التنوين، وجب حذف الياء، وإن كانت لاما، لأن التنوين علم الصّرف، فوجب لذلك إقراره.
/والجواب عن هذا القول: أنّ واو مفعول ليست وحدها هى الدالّة على اسم المفعول، بل هى والميم وضعا لذلك، والميم أقوى منها فى الدّلالة على هذا المعنى، لأنها أول الكلمة، فلما حذفت الواو اجتزئ بدلالة الميم على أنّ الاسم موضوع للمفعول، ويدلّك على أن الميم هى الأصل فى الدلالة على اسم المفعول، انفرادها بهذا المعنى، فى نحو: مكرم ومدحرج ومستخرج.
وقد صحّحوا طرفا من ذوات الياء، فقالوا: ثوب مخيوط، وبرّ مكيول، وفرس معيوب، إلى غير ذلك، ولم يأت (١) [التصحيح] فى شيء من ذوات الواو إلا فى قولهم: مسك مدووف، وثوب مصوون، وحكى قوم حرفين آخرين: فرس مقوود، وقول مقوول، والمعروف فيهنّ الحذف.
انتهى المجلس السادس والأربعون، بعون الله وحسن توفيقه.
...
стр. 842
المجلس السابع والأربعون
يتضمّن ذكر حذف الهمزة الأصليّة والزائدة
وأقول: ممّا كثر حذفه من الحروف الهمزة، وجاء ذلك فى الاسم والفعل، فحذفوها فاء وعينا ولاما، وزائدة.
فمن حذفها فاء: حذفها من أناس، قالوا فيه: ناس، ووزنه من الفعل عال، وذهب الكسائىّ إلى أن وزنه: فعل مثل باب، وكان أصله فعل: نوس، واستدلّ على هذا بأنّ تحقيره نويس، كبويب، وأنه لو كان أصله فعال، لقيل فى تحقيره: أنيس، كما يقال فى تحقير غراب: غريب.
والصحيح ما ذهب إليه جماعة البصريّين، ووافقهم فيه الفرّاء، لقول العرب:
أناس، وإنما كثر حذف فائه إذا دخل عليه الألف واللام، فلا يكادون يقولون الأناس إلاّ فى ضرورة الشعر كقوله:
إنّ المنايا يطّلع ... ن على الأناس الآمنينا (١)
/وإنما قالوا فى تحقيره: نويس، فلم يردّوا فاءه، لأن ردّ المحذوف إنما يلزم فى التحقير للحاجة إليه، كقولك فى تحقير عدة وزنة: وعيدة ووزينة، وفى سه:
ستيهة، وفى أب وأخ: أبىّ وأخىّ، ألا ترى أنك لو لم تردّ المحذوف من عدة، أوقعت ياء التحقير ثالثة بعد الدال، وحرّكتها بالفتح، لوقوع تاء التأنيث بعدها، فصارت الكلمة إلى عدية، بزنة فعلة، كرطبة، وحقيقة زنتها: عليّة، لأن وزن
стр. 843
عدة: علة، والياء زائدة للتحقير، فخرجت بذلك عن مثال التحقير، ثم انقلبت الياء ألفا، لتحرّكها وانفتاح ما قبلها، فصارت إلى عداة، وهذا إفساد مستحكم، لأنّ ياء التحقير لا تمسّها (١) الحركة، كما لا تمسّ ألف التكسير التى فى مثال مفاعل (٢)، فكيف تحريكها ثم قلبها ألفا؟ وكذلك لو لم تردّ عين سه، فتقل: ستيهة، لزمك أن تقول: سهية، مثل رطبة، فتحرّك ياء التصغير ثم تقلبها ألفا، وهذا فساد تبعه فساد، وهو إبطال لمثال التحقير، ولو لم تردّ اللام من أب وأخ، وقعت ياء التحقير طرفا، ولزم تحريكها بحركات الإعراب، ثم قلبها ألفا، لانفتاح ما قبلها، فصار إلى أبا وأخا، وليس فى تحقير أناس، إذا لم تردّ المحذوف، شيء يخرج باب التحقير عن قياسه، لأنّ قولنا: ناس، وإن كان بوزن عال، فإنه مماثل لباب، وإن كان باب وزنه فعل، وكذلك (٣) تحقيره مماثل لتحقيره، وإن كان نويس وزنه عويل، وبويب وزنه فعيل.
ووافق الكسائىّ من الكوفيين، فى أن ناسا كباب، وأصله نوس، فعل من النّوس، وهو التحرّك: سلمة بن عاصم (٤).
ومن ذلك-أعنى حذف الهمزة فاء-حذف همزة «إلاه» حذفوها تخفيفا، كما حذفوا همزة أناس، وهمزة أب، فى قولهم: يا با فلان، فقالوا: لاه أبوك، يريدون:
لله، كما قال (٥):
стр. 844
لاه ابن عمّك لا أفضلت فى حسب ... عنّى ولا أنت ديّانى فتخزونى
/معنى «تخزونى»: تسوسنى وتقهرنى، ومعنى «عنّى» هاهنا بمعنى عليّ.
والدّيّان: ذو السّياسة.
فلاه فى قوله: «لاه ابن عمّك» أصله: لله، فحذف لام الجر، وأعملها محذوفة، كما أعمل الباء محذوفة فى قولهم: الله لأفعلنّ، وأتبعها فى الحذف لام التعريف، فبقى لاه، بوزن عال، ولا يجوز أن تكون اللام فى قوله: «لاه ابن عمّك» لام الجرّ، وفتحت لمجاورتها للألف، كما زعم بعض (١) النحويين، لأنهم قالوا: لهى أبوك، بمعنى لله أبوك، ففتحوا اللام، ولا مانع لها من الكسر فى «لهى»، لو كانت الجارّة، وإنما يفتحون لام الجرّ مع المضمر، فى نحو: لك ولنا، وفتحوها فى الاستغاثة، إذا دخلت فى اسم المستغاث به، لأنه أشبه الضمير، من حيث كان منادى، والمنادى يحلّ محلّ الكاف من قولك: أدعوك.
فإن قيل: فكيف يتصل الاسم بالاسم، فى قوله: لاه ابن عمّك، بغير واسطة، وإنما يتصل الاسم بالاسم فى نحو: لله زيد، ولأخيك ثوب، بواسطة اللام؟
قيل: إن اللام أوصلت الاسم بالاسم، وهى مقدّرة، كما عملت الجرّ وهى مقدّرة، وكما أوصلت الباء فعل القسم إلى المقسم به، وهى محذوفة، فأصل هذا الاسم الذى هو «الله» تعالى مسمّاه، إله، فى أحد قولى سيبويه (٢)، بوزن فعال، ثم
стр. 845
لاه، بوزن عال، ولمّا حذفوا فاءه عوّضوا منها لام التعريف، فصادفت وهي ساكنة، اللام التى هى عين، وهى متحرّكة، فأدغمت فيها، وبعض العرب يقطعون همزة لام التعريف منه فى النداء، فيقولون: يا الله، ليدلّوا بقطعها على أن الألف واللام فيه عوض من همزة قطع، وخصّوه بشىء لم يسمع فى غيره، وهو تفخيم لامه (١)، تعظيما له وتنويها به، وذلك إذا وقعت بعد ضمّة أو فتحة، كقولك:
يقول الله، وقال الله، ويفعلون ذلك أيضا إذا ابتدءوا به، لأنّ همزة لام التعريف مفتوحة، وهذا التفخيم معدوم فى اللاّت، وما قاربها فى اللفظ، /كالّتى واللاّتى، فإن جيء به بعد كسرة، رقّقوا لامه، لموافقة التّرقيق للكسر.
