ينتصب بتقدير حذف الجارّ، لأنه ذكره مع قولهم: يمين الله، وعهد الله، فى قول من نصبهما، وإنما النصب (٧) فيهما بتقدير: أقسم بيمين الله، وبعهد الله، فلمّا حذفوا الباء وصل الفعل فعمل، وعلى هذا يكون قولهم: عمرك الله، تقديره: أقسم بعمرك الله، فيكون عمرك الله قسما محذوف الجواب، والمراد بالعمر التّعمير،
стр. 759
فالمعنى: أقسم بتعميرك الله، أى بإقرارك له بالدّوام والبقاء.
وذكر أبو العباس بعد عمرك الله: قعدك الله لا تقم، فنزّل عمرك الله منزلة قعدك الله، قال: وإن شئت: قعيدك الله، وهذا دليل قاطع على نصبه عنده، بتقدير: أقسم بعمرك الله.
وقال أبو عليّ: عمرك الله، مصدر، استعملوه بحذف الزوائد كقوله (١):
/فإن يبرأ فلم أنفث عليه ... وإن يهلك فذلك كان قدرى
أى تقديرى، وأصله بالزيادة: تعميرك الله، ألا ترى أن الفعل لمّا ظهر، كان على فعّلت فى قولك (٢):
عمّرتك الله إلاّ ما ذكرت لنا
والأصل فيه: عمّرتك الله تعميرا، مثل تعميرك إياه نفسك، أى سألت الله تعميرك، مثل سؤالك إياه تعمير نفسك، فالتعمير الأول مضاف إلى الفاعل، يعنى الكاف، قال: والاسمان الآخران مفعول بهما، يعنى إياه نفسك، قال: ثم اختصر هذا الكلام، وحذفت زوائد المصدر. انتهى كلامه.
ويجب أن ترعى قلبك ما أقوله فى تفسير قول أبى علىّ، وذلك أن الأصل كما ذكر: عمّرتك الله تعميرا، مثل تعميرك إيّاه نفسك، فحذفوا الفعل والفاعل والمفعولين، فبقى تعميرا مثل تعميرك إياه نفسك، ثم حذفوا الموصوف الذى هو «تعميرا»، وقامت صفته التى هى «مثل» مقامه، فبقى: تعميرك إياه نفسك، ثم حذفوا زوائد المصدر، فبقى: عمرك إياه نفسك، فوضع الظاهر فى موضع المضمر، أعنى وضعوا لفظة «الله» موضع «إياه» فصار: عمرك الله نفسك،
стр. 760
فحذفوا المفعول الثانى، فبقى: عمرك الله، وإنما ساغ حذف المفعول الثانى، لكون الفعل متعديا إلى مفعولين، ليس الثانى منهما هو الأوّل، كقولك: أعطيت زيدا درهما.
ومعنى عمّرتك الله: أى سألت الله تعميرك، فلهذا لم يكن قولهم: عمرك الله، قسما فى هذا المذهب، وكان إخبارا بأنك داع للمخاطب بالتعمير. فهذه جملة القول فى مذهب من نصب اسم الله تعالى.
وأمّا من رفع، فقال: عمرك الله، فإنّ أبا الفتح عثمان بن جنّى، قال:
حكى أبو عثمان المازنى: عمرك الله، بالرفع، وله وجه، ولم يذكر أبو الفتح الوجه فيه، وقال أبو عليّ عقيب كلامه، فى عمرك الله: ووجدت فى بعض الكتب:
حكي عن أبى العباس، عن أبى عثمان/أنه سمع أعرابيّا يقول: عمرك الله، قال أبو عليّ: ولا يجيء هذا على تفسير النصب، والمعنى فيه، إن كان ثبتا، أنه أراد:
عمّرك الله تعميرا، فأضاف المصدر إلى المفعول، وذكر الفاعل بعد، كقول الحطيئة (١):
أمن رسم دار مربع ومصيف
انتهى كلامه.
