جمعها الذى جاء على فعلان، قالوا: إموان وإماء، وفى جمع القلّة: آم (١)، قال الشاعر (٢):
أمّا الإماء فلا يدعوننى ولدا ... إذا ترامى بنو الإموان بالعار
وقال السّليك (٣):
يا صاحبيّ ألا لا حيّ بالوادى ... إلاّ عبيد وآم بين أذواد
ولم يعوّضوها الجمع بالواو والنون، حملا على نظائرها من هذه المنقوصات المؤنّثة، وعلّل أبو علىّ ذلك بأن قال: «لم يقولوا: إمون، حيث كسّر على ما ردّ الأصل؛ لأن الجمع بالواو والنون إنما كان يلحق عوضا ممّا حذف منها، وأفعل يجرى مجرى المفرد، فكأنّ مفرده لم يلحقه حذف (٤)».
وأقول فى تفسير كلامه هذا: إنه أراد أنه العرب لم يقولوا فى جمع أمة: إمون، كما قالوا فى جمع سنة: سنون، وإن كان الحذف قد لحق لام أمة، كما لحق لام سنة، لأنّ لام أمة قد أعيدت فى جمع القلّة الذى هو أفعل، فقالوا: رأيت آميا، وقد جاءت الآمى، وأفعل بمنزلة الواحد فى لحاق التصغير له، كقولهم فى أكلب:
أكيلب، فلم يعوّضوا أمة الجمع بالواو والنون، كما عوّضوا سنة ونظائرها؛ لأن رجوع ما حذف من المفرد إلى جمع بناء القلّة، كرجوعه إلى المفرد.
وأقول: إن هذا التعليل ينفسخ بأن الواو المحذوف من سنة، قد أعيد فى
стр. 912
قولهم: سنوات، وهو جمع قلّة يشبه مفرده، فى أن التصغير يلحقه كما يلحقه.
والوجه عندى في تعليل ذلك أنهم إنما استجازوا أن يقولوا فى جمع سنة:
سنون، ولم يستجيزوا أن يقولوا فى جمع أمة: إمون؛ لأن تأنيث سنة وثبة ونظائرهما غير حقيقى، وتأنيث أمة حقيقيّ، لا فرق بينه وبين تأنيث امرأة، وإذا كانت هند، وتأنيثها غير تأنيث أمة، لخلوّها من علامة تأنيث، أبوا أن يقولوا فى جمعها:
هندون، فكيف يجوز أن يقال فى جمع أمة: إمون، وإذا كان طلحة، وهو اسم رجل، لم يقولوا فى جمعه: طلحتون ولا طلحون، فكيف يجوز فى أمة، وهو اسم واقع على امرأة، فهو مؤنّث لفظا ومعنى، أن يجمعوه بالواو والنون، فيجامع التأنيث الحقيقيّ علامة التذكير؟ ألا ترى أنه يجوز أن يقال: خرج السّنة، ولا يقال: خرج الأمة، إلا فى حال اضطرار مع الفصل، كما قال:
/*لقد ولد الأخيطل أمّ سوء (١) ... *
فكلّ ما جمعوه بالواو والنون من المنقوصات المؤنّثة، وغير المنقوصات، كأرض وحرّة، والحرّة: الأرض التى بها حجارة سود، وإنما استجازوا فيه ذلك؛ لأن تأنيثه غير حقيقىّ، ثم إنهم غيّروا فى الجمع لفظ شيء من هذا القبيل، بتغيير حركة أو زيادة حركة، أو زيادة حرف، ليقرب بذلك من جمع التكسير، فالذى غيّروا حركته سنة وقلة وثبة، كسروا أوائلهنّ فى الجمع.
وأما قولهم في جمع أرض: أرضون؛ فلأنهم نزّلوا تاء التأنيث (٢) منزلة الحرف الأصلي، ففتحوا عينها فى الجمع، وكان التغيير بفتح أوسطها أحسن من تغيير حركة
стр. 913
أولها؛ لأنهم لو جمعوها جمع الأسماء المؤنّثة لقالوا: أرضات (١)، ففتحوا الراء، كما قالوا: جفنات.
وأما قولهم فى جمع حرّة: إحرّون؛ فلأنّ المضاعف يعتلّ، ألا ترى أنهم يفرّون من التضعيف إلى إبدال أحد حرفيه ياء، كقولهم فى تظنّنت وتسرّرت:
تظنّيت وتسرّيت، ويخفّفونه فى القوافى كقول طرفة (٢):
ففداء لبنى قيس على ... ما أصاب الناس من سرّ وضرّ
ما أقلّت قدمي إنّهم ... نعم الساعون في الأمر المبرّ
وشبيه بذلك قولهم: امرؤ وامرأة، ألحقوهما همزة الوصل، وإنما تلحق همزة الوصل عوضا من محذوف (٣)، وجاز ذلك فيهما من غير أن يلحقهما حذف؛ لأن الهمزة يلحقها التخفيف، بجعلها بين بين، وبالإبدال منها ساكنة ومتحرّكة، فالساكنة كهمزة كأس وبئر ولؤم، والمتحركة كهمزة جؤن وذئب، جمع جؤنة وذئبة، ويلحقها الحذف لازما وجائزا، فاللازم حذفها من نرى وترى وأخواتهما، إذا قلت: نرى، وترى، والجائز حذفها للتخفيف، فى نحو كم بلك؟ ومن خوك؟ تريد: كم إبلك؟ ومن أخوك؟
فلمّا تعاورها التّليين والإبدال والحذف/تنزّل الاسم الذى هي فيه منزلة الاسم الذى دخله الحذف، فعوّض همزة الوصل.
ومن قال من العرب: إحرّون، فقوله أقيس من قول من قال: حرّون؛ لأنه
стр. 914
زاد فى أول الكلمة حرفا، حرصا على التغيير، فوافق الحرف المزيد فى أول الجمع الحركة فى أول سنين، كما اتّفق الحرف والحركة فى غير هذا وذلك، كاتّفاق حركة وافقت فتحة العين من قدم، علما لامرأة، والباء من زينب، فى منع الصرف (١)، وكما وافقت فتحة العين من جمزى الألف الخامسة من جمادى فى الحذف، إذا نسبت إليهما فقلت: جمزىّ، كما قلت: جمادىّ، وكما وافق الحرف الحركة فى الحذف للجزم، إذا قلت لم يدع ولم يرم ولم يخش، كما قلت: لم ينطلق.
قال أبو بكر بن دريد: أخبرنا أبو حاتم، عن أبى عبيدة، قال: لمّا فرغ عليّ صلى الله (٢) عليه من حرب الجمل، فرّق على رجال أبلوا، فأصاب الرجل منهم خمس مائة درهم، وكان ممّن أخذ رجل من بنى تميم، فلما خرج إلى صفّين خرج ذلك الرجل معه، فعضّته الحرب، فلمّا رجع إلى الكوفة قالت له ابنته: أين خمس المائة التى أعطيتها؟ فأنشأ يقول (٣):
إنّ أباك فرّ يوم صفّين ... لمّا رأى عكّا والأشعريّين
وحاتما يستنّ فى الطائيّين ... وذا الكلاع سيّد اليمانين (٤)
وقيس عيلان الهوازنيّين ... قال لنفس السّوء هل تفرّين
لا خمس إلاّ جندل الإحرّين ... والخمس قد جشّمنك الأمرّين (٥)
стр. 915
جمزا إلى الكوفة من قنّسرين (١)
والضّعة من ذوات الواو، لقولهم فى جمعها: ضعوات، وهى ضرب من الشجر، قال (٢):
/متّخذا من ضعوات تولجا
التّولج: السّرب، شبّه ما يجعله الوحشىّ عليه من الشجر ظلّة بالسّرب، وأصله: وولج، فوعل (٣) من الولوج، أبدلوا واوه تاء كما أبدلوها تاء فى تراث وتقاة وتجاه وتخمة وتهمة، وفى تالله.