والذى ذهب إليه سيبويه، من أنّ أصل هذا الاسم: إلاه، قول يونس بن حبيب، وأبى الحسن الأخفش، وعلىّ بن حمزة الكسائىّ، ويحيى بن زياد الفرّاء، وقطرب بن المستنير، وقال بعد وفاقه لهذه الجماعة: وجائز (٢) أن يكون أصله: لاه، وأصل لاه: ليه، على وزن فعل، ثم أدخل عليه الألف واللام، فقيل: الله، واستدلّ على ذلك بقول بعض العرب: لهي أبوك، يريدون: لاه أبوك، قال: فتقديره على هذا القول: فعل، والوزن وزن باب ودار، وأنشد للأعشى (٣):
стр. 846
كحلفة من أبى رياح ... يسمعها لاهه الكبار
ولذى الإصبع العدوانىّ: «لاه ابن عمك» البيت. انتهى كلام سيبويه.
وأقول: إنّ الاسم الذى هو «لاه» على هذا القول، تامّ وأصله: ليه، فعل، مثل جبل، فصارت ياؤه ألفا، لتحرّكها وانفتاح ما قبلها، ومن قال: لهى أبوك، فهو مقلوب من لاه، قدّمت لامه التى هى الهاء، على عينه التى هى الياء، فوزنه فلع، وكان أصله بعد تقديم لامه على عينه: للهى، فحذفوا لام الجرّ ثم لام التعريف، وضمّنوه معنى لام التعريف، فبنوه، كما ضمّنوا معناها أمس، فوجب بناؤه، وحرّكوا الياء لسكون الهاء قبلها، واختاروا لها الفتحة لخفّتها.
فأمّا اشتقاق هذا الاسم، تعالى المسمّى (١) به، فقد قيل فيه غير قول، فمن ذلك قول من قدّمت ذكره من أهل العلم بالعربيّة، أن أصله إلاه، فعال بمعنى مفعول، كأنه مألوه، أى مستحقّ للعبادة، يعبده الخلق ويألهونه، والمصدر الألوهة، والتألّه: التعبّد، قال رؤبة (٢):
سبّحن واسترجعن من تألّهى
أى تعبّدى، ومعنى العبادة: الخضوع والتذلّل، من قولهم: طريق معبّد، إذا كان موطوءا مذلّلا، لكثرة السّير (٣) فيه، ومنه اشتقاق العبد، لخضوعه وذلّته لمولاه.
وقال الخليل بن أحمد: أصل إلاه: ولاه، من الوله، والوله: الحيرة، فأبدلوا
стр. 847
الواو لانكسارها همزة، كما قالوا فى وشاح ووعاء: إشاح وإعاء، ثم أدخلوا عليه الألف واللام للتعريف، فقالوا: الإلاه، ثم حذفوا همزته بعد إلقاء حركتها على لام التعريف، فصار: اللاه، فاجتمع فيه مثلان متحرّكان، فأسكنوا الأول، وأدغموه فى الثاني، وفخّموا لامه، فقالوا: الله، فكأنّ معناه على هذا المذهب أن يكون الوله من العباد إليه جلّت عظمته.
وقال قطرب وغيره من العلماء بالعربية: إنّ هذا الاسم لكثرة دوره فى الكلام، كثرت فيه اللّغات، فمن العرب من يقول: والله لا أفعل، ومنهم من يقول: لاه لا أفعل، ومنهم من يقول: والله بحذف ألفه، وإسكان هائه، وترك تفخيم لامه، وأنشدوا:
أقبل سيل جاء من أمر الله ... يحرد حرد الجنّة المغلّة (١)
يحرد: يقصد.
وأقول: إن حذف ألفه إنما استعمله قائل هذا الرجز للضرورة، وأسكن آخره للوقف (٢) عليه، ورقّق لامه، لانكسار ما قبلها، ولو لم يأت فى قافية البيت الثانى «المغلّة» لأمكن أن يقول: جاء من أمر اللاّه، فيثبت ألفه، ويقف على الهاء بالسكون.
стр. 848
ومن الأسماء المحذوف منها الهمزة، فاء «أبو فلان» إذا نادوه، كقول أبى الأسود الدّؤلىّ (١):
يا با المغيرة ربّ أمر معضل ... فرّجته بالمكر منّى والدّها
وأمّا الأفعال التى حذفت الهمزة منها فاء، فمنها قولك إذا أمرت من الأخذ والأكل: خذ وكل، أصلهما أأخذ واأكل، فثقل عليهم اجتماع همزتين فيما يكثر استعماله، فأسقطوا الثانية، فوجب بإسقاطها إسقاط الأولى، لأنها همزة/ وصل، وهمزة الوصل إنما تجتلب توصّلا إلى النطق بالساكن، فإذا سقط الساكن الذى لأجله تجتلب، استغنى عنها.
فأما (٢) [قولك] افعل من أمر يأمر، فللعرب فيه مذهبان، منهم من نزّله منزلة خذو كل، فقالوا: مر فلانا بكذا، ومنهم من فرّق بينه وبينهما، لأنه لم يكثر استعماله كثرة استعمالهما، فلمّا فارقهما بكونه أقلّ منهما استعمالا، وكرهوا اجتماع الهمزتين، أبدلوا الثانية لانضمام ما قبلها واوا، فقالوا: أومر، كما فعلوا ذلك فيما قلّ استعماله من هذا الضّرب، نحو أجر الدار يأجرها، وأثر الحديث يأثره، فقالوا:
أوجر دارك، أوثر حديث (٣) زيد، فإذا دخل حرف العطف عليه، أجمعوا على إعادة همزته إليه، فقالوا: مر زيدا وأمر عمرا، كما جاء فى التنزيل: ﴿وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلاةِ﴾ (٤).
وقد شبّه بعض العرب «ائت» بخذ وكل، وإن لم يكن مثلهما فى الكثرة، فأسقطوا الهمزة التى هى فاء، فاجتمع عليه إسقاط فائه ولامه، فقالوا: ت زيدا،
стр. 849
فإذا وقفوا عليه قالوا: ته، فألحقوه هاء السّكت، كما تقول إذا أمرته من ولى: ل عملك، ومن وفى يفى: ف بقولك، فإذا وقفت قلت: له، وفه، وكذلك تكتب هذا الضّرب، أعنى أنك تلحقه فى الخطّ الهاء، لأن الخطّ مبنىّ على الوقف، ألا ترى أنهم يصوّرون التنوين، فى نحو رأيت زيدا، ألفا، لأنهم إذا وقفوا عليه وقفوا بالألف، وكذلك يحذفون الياء من الخطّ فى باب قاض فى الرفع والجر، لأنهم يقفون عليه فى اللغة العليا (١) [بغير ياء] قال الشاعر:
ت لى آل زيد فاندهم لى جماعة ... وسل آل زيد أىّ شيء يضيرها (٢)
قوله: «فاندهم»: أى فأتهم فى ناديهم، وقوله: «لى» أى لأجلى.
وأمّا حذف الهمزة عينا، فجاء على ضربين، ملتزم وغير ملتزم، فغير الملتزم حذفها بعد إلقاء حركتها على ساكن قبلها، كقولك فى يسأل: يسل، وفى قولك:
اسأل: سل، ألقيت فتحة الهمزة من قولك: اسأل، على السّين، وحذفتها ثم حذفت/همزة الوصل، استغناء عنها بحركة السّين، فهذا حذف قياسيّ، لأنّ استعماله على سبيل الجواز، وكذلك إن كانت الهمزة فاء من كلمة، والساكن قبلها من كلمة، ألقيت حركتها عليه وحذفتها، فقلت فى كم إبلك: كم بلك، ومن أخوك؟ من خوك، وفى قد أفلح: «قد فلح المؤمنون» (٣).