وأقول: إن المصدر المقدّر بأن والفعل المتعدّى، إذا أعمل مضافا، أضيف تارة إلى الفاعل، كقوله تعالى: ﴿وَلَوْلا دَفْعُ اللهِ النّاسَ﴾ (٢) وتارة إلى المفعول، كقول الحطيئة:
أمن رسم دار مربع ومصيف ... لعينيك من ماء الشّئون وكيف
стр. 761
لأنّ الرسم هاهنا مصدر: رسم المطر الدار يرسمها رسما: إذا جعل فيها رسوما، أى آثارا، وهو مضاف إلى المفعول، والمربع: رفع بأنه الفاعل، والمراد به مطر الرّبيع، والمصيف: مطر الصّيف.
ومن فسّر شعر الحطيئة من اللغويين فسّروا الرّسم بالأثر، وفسّروا المربع بأنه المنزل فى الربيع، والمصيف بأنه المنزل فى الصّيف، وذلك فاسد، لأن تقديره: أمن أثر دار منزل فى الربيع ومنزل فى الصيف؟ ثم لا يتّصل عجز البيت بصدره، على هذا التقدير، وتكون «من» في هذا القول للتبعيض، فكأنه قال: أبعض أثر دار منزل فى الربيع، وهى فى قول [بعض] (١) النّحويّين بمعنى لام العلّة، مثلها فى قول الله تعالى: ﴿وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ مِنْ إِمْلاقٍ﴾ (٢) أى لإملاق، وفى قولهم: فعلت ذلك من أجلك، يريدون لأجلك.
والصحيح ما ذهب إليه النحويّون، لأن المعنى: أمن أجل أن أثّر فى دار مطر ربيع ومطر صيف، لعينيك وكيف (٣) من ماء الشئون، والشّئون: مجارى الدمع، واحدها: شأن.
ثم نعود إلى القول فيما حكاه المازنىّ، من أنه سمع أعرابيّا يقول: عمرك الله، فأقول: إن أبا الحسن الأخفش قد ذكر هذا الوجه، فى كتابه/الذى سمّاه «الأوسط»، فقال: أصله أسألك بتعميرك الله، أى بأن يعمّرك الله، وحذفت زوائد المصدر، وحذف الفعل الذى هو أسألك، وحذف الجارّ فانتصب المجرور.
وذهب أبو العلاء المعرّىّ فى قولهم: عمرك الله، إلى خلاف ما أجمع عليه أئمّة النحويين، الخليل وسيبويه، وأبو الخطّاب الأخفش الكبير، وأبو الحسن
стр. 762
الأخفش الصغير (١)، وأبو عثمان المازنىّ، وأبو عمر الجرمىّ، وأبو العباس محمد بن يزيد، وأبو إسحاق الزجّاج، وأبو بكر بن السرّاج، وأبو علىّ الفارسى، وأبو سعيد السّيرافى، وغير هؤلاء من المتقدّمين والمتأخّرين، فزعم أن العمر مأخوذ من قولهم:
عمرت البيت الحرام: إذا زرته، قال: ومنه اشتقاق الاعتمار والعمرة، ونصب عمرك، من قولهم: عمرك الله، بتقدير: أذكّرك عمرك الله، قال: كأنك قلت: أذكّرك خدمتك الله (٢) [لأنّ زيارة البيت خدمة الله] قال: ويحتمل أن يكون قولهم: عمرك، مأخوذا من عمرت الدّيار، من العمارة، أى بعمرك المنازل المشرّفة بذكر الله وبعبادته، ذكر هذا فى تفسيره لقول المتنبى (٣):
عمرك الله هل رأيت بدورا ... قبلها فى براقع وعقود
وأورده عنه أبو زكريا يحيى بن علي التّبريزيّ، فى تفسيره لشعر أبى الطيب.
