هذه المنقوصات أن تكون أعينها سواكن، حتى يقوم دليل على الحركة، من حيث كان السّكون هو الأصل، والحركة طارئة، قالوا: وليس ظهور الحركة فى قولنا:
«دميان» دليلا على أن العين متحرّكة فى الأصل، لأنّ الاسم إذا حذفت لامه واستمرّت حركات الإعراب على عينه، ثم أعيدت اللام فى بعض تصاريف الكلمة، ألزموا العين الحركة، لإلفهم الحركة فيها، إذا قالوا: دم ودما وبدم.
وقال من (١) خالف أصحاب هذا القول: أصل دم: دمى، فعل مفتوح العين، لأنّ بعض العرب قلبوا لامه ألفا، فألحقوه بباب رحا، فقالوا: هذا دما (٢) وبدما، وأنشدوا:
كأطوم فقدت برغزها ... أعقبتها الغبس منه عدما (٣)
غفلت ثم أتت تطلبه ... فإذا هى بعظام ودما
стр. 877
وعلى هذه اللغة أنشدوا: «يقطر الدّما» بالياء (١)، فى قوله:
فلسنا على الأعقاب تدمى كلومنا ... ولكن على أقدامنا يقطر الدّما (٢)
وقال بعض العرب فى تثنيته: دمان، فلم يردّوا اللام، كما قالوا فى تثنية يد:
يدان، والوجه أن يكون العمل على الأكثر، ولذلك حكى قوم: دموان، والأعرف فيه الياء، وعليه أنشدوا:
فلو أنّا على حجر ذبحنا ... جرى الدّميان بالخبر اليقين (٣)
стр. 878
قال بعض أهل اللغة: من العرب من يقول: الدم، بالتشديد، كما تلفظ به العامّة (١)، وهى لغة رديئة، وأنشدوا لتأبّط شرّا (٢):
حيث التقت بكر وفهم كلّها ... والدّمّ يجرى بينهم كالجدول
/والعامّة تفعل مثل هذا فى الفم، ومن العرب من يشدّد الفم أيضا، وإنما يكون ذلك فى الشّعر، كما قال:
يا ليتها قد خرجت من فمّه (٣)
الأطوم: البقرة الوحشيّة، والبرغز: ولدها، والغبس: الذّئاب.
وغد، أصله: غدو، وقد نطقوا به، قال (٤):
وما الناس إلاّ كالديار وأهلها ... بها يوم حلّوها وغدوا بلاقع
стр. 879
وقال آخر:
لا تقلواها وادلواها دلوا ... إنّ مع اليوم أخاه غدوا (١)
قوله: «لا تقلواها» أى لا تعجلا بها فى السّير، ويقال: قلت الناقة براكبها: إذا تقدّمت به، وقلا العير أتنه (٢) [قلوا] إذا طردها.
والدّلو: ضرب من السّير السّهل، قال:
لا تعجلا فى السّير وادلواها (٣)
ويد، أصلها: يدى لظهور الياء فى تثنيتها، ولقولهم: يديت إليه يدا، أى أسديت إليه نعمة، قال (٤):
يديت على ابن حسحاس بن بدر ... بأسفل ذى الجذاة (٥) يد الكريم
стр. 880
فيجوز أن تكون اليد التى هى النعمة مأخوذة من التى هى الجارحة، لأن النعمة تسدى باليد، ويجوز أن تكون الجارحة مأخوذة من النّعمة، لأن اليد نعمة من نعم الله على العبد.
ويدلّ على سكون عينها جمعها على أيد، لأنّ قياس فعل فى جمع القلّة أفعل، كقولهم: أكلب وأكعب وأبحر وأنسر. [فى جمع نسر] (١) وفتح الدال فى التثنية كقوله:
يديان بيضاوان عند محلّم ... قد يمنعانك أن تذلّ وتقهرا (٢)
لا يدلّ على فتحها فى الواحد، لما ذكرته لك من إجراء هذه المنقوصات على الحركة، إذا أعيدت لاماتها، وذلك لاستمرار حركات الإعراب عليها فى حال نقصها، وكذلك إذا نسبت إليها أعدت المحذوف، وفتحت الدال، /وأبدلت من الياء واوا، كما أبدلت من ياء قاض، فقلت: يدوىّ، هذا قول الخليل وسيبويه فى النّسب إلى هذا الضّرب، وأبو الحسن الأخفش ينسب إليه على زنته الأصلية، فيقول: يدييّ، وفى غد: غدوىّ، وفى حر: حرحىّ، والخليل وسيبويه يقولان:
غدوىّ وحرحىّ (٣).
وجمع اليد التى هى الجارحة فى الأكثر على أيد، وقد جاء جمعها على أياد، فى قوله:
стр. 881
قطن سخام بأيادى غزّل (١)
سخام: ناعم.
واليد التى هى النّعمة جمعها فى الأكثر الأشهر على الأيادى، وقد جمعوها على الأيدى، وإنما الأيادى جمع (٢) الجمع، كقولهم فى جمع أكلب: أكالب.
وقولهم فى تثنيتها: يدان، أكثر من قولهم: يديان، فهذا مضادّ لقولهم:
دمان ودميان.
وقولهم: «دد» أصله: ددن، وهو اللهو واللّعب، وجاء فى الحديث عنه
стр. 882
صلى الله عليه وآله وسلم: «ما أنا من دد ولا الدّد منّى (١)» وقال عدىّ بن زيد العبادىّ (٢):
أيّها القلب تعلّل بددن ... إنّ همّى فى سماع وأذن
الأذن: الاستماع، يقال: أذن للحديث يأذن أذنا (٣): إذا استمع، وفى المأثور عنه ﵇: «ما أذن الله لشيء كإذنه لنبىّ يتغنّى بالقرآن (٤)» وقال قعنب بن أمّ صاحب:
صمّ إذا سمعوا خيرا ذكرت به ... وإن ذكرت بسوء عندهم أذنوا (٥)
أى استمعوا، وليس الجمع بين السّماع والاستماع فى بيت عدىّ، كالجمع بين النأى والبعد فى قول الحطيئة (٦).
стр. 883
وهند أتى من دونها النّأى والبعد
لأن السماع هو القول المسموع، والاستماع فى أصل وضعه هو الإصغاء إلى المسموع.
وأصل أب وأخ وحم وهن: أبو وأخو وحمو وهنو، فعل كقلم، بدلالة جمعهنّ على أفعال: آباء وآخاء وأحماء وأهناء، كأقلام، والدليل على أن المحذوف منهنّ/واو، قولهم: أبوان وأخوان [وحموان (١)] وهنوان وهنوات، فى جمع مؤنّثه، وقد ألحقوا فى بعض اللغات أبا وأخا وحما، بباب عصا، وذلك قليل، كقلّة (٢) قولهم:
بدما
وإذا أضافوا هذه الأسماء الأربعة، أعادوا إليهنّ لاماتهنّ، فقالوا: أبوك وأبو زيد، وأخوك وأخو بكر، وحموك وحموهند، وهنوك وهنو خالد. والحم أبو الزوج، وأبو امرأة الرجل، وبعضهم (٣) يقصره على أبى الزوج خاصّة، وأنشد:
هى ما كنّتى وتز ... عم أنّى لها حم (٤)
وفيه لغة ثالثة، رواها الأصمعيّ (٥)، وهو: الحمء، مهموز، مثل الكمء.
стр. 884
وقد جاء ترك إعادة اللام من «هنوك» فى بيت الفرزدق (١)، وقد مرّ بامرأة وهو سكران يتواقع، فسخرت منه، فقال:
وأنت (٢) ... لو باكرت مشمولة
حمراء مثل الفرس الأشقر
رحت وفى رجليك عقّالة (٣) ... وقد بدا هنك من المئزر
أراد: هنك، فحذف الضمة من المنفصل، تشبيها بالمتصل، فنزّل «هنك» منزلة عضد (٤).
فإن أضفتهنّ إلى ياء المتكلم لم تردّ، وقلت: أبى وأخى وحمى، وأجاز
стр. 885
أبو العباس المبرّد: أبىّ وأخىّ وحمىّ، واحتجّ بقول الشاعر (١):
قدر أحلّك ذا المجاز وقد أرى ... وأبيّ مالك ذو المجاز بدار
ومنع أبو علىّ من هذا، وقال: إن «أبىّ» فى البيت جمع أب، على لغة من قال فى جمعه: أبون وأبين، وعليه قول الشاعر (٢):
فلمّا تبيّنّ أصواتنا ... بكين وفدّيننا بالأبينا
وقول الآخر (٣):
يدفّنّ البعولة والأبينا
وأما قول الآخر، وهو من أبيات الكتاب (٤):
/فقلنا أسلموا إنّا أخوكم ... فقد برئت من الإحن الصّدور
стр. 886
فقيل فيه: إنه وضع الواحد موضع الجمع، كقول آخر (١):
كلوا فى نصف بطنكم تعفّوا ... فإنّ زمانكم زمن خميص (٢)
وكقول آخر:
قد عضّ أعناقهم جلد الجواميس (٣)
وقيل: إنه جمع أخ، كجمع أب على الأبين، وحذف النون من «أخون» للإضافة، ومن قال: الأبون والأخون، قال فى التثنية: الأبان والأخان، فلم يردّ اللام فى التثنية، كما لم يردّها فى الجمع، فالياء التى قبل ياء المتكلم فى قوله: أبىّ، ياء الجمع التى فى أبين، لا لام أب، فوزن أبىّ: فعىّ، لا فعلى، وعلى هذا الجمع حملت قراءة من قرأ (٤): «نعبد إلهك وإله أبيك إبراهيم وإسماعيل وإسحاق» ليكون بإزاء ﴿آبائِكَ﴾ فى القراءة الأخرى، وقد ذكرت هذا الفصل فيما قدّمته من الأمالى.
стр. 887
والهن: عبارة عن السّوءة، كما قال الفرزدق:
وقد بدا هنك من المئزر
ويقال: هنا المرأة: إذا غشيها، وقد استعملوه مؤنّثا وجمعوه، فردّوا المحذوف، ولم يردّوا، فقالوا: فى فلان هنات وهنوات، أى خصلات سوء، ولا يقال ذلك فى الخير، قال فى الردّ:
أرى ابن نزار قد جفانى وملّنى ... على هنوات شأنها متتايع (١)
التّتايع: التهافت فى الشرّ، وقيل: هو اللّجاج، ولا يكون إلاّ فى الشر، وقال فى ترك الردّ:
ونعم الحيّ كلب غير أنا ... لقينا فى جوارهم هنات (٢)
وحر: أصله حرح، لقولهم فى تحقيره: حريح، وفى جمعه: أحراح، قال:
وقد أقود جملا ممراحا ... ذا قبّة مملوءة أحراحا (٣)
стр. 888
/انتهى المجلس التاسع والأربعون، بعون الله وحسن توفيقه.
стр. 889
المجلس الموفى الخمسين
يتضمّن ذكر الحذف من قولهم: فوك وذو مال
، وما يتّصل بذلك
قولهم: «فوك» مما ألزموه الإضافة ما دام على هذه القضية؛ لأنهم لو أفردوه سقطت الواو؛ لسكونها وسكون التنوين، فبقى على حرف واحد، وهذا معدوم فى الأسماء الظاهرة، واللام منه هاء، ووزنه فى الأصل (١) فعل، فوه، مثل فوز، بدلالة قولهم فى تحقيره وتكسيره: فويه وأفواه، وفى تصريف الفعل منه: تفوّهت، وحذفوا لامه؛ لأن الهاء حرف خفيّ مهموس، فلذلك استعملوه فى القوافى وصلا، ساكنا ومتحرّكا، فالساكن فى نحو.
وقفت على ربع لميّة ناقتى ... فما زلت أبكى عنده وأخاطبه (٢)
والمحرّك فى نحو:
عفت الدّيار محلّها فمقامها (٣) ... وبلد عامية أعماؤه (٤)
كما استعملوا الألف والواو والياء وصلا فى نحو:
وقد أبدلوها من الياء فقالوا فى دهديت: دهدهت، وأبدلوها من الألف فى قولهم «مهما» أصلها: ماما، فى قول بعض النحويّين (١)، فاستثقلوا تكرير اللفظ بعينه. وقال آخرون: هى مه، زيدت عليها «ما».
وقد أبدلوها من الهمزة فقالوا فى إيّاك: هيّاك، وفى أنرت (٢) الثّوب: هنرت.
وعاقبت الواو التى هى لام الكلمة، فى قولهم من السّنة: سانيت مساناة، وسانهت مسانهة.
فلما قويت مشابهتها لحروف الاعتلال حذفوها.
ولمّا بقى الاسم على حرفين، المتطرّف منهما حرف علّة ألزموا/الكلمة الإضافة؛ لأن إفرادها يؤدّى إلى إسقاط حرف العلّة منها.
ولما أرادوا التصرّف فيها بالإفراد، كما تصرّفوا فيها بالإضافة، أبدلوا من الواو الميم لاتّفاقهما فى الخروج من الشّفتين (٣)، فقالوا: فم، وفم زيد، وإضافته مع الميم قليلة (٤)، وقالوا فى تثنيته: فمان وفموان، فلم يردّوا الهاء كما ردّوها فى فويه وأفواه.
والأوجه فى تثنيته: فمان؛ لأنّ من قال: فموان، جمع بين العوض والمعوّض منه (٥).
وكذلك قالوا فى النّسب إليه: فمىّ وفموىّ (٦).
стр. 892
وهذا الاسم أحد الأسماء التى جعلوا ما قبل حرف إعرابها تابعا لحرف الإعراب، فقالوا: أبوه وأباه وأبيه؛ وعلّة ذلك أنهم إذا أفردوهنّ أعربوهنّ بالحركات، فقالوا: أب وأبا وأب، والأب والأب والأب، وكذلك الأخ والحم والهن، فلمّا ردّوا إليهنّ حرف العلّة فى الإضافة كرهوا أن يمنعوا الحرف الملاصق لحرف العلّة ما ألفوه فيه من الحركة، وإن كانت الحركة مختلفة فى التقدير، فكانت فى الإفراد إعرابا، وفى الإضافة إتباعا.
وزعم الفرّاء أنّ حركة الإتباع إعراب، وسمّى هذا الضّرب معربا من مكانين. وليس ما قاله بصحيح؛ لأنه لا يجوز الجمع بين إعرابين، كما لا يجوز الجمع بين تعريفين ولا تأنيثين (١).
وعلّة أخرى تحسّن الإتباع فى هذه الأسماء، وذلك أنهم قد استعملوا الإتباع فى الصّحيح، من قولهم: امرؤ وابنم (٢)، فقالوا: رأيت امرأ، ومررت بامرئ، وهذا امرؤ، وكذلك ابنم وابنما وابنم، وإذا كانوا قد استحسنوا ذلك فى الحرف الصحيح، فاستحسانهم إيّاه فى المعتلّ أجدر.
ولأبى عليّ كلام فى «فى» أورده فى تكملة الإيضاح، وهو مفتقر إلى كلام يبرزه، وتفسير يوضّحه.
وذلك قوله فى باب إضافة الاسم المنقوص وغير المنقوص/إلى ياء المتكلم:
«تقول: كسرت فاه، ووضعته فى فيه، فإن أضفت الفم إلى الياء قلت: هذا فيّ، وفغرت فيّ، وفى فيّ، فيكون الاسم فى الأحوال الثلاث فى الإضافة إلى الياء
стр. 893
على صورة واحدة، لأنّ حركة الحرف الأول منه تتبع حركة الحرف الثانى، مثل امرؤ وابنم وأخ وأب وحم، فيمن قال: حموها، وذو مال، فلما لزم كسر الآخر أتبعته الأول، فلذلك لم يجز كسرت فاى، كما تقول: كسرت فاه (١)» انتهى كلامه.
وأقول: إنما لم يجز كسرت فاى، كما تقول: كسرت عصاى؛ لأنّ هذا الاسم قد عرفت أنه من الأسماء المعتلّة التى يتبع ما قبل حرف إعرابها حرف الإعراب فى حركته، رفعا ونصبا وجرّا كقولك: هذا أبوه، ورأيت أباه، ومررت بأبيه، ونظيرها من الصحيح امرؤ وابنم.
فإذا أضفت هذا الاسم إلى كاف الضمير أو هائه قلت فى الرفع: هذا فوك، وذاك فوه، وكان حقّه أن تقول: فوك وفوه، بضمّتين، ضمّة الواو إعراب، وضمّة الفاء إتباع، كما قلت: هذا ابنم، فضممت النون إتباعا لضمّة الميم، ولكنهم استثقلوا الضمة على واو قبلها ضمّة، فحذفوها، وكذلك كان حقّه فى الجرّ:
ضعه فى فوك وفى فوه، بكسرتين، كسرة الواو إعراب، وكسرة الفاء إتباع، كما أن كسرة النون من قولك: بابنم، إتباع لكسرة الميم، فاستثقلوا الكسرة على واو قبلها كسرة فحذفوها، فصارت الواو ياء لسكونها وانكسار ما قبلها، كما صارت واو ميزان وميقات وميعاد، ياء لوجود الشرطين فيها، سكونها وانكسار ما قبلها، فقلت: ضعه فى فيك وفى فيه.
وكذلك فى حال النصب كان حقّه فوك وفوه، بفتحتين، فتحة الواو إعراب، وفتحة الفاء إتباع، كما أنّ فتحة النون فى قولك: رأيت ابنما إتباع لفتحة الميم، فصارت الواو ألفا لتحرّكها وانفتاح ما قبلها، فقلت/فاك وفاه.
هذا حكم «في» فى إضافته إلى كاف الضمير وهائه، فإن أضفته إلى ياء الضمير فقد عرفت أنها تقتضى كسر ما قبلها إذا كان حرفا يحتمل الحركة،
стр. 894
كقولك: هذا غلامى، وضربت غلامى، وإنما قلت: إذا كان حرفا يحتمل الحركة (١) تحرّزا من الألف فى نحو ﴿هِيَ عَصايَ﴾ (٢).
وإذا عرفت أنّ ياء الضمير يكسر لها ما قبلها، وأضفت هذا الاسم إليها وقد علمت أن أوله تابع لثانيه فى الحركة، فإنّ حقّه فى الأصل أن تقول فى نصبه:
فغرت فوىّ، بكسرتين، فكسرة الواو هى التى تقتضيها ياء المتكلّم، وكسرة الفاء إتباع، كما أنّ كسرة الميم فى قولك: رأيت ابنمى حدثت لاتصاله بياء المتكلّم، وكسرة النون إتباع، فلما آل فى النصب إلى فوىّ، استثقلوا كسرة فى واو قبلها كسرة، فأسقطوها، أعنى كسرة الواو، فأوجب سكون الواو مع انكسار ما قبلها قلبها ياء، لما ذكرته لك من وجوب قلب الواو ياء باجتماع هذين الشرطين، ولم تكن الواو مدغمة كواو اجلوّاذ، مصدر اجلوّذ السّير: إذا طال، لأنّ إدغامها حماها من القلب، ولمّا صارت الواو ياء ساكنة أدغمت فى ياء الضمير، فقيل: فغرت فيّ، ولم يقولوا: فغرت فاى، كما قالوا: كسرت عصاى، وإن كان أصل عصاى عصوىّ، لأن الصاد فى قولك عصوىّ، غير تابعة حركتها لحركة الواو، كما تتبع حركة الفاء حركة الواو فى هذا الاسم، الذى كان حقّه فى الأصل أن يقال فيه:
فغرت فوىّ. فاعرف الفرق بين فغرت فاك وفغرت فىّ، فقد بالغت فى إظهار إشكاله بتوفيق الله.
فأمّا قول أبى علىّ «وحم فيمن قال: حموها» فإنما قال هذا تحرّزا من قول من قال: هذا حماها، فقصره، ومن قول من قال: حمؤها، فهمزه.
وأمّا «ذو مال» فالمحذوف منه ياء، وأصله ذوى، فعل، بوزن قدم، بدلالة
стр. 895
أنهم/كسّروه على أفعال، فقالوا: أذواء (١) اليمن، لذى نواس، وذى رعين، وذى يزن، وغيرهم من ملوك اليمن.
وإنما حكموا بأنّ المحذوف منه ياء، لأنّ العين إذا كانت واوا فالحكم بأنّ اللام ياء؛ لأنّ باب لويت أكثر من باب قوّة (٢)، ولم يردّوا لامه فى التثنية، كما لم يردّوا لام «فم» فى تثنيته، فلم يقولوا: ذويا مال، كما قالوا: أبوا زيد، وأخوا عمرو، وحموا بكر، ولكنهم ردّوا اللام فى تثنية مؤنّثه، فقالوا: ذواتا مال، كما جاء فى التنزيل: ﴿ذَواتا أَفْنانٍ﴾ (٣) و ﴿ذَواتَيْ أُكُلٍ خَمْطٍ﴾ (٤) الأصل فيهما: ذويتا وذويتى، فعلتا، وفعلتى، فصارت الياء التى هى لام ألفا لتحرّكها وانفتاح ما قبلها، فقولك:
ذواتا صيد، كقولك: فتاتا زيد، وكذلك ردّوا لامه فى جمع التكسير، فى قولهم:
أذواء اليمن، كما ردّوا لامات أب وأخ وحم وهن وفم، فى قولهم: آباء وآخاء وأحماء وأهناء وأفواه.
وإنّما لزمت الإضافة هذا الاسم، لأنهم إنما صاغوه توصّلا به إلى الوصف بأسماء الأجناس، كالعلم والمال والحسن، لمّا لم يستحسنوا أن يقولوا: رجل مال، وشيخ علم، وامرأة حسن، قالوا: ذو مال، وذو علم، وذات حسن، أى صاحب علم، وصاحبة حسن، فلزمت إضافته لهذا؛ لأنهم لو أفردوه فاتهم ما حاولوه وأرادوه، ولأن إفراده كان يسقط واوه لسكونها وسكون التنوين.
...
стр. 896
فصل [في معنى قولهم: إنّ باب لويت أكثر
من باب قوة:]
سألنى بعض المستفيدين أن أبيّن له معنى قولهم: إنّ باب لويت أكثر من باب قوّة، تبيينا شافيا.
فأجبت بأنّ ما جاءت الواو فيه عينا والياء لاما أكثر ممّا جاءت فيه الواو عينا ولاما، فقولك: لويت مثاله فعلت، وقولك: قوّة مثاله فعلة، فمن باب «قوّة»:
الجوّ: جوّ السماء، وهو الهواء، وجوّ: اسم اليمامة.
والبوّ: جلد حوار يحشى فتعطف عليه الناقة إذا مات ولدها لتدرّ عليه فتحلب.
والكوّة: فى الحائط.
/والحوّة: السّواد.
والصّوّة: واحدة الصّوى، وهى الأعلام من الحجارة، تنصب فى الفلاة ليستدلّ بها.
والصّوّان: حجارة فيها صلابة، مثاله فعلان، ويجوز أن تكون النون فيه أصلا فيكون مثاله فعّال، مأخوذ من الصّون؛ لأن الحجارة تصان الأقدام عن ملابستها، كقولهم فى الاسم العلم: حسّان، يكون فعّالا إذا أخذته من الحسن، فإن غلّبت زيادة الألف والنون فأخذته من الحسّ، وهو القتل فى قوله تعالى: ﴿إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ﴾ (١) كان فعلان.
والهوّة: الوهدة العميقة.
والقوّة: الواحدة من قوى الحبل. والقوّة: ضد الضّعف، ومنه رجل مقو:
стр. 897
إذا كان كثير المال، والمقوى أيضا: المسافر الذى لا زاد معه ولا شيء له، فهو من الأضداد، وقيل: إنما قالوا له: مقو لنزوله فى القواء من الأرض، وهو القفر، ومنه قول الله تعالى فى ذكر النار: ﴿جَعَلْناها تَذْكِرَةً وَمَتاعاً لِلْمُقْوِينَ﴾ (١) فمعنى ﴿تَذْكِرَةً﴾ أنها يذكر بها نار الآخرة، ومعنى ﴿وَمَتاعاً لِلْمُقْوِينَ﴾ أنّ الذين ينزلون بالقواء يتمتّعون بها، يختبزون ويطبخون ويشتوون ويصطلون ويستضيئون.
والدّوّ: المفازة، وهى الدّوّيّة أيضا.
وأمّا باب «لويت» فمنه: أويت إلى الشيء، وآويت فلانا إليّ.
وثويت فى المكان وأثويت: إذا أقمت فيه، لغتان فاشيتان (٢)، فمن أثويت قول الأعشى (٣).
أثوى وقصّر ليله ليزوّدا
ومن ثويت فى التنزيل قوله تعالى: ﴿وَما كُنْتَ ثاوِياً فِي أَهْلِ مَدْيَنَ﴾ (٤) والثّويّة: اسم مكان، والثّويّ: الضيف، وأمّ المثوى: صاحبة المنزل.
وحويت الشىء أحويه، والحويّة: واحدة الحوايا، وهى الأمعاء، والحويّة أيضا: كساء يحوّى حول سنام البعير. والحواء: بيت من وبر، والحوّاء (٥): نبت،
стр. 898
كان أصله حوّاى، فقلبت ياؤه همزة لتطرّفها بعد ألف زائدة.
والجوى: داء القلب، لامه ياء، لأنه متى كانت الواو عينا واللام معتلّة حكمت بأن اللام ياء، حتى/يقوم دليل على أن أصل الألف واو، فلو سمّيت بالجوى وثنّيته قلت: جويان.
ومثله فى أن عينه واو، فلا تكون لامه إلاّ ياء، قولهم: خوى المنزل: إذا خلا، وخوى النجم وأخوى: إذا سقط ولم يكن عن سقوطه مطر، وخوّى البعير:
إذا تجافى فى بروكه، وغير ذلك من تركيب (خ وى).
ومثله من باب «لويت»: رويت الحديث أرويه رواية، ورويت على أهلى:
إذا أتيتهم بالماء، والرّويّ: حرف قافية الشّعر اللازم، والرّويّة: الحاجة، والراوية:
الجمل يحمل عليه الماء، ومنه قيل للمزادة: راوية، والأصل أنّ الرّاوية هو البعير، قال:
مشي الرّوايا بالمزاد الأثقل (١)
ورجل راوية للشّعر: أنّثوه للمبالغة فى وصفه، كما قالوا: رجل علاّمة ونسّابة، وكما قالوا فى ضدّه طلبا للمبالغة: رجل لحانّة، ورجل هلباجة جخابة فقاقة، مخفّفان، ولهذه الأسماء ونظائرها فصل تذكر فيه بعد هذا الفصل.
ومن تركيب (زوى) قولهم: زويت الشىء: إذا جمعته، ومنه قوله ﵌ «زويت لى الأرض» (٢) أى جمعت، ومنه سمّيت زاوية البيت؛ لاجتماعها، ومنه زوى المال عن وارثه.
стр. 899
ومن تركيب (ذوى): ذوى العود يذوى: إذا يبس وبقيت فيه ندوّة.
ومن تركيب (س وى) استوى الشىء: اعتدل، وهذا لا يساوى درهما:
أى لا يعادله، وهما على سويّة من هذا الأمر: أى على استواء، ومكان سوى (١): يعلم الدّخول فيه والخروج منه، وقيل: هو النّصف بين مكانين، وسواء الدار: وسطها، ومنه ﴿فَاطَّلَعَ فَرَآهُ فِي سَواءِ الْجَحِيمِ﴾ (٢) وجاء القوم سوى زيد، وسواء زيد، استثناء، واستعملا بمعنى غير، قال (٣):
تجانف عن جلّ (٤) ... اليمامة ناقتى
وما قصدت من أهلها لسوائكا
/أى لغيرك.
والخلّ: الطريق فى الرّمل. ويروى: عن جلّ اليمامة: أى عن جلّ أهل اليمامة.
ومن تركيب (ك وى) كويت الجرح، وكويت الرجل بعينى: إذا أحددت النظر إليه.
ومن تركيب (ل وى) لوى يده يلويها ليّا، ولواه بدينه ليّانا: إذا مطله، ولوى الرّمل: منقطعه، مقصور، ولواء الجيش، ممدود، واللّوى: وجع الجوف، إلى غير ذلك.
ومن تركيب (ن وى) نويت الأمر أنويه، والنّوى: التحوّل من دار إلى دار، ونوى التّمر وغيره.
ومن تركيب (هـ وى) الهوى: هوى النّفس، مقصور، والهواء: الفراغ
стр. 900
بين السماء والأرض، ممدود، ومنه قوله تعالى: ﴿وَأَفْئِدَتُهُمْ هَواءٌ﴾ (١) أى فارغة غير واعية للذّكر، وهوى يهوى: إذا سقط من علو، والهاوية: كلّ مهواة، والهاوية:
اسم من أسماء جهنّم، إلى غير ذلك.
وما جاء من تركيب (ش وى) شويت اللّحم، والشّوى: رذال المال، والشّواة: جلدة الرأس، وجمعها شوى، ومنه قوله تعالى: ﴿نَزّاعَةً لِلشَّوى﴾ (٢) والشّوى: القوائم، ومنه: رماه فأشواه: إذا لم يصب له مقتلا، والأصل أنه أصاب بعض قوائمه، والشّوى: الأمر الهيّن، وهذا التركيب واسع.
ومن تركيب (ط وى) طويت الثّوب، وطوى (٣): مكان، وأطواء الناقة:
طرائق شحم جنبيها، والطّويّ: البئر المطويّة، والطّاوى: الخالى البطن من الطّعام، والمصدر: الطّوى، وأنشد النبىّ ﵌ قول عنترة (٤):
ولقد أبيت على الطّوى وأظلّه ... حتّى أنال به كريم المأكل
/فقال: «كنت أشتهى أن أراه» (٥).
стр. 901
قوله: وأظلّه، أراد: وأظلّ عليه (١).
ومن تركيب (ض وى) الضّوى: الهزال، وغلام ضاويّ: مهزول، ووزنه فاعول، وكانت العرب تقول: إذا تقارب نسب الأبوين جاء الولد ضاويا. ومنه قولهم: «استغربوا لا تضووا (٢)»، وهذا التركيب متّسع.
стр. 902
ومن تركيب (دوى) الدّواء، والدّواة: التى يكتب بها، أصلها دوية.
والدّوي: الرجل الأحمق، وهو كثير.
ومن تركيب (ع وى) عوى الكلب يعوى عواء، وعوّيت عن الرجل تعوية: إذا كذّبت عنه، ورددت على مغتابه، واستعوى الرجل لفيفا من القوم: إذا نعق بهم.
والعواء مقصور وممدود: اسم نجم، وهو مأخوذ من قولهم: عويت يده: إذا لويتها؛ لأنه فى الصّورة نجم ملتو على نجم.
والمعاوية: كلبة تجعل، أى تطلب الذّكر فتعاوى الكلاب، وهى كلبة مجعل.
وروى أنّ شريك بن الأعور الحارثىّ-وكان من أصحاب أمير المؤمنين علىّ
стр. 903
عليه السلام-دخل على معاوية، فقال له متعرّضا به: إنّك لشريك، وما لله من شريك، وإنّك لابن الأعور، والصّحيح خير من الأعور، وإنك لدميم سيّئ الخلق، فكيف سدت قومك؟
فقال له: وأنت معاوية، وما معاوية إلاّ كلبة عوت فاستعوت، فسمّيت معاوية، وإنك لابن صخر، والسّهل خير من الصّخر، وإنك لابن حرب، والسّلم خير من الحرب، وإنّك لابن أميّة، وما أميّة إلاّ أمة صغّر بها، فكيف سمّيت أمير المؤمنين؟
فقال معاوية: واحدة بواحدة والبادى أظلم، فأنشأ يقول:
أيشتمنى معاوية بن حرب ... وسيفى صارم ومعى لسانى (١)
وحولى من ذوى يمن ليوث ... ضراغمة تهشّ إلى الطّعان
فلا تبسط لسانك يا ابن حرب ... فإنّك قد بلغت مدى الأمانى
/فإن تك من أميّة فى ذراها ... فإنى فى ذرى عبد المدان
وإن تك للشّقاء لنا أميرا ... فإنّا لا نقيم على الهوان
فترضّاه معاوية.
قوله: وما أميّة إلاّ أمة صغّر بها: أى حقّرت، وعدّى صغّر بالباء، كما قالوا: ندّدت به: إذا أشعت شتمه، وشتّرت به: إذا تنقّصته وعبته، وكذلك:
صغّرت به: إذا أعلنت تحقيره.
وقوله: استعوت: أى طلبت بعوائها أن تعاويها الكلاب، كما تقول:
استقتل: أى طلب القتل.
...
стр. 904
المجلس الحادى والخمسون
يتضمّن ذكر ما دخلته الهاء للتكثير والمبالغة فى
الوصف، ثم ما يلى ذلك من ذكر حذف اللاّمات
زادوا الهاء للتكثير والمبالغة فى الوصف، فى قولهم: رجل علاّمة ونسّابة وسأّالة، وراوية للشّعر، وكذلك قولهم: رجل فروقة وملولة وحمولة، دلّت الهاء فيه على كثرة الفرق والملل والاحتمال، وكذلك امرأة فروقة وملولة وحمولة، دخلتهنّ الهاء لما ذكرناه من التكثير والمبالغة، لا للتأنيث، ألا ترى أنهم لم يدخلوا الهاء فى فعول وصفا للمرأة، نحو امرأة صبور وشكور وغدور ولعوب، كما جاء فى التنزيل: ﴿تُوبُوا إِلَى اللهِ تَوْبَةً نَصُوحاً﴾ (١) وامرأة نصوح.
ومثل إدخالهم الهاء للمعنى الذى ذكرته فى قولهم: علاّمة ونسّابة، إدخالهم إيّاها فى قولهم: رجل لحّانة، ورجل هلباجة جخابة فقاقة، مخفّفان، بوزن سحابة.
ومن النحويّين من نصب «كافّة» من قوله تعالى: ﴿وَما أَرْسَلْناكَ إِلاّ كَافَّةً لِلنّاسِ﴾ (٢) على الحال من الناس، وجعل اللام بمعنى إلى، كما جاءت بمعناها فى قوله:
﴿بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحى لَها﴾ (٣) إليها، كما قال: ﴿وَأَوْحى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ﴾ (٤) وقالوا:
стр. 905
هديته إلى الطريق وللطريق، كما قال: ﴿قُلِ اللهُ يَهْدِي لِلْحَقِّ أَفَمَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ﴾ (١) فالمعنى على هذا/القول: وما أرسلناك إلاّ إلى الناس كافّة، فالتأنيث فى قوله «كافّة» للجمع، كما تقول: جاء القوم كافّة، ومثله: ﴿اُدْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً﴾ (٢) وقال الزجّاج: إن «كافّة» حال من الكاف فى «أرسلناك» ولحقت الهاء «كافّة» للمبالغة فى الوصف بالكفّ، أى أرسلناك كافّا (٣) للناس، فاللام فى هذا القول على معناها، وإنما لم يجعل «كافّة» حالا من الناس، لأن حال المجرور لا يتقدّم عليه.
وذهب ثعلب، وهو مذهب الفرّاء، إلى أن الهاء فى قولهم: علاّمة ونسّابة وراوية، للتأنيث لا للمبالغة فى الوصف، وكذلك رجل مجذامة ومطرابة ومعزابة، قال: وذلك إذا مدحوه، كأنهم أرادوا به داهية، وكذلك إذا ذمّوه فقالوا: رجل لحّانة، ورجل هلباجة جخابة فقاقة، كأنهم أرادوا به بهيمة (٤).
والذى ذهب إليه البصريون من أن المراد بتأنيث هذه الأوصاف المبالغة فى الوصف، هو الوجه؛ لأنه قد جاء من هذا القبيل ما هو خارج عن معنى الداهية والبهيمة، وذلك نحو قولهم: رجل ملولة ورجل صرورة: للذى لم يحجج قطّ.
ومن منكرى قول الفراء وأحمد بن يحيى أبو محمد عبد الله بن جعفر بن درستويه فى تصحيحه للكتاب، الذي سماه ثعلب: الفصيح، قال: إنّ الداهية نفسها لم توضع للمدح خاصّة، ولكنها تطلق على الخير والشر إذا جاوز الحدّ فى
стр. 906
الدّهي، كما قال الله : ﴿وَالسّاعَةُ أَدْهى وَأَمَرُّ﴾ (١) قال الشاعر:
وكلّ أناس سوف تدخل بيتهم ... دويهية تصفرّ منها الأنامل (٢)
يعنى الموت، وتصغيره إيّاها، والمراد بها الموت، تصغير التعظيم، والموت مكروه إلى كلّ نفس، وهو عندها مذموم، وإنما الداهية كقولهم للرجل: راوية، فهى اسم من أسماء الفاعلين الجارية على أفعالها، دخلته تاء التأنيث للمبالغة، وكذاك إذا ذمّوا الرجل بقولهم: لحّانة وهلباجة ونحوهما، على تشبيهه بالبهيمة، فغير صحيح؛ /لأنه ليس فى قولهم: رجل لحّانة شيء من شبه البهيمة؛ لأنّ اللحن مما يتعلّق باللفظ، فهو عن البهيمة بمعزل، وإنما يشبّه الأحمق والجاهل بالبهيمة؛ لأن الجهل والحمق من نقص العقل
وقد وجدنا فى الوزراء الوافرى العقول، المدبّري الممالك من يشوب كلامه لحن مفرط، فهذا ونحوه دليل على أن ما ذهب إليه الفرّاء فى هذا القول ليس بشىء.
وأقول مع هذا: إنه لا يجوز فى وصف القديم سبحانه علاّمة، لا يقال:
علاّمة الغيوب، وإن كانت الهاء فيه لتكثير العلم والمبالغة فى الوصف به؛ لأن هذه الهاء فى الأصل علم للتأنيث، وقد زرى عليهم بقوله: ﴿إِنْ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ إِلاّ إِناثاً﴾ (٣) فدلّ على أنه لا يجوز أن يجرى عليه نحو ذلك، ولو أنّك سمّيت بعلاّمة أو فروقة، لم تصرفه للتأنيث والتعريف.
المجذامة من الأدلاّء: الشّديد السّير، القطّاع للأرض، والجذم: القطع.
والمطرابة: الذى يكثر الطّرب.
стр. 907
والمعزابة: الذى يطيل العزوب عن أهله، أى يغيب عنهم في الرّعى وغيره.
والهلباجة: الكسلان النّوّام.
والفقاقة: الأحمق المخلّط فى كلامه، وهو الفقفاق أيضا، والعامّة تغلط فتقول: بقباق.
والجخابة: قريب منه فى الحمق، دون التخليط فى الكلام، وكلاهما فعالة بوزن سحابة.
ونعود الآن إلى ذكر ما كنّا فيه من حذف اللامات، فنقول: أصل شاة:
شوهة (١)، ساكنة الواو، لما عرّفتك من أن السكون هو الأصل، فلا يسوغ العدول عنه، والدليل على أن لامها هاء قولهم فى تحقيرها: شويهة، وفى تكسيرها: شياه، وحكى أبو زيد أنهم يقولون: تشوّهت شاة: إذا صاد شاة، وأما قولهم: شاء، فإنه اسم للجمع، ليس بجمع، وقال قوم: أصله شاه، فأبدلوا من الهاء همزة، وهذا /قول مرغوب عنه؛ لأنك إذا حكمت به حكمت بالجمع بين إعلالين متواليين:
قلب واوها ألفا، وإبدال هائها همزة، وهذا لا يسلك به إلاّ طريق الشذوذ.
وجاء ذلك فى قولهم: ماء، أصله: موه، لقولهم فى تحقيره وتكسيره: مويه وأمواه، وصارت واوه ألفا لتحرّكها وانفتاح ما قبلها، ثم أبدلت هاؤه همزة، فحمل شاء على أنه اسم للجمع وليس بمشتقّ من شاة، أولى.
وكذلك قولهم: شاوىّ (٢) اسم للجمع، غير مأخوذ من لفظ شاة، وإن كان فيه بعض حروفها (٣).
стр. 908
ولمّا حذفوا اللام من شاة، وهى الهاء من شوهة، وجاورت الواو تاء التأنيث، وجب فتحها، وآلت إلى شوة، فانقلبت الواو ألفا لتحرّكها وانفتاح ما قبلها.
ومن زعم أن أصلها شوهة، فعلة مفتوحة العين، فليس قوله بشىء؛ لما ذكرته لك، من كون السكون أصلا، فلا يسوغ العدول عن الأصل ما وجد عنه مندوحة.
يدلّ أيضا على أن أصل واوها السكون انقلابها إلى الياء فى شياه، ولو كانت الواو فى الواحد متحرّكة صحّت فى الجمع، كما صحّت واو طويل وقويم، فى طوال وقوام، وانقلابها إلى الياء فى شياه، كانقلاب واو حوض، وواو ثوب، فى حياض وثياب، وذلك أنّ انقلاب الواو ياء فى فعال، إذا لم يكن مصدرا كجوار وحوار، يحتاج إلى خمس شرائط (١)، إحداهنّ: أن يكون هذا المثال جمعا، فإن كان واحدا صحّت الواو فيه، وذلك نحو سوار وخوان.
والثانية: أن تكون الواو فى واحده ساكنة، كواو ثوب وحوض، فإن تحرّكت فى الواحد صحّت فى الجمع، كواو طويل وقويم.
والثالثة: أن تقع بعدها ألف فى الجمع، فإن لم يكن بعدها ألف صحّت، وذلك قولهم فى جمع زوج وجمل عود (٢): زوجة وعودة.
والرابعة: أن تكون لامه صحيحة، كلام ثوب وحوض، فإن كانت معتلّة فى الواحد صحّت فى الجمع، كقولهم/فى جمع ريّان وطيّان: رواء وطواء، فعال
стр. 909
من الرّىّ والطّوى، وهو خلوّ البطن من الطعام، وقد تقدّم ذكره.
والخامسة: وجود الكسرة قبلها فى الجمع، فإن عدمت الكسرة صحّت كواو أثواب وأحواض.
وإنما اعتلّت الواو في الجمع وصحّت فى الواحد؛ لأن الجمع ثقيل، فقلبوا فيه الحرف الأثقل إلى الأخفّ، وأعلّوها فى الجمع؛ لسكونها فى واحده، لأنّ سكون الحرف يضعفه، ألا ترى أن منهم من يصحّح الواو الزائدة إذا كانت متحرّكة فيقول فى تحقير جدول وقسور: جديول وقسيور، وأجمعوا على قلب واو عجوز فى التحقير، لضعفها بالسكون.
وأما علّة قلبها إلى الياء مع وجود الألف بعدها فى ثياب ونحوه، ولم تقلب فى عودة ونحوه؛ فإنّ الألف أقرب إلى الياء منها إلى الواو، فهى أشبه بها؛ لأن الياء من وسط اللسان، والواو من الشفتين، والألف من الحلق، واعتلّت لوجود الكسرة قبلها؛ لأن الكسرة مجانسة للياء، فاجتذبت الواو إلى الحرف الذى هو مجانسها.
ووجه اعتلال الواو فى ثياب وصحّتها فى رواء، أنّهم قد أعلّوا لام رواء، بقلبها إلى الهمزة، فلو أعلّوا واوه فقالوا: رياء، جمعوا بين إعلالين متواليين، وذلك إنما يكون نادرا.
فإن قيل: فلم أعلّت اللام فى رواء وطواء، دون العين؟
قيل: لضعف اللام بالتطرّف، ألا ترى أنّ من يصحّح عين أسود فى التحقير فيقول: أسيود، لا يقول فى تحقير عروة إلاّ عريّة، فيعلّها لكونها لاما.
هذا الفصل اقتضى ذكره الدّلالة على أنّ شاة أصلها شوهة، ساكنة الواو، وكذلك شفة، أصلها شفهة، مثل جفنة، على ما قرّرناه من الأخذ بالسكون حتى يقوم دليل على الحركة.
وأما الدّلالة على كون لامها هاء، فظهور الهاء فى/التحقير
стр. 910
والتكسير والتصريف، وذلك قولهم: شفيهة وشفاه، وشافهته مشافهة وشفاها.
وسنة أصلها سنوة، فى أشيع اللّغتين (١)، لقولهم فى جمعها: سنوات، وفى تحقيرها: سنيّة، وفى الفعل منها: سانيت مساناة (٢).
والياء فى سانيت أصلها الواو، ولكنها لمّا وقعت رابعة صارت إلى الياء، وكذلك سنيّة أصلها سنيوة، فلما اجتمعت مع الياء، والياء ساكنة قلبت ياء، فوجب الإدغام.
وأصلها فى لغة بعض العرب: سنهة، فظهرت الهاء فى تصريف الفعل منها، قالوا: سانهت مسانهة.
وحكى بعض النحويّين فى جمعها: سنهات، وفى تحقيرها: سنيهة.
ويقوّى كون لامها واوا أنها من الأسماء المؤنّثة، التى جمعوها بالواو والنون، عوضا من المحذوف منها، وإنما عوّضوها الجمع بالواو وبالياء، فقالوا: سنون وسنين وثبون وثبين؛ لأن المحذوف من هذه المنقوصات إنما هو فى الأغلب واو أو ياء.
ومنهم من جعل النون فى جمع سنة حرف الإعراب، وألزمها الياء، وأثبت النون فى الإضافة، ورفعها ونصبها وخفضها ونوّنها، تشبيها لها بنون غسلين، فقالوا:
أقمت عنده سنينا، وعجبت من سنين زيد، وأعجبتنى سنينك، قال (٣):
دعانى من نجد فإنّ سنينه ... لعبن بنا شيبا وشيّبننا مردا
وأما «أمة» فالمحذوف منها واو، فأصلها: أموة (٤)، بدلالة ظهور الواو فى
стр. 911
جمعها الذى جاء على فعلان، قالوا: إموان وإماء، وفى جمع القلّة: آم (١)، قال الشاعر (٢):
أمّا الإماء فلا يدعوننى ولدا ... إذا ترامى بنو الإموان بالعار
وقال السّليك (٣):
يا صاحبيّ ألا لا حيّ بالوادى ... إلاّ عبيد وآم بين أذواد
ولم يعوّضوها الجمع بالواو والنون، حملا على نظائرها من هذه المنقوصات المؤنّثة، وعلّل أبو علىّ ذلك بأن قال: «لم يقولوا: إمون، حيث كسّر على ما ردّ الأصل؛ لأن الجمع بالواو والنون إنما كان يلحق عوضا ممّا حذف منها، وأفعل يجرى مجرى المفرد، فكأنّ مفرده لم يلحقه حذف (٤)».
وأقول فى تفسير كلامه هذا: إنه أراد أنه العرب لم يقولوا فى جمع أمة: إمون، كما قالوا فى جمع سنة: سنون، وإن كان الحذف قد لحق لام أمة، كما لحق لام سنة، لأنّ لام أمة قد أعيدت فى جمع القلّة الذى هو أفعل، فقالوا: رأيت آميا، وقد جاءت الآمى، وأفعل بمنزلة الواحد فى لحاق التصغير له، كقولهم فى أكلب:
أكيلب، فلم يعوّضوا أمة الجمع بالواو والنون، كما عوّضوا سنة ونظائرها؛ لأن رجوع ما حذف من المفرد إلى جمع بناء القلّة، كرجوعه إلى المفرد.
وأقول: إن هذا التعليل ينفسخ بأن الواو المحذوف من سنة، قد أعيد فى
стр. 912
قولهم: سنوات، وهو جمع قلّة يشبه مفرده، فى أن التصغير يلحقه كما يلحقه.
والوجه عندى في تعليل ذلك أنهم إنما استجازوا أن يقولوا فى جمع سنة:
سنون، ولم يستجيزوا أن يقولوا فى جمع أمة: إمون؛ لأن تأنيث سنة وثبة ونظائرهما غير حقيقى، وتأنيث أمة حقيقيّ، لا فرق بينه وبين تأنيث امرأة، وإذا كانت هند، وتأنيثها غير تأنيث أمة، لخلوّها من علامة تأنيث، أبوا أن يقولوا فى جمعها:
هندون، فكيف يجوز أن يقال فى جمع أمة: إمون، وإذا كان طلحة، وهو اسم رجل، لم يقولوا فى جمعه: طلحتون ولا طلحون، فكيف يجوز فى أمة، وهو اسم واقع على امرأة، فهو مؤنّث لفظا ومعنى، أن يجمعوه بالواو والنون، فيجامع التأنيث الحقيقيّ علامة التذكير؟ ألا ترى أنه يجوز أن يقال: خرج السّنة، ولا يقال: خرج الأمة، إلا فى حال اضطرار مع الفصل، كما قال:
/*لقد ولد الأخيطل أمّ سوء (١) ... *
فكلّ ما جمعوه بالواو والنون من المنقوصات المؤنّثة، وغير المنقوصات، كأرض وحرّة، والحرّة: الأرض التى بها حجارة سود، وإنما استجازوا فيه ذلك؛ لأن تأنيثه غير حقيقىّ، ثم إنهم غيّروا فى الجمع لفظ شيء من هذا القبيل، بتغيير حركة أو زيادة حركة، أو زيادة حرف، ليقرب بذلك من جمع التكسير، فالذى غيّروا حركته سنة وقلة وثبة، كسروا أوائلهنّ فى الجمع.
وأما قولهم في جمع أرض: أرضون؛ فلأنهم نزّلوا تاء التأنيث (٢) منزلة الحرف الأصلي، ففتحوا عينها فى الجمع، وكان التغيير بفتح أوسطها أحسن من تغيير حركة
стр. 913
أولها؛ لأنهم لو جمعوها جمع الأسماء المؤنّثة لقالوا: أرضات (١)، ففتحوا الراء، كما قالوا: جفنات.
وأما قولهم فى جمع حرّة: إحرّون؛ فلأنّ المضاعف يعتلّ، ألا ترى أنهم يفرّون من التضعيف إلى إبدال أحد حرفيه ياء، كقولهم فى تظنّنت وتسرّرت:
تظنّيت وتسرّيت، ويخفّفونه فى القوافى كقول طرفة (٢):
ففداء لبنى قيس على ... ما أصاب الناس من سرّ وضرّ
ما أقلّت قدمي إنّهم ... نعم الساعون في الأمر المبرّ
وشبيه بذلك قولهم: امرؤ وامرأة، ألحقوهما همزة الوصل، وإنما تلحق همزة الوصل عوضا من محذوف (٣)، وجاز ذلك فيهما من غير أن يلحقهما حذف؛ لأن الهمزة يلحقها التخفيف، بجعلها بين بين، وبالإبدال منها ساكنة ومتحرّكة، فالساكنة كهمزة كأس وبئر ولؤم، والمتحركة كهمزة جؤن وذئب، جمع جؤنة وذئبة، ويلحقها الحذف لازما وجائزا، فاللازم حذفها من نرى وترى وأخواتهما، إذا قلت: نرى، وترى، والجائز حذفها للتخفيف، فى نحو كم بلك؟ ومن خوك؟ تريد: كم إبلك؟ ومن أخوك؟
فلمّا تعاورها التّليين والإبدال والحذف/تنزّل الاسم الذى هي فيه منزلة الاسم الذى دخله الحذف، فعوّض همزة الوصل.
ومن قال من العرب: إحرّون، فقوله أقيس من قول من قال: حرّون؛ لأنه
стр. 914
زاد فى أول الكلمة حرفا، حرصا على التغيير، فوافق الحرف المزيد فى أول الجمع الحركة فى أول سنين، كما اتّفق الحرف والحركة فى غير هذا وذلك، كاتّفاق حركة وافقت فتحة العين من قدم، علما لامرأة، والباء من زينب، فى منع الصرف (١)، وكما وافقت فتحة العين من جمزى الألف الخامسة من جمادى فى الحذف، إذا نسبت إليهما فقلت: جمزىّ، كما قلت: جمادىّ، وكما وافق الحرف الحركة فى الحذف للجزم، إذا قلت لم يدع ولم يرم ولم يخش، كما قلت: لم ينطلق.
قال أبو بكر بن دريد: أخبرنا أبو حاتم، عن أبى عبيدة، قال: لمّا فرغ عليّ صلى الله (٢) عليه من حرب الجمل، فرّق على رجال أبلوا، فأصاب الرجل منهم خمس مائة درهم، وكان ممّن أخذ رجل من بنى تميم، فلما خرج إلى صفّين خرج ذلك الرجل معه، فعضّته الحرب، فلمّا رجع إلى الكوفة قالت له ابنته: أين خمس المائة التى أعطيتها؟ فأنشأ يقول (٣):
إنّ أباك فرّ يوم صفّين ... لمّا رأى عكّا والأشعريّين
وحاتما يستنّ فى الطائيّين ... وذا الكلاع سيّد اليمانين (٤)
وقيس عيلان الهوازنيّين ... قال لنفس السّوء هل تفرّين
لا خمس إلاّ جندل الإحرّين ... والخمس قد جشّمنك الأمرّين (٥)
стр. 915
جمزا إلى الكوفة من قنّسرين (١)
والضّعة من ذوات الواو، لقولهم فى جمعها: ضعوات، وهى ضرب من الشجر، قال (٢):
/متّخذا من ضعوات تولجا
التّولج: السّرب، شبّه ما يجعله الوحشىّ عليه من الشجر ظلّة بالسّرب، وأصله: وولج، فوعل (٣) من الولوج، أبدلوا واوه تاء كما أبدلوها تاء فى تراث وتقاة وتجاه وتخمة وتهمة، وفى تالله.
وقيل فى «التّوراة» إن أصلها: ووارة، وكانت وورية، فوعلة، من قولهم:
ورى الزّند: إذا أظهر النار؛ لأن التّوراة نور، فأبدلوا واوها تاء وياءها ألفا.
وتراث أصله وراث، وتجاه: وجاه، فعال من ورث وواجه، وتقاة أصلها وقية، فعلة من وقيت، وكذلك تخمة أصلها وخمة، فعلة من الوخامة، وتهمة من توهّمت، وتكأة من توكّأت، وقالوا: ضربه حتى أتكأه، أصله أوكأه، وقالوا:
تكلان، أصله وكلان، فعلان من توكّلت.
وقال بعض العرب فى تولج: دولج، أبدلوا الدال من التاء، لتقاربهما فى المخرج، كما أبدلوا الدال تاء فى قولهم للناقة الذّلول: تربوت، وأصلها دربوت، فعلوت من الدّربة، وهى العادة، لأنّ الدّلول مدرّب، وقيل: هي فعلوت، من التّراب، للينها وذلّها.
...