← Адаб

Адаб · id 120922

أمالي ابن الشجري ت الطناحي

ابن الشجري

Полный текст (1 931 стр.). Показаны 771–810 · переход к 776.

стр. 771

وقيل فى البيت كما قيل فى الآية: إن الواو مقحمة، وليس ذلك بشىء، لأن زيادة الواو لم تثبت فى شيء من الكلام الفصيح، وحذف الأجوبة كثير، وأمّا قول الآخر (١): حتّى إذا أسلكوهم فى قتائدة ... شلاّ كما تطرد الجمّالة الشّردا وهو آخر القصيدة، فإن الجواب هو الفعل المقدّر الناصب للمصدر، أى شلّوهم شلاّ (٢). ومثال حذف جواب «لمّا» أنك تقول: لمّا التقت الأقران، وخرج فلان من الصّفّ، معلما شاهرا سيفه، وجال بين العسكرين، وتسكت، تريد: قاتل وأبلى وبالغ. وحذف جواب «أمّا» كقوله تعالى: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ اِسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ﴾ (٣) فعلى ما قدّمته، أى: فيقال لهم: ﴿أَكَفَرْتُمْ﴾ ومثله: ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا أَفَلَمْ تَكُنْ آياتِي تُتْلى عَلَيْكُمْ﴾ (٤) أى: فيقال لهم: أفلم تكن آياتى تتلى عليكم؟ ...

стр. 772

المجلس الثالث والأربعون يتضمّن ذكر ما حذف من الجمل والأسماء الآحاد، اختصارا ، وهو القسم السادس، ويليه فصول من حذف الحرف. [الحذف (١)] اختصارا من أفصح كلام العرب، لأنّ المحذوف كالمنطوق به، من حيث كان الكلام مقتضيا له، لا يكمل معناه إلا به، فمن ذلك فى التنزيل، الحذف فى قوله: ﴿وَلا تَحْلِقُوا رُؤُسَكُمْ حَتّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ فَمَنْ كانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً أَوْ بِهِ أَذىً مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾ (٢) أراد: فحلق ففدية، فاختصر، ولم يذكر «فحلق» اكتفاء بدلالة قوله: ﴿وَلا تَحْلِقُوا رُؤُسَكُمْ﴾ عليه، وحذف أيضا «عليه» الذى هو خبر ﴿فَفِدْيَةٌ﴾، وقد ذكرت ذلك فيما تقدم (٣)، وحذف مفعول «حلق» فحقيقة اللفظ: فمن كان منكم مريضا أو به أذى من/رأسه فحلق رأسه فعليه فدية. ومثله فى حذف الجملة والعاطف قوله: ﴿فَأَوْحَيْنا إِلى مُوسى أَنِ اِضْرِبْ بِعَصاكَ الْبَحْرَ فَانْفَلَقَ﴾ (٤) أراد: فضربه فانفلق، فلم يذكر فضربه، لأنه حين قال: ﴿أَنِ اِضْرِبْ بِعَصاكَ الْبَحْرَ﴾ علم أنه ضربه، ومثله: ﴿فَقُلْنَا اِضْرِبْ بِعَصاكَ الْحَجَرَ﴾ (٥) ومثله، وهو أبلغ فى الحذف، لأنّ المحذوف منه جملتان وعاطفان،

стр. 773

قوله: ﴿فَقُلْنا اِضْرِبُوهُ بِبَعْضِها كَذلِكَ يُحْيِ اللهُ الْمَوْتى﴾ (١) التقدير: فضربوه فحيى، كذلك يحيى الله الموتى. وممّا حذف منه ثلاث جمل وثلاثة عواطف، قوله تعالى: ﴿وَقالَ الَّذِي نَجا مِنْهُما وَاِدَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ أَنَا أُنَبِّئُكُمْ بِتَأْوِيلِهِ فَأَرْسِلُونِ﴾ (٢) ثم قال: ﴿يُوسُفُ أَيُّهَا الصِّدِّيقُ أَفْتِنا﴾ وإنما التقدير: فأرسلوه فأتى يوسف فقال له: يوسف أيّها الصّديق. وممّا حذف منه همزة الاستفهام مع ما دخلت عليه من الكلام، قوله تعالى: ﴿وَجَعَلَ لِلّهِ أَنْداداً لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِهِ قُلْ تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ قَلِيلاً إِنَّكَ مِنْ أَصْحابِ النّارِ أَمَّنْ هُوَ قانِتٌ آناءَ اللَّيْلِ ساجِداً وَقائِماً﴾ (٣) جاء فى التفسير، أن المعنى: أهذا أفضل أم من هو قانت؟ فحذف ذلك اكتفاء بالمعرفة بالمعنى، وأنشدوا للأخطل (٤): لمّا رأونا والصّليب طالعا ... ومارسرجيس وموتا ناقعا خلّوا لنا راذان والمزارعا ... وحنطة طيسا وكرما يانعا كأنّما كانوا غرابا واقعا أراد: فطاروا كأنهم كانوا غرابا، فحذف اللفظ الذى فيه المعنى، لأنه قد علم ما أراد بتشبيههم بالغراب، ولا معنى لتشبيههم به، إلا كون انهزامهم كطيرانه، فحذف الفعل والفاعل مع العاطف، وشبيه بذلك قول جرير (٥):

стр. 774

وردتم على قيس بخور مجاشع ... فبؤتم على ساق بطيء جبورها أراد (١): فبؤتم على ساق مكسورة بطىء/جبورها» كأنه لما كان فى قوله: «بطيء جبورها» دليل على الكسر، اقتصر عليه. ومما حذف منه ثلاث جمل قول الشّنفرى: لا تقبرونى إنّ قبرى محرّم ... عليكم ولكن خامرى أمّ عامر (٢) أمّ عامر: كنية الضّبع، وكان الرجل إذا أراد أن يصطادها دخل عليها وهى فى مغارها، وهو يقول: خامرى أمّ عامر، ويكرّر هذا القول، ومعنى خامرى: قاربى، فلا يزال يقول ذلك ويدنو، حتى يضع فى عنقها حبلا، فأراد: لا تدفنونى ولكن دعونى تأكلنى التى يقال لها: خامرى أمّ عامر (٣). ومن حذف هذا الضّرب فى التنزيل أيضا، حذف الجملة فى قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَسْلَمَ وَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ (٤) أى: وقيل (٥) لى: ولا تكوننّ من المشركين، ومثله فى قصة سليمان والجنّ: ﴿يَعْمَلُونَ لَهُ ما يَشاءُ مِنْ مَحارِيبَ وَتَماثِيلَ وَجِفانٍ كَالْجَوابِ وَقُدُورٍ راسِياتٍ اِعْمَلُوا آلَ داوُدَ شُكْراً﴾ (٦)

стр. 775

أى (١): وقيل له: اعملوا آل داود شكرا، فالخطاب له فى اللفظ، وله ولأهل بيته فى المعنى، كما قال تعالى: ﴿يا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذا طَلَّقْتُمُ النِّساءَ﴾ (٢) وكما قال: ﴿يا أَيُّهَا النَّبِيُّ اِتَّقِ اللهَ وَلا تُطِعِ الْكافِرِينَ وَالْمُنافِقِينَ﴾ (٣) ثم قال: ﴿وَاِتَّبِعْ ما يُوحى إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ إِنَّ اللهَ كانَ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيراً﴾ فالخطاب فى هذا ونظائره له ولأمّته. وهاهنا سؤال، وهو: كيف قال: (اعملوا شكرا) ولم يقل: اشكروا، كما قال: ﴿وَاُشْكُرُوا لَهُ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ (٤) ولم يقل: اعملوا له شكرا، وكما قال: ﴿وَاُشْكُرُوا لِي وَلا تَكْفُرُونِ﴾ (٥) ولم يقل: واعملوا لى شكرا، وكلام العرب أن يقولوا: شكرت لفلان، وشكرت فلانا، ولا يقال: عملت له شكرا، وهذا ممّا سئلت عنه قديما، سألنى عنه بعض أفاضل العجم. والجواب: أن قوله ﴿شُكْراً﴾ ليس بمفعول (٦) [به] وإنما هو مفعول له (٧)، ومفعول: ﴿اِعْمَلُوا﴾ /محذوف، والمراد: اعملوا الأعمال الصالحة شكرا على هذه النّعم. وممّا جاء فيه حذفان، قول أوس بن حجر (٨): حتّى إذا الكلاّب قال لها ... كاليوم مطلوبا ولا طلبا أراد: قال للبقر والكلاب: لم أر كاليوم مطلوبا وطالبا (٩)، فحذف النافى