وبالجملة إنه تصيّد اشتقاق قولهم: عمرك الله، تارة من الاعتمار، وتارة من العمارة، فخالف قول فحول النحويين المتقدّمين والمتأخّرين، فرارا من غموض معانى (٤) أقوالهم فيه، لأنه لم يتّجه له حقيقة ما قالوه، فتمحّل اشتقاقا محالا.
وأمّا قولهم: قعدك أن لا تفعل كذا، وقعيدك أن لا تقوم، وقعدك الله، وقعيدك الله، ففيهما قولان، أحدهما: أنهما مصدران جاءا على الفعل والفعيل،
стр. 763
كالحسّ والحسيس، ومعناهما المراقبة، فانتصابهما بتقدير أقسم، فكأنك قلت:
أقسم بمراقبتك الله، /ولما أضمرت أقسم، عدّيته بنفسه، لأن الفعل إذا كان يتعدّى بالخافض وأضمر، حذف الخافض، فوصل الفعل فنصب، كما قال:
أتيت بعبد الله فى القدّ موثقا ... فهلاّ سعيدا ذا الخيانة والغدر (١)
وهذا قليل، لأن القياس أن لا يضمر ما يتعدّى بخافض (٢).
والقول الآخر: أنّ معنى القعد والقعيد: الرّقيب الحفيظ، من قوله تعالى:
﴿عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمالِ قَعِيدٌ﴾ (٣) أى رقيب (٤) وحفيظ، فقعد وقعيد فى هذا القول، كخلّ وخليل، وندّ ونديد، وشبه وشبيه، وإذا كان كذلك فهما من صفات القديم ، فهو الرّقيب الحفيظ، فإذا قلت: قعدك الله وقعيدك الله، على هذا المعنى (٥)، نصبت اسم الله على البدل.
قد انتهى القول فى حذف الفعل، للدلالة عليه، ويليه حذف الفعل مع «أمّا» وهو القسم الرابع.
حذفوا الفعل مع «أمّا» فيما حكاه سيبويه (٦) من قولهم: أمّا أنت منطلقا انطلقت معك، وأمّا زيد ذاهبا ذهبت معه، أى لأن كان ذاهبا ذهبت معه، قال عباس بن مرداس:
أبا خراشة أمّا أنت ذا نفر ... فإنّ قومى لم تأكلهم الضّبع (٧)
стр. 764
قال: فإنما هى «أن» ضمّت إليها «ما» وهى ما التوكيد، ولزمت «ما» كراهية أن يجحفوا بها، لتكون عوضا من ذهاب الفعل، كما كانت الهاء والألف عوضا من ياء الزّنادقة واليمانى.
قوله: وهى «ما» التوكيد، يعنى «ما» التى تزاد مؤكّدة للكلام، إلا أنها هاهنا لازمة، لما ذكره من كونها عوضا.
وقوله: كراهة أن يجحفوا بها، أى بالكلمة التى زيدت معها، لأن «أن» مع «كان» فى تقدير الكون، والكون المقدّر هو الكلمة التى كرهوا أن يجحفوا بها.
وقوله: كما كانت الهاء والألف/عوضا من ياء الزّنادقة واليمانى، أراد أنّ واحد الزّنادقة: زنديق، فقياسه فى الجمع: زناديق، كمناديل، فحذفوا ياء زناديق، وعوّضوا منها هاء التأنيث، وأمّا اليمانى، فالأصل فى النّسب إلى اليمن: يمنيّ، فخفّفوه بأن حذفوا إحدى ياءيه، وعوّضوا منها الألف، فدخل فى باب المنقوص، ومثله قولهم فى النّسب إلى الشام: شآم، وإلى تهامة: تهام، والأصل: تهمىّ كيمنىّ، نسبوا إلى التّهم، ثم عدلوا عنه إلى تهام.
...