وقيل فى «التّوراة» إن أصلها: ووارة، وكانت وورية، فوعلة، من قولهم:
ورى الزّند: إذا أظهر النار؛ لأن التّوراة نور، فأبدلوا واوها تاء وياءها ألفا.
وتراث أصله وراث، وتجاه: وجاه، فعال من ورث وواجه، وتقاة أصلها وقية، فعلة من وقيت، وكذلك تخمة أصلها وخمة، فعلة من الوخامة، وتهمة من توهّمت، وتكأة من توكّأت، وقالوا: ضربه حتى أتكأه، أصله أوكأه، وقالوا:
تكلان، أصله وكلان، فعلان من توكّلت.
وقال بعض العرب فى تولج: دولج، أبدلوا الدال من التاء، لتقاربهما فى المخرج، كما أبدلوا الدال تاء فى قولهم للناقة الذّلول: تربوت، وأصلها دربوت، فعلوت من الدّربة، وهى العادة، لأنّ الدّلول مدرّب، وقيل: هي فعلوت، من التّراب، للينها وذلّها.
...
стр. 916
المجلس الثانى والخمسون
يتضمّن ذكر حذف اللامات من الأسماء المؤنّثة بالهاء
، وما يتصل بذلك.
البرة: الحلقة تكون فى أنف البعير، وكلّ حلقة من سوار أو خلخال أو قرط، فهى برة، وجمعها برات وبرى وبرون، وقال بعضهم: برون، فكسر أوّلها، وأصلها بروة، وقد تكلّموا بها.
ولغة: أصلها. لغوة، قيل: اشتقاقها من لغى بالشىء يلغى: إذا لهج به، وردّوا لامها فى التكسير فى قولهم: لغى، ولم يردّوه فى قولهم: لغات، كما ردّوه فى سنوات وعضوات.
والقلة: أصلها قلوة، فعلة، من قولهم: قلوت، أى لعبت بالقلة، وهى الخشيبة التى تسمّى اللاّحة، والخشبة التى تضرب بها تسمّى القاطر. /قالوا فى جمعها: قلات، وجمعها بعضهم بالواو والنون فقالوا: قلون، غيّروا حركة أوّلها، كما قالوا: سنون وثبون، قال سيبويه: وبعضهم يقول: قلون، فلا يغيّر (١).
والثّبة: الجماعة من الناس، وأصلها ثبوة، فعلة من ثبا يثبو: إذا اجتمع وتضامّ، فقيل للجماعة: ثبة، لانضمام بعضها إلى بعض، وليس فى قولهم: ثبّيت (٢)، إذا جمعت، دليل على أن لامها ياء، لأنّ الواو إذا وقعت رابعة انقلبت إلى الياء، وقالوا فى جمعها: ثبون وثبات، وفى التنزيل: ﴿فَانْفِرُوا ثُباتٍ﴾ (٣) قال الجرمىّ: كان أبو عبيدة
стр. 917
إذا سئل عن تفسير «ثبات» قال: جماعات فى تفرقة (١)، وأنشد أبو عمر:
نحن هبطنا بطن والغينا ... والخيل تعدو عصبا ثبينا (٢)
وبعضهم قال: ثبون، فغيّروا أوّله.
فأما الثّبة التى هى أسفل الحوض، فالمحذوف منها عين (٣)، وأصلها ثوبة، فعلة من ثاب يثوب: إذا رجع، وذلك لرجوع الماء إليها.
والظّبة: حدّ السيف، وجمعوها ظبات، وجاء فى شعر الكميت:
يرى الرّاءون بالشّفرات منها ... كنار أبى الحباحب والظّبينا (٤)
حباحب: رجل كان لا ينتفع بناره لبخله، فنسبت إليه كلّ نار لا ينتفع بها فقيل لما تقدحه حوافر الخيل على الصّفا: نار الحباحب (٥)، قال النابغة فى وصف السيوف:
ويوقدن بالصّفّاح نار الحباحب (٦)
стр. 918
وجعل الكميت اسمه كنية للضرورة.
وقال القطامىّ، والقطامىّ، بضم القاف وفتحها: الصّقر، وهو لقب غلب عليه، واسمه عمرو بن شتيم التّغلبيّ، من قصيدة، وقد نزل بامرأة من محارب طروقا، فلم تقره، فهجاها وذمّ قيس بن عيلان ببيت فى آخر القصيدة، وهو (١):
ألا إنما نيران قيس إذا شتوا (٢) ... لطارق ليل مثل نار الحباحب
وأول الأبيات التى هجا بها المحاربيّة:
أخبّرك الأنباء عن أمّ منزل ... تضيّفتها بين العذيب وراسب
/الأنباء: الأخبار.
ولا بدّ أنّ الضّيف مخبر أهله ... بما قد رآه أو مخبّر صاحب
تلفّعت فى طلّ وريح تلفّنى ... وفى طرمساء غير ذات كواكب
تلفّعت: اشتملت بثوب.
وطرمساء: ليلة ظلماء، وقال بعض أهل اللغة: الطّرمساء والطّرفساء والطّرفسان: الظّلمة.
إلى حيزبون توقد النار بعد ما ... تلفّعت الظّلماء من كلّ جانب
حيزبون: عجوز فيها بقيّة.
وقوله: تلفّعت الظّلماء، استعار التلفّع للظّلمة.
فما راعها إلاّ بغام مطيّة ... تريح بمحسور من الصّوت لاغب
стр. 919
البغام: صوت الناقة والظّبية، ويقال: ناقة بغوم: تكثر التصويت.
ومحسور: ضعيف.
ولاغب: من اللّغوب، وهو التعب والمشقّة، وفى التنزيل: ﴿وَما مَسَّنا مِنْ لُغُوبٍ﴾ (١).
تقول وقد قرّبت كورى وناقتى ... إليك فلا تذعر علىّ ركائبى
الكور: رحل البعير.
وقولها «إليك» أى تنحّ.
والذّعر: الإفزاع.
وجنّت جنونا من دلاث مناخة ... ومن رجل عارى الأشاجع شاحب
دلاث: ناقة ماضية، تركب رأسها فى سيرها.
والأشاجع: عروق ظاهر الكفّ.
وشاحب: متغيّر اللّون.
سرى فى جليد الليل حتى كأنّما ... تحزّم (٢) فى الأطراف شوك العقارب
أى كأنما تحزّم بأطرافه؛ يديه ورجليه، من البرد إبر العقارب.
وردّت سلاما كارها ثم أعرضت ... كما انحازت الأفعى مخافة ضارب (٣)
стр. 920
فقلت لها لا تفعلى ذا براكب ... أتاك مصيب ما أصاب فذاهب
ولمّا تنازعنا الحديث سألتها ... من الحيّ قالت معشر من محارب
/من المشتوين القدّ ممّا تراهم ... جياعا وريف الناس ليس بناضب
الرّيف: الخصب، يقال: خصب وخصب، بكسر أوله وفتحه.
والنّاضب: الذاهب، من قولهم: نضب الماء: إذا ذهب، أى يشتوون القدّ (١) فيأكلونه فى زمن الخصب.
فلمّا بدا حرمانها الضّيف لم يكن ... عليّ مناخ السّوء ضربة لازب
يقال: ليس هذا الأمر ضربة لازب، أى ليس بثابت، لازم، وقد قالوا:
ضربة لازم.