стр. 776

والمنفىّ، اللذين هما «لم أر» فلذلك جاء بحرف النفى مع المعطوف فى قوله: «ولا طلبا» لأنه عطفه على ما عمل فيه فعل منفىّ، ووضع المصدر الذى هو «طلب» موضع اسم الفاعل الذى هو «طالب» ويجوز أن يكون التقدير: ولا ذا طلب، فهذا حذف، والحذف الآخر: أنهم إذا قالوا: لم أر كاليوم رجلا، فإنهم يريدون: لم أر رجلا كرجل أراه اليوم، فكذلك أراد: لم أر مطلوبا كمطلوب أراه اليوم. ومن الحذف الطويل فى قول أبى دواد الإيادى (١): إنّ من شيمتى لبذل تلادى ... دون عرضى فإن رضيت فكونى أراد: فكونى (٢) معى على ما أنت عليه، فإن لم ترضى فبينى، فحذف هذا كلّه. وقال آخر: إذا قيل سيروا إنّ ليلى لعلّها ... جرى دون ليلى مائل القرن أعضب (٣) أراد: لعلها قريبة، فحذف خبر لعلّ، وقد قدّمنا نظائر هذا، والمعنى: إذا قيل: سيروا لعلّ ليلى قريبة، برح لنا ظبى ذو قرن معوجّ وقرن مكسور، فآذن ببعدها. والبارح من الظّباء: الذى يجيء عن ميسرة السائرين، وهم يتطيّرون به، والسانح: الذى يجيء عن يمينهم، وهم يتيمّنون به. ...

стр. 777

فصل ذكر حذف الحرف الحرف على ضربين: حرف معنى، وحرف من نفس الكلمة. فمن الحروف/المعنويّة التى وقع بها الحذف، أحرف خافضة، منها اللام، وحذفها مطّرد مع أنّ الشديدة وأن الخفيفة، كقولك: ما جئتك إلا أنّك كريم، تريد: إلاّ لأنك، وكذلك: ما أتيته إلا أن يحسن إلىّ، تريد: إلاّ لأن يحسن. وممّا حذفوا منه اللام فى الشّعر، قول الأعشى (١): أبالموت الذى لا بدّ أنّى ... ملاق لا أباك تخوّفينى والوجه: لا أبا لك، كما قال زهير (٢): سئمت تكاليف الحياة ومن يعش ... ثمانين حولا لا أبا لك يسأم وإنما ضعف حذف هذه اللام، لأنها فى هذا الكلام معتدّ بها، من وجه، وإن كانت غير معتدّ بها من وجه آخر، فالاعتداد بها، من حيث منعت الاسم، لفصلها بينه وبين المجرور بها، أن يتعرّف بإضافته إليه، فيكون اسم «لا» معرفة،

стр. 778

وترك الاعتداد بها، من حيث ثبتت الألف فى «أب» ألا ترى أنّ الألف لا تثبت فى هذا الاسم إلاّ فى الإضافة (١)، نحو: رأيت أباك وأبا زيد، فلولا أنه فى تقدير الإضافة إلى الكاف، فى «لا أبا لك» لم تثبت الألف، وكذلك حكم اللام، فى قولك: لا غلامى (٢) لك، ولا غلامى لزيد، فالاعتداد بها، من حيث منعت «غلامين» التعرّف بالإضافة إلى المعرفة، وترك الاعتداد بها، من حيث حذفت نون «غلامين»، فلو لم يقدّروا إضافتهما لما حذفت النّون. وممّا حذفت منه اللام قولهم: شكرت لزيد، ونصحت له، هذا هو الأصل فيهما، لأن التنزيل جاء به، فى قوله جلّ اسمه: ﴿وَاُشْكُرُوا لِي وَلا تَكْفُرُونِ﴾ (٣) وقوله: ﴿أَنِ اُشْكُرْ لِي وَلِوالِدَيْكَ﴾ (٤) وقوله: ﴿وَأَنْصَحُ لَكُمْ﴾ (٥) و ﴿إِذا نَصَحُوا لِلّهِ وَرَسُولِهِ﴾ (٦) وجاء حذفها فى كلامهم نظما ونثرا، فمن النّظم قول النابغة (٧): نصحت بنى عوف فلم يتقبّلوا ... رسولى ولم تنجح لديهم وسائلى /وقول آخر: سأشكر عمرا إن تراخت منيّتى ... أيادى لم تمنن وإن هى جلّت (٨) نصب «أيادى» بتقدير حذف الخافض، أراد: على أياد، فلما حذف

стр. 779

«على» نصب، ويجوز أن تنصب «أيادى» بدلا من «عمرو» بدل الاشتمال، وتقدّر العائد إلى المبدل منه محذوفا، تريد: أيادى له، وحذفت «له» كما حذف الأعشى الضمير مع الجارّ فى قوله (١): لقد كان فى حول ثواء ثويته ... تقضّى لبانات ويسأم سائم أراد: ثويته (٢) فيه. ومما عدّوه باللام كال ووزن، فى نحو: كلت لك قفيزين برّا، ووزنت لك منوين عسلا، وجاء حذف هذه اللام فى كثير من كلامهم، كقولك: كلتك البرّ، ووزنتك العسل، وقد يحذفون المفعول الثانى، فيقولون: كلتك ووزنتك، وعليه جاء قوله تعالى: ﴿وَإِذا كالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ﴾ (٣) معناه: كالوا لهم أو وزنوا لهم. وأخطأ بعض المتأوّلين فى تأويل هذا اللفظ، فزعم (٤) أن قوله: «هم» ضمير مرفوع، وكّدت به الواو، كالضمير فى قولك: خرجوا هم، فهم على هذا التأويل عائد على المطفّفين.

стр. 780

ويدلّك على بطلان هذا القول عدم تصوير الألف بعد الواو، فى ﴿كالُوهُمْ﴾ و ﴿وَزَنُوهُمْ﴾ ولو كان المراد ما ذهب إليه هذا المتأوّل، لم يكن بدّ من (١) إثبات ألف بعد الواو، على ما اتفقت عليه خطوط المصاحف كلّها، فى نحو: ﴿خَرَجُوا مِنْ دِيارِهِمْ﴾ (٢) و ﴿قالُوا لِنَبِيٍّ لَهُمُ﴾ (٣) وإذا ثبت بهذا فساد قوله، فالضمير الذى هو «هم» منصوب بوصول الفعل إليه، بعد حذف اللام، وهو عائد على ﴿النّاسِ﴾ فى قوله تعالى: ﴿إِذَا اِكْتالُوا عَلَى النّاسِ﴾ (٤) وهذا أيضا دليل على فساد قوله: إن الضمير مرفوع، ألا ترى أن المعنى: إذا كالوا على الناس يستوفون، وإذا كالوا/للناس أو وزنوا للناس يخسرون (٥). وممّا حذفوا من الحروف الخافضة «من»، فى قولهم: اخترت الرجال زيدا، يريدون: من الرجال، وجاء فى التنزيل: ﴿وَاِخْتارَ مُوسى قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلاً﴾ (٦) أى من قومه، وقال الفرزدق: ومنّا الذى اختير الرّجال سماحة ... وجودا إذا هبّ الرّياح الزّعازع (٧) فالنصب فى «الرّجال» بوصول الفعل بعد حذف الخافض. ومما حذفت منه «من» وأعملت محذوفة، قول أبى حيّة النّميرىّ (٨):