стр. 765
فصل
قال سيبويه (١) بعد أن ذكر «أمّا»: ومثل ذلك قولهم: افعل ذا إمّالا، كأنه قال: افعل هذا إن كنت لا تفعل غيره، ولكنهم حذفوا «ذا» لكثرة استعمالهم إيّاه.
انتهى كلامه.
وأقول: إنّ قولهم: أما أنت منطلقا انطلقت معك، وأمّا زيد ذاهبا ذهبت معه، حذفوا منه «كان» وحدها، وأبقوا اسمها وخبرها، وقولهم: إمّالا، حذفوا فيه كان واسمها وخبرها، على أنّ خبرها جملة، و «إمّا» هى إن الشرطية، مدغمة نونها فى ميم «ما»، وإنما ألزموها «ما» عوضا من كان واسمها وخبرها، وجعلوا «لا» النافية منتهى الكلام، وأهل الإمالة يميلون ألفها، لقوّتها من حيث سدّت مسدّ الفعل وفاعله ومفعوله، أعنى الجملة التى هى خبر كان، كما استجازوا إمالة «بلى» لأنها سدّت مسدّ جواب التقرير، فى نحو: ﴿أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ﴾ (٢) وكما استحسنوا إمالة حرف النداء، لنيابته عن أدعو.
ولا يستعملون «إمّا لا» إلاّ بعد كلام دائر بين متكالمين، وسأل أحدهما الآخر أن يفعل شيئا سأله أن يفعله فأبى، فقال له السائل: إن كنت لا تفعل كذا فافعل كذا، وتمثيل ذلك أن يكون سأله الإقامة عنده ثلاثة أيام، فامتنع من ذلك /واعتذر بعذر ما، فقال: إمّا لا فأقم عندى يومين، أى إن كنت لا تقيم ثلاثة أيام فأقم يومين.
стр. 766
فتأمّل هذا الفصل، فما علمت أنّ أحدا كشفه هذا الكشف (١).
وهذا اللفظ، أعنى «إمّالا» كثيرا ما يدور فى كلام العامّة، فيفتحون همزة «أمّا لا» (٢) يميلون ألف لا.
والخامس: حذف الفعل جوابا، فمن ذلك حذفه جوابا للشرط والقسم، ولو ولولا ولمّا وأمّا، وحتى إذا.
فحذفه جوابا للشّرط، كقولك: من كفى شرّ نفسه، فتحذف الجواب، لأنه معلوم، أى كفى شرّا عظيما، وكذلك تقول: أتصير إلىّ؟ فيقول: إن انتظرتنى، يريد: إن انتظرتنى صرت إليك، وحسن حذف الجواب، لأنّ قوله:
أتصير إلىّ؟ دلّ عليه، وفى التنزيل: ﴿ما يَفْعَلُ اللهُ بِعَذابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآمَنْتُمْ﴾ (٣) أى إن شكرتم وآمنتم لم يعذّبكم، لأن معنى ﴿ما يَفْعَلُ اللهُ بِعَذابِكُمْ﴾ أىّ شيء يفعل الله بعذابكم؟ فما هاهنا مخرجها مخرج الاستفهام، ومعنى الكلام التقرير بأنّ العذاب لا يكون للشاكر المؤمن، لأن تعذيب الشاكر المؤمن لا غرض لحكيم فيه، فكيف بمن لا تضرّه المضارّ، ولا تنفعه المنافع، ؟
وأمّا حذف جواب القسم، فقد ورد فى قوله جل اسمه: ﴿ص. وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ﴾ (٤) تقدير الجواب: لقد حقّ الأمر، وقيل: الجواب ﴿كَمْ أَهْلَكْنا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ﴾ (٥) والمراد: لكم أهلكنا، فحذف اللام، لأنّ الكلام بينهما طال،
стр. 767
فصار طوله عوضا منها، كما حذفت من جواب ﴿وَالشَّمْسِ وَضُحاها﴾ (١) وهو قوله: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكّاها﴾ وقيل: إنّ الجواب قوله: ﴿إِنَّ ذلِكَ لَحَقٌّ تَخاصُمُ أَهْلِ النّارِ﴾ (٢) وهذا قول ضعيف (٣) جدّا، لبعد ما بينه وبين القسم، ولأنّ الإشارة بقوله:
﴿ذلِكَ﴾ متوجّهة إلى ما يكون من التّلاوم والتّخاصم بين أهل النار/يوم القيامة، وذكر تلاومهم متأخّر عن القسم، والذى يقتضيه صواب الكلام أن تعود الإشارة إلى شيء سابق، نحو أن توجب شيئا قد جرى قبل القسم، فتقول: والله لقد فعلت ذلك، فتتوجّه الإشارة إلى ما تقدّم ذكره، أو تنكر شيئا فتقول: والله ما فعلت ذلك.