وقمت إلى مهريّة قد تعوّدت ... يداها ورجلاها خبيب المواكب
مهريّة: منسوبة إلى مهرة بن حيدان، بطن من اليمن، يضرب بإبلهم المثل فى الكرم.
والخبب والخبيب: ضرب من العدو.
تخوّد تخويد النّعامة بعد ما ... تصوّبت الجوزاء قصد المغارب
التّخويد: ضرب من السّير السّريع.
ألا إنّما نيران قيس إذا شتوا ... لطارق ليل مثل نار الحباحب
إذا متّ فانعينى بما أنا أهله ... لتغلب إنّ الموت لا بدّ غالبى
وهجا عبد الصّمد بن المعذّل أخاه، فعرّض فى هجوه بذكر هذه العجوز، فقال (٢):
стр. 921
لى أخ لا ترى له ... سائلا غير خائب
فمرجّيه آمل ... للبروق الكواذب
ليت لى منك يا أخى ... جارة من محارب
نارها كلّ شتوة ... مثل نار الحباحب
قوله: ليت لى منك جارة: أى بدلا منك، ومثله.
كسوناها من الرّيط اليمانى ... مسوحا فى بنائقها فضول (١)
أراد: كسونا الإبل بدلا من الرّيط مسوحا. والرّيط: جمع الرّيطة، وهى الملاءة/لا تكون لفقين، وعنى بالمسوح عرقها، شبّهه لاسوداده بالمسوح.
والبنائق: جمع بنيقة، وهى كلّ رقعة فى الثوب كاللّبنة والنّيفق، ومثله فى قول الراعى، يذمّ عمّال الصّدقات:
أخذوا المخاض من الفصيل غلبة ... ظلما ويكتب للأمير: أفيلا (٢)
المخاض: النّوق الحوامل، واحدتها خلفة.
والفصيل: ولد الناقة الذى فصل عن أمّه.
والأفيل: الصّغير. أراد: أخذوا النّوق الحوامل بدلا من الفصال، ويكتبونها للأمير، أى أمير المؤمنين، إفالا.
وضع الفصيل والأفيل فى موضع الفصال والإفال، على ما ذكرته لك فى
стр. 922
عدّة مواضع من وضع الواحد فى موضع الجماعة، ومن هذا الضّرب قول كثيّر:
وإنّا لنعطى العقل دون دمائنا ... ونأبى فلا نستاق من دمنا عقلا (١)
أراد بالعقل الدّية، وإنما سمّيت الدّية عقلا؛ لأنهم كانوا يدون قتلاهم بالإبل، فيعقلونها بفناء أولياء المقتول، فقال: إذا قتلنا أعطينا الدّية دون القصاص، وإذا قتل منّا أبينا إلاّ القصاص، فلا نستاق بدلا من دم قتيلنا إبلا.
ومن هذا الضّرب قول المتنبى (٢):
وخيلا تغتذى ريح الموامى ... ويكفيها من الماء السّراب
وصف خيل بنى كلاب بأن غذاءها الرّيح وماءها السّراب.
فالتقدير: ويكفيها السّراب بدلا من الماء، أى إذا رأت شبيه لون الماء اكتفت به.
ومما جاء فى التنزيل من هذا الضّرب قوله تعالى: ﴿وَلَوْ نَشاءُ لَجَعَلْنا مِنْكُمْ مَلائِكَةً فِي الْأَرْضِ يَخْلُفُونَ﴾ (٣) المعنى: لجعلنا بدلا منكم فى الأرض ملائكة يخلف بعضهم بعضا.
ومثله فى المعنى: ﴿إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ أَيُّهَا النّاسُ وَيَأْتِ بِآخَرِينَ﴾ (٤).
ونظيره فى إضمار/البدل قوله: ﴿أَرَضِيتُمْ بِالْحَياةِ الدُّنْيا مِنَ الْآخِرَةِ﴾ (٥) أى بدلا من الآخرة، وقال بعض المفسّرين فى قوله تعالى: ﴿فَلَمّا جاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ﴾
стр. 923
﴿بِالْبَيِّناتِ فَرِحُوا بِما عِنْدَهُمْ مِنَ الْعِلْمِ﴾ (١) وأقول: أىّ علم كان عند المشركين بالله؟ وإنما المعنى: فرحوا بما عندهم بدلا من العلم، أى فرحوا بما عندهم من الباطل، بدلا من الحقّ.
وقال أبو إسحاق الزجّاج: أى هذا العذاب الذى نزل بكم بما كنتم تفرحون بالباطل الذى كان فى أيديكم (٢).
فعلى هذا التفسير يكون العلم فى الآية الباطل الذى كان يسمّونه علما، ويعتقدونه حقّا.
... ممّن هجا أخاه أبو (٣) المرجّى، خال ابن أبى الجبر، صاحب البطيحة، واجتمعت به، وأنشدنى قوله فيه:
أىّ حرام من الحلال أخى ... كأنه الخمرة ابنة العنب (٤)
أجاد فى هذا التشبيه، وما أظنّ أنّ أحدا سبقه إليه:
قاتلك الله يا أخيّ لقد ... فضحتنا فى قبائل العرب
كأننا الغرّ من قريش سموا ... وأنت ما بيننا أبو لهب
стр. 924
قوله: «سموا» فى موضع الحال، «وقد» مضمرة فيه، التقدير: كأنّنا الغرّ من قريش سامين، كما أضمرت «قد» (١) فى قوله تعالى: ﴿أَوْ جاؤُكُمْ حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ﴾ (٢) فالتقدير: حصرى الصّدور.
وروى أن شاعرا توعّد أخاه بالهجاء، فقال له: أتهجوني وأبى أبوك وأمّى أمّك؟ قال: نعم، أقول:
لئيم أتاه اللؤم من عند نفسه ... ولم يأته من عند أمّ ولا أب (٣)
وقال آخر:
أبوك أب حرّ وأمّك حرّة ... وقد يلد الحرّان غير نجيب (٤)
فلا يعجبنّ الناس منك ومنهما ... فما خبث من فضّة بعجيب
/وهجا الحطيئة أمّه بقوله (٥):
تنحّى فاقعدى منّى بعيدا ... أراح الله منك العالمينا
أغربالا إذا استودعت سرّا ... وكانونا على المتحدّثينا
الكانون من الرجال: الثّقيل على مجالسيه.
وقوله: غربالا وكانونا، منتصبان انتصاب المصادر (٦)، فهو ممّا دخله حذف
стр. 925
جملتين ومضافين، وما اتصل بذلك، والتقدير: أتخرجين ما تستودعينه من السّرّ إخراج غربال ما فيه، وتثقلين على المتحدّثين ثقل كانون.
وما كنت أظنّ أن أحدا هجا أمّه إلاّ الحطيئة، حتى أنشدنى رجل من عدول واسط، يعرف بابن كردى، أبياتا لأبى المرجّى المذكور آنفا، يهجو بها أمّه، وهى (١):
إنّا إلى الله من عجوز ... تأخذها هزّة الغيور
كانت لها دولة وولّت ... ودولة الحبّ للغرير
الغرير: الحديث السّنّ، والغرارة: الحداثة.
كأنّما وجهها قميص ... قد فرّكوه على حصير
تفترّ عن مبسم غليظ ... كأنه مشفر البعير
ما بين ناب لها طويل ... وبين أنف لها قصير
وكان هذا الرجل لهجا بالهجو، حتى إنّ مدحه كان شبيها بالهجو.