стр. 781

رأين خليسا بعد أحوى تلعّبت (١) ... بفوديه سبعون السّنين الكوامل وأنكرت إعراض الغوانى ورابنى ... وأنكرن إعراضى وأقصر باطلى أراد: من السّنين، فحذفها وأعملها. وذهب الخليل إلى أن النكرة بعد «كم» فى نحو: كم رجل عندى، تنجرّ على إرادة «من» والدليل على جواز ذلك، كما قال الخليل، قول الأعشى (٢): كم ضاحك من ذا ومن ساخر أراد: كم من ضاحك، فلذلك عطف عليه بمن، فقال: ومن ساخر. وبالجملة إنّ إضمار الجارّ وإعماله بغير عوض، ضعيف، وإنما استجازوا إضمار «من» بعد «كم» لأنه قد عرف موضعها، وكثر استعمالها فيه، كما كثر استعمال الباء فى جواب قولهم: كيف أصبحت؟ فقيل ذلك لرؤبة، فقال (٣): «خير عافاك الله»، فحذف الباء وأعملها، وسوّغ له ذلك ما ذكرته من كثرة استعمالها مع هذا اللفظ. ومثل ذلك حذف الباء من اسم الله تعالى، فى القسم، فى لغة من قال: الله لتفعلنّ، وهو قليل، ولم يستعملوه فى غير هذا الاسم، تعالى مسمّاه، فهو مما اختصّ به، كاختصاصه بالتاء فى القسم، وبقطع همزته فى النّداء، فى إحدى اللّغتين، وبتفخيم لامه (٤) إذا تقدمتها ضمّة أو فتحة، وبإلحاق آخره ميما مثقّلة عوضا

стр. 782

من حرف النداء قبله، فى قولهم: اللهمّ، وإنما يكثر فى كلامهم الخفض فى هذا الاسم بهمزة الاستفهام، نائبة عن الواو، /فى قولهم: آلله لتفعلنّ، أصله: أو الله، فحذفوا الواو وأنابوا الهمزة عنها، فأعملوها عملها، وكذلك أنابوا حرف التنبيه عن الواو، فجرّوا بها فى قولهم: لاها الله ذا، يريدون: لا والله ذا قسمى. وممّا حذفوا منه الباء، فعاقبها النصب، قولهم: أمرتك الخير، يريدون: بالخير، قال: أمرتك الخير فافعل ما أمرت به ... فقد تركتك ذا مال وذا نشب (١) والباء كثيرا ما تحذف فى قولهم: أمرتك أن تفعل كذا، فإذا صرّحوا بالمصدر، قالوا: أمرتك بفعل كذا، وإنما استحسنوا حذف الباء مع «أن» لطول «أن» بصلتها التى هى جملة، فمن حذفها فى التنزيل، حذفها فى قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَماناتِ﴾ (٢) ومن إثباتها مع المصدر الصريح إثباتها فى قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ اللهَ لا يَأْمُرُ بِالْفَحْشاءِ﴾ (٣). ومعنى قول أبى حيّة: «رأين خليسا بعد أحوى» الخليس: الشّعر الأشمط (٤)، والأجوى: الأسود. وقوله: «بفوديه» الفودان: شعر جانبى الرأس ممّا يلى الأذنين.

стр. 783

وممّا حذف منه حرف الجر، فعاقبه النصب قول المتلمّس (١): آليت حبّ العراق الدّهر أطعمه ... والحبّ يأكله فى القرية السّوس أراد: على حبّ العراق. وممّا حذفوه من الحروف الجارّة، وعوّضوا منه، كما حذفوا واو القسم وعوّضوا منها الهمزة الاستفهامية وحرف التنبيه: ربّ، حذفوها، وعوّضوا منها الواو، كقول القائل (٢): «وقرن قد دلفت إليه فى المصاع» وكقوله: وسبى قد حويته فى المغار أراد: ربّ قرن، فحذف ربّ، وأدخل الواو، فمن النحويين (٣) من قال: إن الواو هى الجارّة، على طريق النيابة، ومنهم/من قال: إن الجرّ بربّ مقدّرة، والقول الأول عند بعض النحويين أجود، قال: لأنك إذا لم تحكم بأن الجرّ للواو، كانت عاطفة، والعاطف لا يقع أوّلا، وإنما يجيء بعد معطوف عليه، وهذه الواو كثيرا ما تقع مبتدأ بها فى الشّعر، كقول رؤبة: وبلد عامية أعماؤه ... كأنّ لون أرضه سماؤه (٤) فلو حكمت بأن الجرّ لربّ، تمحّضت الواو للعطف ابتداء، والعطف لا يقع

стр. 784

ابتداء، وعند آخرين من أئمة النحويّين، منهم أبو (١) على، أن الجرّ بربّ، واستدلّ أبو علىّ بقول الهذلىّ: فإمّا تعرضنّ أميم عنّى ... وتنزعك الوشاة أولو النّياط (٢) فحور قد لهوت بهنّ عين ... نواعم فى البرود وفى الرّياط فالفاء جواب الشّرط، وإذا كانت الفاء جوابا للشرط، حصل انجرار الاسم (٣) [بالجارّ] المضمر، ومن الدليل على ذلك أيضا قوله: بل بلد ملء الفجاج قتمه (٤) «فلو كان الجرّ بالواو، دون ربّ المضمرة، لكان الجرّ فى قوله: «بل بلد» ببل، قال: وهذا لا نعلم أحدا به اعتداد يقوله». قوله: «أولو النّياط» النّياط: جمع نوطة، والنّوطة: الحقد. والرّيطة: الملاءة إذا كانت قطعة واحدة، ولم تكن لفقين، وجمعها: ريط ورياط. وقول رؤبة: «عامية أعماؤه» أى غير واضحة نواحيه وأقطاره. وقوله: «كأنّ لون أرضه سماؤه» هو من المقلوب، وفيه تقدير حذف مضاف، وإنما أراد: كأنّ لون سمائه لون أرضه، وذلك لأن القتام لأجل الجدب ارتفع حتى غطّى السماء، فصار لونها كلون الأرض، وقد اتّسع القلب فى كلامهم حتى استعملوه فى غير الشّعر، فقالوا: أدخلت القلنسوة فى رأسى، والخاتم فى

стр. 785

إصبعى، وممّا جاء منه فى الشعر قول الأخطل (١): مثل القنافذ هدّاجون قد بلغت ... نجران أو بلغت سوءاتهم هجر قال الأخفش (٢): جعل هجر كأنها هى البالغة، وهى المبلوغة فى المعنى. قوله: «هدّاجون» الهدجان: مشى الشيخ، وهدج الظّليم: إذا مشى فى ارتعاش. ومن المقلوب قول كعب بن زهير (٣): كأنّ أوب ذراعيها إذا عرقت ... وقد تلفّع بالقور العساقيل القور: جمع قارة، وهى الجبيل الصغير. والعساقيل: اسم لأوائل السّراب، جاء بلفظ الجمع، ولا واحد له من لفظه. والتّلفّع: الاشتمال والتّجلّل، وقال: «تلفّع بالقور العساقيل» وإنما المعنى: تلفّع القور بالعساقيل. وقال أبو العباس ثعلب، فى قوله تعالى: ﴿ثُمَّ فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُها سَبْعُونَ﴾