فالقول الأوّل فى تقدير الجواب هو الوجه.
وقد يجمعون بين القسم والشّرط، فيحذفون جواب أحدهما، لدلالة المذكور على المحذوف، فإن قدّموا القسم حذفوا جواب الشّرط، وإن قدّموا الشّرط حذفوا جواب القسم، فمثال تقديم الشّرط، قولك: إن زرتنى والله أكرمتك، ومثال تقديم القسم، قولك: والله إن زرتنى لأكرمنّك، وقد يدخلون على حرف الشّرط اللام، مزيدة مفتوحة، مؤذنة بالقسم، فيغلّبون بها القسم على الشرط، وإن لم يذكروا القسم، كقولك: لئن زرتنى لأكرمنّك، ومثله فى التنزيل: ﴿لَئِنْ أُخْرِجُوا لا يَخْرُجُونَ مَعَهُمْ وَلَئِنْ قُوتِلُوا لا يَنْصُرُونَهُمْ وَلَئِنْ نَصَرُوهُمْ لَيُوَلُّنَّ الْأَدْبارَ﴾ (٤) وأمّا
стр. 768
قوله تعالى: ﴿وَأَمّا إِنْ كانَ مِنْ أَصْحابِ الْيَمِينِ. فَسَلامٌ لَكَ مِنْ أَصْحابِ الْيَمِينِ﴾ (١) فإنّ الفاء جواب «أمّا» لأمرين، أحدهما: تقديمها على «إن» والآخر:
أنّ جواب «أمّا» لا يحذف في حال السّعة والاختيار، وجواب «إن» قد يحذف فى الكلام، نحو ما قدّمته، ومنه قوله تعالى: ﴿فَإِنْ تَنازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللهِ﴾ (٢) أى إن كنتم تؤمنون بالله فردّوه إلى الله والرسول، ونظيره فى الكلام: أنت (٣) ظالم إن فعلت، حذفت جواب إن فعلت، لدلالة قولك:
أنت ظالم، عليه.
فإن قيل: قد جاء حذف جواب «أمّا» فى القرآن فى قوله: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ اِسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ﴾ (٤).
قيل: إنما جاز ذلك، لأن تقدير الجواب: فيقال لهم: أكفرتم، والقول إذا أضمر (٥)، فهو كالمنطوق به.
وممّا سدّ فيه الجواب مسدّ الجوابين، قوله تعالى: / ﴿وَلَوْلا رِجالٌ مُؤْمِنُونَ وَنِساءٌ مُؤْمِناتٌ لَمْ تَعْلَمُوهُمْ أَنْ تَطَؤُهُمْ فَتُصِيبَكُمْ مِنْهُمْ مَعَرَّةٌ بِغَيْرِ عِلْمٍ لِيُدْخِلَ اللهُ فِي رَحْمَتِهِ مَنْ يَشاءُ لَوْ تَزَيَّلُوا لَعَذَّبْنَا الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ﴾ (٦) قوله: ﴿لَعَذَّبْنَا﴾ سدّ مسدّ الجوابين، جواب لولا، وجواب لو، وكثيرا ما يحذفون جواب «لو» وذلك نحو
стр. 769
قولك، إذا كنت مخبرا بعظيم أمر شاهدته: لو رأيت الجيش خارجا قد جمع الطّمّ والرّم، تريد: لرأيت شيئا عظيما.
