لموافقتها لحروف الحلق، ووجه الوفاق بينهما: أن الفتحة من الألف، والألف مخرجها من الحلق.
وقد يجيء الحرف من هذا الضّرب على الأصل (١)، كقولهم: دخل يدخل (٢)، وفرغ يفرغ، ونحت ينحت، ونطح ينطح.
وأما يدع، فماضيه فعل، مفتوح العين، وإن لم يتكلّموا به، استغناء عنه بترك، فأصله: يودع، وحذف واوه لاجتماع الشرطين، الياء والكسرة، ثم فتحت عينه لمكان حرف الحلق، ويذر محمول على يدع، لوفاقه له فى المعنى (٣)، فلولا حمله عليه كسرت عينه، فقيل: يذر، كقولك: وجب يجب، إذ ليس فيه حرف /حلقىّ، تفتح عينه لأجله.
وحكم المضارع من وهب يهب، ووضع يضع، حكم يدع، فى أنهم حذفوا الواو منهما، لوقوعها بين ياء وكسرة، ثم فتحوا عينيهما، لمكان الحرف الحلقيّ.
اعتراض: فإن قيل: لم استثقلوا وقوع الواو بين ياء وكسرة، ولم يستثقلوا وقوعها بين ياء وضمّة، فى قولهم: وضؤ يوضؤ، والضمّة أثقل من الكسرة (٤)؟
قيل: إن الخروج من ضمّ إلى ضمّ، أسهل عليهم من الخروج من ضمّ إلى كسر، ومن كسر إلى ضمّ، ألا ترى أنه قد جاء فى الأسماء فعل، مثل طنب
стр. 807
وعنق، ولم يأت فيها مثال فعل (١)، وإنما جاء هذا البناء فى الفعل المبنىّ للمفعول، وأما الخروج من كسر إلى ضمّ، فلم يأت مثال فعل فى الاسم ولا فى الفعل.
وممّا حذفوه من الواوات، واو الضمير المرفوع والمنصوب والمجرور، فمثال المرفوع: أنتمو (٢) فعلتمو، ومثال المنصوب: لقيتهمو وأكرمتهمو، ومثال المجرور:
عليكمو وعليهمو، بكسر الهاء وضمها، فمن حذف هذه الواو أتبعها الضّمة فقال: أنتم فعلتم ولقيتهم وأكرمتهم، وعليكم وعليهم، ولأن بقاء الضمة يجلب الواو. وأجمعوا على حذف الواو فى الوقف، فأما حذف الهمزة، فسأذكره فى فصل مفرد، إن شاء الله تعالى.
...
стр. 808
المجلس الخامس والأربعون
يتضمّن ذكر حذف ضروب من الحروف التى من ذوات الكلم .
فمن المحذوفات التى استمرّ حذفها، وكثر فى ضروب من الكلام: التنوين، حذفوه للإضافة فى نحو: غلامك، وغلام عمرو (١)، وجدّة زينب، وحذفوه لمعاقبة لام التعريف له، وحذفوه فى الوقف بعوض، فى نحو: رأيت زيدا، وبغير عوض فى اللّغة العليا، فى نحو: هذا زيد، ومررت بزيد، وأزد السّراة (٢) عوّضوا، فقالوا: زيدو، /وبزيدى، وهى لغة رديّة، لثقل الواو والضمّة، والياء والكسرة، ولوقوع الواو وقبلها ضمّة فى آخر اسم معرب، وهو ممّا رفضوه فى كلامهم، ولالتباس الياء في نحو:
مررت بزيدى وبغلامى، بياء المتكلّم.
وحذفوه من الاسم العلم فى النداء كقولك: يا زيد، و ﴿يا نُوحُ اِهْبِطْ﴾ (٣) ومن النكرة المقصود قصدها فى نحو: يا غلام هلمّ، و ﴿يا جِبالُ أَوِّبِي مَعَهُ﴾ (٤).
وحذفوه فكان حذفه علما لثقل الاسم، فى نحو رأيت أحمد، ومررت بأحمد ﴿وَمُبَشِّراً بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اِسْمُهُ أَحْمَدُ﴾ (٥) كما جعلوا إثباته علامة لخفّة الاسم، في نحو: ربّ أحمد غيرك أكرمته.
стр. 809
وحذفوه لالتقاء الساكنين، وذلك على ضربين: لازم وغير لازم، فاللازم أن تحذفه لسكونه وسكون الباء من ابن، باجتماع شرائط: منها أن يكون في اسم علم، ومنها أن يكون ابن مضافا إلى علم، ومنها أن يكون ابن صفة للاسم، لا خبرا عنه، ولا تكون الواسطة بين الاسمين إلاّ هذه اللفظة التي هى ابن، وتحذف ألفه من الخط، فإن عدمت إحدى هذه الشرائط وجب إثبات التنوين، فمثال اجتماع شرائط حذفه، قولك: هذا زيد بن جعفر، ورأيت زيد بن جعفر، ومررت بزيد بن جعفر، فإن قلت: زيد ابن جعفر، نوّنت وأثبتّ ألف ابن، لأنّ قولك: «زيد» مبتدأ و «ابن جعفر» خبره، وكذلك إن قلت: مررت بزيد ابن أخيك، نوّنت، لأنك أضفت الاسم إلى غير علم، وكذلك إن قلت: مررت بزيد (١) عمّ جعفر نوّنت، لأنك وصفته بغير ابن.
وإنما حذفوا التنوين فى هذا النحو لكثرة الاستعمال (٢)، لأن الإنسان لا يخلو من اسم علم، وهو مع ذلك ابن صاحب اسم علم، ولا بدّ له من الأبوّة، والأبوّة دالّة على البنوّة، وقد يجوز أن يخلو من الأخوّة والعمومة والخؤولة.
ولا يجوز إثبات التنوين مع ما ذكرته من اجتماع هذه الشرائط إلاّ اضطرارا/ كقول الحطيئة (٣):
إلاّ يكن مال يثاب فإنّه ... سيأتى ثنائى زيدا ابن مهلهل
وأنشد سيبويه (٤):
стр. 810
جارية من قيس ابن ثعلبه ... تزوّجت شيخا غليظ الرّقبه
ومن نوّن «عزيرا» فى قوله تعالى: ﴿وَقالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ اِبْنُ اللهِ﴾ (١) فلأنه جعل ابنا خبرا لا صفة، والتنوين فى «عزير» للصّرف، لأن مصغّر الثلاثيّ ينصرف وإن كان عجميّا، كما ينصرف مكبّره، وينصرف فى هذه العدّة، وإن كان متحرّك الأوسط، كما ينصرف إذا سكن أوسطه، ولا اختلاف فيه كما اختلف فى نحو: هند ودعد، وكما أجمعوا على منع الصرف، لاجتماع التأنيث والتعريف مع تحرّك الأوسط، فى نحو: لظى وسقر وقدم، إذا سمّيت بها (٢) امرأة، فالساكن الأوسط نحو: نوح ولوط، والمتحرّك الأوسط نحو سبك (٣) وغزر، اسم تركيّ.
ومن قرأ ﴿عُزَيْرٌ اِبْنُ اللهِ﴾ بحذف (٤) التنوين احتمل وجهين، أحدهما: أن يكون «عزير» خبر مبتدأ محذوف، و «ابن» صفة، فيجب بذلك حذف التنوين،
стр. 811
ويكون المبتدأ فيما قدّره أبو على: صاحبنا أو نسيبنا أو نبيّنا عزير بن الله، والوجه الآخر: أن لا يقدّر مبتدأ بل يكون «عزير» هو المبتدأ، و «ابن» خبره، وحذف التنوين لالتقاء الساكنين، فتتّفق القراءتان على هذا التقدير.