стр. 786

﴿ذِراعاً فَاسْلُكُوهُ﴾ (١): هذا من المقلوب، وتقديره: اسلكوا فيه سلسلة. وقال أبو زيد (٢): يقال: «إذا طلعت الجوزاء انتصب العود فى الحرباء» يريدون: انتصب الحرباء فى العود، والحرباء: دويبّة تعانق عودا، وتدور مع عين الشمس حيث دارت إلى أن تغيب. وقال أبو الحسن الأخفش: يقولون: «عرضت الناقة على الحوض، وعرضتها على الماء» يريدون: عرضت الماء عليها، وأنشد الأخفش: وإن أنت لاقيت فى نجدة ... فلا تتهيّبك أن تقدما (٣) قال: أراد: لا تتهيّبها، وقال ابن مقبل (٤): ولا تهيّبنى الموماة أركبها ... إذا تجاوبت الأصداء بالسّحر الأصداء: جمع الصّدى، وهو ذكر البوم، والصّدى: الصّوت الذى يجيبك إذا صحت بقرب جبل. وأنشدوا فى المقلوب: كما لففت الثّوب فى الوعاءين (٥) أراد: كما لففت الثّوبين فى الوعاء. ومما حذفوا منه «إلى» قولهم: دخلت البيت، وذهبت الشام، ولم يستعملوا

стр. 787

ذهبت/بغير «إلى» إلاّ فى الشّام، وليس كذلك دخلت، بل هو مطّرد فى جميع الأمكنة، نحو: دخلت المسجد، ودخلت السّوق، فمذهب سيبويه (١) أن البيت ينتصب بتقدير حذف الخافض، وخالفه فى ذلك أبو عمر الجرمىّ، فزعم أن البيت مفعول به، مثله فى قولك: بنيت البيت، واحتجّ أبو عليّ لمذهب سيبويه، بأنّ نظير دخلت ونقيضه، لا يصلان إلى المفعول إلاّ بالخافض، فنظيره: غرت، ونقيضه خرجت، فلما قالوا: غرت فى البيت، وخرجت من البيت، كان حكم دخلت كحكمهما (٢) فى التعدّى بالخافض، ولما عدّوا خرجت بمن، وهى لابتداء الغاية، دلّ على أن دخلت حكمه التعدية بإلى، لأنها لانتهاء الغاية. واحتجّ أبو علي أيضا بأنّ مصدر دخل، جاء على الفعول، والفعول فى الأغلب إنما يكون للأفعال اللازمة، نحو صعد صعودا، ونزل نزولا، وخرج خروجا، ولغب لغوبا، وشحب لونه شحوبا، وسهم وجهه سهوما، فجعل الدخول دليلا على أنّ دخل فى أصل وضعه مستحقّ للتعدية بالخافض، الذى هو «إلى» وقد تعدّى بفى، كما عدّى بها غرت، فيقال: دخلت فى البيت، كما يقال: دخلت فى هذا الأمر، ومثل ذلك فى التنزيل: ﴿اُدْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً﴾ (٣). فإن قيل: إنّ تعديته بفى إنما جاء فى غير الأمكنة. قيل: وقد جاء فى الأمكنة كقول أعرابيّ أدخل حمّاما:

стр. 788

أدخلت فى بيت لهم محندس ... قد مرّدوه بالرّخام الأملس (١) فقلت فى نفسى بالتّوسوس ... أدخلت فى النار ولمّا أرمس محندس: من الحندس، وهو الظّلام. ومرّدوه: ملّسوه، ومنه الغلام الأمرد، وشجرة مرداء: لا ورق عليها. ...

стр. 789

المجلس الرابع والأربعون /يتضمّن ذكر الحذف، فيما لم نذكره من حروف المعانى ، وحذف حروف من أنفس الكلم، فممّا حذف من حروف المعانى «لا» إذا وقعت جوابا للقسم، كقول امرئ القيس (١): فقلت يمين الله أبرح قاعدا ... ولو قطعوا رأسى لديك وأوصالى أى لا أبرح، ومثله: تالله يبقى على الأيّام ذو حيد ... بمشمخرّ به الظّيّان والآس (٢) الظّيّان: الياسمين. وقد جاء حذف «لا» من هذا الضّرب فى التنزيل، فى قوله تعالى: ﴿قالُوا تَاللهِ تَفْتَؤُا تَذْكُرُ يُوسُفَ﴾ (٣) أراد: لا تفتأ، أى لا تزال تذكر يوسف ﴿حَتّى تَكُونَ حَرَضاً﴾

стр. 790

والحرض: الذى أذابه الحزن أو العشق، قال الشاعر (١): إنّى امرؤ لجّ بى حبّ فأحرضنى ... حتّى بليت وحتّى شفّنى السّقم وقد حذفت اللام من جواب القسم، كما حذفت «لا» وذلك من جواب: ﴿وَالشَّمْسِ وَضُحاها﴾ (٢) وهو قوله: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكّاها﴾ وكذلك حذفها الشاعر من قوله: وقتيل مرّة أثأرنّ فإنّه ... فرغ وإنّ أخاكم لم يثأر (٣) أراد: لأثأرنّ. وقوله: «فرغ»، يقال فيه: ذهب دم فلان فرغا، أى باطلا لم يطلب (٤) [به]. وقد جاء حذف النون وإبقاء اللام فى قراءة ابن كثير: «لأقسم بيوم»

стр. 791

«القيامة» (١) وحذف النون هاهنا حسن (٢)، لأنّ نون التوكيد تخلّص الفعل للاستقبال، والله تعالى أراد الإقسام فى الحال، كقولك: والله لأخرج، تريد بذلك خروجا أنت فيه، ولو قلت: لأخرجنّ، أردت خروجا متوقّعا. ومن قرأ ﴿لا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيامَةِ﴾ (٣) ففى قراءته قولان، أحدهما: أن تكون «لا» مزيدة/كالتى فى قوله تعالى: ﴿لِئَلاّ يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتابِ﴾ (٤) وهو قول أبى على، وقال: فإن قلت: إنّ الحرف الذى يزاد إنّما يزاد وسطا، كزيادة «ما» و «لا» فى قوله: ﴿فَبِما رَحْمَةٍ مِنَ اللهِ﴾ (٥) و «ممّا خطاياهم» (٦) وقوله: ﴿فَلا أُقْسِمُ بِرَبِّ الْمَشارِقِ وَالْمَغارِبِ﴾ (٧) [ولا يزاد (٨) أولا. فقد قالوا: إن مجاز القرآن مجاز الكلام الواحد والسورة الواحدة، قالوا: والذى يدلّ على ذلك أنه قد يذكر الشىء فى سورة فيجىء جوابه فى سورة أخرى، كقوله: ﴿وَقالُوا يا أَيُّهَا الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ﴾ (٩) جاء جوابه فى سورة أخرى: ﴿ما أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ﴾ (١٠)

стр. 792

فلا فرق إذن على هذا بين قوله: ﴿لِئَلاّ يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتابِ﴾ وقوله: ﴿فَلا أُقْسِمُ بِرَبِّ الْمَشارِقِ وَالْمَغارِبِ﴾] وبين قوله: ﴿لا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيامَةِ﴾، وقد حملت «ما» على الزيادة، مع وقوعها أوّلا فيما أنشده أبو زيد (١): ما مع أنّك يوم الورد ذو جزر (٢) ... ضخم الدّسيعة بالسّلمين وكّار وأنكر بعض النحويين (٣) أن تكون «لا» زائدة فى قوله تعالى: ﴿لا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيامَةِ﴾ قال: لأنّ كون الحرف زائدا يدلّ على اطّراحه، وكونه أوّل الكلام يدلّ على قوّة العناية به، فكيف يكون مطّرحا معنيّا به فى حالة واحدة، وإذا قبح الجمع بين اطّراح الشىء والعناية به، بطل كون «لا» فى هذه الآية زائدة، وجعلناها نافية، ردّا على من جحد البعث، وأنكر القيامة، وقد حكى الله تعالى أقوالهم فى مواضع من كتابه، وكأنه قيل: ﴿لا﴾ ليس الأمر على ما تقوّلتموه، من إنكاركم ليوم القيمة ﴿أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيامَةِ. وَلا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوّامَةِ﴾ فلا هاهنا جواب لما