إذا بالغوا فى تكثير الجمع شبّهوه بالطّمّ والرّمّ، فالطّمّ: البحر، والرّمّ:
الثّرى.
وممّا حذف فيه جواب «لو» قوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّ قُرْآناً سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبالُ أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ الْأَرْضُ أَوْ كُلِّمَ بِهِ الْمَوْتى﴾ (١) ثم قال: ﴿بَلْ لِلّهِ الْأَمْرُ جَمِيعاً﴾ وتقدير الجواب: لكان هذا القرآن.
وكذلك جواب «لولا» تحذفه بعد قولك لمن توبّخه وتعنّفه: فعلت كذا وفعلت كذا ولولا زيد، تريد: لقابلت فعالك بالعقوبة.
وأمّا حذف جواب «حتّى إذا» فقال أبو إسحاق الزجّاج فى قوله: ﴿حَتّى إِذا جاؤُها وَفُتِحَتْ أَبْوابُها﴾ (٢): سمعت محمد بن يزيد، يذكر أن الجواب محذوف، وأن المعنى ﴿حَتّى إِذا جاؤُها وَفُتِحَتْ أَبْوابُها وَقالَ لَهُمْ خَزَنَتُها سَلامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوها خالِدِينَ﴾ (٣) سعدوا، فالمعنى فى الجواب: حتى إذا كانت هذه الأشياء
стр. 770
صاروا إلى السعادة، وقال أبو إسحاق الزجّاج: وقال قوم (١): الواو مقحمة، والمعنى حتى إذا جاءوها فتحت أبوابها، وقال: والمعنى عندى ﴿حَتّى إِذا جاؤُها وَفُتِحَتْ أَبْوابُها وَقالَ لَهُمْ خَزَنَتُها سَلامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوها خالِدِينَ﴾ دخلوها، وحذف الجواب، لأنّ فى الكلام دليلا عليه، انتهى كلام أبى إسحاق.
وأقول: إنّ حذف الأجوبة فى هذه الأشياء أبلغ فى المعنى، ولو قدّر فى موضع دخلوها: فازوا (٢)، لكان حسنا، ومثل الآية فى حذف الجواب قول الشاعر:
حتّى إذا قملت بطونكم ... ورأيتم أبناءكم شبّوا (٣)
/وقلبتم ظهر المجنّ لنا ... إنّ اللئيم العاجز الخبّ
تقدير الجواب بعد قوله:
وقلبتم ظهر المجنّ لنا
ظهر عجزكم عنّا، وخبّكم لنا، ودلّك على ذلك قوله: إنّ اللئيم العاجز الخبّ.
стр. 771
وقيل فى البيت كما قيل فى الآية: إن الواو مقحمة، وليس ذلك بشىء، لأن زيادة الواو لم تثبت فى شيء من الكلام الفصيح، وحذف الأجوبة كثير، وأمّا قول الآخر (١):
حتّى إذا أسلكوهم فى قتائدة ... شلاّ كما تطرد الجمّالة الشّردا
وهو آخر القصيدة، فإن الجواب هو الفعل المقدّر الناصب للمصدر، أى شلّوهم شلاّ (٢).
ومثال حذف جواب «لمّا» أنك تقول: لمّا التقت الأقران، وخرج فلان من الصّفّ، معلما شاهرا سيفه، وجال بين العسكرين، وتسكت، تريد: قاتل وأبلى وبالغ.