فأمّا الحذف الملتزم فيها إذا كانت عينا، فحذف الهمزة من يرى ونرى
стр. 850
ونظائرهما، وهى ترى ونرى ويرى وأرى ونرى وأرى وترى ويرى، كان الأصل فى يرى: يرأى، مثل يرعى، وفي يرى: يرإى، مثل يرعى، فألقوا حركة الهمزة على الراء، ثم حذفوها والتزموا حذفها، والتزامه شاذّ، وحذفوها (١) [أيضا] من ماضى يرى، فقالوا: أرى، وأصله أرإى، مثل أرعى، ومن اسم فاعله، فقالوا: مرى، وأصله مرئى، مثل مرعى، وحذفوها من مثال الأمر المصوغ من رأى، كقولك:
يا زيد ر جعفرا، تريد أبصر جعفرا، وكان الأصل: ار أ، مثل ارع، فألقيت حركة الهمزة على الراء، وحذفت ثم حذفت همزة الوصل، للاستغناء عنها، وهذا جمع بين إعلالين متواليين، حذف الهمزة التى هى عين، وحذف (٢) [الألف] المنقلبة عن الياء، التى هى لام فى رأيت، فلم يبق إلاّ الفاء، فقولك: ر جعفرا، مثاله ف جعفرا، فإن أمرت اثنين، رددت اللام، فقلت: ريا، وأصله: ارأيا، مثل ارعيا، فألقيت حركة الهمزة على الراء وحذفتها، ثم حذفت همزة الوصل، فوزن ريا فلا، وإنما رددت اللام هنا، كما رددتها من كلّ فعل معتلّ اللام، أمرت منه اثنين، كقولك من خشيت: اخشيا، ومن دعوت: ادعوا، فإن أمرت رجالا قلت:
روا، وأصله ارأوا، مثل ارعوا، ففعلت من إلقاء حركة الهمزة على الراء، وحذفها بعد الإلقاء، ثم حذف همزة الوصل، للاستغناء عنها، كما فعلت فيما قدّمت ذكره، فوزن روا: فوا، وإنّما لم تردّ اللام هنا، كما تردّها فى نحو: اخشوا، لأن أصله: اخشيوا، /فحذفت ضمّة الياء استثقالا لها على الياء، ثم حذفت الياء لالتقاء الساكنين، ولم تحذف الياء من اخشيا لخفّة الفتحة.
فإن أمرت نساء قلت: رين، وأصله: ارأين، مثل ارعين، ففعلت ما تقدّم ذكره، من إلقاء الحركة، ثم حذف الهمزتين، الهمزة التى هى عين، وهمزة الوصل، فوزن رين: فلن، وإنما رددت اللام هنا كما رددتها فى نحو اخشين، وإنما ثبتت فى اخشين، لسكونها كما سكنت الميم في اعلمن، والباء فى اشربن.
стр. 851
(١) [فصل] [في مناداة الاسم المنقوص:]
يقتضيه هذا الفصل، وهو أنك إذا ناديت اسما منقوصا، فللنحويّين فى يائه اختلاف، فمذهب سيبويه (٢) إثباتها، لأنها احتمت بالنداء من التنوين، كما احتمت بالألف واللام (٣) [وبالإضافة] ومذهب يونس بن حبيب حذفها، فعنده أنّ قولك:
يا قاض، أوجه من قولك: يا قاضى، قال: لأنّ باب النداء باب حذف وتغيير، فهو مما كثر فيه التخفيف، لكثرة استعماله، فلذلك اختصّ به الترخيم، واتّسع فيه حذف ياء الضمير، فى نحو: يا غلام ﴿وَيا قَوْمِ لا يَجْرِمَنَّكُمْ شِقاقِي﴾ (٤) اكتفاء بدلالة الكسرة على الياء، ولم يخالف يونس سيبويه (٥) في إثبات الياء من اسم الفاعل المصوغ من أرى يرى، إذا نودى، فكلاهما يقول: يا مرى، فيثبتها لئلاّ يجتمع على الاسم حذف عينه وحذف لامه، وقد جاء في هذا التركيب لغيّة، ردّوا فيها اللام، وهى لغة التقديم فيه والتأخير، وذلك قولهم: راء، مثل راع، أخّروا همزته، وقدّموا ياءه، فصارت ألفا، لتحرّكها وانفتاح ما قبلها، فوزنه: فلع، قال كثيّر (٦) عزة، أو غيره:
وكلّ خليل راءنى فهو قائل ... من اجلك هذا هامة اليوم أوغد
стр. 852
فإذا استعملوا مضارعه، ردّوا عينه، فجاءوا به على يفعل، دون يفلع، فقالوا: يرأى، مثل يرعى، وهى من اللّغات القليلة الاستعمال، لقلّة مستعمليها.
وممّا التزموا فيه حذف همزته، وهي عين، كما التزموا حذفها فى يرى/ ونظائره (١) [قولهم] ملك، أصله: ملأك، مفعل من الألوك (٢)، وهى الرسالة، فألقوا حركة الهمزة على اللام، ثم حذفوها، واستمرّ ذلك فى استعمالهم إيّاه، ولم يردّوها إلاّ فى الجمع، ولم يأت ردّها فى الأصل الذى هو الواحد إلاّ نادرا فى الشّعر، كقوله:
فلست لإنسىّ ولكن لملأك ... تنزّل من جوّ السّماء يصوب (٣)
كما جاء فى النادر:
أرى عينىّ ما لم ترأياه ... كلانا عالم بالتّرّهات (٤)
стр. 853
التّرّهة: الباطل من كلّ شيء.
ومما حذفوا عينه وهي همزة، حذفا شاذّا، قولهم فى المئين: المين، وهى لغة رديّة، لأنّ فيها جمعا بين إعلالين متلاصقين: حذف العين وحذف اللام، لأن أصل مائة: مئية (١)، ومثله فى الجمع بين إعلالين، قولهم فى بنى العنبر وبنى الحارث: بلعنبر وبلحارث، فحذفوا النون من «بنى» مع حذف اللام من ابن، ويتبيّن هذا فيما تراه بعد (٢)، بمشيئة الله وحسن إعانته.
انتهى المجلس السابع والأربعون بعون الله وحسن توفيقه.
...
стр. 854
المجلس الثامن والأربعون
يتضمّن ذكر حذف الهمزة لاما، وما يتّصل به
قد انقضى ذكر حذف الهمزة عينا، وأمّا حذفها لاما، فقد حذفوها من مصدر سؤته، فقالوا: سواية، بوزن فعاية، وأصله سوائية (١)، فعالية.
وحذفوها من «أشياء» فى قول أبى الحسن الأخفش وقول الفراء (٢)، اتّفقا على أن أصلها أشيئاء، بوزن أفعلاء، فحذفت الهمزة التى هى لام، فوزنها الآن: أفعاء، فعورضا بأنّ الواحد مثاله فعل، وليس قياس فعل أن يجمع على أفعلاء، فاحتجّا بقولهم فى جمع سمح: سمحاء (٣)، وروى عن الفرّاء أنه قال: أصل شيء شيّئ، كهيّن، وخفّف كما خفّف هيّن، /إلا أنّ شيئا ألزم التخفيف، ولمّا كان أصله
стр. 855
فيعل، جمعوه على أفعلاء، كهيّن وأهوناء. وقوله فى شيء: إنّ أصله التثقيل، دعوى لا دليل عليها.