стр. 793

حكى من جحدهم البعث، كما كان قوله تعالى: ﴿ما أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ﴾ جوابا لقولهم: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ﴾ لأنّ القرآن يجرى مجرى السّورة الواحدة. ومثل قوله: ﴿ما أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ﴾ جوابا لما قذفوه به من الجنون، مجىء قوله: ﴿يَحْلِفُونَ بِاللهِ ما قالُوا وَلَقَدْ قالُوا كَلِمَةَ الْكُفْرِ وَكَفَرُوا بَعْدَ إِسْلامِهِمْ وَهَمُّوا بِما لَمْ يَنالُوا﴾ (١) جوابا لما ورد فى السّورة الأخرى من قول عبد الله بن أبىّ بن سلول، ومن كان معه من المنافقين: ﴿لَئِنْ رَجَعْنا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ﴾ (٢). ومجىء «ما» زائدة فى قول القائل: ما مع أنك يوم الورد/ذو جزر من الشاذّ النادر، وقوله: «ذو جزر» الجزر: جمع الجزرة، وهى الشاة المذبوحة. والدّسيعة، هاهنا: الجفنة، والدّسيعة فى غير هذا: العطيّة الضّخمة، والدّسيعة أيضا: مركّب العنق فى الكاهل. والسّلم: الدّلو، ووكّار: عدّاء. وممّا حذفوه من حروف المعانى: الفاء، حذفت من جواب الشرط، فى قول عبد الرحمن بن حسان بن ثابت: من يفعل الحسنات الله يشكرها ... والشّرّ بالشّرّ عند الله سيّان (٣) أراد: فالله يشكرها.

стр. 794

والفاء العاطفة كثيرا ما تحذف فى الكلام وفى الشعر، وحذفها فى التنزيل كثير، كقوله تعالى: ﴿وَإِذْ قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ إِنَّ اللهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً قالُوا أَتَتَّخِذُنا هُزُواً قالَ أَعُوذُ بِاللهِ﴾ (١) المعنى: فقالوا: أتتّخذنا هزوا، فقال: أعوذ بالله، وقال الشاعر: لمّا رأيت نبطا أنصارا ... شمّرت عن ركبتى الإزارا (٢) كنت لهم من النّصارى جارا أراد: فكنت (٣). وممّا جاء فيه حذف الواو عاطفة قول الحطيئة: إنّ امرأ رهطه بالشام منزله ... برمل يبرين جارا شدّ ما اغتربا (٤) أراد: ومنزله. وممّا استمرّ فيه حذف الفاء من أوائل آيات متواليات، قوله تعالى: ﴿قالَ فِرْعَوْنُ وَما رَبُّ الْعالَمِينَ. قالَ رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ. قالَ لِمَنْ حَوْلَهُ أَلا تَسْتَمِعُونَ. قالَ رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبائِكُمُ الْأَوَّلِينَ. قالَ إِنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ. قالَ رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَما بَيْنَهُما إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ. قالَ لَئِنِ اِتَّخَذْتَ إِلهَاً غَيْرِي لَأَجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ. قالَ أَوَلَوْ جِئْتُكَ بِشَيْءٍ مُبِينٍ. قالَ فَأْتِ بِهِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصّادِقِينَ﴾ (٥) جميع هذه الآى، الفاء مرادة في أوائلها.

стр. 795

/ومن حروف المعانى التى حذفت وقدّرت «قد» فى قوله تعالى: ﴿أَنُؤْمِنُ لَكَ وَاِتَّبَعَكَ الْأَرْذَلُونَ﴾ (١) أى: وقد اتّبعك الأرذلون، أى أنؤمن لك فى هذه الحال؟ وإنما وجب تقدير «قد» هاهنا لأن الماضى لا يقع فى موضع الحال (٢) إلا ومعه «قد» ظاهرة أو مقدّرة، فالظاهرة كقولك: جاء زيد وقد أعيا، أى: معييا، والمقدّرة فى الآية المذكورة، ومثلها قوله: ﴿كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللهِ وَكُنْتُمْ أَمْواتاً فَأَحْياكُمْ﴾ (٣) التقدير: وقد كنتم أمواتا فأحياكم، ومثله: ﴿أَوْ جاؤُكُمْ حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ أَنْ يُقاتِلُوكُمْ أَوْ يُقاتِلُوا قَوْمَهُمْ﴾ (٤) قيل: معناه: قد حصرت صدورهم، ويدلّ على ذلك قراءة الحسن ويعقوب الحضرمي (٥): ﴿حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ﴾ وقيل: إن الحال هاهنا محذوفة، و ﴿حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ﴾ صفتها، والتقدير: جاءوكم قوما حصرت صدورهم، وهو قول الأخفش (٦)، وذهب أبو العباس المبرّد (٧) إلى أن قوله: ﴿حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ أَنْ يُقاتِلُوكُمْ﴾ دعاء عليهم، على طريقة: ﴿قاتَلَهُمُ اللهُ﴾ (٨) و ﴿قُتِلَ الْإِنْسانُ ما أَكْفَرَهُ﴾ (٩)

стр. 796

ودفع ذلك أبو على (١) وغيره، بقوله تعالى: ﴿أَوْ يُقاتِلُوا قَوْمَهُمْ﴾ قالوا: لا يجوز أن ندعو عليهم بأن تحصر صدورهم عن قتالهم لقومهم، بل نقول: اللهم ألق بأسهم بينهم. وأمّا العوامل فى الفعل، فمنها «أن» المصدرية، وهى تنصب مضمرة، كما تنصب مظهرة، ونصبها مضمرة يكون بعد ثلاثة أحرف عاطفة، وحرفين جارّين، فالعاطفة: الفاء والواو وأو، والجارّان: لام الإضافة، وحتّى التى بمعنى إلى. فالفاء تضمر بعدها «أن» بعد الأمر والنهى والاستفهام، والنفى والتمنيّ والدعاء والعرض. ووجه إضمار «أن» بعد الفاء إذا وقعت بعد هذه المعانى، أن المراد بها عطف [مصدر على (٢)] مصدر متأوّل، لأنك إذا قلت: زرنى فأكرمك، فالتقدير: لتكن زيارة منك فإكرام منّى، وألزموها الإضمار، لأن المصدر الأول غير مصرّح به، فكرهوا التصريح بالمصدر الثانى، فالفاء هنا/فى التحقيق عاطفة، لا جواب، لأنّ «أن» مع الفعل فى حكم المفرد، والمفرد لا يستقلّ بنفسه، فيكون جوابا، وإنما سمّاها النحويون جوابا، لأنها لو سقطت انجزم الفعل الذى بعدها، بكونه جوابا، إلاّ بعد النفى، وإنما يكون الجزم بعدها، لأنّ الأمر فى قولك: زرنى أكرمك، ناب عن الشرط، من حيث كان الثانى مستحقّا بالأوّل، ومسبّبا عنه، كما يكون الجزاء مستحقّا بالشرط، فلما دخلت على ما هو جواب بمنزلة الجزاء، سمّوها جوابا، ألا ترى أنك إذا أسقطتها قلت: زرنى أكرمك، فجزمت أكرمك، لأن قولك: زرنى، قام مقام قولك: إن تزرنى، وكذلك النهى، تقول: لا تضربه يكرمك، تقديره: إن لا تضربه يكرمك، وإنما قدّرت فيه حرف النّفى، لأن النّهى