فمن ذلك أنه مدح الوزير زعيم الدولة محمد بن جهير، رضى الله عنه، بقصيدة، اعتقد أنه قد بالغ فى تجويدها، فقال فيها:
بقيّة فى زمان سوء ... صالحة من بنى جهير
فلما سمع الوزير هذا البيت قال لاهيا به: حفظك الله، ما قصّرت!
ونعود إلى ما كنّا آخذين فيه، من ذكر حذف اللامات، فنقول: والكرة:
/المحذوف منها عند المحقّقين لامها، وهى واو، لأن الفعل منها كروت، وأصلها:
كروة، وجمعها كرات وكرون، وزعم قوم أن المحذوف عينها، فحكموا بأن أصلها:
стр. 926
كورة، فعلة، من قولهم: كار العمامة على رأسه يكورها، وكوّرها يكوّرها: إذا عبّأ بعضها على بعض، ومن ذلك قوله تعالى: ﴿يُكَوِّرُ اللَّيْلَ عَلَى النَّهارِ وَيُكَوِّرُ النَّهارَ عَلَى اللَّيْلِ﴾ (١) أى يجعل هذا على هذا، وهذا على هذا، فقيل لها: كرة لتدوّرها كتدوّر العمامة والكارة.
وحمة العقرب: سمّها، وليست بإبرتها، كما يعتقد العامّة (٢)، وأصلها حموة، فعلة، فى لغة من قال: حمو الشمس، وحمية، فى قول من قال: حمى الشمس.
والمحذوف من مائة لامها، وهى ياء، فأصلها مئية، وحكى الأخفش أبو الحسن أنه سمع أعرابيّا يقول: اعطنى مئية، فجاء بها على الأصل، وكذلك أنشدوا:
أدنى عطائهم إيّاي مئيات (٣)
والمشهور: مئات ومئون، قال الفرزدق:
ثلاث مئين للملوك وفى بها ... ردائى وجلّت عن وجوه الأهاتم (٤)
وروى بعض التصريفيّين أنهم حذفوا همزتها فى الجمع، فقالوا فى الجرّ والنصب: مين، وهذا رديء (٥)؛ لأنه جمع بين إعلالين متلاصقين: حذف العين وحذف اللام.
стр. 927
والسّية: طرف القوس، عينها عند قوم ياء، والنّسب إليها سيوىّ، وجمعها سيات، وقال الجرمىّ: سمعت أبا عبيدة يقول: سئة القوس، مهموزة.
وحكى غيره من البصريين: أسأيت القوس، ويجوز أن يكون المحذوف منها واوا، وليس فى قولهم: أسأيت، دليل على أن المحذوف ياء؛ لأنّ الواو تصير هنا ياء، نحو أغريت وأدنيت، ولكن فيه دلالة على أنّ المحذوف منها لام.
وقالوا: إنّ هذه المنقوصات؛ ما لامه واو أكثر ممّا لامه ياء، فإذا جهلت جنس لام الكلمة/فاحكم بأنها واو، حتى يقوم دليل على خلافه.
والمحذوف من «فئة» واو، وجمعها فئات، وهى من قولهم: فأوت: إذا شققت وفرّقت؛ لأن الفئة كالفرقة، وقالوا: فأوت رأسه بالسيف: إذا فلقته.
ولام الرّئة ياء، لقولهم: رأيته: إذا ضربت (١) رئته، وجمعها رئات، وحكى أبو زيد: رئون، وأنشد:
فغظناهم حتى أتى الغيظ منهم ... قلوبا وأكبادا لهم ورئينا (٢)
والعزة: الجماعة من الناس، وهى مأخوذة من عزوته إلى كذا، وعزيته:
إذا نسبته إليه، وجمعها عزون، وفى التنزيل: ﴿عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمالِ عِزِينَ﴾ (٣) وعضة: واحدة العضاه، وهو شجر من شجر الشّوك، كالطّلح والعوسج، وعضة كسنة، فى كون لامها فى لغة هاء، وفى أخرى واوا، ويقال فى جمعها:
عضوات وعضون، قال:
وعضوات تقطع اللهازما (٤)
стр. 928
فأصلها فى هذا القول عضوة، وأمّا قوله تعالى: ﴿جَعَلُوا الْقُرْآنَ عِضِينَ﴾ (١) ففيه قولان: أحدهما: أنه من الواو، لأنه فسّر على أنهم فرّقوه، فكأنهم جعلوه أعضاء، فقال بعضهم: هو شعر، وقال بعضهم: هو سحر، وقال آخرون:
أساطير الأولين.
والقول الثانى: أن الواحدة عضهة، مأخوذة من العضيهة، وهى الكذب.
وأراد الشاعر باللهازم اللهزمتين، وهما ما تحت الأذنين من أعلى اللّحيين، وإنما جمعهما بما حولهما، كقولهم: شابت مفارقه (٢)، وبعير ذو عثانين، ومثله.
والزّعفران على ترائبها ... شرق به اللّبّات والنّحر (٣)
وضع التّرائب فى موضع التّريبة، واللّبّات فى موضع اللّبّة، ويجوز أن يكون جمع لأنه أراد باللهازم لهازم جماعة من الإبل.
واللثة (٤): ما انحدر من اللحم على الأسنان، وجمعها لثات ولثى، والمحذوف منها ياء، /قال بعض اللّغويّين: لأنها مأخوذة من اللّثى، وهو ما يخرج من الشجر أبيض كالماء يسقط ويقطر، ويقال: أمة لثياء، إذا كان قبلها يعرق.
قلت: أما اللّثى فلا دلالة فيه على أن المحذوف من اللّثة ياء، وإنما الدليل على ذلك ظهور الياء فى اللّثياء، لأنهم شبّهوها لعرق قبلها بالشجرة التى يسقط منها المسمّى لثى.
...
стр. 929
المجلس الثالث والخمسون
يتضمّن ذكر ما لم نذكره من حذف اللامات
، التى عوّضوا منها، وما حذف على طريق الشذوذ من الياءات، التى هى لامات.
فمن الضّرب الأول: الاسم، فالمحذوف منه عند البصريّين (١) لامه، وهى واو واشتقاقه عندهم من السّموّ، لأن المسمّى يرتفع ذكره باسمه فيعرف به، وإذا جهل اسمه كان خاملا، ومن هذا المعنى يقال: فلان له اسم، إذا كان شهيرا، وفيه لغات، أعلاها: اسم؛ لأن التنزيل جاء به، والثانية: سم، مكسور السين، والثالثة: سم، بضمّها، والرابعة: سما، مضموم الأول، مقصور كهدى، ومنهم من يقول: اسم، فيضمّ همزته، وهى قليلة، قال الراجز (٢).
باسم الذى فى كلّ سورة سمه
وقال آخر، فضمّ السين وأثبت اللام:
لأحسنها وجها وأكرمها أبا ... وأسمحها كفّا وأعلنها سما (٣)
стр. 930
ومثله:
الله أسماك سما مباركا (١)
وقال آخر، فضمّ السين وحذف اللام:
وعامنا أعجبنا مقدّمه ... يدعى أبا السّمح وقرضاب سمه (٢)
القرضاب: الفقير، وهو القرضوب أيضا
ومثال اسم، فى أصل وضعه: سمو، فعل، مكسور الأول ساكن الثاني، مثل جذع، أو سمو، فعل، مثل قفل، فى لغة من قال: سم، فضمّ السين ولم يفتح الميم، أو سمو، فعل، مثل رطب، فى قول من/فتح ميمه، فصارت واوه ألفا، وجمعوه على أفعال.