وذكر أبو على فى التكملة (١) مذهب الخليل وسيبويه، في أشياء، ثم قال [وقد قيل (٢)] فيه قول آخر، وهو أن يكون أفعلاء، ونظيره سمح وسمحاء (٣)، وحذفت الهمزة التى هى لام حذفا، كما حذفت من قولهم: سوائية، حيث قالوا: سواية، ولزم حذفها فى أفعلاء لأمرين، أحدهما تقارب الهمزتين، وإذا كانوا قد حذفوا الهمزة مفردة، فجدير إذا تكرّرت أن يلزم الحذف.
والآخر: أن الكلمة جمع، وقد يستثقل فى الجموع مالا يستثقل فى الآحاد، بدلالة إلزامهم خطايا: القلب، وإبدالهم من الأولى فى ذوائب: الواو، وهذا قول أبى الحسن، فقيل له: فكيف تحقّرها؟ قال: أقول فى تحقيرها: أشيّاء، فقيل له: هلاّ رددت إلى الواحد، فقلت: شييئات، لأن أفعلاء لا يصغّر، فلم يأت بمقنع.
وأقول: إنّ الذى ناظره فى ذلك أبو عثمان المازنىّ، فأراد أن أفعلاء من أمثلة الكثرة، وجموع الكثرة لا تحقّر على ألفاظها، ولكن تحقّر آحادها، ثم يجمع الواحد بالألف والتاء، كقولك فى تحقير دراهم: دريهمات.
ثم قال أبو علىّ بعد قوله، فلم يأت بمقنع: والجواب عن ذلك، أن أفعلاء فى هذا الموضع جاز تصغيرها، وإن لم يجز التصغير فيها فى غير هذا الموضع، لأنها قد صارت بدلا من أفعال، بدلالة استجازتهم إضافة العدد [القليل (٤)] إليها، كما
стр. 856
أضيف إلى أفعال، ويدلّ على كونها بدلا من أفعال، تذكيرهم العدد المضاف إليها، فى قولهم: ثلاثة أشياء، فكما صارت بمنزلة أفعال فى هذا الموضع، بالدلالة التى ذكرت، كذلك يجوز تصغيرها، من حيث جاز تصغير أفعال، ولم يمتنع تصغيرها على اللفظ، من حيث امتنع تصغير هذا الوزن فى غير هذا الموضع، لارتفاع المعنى المانع/من ذلك عن أشياء، وهو أنها صارت بمنزلة أفعال، وإذا كان كذلك لم يجتمع فى الكلمة ما يتدافع من إرادة التقليل والتكثير فى شيء واحد. انتهى كلامه.
وأقول فى تفسير قوله «إنّ أفعلاء فى هذا الموضع صارت بدلا من أفعال»:
يعنى أنه كان القياس فى جمع شيء: أشياء (١)، مصروف، كقولك فى جمع فيء:
أفياء، على أن تكون همزة الجمع هى همزة الواحد، ولكنهم أقاموا أشياء، التى همزتها للتأنيث، مقام أشياء التى وزنها أفعال، واستدلاله فى تجويز تصغير أشياء على لفظها بأنها صارت بدلا من أفعال، بدلالة أنهم أضافوا العدد (٢) إليها، وألحقوه الهاء، فقالوا:
ثلاثة أشياء، مما لا تقوم به دلالة، لأنّ أمثلة القلّة وأمثلة الكثرة يشتركن فى ذلك، ألا ترى أنهم يضيفون العدد إلى أبنية الكثرة، إذا عدم بناء القلّة، فيقولون: ثلاثة شسوع (٣)، وخمسة دراهم.
وأما إلحاق الهاء فى قولنا: ثلاثة أشياء، وإن كان أشياء مؤنثا، فلأنّ الواحد مذكّر، ألا ترى أنك تقول: ثلاثة أنبياء، وخمسة أصدقاء، وسبعة شعراء، فتلحق الهاء وإن كان لفظ الجمع مؤنّثا، وذلك لأنّ الواحد نبىّ وصديق وشاعر، كما أنّ واحد أشياء: شيء، فأىّ دلالة فى قوله: ويدلّ على كونها بدلا من أفعال، تذكيرهم العدد المضاف إليها فى قولهم: ثلاثة أشياء؟
وأقول: إن الذى يجوز أن يستدلّ به لمذهب الأخفش، أن يقال: إنما جاز
стр. 857
تصغير أفعلاء على لفظه، وإن كان من أبنية الكثرة، لأنّ وزنه نقص بحذف لامه، فصار أفعاء، فشبّهوه بأفعال، فصغّروه.
وقول أبى علىّ فى أشياء: «إن أصلها أفعلاء، وحذفت الهمزة التى هى لام حذفا، كما حذفت من قولهم: سوائية، ولزم حذفها من أفعلاء لأمرين، أحدهما:
تقارب الهمزتين، وإذا كانوا قد حذفوا الهمزة مفردة، فجدير إذا تكررت أن يلزم الحذف» يعنى أن الهمزتين/فى أشيئاء تقاربتا، حتى لم يكن بينهما فاصل إلا الألف مع خفائها، فهى كلا فاصل، وإذا كانوا قد حذفوا الهمزة المفردة في سوائية، فحذف الهمزة التى وليتها همزة أولى.
وقوله: «ولزم حذفها فى أفعلاء لأمرين» أراد أن يعرّفك بذلك أن حذفها فى سواية، لم يلتزموه، فأحد الأمرين الداعيين إلى حذفها تقارب الهمزتين، ثم قال:
«والآخر أن الكلمة جمع، وقد يستثقل في الجموع مالا يستثقل فى الآحاد، بدلالة إلزامهم خطايا: القلب، وإبدالهم من الأولى فى ذوائب: الواو» يعنى أن الهمزة حذفت فى سوائية، وهو اسم غير جمع، فكان حذفها من أشياء، أجدر، لكونه جمعا، والجمع ثقيل، لأن الجموع فروع على الآحاد، فلذلك التزموا في خطايا قلب همزة خطيئة ياء، وكان أصلها: خطائىء، بهمزتين، مثل خطاعع، الأولى منهما منقلبة عن ياء خطيئة، كما انقلبت ياء صحيفة همزة فى صحائف، والثانية همزة خطيئة، فاستثقلوا اجتماع الهمزتين فى خطائىء، فأبدلوا المتطرّفة ياء، فصار:
خطائى، فاستثقلوا الكسرة فى همزة بعدها ياء، فأبدلوا الكسرة فتحة، إذ كانوا قد قالوا فى المدارى (١): مدارا، فأبدلوا من كسرته فتحة، وهى في حرف صحيح، فكان إبدالها فى حرف علّة واجبا، فصار حينئذ إلى خطاء، فوقعت الهمزة بين ألفين، والهمزة أخت الألف، فتوالت ثلاثة أمثال، فأبدلوا الهمزة ياء.
стр. 858
وأما ذوائب، فأصله: ذأائب، الهمزة الأولى همزة ذؤابة، والثانية بدل من ألف ذؤابة، كما أبدلت ألف رسالة همزة، فى رسائل، فاستثقلوا الجمع بين ثلاثة أمثال فى جمع، فأبدلوا من الأولى الواو.