ومن حذف التنوين لالتقاء الساكنين، ما روى عن أبى عمرو، فى بعض طرقه: ﴿أَحَدٌ. اللهُ الصَّمَدُ﴾ (١) وحذفه على هذا الوجه متّسع فى الشّعر، كقوله (٢):
حميد الذى أمج داره ... أخو الخمر ذو الشّيبة الأصلع
وكقول الآخر:
لتجدنّى بالأمير برّا ... وبالقناة مدعسا مكرّا
/إذا غطيف السّلميّ فرّا (٣)
ومثله:
стр. 812
حيدة خالى ولقيط وعلى ... وحاتم الطائىّ حمّال المئى (١)
وقال عبيد الله بن قيس الرّقيّات (٢):
كيف نومى على الفراش ولمّا ... تشمل الشّام غارة شعواء
تذهل الشيخ عن بنيه وتبدى ... عن خدام العقيلة العذراء
أراد: وتبدى العقيلة العذراء عن خدام، والخدام: الخلخال، أى ترفع المرأة الكريمة ثوبها للهرب فيبدو خلخالها، والجملة التى هى «تبدى العقيلة» موضعها رفع بالعطف على الجملة التى هى «تذهل الشيخ عن بنيه» وموضع الجملة التى هى «تذهل الشيخ عن بنيه» رفع على النعت لقوله «غارة» والعائد إلى الموصوف من الجملة المعطوفة (٣) [محذوف] تقديره: وتبدى العقيلة العذراء لها عن خدام، أى لأجلها. والشّعواء: المتفرّقة.
وممّا حذف منه التنوين لالتقاء الساكنين، قول الآخر (٤):
стр. 813
فألفيته غير مستعتب ... ولا ذاكر الله إلاّ قليلا
والذى حسّن لقائل هذا البيت حذف التنوين، لالتقاء الساكنين، ونصب اسم الله تعالى، واختيار ذلك على حذف التنوين للإضافة، وجرّ اسم الله: أنه لو أضافه (١) لتعرّف بإضافته إلى المعرفة، ولو فعل ذلك لم يوافق المعطوف المعطوف عليه فى التنكير، فحذف التنوين لالتقاء الساكنين، وأعمل اسم الفاعل، فعطف (٢) نكرة على نكرة مجرورة، بإضافة «غير» إليها، وانتصاب «غير» على الحال، كانتصاب ﴿ضالِّينَ﴾ فى قوله تعالى: ﴿أَلْفَوْا آباءَهُمْ ضالِّينَ﴾ (٣) فصار فى التقدير: غير مستعتب ولا ذاكر.
/وحكى عن القاضى أبى سعيد السّيرافىّ (٤)، أنه قال: حضرت فى مجلس أبى بكر بن دريد، ولم أكن قبل ذلك رأيته، فجلست فى ذيل المجلس، فأنشد أحد الحاضرين بيتين يعزيان إلى آدم ﵇، قالهما لما قتل ابنه قابيل أخاه هابيل، وهما:
تغيّرت البلاد ومن عليها ... فوجه الأرض مغبّر قبيح (٥)
تغيّر كلّ ذى حسن وطيب ... وقلّ بشاشة الوجه المليح
فقال أبو بكر: هذا شعر قد قيل فى صدر الدنيا، وجاء فيه الإقواء،
стр. 814
فقلت: إنّ له وجها يخرجه من الإقواء، فقال: ما هو؟ قلت: نصب «بشاشة» وحذف التنوين منها لالتقاء الساكنين، لا للإضافة، فتكون بهذا التقدير نكرة منتصبة على التمييز، ثم رفع «الوجه» وصفته بإسناد «قلّ» إليه، فيصير اللفظ:
«وقلّ بشاشة الوجه المليح»، والأصل: بشاشتن الوجه المليح (١)، فقال: ارتفع، فرفعنى حتى أقعدنى إلى جنبه.
هذا حكم التنوين.
فأما النّون فقد حذفوها ساكنة ومتحرّكة، فمن حذف الساكنة، حذف نون التوكيد الخفيفة، بعوض وبغير عوض، فحذفها بعوض يكون إذا وقفت عليها فى نحو: يا رجل قوما، ويا زيد اخرجا، أبدلت منها الألف، كما أبدلته من التنوين، فى نحو: رأيت زيدا، وكذلك: ﴿لَنَسْفَعاً بِالنّاصِيَةِ﴾ (٢) تقف عند انقطاع نفسك على الألف، ومنه قول الأعشى (٣):
وصلّ على حين العشيّات والضّحى ... ولا تعبد الشّيطان والله فاعبدا
وقول آخر، فى وصف وطب مملوء لبنا، ملفوف فى غشاء:
يحسبه الجاهل ما لم يعلما ... شيخا على كرسيّه معمّما (٤)
стр. 815
أراد يحسبه الجاهل به.
وحذفها بغير عوض، يكون لالتقاء الساكنين، /كقولك: اضرب الغلام، حذفتها لسكونها وسكون اللام، وبقيت الفتحة قبلها دالّة عليها، ولم تحرّكها لالتقاء الساكنين، كما تحرّك التنوين فى اللغة العليا فى نحو: «أحدن الله الصّمد» (١) و (٢) «فتيلن انظر» جعلوا (٣) لزيادة الاسم مزيّة على زيادة الفعل، فحذفوا زيادة الفرع، وحرّكوا زيادة الأصل، ومثل قولك: اضرب الغلام، فى حذف النون، لدلالة الفتحة عليها، قول الشاعر (٤):
ولا تهين الفقير علّك أن ... تركع يوما والدّهر قد رفعه
أراد: تهينن، فحذف النون، وبقيت ياء «تهين» لثبات الفتحة بعدها.
стр. 816
وممّا حذفوا نونه، وعوّضوا منها فى موضعها ألفا، قولهم: «جرنفش» (١) وهو العظيم الجنبين، «وشرنبث» وهو الغليظ الكفّين، قالوا فيهما: جرافش وشرابث.
وكذلك حذفوا النون من قولهم: «شنذارة»، وهو السيّئ الخلق، وعوّضوا منها الهمزة، فقالوا: شئذارة، وحذفوا النون من «قنفخر» وهو الضّخم (٢) من الرجال، وعوّضوا منها ألفا، فى غير موضعها، فقالوا: قفاخرىّ.
ومن حذفها اضطرارا حذفها فى قول النّجاشى (٣):
فلست بآتيه ولا أستطيعه ... ولاك اسقنى إن كان ماؤك ذا فضل
كان حقّها أن يحرّكها، لولا الضرورة.
وممّا حذفوها منه استحسانا، وتشبيها لها بحروف المدّ واللّين لفظة «يكون» (٤)]، وذلك إذا سكنت للجزم فى نحو: لم يكن، ولا تكن، كقولك: لم يك جالسا، وكقوله تعالى: ﴿وَإِنْ يَكُ كاذِباً﴾ (٥) وكذلك قولك: لا تك فى شكّ، وقوله تعالى:
﴿وَلا تَكُ فِي ضَيْقٍ﴾ (٦) وإنما حذفوها فى هذا الحرف، لكثرة استعماله، كما يحذفون حروف العلّة، فى قولهم: لم يخش ولم يدع ولا ترم، ولم يحذفوها من نظائر هذا الفعل، أعنى ما وازنه ولامه نون، نحو يصون ويهون، فيقولوا: /لم يص نفسه، وذلك لقلة استعماله.