وحذف جواب «أمّا» كقوله تعالى: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ اِسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ﴾ (٣) فعلى ما قدّمته، أى: فيقال لهم: ﴿أَكَفَرْتُمْ﴾ ومثله: ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا أَفَلَمْ تَكُنْ آياتِي تُتْلى عَلَيْكُمْ﴾ (٤) أى: فيقال لهم: أفلم تكن آياتى تتلى عليكم؟
...
стр. 772
المجلس الثالث والأربعون
يتضمّن ذكر ما حذف من الجمل والأسماء الآحاد، اختصارا
، وهو القسم السادس، ويليه فصول من حذف الحرف. [الحذف (١)] اختصارا من أفصح كلام العرب، لأنّ المحذوف كالمنطوق به، من حيث كان الكلام مقتضيا له، لا يكمل معناه إلا به، فمن ذلك فى التنزيل، الحذف فى قوله: ﴿وَلا تَحْلِقُوا رُؤُسَكُمْ حَتّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ فَمَنْ كانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً أَوْ بِهِ أَذىً مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾ (٢) أراد: فحلق ففدية، فاختصر، ولم يذكر «فحلق» اكتفاء بدلالة قوله: ﴿وَلا تَحْلِقُوا رُؤُسَكُمْ﴾ عليه، وحذف أيضا «عليه» الذى هو خبر ﴿فَفِدْيَةٌ﴾، وقد ذكرت ذلك فيما تقدم (٣)، وحذف مفعول «حلق» فحقيقة اللفظ:
فمن كان منكم مريضا أو به أذى من/رأسه فحلق رأسه فعليه فدية.
ومثله فى حذف الجملة والعاطف قوله: ﴿فَأَوْحَيْنا إِلى مُوسى أَنِ اِضْرِبْ بِعَصاكَ الْبَحْرَ فَانْفَلَقَ﴾ (٤) أراد: فضربه فانفلق، فلم يذكر فضربه، لأنه حين قال:
﴿أَنِ اِضْرِبْ بِعَصاكَ الْبَحْرَ﴾ علم أنه ضربه، ومثله: ﴿فَقُلْنَا اِضْرِبْ بِعَصاكَ الْحَجَرَ﴾ (٥) ومثله، وهو أبلغ فى الحذف، لأنّ المحذوف منه جملتان وعاطفان،
стр. 773
قوله: ﴿فَقُلْنا اِضْرِبُوهُ بِبَعْضِها كَذلِكَ يُحْيِ اللهُ الْمَوْتى﴾ (١) التقدير: فضربوه فحيى، كذلك يحيى الله الموتى.
وممّا حذف منه ثلاث جمل وثلاثة عواطف، قوله تعالى: ﴿وَقالَ الَّذِي نَجا مِنْهُما وَاِدَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ أَنَا أُنَبِّئُكُمْ بِتَأْوِيلِهِ فَأَرْسِلُونِ﴾ (٢) ثم قال: ﴿يُوسُفُ أَيُّهَا الصِّدِّيقُ أَفْتِنا﴾ وإنما التقدير: فأرسلوه فأتى يوسف فقال له: يوسف أيّها الصّديق.
وممّا حذف منه همزة الاستفهام مع ما دخلت عليه من الكلام، قوله تعالى:
﴿وَجَعَلَ لِلّهِ أَنْداداً لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِهِ قُلْ تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ قَلِيلاً إِنَّكَ مِنْ أَصْحابِ النّارِ أَمَّنْ هُوَ قانِتٌ آناءَ اللَّيْلِ ساجِداً وَقائِماً﴾ (٣) جاء فى التفسير، أن المعنى: أهذا أفضل أم من هو قانت؟ فحذف ذلك اكتفاء بالمعرفة بالمعنى، وأنشدوا للأخطل (٤):
لمّا رأونا والصّليب طالعا ... ومارسرجيس وموتا ناقعا
خلّوا لنا راذان والمزارعا ... وحنطة طيسا وكرما يانعا
كأنّما كانوا غرابا واقعا
أراد: فطاروا كأنهم كانوا غرابا، فحذف اللفظ الذى فيه المعنى، لأنه قد علم ما أراد بتشبيههم بالغراب، ولا معنى لتشبيههم به، إلا كون انهزامهم كطيرانه، فحذف الفعل والفاعل مع العاطف، وشبيه بذلك قول جرير (٥):
стр. 774
وردتم على قيس بخور مجاشع ... فبؤتم على ساق بطيء جبورها
أراد (١): فبؤتم على ساق مكسورة بطىء/جبورها» كأنه لما كان فى قوله: «بطيء جبورها» دليل على الكسر، اقتصر عليه.