فأما مذهب الخليل وسيبويه فى (١) [أشياء، فإن أبا على ذكر أشياء بعد ذكر قصباء وطرفاء وحلفاء، فقال (٢): وأما الاسم الذى يراد به الجمع عند سيبويه، فقولهم: القصباء والطّرفاء والحلفاء. ثم قال: ومن هذا الباب على قول الخليل وسيبويه] قولهم: أشياء فى جمع شيء، وكان القياس فيه: شيئاء، ليكون فعلاء، كطرفاء، فاستثقلوا تقارب الهمزتين، فأخّروا الأولى التى هى اللام، إلى أوّل الحرف، فصار: أشياء، ووزنه من الفعل: لفعاء، ثم قال: والدلالة/على أنها اسم مفرد، ما روى من تكسيرها على أشاوى، كسّروها كما كسّروا صحراء على صحارى، حيث كانت مثلها فى الإفراد، انتهى كلامه.
وأقول: إن أشياء يتجاذبها أمران: الإفراد والجمع، فالإفراد فى اللفظ، والجمع فى المعنى، كطرفاء وقصباء وحلفاء، هنّ فى اللفظ كصحراء، وفى المعنى جمع طرفة وقصبة وحلفة (٣)، بكسر لامها وفتحه على الخلاف، وكذلك أشياء، لفظها لفظ الاسم المفرد، من نحو صحراء، وهي فى المعنى جمع شيء، ودليل [ذلك (٤)] ما ذكره أبو علىّ من قولهم فى جمع أشاوى كصحارى، وأصله أشايا، كما تقول العامّة، فأبدلوا الياء واوا، على غير قياس، كإبدالها واوا، فى قولهم: جبيت الخراج جباوة، ودليل آخر، وهو قولهم فى تحقيرها: أشيّاء، كصحيراء، ولو كانت جمعا لفظا ومعنى، وجب أن يقال فى تحقيرها: شييئات، ويدل على أنها فى المعنى جمع،
стр. 859
إضافة العدد إليها، فى قولهم: ثلاثة أشياء، ولو كانت اسما مفردا لفظا ومعنى، لم تجز إضافة العدد إليها (١)، ألا ترى أنه لا يجوز: ثلاث صحراء، ولم يأت إضافة العدد إلى مفرد إلاّ إلى مائة، فى قولهم: ثلاث مائة، كما جاء: ﴿وَلَبِثُوا فِي كَهْفِهِمْ ثَلاثَ مِائَةٍ﴾ (٢) وكان القياس: ثلاث مئين، أو مئات، كما جاء فى قول الفرزدق (٣):
ثلاث مئين للملوك وفى بها ... ردائى وجلّت عن وجوه الأهاتم
ومن حذف الهمزة لاما، حذفها فى برءاء، جمع بريء، خالف الفرّاء الرّواة، فى قول الحارث بن حلّزة (٤):
أم جنايا بنى عتيق ومن يغ ... در فإنّا من حربهم برءاء
فروى: لبراء.
فقولهم فى جمع بريء: برءاء، جاء على التّمام، كظريف وظرفاء، والذى
стр. 860
رواه الفرّاء مختلف فيه، قيل: أصل براء: برءاء، حذفت لامه استثقالا، / لتقارب الهمزتين فى جمع، فبقى: فعاء، وقيل: هو جمع بريء على غير القياس، جاء على فعال، كما قالوا فى جمع رخل (١) وظئر وتوأم وفرير، وهو ولد البقرة: رخال وظؤار وتؤام وفرار، وقد قيل: إن الفرار واحد كالفرير.
وقال آخرون فى براء: إنه واحد مثل بريء، كخفيف وخفاف، وكبير وكبار وطويل وطوال، وعجيب وعجاب، ووضعه فى موضع الجمع كقول الآخر:
كلوا فى نصف بطنكم تعفّوا ... فإنّ زمانكم زمن خميص (٢)
ومثله فى التنزيل: ﴿وَالْمَلائِكَةُ بَعْدَ ذلِكَ ظَهِيرٌ﴾ (٣) أوقع ظهير فى موضع ظهراء، كما أوقع رفيق فى موضع رفقاء، فى قوله تبارك اسمه وجلّت عظمته:
﴿وَحَسُنَ أُولئِكَ رَفِيقاً﴾ (٤) وقد اتّسع هذا فى فعيل، كظهير ورفيق فى الآيتين، وكنجىّ فى قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا اِسْتَيْأَسُوا مِنْهُ خَلَصُوا نَجِيًّا﴾ (٥) أوقع نجيّا فى موقع أنجية، فى قول الراجز (٦):
إنّى إذا ما القوم كانوا أنجيه
стр. 861
وكإيقاع كثير فى موضع (١) كثيرين، وقليل فى موضع (٢) قليلين، فكثير فى قوله تعالى: ﴿رِجالاً كَثِيراً وَنِساءً﴾ (٣) وقليل فى قوله: ﴿وَقَلِيلٌ مِنْ عِبادِيَ الشَّكُورُ﴾ (٤) فالشكور اسم جنس صيغ على مثال فعول للمبالغة، كالعفوّ والغفور، فالمعنى:
وقليلون من عبادى الشاكرون، وكون اسم الجنس مشتقّا قليل، وإنما يغلب على أسماء الأجناس الجمود، كالدّينار والدّرهم، والقفيز والإردبّ، فى قولهم: «عزّ الدّينار والدرهم (٥)، وكثر القفيز والإردب» يريدون: عزّت الدنانير والدّراهم، وكثرت القفزان والأرادب.
ومن ذلك الملك والإنسان، فى قوله تعالى: ﴿وَالْمَلَكُ عَلى أَرْجائِها﴾ (٦) وفى قوله تعالى: ﴿وَإِنّا إِذا أَذَقْنَا الْإِنْسانَ مِنّا رَحْمَةً فَرِحَ بِها﴾ (٧) أراد: والملائكة على جوانبها، وإنا إذا أذقنا الناس، فلذلك قال: ﴿وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ فَإِنَّ الْإِنْسانَ كَفُورٌ﴾.
وممّا جاء من المشتقّ يراد به/الجنس: المفسد والمصلح، فى قوله تعالى:
стр. 862
﴿وَاللهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ﴾ (١) أى المفسدين من المصلحين، ومنه قول الآخر:
إن تبخلى يا جمل أو تعتلّى ... أو تصبحى فى الظاعن المولّى (٢)
أراد: فى الظاعنين المولّين.
وأمّا ما حذف من الهمزات المزيدة، فهمزة أفعل، نحو أكرم وأحسن، إذا اجتمعت فى المضارع مع همزة المتكلّم، كقولك: أنا أكرم وأحسن، وقد قدمت ذكر ذلك فى غير موضع.
وقد حذفت الهمزة حذفا مطّردا، زائدة وأصليّة، وذلك إذا وقعت بعد حرف ساكن، فأهل التخفيف يلقون حركتها على الساكن، فالزائدة كهمزة أفعل، نحو أحسن وأكرم، تقول: قد حسنت إليك، وقد كرمتك، كقراءة من قرأ: «قد فلح المؤمنون» (٣)، ﴿وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتابِ﴾ (٤).
فأما الأصليّة فيقع بها الحذف فاء وعينا ولاما، فالفاء كهمزة أب وأرض، تقول:
من بوك؟ وكم رضك جريبا؟ ومثله فى التنزيل: «يريد أن يخرجكم من رضكم» (٥) - «وبالآخرة هم يوقنون» (٦) ومنه قراءة من قرأ: «عادلّو لى» (٧)
стр. 863
الأصل: عادن الأولى، فألقى ضمة أولى، وهى فعلى كحبلى، على لام التعريف، ثم حذفت، فاجتمع متقاربان، النون المسمّاة تنوينا، واللام، فأدغم التنوين فى اللام.