стр. 817
وممّا حذفوها منه قولهم، لضرب من الشّجر: «عرنتن» (١) قالوا فيه: عرتن حذفوها منه ثالثة ساكنة، كما حذفوا الألف من «علابط» (٢) وهو القطيع الضّخم من الغنم (٣)، فقالوا: علبط، قال:
ما راعنى إلاّ رياح هابطا ... على البيوت قوطه العلابطا (٤)
القوط: القطيع من الغنم، يكون ضخما وغير ضخم، فلذلك وصفه بالعلابط، ونصب العلابط (٥) بهابط، لأنّ هبط لازم ومتعدّ، تقول: هبط زيد وهبطته (٦).
وممّا حذفت منه النون لالتقاء الساكنين، قوله:
أبلغ أبا دختنوس مألكة ... غير الذى قد يقال ملكذب (٧)
أراد: من الكذب، ومثله قول الآخر (٨):
كأنّهما ملآن لم يتغيّرا ... وقد مرّ للدارين من بعدنا عصر
أراد: من الآن.
وأما حذفها متحرّكة، فكحذف نون التثنية والجمع فى الإضافة، كقولك:
стр. 818
ضاربا زيد، ومكرمو أخيك، وكحذفها من بني العنبر وبنى الهجيم وبنى الحارث، قالوا: بلعنبر وبلهجيم وبلحارث، وإنّما حذفوها هاهنا لمقاربتها للاّم فى المخرج، لأنهم يستثقلون اجتماع المتقاربين، كما يستثقلون اجتماع المثلين.
وإنما استمرّ هذا الحذف والإبدال فى النون، لما بينها وبين حروف العلة من المشابهة (١)، لأنها إذا سكنت تضمّنت غنّة، كما تتضمّن حروف اللّين مدّا، وهذا تعرفه بأنك إذا أمسكت جانبى طرف أنفك بسبّابتك وإبهامك وتلفّظت بقولك:
من قام، تعذّر عليك إخراج النون، لأنّ مخرجها إذا سكنت من الخياشيم، ولذلك أدغموها فى الواو والياء (٢)، من قولك: من وّعدك، ومن يقول ذاك.
وأبدلوها من الواو فى النّسب إلى صنعاء وبهراء، قبيلة يمانية، وإلى سوراء، فقالوا: صنعانيّ وبهرانيّ وسورانيّ.
وجعلوها إعرابا، علما للرفع/فى خمسة أمثلة: تفعلان ويفعلان وتفعلون ويفعلون وتفعلين، كما جعلوا الألف والواو والياء إعرابا في تثنية الأسماء وجمعها.
وجعلوها ضميرا، فى فعلن ويفعلن وافعلن، كما جعلوهنّ ضمائر، فى افعلا وافعلوا وافعلى، وفى تفعلان وتفعلون وتفعلين.
ومن المحذوفات من ذوات الكلم: الياء من المضاعف، فمن ذلك حذفها من المضاعف، الذى جاء على مثال فيعل، نحو سيّد وميّت (٣) وهيّن وليّن، وليس فى
стр. 819
الكلام فيعل إلاّ معتلّ العين، اختصّ بذلك المعتلّ دون الصحيح، كما اختصّ بمثال فيعلولة، نحو كيّنونة وقيّدودة وصيّرورة، إلا أنهم لم يستعملوا هذا المثال إلا مخفّفا، حذفوا عينه، فقالوا: كان كينونة، وقاد قيدودة، وصار صيرورة، فوزنه الآن:
فيلولة، وكذلك قالوا فى سيّد ونظائره: سيد وميت وهين ولين، كما جاء فى الحديث: «المؤمن هين لين» (١) حذفوا عينه، كما حذفوا عين فيعلولة، فوزن ميت:
فيل، فإذا جمعوه ردّوا عينه فى قولهم: أموات.
وكما اختصّ المعتلّ بفيعل، اختصّ الصحيح بفيعل، نحو صيرف، للمتصرّف فى الأمور، وجيدر للرجل القصير، وغيلم، بالغين المعجمة، للسّلحفاة، والجارية أيضا، وعيلم، للبئر الكثيرة الماء، وللبحر أيضا.
فأما قولهم للملك الذى دون الملك الأعظم: «قيل» فقال فيه ابن السّكّيت (٢): القيل: الملك من ملوك حمير، وجمعه: أقيال وأقوال، فمن قال:
أقيال، بناه على لفظ قيل، ومن قال: أقوال، جمعه على الأصل، وأصله من ذوات الواو، وكان أصله: قيّل (٣)، فخفّف، مثل سيّد، من ساد يسود.
وأبى قوم (٤) من النحويّين هذا القول، وجعلوا للقيل اشتقاقين، بحسب اختلاف جمعه، فذهبوا إلى أنه فعل، من اليائىّ، فيمن (٥) قال: أقيال، كقيد وأقياد، واشتقاقه من قولهم: تقيّل فلان أباه: إذا رجع إليه فى الشّبه، وقولهم فى الملك: قيل، معناه أنه أشبه الملك الذى كان قبله، كما أن «تبّعا» معناه: تبع فى الملك/من كان
стр. 820
قبله، كما قيل للظّل: تبّع، لأنه يتبع ضوء الشمس، قالوا: ولو كان «قيل» من الواوىّ، كميت، لم يأت فى جمعه إلاّ أقوال، كما لم يأت فى جمع ميت إلا أموات.
وأمّا من جمعه على أقوال، فأصله قيّل، فيعل من القول، والمعنى أنه يقبل قوله ولا يردّ، فهو مثل ميّت وأموات، فوزنه على هذا: فيّل، ردّت عينه فى التكسير.
وأقول: إنّ قول ابن السّكّيت غير بعيد، فيجوز أن يكون أصله فيعل، من القول، فلما خفّفوه، حمله من قال فى جمعه: أقيال، على لفظه، وحمله من قال:
أقوال، على أصله، كما قالوا من الشّوب: مشوب ومشيب، فمن قال: مشيب، حمله على لفظ شيب، ومثله المجفوّ والمجفيّ، وهو من جفوت، قال:
ما أنا بالجافى ولا المجفىّ (١)
حمل المجفيّ على (٢) [لفظ] جفى، ولم يطّرد ذلك، فيقولوا من الصّوغ:
مصيغ، كما قالوا من الشّوب: مشيب، ولا قالوا من الغزو: مغزىّ، كما قالوا من الجفوة: مجفىّ، فكذلك قالوا: أقيال، على لفظ قيل، وإن لم يقولوا: أميات، فى جمع ميت.
فأمّا مضاعف الفعل، فمنه ما حذفوا منه أحد المثلين، بغير عوض، ومنه ما وقع الحذف منه بعوض، فالمحذوف بغير عوض: اللام من ظللت، والسين من مسست وأحسست، فقالوا: ظلت ومست وأحست، نقلوا فتحة السين إلى الحاء، ثم حذفوها، قال:
стр. 821
سوى أنّ العتاق من المطايا ... أحسن به فهنّ إليه شوس (١)
وفى التنزيل: ﴿وَاُنْظُرْ إِلى إِلهِكَ الَّذِي ظَلْتَ عَلَيْهِ عاكِفاً﴾ (٢) ومنهم من يلقى كسرة اللام على الظاء، ثم يحذفها، فيقول: ظلت، وقد قرأ به بعض أصحاب الشواذ (٣).
ومما حذف منه أحد المثلين، قوله تعالى: ﴿تَنَزَّلُ الْمَلائِكَةُ﴾ (٤) حذفت التاء الثانية، من ﴿تَتَنَزَّلُ﴾ وخصّت بالحذف، لأنّ الأولى حرف المضارعة، فهو لمعنى، /والذى لمعنى يحافظ عليه.
و «شوس» (٥) [فى البيت] جمع أشوس، وهو الذى ينظر بأحد شقّي عينه تغيّظا.