ومما حذف منه ثلاث جمل قول الشّنفرى:
لا تقبرونى إنّ قبرى محرّم ... عليكم ولكن خامرى أمّ عامر (٢)
أمّ عامر: كنية الضّبع، وكان الرجل إذا أراد أن يصطادها دخل عليها وهى فى مغارها، وهو يقول: خامرى أمّ عامر، ويكرّر هذا القول، ومعنى خامرى:
قاربى، فلا يزال يقول ذلك ويدنو، حتى يضع فى عنقها حبلا، فأراد: لا تدفنونى ولكن دعونى تأكلنى التى يقال لها: خامرى أمّ عامر (٣).
ومن حذف هذا الضّرب فى التنزيل أيضا، حذف الجملة فى قوله تعالى:
﴿قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَسْلَمَ وَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ (٤) أى: وقيل (٥) لى: ولا تكوننّ من المشركين، ومثله فى قصة سليمان والجنّ: ﴿يَعْمَلُونَ لَهُ ما يَشاءُ مِنْ مَحارِيبَ وَتَماثِيلَ وَجِفانٍ كَالْجَوابِ وَقُدُورٍ راسِياتٍ اِعْمَلُوا آلَ داوُدَ شُكْراً﴾ (٦)
стр. 775
أى (١): وقيل له: اعملوا آل داود شكرا، فالخطاب له فى اللفظ، وله ولأهل بيته فى المعنى، كما قال تعالى: ﴿يا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذا طَلَّقْتُمُ النِّساءَ﴾ (٢) وكما قال: ﴿يا أَيُّهَا النَّبِيُّ اِتَّقِ اللهَ وَلا تُطِعِ الْكافِرِينَ وَالْمُنافِقِينَ﴾ (٣) ثم قال: ﴿وَاِتَّبِعْ ما يُوحى إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ إِنَّ اللهَ كانَ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيراً﴾ فالخطاب فى هذا ونظائره له ولأمّته.
وهاهنا سؤال، وهو: كيف قال: (اعملوا شكرا) ولم يقل: اشكروا، كما قال: ﴿وَاُشْكُرُوا لَهُ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ (٤) ولم يقل: اعملوا له شكرا، وكما قال:
﴿وَاُشْكُرُوا لِي وَلا تَكْفُرُونِ﴾ (٥) ولم يقل: واعملوا لى شكرا، وكلام العرب أن يقولوا:
شكرت لفلان، وشكرت فلانا، ولا يقال: عملت له شكرا، وهذا ممّا سئلت عنه قديما، سألنى عنه بعض أفاضل العجم.
والجواب: أن قوله ﴿شُكْراً﴾ ليس بمفعول (٦) [به] وإنما هو مفعول له (٧)، ومفعول: ﴿اِعْمَلُوا﴾ /محذوف، والمراد: اعملوا الأعمال الصالحة شكرا على هذه النّعم.
وممّا جاء فيه حذفان، قول أوس بن حجر (٨):
حتّى إذا الكلاّب قال لها ... كاليوم مطلوبا ولا طلبا
أراد: قال للبقر والكلاب: لم أر كاليوم مطلوبا وطالبا (٩)، فحذف النافى