والهمزة التى هى عين، كهمزة يسأل، تقول فى تخفيفها: يسل، ألقيت فتحتها على السين، ثم حذفتها، وتقول إذا أمرت منه: سل، وأصله: اسأل، فلما ألقيت فتحة الهمزة على السين وحذفتها، حذفت همزة الوصل، استغناء عنها، لأن الساكن الذى اجتلبت لأجله قد عدم سكونه، فوزن سل: فل.
وممّا همزته عين: جيأل، وهو اسم علم للضّبع، والحوأب، وهو اسم ماء (١)، /قال الشاعر:
هل هى إلا شربة بالحوأب ... فصعّدى من بعدها أو صوّبى (٢)
فجيأل: فيعل، وجوأب: فوعل، تقول فيهما إذا خفّفت: جيل، والحوب.
والهمزة التى هى لام، كهمزة المرأة والكمأة، تقول فيهما: المرة والكمة، فوزن مرة وكمة: فعه.
واعلم أنّ هذا النقل ربّما امتنع فى بعض السّواكن، فلم يجز حذف الهمزة، وذلك فى الألف، والواو والياء إذا كانتا بمنزلة الألف فى المدّ والزيادة.
أمّا امتناع الألف، فلأن الألف لا تحتمل الحركة، وذلك فى نحو هباءة، وأما امتناعه فى الواو والياء، إذا كانتا مدّتين زائدتين، فلأنّهما باجتماع هذين الشرطين بمنزلة
стр. 864
الألف، وذلك فى مثل: مقروءة وخطيئة، فلا يحتملان الحركة، كما لا تحتملها الألف، وكذلك ياء التصغير، كقولك فى تحقير أفؤس: أفيئس، لا يصحّ إلقاء حركة الهمزة عليها، لأنها بمنزلة ألف التكسير (١)، فى أفاعل، لا تتحرّك أبدا، كما لا تتحرّك ألف أجادل وأرامل.
فإن كانت الواو والياء أصليّين، كواو يغزو، وياء يرمى، أو للإلحاق، كواو حوأب، وياء جيأل، أو ضميرين، كواو فعلوا، وياء افعلى، كانتا كالحروف الصحيحة، فى جواز إلقاء حركة الهمزة عليهما، تقول فى يغزو أخاه، ويرمى أباه:
يغزو خاه، ويرمى باه، وفى قولك: فلان ذو أمرهم، وعجبت من ذي أمرهم:
ذو مرهم، وذى مرهم، لأن الواو فى قولك «ذو» عين، وتقول فى الحوأب:
الحوب، وفى جيأل: جيل، كما مضى، لأن الواو والياء فيهما للإلحاق، وتقول فى الأمر من الامتثال: امتثلوا مرهم، وامتثلي مرهم.
انتهى المجلس الثامن والأربعون، بعون الله وحسن توفيقه.
...
стр. 865
المجلس التاسع والأربعون
يتضمّن ذكر حذف الهمزة من «أمّ» فى قوله:
ويلمّ قوم، وتفسير أبيات، وذكر حذف لامات
/فممّا حذفت فيه همزة «أمّ» قول الشاعر:
ويلمّ قوم غدوا عنكم لطيّتهم ... لا يكتنون غداة العلّ والنّهل (١)
صدء السّرابيل لا توكا مقانبهم ... عجر البطون ولا تطوى على الفضل
يروى: ويلمّ، بكسر اللام، وو يلمّ، بضمّها، والأصل فيه ما قدّمت (٢) حكايته عن أبى علىّ، وهو: ويل لأمّ قوم، فحذف التنوين، فالتقى مثلان، لام «ويل» ولام الخفض، فأسكنت الأولى وأدغمت فى الثانية، فصار: ويلّ امّ قوم، مشدد اللام مكسورها، فخفّف بعد حذف الهمزة بحذف إحدى اللامين، فأبو علىّ ومن أخذ أخذه، نصّوا على أنّ المحذوفة اللام المدغمة، فأقرّوا لام الخفض على كسرتها، وآخرون نصّوا على أن المحذوفة لام الخفض، وحرّكوا اللام الباقية بالضمة التى كانت لها فى الأصل.
وقوله: «لطيّتهم» الطّيّة: السفر (٣)، وموضع «لطيّتهم» نصب على الحال، أى غدوا عنكم مسافرين.
стр. 866
والعلّ: الشّرب (١) الأوّل، والنّهل: الشّرب الثانى.
وقوله «لا يكتنون» أى لا يقول أحدهم مفتخرا عند شرب إبله الأوّل وشربها الثانى: أنا أبو فلان، أراد أنهم ليسوا برعاء يسقون الإبل، وإنما يكتنى ويرتجز على الدّلو السّقاة والرّعاء.
وقد قيل فيه قولان آخران، أحدهما (٢) [أنهم] يسامحون شريبهم، ويؤثرونه بالسّقى قبل أموالهم (٣)، ولا يصولون عليه فيكتنون، وهذا من كرمهم.
والقول الآخر: أنهم ذوو عزّ ومنعة، فإذا وردت إبلهم ماء أفرج الناس لها عنه، لأنها/قد عرفت، فلا حاجة لأربابها إلى الاكتناء لتعرف.
وقال بعض أهل العلم باللغة، فى قوله: «يكتنون» إنه من قولهم: كتنت يده تكتن، إذا خشنت (٤) [من العمل] فقال: ليسوا بأهل مهنة فتكتن أيديهم وتخشن من العمل، بل لهم عبيد يكفونهم ذلك (٥)، فوزن يكتنون فى هذا القول:
يفعلون، وفى القول الأول: يفتعون، وأصله يكتنيون، يفتعلون من الكنية، فحذفت ضمّة يائه، ثم حذفت الياء لسكونها وسكون الواو، ثم أبدلت الكسرة قبل الواو ضمّة، لئلا تنقلب الواو ياء.
стр. 867
وقوله: «صدء السّرابيل» السّرابيل: اسم يقع على الدّروع وعلى القمص بذلك جاء التنزيل فى قوله تعالى: ﴿وَجَعَلَ لَكُمْ سَرابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ وَسَرابِيلَ تَقِيكُمْ بَأْسَكُمْ﴾ (١) وفى هذا الكلام حذف عاطف ومعطوف، إذ التقدير: تقيكم الحرّ والبرد (٢).
ووصفهم بأن دروعهم صدء، لكثرة حملهم السلاح ولبسهم له، وصدء:
جمع أصدأ، كأحمر وحمر.
وقوله: «لا توكا مقانبهم» معناه: لا تشدّ أوعيتهم التى يكون فيها الزاد، واحدها مقنب، كنى بذلك عن إطعامهم الزاد، أى إنهم إذا سافروا لا تشدّ أوعية زادهم، بل يبذلونه لمصاحبيهم.
وقوله: «عجر البطون» من صفة المقانب، والعجر: جمع أعجر، وهو الضّخم، وانتصاب قوله: «عجر البطون» على الحال، وهو من باب: حسن الوجه، أى لا تشدّ أوعية زادهم ضخاما بطونها، أى لا تشدّ وهى مملوءة.
وقوله: «توكا» من الوكاء، وهو السّير الذى يشدّ به رأس القربة، والخيط الذى يشدّ به رأس الجراب ونحوه، وشبّه رسول الله ﷺ ، العينين فى اليقظة بالوكاء، فى قوله: «العينان وكاء السّه، فإذا نامت العينان استطلق الوكاء (٣)» السّه والاست بمعنى (٤)، أراد
стр. 868
أن العينين شداد الاست، فإذا كان يقظان/حفظت عينه استه، كما يحفظ الوكاء ما فى الوعاء، فإذا نام انحلّ الشّداد.