стр. 797

نفى، وكذلك قولك: هل تزورنى أكرمك؟ أنبت فيه الاستفهام مناب الشرط. وأمّا الواو فيضمرون «أن» بعدها، إذا أرادوا النّهى عن الجمع بين الشيئين، كقولك: «لا (١) تأكل السّمك وتشرب اللّبن»، أى لا تجمع بينهما، وكذلك يفعلون بعد النفى، كقولهم (٢): لا يسعنى شيء ويعجز عنك، أى لا يجتمع فى شيء أن يسعنى وأن يعجز عنك، ومنه قول دريد بن الصّمّة (٣): قتلت بعبد الله خير لداته ... ذؤابا فلم أفخر بذاك وأجزعا أى: فلم يجتمع لى الفخر والجزع. وإضمارها بعد «أو» إذا أردت بأو: إلاّ أن، كقولك: لألزمنّك أو تفينى بحقّى، تريد: إلاّ أن تفينى. فإن قيل: فإذا كانت بمعنى إلاّ، فمن أىّ شيء وقع الاستثناء؟ قيل: وقع الاستثناء من الوقت، لأن التقدير: لألزمنّك أبدا إلاّ وقت إيفائك إيّاى بحقّى. فأمّا إضمارها بعد «حتّى» فتكون «حتى» فيه على معنيين، معنى كى، ومعنى إلى/أن، فإذا كان ما قبلها سببا لما بعدها، فهى بمعنى كى، كقولك: أطع الله حتى يدخلك الجنّة، المعنى: كى يدخلك الجنة، لأن دخول الجنة مسبّب عن

стр. 798

الطاعة، وإذا كان ما بعدها غاية لما قبلها، كانت بمعنى إلى أن، كقولك: لأنتظرنّك حتى تغيب الشّمس، تريد: إلى أن تغيب الشمس، فغيبوبة الشمس غاية لانتظاره له. فإن كان الفعل بعد «حتى» حالا، رفعته، لأن العوامل لا تعمل فى الفعل الحاضر، وعلى هذا مثّل النحويون رفعه بقولهم: سرت حتّى أدخلها، إذا قلت هذا وأنت فى الدّخول، وكذلك: شربت الإبل حتّى يجيء البعير يجرّ بطنه، ترفع «يجيء»، إن أردت به: يجيء (١) الآن، أو أردت به المضىّ، وتكون حكاية حال قد مضت، وعلى هذا قراءة من قرأ: ﴿وَزُلْزِلُوا حَتّى يَقُولَ الرَّسُولُ﴾ (٢) رفعا، معناه: حتى قال. وأمّا اللام فعلى ضربين: لام كى، ولام الجحد، فلام كى، مثالها قولك: زرنى لأكرمك، التقدير: لأن أكرمك، والمعنى كي أكرمك، ولو أظهرت «أن» هاهنا كان حسنا، لأنّ اللام فى هذا النحو لام العلّة التى يحسن إظهارها، فى قولك: جئته مخافة شرّه، وفى قول الشاعر: متى تفخر ببيتك فى معدّ ... يقل تصديقك العلماء جير (٣) الأصل: لمخافة شرّه، ولتصديقك، أى يقولون: نعم ليصدّقوك. ولام الجحد كقولك: ما كان زيد ليكرمك، والتقدير: لأن يكرمك، ولا يجوز إظهار «أن» هاهنا، ومثله فى التنزيل: ﴿وَما كانَ اللهُ لِيُضِيعَ إِيمانَكُمْ﴾ (٤) قال علىّ ابن عيسى الرّمّانىّ: هذه لام الجحد، وأصلها لام الإضافة، والفعل بعدها نصب

стр. 799

بإضمار «أن» ولا تظهر بعدها «أن» لأن التأويل: ما كان الله مضيعا إيمانكم، فلما كان معناه على التأويل، حمل لفظه على التأويل، من غير تصريح بإظهار «أن» يعنى (١) [أنه] لمّا حمل قوله: ﴿لِيُضِيعَ﴾ فى المعنى، على مضيع، وبهذا الحمل يصحّ معنى الكلام، لزم «أن» /الإضمار، فلم يصرّح بالمصدر، ليتّفق اللفظ والمعنى على التأويل دون التصريح. وممّا أضمروه من عوامل الأفعال، وأجاز النحويّون ذلك فى الشّعر، لام الأمر، وأنشدوا: محمد تفد نفسك كلّ نفس ... إذا ما خفت من شيء تبالا (٢) قالوا: أراد: لتفد، فاضطرّه الوزن إلى حذف اللام، لأنّ تبقية الجزم يدلّ على أنّ ثمّ جازما، وقال بعضهم: هو خبر يراد به الدعاء، وأصله: تفدى نفسك كلّ نفس، كما قال (٣) ويرحم الله عبدا قال آمينا وكما جاء فى التنزيل: ﴿يَغْفِرُ اللهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرّاحِمِينَ﴾ (٤) فاحتاج إلى حذف الياء، وإن كان المراد به الخبر، كما حذفت (٥) فى التنزيل من ﴿نَبْغِي﴾ فى

стр. 800

قوله: ﴿ذلِكَ ما كُنّا نَبْغِ﴾ (١) وأنشد أبو بكر محمد بن السّرىّ (٢)، هذا البيت، وأنشد معه لمتمّم بن نويرة (٣): على مثل أصحاب البعوضة فاخمشى ... لك الويل حرّ الوجه أويبك من بكى أراد: أو ليبك، فحذف اللام، قال أبو بكر: وقال أبو العباس (٤): لا أرى ذا على ما قالوه، لأنّ عوامل الأفعال لا تضمر، وأضعفها الجازمة، لأنّ الجزم فى الأفعال نظير الخفض فى الأسماء، ولكن بيت متمّم يحمل على المعنى، لأن قوله: «فاخمشى» فى موضع «فلتخمشى» فعطف (٥) «يبك» على المعنى، فكأنه قال: فلتخمشى أو يبك. وأما البيت الآخر، فليس بمعروف، يعنى قول القائل: محمد تفد نفسك كلّ نفس قال أبو بكر (٦): «على أنه فى كتاب سيبويه على ما ذكرت لك» يعنى أن سيبويه قدّر فيه إضمار اللام. قوله: «تبالا» التّبال: الإهلاك، تبلهم الدهر: أفناهم. ...

стр. 801

فصل فى ذكر (١) [بعض] ما حذف من الحروف التى من أنفس الكلم ، فمن ذلك حروف العلّة، /الألف، والواو، والياء، والهمزة. فالألف تحذف فى نحو: تخشى وتسعى، إذا لقيتها الواو، فى قولك: تخشون وتسعون، وإذا لقيتها الياء، فى قولك: أنت تخشين وتسعين، فوزن تخشون: تفعون، وتخشين: تفعين. وكذلك الواو فى نحو: يدعو ويخلو، تحذف فى قولك: هم يدعون ويخلون، وأنتم تدعون وتخلون، ولا تحذف فى قولك: هنّ يدعون ويخلون، وأنتنّ تدعون وتخلون، لعلّة نذكرها فيما بعد بمشيئة الله. والأصل: يدعوون وتدعوون ويخلوون وتخلوون، فاستثقلوا الضمّة على الواو فأسقطوها، فالتقى واوان ساكنتان، لام الفعل وواو الإضمار، فحذفوا الأولى، فآل وزن الفعل إلى يفعون. وكذلك تحذف الواو من يدعو ونظائره، إذا قلت: تدعين يا هذه، وكان أصله: تدعوين، فحذفت الكسرة، فلما سكنت الواو، حذفت لسكونها وسكون ياء الإضمار، ثم أبدلت من الضمّة التى قبل الواو كسرة، لتصحّ ياء الضمير، فقيل: تدعين، وزنه تفعين، ومنهم من يشمّ العين الضّمّة. وكذلك حكم الياء، فى نحو: يقضى ويرمى، إذا قلت: يقضون ويرمون، أصله: يقضيون ويرميون، فحذفت ضمّة الياء، ثم حذفت الياء لسكونها وسكون الواو، وكذلك إذا أسندت الفعل إلى ضمير المؤنّث، أصله: ترميين، فحذفوا الكسرة، ثم حذفوا الياء لسكونها وسكون ياء الإضمار بعدها. ...