وأمّا ما حذفوا منه وعوّضوا، فنحو: تظنّنت، قالوا: تظنّيت، فعوّضوا من النون الياء، وقد حكى الفرّاء: قصّيت أظفارى، يريدون: قصصت، وحكى ابن الأعرابىّ: خرجنا نتلعّى، أى نأخذ اللّعاعة، وهى بقلة ناعمة، فى أوّل ما تبدو، وقال الأصمعىّ، فى قولهم: «تسرّيت» أى اتخذت سرّيّة: أصله تسرّرت، من السّرّ الذى هو النكاح، قال امرؤ القيس (٦):
ألا زعمت بسباسة اليوم أنّنى ... كبرت وأن لا يحسن السّرّ أمثالى
стр. 822
وقيل فى تفسير قوله تعالى: ﴿وَلكِنْ لا تُواعِدُوهُنَّ سِرًّا﴾ (١) إنه أراد نكاحا، ومن هذا الضّرب قول العجّاج، يمدح عمر بن معمر (٢) التّيمىّ:
إذا الكرام ابتدروا الباع بدر ... تقضّى البازى إذا البازى كسر
أراد: تقضّض، فأبدل من الضاد ياء، وكسر ما قبلها لتصحّ، يقول: إذا الكرام ابتدروا فعل المكارم، بدرهم وأسرع كانقضاض البازى فى طيرانه، وذلك أسرع ما يكون الطيران، ومعنى كسر: ضمّ جناحيه، ومنه قول الشاعر:
فآليت لا أشريه حتّى يملّنى ... بشىء ولا أملاه حتّى يفارقا (٣)
أراد: لا أملّه، فردّه إلى أصله، الذى هو أملله، وأبدل من اللام الأخيرة ياء، فصار فى التقدير: أمليه، فانقلبت الياء ألفا، لتحرّكها وانفتاح ما قبلها، ومعنى لا أشريه: لا أبيعه، وقوله: «بشىء» متعلّق بأشريه.
وقال أبو إسحاق الزجّاج فى قول الله سبحانه: ﴿وَقَدْ خابَ مَنْ دَسّاها﴾ (٤) معناه: خابت نفس دسّاها الله، أى جعلها قليلة خسيسة، والأصل: دسّسها، ولكنّ الحروف إذا اجتمعت من لفظ واحد، أبدل من آخرها ياء.
стр. 823
[قال (١)] وقيل: إن المعنى: قد أفلح من زكّى نفسه/بالعمل الصالح، وخاب من دسّى نفسه بالعمل الطالح.
وقيل فى قوله : ﴿ثُمَّ ذَهَبَ إِلى أَهْلِهِ يَتَمَطّى﴾ (٢) معناه: يتبختر، يقال: جاء يمشى المطيطا، مقصورة، وهى مشية فيها تبختر، وهو أن يلقى يديه ويتكفّأ، وكان الأصل: يتمطّط، فقلبت الطاء الثالثة (٣) ياء، كما قالوا فى يتظنّن:
يتظنّى.
وقال أبو إسحاق الزجاج: يتمطّى (٤): يلوّى مطاه فى مشيته (٥)، والمطا: الظّهر.
وممّا حذفوا منه أحد المثلين قولهم: بخ، ساكن الخاء، وهى كلمة يقولونها للشيء إذا أرادوا (٦) مدحه وتفخيمه، ويكرّرونها فى أكثر الاستعمال، قال أعشى همدان:
بين الأشجّ وبين قيس باذخ ... بخ بخ لوالده وللمولود (٧)
وربّما نوّنوه، فقالوا: بخ، كما قالوا: صه، ويدلّ على أن أصله التشديد، قولهم: حسب بخّ. قال العجاج (٨):
فى حسب بخّ وعزّ أقعسا
стр. 824
وقد صرّفوا منه فعلا، فقالوا: بخبخ يبخبخ، إذا لفظ به، كما قالوا: هلّل يهلّل، إذا قال: لا إله إلا الله، وسبّح يسبّح، إذا قال: سبحان الله، وحولق (١) [يحولق] إذا قال: لا حول ولا قوة إلا بالله.
ومثله فى حذف أحد مثليه، قولهم فى التضجّر: أفّ، خفّفها بعض العرب، وأسكنوا فاءها، قال أبو الفتح عثمان (٢): فيها ثمانى لغات: أفّ وأفّ وأفّ وأفا وأفّ وأفّ وأف، خفيفة، وأفّى ممال، مثل حبلى، ولا يقال: أفّى بالياء، كما تقول العامّة.
وأقول: إن الذى تقوله العامّة جائز فى بعض اللغات، وذلك فى لغة من يقول فى الوقف: أفعى وأعمى وحبلى، يقلبون الألف ياء خالصة، فإذا وصلوا عادوا إلى الألف، ومنهم من يحمل الوصل على الوقف، وهم قليل.
وأفّ: اسم من أسماء الفعل، مسمّاه: أتضجّر، جاء اسما للفعل فى الخبر (٣)، كما جاء هيهات اسما لبعد، وشتّان اسما لافترق، فى قولهم: شتّان زيد وعمرو.
ومن قال: أفّ، فكسر، /حرّكه بأصل حركة التقاء الساكنين.
ومن قال: أفّ، ففتح، اختار الفتحة لثقل التضعيف، كما قالوا: ربّ وثمّ.
ومن قال: أفّ، أتبع الضّمّ الضّمّ على لغة من قال: شدّ ومدّ.
ومن نوّنه أراد به التنكير، لأنّ تنوين هذا الضّرب علم للتنكير، كقولهم فى
стр. 825
الاستزادة من الحديث: إيه، إذا أرادوا: حدّثنى حديثا ما، وإيه (١) [فى الاستزادة] من حديث يعرفه المحدّث والمحدّث، ومثله: صه وصه، ومه ومه، فمن نوّن، فكأنه قال: افعل سكوتا وكفّا، ومن لم ينوّن، فكأنه قال: افعل السكوت والكفّ، وكذلك من قال: أفّ، فنوّن، أراد: أتضجّر تضجّرا (٢)، ومن لم ينوّن فهو بمنزلة:
أتضجّر التضجّر المعروف، وقد قرئ بالوجهين، فالتنوين قرأ (٣) به مع الكسر نافع وحفص، وقرأه الباقون بغير تنوين، إلاّ أن ابن كثير اختصّ بالفتح، والباقون بالكسر (٤).
...
стр. 826
المجلس السادس والأربعون
يتضمّن الحذف من حروف المعانى المضاعفة، والحذف
/ من اسم (١) المفعول، وغير ذلك، ممّا اقتضاه الكلام.
فممّا حذف منه أحد المثلين من مضاعف الحروف «إنّ» فى قوله تعالى:
﴿وَإِنْ كُلٌّ لَمّا جَمِيعٌ لَدَيْنا مُحْضَرُونَ﴾ (٢) حذفت النون المتطرّفة، وألغيت «إن»، وقد حذفت نونها وأعملت فى قراءة ابن كثير ونافع وعاصم، فى رواية أبى بكر:
﴿وَإِنَّ كُلاًّ لَمّا لَيُوَفِّيَنَّهُمْ رَبُّكَ أَعْمالَهُمْ﴾ (٣) وجاء تخفيف المفتوحة الهمزة فى قوله:
﴿وَآخِرُ دَعْواهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلّهِ﴾ (٤) التقدير: أنّه الحمد لله، فحذفت نونها واسمها كما ترى، وهو ضمير الشأن، ومثله للأعشى (٥):
стр. 827
فى فتية كسيوف الهند قد علموا ... أن هالك كلّ من يحفى وينتعل
أراد: أنه هالك.