فمن كسر أوله، كان كأجذاع وأعدال، ومن ضمّ أوله وحذف واوه فلم يقلبها، كان كأبراد (٣) وأقفال، ومن ضمّ أوله وقلب واوه، كان كأرطاب وأرباع، جمع الرّبع، وهو ولد الناقة التى تلده فى الرّبيع.
ومن قال: اسم، فإنه حذف لامه، وأسكن فاءه، واجتلب له همزة الوصل عوضا من المحذوف، كما فعلوا ذلك فى ابن واست ونحوهما.
стр. 931
ومن قال: سم وسم، لم يعوّض، كما لم يعوّضوا فى أب وأخ ونحوهما.
وخالف الكوفيّون البصريّين فى اشتقاقه، فزعموا أن المحذوف فاؤه، وأخذوه من السّمة (١)، فوزن سم وسم على قولهم: عل وعل، وكذلك اسم: إعل، وأصله وسم أو وسم، قالوا: لأنّ السّمة العلامة، والاسم علامة تدلّ على المسمّى.
وهذا القول صحيح فى المعنى، فاسد من جهة التصريف (٢)، وذلك أنك إذا صغّرته أو كسّرته أو صرّفت منه فعلا، رددت المحذوف منه إلى موضع اللام، ولو كان من السّمة كما زعموا رددت المحذوف إلى موضع الفاء، ألا ترى أنك تقول فى تصغيره: سميّ، وفى تكسيره: أسماء، وفى الفعل منه: سمّيت، ولو كان من السّمة ردّوا المحذوف منه أوّلا، فقالوا: وسيم، وأوسام، ووسمت.
ودليل آخر يسقط ما قالوه، وهو أنك لا تجد فى العربية اسما حذفت فاؤه وعوّض همزة الوصل، وإنما عوّضوا من حذف الفاء تاء التأنيث، فى عدة وزنة وثقة، ونظائرهنّ.
وممّا احتجّوا به على مذهب البصريّين، فى اشتقاقهم الاسم من السّموّ، أنهم قالوا: قد وجدنا من الأسماء أسماء تضع من مسمّياتها كقرد وكلب وجرو، وعوسج وشوك.
стр. 932
وليس هذا الذى تعلّقوا به بشىء؛ لأن هذه الأسماء علّقت على أجناس وضيعة، فالوضاعة لاحقة بها من الجنسيّة، لا من جهة الاسميّة، /ألا ترى أنهم قد سمّوا بكلب وكلاب، وعوسجة، وكنّوا بأبى الشّوك، فلم يضع ذلك من المسمّين والمكنّين، وجرى مجرى تسميتهم ببدر وهلال ومطر وأسد.
قيل لعلىّ بن عيسى الرّمّانىّ: لم عوّضوا فى اسم وابن، ولم يعوّضوا فى أب وأخ؟
فقال: كراهة إدخال ألف الوصل على ألف الأصل.
أراد أنهم لو أسكنوا أوّلهما واجتلبوا لهما الهمزة الوصليّة صارت همزتاهما ياءين (١)، لانكسار الهمزة قبلهما فقيل: إيب وإيخ.
وأمّا «است» فأصلها: سته، مفتوحة العين، بزنة قدح، بدلالة جمعها على أفعال كأقداح.
فإن عورض هذا القول بأنها يجوز أن يكون أصلها: سته كعدل، أو سته كبرد، وكلاهما قياسه فى الجمع أفعال.
قيل: لا يجوز ذلك؛ لقولهم فى اللغة الأخرى: سه، ففتح السين فى هذه اللغة مقطوع به على أن أصلها سته، فعل (٢).
ووزن سه: فل، ودلّ على أنّ المحذوف منها هاء، ظهور الهاء فى سه، وفى
стр. 933
جمعها وتصغيرها وما صرّف منها، كقولهم: رجل استه، وستهم، بمعنى استه، وامرأة ستهاء، والميم فى ستهم زائدة (١)، كما زيدت فى زرقم.
ولمّا حذفوا لامها صارت إلى ست، بوزن فع، فأسكنوا فاءها، واجتلبوا لها همزة الوصل تعويضا من محذوفها.
وأما «ابن» فأصله: بنو، فعل، مفتوح العين، بدلالة جمعه على أفعال، كأجبال، فلا يجوز أن يقال: إنّ أصله بنو، بكسر أوّله وسكون ثانيه، بدلالة كسر بائه في بنت، فيكون كقنو (٢)، وجمع على أبناء، كأقناء، لأن هذا يبطل بفتح الباء فى بنين وبنات وبنويّ.
/وأكثر النحويّين حكموا بأن المحذوف منه واو، واستدلّوا بظهور الواو فى البنوّة.
وقال آخرون: ليس ظهور الواو فى البنوّة بدليل على أنّ لامه واو؛ لقولهم فى مصدر الفتى: الفتوّة، ولامه ياء، بدلالة ظهور الياء فى فتيان وفتيان وفتيات، قالوا:
وإذا لم يكن فى البنوّة دلالة على الواو، فأصله بنى، فعل من بنيت، لأن الابن مبنىّ على الأب، وهذا قول، وإن كان معظم النحويّين على القول الأول (٣).
وأشكل ما فى هذا الاسم قولهم فى جمع مصغّره: أبينون، قال سلمىّ بن ربيعة السّيدىّ:
زعمت تماضر أنّنى إمّا أمت ... يسدد أبينوها الأصاغر خلّتى (٤)
стр. 934
لا يجوز [أن يكون (١)] أبينون جمعا لمصغّر ابن؛ لأنه لو كان كذلك لقيل:
بنيّون، ولا يجوز أن يكون جمعا لمصغّر أبناء، لأنه لو كان كذلك لقيل: أبيناءون، ولو أرادوا هذا لاستغنوا بقولهم: أبيناء عن جمعه بالواو والنون.
وإذا بطل الأول والثانى، فإنّ قولهم «أبينون» جمع لتصغير اسم للجمع، وليس بجمع، ولكنه كنفر ورهط، وهو مما قدّروه ولم ينطقوا به، ومثاله: أبنى مقصور، بوزن أعشى، ثم حقّر فصار إلى أبين، مثل أعيش، ثم جمع فقيل:
أبينون، وأصله: أبينيون، ففعل فيه ما فعل فى القاضون.
وابنة: حكمها حكمه، فى أنّ أصلها بنوة، أو بنية، فى قول من حكم بأن لامه ياء، ولمّا حذفوا لاميهما أسكنوا فائيهما، واجتلبوا لهما همزة الوصل تعويضا لما دخلهما من الحذف.
وأما بنت، فسنذكرها مع نظائرها، إن شاء الله.
والمحذوف من قولهم: «اثنان» ياء، فالواحد أصله ثنى، فعل، من ثنيت، بوزن قلم، لأن الاثنين قد ثني أحدهما على صاحبه.
وحكى سيبويه (٢) أنهم قد قالوا فى جمعه: أثناء، فهذا دليل على فتح عينه.
ويجوز أن يكون أصله ثني، كجذع، فأفعال محتمل للمثالين، ولا يجوز أن يقطع على/أن أصله فعل، كجذع، دون فعل، كجبل، استدلالا بكسر الثاء من ثنتان، كما لم يجز أن يحكم بأن أصل ابن: بني، اعتبارا بكسر الباء من بنت.
وأصل مؤنّثه ثنية، كرقبة، أو ثنية، كسدرة، ولمّا حذفت لاماهما أسكنت فاءاهما، وعوّضا منهما همزة الوصل.
...
стр. 935
فصل
فأمّا ما عوّض من لامه التاء
، فمنه «بنت» (١) وقد قدّمنا أن أصلها: بنوة، فحذفوا منها هاء التأنيث، ثم حذفوا الواو أو الياء التى هى لامها، وكسروا أوّلها، وأسكنوا ثانيها، وزادوا التاء فى آخرها، عوضا من لامها، فألحقوها بجذع.
وكذلك «أخت» أصلها: أخوة، فعلة، كبقرة، فحذفوا منها الهاء ثم اللام، وضمّوا أوّلها وأسكنوا ثانيها وعوّضوها التاء من محذوفها، فألحقوها بقفل، فليست التاء فيها وفى بنت كالتاء التى تلحق للتأنيث، فى نحو مرأة وظريفة، لأن هذه يلزم ما قبلها الفتح، فسكون النون من بنت، والخاء من أخت يخرج تاءيهما من أن تكونا من قبيل ما ذكرناه، إلاّ أنهما مع ذلك غير عاريتين من التأنيث بالكليّة، بدلالة قولك فى النّسب إليهما: بنويّ (٢) وأخويّ، حذفت التاء منهما كما حذفت تاء التأنيث فى قولك: مكّىّ وكوفىّ، ولو كانت مجرّدة من التأنيث لقيل بنتيّ وأختيّ.
ودليل آخر، وهو أن هذه التاء المزيدة فى بنت وأخت عوضا من محذوفيهما اختصّوا بزيادتها أسماء مؤنّثة، سيأتى ذكر جميعها، فمنها «ثنتان» وحكمها حكم بنت وأخت، فى حذف الهاء منها، ثم حذف لامها وتعويضها منها التاء، إلاّ أن المحذوف منها ياء، فأصلها: ثنية، مثل قصبة، أو ثنية، مثل سدرة، على ما قرّرناه فى مذكّرها.
/وهنت (٣) أصلها: هنوة، مفتوحة العين؛ لأن مذكّرها فعل، بدلالة جمعه
стр. 936
على أفعال، فحذفوا منها هاء التأنيث ثم الواو، وأسكنوا ثانيها، وعوّضوها التاء فألحقوها بكعب.
وذهب سيبويه (١) فى «كلتا» إلى أنها فعلى، كذكرى، وأصلها كلوى، فحذفوا واوها وعوّضوها منها التاء، كما فعلوا فى بنت وأخت وهنت، ويدلّ على أن تاءها ليست بأصل، بل بدل من حرف علّة، اعتلال اللام من كلا، ويدلّ على أن لامها واو ما ذكرناه من أن اللام أغلب على الواو.
ودليل آخر، وهو أن تعويض التاء من الواو أكثر من تعويضها من الياء.
وذهب الجرمىّ إلى أنّ وزن كلتا فعتل، وأن التاء على تأنيثها.
ويشهد (٢) بفساد هذا القول ثلاثة أشياء.
أحدها: سكون ما قبلها (٣).
والثانى: أن تاء التأنيث لا تزاد حشوا.
والثالث: أن مثال فعتل معدوم فى العربيّة.
وأمّا «كيت وذيت (٤)» فإنّ العرب استعملت هاتين اللفظتين كناية عن الجمل والحديث الطويل، وألزموهما التكرير، فقالوا: بلغنى كيت وكيت، وكان من الأمر ذيت وذيت.
وفيهما ثلاث لغات: فتح التاء وكسرها وضمّها، والفتح أشهر وأقيس.
стр. 937
وأصلهما: كيّة وذيّة، فأسقطوا منهما الهاء والياء المتحركة، وعوّضوا منها التاء، وقد استعملوا كيّة وذيّة مكرّرتين أيضا مفتوحتين لا غير، وإنما بنوا هاتين اللفظتين لأنهم عبّروا بهما عن الجمل، والجمل مبنيّة.
ألا ترى أنك إذا سمّيت بالجملة حكيتها، كما سمّوا بتأبّط شرّا، وبرق (١) نحره، وشاب قرناها، فلو سمّيت بقولك: يخرج زيد، لقلت: جاء يخرج زيد، ورأيت يخرج زيد، ومررت بيخرج زيد، وكذلك زيد منطلق هذا حكمه، فالجملة مجموعها مبنيّة، وإنما المعرب «يخرج» بانفراده و «زيد» بانفراده.
...
стр. 938
/ فصل
ومن حذف اللام على الشذوذ
، ما جاء من حذف الياء اكتفاء بالكسرة، وذلك فى غير الفواصل والقوافى، كقوله:
كفّاك كفّ لا تليق درهما ... جودا وأخرى تعط بالسّيف الدّما (١)
قوله: «لا تليق» لا تمسك.
وقال آخر، فحذف الياء من الأيدى:
دوامى الأيد يخبطن السّريحا (٢)
السّريح: جلود تنعلها الإبل إذا حفيت، واحدتها: سريحة.
وقال آخر (٣):
стр. 939
لا صلح بينى فاعلموه ولا ... بينكم ما حملت عاتقى
رمحى وما كنّا بنجد وما ... قرقر قمر الواد بالشاهق
وقوله تعالى: ﴿يَوْمَ يَأْتِ لا تَكَلَّمُ نَفْسٌ﴾ (١) من هذا الضّرب، وكذلك ﴿ذلِكَ ما كُنّا نَبْغِ﴾ (٢) لأنه ليس كقوله: ﴿وَاللَّيْلِ إِذا يَسْرِ﴾ (٣) إلاّ أن أبا علي (٤) شبّه «نبغ» بالفاصلة، قال: لأنه قد تمّ عليه الكلام.
وكذلك حذفوا الياء فى قولهم: «لا أدر» لكثرة استعماله (٥).
واختلفوا فى الوقف على الاسم المنقوص (٦)، المرفوع والمجرور، إذا كان فيه لام
стр. 940
التعريف، فأثبتها بعضهم، وحذفها آخرون، فالحجّة لمن أثبتها أنّ حرف التعريف حماها من التنوين، فزال حكم التنوين تقديرا، كما زال حكمه لفظا. ومن حذفها شبّهها لسكونها بالحركة، فحذفها كما تحذف الحركة فى الوقف، فى نحو: هذا الرجل، ومررت بالرجل، ألا ترى أنهم قد نزّلوا حروف اللّين فى نحو يدعو ويقضي ويخشى منزلة الحركة، فحذفوهنّ للجزم، كما يحذفون الحركة من الحرف الصحيح.
ونظير حذف هذه الياء إذا سكنت حذف ياء المتكلّم فى الوقف، كقراءة من قرأ: ﴿رَبِّي أَكْرَمَنِ﴾ و ﴿رَبِّي أَهانَنِ﴾ (١) وكقول الأعشى (٢):
ومن شانئ كاسف وجهه ... إذا ما انتسبت له أنكرن
والذين حذفوها ممّا فيه الألف واللام فريقان، فريق خالف بين وصله ووقفه، فأثبتها فى الوصل، وحذفها فى الوقف، وفريق حذفها فى الوصل والوقف.
وعلّة حذفها فى الوصل أنهم اجترءوا على حذفها؛ لدلالة الكسرة عليها، كما اجترءوا على حذف ياء المتكلّم لدلالة الكسرة عليها، فى نحو ﴿وَإِيّايَ فَارْهَبُونِ﴾ (٣) وعلى هذه اللغة قالوا: عمرو بن العاص (٤)، وحذيفة بن اليمان،
стр. 941
والحاف (١) بن قضاعة، وعليها قراءة من قرأ: ﴿دَعْوَةَ الدّاعِ﴾ (٢) و ﴿مُهْطِعِينَ إِلَى الدّاعِ﴾ (٣) و ﴿يَوْمَ يَدْعُ الدّاعِ﴾ (٤).
واختلفوا فى المنقوص إذا نودي، فسيبويه كان يرى إثبات يائه (٥) أوجه؛ لأنها احتمت من التنوين بالبناء، ويونس بن حبيب كان يرى حذفها؛ لأن النداء يكثر فيه الحذف والتغيير، لكثرة استعماله، ولذلك اختصّوه بالترخيم، وقد ذكرت هذا من قبل.
ومما حذفت ياؤه وهى لام: ما باليت به بالة، الأصل: بالية، على فاعلة، كالعافية (٦).
وممّا حذفت فيه ألف منقلبة عن ياء منقلبة عن واو، هى لام، قول لبيد (٧):
стр. 942
وقبيل من لكيز شاهد ... رهط مرجوم ورهط ابن المعلّ
حذف الألف من المعلّى، مع التضعيف، وأصل معلّى: معلّو، مفعّل، من علوت، ثم معلّى، صارت الواو ياء لوقوعها خامسة، ثم معلّى، صارت الياء ألفا لتحرّكها وانفتاح ما قبلها، والتضعيف يحذف فى القوافى، كقول طرفة:
أصحوت اليوم أم شاقتك هرّ (١)
وكقول امرئ القيس (٢):
إذا ركبوا الخيل واستلأموا ... تحرّقت الأرض واليوم قرّ
والألف لا تكون أصلا إلا فى حروف المعانى، وإنما تكون منقلبة أو زائدة، / فى الأسماء والأفعال (٣)، وحذفها قليل لخفّتها؛ لأن خروجها من الحلق مع النّفس بغير كلفة، قال الخليل: مخرجها فويق مخرج الهمزة، وتحت مخرج الهاء، وممّا حذفت فيه قول الآخر:
فلست بمدرك مافات منّى ... بلهف ولا بليت ولا لو أنّي (٤)
أراد: بلهفى، وأكثر ما يجيء حذفها فى الشّعر، ليقوّموا به الوزن، ويصحّحوا به القافية.
...
стр. 943
المجلس الرابع والخمسون
يتضمّن القول فى حذف ياء المتكلم من أمّ وعمّ
، إذا أضيف إليهما ابن فى النداء. وفى حذف ألفات من كلم شتّى. وفصلا فى الحذف للترخيم.
اختلفت العرب فى قولهم: يا ابن أمّ، ويا ابن عمّ، فمنهم من أثبت الياء، وهو القياس، كقول أبي زبيد الطائىّ (١):
يا ابن أمّى ويا شقيّق نفسي ... أنت خلّيتنى لدهر كئود
وكقول الآخر (٢):
يا ابن أمّى ولو شهدتك إذ تد ... عو تميما وأنت غير مجاب
ومنهم من أبدل من الكسرة فتحة، فقلب الياء ألفا، فقال: يا ابن أمّا، ويا ابن عمّا، وأنشدوا لأبى النّجم العجلىّ (٣).
стр. 944
يا ابنة عمّا لا تلومى واهجعى
ومنهم من يحذف الألف ويبقى الفتحة فيقول: يا ابن أمّ، ويا ابن عمّ.
وإنما كان القياس إثبات الياء، دون حذفها؛ لأن حذفها إنما يقوى إذا كان المنادى مضافا إليها كقولك: يا غلام، فيحذفونها كما يحذفون التنوين فى قولهم:
يا غلام، إذا أرادوا غلاما بعينه، فإذا قالوا: يا غلام غلامى، ضعف حذفها؛ لأن الغلام الثاني غير منادى.
وإنما جاز حذفها فى قولهم: يا ابن أمّ ويا ابن عمّ، ولم يكره/كما كره فى قولك: يا غلام غلامى، لأن إضافة ابن إلى هذين الاسمين مما كثر استعماله، فتغيّرا عن أحوال نظائرهما، ألا ترى أن العربيّ يلقى العربيّ الأجنبيّ وهو لا يعرفه، فيقول له يا ابن عمّ، وكذلك يقول من لا نسب بينه وبينه: يا ابن أمّ، كما يقول له: يا أخي.
فأما اختلاف القرّاء فى قوله تعالى، حاكيا عن هارون فى خطابه لموسى ﵉: ﴿يَا بْنَ أُمَّ﴾ (١) فقرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو وحفص عن عاصم:
يا ابن أمّ، بنصب الميم، وقرأ عاصم فى رواية أبى بكر، وابن عامر وحمزة والكسائىّ:
يا ابن أمّ، بكسر الميم.
فمن فتح الميم احتمل قوله أمرين: أحدهما أنه أراد: يا ابن أمّا، فحذف الألف كما يحذف الياء، إذا قال: يا غلام، وإن كان الغلام منادى والأمّ غير مناداة، ولكن جاز ذلك ولم يكره لما ذكرته من كثرة استعمالهم: يا ابن أمّ، والفتحة فى «ابن» على هذا القول نصبة، كالفتحة فى قولك: يا عبد الله.
стр. 945
والآخر: أن يكون ركّب ابنا مع أمّ، فجعلهما بمنزلة اسم واحد، كخمسة عشر، ففتحة «ابن» (١) فى هذا القول ليست بنصبة كما كانت فى القول الأول، وإذا كان قوله: «يا ابن أمّ» بمنزلة خمسة عشر، كان فى موضع ضمّ، لأنه جرى مجرى المفرد فى قولك: يا زيد.
ومن قال: يا ابن أمّ، فكسر، احتمل أمرين، أحدهما: أن يكون أضاف ابنا إلى أمّ، وأمّا إلى ياء الضمير، ثم حذف الياء، وكان الوجه إثباتها كإثباتها فى قولك: يا غلام غلامى.
والآخر: أن يكون جعل ابنا مع أمّ اسما واحدا، وأضافه إلى نفسه، كما يقول (٢): يا خمسة عشر أقبلوا، أردت: يا خمسة عشرى، فحذفت الياء كما تحذفها من آخر المفرد فتقول: يا غلام.
وقال أبو عثمان المازنىّ فى قراءة من قرأ: ﴿يا أَبَتِ لا تَعْبُدِ الشَّيْطانَ﴾ (٣) إنه أراد: /يا أبتا، قال: والدليل على ذلك أن الشاعر قد أظهرها فى قوله (٤):
يا أبتا علّك أو عساكا
وممّا حذفوه فوالوا بين إعلالين فى كلمة، الألف من ترى، فى قولهم:
«أصاب الناس جهد ولو تر ما أهل مكة (٥)» حذفوا الألف وهى منقلبة عن الياء التى هى لام فى رأيت، بعد حذف الهمزة التى هى العين، وقالوا: أم والله لأفعلنّ، وهذه «ما» المزيدة للتوكيد، ركّبوها مع همزة الاستفهام، واستعملوا مجموعهما على وجهين:
стр. 946
أحدهما (١): أن يراد به معنى حقّا، فى قولهم: أما والله لأفعلنّ.
والآخر: أن تكون افتتاحا للكلام، بمنزلة ألا، كقولك: أما إنّ زيدا منطلق، وأكثر ما يحذف ألفها إذا وقع بعدها القسم؛ ليدلّوا على شدّة اتصال الثانى بالأول؛ لأنّ الكلمة إذا بقيت على حرف واحد لم تقم بنفسها، فعلم بحذف ألف «ما» افتقارها إلى الاتصال بالهمزة.
ومن الحروف المركّبة «لولا (٢)» فلو معناها امتناع الشىء لامتناع غيره، و «لا» معناها النفى، فلما ركّبوهما بطل معنياهما، ودلّت «لولا» على امتناع الشىء لوجود غيره، واختصّت بالاسم، وعلى التحضيض، واختصت بالفعل.
ومثل ذلك تركيبهم للهمزة مع «لا» فبطل الاستفهام والنفى، ودلّ مجموعهما على ثلاثة معان، الأول: استفتاح الكلام به، كقوله تعالى: ﴿أَلا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهاءُ﴾ (٣).
والثانى: التمنّى، كقولهم: ألا ماء (٤) أشربه.
والثالث: العرض، كقولك: ألا تنزل عندنا تصب من طعامنا؟ جزمت الفعلين على الجواب؛ جواب التمنى وجواب العرض.
ومن الألفات التى حذفوها ألف «تبالى» فى قولهم «لا تبل (٥)» حذفوا ياءه أولا
стр. 947
للجزم، فقالوا: لا تبال، كقولك: لا ترام، ثم اختصروه لكثرة استعماله، فجزموه جزما ثانيا بإسكان لامه، فسقطت ألفه لالتقاء الساكنين، وقالوا فيه أيضا: لم أبله (١)، كان/قياسه أوّلا: لم أبال، كقولك: لم أرام، فحذفوا كسرة اللام، كما حذفوا ضمّة الإعراب فى نحو أجاب وأعان، فانحذفت الألف لما سكنت اللام، فصار: لم أبل، كقولك: لم أجب، ولم أعن، ثم ألحقوه فى الوقف عليه هاء السّكت، فوجب تحريك لامه؛ لسكونها وسكون الهاء، فحرّكوها بالكسر، لأنه الأصل فى حركة التقاء الساكنين، ولم يردّوا ألف «أبالى» فيقولوا: لم أبا له؛ لأن حركة التقاء الساكنين لا اعتداد بها، من حيث كانت عارضة تزول إذا زال التقاء الساكنين، والحركة العارضة لا يردّ لها المحذوف، ألا ترى أنهم لم يردّوا ألف رمى فى قولهم: رمت المرأة، مع تحرك التاء التى أوجب سكونها حذف الألف، وذلك لما ذكرناه من كون هذه الحركة لا اعتداد بها، لأنك تقول: رمت مرأة، فتزول الكسرة.
وقد اعترض فى دخول هاء السكت فى لم أبله، على اللام وهى ساكنة، وهاء السكت لا تدخل إلاّ على متحرّك لتبيّن حركته، كقولهم فى عمّ ولم: عمّه ولمه وفى كتابى وحسابى: كتابيه وحسابيه، وفى قولهم: اسع وادن: اسعه وادنه، وتدخل على الألف، لأن الألف لخفائها تشبه الحركة، وذلك فى النّدبة.
والجواب عن هذا الاعتراض: أن لام «أبالى» مكسورة كسرا أصليّا، كما ترى، والجازم أوجب حذف الياء منه وحدها، كحذفها فى لم أرام، فحذف الكسرة بعد حذف الياء حذف بغير استحقاق؛ لأنّ علم الجزم فى «أبالى» إنما هو حذف يائه، ولمّا حذفوا الياء ثم أتبعوها الكسرة، كان ذلك جزما بغير جزم، فالجزم
стр. 948
الثانى غير مستحقّ، وإذا كان إسكان اللام بغير استحقاق، وكانت الكسرة المحذوفة مقدّرة فى اللام، فكأنها موجودة لفظا، وإذا كانت فى تقدير الوجود صارت هاء السكت كأنها دخلت على متحرّك.
وشبيه هذا، وإن كان بعكسه، /تقدير السكون والعمل بمقتضى وجوده، وذلك أن «هلمّ (١)» مركّب من حرف وهو «ها» وفعل وهو «المم» فهمزة الوصل سقطت فى الدّرج، والميم الأولى ألقيت ضمّتها على اللام، ثم أدغمت فى الثانية بعد تحريك الثانية بالفتح، فصار إلى هالمّ، فلم يعتدّوا بضمّة اللام؛ لأنها منقولة إليها من الميم، فنزّلت اللام منزلة الساكن، حيث لم تكن ضمّتها أصليّة، فكأنه التقى ساكنان، فحذفوا ألف حرف التنبيه، الذى هو «ها» لمّا كانت اللام ساكنة تقديرا.
فكما حذفوا هذه الألف لسكون مقدّر، كذلك أدخلوا هاء السكت على «أبل» لحركة مقدّرة، أسقطت بغير حقّ، لأنهم أسقطوها لجزم ثان، فكأنها لذلك موجودة لفظا.
وهذا الجواب عن هذا الاعتراض مما استخرجته.
...
стр. 949
فصل
فى الحذف المسمّى ترخيما
هذا الاسم مأخوذ من قولهم: امرأة رخيم الكلام، ويحتمل هذا الوصف معنيين، أحدهما: أن يكون كلامها مرتّلا محذوف الفضول، فيكون موافقا لهذا الحذف المسمّى ترخيما.
والثانى: أن تكون ليّنة الكلام، خفيضة الصوت. ناعمة النّغمة، ومن هذا قولهم للحجر الأملس: رخامة، ولضرب ليّن من النّبت: رخامى، ومنه قولهم:
ألقى فلان على فلان رخمته، أى محبّته وتعطّفه ولين منطقه، فسمّى هذا الحذف ترخيما، لأنه تخفيف اللفظ وتسهيله، قال ذو الرّمّة (١):
لها بشر مثل الحرير ومنطق ... رخيم الحواشى لا هراء ولا نزر
الحواشى: الأطراف، فيحتمل أن يريد أن أطراف منطقها محذوفة الفضول، ويحتمل أن يريد أن منطقها ناعم المقاطع، فيوافق هذا قوله: «لها بشر مثل/ الحرير» فتكون بشرتها ومنطقها متّفقين فى اللّين والنّعومة.
والبشرة: ظاهر الجلد.
والهراء: المنطق الفاسد، يقال منه: أهرأ فى منطقه.
وللترخيم شرائط (٢)، فالشّريطة الأولى: اختصاصه بالنداء، إلاّ ما شذّ ففارق القياس.
стр. 950
والثانية: كون الاسم علما في الأغلب الأشهر.
والثالثة: كونه مفردا.
والرابعة: كونه رباعيّا فما زاد، إلاّ أن تكون ثالثة تاء التأنيث.
والخامسة: بناؤه على الضمّ بالنداء؛ لأن التغيير يؤنس بالتغيير، فلا يجوز إذن ترخيم المضاف، ولا المضارع للمضاف، وهو العامل فيما بعده الرفع أو النصب، ولا ترخيم النكرة المنصوبة بالنداء، ولا ترخيم المستغاث به؛ لأنه معرب، ولا المندوب؛ لزوال معنى النّدبة، ولا ترخيم مبهم نحو: يا هذا ويا هذه ويا هؤلاء، ولا مضمر، نحو: يا أنتما ويا أنتم؛ لما ذكرناه من اختصاصهم بالترخيم الأعلام فى الأغلب، ولأن المبهم والمضمر ليسا ممّا يغيّره النّداء، قال الشاعر فى نداء الضمير:
يا أقرع بن حابس يا أنتا ... أنت الذى طلّقت عام جعتا (١)
وإنما خصّوا النداء بالترخيم، لأنّ النداء معنى كثر استعماله، فاعتمدوا فيه هذا التخفيف، ألا ترى أن المتكلّم يقدّمه إذا أخبر أو استخبر، أو نهى أو أمر، فيقول: يا فلان، عرفت كذا، ويا فلان، هل عرفت كذا؟ ويا فلان، افعل كذا، ويا فلان، لا تفعل كذا، فلما كثر استعماله هذه الكثرة خصّوا ضربا من الأسماء كثير الاستعمال بتخفيف لفظه فيه.