стр. 802

فصل فى الفرق بين: هم يدعون، وهنّ يدعون (١). أمّا هم يدعون، فقد قدّمت أن لام الفعل حذفت لسكونها وسكون واو الإضمار، فوزنه: يفعون، والنون فيه علامة رفع الفعل، يحذفها الجازم والناصب. والواو فى قولك: هنّ يدعون، لام الفعل، كالجيم من يخرجن، والنون ضمير جمع المؤنّث، تثبت فى الأحوال/الثلاث، ألا تراها ثبتت فى موضع النصب، فى قوله تعالى: ﴿إِلاّ أَنْ يَعْفُونَ﴾ (٢) فيعفون هاهنا: يفعلن. ونعود إلى ذكر حروف العلّة، فنقول: إنهنّ يحذفن لالتقاء الساكنين، فى نحو: ﴿قَضَى اللهُ﴾ (٣) و ﴿قالُوا الْآنَ﴾ (٤) و «يقضى الحقّ» (٥). ويحذفن من نحو: يخاف ويقول ويبيع، إذا سكنت اللام للجزم أو الوقف،

стр. 803

فسكونها جزما، فى نحو: لم يخف ولم يقل ولم يبع، وسكونها وقفا، فى نحو: خف وقل وبع. لمّا اجتمع الساكنان الألف والفاء، فى لم يخاف، والواو واللام فى لم يقول، والياء والعين فى لم يبيع، وجب حذف أحدهما، فكان حرف العلّة أولى بالحذف من وجهين، أحدهما: ضعفه وقوّة الحرف الصحيح، والثانى: أنه إذا حذف دلّت عليه الحركة التى تجانسه. وأصل المثال الأمرىّ من هذا النحو: أخوف وأقول وابيع، كقولك فى موازيه من الصحيح: اركب، أقتل، اضرب، فنقلت حركة حرف العلة إلى الفاء، فاستغنى عن همزة الوصل بتحريك الفاء، فحذفت فصار حينئذ إلى: خوف وقول وبيع، فحذف حرف العلّة، لما ذكرناه من التقاء الساكنين. ومما حذفت منه الواو، لوقوعها بين ياء وكسرة: يفعل، المبنىّ ممّا فاؤه واو، كالوعد والوزن، قالوا: يعد ويزن، استثقالا ليوعد ويوزن، هذه علّة حذف الواو من هذا النحو، فإن زالت الكسرة ثبتت الواو، كقولهم فى مضارع وجل ووحل ووسن: يوجل ويوحل ويوسن، ولمّا حذفوا الواو من يفعل، حملوا عليه أفعل ونفعل وتفعل، فقالوا: أعد ونعد وتعد، كراهة أن يختلف الباب، وحملوا عليه أيضا مصدره (١) الذى جاء على فعلة، فأعلّوه بحذف فائه، ونقل كسرتها إلى عينه، فقالوا: عدة وزنة، وإنما أعلّوه، لانكسار فائه مع اعتلال فعله، ألا ترى أن المصادر تتبع الأفعال، فى صحّتها واعتلالها، وذلك كاعتلال الصّيام والقيام/لاعتلال صام وقام، وصحّة الجوار واللّواذ، فى نحو: ﴿يَتَسَلَّلُونَ مِنْكُمْ لِواذاً﴾ (٢) لصحّة جاور ولاوذ،

стр. 804

وكذلك صحّ عور وحول، حملا على صحّة اعورّ واحولّ، لأنه بمعناه، ثم حمل مصدر فعل على فعله، فى الصّحّة، فقيل: العور والحول، ولم يعلّوا ما جاء من مصدر باب يعد، على مثال فعل، كوعد ووزن، لمباينته لفعله بفتح أوّله. والجهة مصدر، كالعدة والزّنة، والفعل منه: وجه يجه. واختلف أهل العربيّة فى الوجهة، من قوله تعالى: ﴿وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيها﴾ (١) فمنهم (٢) من ذهب إلى أنه مصدر شذّ عن القياس، فجاء مصحّحا، كما صحّ-منبهة على الأصل-قولهم: الخونة والحوكة، واستحوذ، ونحو ذلك. ومنهم من قال: إن الوجهة اسم غير مصدر، وجاء على أصله فى الصّحّة، من حيث كان اسما للمتوجّه، فالمراد (٣) [إذن] بالوجهة القبلة. اعتراض: فإن قيل: قد وقعت الواو بين ياء وكسرة، فى مثل: يوعد ويوقن ويوجب، وأجمعوا على إقرارها مع وجود الشّرطين. فالجواب: أنّ يفعل أصله يؤفعل، كقولك فى مضارع دحرج: يدحرج، فالأصل: يؤوعد، ويؤيقن، فحذفوا الهمزة استثقالا، لاجتماعها مع همزه المتكلّم، فلمّا كرهوا أن يقولوا: أأوقن، حذفوها، ثم حملوا على أوقن: يوقن وتوقن ونوقن، ليستمرّ الباب على طريقة واحدة، ولما حذفوا الهمزة من هذا الضّرب، حافظوا على الواو، فلم يحذفوها، لئلاّ يوالوا بين إعلالين: حذف الهمزة وحذف الواو. ...

стр. 805

فصل [في أفعال فاءاتها واو:] وقد جاءت أفعال فاءاتها واو، على مثال فعل يفعل: وهى ورث يرث، ووثق يثق، وولى يلى، وورم الجرح يرم، وورع الرجل يرع: إذا كفّ (١)، وومق يمق مقة: إذا أحبّ، ووفق يفق: من الوفاق بين الشيئين، كالالتحام بينهما، /وورى الزّند يرى، ويقال أيضا: ورى يرى وأورى، كلّ ذلك إذا أظهر نارا. ومجىء هذه الأفعال على فعل يفعل، شذوذ عن القياس، لأنّ قياس فعل أن يأتى مضارعه على يفعل، مفتوح العين، كقولك: عجل يعجل، وعلم يعلم، وعمل يعمل، وقد ندر من الصّحيح أربعة أحرف، تكلّم بعض العرب بها على وجه القياس، وبعضهم على الشذوذ، وهى حسب يحسب ويحسب، ونعم ينعم وينعم، وبئس يبأس ويبئس، ويئس ييأس وييئس، ولم تأت اللغتان معا، القياسية والشذوذية، فى شيء من المعتلّ الفاء، إلاّ فى ورى الزّند. وورى (٢) فأمّا وطئ يطأ، ووسع يسع، فإنما حذفوا الواو من يطأ ويسع، وما بعدها مفتوح، لأنهما فى الأصل يوطئ ويوسع، من حيّز وثق يثق، ولكنهم فتحوا العين منهما، لمكان الحرف الحلقىّ، ألا ترى أنّ فعل الذى قياس مضارعه يفعل، بكسر عينه، إذا كانت العين منه أو اللام حرفا من حروف الحلق الستّة: «الغين والخاء والعين والحاء والهمزة والهاء» جاء المضارع منه على يفعل، كقولهم: جبه يجبه، وجرح يجرح، وسلخ يسلخ، وصنع يصنع، وبدأ يبدأ، ونعت ينعت، وشغل يشغل، وفخر يفخر، ونحر ينحر، ونهض ينهض، وإنما استحسنوا الفتحة فى هذا الضّرب،

стр. 806

لموافقتها لحروف الحلق، ووجه الوفاق بينهما: أن الفتحة من الألف، والألف مخرجها من الحلق. وقد يجيء الحرف من هذا الضّرب على الأصل (١)، كقولهم: دخل يدخل (٢)، وفرغ يفرغ، ونحت ينحت، ونطح ينطح. وأما يدع، فماضيه فعل، مفتوح العين، وإن لم يتكلّموا به، استغناء عنه بترك، فأصله: يودع، وحذف واوه لاجتماع الشرطين، الياء والكسرة، ثم فتحت عينه لمكان حرف الحلق، ويذر محمول على يدع، لوفاقه له فى المعنى (٣)، فلولا حمله عليه كسرت عينه، فقيل: يذر، كقولك: وجب يجب، إذ ليس فيه حرف /حلقىّ، تفتح عينه لأجله. وحكم المضارع من وهب يهب، ووضع يضع، حكم يدع، فى أنهم حذفوا الواو منهما، لوقوعها بين ياء وكسرة، ثم فتحوا عينيهما، لمكان الحرف الحلقيّ. اعتراض: فإن قيل: لم استثقلوا وقوع الواو بين ياء وكسرة، ولم يستثقلوا وقوعها بين ياء وضمّة، فى قولهم: وضؤ يوضؤ، والضمّة أثقل من الكسرة (٤)؟ قيل: إن الخروج من ضمّ إلى ضمّ، أسهل عليهم من الخروج من ضمّ إلى كسر، ومن كسر إلى ضمّ، ألا ترى أنه قد جاء فى الأسماء فعل، مثل طنب

стр. 807

وعنق، ولم يأت فيها مثال فعل (١)، وإنما جاء هذا البناء فى الفعل المبنىّ للمفعول، وأما الخروج من كسر إلى ضمّ، فلم يأت مثال فعل فى الاسم ولا فى الفعل. وممّا حذفوه من الواوات، واو الضمير المرفوع والمنصوب والمجرور، فمثال المرفوع: أنتمو (٢) فعلتمو، ومثال المنصوب: لقيتهمو وأكرمتهمو، ومثال المجرور: عليكمو وعليهمو، بكسر الهاء وضمها، فمن حذف هذه الواو أتبعها الضّمة فقال: أنتم فعلتم ولقيتهم وأكرمتهم، وعليكم وعليهم، ولأن بقاء الضمة يجلب الواو. وأجمعوا على حذف الواو فى الوقف، فأما حذف الهمزة، فسأذكره فى فصل مفرد، إن شاء الله تعالى. ...

стр. 808

المجلس الخامس والأربعون يتضمّن ذكر حذف ضروب من الحروف التى من ذوات الكلم . فمن المحذوفات التى استمرّ حذفها، وكثر فى ضروب من الكلام: التنوين، حذفوه للإضافة فى نحو: غلامك، وغلام عمرو (١)، وجدّة زينب، وحذفوه لمعاقبة لام التعريف له، وحذفوه فى الوقف بعوض، فى نحو: رأيت زيدا، وبغير عوض فى اللّغة العليا، فى نحو: هذا زيد، ومررت بزيد، وأزد السّراة (٢) عوّضوا، فقالوا: زيدو، /وبزيدى، وهى لغة رديّة، لثقل الواو والضمّة، والياء والكسرة، ولوقوع الواو وقبلها ضمّة فى آخر اسم معرب، وهو ممّا رفضوه فى كلامهم، ولالتباس الياء في نحو: مررت بزيدى وبغلامى، بياء المتكلّم. وحذفوه من الاسم العلم فى النداء كقولك: يا زيد، و ﴿يا نُوحُ اِهْبِطْ﴾ (٣) ومن النكرة المقصود قصدها فى نحو: يا غلام هلمّ، و ﴿يا جِبالُ أَوِّبِي مَعَهُ﴾ (٤). وحذفوه فكان حذفه علما لثقل الاسم، فى نحو رأيت أحمد، ومررت بأحمد ﴿وَمُبَشِّراً بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اِسْمُهُ أَحْمَدُ﴾ (٥) كما جعلوا إثباته علامة لخفّة الاسم، في نحو: ربّ أحمد غيرك أكرمته.

стр. 809

وحذفوه لالتقاء الساكنين، وذلك على ضربين: لازم وغير لازم، فاللازم أن تحذفه لسكونه وسكون الباء من ابن، باجتماع شرائط: منها أن يكون في اسم علم، ومنها أن يكون ابن مضافا إلى علم، ومنها أن يكون ابن صفة للاسم، لا خبرا عنه، ولا تكون الواسطة بين الاسمين إلاّ هذه اللفظة التي هى ابن، وتحذف ألفه من الخط، فإن عدمت إحدى هذه الشرائط وجب إثبات التنوين، فمثال اجتماع شرائط حذفه، قولك: هذا زيد بن جعفر، ورأيت زيد بن جعفر، ومررت بزيد بن جعفر، فإن قلت: زيد ابن جعفر، نوّنت وأثبتّ ألف ابن، لأنّ قولك: «زيد» مبتدأ و «ابن جعفر» خبره، وكذلك إن قلت: مررت بزيد ابن أخيك، نوّنت، لأنك أضفت الاسم إلى غير علم، وكذلك إن قلت: مررت بزيد (١) عمّ جعفر نوّنت، لأنك وصفته بغير ابن. وإنما حذفوا التنوين فى هذا النحو لكثرة الاستعمال (٢)، لأن الإنسان لا يخلو من اسم علم، وهو مع ذلك ابن صاحب اسم علم، ولا بدّ له من الأبوّة، والأبوّة دالّة على البنوّة، وقد يجوز أن يخلو من الأخوّة والعمومة والخؤولة. ولا يجوز إثبات التنوين مع ما ذكرته من اجتماع هذه الشرائط إلاّ اضطرارا/ كقول الحطيئة (٣): إلاّ يكن مال يثاب فإنّه ... سيأتى ثنائى زيدا ابن مهلهل وأنشد سيبويه (٤):

стр. 810

جارية من قيس ابن ثعلبه ... تزوّجت شيخا غليظ الرّقبه ومن نوّن «عزيرا» فى قوله تعالى: ﴿وَقالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ اِبْنُ اللهِ﴾ (١) فلأنه جعل ابنا خبرا لا صفة، والتنوين فى «عزير» للصّرف، لأن مصغّر الثلاثيّ ينصرف وإن كان عجميّا، كما ينصرف مكبّره، وينصرف فى هذه العدّة، وإن كان متحرّك الأوسط، كما ينصرف إذا سكن أوسطه، ولا اختلاف فيه كما اختلف فى نحو: هند ودعد، وكما أجمعوا على منع الصرف، لاجتماع التأنيث والتعريف مع تحرّك الأوسط، فى نحو: لظى وسقر وقدم، إذا سمّيت بها (٢) امرأة، فالساكن الأوسط نحو: نوح ولوط، والمتحرّك الأوسط نحو سبك (٣) وغزر، اسم تركيّ. ومن قرأ ﴿عُزَيْرٌ اِبْنُ اللهِ﴾ بحذف (٤) التنوين احتمل وجهين، أحدهما: أن يكون «عزير» خبر مبتدأ محذوف، و «ابن» صفة، فيجب بذلك حذف التنوين،
следующие страницы →