وقوله: «لا تطوى على الفضل» أراد أنّ أوعية زادهم لا تطوى على ما فضل فيها منه، وجمع فاضل الطّعام على الفضل، لأنّ مثال فاعل من الصفات قد جمع على الفعل فى قول الأعشى (١):
إنّا لأمثالكم يا قومنا قتل
وفى قوله (٢):
إن تركبوا فركوب الخيل عادتنا ... أو تنزلون فإنّا معشر نزل
جمع قاتلا ونازلا، على قتل ونزل، كما ترى، ورفع قوله: «أو تنزلون» على الاستئناف بتقدير (٣): أو أنتم تنزلون.
وذكر أبو عليّ فى قول الله سبحانه: ﴿كانَتْ لَهُمْ جَنّاتُ الْفِرْدَوْسِ نُزُلاً﴾ (٤) أن النّزل يجوز أن يكون جمع نازل، فينتصب على الحال من الهاء والميم، من قوله:
﴿لَهُمْ﴾ أى كانت لهم جنات الفردوس نازلين فيها، ويجوز أن يراد بقوله: ﴿نُزُلاً﴾ الطعام الذى يهيّأ للنّزيل، فيكون فى الكلام تقدير حذف مضاف، أى كانت لهم ثمرات جنات الفردوس نزلا، فعلى هذا ينتصب قوله: ﴿نُزُلاً﴾ بأنه خبر كان.
стр. 869
وقد جاءت لفظة «الفضل» بمعنى آخر، اسما غير جمع، وذلك فى بيت للمتنخّل الهذلى، من قصيدة رثى بها ابنه أثيلة (١) [وكان خرج مع ابن عمّ له، يقال له: ربيعة بن الجحدر غازيين، فأغارا على طوائف من فهم (٢) بن عمرو بن قيس عيلان، فقتل أثيلة] وأفلت ربيعة، فقال أبوه فى مرثيته له:
فقد عجبت وما بالدّهر من عجب ... أنّى قتلت وأنت الحازم البطل (٣)
السّالك الثّغرة اليقظان كالئها ... مشى الهلوك عليها الخيعل الفضل
قوله: «أنّى قتلت» أى كيف قتلت؟.
والثّغرة والثّغر بمعنى واحد، وهو موضع المخافة.
وكالئها: حافظها.
والهلوك من النساء: التى تتهالك فى مشيتها، أى تتبختر وتتكسّر، وقيل:
الهلوك: الفاجرة التى تتواقع على الرجال.
والخيعل: القميص الذى لاكمّى له (٤)، وقيل: لاكمّي له ولا دخاريص (٥).
стр. 870
ويقال: امرأة فضل: إذا كان عليها قميص ورداء، وليس عليها إزار ولا سراويل، فأراد بما وصفه به: أنت الذى من شأنه سلوك موضع المخافة، يمشى متمكّنا غير فروق ولا هيوب، /مشى المرأة الفاجرة المتبخترة الفضل، وقال الأعشى فى الفضل:
ومستجيب لصوت الصّنج يسمعه ... إذا ترجّع فيه القينة الفضل (١)
فأمّا إعراب البيت، فإن الوجه فى قوله: «السّالك الثّغرة» نصب الثّغرة، كقولك: الضارب الرجل، ويجوز فيها الخفض، كقولك: الضارب الرجل، على التشبيه بالحسن الوجه [كما قالوا: الحسن الوجه (٢)] فنصبوا على التشبيه بالضارب الرجل، وإذا نصبت الثّغرة أو خفضتها، أجريت عليها اليقظان وصفا، فنصبته أو جررته، وارتفع به كالئها، كقولك: مررت بالمرأة الحسن وجهها، وجاز ذلك لعود الضمير إلى الموصوف.
وقوله: «مشى الهلوك» إن شئت نصبته بتقدير: يمشى مشى الهلوك، وإن شئت أعملت فيه السالك، لأن السالك يقطع الأرض بالمشى، فيكون من باب (٣): تبسّمت وميض البرق، لأنّ تبسّمت بمعنى أومضت، ومثله: إنّى لأبغضه كراهة، وإنى لأشنؤه بغضا، ومثله فى التنزيل: ﴿أَمْهِلْهُمْ رُوَيْداً﴾ (٤) وقوله:
стр. 871
﴿فَسَلِّمُوا عَلى أَنْفُسِكُمْ تَحِيَّةً﴾ (١).
وزعم بعض (٢) من لا معرفة له بحقائق الإعراب، بل لا معرفة له بجملة الإعراب، أن ارتفاع «الفضل» على المجاورة للمرفوع، فارتكب خطا فاحشا، وإنما الفضل نعت للهلوك على المعنى، لأنها فاعلة من حيث أسند المصدر الذى هو المشى إليها، كقولك: عجبت من ضرب زيد الطويل عمرا، رفعت «الطويل» لأنه وصف لفاعل الضرب، وإن كان مخفوضا فى اللفظ، ولو قلت: عجبت من ضرب زيد الطويل عمرو، فنصبت «الطويل» بأنه نعت لزيد على معناه، من حيث هو مفعول فى المعنى، كان مستقيما، كما عطف الشاعر عليه المنصوب فى قوله:
قد كنت داينت بها حسّانا ... مخافة الإفلاس واللّيّانا (٣)
ومثل ذلك فى العطف قراءة الحسن: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَماتُوا وَهُمْ كُفّارٌ /أُولئِكَ عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ اللهِ وَالْمَلائِكَةِ وَالنّاسِ أَجْمَعِينَ﴾ (٤) عطف الملائكة والناس على اسم الله، على المعنى، لأنّ التقدير: عليهم أن لعنهم الله (٥).
стр. 872
ومثل رفع الفضل على النّعت للهلوك، رفع المظلوم على النعت للمعقّب، فى قول لبيد يصف الحمار والأتان:
يوفى ويرتقب النّجاد كأنه ... ذو إربة كلّ المرام يروم (١)
حتّى تهجّر فى الرّواح وهاجها ... طلب المعقّب حقّه المظلوم
قوله: يوفى: أى يشرف.
والنّجاد: جمع النّجد، وهو المرتفع من الأرض، أى يشرف على الأماكن المرتفعة كالرّقيب، وهو الرجل الذى يكون ربيئة لقوم، يربض على نشز متجسّسا.
والإربة: الحاجة.
وقوله: «حتّى تهجّر فى الرّواح» أى عجّل رواحه فراح فى الهاجرة.
وهاجها: أى هاج الأتان، طردها وطلبها، مثل طلب الغريم المعقّب حقّه، (٢) [فالمعقّب فاعل الطلب، ونصب حقّه لأنه مفعول الطلب، والمظلوم صفة للمعقّب على المعنى، فرفعه لأن التقدير: طلبها مثل أن طلب المعقّب المظلوم حقّه] والمعقّب: الذى يطلب حقّه مرّة بعد مرّة، وهذا تفسير الأصمعىّ، أراد أنه يطلب حقّه طلبا عقيب طلب.
وفى مرثية المتنخّل:
فاذهب فأىّ فتى فى الناس أحرزه ... من حتفه ظلم دعج ولا جبل (٣)
стр. 873
ذهب بقوله: «أىّ فتى» مذهب النفى، أى ليس فى الناس فتى أحرزه من حتفه ظلم، فلذلك عطف عليه بالنفى، فقال: ولا جبل، وهذا كقولك لمن أكرمته فجحد إكرامك له، أو قابله بقبيح: أىّ إنسان يكرمك بعد هذا؟ تريد:
لا يكرمك إنسان. وفيها:
أقول لمّا أتاني الناعيان به ... لا يبعد الرّمح ذو النّصلين والرّجل (١)
قوله: «به» أى بنعيّه، فحذفه لدلالة قوله: «الناعيان» عليه.