/وممّا حذفوا تضعيفه وألغوه «لكنّ» جعلوها بعد التخفيف عاطفة، إذا لم تكن معها الواو، وذلك نحو: ما قام أخوك لكن أبوك، فإن استدركت بها مجرّدة من العطف، قلت: ولكن، وقد خفّف الشاعر «كأنّ» وأعملها فى الاسم الظاهر، فى قوله:
وصدر مشرق النّحر ... كأن ثدييه حقّان (١)
وأنشد بعضهم (٢): «ثدياه» رفعا على الابتداء، «وحقّان» الخبر، والجملة من المبتدأ والخبر خبرها، واسمها محذوف، فالتقدير: كأنه ثدياه حقّان.
وأمّا قول الآخر:
كأن ظبية تعطو إلى وارق السّلم (٣)
فقد روى «ظبية وظبية وظبية» فمن نصب أعملها فى الظاهر مخفّفة، والجملة التى هى «تعطو» صفة لظبية، والخبر محذوف، والتقدير: كأن ظبية عاطية إلى وارق السّلم هذه المرأة، ومن قال: «ظبية» فرفع، أضمر اسمها، وظبية (٤) خبرها،
стр. 828
فالتقدير: كأنّها ظبية، ومن خفض، فبالكاف، «وأن» زائدة.
وإذا اتصلت إنّ وأنّ ولكنّ وكأنّ، بياء المتكلّم، وصلوها بالنون المسمّاة وقاية، بمعنى أنها تقى الحرف الذى قبلها الكسر، فقالوا: إنّنى وأنّنى ولكنّنى وكأنّنى، وأجروا أواخرهنّ مجرى أواخر الأفعال، من نحو: أكرمنى ويكرمنى، وإنما فعلوا ذلك بالفعل كراهة أن يقولوا: أكرمى ويكرمي، كما قالوا فى الاسم:
مكرمي، لأنهم لما جنّبوا الأفعال الكسر، الذى هو إعراب، جنّبوها الكسر الذى ليس بإعراب، وشبّهوا أواخر باب «إنّ» بأواخر الماضية، في بنائها على الفتح ووقائها الكسر، لأنهم أجروها مجراها فى عمل النصب والرفع.
ومن خفّفهنّ بحذف إحدى النّونات، فقال: إنّى وأنّى ولكنّى وكأنّى، حذف النون الوسطى، لأنها هى التى حذفها قبل أن يتّصلن بالنون الثالثة (١)، وجاء القرآن بإقرارها فى قوله: ﴿إِنَّنِي أَنَا اللهُ﴾ (٢) وبحذفها فى قوله: ﴿إِنِّي أَنَا رَبُّكَ﴾ (٣).
/وممّا حذفوا منه من مضاعف الحروف «ربّ» قال الشاعر (٤):
أزهير إن يشب القذال فإنّه ... رب هيضل لجب لففت بهيضل
стр. 829
وخفّفه نافع وعاصم، فى رواية حفص، فى قوله تعالى: ﴿رُبَما يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ (١) الهيضل: الجماعة المتسلّحة، واللّجب: المرتفع الأصوات.
ومما حذفوا لامه من الحروف لاجتماعها مع لام التعريف «على» فيما حكاه سيبويه، من قولهم: «علماء بنو تميم» (٢) يريدون: على الماء، فهمزة الوصل سقطت فى الدّرج، وألف «على» سقطت لسكونها وسكون لام الماء، وحذفت لام «على» تخفيفا، وأنشد سيبويه للفرزدق (٣):
وما سبق القيسيّ من ضعف حيلة ... ولكن طفت علماء غرلة خالد
طفت: قفت (٤)، والغرلة: القلفة، ومثله لقطرىّ بن الفجاءة:
غداة طفت علماء بكر بن وائل ... وعجنا صدور الخيل نحو تميم (٥)
وممّا حذفوا منه إحدى اللاّمين، قولهم: «ويلمّه» الأصل: ويل، لأمّه، فحذفوا تنوينه، وأدغموا اللام التى هى لام الكلمة فى اللام الجارّة، فصار [فى (٦)]
стр. 830
التقدير: ويلّ أمّه، ثم حذفوا اللام المدغمة وهمزة «أمّ» فصار: ويلمّه.
وإنما (١) جاز إدغام هذا، وإن كان منفصلا، وكان الحرف الذى قبل الحرف المدغم ساكنا، لكون الساكن حرف لين، فالياء فى قولهم: ويل أمّه، بمنزلة الياء فى قولك: جيب (٢) بكر، وقد أدغموا هذا النحو، وكذلك: ثوبّ بشر، وحسن الإدغام فى هذا، مع كونه منفصلا، إذ كانوا قد قالوا فى عبد شمس: هذا عبشّمس (٣)، ألقوا حركة الدال على الساكن، الذى هو الباء، ثم أدغموا الدال فى الشين، وإن كان ذلك شاذّا، ولا يحسن مثله فى قولك: قرم (٤) موسى، واسم مالك، لأن عبد شمس أكثر استعمالا منه، وهو مع ذلك علم، والأعلام تغيّر كثيرا، إلا أنهم/ لم يلزموا عبد شمس الإدغام، وألزموه ويلمّه، لما ذكرته من كون عبد شمس أكثر استعمالا منه، كما ألزموا المعيدىّ التخفيف، فى نحو: «تسمع بالمعيدىّ لا أن تراه (٥)» و «خير من أن تراه» لأنه كثير الاستعمال، والمعيدىّ تصغير معدّىّ.
قال أبو على: إن قيل: ما تنكر من أن تكون «وى» من «ويلمّه» ليس من
стр. 831
«ويل» ولكنها التى فى ﴿وَيْكَأَنَّهُ﴾ (١) وفى قول عنترة «ويك (٢) عنتر أقدم» فإنّ الدلالة على أنه من «ويل» دون «وى» هذه قول الشاعر (٣):
لأمّ الأرض ويل ما أجنّت ... غداة أضرّ بالحسن السبيل (٤)
[الحسن: موضع] فلما ظهرت اللام فى ويل، لمّا قدّم الشاعر اللامّ الجارّة، كذلك إذا أخّرت اللام، فقيل: ويل لأمّه، هذا معنى كلام أبى علىّ فى هذه المسألة، وفى كلامى بعض لفظه.
وقوله: «وجاز إدغام هذا، وإن كان منفصلا، وكان الحرف الذى قبل الحرف المدغم ساكنا، لكون الساكن حرف لين، فهو مثل: جيب بكر» كلام محتاج إلى تفسير، وذلك أنهم إنما يدغمون المتّصل، إذا سكن ما قبل الحرف المدغم، كإدغامهم استفعل من المضاعف، بعد إلقاء حركة المثل الأول على الساكن قبله، كقولهم فى استعدد، استعدّ، وفى استقرر (٥): استقرّ، ولم يجيزوا مثل هذا فى المنفصل، نحو قوله سيبويه: قرم (٦) موسى، واسم مالك، وجاز (٧) [هذا] فى ويلمّه، لأن الياء إذا سكنت فيها لين، وإن كان ما قبلها مفتوحا، فجاز لذلك وقوع الساكن المدغم بعدها، كما جاز فى قولك: جيب بكر، وانضمّ إلى ذلك كثرة استعمال (٨) هذا
стр. 832
الحرف، كما كثر استعمال المعيدىّ، وأصله: معدّىّ (١)، مشدّد الدال، وأمّا مجىء الساكن مدغما بعد الياء المفتوح ما قبلها فى المتّصل، فحسن، كقولهم، فى تحقير أصمّ: أصيم، وفى تحقير مدقّ: مديق (٢).
ولمّا جرى ذكر «وى» فى هذه المسألة رأيت إيراد الكلام فيها، وإيضاح معانيها.
/قال المفسّرون فى قول الله تعالى: ﴿وَيْكَأَنَّ اللهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ﴾ (٣) معناه:
ألم تر أنّ الله، ومثل ذلك قوله: ﴿وَيْكَأَنَّهُ لا يُفْلِحُ الْكافِرُونَ﴾ (٣) واختلف فيها اللغويّون، فقال الخليل: إنها «وى» مفصولة من «كأنّ» والمراد بها التنبيه، وإلى هذا ذهب يونس وسيبويه (٤) والكسائى، وقال أبو سعيد السّيرافىّ: (٥) «وى» كلمة يقولها المتندّم عند إظهار ندامته، ويقولها المندّم لغيره، والمنبّه له، ومعنى كأن الله يبسط الرزق:
التحقيق، وإن كان لفظه لفظ التنبيه، فالتقدير: تنبّه! إنّ الله يبسط الرزق، أى تنبّه لبسط (٦) الله الرزق، قال الفرّاء (٧): «معناها فى كلام العرب التقرير، كقولك لمن تقرّره: أما ترى إلى صنع الله» فكأنّه قيل: أما ترى أن الله يبسط الرزق!
стр. 833
وأقول: إنّ كلّ واحد من هذين المذهبين، مذهبى الخليل والفرّاء، وكذلك ما قاله أبو سعيد، من أن التقدير: تنبّه؛ إنّ الله يبسط الرزق. [كلهنّ يخرّج على ما قاله المفسّرون، وأنّ معنى قوله: ويكأنّ الله يبسط الرزق (١).] معناه: ألم تر أنّ الله يبسط الرزق، وشاهد ذلك قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَتُصْبِحُ الْأَرْضُ مُخْضَرَّةً﴾ (٢) فهذا تنبيه على قدرته، وتقرير بها.
وقال غير هؤلاء من اللغويين: هى ويك، بمعنى (٣): ويلك، وحذفت اللام لكثرة استعمال هذه اللفظة فى الكلام، «وأنّ» من قوله: ﴿وَيْكَأَنَّ اللهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ﴾ مفتوحة، بإضمار اعلم، واحتجّوا بقول عنترة (٤):
ولقد شفى نفسى وأبرأ سقمها ... قيل الفوارس ويك عنتر أقدم
فالكاف على هذا القول ضمير، فلها موضع من الإعراب.
وقال آخرون (٥): هي وى: اسم للفعل، ومعناها: أتعجّب، كما تقول: وى لم فعلت هذا؟ فالكاف فى هذا الوجه حرف للخطاب، كالكاف فى رويدك، فهى
стр. 834
دالّة على أن التعجّب موجّه/إلى مخاطب، لا إلى غائب، وانفتحت «أنّ» بتقدير اللام، أى أتعجّب، لأنّ الله يبسط الرزق، وعلى أحد هذين القولين تحمل «وى» فى قول المتنبي (١):
كفّى أرانى ويك لومك ألوما ... همّ أقام على فؤاد أنجما
وأقول فى تفسير هذا البيت: إنّ الإنجام من صفات السّحاب، وهو الإقلاع، ونقيضه: الإثجام، لأنه الإقامة والدّوام، يقال: أثجمت السماء: إذا دام مطرها أيّاما، وأنجمت: إذا أقلعت، ولا يقال: أنجم الفؤاد، ولكنه استعار ذلك، ليقابل أقام، ومقابلة الشىء بنقيضه من بديع صناعة الشعر، ويسمّى الطّباق، وحقيقة إنجام فؤاده أن الحبّ أذابه فأذهبه، كما قال (٢):
أصبحت من كبدى ومنها معدما
وقد روى عنه أنه قال: لم أقل أنجم، وإنما قلت: أثجم، أى أقام على الهوى فلم يقلع عنه بالملام.
وقوله: «أرانى» أرى: ماض، بمعنى أعلم، فهو منقول من رأى الذى بمعنى علم، المتعدّى إلى مفعولين، ولمّا نقل بالهمزة من رأى المقتضى مفعولين، اقتضى (٣) [بالنقل] ثلاثة مفاعيل، فالمفعول الأول الياء، من قوله: «نى» والثانى قوله:
«لومك» والثالث قوله: «ألوما» وفاعله «هم» والمعنى: أعلمنى همّ مقيم على فؤادى أنّ لومك لى أحقّ باللوم منّى، أى أنت فى لومك لى أحقّ بأن تلامى (٤).
стр. 835
فإن قيل: كيف يصحّ إسناد الإعلام إلى الهمّ؟
قيل: هذا مجاز، وحقيقة المعنى: علمت بما غلب على فؤادى من الهمّ أنك حقّ باللّوم منّى.
ثم نعود إلى ما نحن بصدده، من ذكر حذف الحروف، التى من أنفس الكلم، وقد تقدّم ذكر الواو التى هى فاء، وحذفها على ضربين بعوض، وبغير عوض، فالمحذوفة بغير عوض، هى المحذوفة في «يعد» وبابه، والمحذوفة بعوض على ضروب، الضّرب الأول: المحذوفة من المصدر المكسور أوّله، مصدر باب «يعد» نحو: العدة والزّنة والثّقة، فأصل هذا الضرب: وعد، ووزن، ووثق، /فأعلّوه بحذف فائه، لأمرين: أحدهما استثقال الكسرة فى الواو، والثانى: أنّ هذه الواو قد أعلّت بالحذف فى الفعل، والمصدر تابع للفعل فى صحّته واعتلاله، والمصدر الأصليّ فى هذا الباب هو الفعل، نحو: الوعد والوزن، والفعل أصل فى المصادر الثلاثية، نحو الضّرب والقتل والمشى والسّعى والغزو والعدو، ألا ترى أنهم إذا أرادوا المرّة الواحدة، جاءوا بها على فعلة، كقولك: خرجت خرجة، ودخلت دخلة، ولا يقولون: خروجة ولا دخولة، فلما خرج المصدر بكسر أوّله عن أصله، سرى إليه الإعلال من فعله، ولمّا أرادوا حذف واوه، نقلوا كسرتها إلى ما بعدها، ثم أسقطوها وهى ساكنة، لئلاّ يسقطوا حرفا وحركة، وفعلوا ذلك أيضا لتدلّ حركة المحذوف عليه، ولما أسقطوها عوّضوا منها تاء التأنيث، كما عوّضوا تاء
العين المحذوفة، من مصدر أفعلت المعتلّ العين، نحو: أقمت وأجبت واعنت وأغثت، لمّا حذفوا العين من أفعلت، وهى واو أقومت وأجوبت وأعونت وأغوثت، حذفوها من مصدره، وكان أصله: إفعال، إقوام وإجواب وإعوان وإغواث، فألقوا
стр. 836
حركة الواو على الساكن قبلها ثم قلبوها ألفا، لتحرّكها فى الأصل، وانفتح (١) ما قبلها الآن، فالتقى فى التقدير ألفان، فحذفوا الأولى، فصار المصدر إلى إقام وإجاب وإعان وإغاث، فعوّضوا من المحذوف تاء التأنيث، فقالوا: إقامة وإجابة وإعانة وإغاثة، وربّما استغنوا عن تاء التأنيث، بإضافة هذا المصدر، فسدّت إضافته مسدّ التعويض، كما جاء فى التنزيل: ﴿وَإِقامَ الصَّلاةِ﴾ (٢).
ومصدر استفعل المعتلّ العين، يجرى مجرى هذا المصدر، فى الحذف والتعويض، نحو: استقام استقامة، واستجاب استجابة، واستعان استعانة، واستغاث استغاثة.
ومن الواوات التى حذفوها وعوّضوا منها همزة: كلّ واو وقعت/مضمومة أولا، وذلك على ضربين: لازم وغير لازم، فغير اللازم يكون فى الاسم والفعل، فالاسم نحو: وجوه ووقوف ووعود ووحول، والفعل نحو: وعد ووزن ووقف ووقّت، تقول على طريق الاستحسان: أجوه وأقوف وأعود وأحول، وأعد وأزن وأقف وأقّت، كما قرأ القرّاء: ﴿وَإِذَا الرُّسُلُ أُقِّتَتْ﴾ (٣) وانفرد أبو عمرو بالواو، وقرأ بعض أصحاب الشّواذّ: «إن يدعون من دونه إلاّ أثنا» (٤) أراد: وثنا، جمع وثن،
стр. 837
جمعه على فعل، على سبيل الشذوذ، كقولهم فى جمع أسد: أسد (١).
وإنما أبدل الهمزة من هذه الواو من أبدلها من العرب، لأنهم نزّلوا الضمّة منزلة الواو، فكأنه اجتمع واوان، ففرّوا لذلك إلى الهمزة (٢) [وأمّا الإبدال اللازم، فإبدال الهمزة] من الواو المضمومة، إذا وقعت بعدها واو متحرّكة، كقولهم فى تحقير واصل وواعد، وشعر واحف (٣)، وسقف واكف (٤): أو يصل، وأو يعد، وشعير أو يحف، وسقيف أو يكف، وكذلك تكسير هذا الضرب يوجب (٥) ما أوجبه تحقيره من إبدال واوه همزة، تقول: أواصل، وشعور أواحف، وسقوف أواكف، قال الشاعر (٦):
ضربت صدرها إلىّ وقالت ... يا عديّا لقد وقتك الأواقى
أصله: الوواقى، جمع واقية.
فإن كانت الواو الثانية مدّة، لم يلزمك الإبدال، كقولك فى فوعل، من الوعد (٧)(٨) [والموافقة] والمواقفة والمواراة: قد ووعد فلان (٨) [وقد ووفق فى فعله] وقد ووقف على كذا، وقد ووري الميت، كما جاء فى التنزيل: ﴿ما وُورِيَ عَنْهُما مِنْ سَوْآتِهِما﴾ (٩) وإنما حسن هذا، لأن الثانية جرت مجرى الألف التي
стр. 838
انقلبت عنها الواو، فى واعد ووافق وواقف ووارى، فصحّت الأولى فى فوعل، كما تصحّ فى فاعل، ولك أن تقول: أوعد وأورى وأوقف، كما قلت فى وجوه: أجوه.
وكلّ العرب قالوا في مؤنّث الأوّل: أولى، وأصلها: وولى، بزنة فعلى، / لأن مذكّرها أفعل.
فإن كانت الواو الواقعة أوّلا مكسورة، كواو وشاح ووكاف ووسادة (١)، جاز همزها، وهو أقلّ من همز المضمومة، لأنّ الكسرة دون الضّمة فى الثّقل، فمن النحويّين من يقصر ذلك على المسموع، ومنهم من يجعله مقيسا على همز المضمومة، لأنّ الكسرة أخت الضمّة فى الثّقل، ألا ترى أنهم جعلوا حكمها حكم الضمّة، فى استثقالها على ياء المنقوص، ومن ذلك قراءة سعيد بن جبير: «ثمّ استخرجها من إعاء أخيه» (٢).
وقالوا فى مؤنّث أحد: إحدى، فألزموها الهمزة.
فإن كانت مفتوحة، كواو وشل ووحل ووعد، لم يجز همزها، لمباينة الفتحة لأختيها بالخفّة، فلذلك انفردت بالاستعمال فى باب قاض، وفى باب يغزو ويقضى، ولم يأت همزها إلاّ قليلا، وذلك فى قولهم: أحد، وهو من الوحدة، وامرأة أناة، وهى فعلة من الونىّ، لأنّ فى مدح النساء الوصف بالفتور والكسل، وقالوا:
أبلة الطعام، وأصلها وبلة، فعلة من الوبيل، وهو الردىء الوخيم، وقالوا فى تسمية النّساء: أسماء، وهي فعلاء من الوسامة، وقد سمّوا الرجل بذلك، وهو أسماء بن خارجة الفزارىّ، والوسامة: الحسن.
стр. 839
وقال ابن السّكّيت: «يقال (١): والدة وآلدة» وقالوا فى الفعل: أجم، يريدون: وجم، من الوجوم (٢).
فإن توسّطت الواو المضمومة، استحسن بعض العرب إبدال الهمزة منها، وذلك فى نحو: أدور، وأنور، منهم من يقول: أدور وأنؤر، وقالوا فى جمع ساق:
أسؤق وسئوق، مثل أسعق وسعوق، وقرأ بعض القراء: ﴿بِالسُّوقِ وَالْأَعْناقِ﴾ (٣).
فإن انكسرت المتوسطة الواقعة بعد متحرّك، كواو طويل وسويق، لم يجز همزها، وكذلك الواو المضمومة المثقّلة، كواو التخوّف والتقوّل، مجمع على ترك إبدال الهمزة منها، لأن تضعيف الهمزة أثقل من تضعيف الواو.
...
стр. 840
فصل
/ قد ذكرت فيما مضى (١) الحذف الواقع باسم المفعول المعتلّ العين، المأخوذ من نحو: خاف وحاز وهاب وباع، وذكرت اختلاف النحويين فى الحرف المحذوف منه، ذكرا مستوفى، غير أنّى ألمّ بذكر ذلك هاهنا تكملة لذكر الحذوف.
فأقول: إنّ أصل اسم المفعول من الخوف: مخووف، ومن الهيبة:
مهيوب، ومذهب الخليل وسيبويه أن الواو الزائد فى نحو: مخووف، هو المحذوف، لكونه زائدا، والزائد أحقّ بالحذف من الأصلىّ، وطريق حذفه أنهم ألقوا ضمّة الواو الأوّل على الساكن الذى قبله، ثم حذفوا الثانى، لالتقائهما ساكنين، فوزن مخوف إذن: مفعل.
وكذلك القول فى ذوات الياء (٢) [أنّ ضمّة الياء من] مهيوب ومبيوع ونحوهما، ألقيت على الساكن، ثم حذفت الواو لسكونها وسكون الياء وكسر ما قبل الياء، لئلاّ تنقلب لانضمام ما قبلها واوا، فقيل: مهيب ومبيع، فوزنهما: مفعل.
وقال الأخفش: إنّ الياء لمّا سكنت حذفت لسكونها وسكون الواو، وأبدلت من الضمّة قبلها كسرة، لئلاّ يصير إلى مهوب ومبوع، فتلتبس ذوات الياء بذوات الواو، فوزن مخوف على قوله: مفول، ووزن مهيب: مفيل.
والحجّة للخليل وسيبويه: أنّ واو مفعول أولى بالحذف من عينه، لأن حذف الزائد أولى من حذف الأصلىّ.
وقال الأخفش: إنما حذفت العين وأقررت الزائد، لأنّ الزائد لمعنى، وكلّ حرف لمعنى يقتضى المحافظة عليه، ألا ترى أنّ الياء لما سكنت فى باب قاض، ولقيها
стр. 841
التنوين، وجب حذف الياء، وإن كانت لاما، لأن التنوين علم الصّرف، فوجب لذلك إقراره.
/والجواب عن هذا القول: أنّ واو مفعول ليست وحدها هى الدالّة على اسم المفعول، بل هى والميم وضعا لذلك، والميم أقوى منها فى الدّلالة على هذا المعنى، لأنها أول الكلمة، فلما حذفت الواو اجتزئ بدلالة الميم على أنّ الاسم موضوع للمفعول، ويدلّك على أن الميم هى الأصل فى الدلالة على اسم المفعول، انفرادها بهذا المعنى، فى نحو: مكرم ومدحرج ومستخرج.
وقد صحّحوا طرفا من ذوات الياء، فقالوا: ثوب مخيوط، وبرّ مكيول، وفرس معيوب، إلى غير ذلك، ولم يأت (١) [التصحيح] فى شيء من ذوات الواو إلا فى قولهم: مسك مدووف، وثوب مصوون، وحكى قوم حرفين آخرين: فرس مقوود، وقول مقوول، والمعروف فيهنّ الحذف.
انتهى المجلس السادس والأربعون، بعون الله وحسن توفيقه.
...
стр. 842
المجلس السابع والأربعون
يتضمّن ذكر حذف الهمزة الأصليّة والزائدة
وأقول: ممّا كثر حذفه من الحروف الهمزة، وجاء ذلك فى الاسم والفعل، فحذفوها فاء وعينا ولاما، وزائدة.
فمن حذفها فاء: حذفها من أناس، قالوا فيه: ناس، ووزنه من الفعل عال، وذهب الكسائىّ إلى أن وزنه: فعل مثل باب، وكان أصله فعل: نوس، واستدلّ على هذا بأنّ تحقيره نويس، كبويب، وأنه لو كان أصله فعال، لقيل فى تحقيره: أنيس، كما يقال فى تحقير غراب: غريب.
والصحيح ما ذهب إليه جماعة البصريّين، ووافقهم فيه الفرّاء، لقول العرب:
أناس، وإنما كثر حذف فائه إذا دخل عليه الألف واللام، فلا يكادون يقولون الأناس إلاّ فى ضرورة الشعر كقوله:
إنّ المنايا يطّلع ... ن على الأناس الآمنينا (١)
/وإنما قالوا فى تحقيره: نويس، فلم يردّوا فاءه، لأن ردّ المحذوف إنما يلزم فى التحقير للحاجة إليه، كقولك فى تحقير عدة وزنة: وعيدة ووزينة، وفى سه:
ستيهة، وفى أب وأخ: أبىّ وأخىّ، ألا ترى أنك لو لم تردّ المحذوف من عدة، أوقعت ياء التحقير ثالثة بعد الدال، وحرّكتها بالفتح، لوقوع تاء التأنيث بعدها، فصارت الكلمة إلى عدية، بزنة فعلة، كرطبة، وحقيقة زنتها: عليّة، لأن وزن
стр. 843
عدة: علة، والياء زائدة للتحقير، فخرجت بذلك عن مثال التحقير، ثم انقلبت الياء ألفا، لتحرّكها وانفتاح ما قبلها، فصارت إلى عداة، وهذا إفساد مستحكم، لأنّ ياء التحقير لا تمسّها (١) الحركة، كما لا تمسّ ألف التكسير التى فى مثال مفاعل (٢)، فكيف تحريكها ثم قلبها ألفا؟ وكذلك لو لم تردّ عين سه، فتقل: ستيهة، لزمك أن تقول: سهية، مثل رطبة، فتحرّك ياء التصغير ثم تقلبها ألفا، وهذا فساد تبعه فساد، وهو إبطال لمثال التحقير، ولو لم تردّ اللام من أب وأخ، وقعت ياء التحقير طرفا، ولزم تحريكها بحركات الإعراب، ثم قلبها ألفا، لانفتاح ما قبلها، فصار إلى أبا وأخا، وليس فى تحقير أناس، إذا لم تردّ المحذوف، شيء يخرج باب التحقير عن قياسه، لأنّ قولنا: ناس، وإن كان بوزن عال، فإنه مماثل لباب، وإن كان باب وزنه فعل، وكذلك (٣) تحقيره مماثل لتحقيره، وإن كان نويس وزنه عويل، وبويب وزنه فعيل.
ووافق الكسائىّ من الكوفيين، فى أن ناسا كباب، وأصله نوس، فعل من النّوس، وهو التحرّك: سلمة بن عاصم (٤).
ومن ذلك-أعنى حذف الهمزة فاء-حذف همزة «إلاه» حذفوها تخفيفا، كما حذفوا همزة أناس، وهمزة أب، فى قولهم: يا با فلان، فقالوا: لاه أبوك، يريدون:
لله، كما قال (٥):
стр. 844
لاه ابن عمّك لا أفضلت فى حسب ... عنّى ولا أنت ديّانى فتخزونى
/معنى «تخزونى»: تسوسنى وتقهرنى، ومعنى «عنّى» هاهنا بمعنى عليّ.
والدّيّان: ذو السّياسة.
فلاه فى قوله: «لاه ابن عمّك» أصله: لله، فحذف لام الجر، وأعملها محذوفة، كما أعمل الباء محذوفة فى قولهم: الله لأفعلنّ، وأتبعها فى الحذف لام التعريف، فبقى لاه، بوزن عال، ولا يجوز أن تكون اللام فى قوله: «لاه ابن عمّك» لام الجرّ، وفتحت لمجاورتها للألف، كما زعم بعض (١) النحويين، لأنهم قالوا: لهى أبوك، بمعنى لله أبوك، ففتحوا اللام، ولا مانع لها من الكسر فى «لهى»، لو كانت الجارّة، وإنما يفتحون لام الجرّ مع المضمر، فى نحو: لك ولنا، وفتحوها فى الاستغاثة، إذا دخلت فى اسم المستغاث به، لأنه أشبه الضمير، من حيث كان منادى، والمنادى يحلّ محلّ الكاف من قولك: أدعوك.
فإن قيل: فكيف يتصل الاسم بالاسم، فى قوله: لاه ابن عمّك، بغير واسطة، وإنما يتصل الاسم بالاسم فى نحو: لله زيد، ولأخيك ثوب، بواسطة اللام؟
قيل: إن اللام أوصلت الاسم بالاسم، وهى مقدّرة، كما عملت الجرّ وهى مقدّرة، وكما أوصلت الباء فعل القسم إلى المقسم به، وهى محذوفة، فأصل هذا الاسم الذى هو «الله» تعالى مسمّاه، إله، فى أحد قولى سيبويه (٢)، بوزن فعال، ثم
стр. 845
لاه، بوزن عال، ولمّا حذفوا فاءه عوّضوا منها لام التعريف، فصادفت وهي ساكنة، اللام التى هى عين، وهى متحرّكة، فأدغمت فيها، وبعض العرب يقطعون همزة لام التعريف منه فى النداء، فيقولون: يا الله، ليدلّوا بقطعها على أن الألف واللام فيه عوض من همزة قطع، وخصّوه بشىء لم يسمع فى غيره، وهو تفخيم لامه (١)، تعظيما له وتنويها به، وذلك إذا وقعت بعد ضمّة أو فتحة، كقولك:
يقول الله، وقال الله، ويفعلون ذلك أيضا إذا ابتدءوا به، لأنّ همزة لام التعريف مفتوحة، وهذا التفخيم معدوم فى اللاّت، وما قاربها فى اللفظ، /كالّتى واللاّتى، فإن جيء به بعد كسرة، رقّقوا لامه، لموافقة التّرقيق للكسر.
والذى ذهب إليه سيبويه، من أنّ أصل هذا الاسم: إلاه، قول يونس بن حبيب، وأبى الحسن الأخفش، وعلىّ بن حمزة الكسائىّ، ويحيى بن زياد الفرّاء، وقطرب بن المستنير، وقال بعد وفاقه لهذه الجماعة: وجائز (٢) أن يكون أصله: لاه، وأصل لاه: ليه، على وزن فعل، ثم أدخل عليه الألف واللام، فقيل: الله، واستدلّ على ذلك بقول بعض العرب: لهي أبوك، يريدون: لاه أبوك، قال: فتقديره على هذا القول: فعل، والوزن وزن باب ودار، وأنشد للأعشى (٣):