وقوله: «ذو النّصلين» شبّهه بالرّمح الذى له نصل وزجّ، فسمّى الزّجّ نصلا، وإنما الزّجّ الذى يكون فى أسفل الرمح، فغلّب النّصل على الزّجّ، لأن العمل للنّصل، وإذا كان/للرمح زجّ، كان أمكن للطّعن به.
وقوله: «والرجل» أراد: والرجل فى الشجاعة والعقل (٢). وبعد هذا البيت:
ربّاء شمّاء لا يدنو (٣) ... لقلّتها
إلاّ السّحاب وإلاّ الأوب والسّبل
أراد أنه يكون ربيئة فى قلّة جبل أشمّ شامخ.
والأوب: جماعة (٤) النّحل، وقيل: الأوب: الرّيح.
стр. 874
والسّبل: المطر.
ذكر الشريف المرتضى، رضى الله عنه، البيتين اللذين (١) الأول منهما: «ويلمّ قوم» فى كتابه الذى سماه (٢) (غرر الفوائد) وبيّن معنييهما، غير أنه لم يستوعب (٣) [تفسير] ما فيهما من اللّغة، ولم يتعرّض للإعراب فيهما، ولم يزل قليل الإلمام بهذا الفنّ، وقال فى قوله: «ويلمّ قوم»: هذا من الزّجر المحمود الذى لا يقصد به الشرّ، مثل قولهم: قاتل الله فلانا، ما أشجعه!. وترحه الله، ما أسمحه! ومثله قول آخر:
فويل بها لمن تكون ضجيعه ... إذا ما الثّريّا ذبذبت كلّ كوكب (٤)
...
стр. 875
فصل
تردفه فصول فى حذف اللام
اللام أمكن فى الحذف من العين، والكلم المحذوف لاماتها على ضربين، ضرب عوّضوه من محذوفه، وضرب لم يعوّضوه، فالذى لم يعوّضوه على ضربين، مذكر ومؤنّث بالهاء، فالمذكّر سوى اليد (١): دم وغد ويد ودد وأب وأخ وحم وهن وحر وفوك وذو مال.
والمؤنث: شاة وشفة وسنة وأمة وضعة وبرة ولغة وقلة وثبة وظبة وكرة وحمة ومائة وسية وفئة ورئة وعزة وعضة (٢) ولثة.
والضّرب الذى عوّضوه على ضربين، ضرب عوّضوه حرفا فى أوّله، وضرب عوّضوه حرفا فى آخره أو أوسطه.
فالذى عوّضوه فى الأوائل، عوّضوه همزة الوصل، وهو: اسم واست وابن وابنة/واثنان واثنتان.
والضرب الآخر عوّضوه التاء، وهو: بنت وأخت وهنت وثنتان وكلتا وكيت وذيت.
فأصل دم عند بعض التصريفيين (٣): دمى، ساكن العين، قالوا: لأنّ الأصل فى
стр. 876
هذه المنقوصات أن تكون أعينها سواكن، حتى يقوم دليل على الحركة، من حيث كان السّكون هو الأصل، والحركة طارئة، قالوا: وليس ظهور الحركة فى قولنا:
«دميان» دليلا على أن العين متحرّكة فى الأصل، لأنّ الاسم إذا حذفت لامه واستمرّت حركات الإعراب على عينه، ثم أعيدت اللام فى بعض تصاريف الكلمة، ألزموا العين الحركة، لإلفهم الحركة فيها، إذا قالوا: دم ودما وبدم.
وقال من (١) خالف أصحاب هذا القول: أصل دم: دمى، فعل مفتوح العين، لأنّ بعض العرب قلبوا لامه ألفا، فألحقوه بباب رحا، فقالوا: هذا دما (٢) وبدما، وأنشدوا:
كأطوم فقدت برغزها ... أعقبتها الغبس منه عدما (٣)
غفلت ثم أتت تطلبه ... فإذا هى بعظام ودما
стр. 877
وعلى هذه اللغة أنشدوا: «يقطر الدّما» بالياء (١)، فى قوله:
فلسنا على الأعقاب تدمى كلومنا ... ولكن على أقدامنا يقطر الدّما (٢)
وقال بعض العرب فى تثنيته: دمان، فلم يردّوا اللام، كما قالوا فى تثنية يد:
يدان، والوجه أن يكون العمل على الأكثر، ولذلك حكى قوم: دموان، والأعرف فيه الياء، وعليه أنشدوا:
فلو أنّا على حجر ذبحنا ... جرى الدّميان بالخبر اليقين (٣)
стр. 878
قال بعض أهل اللغة: من العرب من يقول: الدم، بالتشديد، كما تلفظ به العامّة (١)، وهى لغة رديئة، وأنشدوا لتأبّط شرّا (٢):
حيث التقت بكر وفهم كلّها ... والدّمّ يجرى بينهم كالجدول
/والعامّة تفعل مثل هذا فى الفم، ومن العرب من يشدّد الفم أيضا، وإنما يكون ذلك فى الشّعر، كما قال:
يا ليتها قد خرجت من فمّه (٣)
الأطوم: البقرة الوحشيّة، والبرغز: ولدها، والغبس: الذّئاب.
وغد، أصله: غدو، وقد نطقوا به، قال (٤):
وما الناس إلاّ كالديار وأهلها ... بها يوم حلّوها وغدوا بلاقع
стр. 879
وقال آخر:
لا تقلواها وادلواها دلوا ... إنّ مع اليوم أخاه غدوا (١)
قوله: «لا تقلواها» أى لا تعجلا بها فى السّير، ويقال: قلت الناقة براكبها: إذا تقدّمت به، وقلا العير أتنه (٢) [قلوا] إذا طردها.
والدّلو: ضرب من السّير السّهل، قال:
لا تعجلا فى السّير وادلواها (٣)
ويد، أصلها: يدى لظهور الياء فى تثنيتها، ولقولهم: يديت إليه يدا، أى أسديت إليه نعمة، قال (٤):
يديت على ابن حسحاس بن بدر ... بأسفل ذى الجذاة (٥) يد الكريم
стр. 880
فيجوز أن تكون اليد التى هى النعمة مأخوذة من التى هى الجارحة، لأن النعمة تسدى باليد، ويجوز أن تكون الجارحة مأخوذة من النّعمة، لأن اليد نعمة من نعم الله على العبد.
ويدلّ على سكون عينها جمعها على أيد، لأنّ قياس فعل فى جمع القلّة أفعل، كقولهم: أكلب وأكعب وأبحر وأنسر. [فى جمع نسر] (١) وفتح الدال فى التثنية كقوله:
يديان بيضاوان عند محلّم ... قد يمنعانك أن تذلّ وتقهرا (٢)
لا يدلّ على فتحها فى الواحد، لما ذكرته لك من إجراء هذه المنقوصات على الحركة، إذا أعيدت لاماتها، وذلك لاستمرار حركات الإعراب عليها فى حال نقصها، وكذلك إذا نسبت إليها أعدت المحذوف، وفتحت الدال، /وأبدلت من الياء واوا، كما أبدلت من ياء قاض، فقلت: يدوىّ، هذا قول الخليل وسيبويه فى النّسب إلى هذا الضّرب، وأبو الحسن الأخفش ينسب إليه على زنته الأصلية، فيقول: يدييّ، وفى غد: غدوىّ، وفى حر: حرحىّ، والخليل وسيبويه يقولان:
غدوىّ وحرحىّ (٣).
وجمع اليد التى هى الجارحة فى الأكثر على أيد، وقد جاء جمعها على أياد، فى قوله: